← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

عياش بفتح الياء. والمعنى: يا عباد فاتقون بأداء الفرائض واجتناب المحارم. ثم قال تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾، أي: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله. وقيل: هو إبليس اللعين. قال الأخفش: " الطاغوت جمع. ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة وقال الزجاج: الطاغوت: الشياطين. ويروى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف

стр. 6232

وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عن هم لما آمن أبو بكر بالنبي ﷺ وصدّقه أتاه هؤلاء فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا وصدقوا، فنزل فيهم: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ الآية. / ونزل فيهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. قال مالك: الطاغوت: (ما يعبد) من دون الله.

стр. 6233

ثم قال تعالى: ﴿وأنابوا إِلَى الله﴾، أي: تابوا ورجعوا عن معاصيه وأجابوا داعيه. لهم البشرى: قال السدي: لهم البشرى ف الدنيا بالجنة في الآخرة. ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. روى أبو عبد الرحمن وأبو حمدون عن اليزيدي " عباديَ " بياء مفتوحة في الوصل، وبغير ياء في الوقف اتباعاً للخط، وحكى ذلك أيضاً ابن واصل عن اليزيدي، (وكذلك حكى إبراهيم بن اليزيدي (وابن

стр. 6234

سعدان) كلاهما عن اليزيدي). ولم يذكر ابن سعدان الوقف ولا إبراهيم. وأنكر أبو عبد الرحمن الوقف بغير ياء، وقال: لا بد من الوقف بالياء لتحركها. وقد روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر " عباديَ " بياء مفتوحة. ومعنى الآية: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده وأهداه إلى الحق وأدله على توحيد الله والعمل بطاعته. وقال السدي: معناه: فيتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعلمون به. وقال الضحاك: القول هنا: القرآن.

стр. 6235

ومعنى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، أي: يتبعون ما أمر الله به الأنبياء من طاعته فيعملون به أي: يستمعون العفو عن الظالم والعقوبة، فيتبعون العفو ويتركون العقوبة وإن كانت لهم. وإنما نزل ذلك فيما وقع في القرآن في الإباحة فيفعلون الأفضل مما أبيح لهم فيختارون العفو على القصاص والصبر على الانتقام اقتداء بقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: ٤٣]. وقيل: المعنى: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. ثم قال: ﴿أولئك الذين هَدَاهُمُ الله﴾، أي: وفقهم الله للرشاد وإصابة الحق ﴿ائك هُمْ أُوْلُواْ الألباب﴾، أي: العقول. وَلَبَّ كل شيء: خالصه. وروي أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحدّوا الله وتبروا من عبادة كل ما دون الله قبل أن يبعث النبي ﷺ وهم فيما روى زيد بن أسلم: زيد بن عمرو بن

стр. 6236

نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله. فيكون المعنى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم وأنابوا إلى الله سبحانه، أي: رجعوا إلى توحيد الله . وقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، هو: لا إله إلا الله. ﴿أولئك الذين هَدَاهُمُ الله﴾، أي: أرشدهم بغير كتاب ولا نبي. وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ تمام عند أبي حاتم وغيره، لأنه رأس آية. ورفع " الذين " بإضمار رافع، أو بنصبهم على إضمار ناصب. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار﴾ أي: أفأنت

стр. 6237

تنقذه. ودخلت الألف في الخبر للتأكيد. وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص أو ينجو، أي: أفمن سبق في علم الله أنه يدخل النار ينجوا أو يتخلص. قال قتادة معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب بكفره أفأنت يا محمد تنقذه من العذاب. وقيل: هو جواب لقصة محذوفة، كان النبي ﷺ ، دعا لقوم من الكفار أن يرزقوا الإيمان. فقيل له: أفتدعو لمن حق عليه العذاب، أفأنت تنقذ من في النار. ثم قال: ﴿لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾، أي: اتقوه بأداء فرائضه واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف ﴿فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾. قال الزجاج: معناه: لهم في الجنة منازل رفيعة فوقها منازل أرفع منها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾، أي: من تحت أشجارها. ثم قال تعالى: ﴿وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد﴾، أي: وعد الله ذلك وعداً. وسيبوية يسميه مصدراً مؤكداً بمنزلة: صنع الله وكتاب الله.

стр. 6238

وأجاز أبو حاتم الوقف على " الأنهار " وهو غير جائز على مذهب سيبويه لأن ما قبل " وعد " يعمل فيه لقيامه مقام العامل. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾، أي: أنزل من السماء مطراً فأجراه عيوناً. قال الحسن: هو العيون، وقال الشعبي: كل عين في الأرض من السماء نزل ماؤها. وقيل، المعنى: أنزل من السماء مطراً فأدخله في الأرض فجعله البنابيع، أي: عيوناً. والمعنى / كالأول سواء، وواحد الينابيع ينبوع. ثم قال ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾، أي: يخرج بالماء أنواعاً من الزرع من بين شعير وحنطة وسمسم وأرز ونحو ذلك من الأنواع، هذا قول الطبري واختياره. وقال غيره: معنى مختلفاً ألوانه: أخضر وأسود وأصفر وأبيض.

стр. 6239

وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾، أي: يجف عند تمامه. قال الأصمعي: يقال للنبات إذ تمّ، قد هاج يهيج هيجاً. وحكى المبرد عنه: هاجت الأرض تهيج إذا إدبر نبتها وولّى. وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾، أي: قد يبس فصار أصفر بعد خضرته ورطوبته .. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً