← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

روى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ". ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾. أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصراط السوي﴾. أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. ﴿وَمَنِ اهتدى﴾. أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم. " وممن " استفهام في موضع رفع، / لا يعمل فيها ستعلمون. وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب قوله: ستعلمون. بمنزلة

стр. 4657

﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فإن جعلت " مَنْ " غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: " السَّوَّى " بتشديد الواو من غير همز على " فعلى " أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.

стр. 4658

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنبياء [سورة] "الأنبياء" -مكية. قوله تعالى ذكره: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. معناه: دنا حساب الله لناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " في غفلة في الدنيا ". وروي أن أصحاب النبي ﵇ كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة

стр. 4659

ربهم لهم على أعمالهم. قال ابن عباس: " عنى بذلك الكفار " دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. ومعنى الآية ما يأتي الكفار. وقال ابن عباس: " اقترب للناس حسابهم " معناه: قرب عذابهم. قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾. أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. ومعنى " محدث " أي: محدث عند النبي ﷺ ، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي ﵇ ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. وقد قيل: عني بذلك: أن النبي ﷺ كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطبق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره:

стр. 4660

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: " من ربهم ". ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾. أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم. وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي: قالوا ذلك سراً. وقال أبو عبيدة: " هو من الأضداد ". وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السمآء والأرض﴾ [الأنبياء: ٤]. الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. زعموا أن محمداً ﷺ وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ مع

стр. 4661

الكلام على موضع " الذين " من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾. فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾. والثاني: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: " هم الذين ظلموا ". والثالث: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا. والرابع: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني. والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش. والسادس: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً. كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.

стр. 4662

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السمآء والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك/، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾. أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم. " الأضغاث " الأخلاط. ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. وقال بعضهم: بل محمد. . . شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالو: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد

стр. 4663

أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت " بل " في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت " بل " لذلك. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾. في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، مآ آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة. قال تعالى: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٨]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل

стр. 4664

ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. ثم قال: ﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم. قال سفيان: " يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل ". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. وروي عن عبد الله بن سلام: " أنه قال: " نزلت في ﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر﴾ فهذا يدل على أن " الذكر " التوراة. وقال قتادة: ﴿أَهْلَ الذكر﴾: " أهل التوراة ". وقيل: ﴿أَهْلَ الذكر﴾ " أهل القرآن " من آمن منهم. وقال علي: " نحن أهل الذكر ". وقال ابن زيد: " الذكر: القرآن. لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ ".

стр. 4665

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾. أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. وقال قتادة: معناه: " ما جعلناهم جدساً إلا ليأكلوا الطعام ". وقال الضحاك: معناه: " لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام ". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام. والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقوهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ [الفرقان: ٧]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوعد﴾. أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]. ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾. أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء،

стр. 4666

يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا المسرفين﴾ يعني: الذين أسرفوا/ على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. يخاطب قريشاً. أيك فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم. وقال سفيان: " نزل القرآن بمكارم الأخلاق "، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل. وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى:

стр. 4667

﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾ [ص: ٤٦]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرِهم ف " كم " في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قربتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخث نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه. فخرج

стр. 4668

إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. قال مجاهدك " قصمنا ": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم. ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم. ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾. أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعاً يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت. فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾.

стр. 4669

لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾. ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾. أي: لا تفروا ولا تهربوا. ﴿وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون. وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد. وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة.

стр. 4670

﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. ﴿حتى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾. أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع أفصاروا مثل الحصيد من الزرع. ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: " حصدوا قتلاً بالسيف ". قال قتادة: " لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين. حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم. قال ابن عباس: " خامدين خمدوا النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم/ عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾. أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهم حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا

стр. 4671

وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له. وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم. وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح. ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. وقال ابن عباس: " لهواً: ولداً ".

стр. 4672

وقيل: لهواً: نكاحاً. وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. واقل ابن جريج: " قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية. ومعنى: " من لدنا " عند ابن جريج: " من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذي تلحقهم الآفات والنقص ". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾. قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من

стр. 4673

الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. أي: ذاهب مضمحل. ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة. وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض وَمَنْ عِنْدَهُ﴾. أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. " وعند " في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من

стр. 4674

في السماوات والأرض عبيده، فيكف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾. أي: لا يكلون من تسبيحهم. قال كعب: " التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم ". وعنه أنه قال: " الهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس ". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. قال: " إن لله ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين وركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لا ستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم من مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ

стр. 4675

جاثياً على ركبتيه ". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: " أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم القيامة: لم أعبد حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً ". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: " إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة/ عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته. وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً. وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً ". وعنه أيضاً أنه قال: " الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفتون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره ". وقال ابن عباس: " كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة ". ثم قال تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض﴾. أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذا الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. وقرىء ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله

стр. 4676

الحي الذي لا يموت. ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير والله. و " إلا " بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد " إلا " كإعراب " غير " لو ظهرت فرفع. هذا مذهب البصريين وسيبويه. وقال الفراء: " إلا " بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلهاً. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أي: لا سائل يتعب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم ومحاسبون عليها. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾. المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. قل

стр. 4677

لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم. وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: " هم ينتشرون " لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. ثم قال: ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. " وذكر من قبلي " من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. قال قتادة: " ذكر من معي " القرآن فيه الحلال والحرام. " وكذكر من قبلي " ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وماهو صانع بهم وإلى ما صاروا. وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. وقيلأ: المعنى: " وذكر من قبلي " يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله. فالمعنى

стр. 4678

على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه. ول فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾. وقرأ يحيى بن يعمر " هذا ذكر " من معي " وذكر " من قبلي بالتنوين وكسر الميم من " مِن " وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلى وذكر مما قبلي. وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً. ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلاً به. وقال قتادة: " معناه: فهم معرضون عن كتا بالله. وقرأ الحسن: " الحقُّ " بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾. أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله

стр. 4679

وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه/، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾. أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته " سبحانه " ينزه نفسه وبيرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون. وقيل: عهنى به، الملائكة وعيسى ﵇. قال قتادة: " قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: " بل هم عباد مكرمون ". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول﴾. أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر.

стр. 4680

وقيل: يعملون ما أمروا به. ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه. قال ابن عباس: معناه: " يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم ". ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾. أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عن هـ. قال ابن عباس: " إلا لمن ارتضى " أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله وقال مجاهد: " لمن رضي علمه ". ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. أي: من يقل نم الملائكة إن إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم. وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة

стр. 4681

غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾. أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لايجب من الألوهية. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: " فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: ١١ - ١٢] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقاً، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقاً. وقيل: معنى: الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة.

стр. 4682

وقال مجاهد: " كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. وعن ابن عباس أن المعنى: " أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار ". وقوله: " إن السماوات " تدل على قول مجاهد. وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. وقيل: إنما قال: " السماوات " لأن املطر وري أنه ينزل من السماء السابعة. وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. وقوله: " كانتا "، ولم يقل " كنَّ "، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

стр. 4683

أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي. وقيل: عنى بالماء هنا، النفطة خاصة. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ﴾. إلى قوله: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس. قال قتادة/: " كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض ". والميد التحرك والدوران. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾. قال قتادة: " فجاجاً ": إعلاماً. " سبلاً ": طرقاً. قال ابن عباس: " وجعلنا فيها فجاجاً " أي: في الرواسي. وعنه: " الفجاج " كل شعب في جبل أو واد له منفذ.

стр. 4684

وعنه أيضاً: " فجاجاً " بين الجبال. والفج في اللغة، الطريق بين الجللين. وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في القياس أرضات. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾. أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين. وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي ﷺ .

стр. 4685

وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: " السماء موج مكفوف ". قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً. ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر﴾. أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاص، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها.

стр. 4686

حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار. وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارق ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات. وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال مجاهد: " الفلك " كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. وقال الضحاك: " الفلك " هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. وقيل: " الفلك ": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: " الفلك " القطب الذي تدور به النجوم. وقال ابن عباس وقتادة: " في فلك السماء ".

стр. 4687

وقال ابن زيد: " الفلك " الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال: " يسبحون " لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون في فعلها. ومعنى: " يسبحون " يجرون وينصرفون ويدرون. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾. أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾. أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾. أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء.

стр. 4688

وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة/ والمعصية والهدى والضلالة. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾. أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾. يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. وقال ابن جبير: " لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾. وقال سلمان الفارسي: " لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو

стр. 4689

يخلق، قال وبقيت رجلاه. فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾. ذكره ابن وهب عن رجاله. وقال قتادة: " معناه: خلق الإنسان عجولاً. وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقال له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾. وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. فلما آتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.

стр. 4690

وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً. وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾. أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه " فليأتنا بآية " فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ إلى قوله: ﴿ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ والمؤمنين. و" متى " في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين

стр. 4691

وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً. لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت. وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع. فإن قلت موعدك بَكْرَاً. نصبت لأن بكراً غير متمكن. ويدل على صحة البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ [طه: ٥٩]. ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾. أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي " يكفون " ضمير " المشركين ". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه/. وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم.

стр. 4692

وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب " لو " محذوف لعلم السامع. وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لا تعظوا وازدجروا عن كفرهم. وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيه. ودل على هذا المعنى قوله: " بل تأتيهم بغتة " هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ [التكاثر: ٥]. أي: لو علمتم ذلك يقينً ما ألهاكم التكاثر. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾. أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب. ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره.

стр. 4693

وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. أي: ينصرون. وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون. وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾. أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم على كفرهم مقيمون. ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾. أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها

стр. 4694

وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. وقال قتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت. وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾. هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله ﷺ الغالب. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾. أي: بالقرآن. ﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء﴾. أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن. فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، " يقال: نفخ فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال.

стр. 4695

وقال قتادة: نفحة: عقوبة. وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. وقيل: " نفحة "، أقبل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. ﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا. قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾. أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. " اللام ": بمعنى: " في ". وقيل: " اللام " على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾. أي: لا يؤخذ/ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعلمه، أو يسقط له عما عمله من خير. قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ [الأعراف: ٨]. وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. ويروى أنه إنما يوزن خواتمها.
следующие страницы →