← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ﴾ الآية أي: قال بعض الكفار لبعض، متعجبين من البعث بعد الموت، منكرين له، هل ندلكم أيها الناس على رجل يخبركم بالبعث بعد الموت، وكونكم ممزقين بَعْدُ قد أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً. والعامل في " إذا " فعل مضمر، أي: إذا مزقتم تبعثون. وقيل: العامل " مُزّقتم " على أن يكون هذا للمجازاة فلا تضاف إلى ما بعدها. وإذا لم تقفْ عمل ما بعدها فيها. وأكثر ما يجازى بإذا في الشعر، ولا يجوز أن يعمل فيها " يُنَبِئكُم " لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، ولا يعمل فيها ما بعد أن، لأن " أن " لا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولة. ثم قال: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً﴾ أي: قال المشركون: افترى محمد في قوله: إنا نبعث. ﴿عَلَى الله كَذِباً﴾ أي: اختلق هذا القول من عند نفسه وأضافه إلى الله ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: به جنون، فتكلم بما لايكون ولا معنى له. ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِي العذاب﴾ أي: ما الأمر كما قال هؤلاء المشركون في محمد، ولكن هم في عذاب الآخرة وفي الضلال البعيد عن الحق، فمن أجل ذلك يقولون هذا المنكر. ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض﴾ أي: ألم ينظر

стр. 5812

هؤلاء المكذبون بالبعث إلى ما قدامهم من السماء والأض وما خلفهم من ذلك، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن الأرض والسماء محيطان بهم من كل جانب، فيرتدوا عن جهلهم وتكذيبهم بآيات الله حذاراً أن يأمر الله الأرض فتخسف بهم، أو يسقط عليهم قطعة من السماء فتهلكهم، وهو قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾ هذا كله معنى قول قتادة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ أي: إن في إحاطة السماء والأرض لجميع الخلق لدلالة على قدرة الله لكل عبد أناب إلى الله بالتوبة. قال قتادة: المنيب: المقبل التائب. وقيل: المعنى: أو لم يتأملوا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض من عظيم القدرة في خلق ذلك فيعلموا أن الذي خلق ذلك يقدر على بعثهم بعد موتهم، وعلى أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعة من السماء. قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾. أي: وقد أعطينا داود منا فضلاً، وقلنا للجبال ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبحي معه إذ سبح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. والتأويب في كلام العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله، وأصله من

стр. 5813

سرعة رجع أيدي الإبل وأرجلها في السير الحثيث، وهو التأويب. وَقُرِئَتْ " أوبِي " بالتخفيف. من آب يؤوب، بمعنى تصرفي معه. ثم قال: ﴿والطير﴾ فمن نصب فعل معنى: سخرنا له الطير، هذا قول أبي عمرو. وقال الكسائي: هو معطوف على " داود " أي: وآتيناه الطير. ونصبه عند سيبويه على موضع يا جبال. ويجوز أن يكون مفعولاً معه، فيكون المعنى: يا جبال أوبي معه ومع الطير. وقد قرئ بالرفع/ على العطف على لفظ الجبال أو على المضمر في " أوبي "

стр. 5814

وحسن ذلك لما فرقت بـ معه. وقوله: ﴿أَنِ اعمل﴾ أن لا موضع لها بمعنى أي: ويجوز أن تكون في موضع نصب على معنى: لأن اعمل. وقيلأ: التقدير: وعهدنا إليه بأن أعمل، وقاله الطبري. ثم قل: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾. قال قتادة: سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده ولا يدخله ناراً ولا يضربه بحديد. وروي أنمه كان في يده بمنزلة الطين. وهو أول من سخر له الحديد. وقيل: أعطاه الله قوة يثني به الحديد. قال الحسن: كان داود يأخذ الحديد فيكون في يده بمنزلة العجين. وقوله: ﴿أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعاً كوامل توام. قال قتادة: كان داود أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح.

стр. 5815

ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾. قال قتادة: كان يجعلها بغير نار ولا حديد، والسرد: المسامير. وقال ابن عباس: السرد حَلَق الحديد. وقال ابن منبه. والسرد في اللغة كل ما عمل متسقاً متتابعاً يقرب بعضه من بعض ومنه سرد الكلام. ومنه قيل للذي يعمل الدروع زَرَّادٌ وسِرَّاد. قال وهب بن منبه: كان داود يخرج متنكراً يسأل عن سيرته في الناس فيسمع حسن الثناء عليه، فيزداد تواضعاً لله، وعلى الخير حرصاً، قال: فخرج ذات يوم وبعث الله ملكاً إليه في صورة آدمي، فقال له داود: كيف ترى سيرة هذا العبد داود - ﷺ ، وهو يظن أنه آدمي، فقال له الملك: نِعْمَ العبد داود، ما أنصحه لربه وأقربه من المساكين، لولا خصلة في داود ما كان لله عبد مثل داود، قال له داود: وما تلك الخصلة؟ قال: إنه يأكل من بيت المال وما من عبد أقرب إلى الله جل ذكره من عبد يأكل من كد يمينه، فانصرف داود ودخل محرابه وابتهل إلى ربه وسأله أن يرزقه عملاً بيده يغنيه عن بيت المال، فعلمه الله صنعة الدروع، فكان أول من عمل الدروع وألان

