← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

بالابتداء ﴿لَهُمُ الخيرة﴾، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: " كان زيد أبوه منطلق " وهذا كلام لا وجه له ولا معنى لأنه عائد يعود على اسم كان، فإن قدرت فيه محذوفة جاز على بعد، وكان هو خبر " الخيرة "، ولهم: ملغى وأحال الطبري كون " ما " للنفي لأنها لو كانت للنفي لكان المعنى: أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول الآية، ولهم ذلك فيما يستقبلون، لأنك إذا قلت: " ما كان لك هذا " كان معنى الكلام: لم يكن فيما مضى وقد يكون له فيما يستقبل. قال أبو محمد مؤلفه رضي الله عن هـ: وهذا لا يلزم، بل هي نفي عام في الماضي والمستقبل، وقد أجمع اللغة على أن " ما " تنفي الحال والاستقبال كليس. ولذلك عملت عملها. دليله: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]. وقوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] فهذا نفي عام في الماضي والمستقبل، ولو كان الأمر على ما أصل الطبري لكان لهم دخولها فيما يستقبل غير خائفين، ولكان على النبي الحرج فيما فرض الله له فيما يستقبل، وهذا كثير في القرآن على خلاف ما تأول الطبري

стр. 5497

وأحاله أيضاً، لأنه لم يتقدم كلام يكون هذا نفي له، وهذا لا يلزم لأن الآي إنما كانت تنزل على ما يسأل النبي ﵇ عنه وعلى ما هم عليه مصرون من الأعمال السيئة. وعلى ذلك أكثر أي القرآن، فلا يلزم أن يكون قبل كل آية تفسير ما نزلت فيه ومن أجله. أي ما يسرون وما يظهرون، أي يختار من شاء من خلقه للرسالة، لأنه يعلم سرهم وظاهرهم، فهو يختارهم من خلقه على علم بهم. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي والمعبود هو الله لا معبود غيره ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾، أي في الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُ الحكم﴾، أي فصل القضاء بين خلقه. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي تردون بعد مماتكم فيقضي بينكم بالحق. قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة﴾، أي دائماً لا نهار إلى يوم القيامة. والعرب تقول لكل ما كان متصلاً لا ينقطع من رخاء أو بلاء: هو سرمد.

стр. 5498

وقوله: ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ /، أي من معبود غير الله يأتيكم بضياء النهار ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾، ما يقال لكم فتتعظون. قال أبو إسحاق: بضياء: أي بنهار تتصرفون فيه في معاشكم. وكذلك قوله في النهار فمن ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾، أي تهدءون وتستريحون من حركاتكم، فلو كان أحدهما دائماً لهلك الخلق، ولكنه تعالى خلق للخلق الليل والنهار رحمة للخلق، وهو قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾، أي في الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فعل ذلك، أي خلق لكم ذلك لتنتفعوا به ولتشكروا على ما فعل بكم من الرفق. أي ويوم يناديهم ربك يا محمد فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم

стр. 5499

شركائي؟ والمعنى: أين شركائي على زعمكم وقولكم؟. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾، أي أخرجنا من أمة شهيداً منهم ليشهد عليهم بأعمالهم. يقال: إنهم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا. ويروى: أن كل قرن لا يخلو من شهيد يشهد عليهم يوم القيامة بأعمالهم. وقيل المعنى: أحضرنا من كل أمة نبيها الذي يشهد عليها بما فعلت. قاله قتادة ومجاهد. ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾، أي حجتكم على إشراككم بالله مع مجيء الرسل إليكم بالحجج، والآيات ﴿فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ﴾، أي أيقنوا أن الحجة لله عليهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾، أي اضمحل وذهب الذي كانوا يشركون بالله في الدنيا فلم ينتفعوا به بل ضرهم وأهلكهم.

