← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وروي أن / سائلاً سأل [النبي ﵇] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية. وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية. وقال عطاء: " لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية. قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس. وعن النبي ﵇: أنه قال: " ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: ﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ".

стр. 562

والمعنى عند الطبري: " فإني قريب في كل / وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان ". وقال مجاهد: " لما نزلت: ﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]. ". وقال قتادة: " لما نزلت: ﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ " الآية. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾. فمعناه: إذا شئت كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾. أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: " استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ " بمعنى أجبته. وقال أبو عبيدة: " معناه: فليجيبوني ".

стр. 563

وتحقيق اللفظ عند / أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، / كما يقال: " استنصر "، إذا استدعى النصر. وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: " ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ فليدعوني ". وقيل: هو التلبية. وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها. وقال أبو رجاء: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: معناه: و " ليصدقوا بي " أني أستجيب لهم. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. معناه: لعلهم يهتدون. و " لعل " من الله واجبة. وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة. وروي عن النبي [﵇]. أنه قال: " " الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ " ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ".

стр. 564

وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: " اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ". وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف " دعانِ " و " يَرْشُدُونَ ". والفعل من " يرْشُدونَ ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ. ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾. أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد

стр. 565

النوم ما لم / يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس. والرفث هنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس: " الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني ". وهو قول جميع المفسرين. وقال الزجاج: " الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته ". والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾. المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، يريد الولد

стр. 566

بإجماع من المفسرين. وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة / ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع. ثم قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان. وقال الربيع: " معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن ". وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [﵇] لباس الحرير. وقيل: إنما / جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ / اليل لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة

стр. 567

الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد. والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: " هو لباسه وغشاؤه " فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: " معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن ". وقال ابن عباس أيضاً. وقوله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب / وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب

стр. 568

رضي الله عن هـ جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر. وقال معاذ بن جبل: " كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من / ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ ﷺ ] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث﴾ الآية.

стр. 569

وقال ابن عباس في الآية: " كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقال كعب بن مالك: " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، / حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [﵇] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ ﷺ فأخبره فأنزل الله : ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.

стр. 570

وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: " كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث﴾ الآية ". وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.

стр. 571

وقال قتادة: " [كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم / إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله ذلك لهم إلى طلوع الفجر ". وقال السدي: " كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنسخ الله ذلك عنهم فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث﴾ الآية. قال أبو العالية وعطاء: " هذه ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله: ﴿فالآن باشروهن﴾. أي جامعوهن في ليل / الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.

стр. 572

وقوله: ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾: هو الولد ". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: " وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر ". وقال قتادة: " معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع ". وقيل معناه: " ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح / لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً. وقوله: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾.

стр. 573

أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر. وقال الحسن: " معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل ". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [﵇]. ويروى " أن عدي بن حاتم أخذ / خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [﵇] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأى نواجذه، ثم قال له: " ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ ". وقال سهل بن سعد. " نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود﴾،

стр. 574

ولم ينزل ﴿مِنَ الفجر﴾. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، / فأنزل الله بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار ". وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير / والتقدير: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل ". وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة. والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.

стр. 575

والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض. والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧]: أي منتشراً فاشياً. والفجر في اللغة مصدر، " فجر الماء، يفجر فَجْراً " إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: " فَجْرٌ "، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون. وقوله: ﴿مِنَ الفجر﴾ معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: " هو ضوء الشمس من سواد الليل ".

стр. 576

وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عن هـ أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: " تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح ". وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال. وعن التيمي أنه قال: " الوتر بالليل والسحور بالنهار ". وعنه: " السحور بالليل والوتر بالليل ". وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.

стр. 577

وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾. إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه / أهل النظر أن " إلى " إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: ﴿إِلَى المرافق﴾ [المائدة: ٦] و ﴿إِلَى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: ﴿إِلَى الليل﴾. وقد بينا هذا / في المائدة بأشرح من هذا. وقوله: ﴿وَلاَ تباشروهن وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾. أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً. ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.