стр. 5816

الله له الحديد فكان في يده بمنزلة العجين. والمعنى على قول مجاهد: وقدر المسامير في حلق الدروع حتى تكون بمقدار لا يضيق المسمار وتضيق الحلقة فتقسم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسمار وتدقه فتسلى الحلقة. ثم قال: ﴿واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ اعمل يا داود أنت وأهلك عملاً صالحاً، إني بعملكم بصير. والطير وقف ولا تقف على الحديد أن مابعده متعلق به. ولا تقف على " بصير " إلاّ على قراءة من رفع. " الريح ". فإن نصبته فهو معطوف عند الكسائي، على " وألنا ". والتقدير عن الزجاج: سخرنا له الريح.

стр. 5817

ثم قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ أي: سيرها به إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، وسيرها به من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر، قاله قتادة وغيره. قال ابن يد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان له فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت، يركب معه فيه الإنس والجن، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ظل المركب هم والعُطَّارُ - والعصار الريح العاصف - فإذا ارتفع ظله أتت الرُّخاء فسارت به وصاروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويسمي عند قوم بينهم وبينه شهر فلا يدري القوم إلاّ وقد أظلم معه الجيوش والجنود. ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر﴾ أي: وأذينا له عين النحاس كانت بأرض اليمن، قاله قتادة، قال: وإنما ينتفع الناس اليوم مما أخرج الله لسليمان. ثم قال: ﴿وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: منهم من يطيعه، يأتمر لأمره فيعمل بين يديه لما يأمره به طاعة لله جل ذكره. فمعنى ﴿[بِإِذْنِ] رَبِّهِ﴾: أمر الله له بذلك، وتسخيره له إياه. فأمن في موضع رفع الابتداء والمجرور المتقدم الخبر ويجوز أن تكون " من " في موضع نصب على

стр. 5818

العطف على ما قبله. والتقدير: وسخرنا له من الجن من يعمل. فتقف على " القطر " في القول الأول، ولا تقف عليه في القول الثاني. ثم قال: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يزل ويعدل من الجن عما أمر به من طاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير﴾ في الآخرة وهو عذاب النار المتوقدة. ثم قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ﴾ أي: من كل شيء مشرف. والمحراب في اللغة كل شيء مشرف مرتفع، وكل موضع شريف، ومنه قيل/ للموضع الذي يصلي فيه الإمام محرام لأنه يعظم ويشرف ويرفع. وقيل: المحراب مقدم كل بيت ومسجد ومصلى. قال مجاهد: المحاريب في الآية: بنيان دون القصور.

стр. 5819

وقال قتادة: " محاريب ": قصور ومساجد. قال الضحاك: " محاريب ": مساجد. وقال ابن زيد. محاريب مساكن وقراء قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب﴾ [آل عمران: ٣٩]. أي: في مسكنه، وقد تقدم ذكره. ثم قال: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال مجاهد: تماثيل من نحاس. وقال الضحّاك تماثيل: تماثيل الصور. وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهي النبي ﷺ عن عمل الصورة، وتوعده لمن عملها أو اتخذها. وكان في ذلك صلاح في الدين أنه بعث على الله والصور تعبد،

стр. 5820

فكان الأصلح إزالتها. وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن (المسيح) ﵇. ثم قال تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كالجواب﴾ أي كالحياض. كانوا ينحتون له ما يشاء من جفان كالحياض، وهو جمع حابيَّة يجيبى فيها الماء، أي يجمع. وروي عن مجاهد أن الجوابي جمع جوبة وهي الحفرة الكبيرة تكون في الجبل يجتمع فيها الماء. وقاله أيضاً ابن عباس. وعنه: كالحياض.

стр. 5821

وهو قول الحسن وقتادة والضحاك. وقيل: إنها كانت تُعمل له كهيئة الطير. ثم قال: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ أي: ثابتات لا تحرك من موضعها لعظمها قال ابن القاسم: قال مالك: " وجفان كالجواب: " كالجوبة من الأرض. قال: وقدور راسيات " هي قدرو لا تحمل ولا تحرك. والجوبة من الأرض: الموضع يستنقع فيه الماء. قال ابن زيد: قدور أمثال الجبال من عظمها يعمل فيها الطعام لا تحرك ولا تنقل، كما قال الجبال راسيات. وعن ابن زيد أيضاً: أنها قدور من نحاس تكون بفارس. وقال الضحاك: هي قدور كانت تعمل من الجبال حجارة. ثم قال تعالى: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ أي: اعملوا لله الشكر، أي: من أجل الشكر على نعمه عليكم، فيكون شكراً مفعولاً من أجله.

стр. 5822

ويجوز أن يكون مصدراً على معنى: اشكروا له شكراً، وقام " اعملوا " مقام اشكروا. وروي أن النبي ﷺ صعد يوماً إلى المنبر قائلاً: " اعملوا آل داود شكراً " فقال: ثلاثة مَنْ أُوتيهن فقد أُوتي مثل ما أوتي آل داود: العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وَخَشية الله في السرو العلانية ". وقال مجاهد: لما قال الله جل ذكره: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾، قال داود لسليمان: إن الله قد ذكر الشركر، فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا قدر، قال: فكافني صلاة الظهر قال: نعم، فكفاه. قال الزهري: اعملوا آل داود شكراً، قولوا: الحمد لله. وروي أن داود ﵇ كان قد جزأ الصلاة على أهل بيته وولديه ونسائه وأهله، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلاّ وإنسان من آل داود يصلي فعمتهم هذه الآية

стр. 5823

﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾. وروي أن محرب داود صلى الله عليه وكان لا يخلو من مصل، فإذا أراد المصلي حاجة لا يخرج حتى يأتي غيره من آل داود يصلي في المحراب. وقال محمد بن كعب: الشكر تقوى الله والعمل بطاعته. وقيل: كل عمل من الخير شكر. وروي أن داود صلى الله عليه قال: إلهي كيف لي أشكرك ولا أصل إلى شكرك إلا بمعونتك، فأوحى الله إليه: يا داود، ألسْتَ تَعْلَمُ أن الذي بك من النعم مني؟ قال بلى يا رب، قال: [فإن الرضى بذلك منك، شكر]. ثم قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ أي: قليل منهم الموحدون المخلصون

стр. 5824

العمل لله. وذكر أبو عبيد في كتاب " مواعظ الأنبياء " أنه لما نزل على داود ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر، فالنعمة منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ مقال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي. قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصوم شكر، وكل عمل يعمل لله شكر، وأفضل الشكر الحمد. قال محمد بن كعب: كل عمل يبتغى به وجه الله فهو شكر. وأجاز أبو حاتم الوقف على " داود "، ويبتدئ/ بـ " شُكْراً "، على معنى: أشكروا شكراً.

стр. 5825

ولا يجوز عند غيره لأن اعملوا قام مقام اشكروا فلا يفرق بينهما. قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين﴾. أي: فلما جاء أجل سليمان فمات، ما دّلَّ الجن على موته إلا دابة الأرض، وهي الأرضة وقعت في عصاه التي كان متكئاً عليها فأكلتها، وهي المنسأة. قال قتادة: أكلت عصاه حتى خر. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وأصل المنسأة الهمز لأنها مشتقة من نسأت الدابة إذا ضربتها بعصا أو غيرها لتسير. ولكن نافعاً وأبا عمرو أبدلا من الهمزة ألفاً لغة مسموعة. وليس البدل في وحو هذا بالمطرد إلا في الشعر.

стр. 5826

وقد كان أبو عمرو يقول: لست أدري مِمَّ هي إلا أنها غير مهموزة. فرأى ترك همزها على طريق الاحتياط مع نقله ذلك عن أئمته أولاً وإنما كان ترك الهمزة للاحتياط، إذ جهل الاشتقاق لأن كل ما يهمز يجوزك ترك همزة، وليس كل ما لا يهمز يجوز همزه. ثم قال: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجن﴾ أي: فلما سقط سليمان عند انكسار الصعا تبينت الجن. ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِي العذاب المهين﴾ أي: علم أن الجن لم تكن تعلم الغيب، لأنها لو كانت تعلم الغيب ما بقيت في العمل والتعب لسليمان وهو ميت. قال قتادة: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب، فلما مات سليمان ولم تعلم الجن بموته وبقيت في السخرة بجهد طائعة لميت عاملة له، فعند ذلك تبينت الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " كان سليمان نبي الله إذا صلى، رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسْمُكِ؟ فإن كانت

стр. 5827

تُغرَسُ غُرِسَتْ وإن كانت لِدَواءٍ كُتِبَتْ، فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه فقال: ما اسمك؟ قالت الخروب فقال لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب أهل هذا البيت، فقال: اللهم عَمّ على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولاً، ومات وهو متوكئ وهم لا يعلمون، فسقطت فعُلِمَ أن الجن لا يعلمون الغيب، فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة فشكرت الجن الأرضة ". وفي مصحف عبد الله: " تبيَّنَتِ الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ". وأن في قوله: " أن لو كانوا " في موضع رفع على المبدل من الجن. وقيل: هي في موضع نصب على معنى بأن.