стр. 5500

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾، " قارون " فاعول اسم أعجمي معرفة فلذلك لم ينصرف ومعنى ﴿كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ أي من عشيرته، وكان ابن عمه لأبيه وأمه، وكان عند موسى من عباد المؤمنين. وهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث. قاله ابن جريج، والنخعي، وقتادة، ومالك ابن دينار. وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى لأب وأم. وقوله: ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾، أي تجاوز حده في التكبر عليهم. وقيل: كان بغيه أنه أحدث زيادة شبر في طول ثيابه، قاله شهر بن حوشب.

стр. 5501

وقال قتادة: كان بغيه عليهم بكثرة ماله. قيل: إنه لكثرة ماله استخف بالفقراء، وازدرى بني إسرائيل، ولم يرع لهم حق الإيمان بالله. وقيل: إنه كان ابن عم موسى، وكان عالماً بالتوراة فبغى على موسى، وقصد إلى الإفساد عليه والتكذيب له، وكان من طلبه للإفساد أن بغيّاً كانت مشهورة في بني إسرائيل فوجه إليها قارون، وكان أيسر أهل زمانه، فأمرها أن تصير إليه، وهو في ملإ من أصحابه، فتكذب على موسى، وتقول: إن موسى طلبني للفساد، وضمن لها قارون إن هي فعلت ذلك أن يخلطها بنسائه، وأن يعطيها على ذلك عطاء كثيراً، فجاءت المرأة، وقارون جالس مع أصحابه ورزقها الله التوبة، وقالت في نفسها: مالي مقام توبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقارون حاضر، فقالت لهم: إن قارون هذا وجه إلي يأمرني ويسألني أن أكذب على موسى وأن أقول: قد أرادني للفساد، وأن قارون كاذب في ذلك. فلما سمع قارون كلامها تحير وأبلس، واتصل الخبر بموسى ﵇ فجعل الله أمر قارون إلى موسى، وأمر الأرض أن تطيعه فيه، فورد موسى على قارون، فأحس قارون بالبلاء، فقال: يا موسى ارحمني، فقال: يا أرض

стр. 5502

خذيه، فخسفت به إلى سرته، ثم قال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى عنقه، واسترحم موسى فقال: يا أرض خذيه، فخسفت به حتى ساخت الأرض به وبداره، وه قوله جل ذكره: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: ٨١]. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز﴾، أي كنوز الأموال ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾، أي خزائنه. وقيل: هي التي يفتح بها الأبواب، والواحد في الوجهين: مفتاح، وروى الأعمش عن خيثمة أنه قال: كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلاً، كل مفتاح منها /، لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود. قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. وقال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً. وقال الضحاك: مفاتحه: أوعيته.

стр. 5503

وقيل: كانت مفاتح أقفال خزائنه لا تنقل من مكان إلى مكان إلا بعشرة أنفس من أهل القوة. قال ابن عباس: ﴿لَتَنُوءُ بالعصبة﴾، أي لتثقل بالعصبة. وقال أبو عبيدة: مجازه ما إن العصبة ذوي القوة لتنوء بمفاتح نعمه، والصحيح عند أهل اللغة أنه يقال: نؤت بالحمل: أي نهضت به على ثقل، ونأنى، وأنأني: إذا أثقلني. وقيل المعنى: لتنيء العصبة: أي تميلهم من ثقلها، كما يقال: ذهبت به، وأذهبته. والعصبة عند ابن عباس: أربعون، وكذلك قال الضحاك وأبو صالح. وقال قتادة: هي ما بين العشرة إلى الأربعين.

стр. 5504

وقال خيثمة: هم ستون، وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلاً. وقيل: كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿لَتَنُوءُ بالعصبة﴾ قال: العصبة: ثلاثة، وعنه: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: العصبة ما بين عشرة إلى خمسة عشر. وروى ابن جريج عن مجاهد: العصبة خمسة عشر رجلاً. وحكى الزجاج: أن العصبة هنا: سبعون رجلاً، والعصبة في اللغة: الجماعة، يتعصب بعضهم لبعض. وقوله: ﴿أُوْلِي القوة﴾، أي ذوي الشدة. قال مجاهد: ﴿أُوْلِي القوة﴾ خمسة عشر رجلاً.