стр. 578

ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ / الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده. ثم قال: ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله ءاياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه. ثم قال: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام. ﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ الناس﴾ أي: من طائفة من أموالهم. ﴿بالإثم﴾ أي: بالحرام. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم. قال ابن عباس: " هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم ". ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم / حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: " هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم ". يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.

стр. 579

ويقال: " أدلى فلان بحجته " إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: " أدليت الدلو " إذا أرسلتها، و " دَلَوْتُها " إذا رفعتها وأخرجتها. قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ / عَنِ الأهلة﴾. الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين يرونه يرفعون أصواتهم بذكره. ويقال: أهَلَّ الهِلالُ واسْتَهَلّ. وسمي هلالاً لليلتين. وقيل: إلى الليلة السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [ ﷺ ] سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾. معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في

стр. 580

محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال. فقيل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة الآجال لمن استوجر وتصرم عدة النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم وأشباه / هذا. فهذا معنى قوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾. ومعنى: " والحج " أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك لسؤال سائل سأل النبي [﵇] عن الأهلة. قال ابن جريج:

стр. 581

" سأل الناس: لم خُلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك ". وكذلك / قال ابن عباس وقتادة. وقوله: ﴿وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا﴾. قال البراء: " كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية إنذاراً لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك ". وقال إبراهيم النخعي: " هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك ". وقال مجاهد: " كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته وجعل سلماً، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك ". وقال الزهري: " كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين السماء

стр. 582

شيء، يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار من وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل النبي [﵇ من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له النبي ﷺ : إني أحْمَسٌ، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على دينك. فأنزل الله الآية ". وقال السدي: " كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس ". وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، فنهوا عن ذلك. وقال جماعة من أهل التفسير: " الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم يدخل من باب بيته. وسموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا ".

стр. 583

والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر التقوى. وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار مُنعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من الباب / المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ. وقال أبو عبيدة: " ﴿وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: اطلبوا الخير من بابه ومن أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين ". وأكثر الناس على القول الأول. وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من/ يقاتلهم

стр. 584

﴿وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾. أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد ن سخ الله ذلك في براءة بقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] و ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾. قال ابن زيد. وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز/ وغيرهم: " الآية محكمة غير منسوخة ". وقوله: ﴿وَلاَ تعتدوا﴾ أي: لا تقتلوا الشيخ/ الكبير والنساء والذرية، ولا من ألقى إليكم السلام، فإن فعلتم اعتديتم. ومعنى ﴿الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة على قتالكم ومَن عادتُهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه كالرهبان [ومن أدى] / الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان.

стр. 585

وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجية، وكذلك لا يحل قتل من أدى الجزية. قوله: ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى " الثقافة بالأمر ": الحذق به والبصر. ومعنى " التَّثْقيفِ ": التقويم. ثم قال: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾. هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا - هم - منه، وأُخرجوا. ﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾. أي الشرك الكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤذي إلى الكفر أشد من القتل.

стр. 586

قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام﴾ الآية. وجه قراءة حمزة والكسائي: " وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ " بغير ألف، من القتل حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: " قد قُتل بنو فلان " ولم يُقتل إلا الأقل منهم. " ومات الناس " ولم يمت إلا الأقل منهم. فأمام عنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم. وقال قتادة: " أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى

стр. 587

يبدأوهم/ ثم نسخ ذلك قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ﴿حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك ﴿وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ أي يقال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". وروي عن قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾، [التوبة: ٥]. فأمروا بالقتال، ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إلا الله وأن] محمداً رسول الله ". وقال مجاهد: " الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله "، واحتَجَّ بحديث النبي ﷺ يوم فتح مكة: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ لَمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدي ". وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله:

стр. 588

﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره. قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. الدين العبادة والطاعة. قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين﴾ أي: لا يُجازى إلا هم. وسيمت مجازاتهم عدواناً لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ومنه: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ومنه: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومنه: ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. ومعنى: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾، أي لا يُقاتَل إلا من قاتل. قال الأخفش: " المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، وهو الظالم منهم ".

стр. 589

قوله: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾. هو ذو القعدة وذلك أن النبي ﷺ صده المشركون عام الحديبية في ذي القعدة وهو محرم بعمرة، وذلك ي سنة ست/ من هجرته، فرجع من الحديبية ونحر - ثَم - هديه وحلقوا وقصر واثَم، وصالحهم في تلك السنة على أن يعود من الام المقبل، وهو سنة سبع من هجرته. فخرج النبي معتمراً في العام المقبل، وأخلى له المشركون مشكة، فأتم عمرته، وأقام ثلاثة أيام، فقال الله له وللمسلمين: هذا الشهر الحرام الذي قضيتم فيه عمرتكم عِوَضٌ عن ذلك الشهر الذي صدكم فيه المشركون. ﴿والحرمات قِصَاصٌ﴾: بعضها قصاص لبعض؛ شهر حرام بشهر حرام. وإنما جمع في قوله: ﴿والحرمات﴾ وليس ثم الأشهر بدل من شهر لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الحرم، فصارت حرمات/ قضاء الوقوف بها/ في عام سبع عوض من حرمات، صدوا عنها في عام ست. وقال ابن عباس: " معناه: أن الله أطلق للمسلمين أن يقتصوا ممن اعتدى عليهم ". فتقديره: والحرمات منكم - إذا تعدي عليكم فيها - قصاص. وكان الإنسان حراماً ضربُه وشتمه وجَرحُه وغير ذلك، فأبيح لهم القصاص.

стр. 590

قال: ثُمَّ نسخ ذلك، وصير الحكم إلى السلطان، فليس لأحد أن يقتص دون أن يرفع إلى السطان ". قوله: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: " أمروا/ في/ أول الإسلام أن ينتقموا ممن آذاهم مثل ما صنع بهم، ثم نسخ ذلك، فرد الأمر إلى السلطان ". وقال أكثر أهل التفسير: " الآية في القتال: أي: فمن قاتلكم في الشهر الحرام فقاتلوه بدلالة ما قبله من الأمر بالقتال، والنهي عنه في المسجد الحرام، وهو نظير قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. والآية منسوخة بالأمر بالقتال في الحرم وإن لم يبدأوا، بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وبقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾. وبهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي أن يأخذ الرجل من مال من خانه بقدر ما خانه من غير رأيه. وقاله أصحاب الرأي. ولم يجزه مالك.

стр. 591

قوله: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ﴾. قال النبي [﵇]: " مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمائة ضِعْفٍ ". و" إِلَى " متعلقة بـ ﴿تُلْقُواْ﴾. والباء متعلقة بالمصدر عند المبرد، وهي زائدة عند الأخفش. والتهلكة: الهلاك. حضّ الله المسلمين على النفقة في سبيله والجهاد لئلا يقوى العدو، فتصير عاقبة أمرهم إلى الهلاك. والتهلكة عند سفيان: ترك النفقة في سبيل الله . وقال ابن عباس: " التهلكة الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى " وقال ابن زيد وغيره: " معناه: لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة، أمروا أن ينفقوا في سبيل الله وأن لا يخرجوا بغير نفقة، فيهلكوا أنفسهم ".