стр. 5828

قيل: المعنى: فلما خرَّ تبين أمر الجن، فأن بدل من الأمر على المعنى. وروي عن النبي ﷺ في حديث طويل: " أن سليمان كان يَتَجَرَّد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل وأكثر، يُدْخِلُ طعامَه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، فمات متكئاً على عصاه لا يعلم أحد بذلك، والشياطين يعملون له يخافون أ، يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تَجتَمِع حول المِحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه ومن خلفه فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع لم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عليه فأخرجوه ووجدوا مِنْسَأَتَهُ - وهي العصا بلسان الحبش - قد أكلتها الأرضة. ولم يعلموا منْذُ كَمْ مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة ". وروي أن الجن كانت تظن أن الشياطين كانوا يعلمون الغيب، فأحب الله أن يبين لهم أن الغيب لا يعلمه غيره، فمات سليمان ﷺ وهو متكئ على عصاه، والشياطين

стр. 5829

دائبة في العمل له وفي الطاعة، فأقام أربعين يوماً متكئاً على العصا فبعث الله الأرضة - وهي السُّوسَة - فأكلت العصا فانكسرت فخر سليمان، فلما خر تبينت الجن أن الشياطين لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا وقت موت سليمان، ولم يتمادوا في العمل والسُخرة له وهو ميت. ويروى أن الشياطين قالت للأرضة لو كُنْتِ تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب/، ولكننا سننقل إليك الماء والطين، فهم ينقلون لها ذلك حيث كانت، وذلك هو الطين الذي يكون في جوف الخشب تأتيها به الشياطين شكراً لها. وذكر ابن وهب عن أبي شهاب: أنه لما توفي داود ﵇ أقبلت الطَّيْرُ فصفت عليه حتى حبست عن الناس الرَّوْحَ، ووجدوا غماً شديداً، فقالوا لسليمان: يا نبي الله هلكنا الغنم، وأمر سليمان الطيرَ فقبضت جناحاً وأرسلت جناحاً فدخل عليهم الرَّوْح. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. أي: كان لهم في ذلك دلالة وعلامة أنه لا رب لهم إلا الذين أنعم عليهم تلك النعم " وجنتين " بدل من آية.

стр. 5830

وسبأ في فيما روي عن النبي ﷺ أبو اليَمَنِ، " كان لَه عشرة من الولد، تَيامن منهم سِتَّةٌ: كندة وَحِمْيَرُ والأزْدُ وَالأشْعَرِيُّونَ ومَذحِجُ وَأنْمَارُ الذين منهم بجيلة وخثعم، وتشاءم منهم أربعة: عَامِلَةُ وجُذام ولخم وغسان ". قال قتادة: كانت لهم جنتان بين جبلين، وكانت المرأة تخرج بمكتلها على رأسها تمشي بين جبلين، فيمتلئ مِكتَلُها وما مسّت بيدها شيئاً، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها حدث فنقبت عليهم - يعني السد - فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أثلٌ وشيء قليل من سدرٍ. وقيل: إن قربتهم كان لا يُرى فيها ذبابة ولا بعوض ولا برغوث ولا عقرب ولا حية وكان الرّكْبُ يأتون في ثيابهم القمل والذباب فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتهم

стр. 5831

فيموت ذلك، قاله ابن زيد قال: وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت القفة بأنواع الفاكهة ولم يتناول شيئاً بيده. ثم قال: ﴿كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ﴾ إي: كلوا مما أنعم عليكم به من هاتين الجنتين وغيرهما، واشكروا نعمه على ذلك. ثم قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: هذه بلدة طيبة لا سبخة. ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ لذنوبكم إن أطعتموه. ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم﴾ أي: فأعرضت سبأ عن طاعة الله وقبول ما أتاهم به الرسل، فأرسلنا عليهم سيل العرم. قال وهب بن منبه: بعث الله ﷻ إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً، فكذبوهم فأرسله عليهم سيل العرم. قال ابن عباس: " العرم " الشديد السيل. وقال عطاء اسم الوادي.

стр. 5832

وروي ذلك عن ابن عباس قال: وَادٍ كان باليمن وكان يسيل إلى مكة. قال قتادة: ذكر لنا أن العرب وادي بسبأ كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية فعمدوا فَسَدُّوا ما بين الجبلين بالقارِّ والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا ويسدون ما لا يحتاجون. قال الضحاك: كانت أودية اليمن تسيل كلها إلى وادي سبأ وهو العرم فسَدُّوا ما بين الجبلين فحجزوه بالصخر والقار، فاستد زماناً من الدهر. قال قتادة: فأرسل الله عليهم جُرَذَاً فهدم عرمهم، أي سدهم، ومزق الله جناتهم وخرب أرضهم عقوبة لهم. وقيل: بل كثر الماء عليهم وغلب حتى هدم السد فغرق الجنات وأفسدها. وعن ابن عباس: أنه إنما حاد السيل الذي يسقي جنتيهم عن مجراه فلم يسقها فهلكت. وروي أن العرم مما بنته بلقيس صاحبة سليمان، وذلك أن قومها اقتتلوا على

стр. 5833

الماء فاعتزلتهم، فسألوها الرجوع على أن يطيعوها فرجعت وأمَرَتْهُم فسدوا ما بين الجبلين فحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض، وبَنَتْ من دونه بِرْكَةً ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجاً على عدة أنهارهم، فإذا أتى المطر احتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح فيجري ماؤه في البركة، ثم كذلك حتى ينتفعوا بجميع الماء. والعرم بكلام اليمن المِسْنَاة. وقال المبرد: العرم كل ما حاجز بين شيئين. وروي أن الله جل ذكره أرسل عليهم ماء أحمر فشق السد وهدمه وحفر الوادي، فارتفعت حفتاه عن الجنتين فغاب عنهما الماء فيبستا، ولم يكن الماء الأحمر من السد، إنما كان عذاباً أرسله الله عليهم من حيث شياء. ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أي: جعلنا/ لهم مكان الجنتين اللتين كانتا تثمر عليهم أطيب الفواكه ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال ابن عباس: هو الأراك. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك.

стр. 5834

وقال ابن زيد: أُبْدِلُوا مكان العنب أرَاكاً، ومكان الفاكهة أثْلاً، وبقي لهم شيء من سدر قليل. فالأثل على هذا ثمر الأراك. وقال الخليل: الخَمْطُ الأراك، فهذا يدل على قطافه كأنه قل ثم أراك. ومن نون جعل الثاني بدلاً من الأول. قال المبرد: الخَمْطُ كل ما تغير إلى ما لا يشتهى، يقال خمط اللبن إذا حمض. وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة فيها مرارة ذات شوك. وقال القُتَبِي: يقال للحامضة خمطة، وقيل: الخمطة التي قد أخذت شيئاً من الريح. والأثْلُ: الطْرفاء، قاله ابن عباس. وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء.

стр. 5835

وقيل: هو السَّمُرُ. ثم قال: ﴿ذلك جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي: عاقبناهم بكفرهم بالله ورسله، أي: هذا الذي فعلنا بهم جزاءً منا لهم بكفرهم. وقيل: التقدير: وجزيناهم ذلك بكفرهم. ف ﴿ذلك﴾ في موضع نصب على هذا، وفي موضع رفع على القول الأول على الخبر للابتداء المحذوف. ثم قال: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ أي: وهل يكافأ إلا من كفر بالله، فأما جاء المؤمنين فهو تفضل من الله لا مكافأة، لأنه جعل لهم بالحسنة عشراً، فذلك تفضل منه، وجعل للمسيء بالواحدة واحدة مكافأة له على جرمه، فالمكافآت لأهل الكبائر. والكفر، والمجازاة لأهل الإيمان مع التفضل. قال مجاهد: ﴿نجازي﴾ يعاقب. قال قتادة: إذا أراد بعبد كرامة يقبل حسناته، وإذا أراد بعيد هواناً أمسك عليه

стр. 5836

ذنوبه حتى يوافى بها يوم القيامة. وقيل: المعنى: ليس يجازى بمثل هذا الجزاء الذي هو الاصْطِلاَمُ والهلاك إلا من كفر. وروت عائشة رضي الله عن ها أن النبي ﷺ قال: " مَنْ حُوسِبَ هَلَكَ، قالت: فقلت يا ني الله، فأين قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الإنشاق: ٨] قال: إنما ذلك العرض، ومن نوقِش الحِسَابَ هَلَكَ ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي: مما أنعم الله به على هؤلاء، أي: جعل بينهم وبين القرى التي بارك فيها - وهي الشام - قرى ظاهرة، قاله مجاهد وقتادة.

стр. 5837

قال ابن عباس: هي الأرض المقدسة. وقوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي: متصلة متقاربة تتراءة من كان في قرية رأى القرية التي تليها لقربها منها. قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح إلى قرية أخرى. قال الحسن: كانت المرأة تضع زنبيلها على رأسها تشتغل بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ من كل الثمار، يرقد من غير أن تحترف شيئاً، بل يمتلئ الزنبيل مما يتساقط من الثمار في حال مسيرها تحت الثمار لاتصال بعض الثمار ببعض. وقال ابن عباس: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي: عربية بين المدينة والشام، وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: كان بين قريتهم وبين الشام قرى ظاهرة. قيلأ: وإن كانت المرأة لتخرج ومعها مغزلها ومِكْتَلها على رأسها، تروح من قرية إلى قرية وتغدوا أو تبيت في قرية، لا تحمل زاداً ولا ماءً فيما بينها وبين الشام.