стр. 5505

ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله﴾، أي لا تبطر ولا تأشر ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾، أي البطرين الأشرين الذين لا يشكرون على ما آتاهم الله من فضله، أمروا بالتواضع والاستكانة لله. قال قتادة: ﴿الفرحين﴾، المرحين، وكذلك قال ابن عباس. وقال مجاهد: المتبذخين. وقيل: ﴿الفرحين﴾ المستهزئين. وذكر الفراء: أن موسى الذي قال له ذلك وحده، فأخبر عنه بلفظ الجماعة كما قال: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود. وفرق الفراء بين الفرحين والفارحين، فقال: الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين: الذين يفرحون فيما يستقبل، ومثله عنده طمع وطامع، وميت

стр. 5506

ومايت، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] يدل على خلاف ما قال الفراء، لأن هذا للمستقبل، ولم يكونوا في حال موت إذ خوطبوا بهذا، ولم يقل: مايت ومايتون. وقال الزجاج: معنى ﴿لاَ تَفْرَحْ﴾ أي تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي فيه الحق. قال تعالى: ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة﴾، أي وقال قوم قارون له: التمس في المال الذي أعطاكه الله الدار الآخرة بالعمل الصالح فيه ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾. قال ابن عباس: معناه لا تترك العمل في الدنيا لله بطاعته وهو معنى قول مجاهد وغيره. قال ابن زيد: لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك. وقيل معناه: بل من لذات الدنيا المحللة، لأن ذلك ليس بمحظور عليك. وقيل: معناه لا تترك أن تطلب بدنياك الآخرة فهو حظك من دنياك.

стр. 5507

وقال قتادة: معناه لا تخسر ما أحل الله لك فيها فإن لك فيها غنى وكفاية وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغك. وقال ابن جريج: الحلال فيها. وعن مالك رضي الله عن هـ: أنه الأكل والشرب في غير سرف. ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾، أي وأحسن في الدنيا بإنفاق مالك في وجهه، كما وسع الله عليك. ﴿وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض﴾، أي لا تلتمس ما حرم الله عليك من البغي على قومك ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾، أي لا يحب بغاة البغي والمعاصي. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي﴾، أي قال قارون لقومه لما وعظوه: إنما أوتيت هذا المال: ﴿على عِلْمٍ عندي﴾ أي بفضل علم عندي علمه الله مني، فرضي بذلك عني، وفضلني عليكم بالمال لذلك، فلم يرض بأن يكون الله هو

стр. 5508

المنعم عليه بذلك، فأضاف اكتساب ذلك إلى نفسه لا بشكر الله عليه، فصار كافراً بذلك، وببغيه على بني إسرائيل، وكان قارون أقرأ الناس للتوراة. / قيل: كان يعرف عمل الكيمياء، وأنكره الزجاج، وقال: الكيمياء باطل. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ﴾، أي بطشاً ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾، أي جمعاً للأموال فلم تغن عنه أمواله شيئاً، فلا فضل لمن أوتيها. ثم قال: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾. قال قتادة: يدخلون النار يغير حساب. وقيل: المعنى أن الملائكة لا تسأل عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم، كقوله جل ذكره: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] قاله مجاهد، وسيماهم: زرقة العيون، وسواد الوجوه. وقيل: المعنى ولا يسأل هلاء عن ذنوب من مضى وأهلك من الأمم الكثيرة الأموال.

стр. 5509

وقيل المعنى: لا يسألون سؤال اختيار فيختلف الضمير في ذنوبهم على مقدار المعاني المذكورة. قوله تعالى ذكره: ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قيل: خرج في ثياب الأرجوان. قال جابر: خرج في القرمز. وقال مجاهد: خرج في ثياب حمر على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم المعصفرات. قال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن ثياب حمر. وقال الحسن: خرج في ثياب حمر وصفر. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة آلاف دابة عليهم وعلى دوابهم الأرجوان.

стр. 5510

وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات. وقال شهر بن حوشب: زادوا على الناس في طول ثياب أربعة أشبار. ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا﴾، أي يحبون زينة الدنيا من قوم قارون ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾، من زينة الدنيا. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي ذو نصيب عظيم في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾، أي اليقين والإيمان ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله﴾، أي اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله لمن آمن به وبرسله ﴿خَيْرٌ﴾ مما أوتي قارون من زينته وماله. ﴿وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون﴾ أي لا يوفق لقول هذه الكلمة وهي ﴿ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، إلا الصابرون. أي إلا الذين صبروا عن زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من النعيم على شهوات الدنيا. قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ أي فخسفنا بقارون وأهل داره الأرض. روي: أن موسى ﵇ أمر الأرض أن تأخذه، ومن كان يتبعه من جلسائه في داره، وكان معه جماعة وهم على مثل حاله من النفاق على موسى. قال ابن عباس: لما نزلت الزكاة أتى موسى قارون فصالحه على كل ألف دينار ديناراً، وعلى كل ألف درهم درهماً، وعلى كل ألف شاة شاة. ثم أتى قارون بيته

стр. 5511

فحسبه فوجده كثيراً، فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً فتقذفه بنفسها، فدعوها فجعلوا لها جعلاً على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى، فقال لموسى إن بني إسرئيل قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم وهم في براح من الأرض، فقال يا بني إسرائيل: من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه بثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت أو رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت، قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك، قال: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا وقد كذبوا، وقد جعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي فوثب وسجد وهو بينهم فأوحى الله إليه: مر الأرض بما شئت، فقال يا أرض خذيهم، فأخذتهم /، إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، ثم كذلك حتى أخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى، ويتضرعون إليه، فقال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: يا موسى، يقول لك عبادي يا موسى، يا موسى لا ترحمهم، أما لو إياي دعوا لوجدوني قريباً مجيباً. قال ابن عباس: خسف به وبداره إلى الأرض السابعة. قال ابن جريج: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم قامة، ولا يبلغ إلى أسفل

стр. 5512

الأرض إلى يوم القيامة. وقال مالك بن دينار: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ﴾، أي من فرقة ترد عنه عذاب الله. وما كان ممن ينتصر من عذاب الله. قال: ﴿وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالأمس يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾، أي قال الذين قالوا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] لما أن خسف به، وبداره، وأمواله ﴿وَيْكَأَنَّ الله﴾. قال الخليل، وسيبويه، والأخفش والكسائي: في ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: إن القوم تنبهوا أو انتبهوا فقالوا: وي. والمتندم من العرب يقول في حال تندمه: وي. قال الخليل: هي " وي " مفصولة من كأن. والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أو ما يشبه أن يكون ذلك عندكم هكذا. فالمعنى على هذا القول أن القوم تندموا على ما سلف من قولهم: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] الآية.

стр. 5513

ومن شأن المتندم إذا أظهر ندامته أن يقول " وي " فالوقف على هذا المعنى " وي ". وقال المفسرون: معناها: ألم تر. وحكى الفراء: أن أصلها " ويلك " ثم حذفت اللام، فيكون الوقف. " ويك "، وهذا بعيد عند كل النحويين، لأن القوم لم يخاطبوا أبداً، ويلزم على قوله أن تكون أن مكسورة إذ لا شيء يفتحها مع أن حذف اللام من " ويلك " غير معروف. وقدره بعض من يقول بقول الفراء " ويلك " إعلم أنه وهو بعيد لما ذكرنا، ولأن العرب لا تعلم العلم مضمراً. وقال بعض الكوفيين: فيه معنى التقرير: ومعناه: أما تروا أنه لا يفلح. وحكي: أنه سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال لها: ويكأنه وراء البيت، على معنى أما ترى أنه وراء البيت؟ وحكى يونس عن العرب: وي ما أغفله. وحكى قطرب: " وي " لأمه.