стр. 592

وقال زيد بن أسلم: " كان رجال يخرجون إلى البعوث بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم، وإما أن يكونوا عالة على الناس، فأمروا ألا يخرجوا على تلك الحال ". وقال البراء بن عازب: " ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾: هو الرجل يصيب الذَّنْبَ فيلقي بيده إلى التهكلة، يقول: " لا توبة لي ". فأمروا ألا ييأسوا من رحمة الله عزو جل ". وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنوب، فيقول: " لا توبة لي "، فينهمك في المعاصي، [فأمر/ ألا ييأس] من رحمة الله سبحانه ". وقال أبو أيوب الأنصاري:

стр. 593

" فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا/ معشر الأنصار لما أعز الله دينه قلنا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها نصلحها ". فأنزل الله يرد علينا ما قد هممنا به من التخلف عن الجهاد ". فمعناه: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ أي: لا تتأخروا عما هو أنفع لكم وهو الغزو. والعرب تقول: " ألْقَى فلان بيديه " إذا استسلم. قوله: ﴿وأحسنوا﴾. قيل: معناه: أحسنوا الظن بالله في المغفرة لمن تاب. هذا على قول من قال: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾. معناه في الذنوب، وألا ييأس من رحمة الله . وقيل معناه: أحسنوا الإنفاق. وقيل: معناه: أداء الفرائض.

стр. 594

وقيل: معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى أنه يضاعف الحسنات ويخلف النفقة. قوله: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾. " ما " ي موضع رفع، أي: فعليه ذلك. وقيل: فوجب عليه ما استيسر. ولمعنى واحد. وقيل: هي في موضع نصب تقديره: " فَليُهدِ ما استيسر من الهدي. قال أبو عمرو: " الهدي جمع. واحده: هَدْيَةٌ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ ". وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صَومٍ. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث كأنه مصدر " هدى إلى البيت هدياً " وبنو تميم يُثقلون ياء الهدي.

стр. 595

وقال الفراء: " لا واحد له ". قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعلهي فدية. ويجوز النصب على معنى: فليُفد فديةً، وفليأت فدية. قوله: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾. الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول. قوله: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ﴾ أي ذلك الفرض على من هذه حالته. قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة﴾. أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: " وأَتِمُوا الحَجّ والعُمْرَةَ إلَى البَيْتِ لله ". وقرأ الشعبي: " والعُمْرَةُ لله " بالرفع/ وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض. فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضاً بالآية.

стр. 596

ومعنى النصب: " أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بُيِن بقوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال ابن عباس: " مَن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ". وقال مجاهد: " إتمامهما ان يقضي مناسكهما ". وقال علي بن أبي طالب: إتمامها أنتحرم من دويرة أهلك ". ويرد هذا فعل النبي [﵇] إذا لم يحرم إلا من الميقات. وقال طاوس: " إتمامها أن تفرد/ ولا تقرن ". وقال قتادة: " إتمام العمرة/ أن يحرم بها في غير أشهر الحج ". وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القِران ولا متعة لأن

стр. 597

من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم. وقال سفيان: " إتمامها أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات. ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة/ حتى إذا صرت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت ". وروي عن عثمان أنه قال: " إتمامها ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالاً. وليست/ العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " العمرة فرض كالحج ". وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر. وروى جابر أن النبي [ ﷺ ] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال: " لا، وأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك ". وعنه أنه قال: " الحجُّ جِهادٌ، وَالْعُمْرَةوُ تَطَوُّعٌ ". وهو قول نافع، والقاسم بن محمد. وقال ابن مسعود: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ".

стр. 598

وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة. وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ ﴿المائدة: ١]. فمن عقد عقداً من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه إتمامه فرضاً من الله بآية العقود. فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج. ومعنى " اعتمر ": قصد، كأنه افتعلمن " عَمَرَ ". والحج القصد. وقيل: اعتمر، معناه: زار.

стр. 599

والإحصار عند مجاهد الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف أو غيره. وقال ابن عباس: " هو منع العدو لا غير ". وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [﵇] ومنعهم إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام المقابل. وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج. قوله: فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾. " هو شاة " قال ذلك علي وابن عباس. وقال قتادة: " أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة ".

стр. 600

وقال ابن عمر: " هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير ". وهو قول ابن الزبير وعائشة. فمعنى ذلك أن حبسه شيء عن إتمام حجة أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل شاة/ أو بقرة أو بعير على مذكرنا من الاختلاف. ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج. قوله: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾. أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال.
следующие страницы →