стр. 5838

وقال المبرد: الظاهرة: المرتفعة. ثم قال: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير﴾ أي: جعلنا بين قراهم والقرى التي باركنا فيها مسيراً مقدراً من منزل إلى منزل، لا ينزلون إلا في قرية ولا يغدون إلا من قرية. وقال الفراء: جعل الله لهم بين كل قريتين نصف يوم. ثم قال: ﴿سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ أي: سيروا في هذه القرى التي قدرنا فيها المسير إلى القرى التي باركنا فيها - وهي بيت المقدس - آمنين، لا تخافون ظلماً ولا جوعاً ولا عطشاً. قال قتادة: آمنين لا يخافون ظلماً ولا جوعاً، إنما يغدون فيقيلون في قرية ويروحون، فيأتون قرية أهل خير ونهر، حتى لقد ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها وتمتهن بيدها فيمتلئ مكتلها من الثمرة قبل أن ترجع إلى أهلها من غير أن تحترف بيدها شيئاً، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً ولا سِقاءً مما بسط الله للقوم. فهذا الذي ذكر الله من قصة سبأ وغيرها، إنما ذكره لنا ليبين لنا إحسان المحسن وثوابه، وإساءة المسيء وعقوبته/، ليتجافى الناس عن المعاصي ويرغبوا في الطاعة ويسارعوا إلى ما رغَّبهم فيه، ويزدجروا عن ما نهاهم عنه ويخافون أن يحل بهم ما حل بمن قص عليهم عقوبته، ويبادروا إلى فعل من قص عليهم كرامة لهم، فهي مواعظ وأمثال تكرر في القرآن ليتنبه لها الغافل ويجتهد المتنبه إحساناً من الله تعالى ونعمة علينا،

стр. 5839

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]. وقال: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾ [إبراهيم: ٤٥]. وهذا كثير مكرر للأفهام في القرآن. ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية وأبو صالح: (رَبُّنا) بالرفع " بَاعَدَ بالفتح وألِفِ على الخبر. وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر: (رَبُّنَا) بالرفع " بَعَّدَ " بالتشديد وفتح العين والدال. وقد رويت عن ابن عباس وهو خبر أيضاً. وقرأ سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن: " رَبَّنَا " بالنصب " بَعُدَ " بضم العين وفتح الدال بين بالرفع.

стр. 5840

ورواه الفراء وأبو إسحاق الزجاج بَيْنَ وهو خبر أيضاً، ومعانيها ظاهرة، والمعنى على قراءة من جزم الفعل أنهم بطروا وجهلوا قدر النعمة عليهم، فسألوا أن يجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا لها، فعجل لهم الإجابة كما عجل للقائلين: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق﴾ [الأنفال: ٣٢] الآي فتقلهم يوم بدر، فكذلك هؤلاء مزقوا بين الشام وسبأ. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام، والأزد بعمان وخزاعة بتهامة، وفرقوا أيادي سبا وتقطعوا في البلدان بظلمهم لأنفسهم وكفرهم بنعمة الله. ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: فما تقدم من النعم على هؤلاء والانتقام منهم لما بطروا النعمة وكفروا، لدلالات وعظات لكل من صبر على طاعة الله ومحبته وشكر على نعمته.

стр. 5841

قال مُطَرِّف: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلي صبر. وصبار شكور بناءان للمبالغة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أي: صدق عليهم في ظنه، وذلك أنه ظن ظناً على غير يقين فكان ظنه كما ظن بكفر بني آدم وطاعتهم له، منهم أهل الجنتين وغيرهم. ومن شدد " صدق " ونصب " ظنه " بوقوع صدق عليه، لأن ظنه كان غير يقين، فصدقه بكفر بني آدم واتباعهم له. قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصاً، وإنما ظن ظناً فكان كما ظن بوسوسته لهم. والمعنى: أن إبليس لما أنذره الله قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولأحتنكن ذرية آدم، وذلك ظن منه أنه يكون، لم يتيقن ذلك. فلما وصل من بني آدم إلى ما أراد من

стр. 5842

إضلالهم صدق ظنه فيهم. وقرئ " صدق " بالتخفيف، و " إبليس ظنّه " بالرفع فيهما على أن الظن بدل الاشتمال من إبليس. وقوله: ﴿إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين﴾ أي: لم يصدق فيهم ظنه ولا أطاعوه، وثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس. قال ابن عباس: هم المؤمنون كلهم. وقيل: هم بعض المؤمنين لقوله: " إلا فريقاً " ولم يقل إلا المؤمنين. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد اتبعوا إبليس فصدق عليهم (ظنه) لأنه لم يصدق عليهم ظنه حتى اتبعوه. ومن خفف صدق ونصب الظن فعلى تقدير حرف الجر، أي في ظنه. قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.