стр. 5514

وقال معمر: معناه: أو لا يعلم أنه لا يفلح. فالمعنى: أن القوم لما عاينوا ما نزل بقارون، قالوا: ألم تر أن ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ويضيقه على من يشاء، ليس يعطي أحد الفضل فيه ولا يمنع أحد لنقص فيه، بل يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء. وكتبت " ويكأن " متصلة لكثرة الاستعمال، كما كتبوا يا ابن أم متصلة. وروي عن الكسائي: أنه يقف " وي " ويبتدئ كأن. وحكي عن أبي عمرو: أنه يقف " ويك ". والمستعمل وصل ذلك اتباعاً للمصحف، ولا يوقف على بعضه دون بعض. قال: ﴿تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾، أي لا يريدون تكبراً عن الحق، ولا ظلم الناس بغير حق. قال عكرمة: العلو: التجبر.

стр. 5515

قال ابن جبير: العلو: البغي. وقال ابن جريج: علواً، تعظماً وتجبراً، ﴿وَلاَ فَسَاداً﴾، عملاً بالمعاصي. وروي عن علي رضي الله عن هـ أنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله: ﴿تِلْكَ الدار الآخرة﴾. وقوله تعالى: ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾،. قال قتادة والضحاك معناه: والجنة للمتقين: يعني الذين اتقوا المعاصي وأدوا الفرائض. قال تعالى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾، أي من جاء يوم القيامة بالإخلاص فله منه خير. قال عكرمة: ليس شيء خيراً من لا إله إلا الله. وإنما المعنى: من جاء بلا إله إلا الله فله منها خير أي حظ خير.

стр. 5516

وقيل المعنى: من جاء يوم القيامة بالحسنات فله ما هو خير له من ثوابها، وهو التفضل الذي يزيده الله على ثوابها، لم يستحقه لعمله، وإنما هو تفضل من الله عليه، فيكون الثواب على عمله، والتفضل خير له من الثواب وحده. وقيل: ذلك الخير: الجنة. ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾، يعني الشرك بالله ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ﴾، أي لا يثابون إلا جزاءَ / أعمالهم لا يزاد عليهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾،. هذا مخاطبة للنبي ﷺ ، والمعنى: إن الذي أنزل عليك القرآن يا محمد. قاله مجاهد وغيره. وقيل معنى: فرض عليك العمل بما فيه. ﴿لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾، أي إلى الجنة، قاله ابن عباس، والخدري، وأبو مالك، وأبو صالح، لأن أباه منها خرج، فجاز أن يقال للنبي: إلى معاد فيها، وإن كان هو

стр. 5517

لم يخرج منها. وقيل: إنما جاز ذلك لأنه دخلها ليلة الإسراء، فالله تعالى يرده إلى الموضع الذي دخله، ويعود به إليه. وقال عكرمة، وعطاء، ومجاهد: إلى معاد: إلى يوم القيامة. وكذلك قال الحسن: معاده الآخرة. وعن ابن عباس: إلى معاد: إلى الموت، وقاله ابن جبير. وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد: إلى معاد: إلى مكة، وهو الموضع الذي خرج منه، فكان ذلك بعد مدة، وهذا من دلالات نبوته ﷺ لأنه أخبر بمكة أنه إذا خرج منها سيعود إليها، فكان ذلك. والسورة مكية ورجع إلى مكة بعد هجرته إلى المدينة وبقائه بها تسعة أعوام أو نحوها، وذلك كله بوحي الله جل ذكره إليه بذلك في كتابه بقوله: ﴿لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾.

стр. 5518

واختار الزجاج قول من قال: إلى يوم القيامة، لأن المعنى لرادك إلى الحياة التي كنت فيها. ثم قال تعالى: ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾، أي: من جاء بالهدى منا ومنكم ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، منا ومنكم، أي في جور عن قصد السبيل. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾، أي لم تكن يا محمد تظن أن القرآن ينزل عليك فتعلم به أخبار الأمم قبلك، وما يحدث بعدك، إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك ف ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ استثناء منقطع، فهذا تذكير من الله لنبيه بنعمه عليه. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾، أي عوناً لمن كفر بربه على كفره. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، أي لا يصرفك يا محمد الكفار عن تبليغ آيات الله وحججه بعد إذا أنزلت إليك بقولهم:

стр. 5519

﴿لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى﴾ [القصص: ٤٨]، ﴿وادع إلى رَبِّكَ﴾، أي وادع الناس إلى توحيد ربك وعبادته ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾، أي ولا تترك تبليغ ما أرسلت به، فتكون كالمشركين في ترك ما أمرت به. قال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾، أي لا تعبد يا محمد ﷺ مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبوداً آخر ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي لا معبود تصلح له العبادة إلا له، الذي ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾، أي إلا إياه. وقال سفيان معناه: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. وحكى بعض أهل اللغة أن معناه: إلا جاهه، يقال: فلان وجه القوم أي جاه القوم، فالتقدير: كل شيء في العباد هالك إلا الوجه الذي يتوجهون به إلى الله جل ذكره.

стр. 5520

﴿لَهُ الحكم﴾، أي بين خلقه دون غيره، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي تردون بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالعدل.

стр. 5521

الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٤٣٧ هـ المجلد التاسع العنكبوت - الصافات ١٤٢٩ هـ ٢٠٠٨ م

стр. 5522

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العنكبوت سورة العنكبوت مكية قوله تعالى ذكره: ﴿الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ إلى قوله: ﴿فِي صُدُورِ العالمين﴾. معن الاستفهام هنا التقرير والتوبيخ. والمعنى أنا الله أعلم. أحسب الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى

стр. 5523

المشركين أن نتركهم بغير اختبار وامتحان. قال أبو إسحاق: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم. قال مجاهد: لا يفتنون: لا يبتلون في أنفسهم وأموالهم. وقال قتادة: لا يقتلون. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ﴾. أي ولقد اختبرنا الذين من قبل قومك يا محمد، بإرسال الرسل وبالأذى من المشركين كأذى القبط وفرعون لبني إسرائيل، فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم إنا

стр. 5524

مؤمنون وليعلمنّ الكاذبين في قتيلهم ذلك. وقد كان الله جلّ ذكره عالماً بهم في كل حال/، ولكن معناه فليظهرن الله ذلك بالابتلاء والاختبار. وقيل: المعنى: فليعلمنّ الله الذين ثبتوا في الحرب من الذين انهزموا فيكون " صدقوا " مأخوذاً من الصَّدْقِ وهو الصَّلْبُ. وكذبوا من كذب إذا انهزم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين عذّبهم المشركون مثل عمار بن ياسر، وعياش بن [أبي] ربيعة، والوليد بن الوليد، وهشام بن عمار، وسمية

стр. 5525

أم عمارة، وغيرهم، ففتن بعضهم وصبر بعضهم على الأذى حتى فرّج الله عنهم. وقيل: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فالفتنة تخلفهم عن الهجرة. وقال الشعبي: نزلت في قوم أقروا بالإسلام في مكة فكتب إليه أصحاب النبي ﷺ أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا إلى المدينة فابتعهم المشركون فردوهم، فنزلت هذه الآية فيهم، فكتبوا إليهم أنه قد أنزلت فيكم آية كذا وكذا. . فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا فأنزل الله فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ﴾ [النحل: ١١٠] الآية.

стр. 5526

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي: أحسب الذين يشركون بالله أن يعجزونا فلا تقدر عليهم، ساء الحكم الذي يحكمونه وقوله " ساء ما " يجوز أن تكون " ما " نكرة على تقدير ساء كثيراً يحكمون، كنعم رجلاً زيد. ويجوز أن تكون معرفة على تقدير ساء الشيء يحكمون. وأجاز ابن كيسان أن تكون ما والفعل مصدراً، أي: ساء حكمهم. ولكن لا يقع لفظ المصدر بعد ساء وإن كان الكلام بمعنى ذلك، كما نقول عسى أن تقوم، ولا يجوز عسى القيام، وهو بمعناه. فأجاز أن تكون ما زائدة، ولكنها سدت مسد اسم ساء. ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ أي: من كان يخاف يوم لقاء الله. وقيل من كان يخاف الموت فليقدم عملاً يقدم عليه. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ فهو الموت لا بدّ منه. وعمل يرجو على بابها بمعنى الطمع.