стр. 5843

أي ما كان لإبليس على أصحاب الجنتين وغيرهم ممن اتبعه من حجة يضلهم بها إلا سلطناه عليهم لنعلم من يطيعه فينكر الجزاء والبعث ممن يعصيه فيؤمن بالجزاء البعث، وذلك أمر قد علمه الله جل ذكره، ولكن المعنى: لنعلم ذلك علم مشاهدة، فعليها يقع الجزاء والثواب. وقيل: المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [القصص: ٦٢]، أي على/ قولكم وزعمكم. فقوله: " إلا لنعلم " ليس في الظاهر بجواب لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة لكنه محمول على المعنى، لأن المعنى ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾: ما جعلنا له عليهم من سلطان إلا لنعلم. فبهذا يتصل بعض الكلام ببعض ويظهر المعنى. ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ﴾ أي: وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة وغير ذلك من الأشياء كلها حفيظ لا يغرب عنه علم شيء، مجاز جميعهم بما كسبوا، أي في الدنيا من خير وشر. ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من قومك: ادعوا من زعمتم أنه شيك لله فاسئلوهم يفعلوا بكم بعض ما فعل بهؤلاء الذين تقدم ذكرهم من خير ونعمة فإنهم لا يملكون زنة مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ أي: فليس يملكون شيئاً على الانفراد ولا على الشركة، فكيف يكون من هذه حالة شريكاً لمن يملك جميع ذلك، وإذا لم تقدر ألهتكم على شيء من ذلك، فأنتم مبطلون في دعواكم. فمفعول زعمتم جملة محذوفة دل عليها الخطاب، والتقدير: الذين زعمتم أنهم ينصرونكم من دون الله،

стр. 5844

يعني الملائكة لأنهم عبدوهم من دون الله وزعموا أنهم ينصرونهم. ثم قال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ﴾ أي: وما لله جل ذكره من آلهتهم من عوين على خلق شيء. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا تنفع شفاعة شافع لأحد إلا لمن أذن الله له في الشفاعة، والله لا يأذن بالشفاعة لأحد من أهل الكفر، وأنتم أهل كفر فيكف تعبدون من تعبدون من دون الله زعماً منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله وليشفع لكم عند ربكم، " فَمَنْ " على هذا التأويل للمشفوع له، والتقدي: إلا لمن أذن له أن يشفع فيه. وقيل: هي للشافع - يراد به الملائكة، أي لمن أذن له أن يشفع في غيره من الملائكة مثل قوله: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. قيل: من قال لا إله إلا الله. ودل على ذلك قوله: ﴿حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كشف عنها الفزع. ومن فتح فمعناه: إذا كشف الله عن قلوبهم الجزع. وقرأ الحسن: " فُزِّعَ " الراء والعين غير معجمة. وروي عنه بالراء وعين معجمة.

стр. 5845

والمعنى أزيل عن قلوبهم الفزع. قال ابن عباس: " فزع عن قلوبهم " جُلِيَ. وقال مجاهد: كشف عنهم الغطاء. وهم الملائكة، وذلك أن ابن مسعود قال: إذا حدث أمر عند ذي العرش، سمع من دونه من الملائكة صوتاً كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم نادوا ماذا قال ربكم؟ فيقول من شاء الله: قال الحق وهو العلي الكبير. وروى أبو هريرة أن نبي الله قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ". وقال ابن جبير: ينزل الأمر من عند رب العزة إلى سماء الدنيا فيسمعون مثل وقع الحديد على الصفا، فيفزع أهل السماء الدنيا حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو العلي الكبير.

стр. 5846

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أراد الله جل ذكره أن يُوِحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رَجْفَةٌ - أو قال رعدة شديدة - خوفاً من الله، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعِقُوا وَخَرُّوا لله سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﷺ ، فيكلمه الله جل وعز من وَحْيِهِ بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة صلى الله عليهم، كلما مرَّ بسماء سألته ملائكتها ماذا قال ربنا جبريل؟ فيقول جبريل ﷺ : قال الحق وهي العلي الكبير. قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل ﵇ بالوحي حيث أمره الله ". قال قتادة: يوحي الله جل ذكره إلى جبريل/ ﷺ فتفرق الملائكة مخافة أن يكون شيئاً من أمور الساعة، فإذا أجلي عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمور الساعة قالوا: ماذا قال ربكم. وقال الضحاك: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، فإذا أرسلهم الرب وانحدروا سمع لهم صوت شديد