стр. 5527

والمعنى: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله الذي أجله لبعث خلقه لآت قريباً، وهو السميع لقوههم آمنا بالله، العليم بصدق قولهم. ثم قال: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من جاهد واجتهد في الأعمال الصالحة فإنما ينفع نفسه، ليس لله في ذلك نفع لأنه تعالى ذكره عني عن جميع الخلق. وقيل: المعنى ومن جاهد عدوه، لنفسه لا لله ولا ابتغاء ثوابه على جهاده، فليس لله في جهاده حاجة لأنه غني عن جميع خلقه. ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. أي: والذين مع إيمانهم عند الاختبار والابتلاء وعملوا الأعمال الصالحة، لنكفرنّ عنهم ما سلف من ذنوبهم في شركهم. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفير سيئاتهم. ثم قال ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أي: وصيناه أن يفعل حسناً. وقيل: في وصينا مضمر مكرر ناصب لحسن. وقيل: التقدير: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن.

стр. 5528

ومن قرأ " إحساناً " فمعناه أن يحسن إحساناً. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ﴾ أي: خالفهما في ذلك. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم فأخبركم بأعمالكم في الدنيا من صالح وسيئ، ثم أجازيكم عليها. روي أن هذه الآية نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حتى يرجع، فأمره الله بالإحسان إليها، وأن لا يطيعها في الشرك. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة كان قد هاجر مع عمر رضي الله عن هـ حتى وصلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام وهما أخوا عياش لأم

стр. 5529

وأمهم امرأة من بني تميم. فلما وصلا المدينة قبل هجرة النبي ﵇ قالا: لعياش: ألست تزعم أن من دين محمد صلة الرحم وبرّ الوالدين، وقد جئناك ونحن/ إخوتك وبنو عمك، وأنّ أمُّنا قالت ألاّ تطعم طعاماً ولا تأوي بيتاً حتى تراك وقج كانت لك أشدّ حباً منا، فاخرج معنا حتى ترضي والدتك، ففي رضاها رضى ربك ورضا محمد، ومع هذا تأخذ مالك. واستشار عمر فقال: هم يخادعونك ويمكرون بك. ومعي مال، ولك الله عليّ ، إن أقمت معي ولم ترجع عن هجرتك أن أقسِّم مالي بيني وبينك نصفين، فما زالوا به حتى أطاعهم وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذا عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها. فإن رابك منهم أمر فارجع، فمضى معهم حتى أتى البيداء فقال أبو جهل لعياش: إن ناقتي قد كَلّتْ فاحملني معك، قال له: نعم، قال: فانزل حتى أوطئ لنفسي ولك، فلما سار معهم في الأرض وهم ثلاثة كان معهم الحارث بين يزيد العامري شدوه وثاقاً، ثم جلده كل وحد منهم مائة جلدة، ثم

стр. 5530

ذهبوا به إلى أمه، فقالت له: والله لا تزال في العذاب حتى ترجع عن دين محمد فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ﴾. الآيات. ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي: ندخل الصالحين، وذلك الجنة. ثم قال: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ أي: ومن الناس من يقول أقررنا بالله (فوحّدناه)، فإذا آذاه المشركون في إقراره بالله جعل فتنة الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة فارتد عن إيمانه. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾. يعني نصر لك يا محمّد وللمؤمنين، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: ليقول هؤلاء المرتدّون عن الإيمان، الجاعلون فتنة الناس كعذاب الله ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ننصركم على أعدائكم، كذباً منهم وإفكاً. يقول الله تعالى: ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين﴾ أي: يعلم ما في صدر كل واحد من خلقه، فكيف يخادع من لا يخفى عليه خافية ولا يستترعنه سر ولا علانية؟ قال ابن عباس: فتنته أن يرتد عن الإيمان إذا أوذي في الله. قال مجاهد: هم أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في

стр. 5531

أنفسهم افتتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة. وقال الضحاك وابن زيد: هم منافقون كانوا بمكة إذا أوذو أو جاءهم بلاء رجعوا إلى الكفر. وقال ابن عباس: كان نقوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم أهل مكة يوم بدر معهم فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. فكتب بها إلى (من) بقي بمكة من المسلمين فلم

стр. 5532

يكن لم عذر فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا﴾ الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير ونزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ [النحل: ١١ ٠] الآية، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله جلّ ثناؤه قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. وقال قتادة في الآيتين إلى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾، هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية إلى ها هنا وسائرها مكي. قال مجاهد: جعل فتنة الناس كعذاب الله، أي: جعل أذى الناس له في الدنيا كعذاب الله على معصيته، فأطاعهم كما يطيع الله من خاف عقابه. وقيل: المعنى: خاف من عذاب الناس كما خاف من عذاب الله. ثم قال ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ فردّه على المعنى فجمع، ورده أولاً على اللفظ فوحد. وقوله: ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين﴾ أي: يعلم أنهم لكاذبون في قولهم: إنا كنا معكم. قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾.

стр. 5533

فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾. أي: وليعلمنّ أولياء الله وحزبه أهل الإيمان بالله منكم من أهل النفاق وهو قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾. ثم قال تعالى ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا﴾ أي: كونوا على ما نحن عليه من الكفر ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ إن بعثتم وجوزيتم، فنحن نحمل/ آثام خطاياكم عنكم. وذلك قول الوليد بن المغيرة: قال للمؤمنين: كونوا على ما نحن عليه من الكفر ونحن نحمل خطاياكمز قيل: هو من الحمالة وليس من الحمل على الظهر. فالمعنى اتبعوا ديننا ونحن نضمن عنكم كل ما يلزمكم من عقوبة ذنب، وما هم بحاملين: أي: بضامنين ذلك. وقيل: ذلك قول كفار قريش لمن آمن منهم: أنكروا البعث والجزاء فقالوا للمؤمنين أنكروا ذلك كما ننكره نحن، فإن بعثتم وجوزيتم فنحن نحمل عنكم خطاياكم.

стр. 5534

قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي: وليحملنّ هؤلاء المشركون أوزارهم وأوزار من أضلّوا وصدوا عن سبيل الله. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون. ومثله قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥]. قال قتادة: في حديث رفعه " من دعا إلى ضلالة كُتبَ عليه وزرها ووِزرُ من عَمِل بها ولا يَنْقُصُ منه شيء ". وقال أبو أمامة الباهلي: " يُؤْتى بالرّجل يومَ القيامة يكونُ كثيرَ الحسناتِ فلا يزَالُ يقتصُّ منه حتى تَفْنى حسانته، ثم يُطالبُ فيقولُ الله جلّ وعزّ: اقتصُّوا من عبدي فتقول الملائكة، ما بقيَتْ له حسناتٌ، فقولُ خذوا من سيّئاتِ المظلومِ واجعلوها عليه. قالَ أبو أمامة: ثم تلى النبيّ ﷺ : ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ".

стр. 5535

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾. وهذه الآية وعيد من الله للمشركين من قريش القائلين للمؤمنين منهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. فيها تسلية للنبي ﷺ مما لحقه من قومه. فالمعنى تسلَّ يا محمد ولا تحزن فإن مصيرك ومصير من آمن بك إلى النجاة، ومصير من كفر بك إلى البوار والهلاك كفعلنا بنوح وقومه. ذكر عون بن أبي شداد: أن الله جلّ ذكره أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً. ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة. وروى ابن وهب عمّن سمع عبد الوهاب بن مجاهد يقول: مكث نوح
следующие страницы →