стр. 5847

فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجداً، وهذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف الله. وذكر ابن سحنون محمد. حدثنا بسنده إلى ابن عباس أنه قال: إن الله ﵎ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتاً كصوت الحديد وقع على الصفا فيخرون سجداً، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالو: الحقَّ وهو العلي الكبير. وروى محمد حدثنا بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﷺ ، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم فإذا قاموا نادوا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحقَّ، فينادون الحق الحق وهو العلي الكبير. وقال ابن زيد: هذا في بني آدم عند الموت أقروا بالله حين لم ينفعهم الإقرار. فالمعنى فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وما كان يضلهم، أي: قالوا: ماذا قال ربكم، فيكون هذا الكلام مردوداً على من تقدم ذكره من الذين صدق عليهم

стр. 5848

إبليس ظنه، وتكون الأقوال المتقدمة مردودة على ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي لمن أذن له من الملائكة أن يشفع. و ﴿العلي﴾ الجبار و ﴿الكبير﴾ السيد. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السماوات والأرض﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من يرزقكم من السماوات والأرض؟، أي: من ينزل عليكم الغيث من السماء ويخرج النبات من الأرض لأقواتكم ومنافعكم؟ ثم قال تعالى: ﴿قُلِ الله﴾ وفي الكلام حذف، أي: فإن قالوا لا ندري فقل: الله، وكذلك كل ما كان مثله قد حذف منه الجواب لدلالة الكلام عليه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: أحدنا على خطأ في مذهبه، والتقدير: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين أو أياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ثم حذف " هدى " وقد علم المعنى في ذلك كما تقول، أنا أفعل كذا وأنت تفعل كذا وأحدنا مخطىء، وقد عُرف من هو المخطئ. و ﴿لعلى هُدًى﴾ خبر عن إياكم، وخبر الأول محذوف لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون خبراً للأول، وهو اختيار المبرد. فيكون خبر الثاني هو المحذوف. ولو عطفت على الموضع فقلت: وأنتم لكان لعلى هدى خبراً للأول لا غير. وقيل: المعنى، وإنا لعلى هدى وإياكم لفي ضلال مبين. " أو " بمعنى الواو.

стр. 5849

وهو قول أبو عبيدة. وقال البصريون: أو على بابها: وليست للشك، وإنما تكون في مثل هذا في كلام العرب تدل على أن المخبر لم يرد أن يبين، وهو عالم بالمعنى لكنه لم يرد أن يبين من هو المهتد. وقيل: أو على بابها، ولكن معنى الكلام الانتقاص للمشركين والاستهزاء بهم، أي: قد بين أن آلهتهم لا ترزق شيئاً لا تنفع ولا تضر، وهو مثل قولك للرجل: والله إنَّ أحدنا لكاذب، وقد علمتَ من هو الكاذب، ولكن أردت توبيخه واستنقاصه وتكذيبه فدللت عن ذلك بلفظ غير مكشوف. فأمر الله النبي ﷺ أن يكذبهم ويعيرهم في دينهم بلفظ غير مكشوف. قوله تعالى ذكره: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فِي الغرفات آمِنُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا تسئلون أنتم عن ذنوبنا ولا نسأل عن ذنوبكم، وقل لهم يا محمد: يجمع بيننا ربنا في الآخرة ثم يفتح بيننا بالحق، أي يحكم ويقضي بيننا بالحق فيظهر عند ذلك المهتدي هنا من الضال. ثم قال: ﴿وَهُوَ الفتاح العليم﴾ أي: والله الحاكم القاضي بين خلقه لا يخفى عليه حالهم ولا يحتاج إلى شهود، العليم بجميع الأمور/.

стр. 5850

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاَّ﴾ أي: قل لهم يا محمد أروني الذين جعلتم لله شركاء في عبادتكم إياه هل خلقت شيئاً، أو رزقتكم شيئاً، أو نفعتكم، فعرفوني ذلك وإلاَّ فلِمَ عبدتموها؟ ﴿كَلاَّ﴾ أي: كذبوا، ليس الأمر كما ذكروا من أن لله شركاء في ملكه، بل هو الله المعبود وحده، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره خلقه. وقيل: إن " كلا " رد لجوابهم المحذوف، كأنهم قالوا هي هذه الأصنام، فرد عليهم قولهم، أي: ليس الأمر كما زعمتم، أي: ليست شركاء له بل هو (الله) العزيز الحكيم. وأروني هنا من رؤية القلب. والمعنى عرفوني ذلك، فشركاء مفعول ثان، ويجوز أن يكون من رؤية العين، فيكون شركاء حالاً. ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ أي: ما أرسلناك يا محمد إلا جامعاً لإنذار الناس وتبشيرهم، العرب والعجم. ومعنى كافة اللغة الإحاطة. ثم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله أرسلك كذلك إلى جميع الخلق.
следующие страницы →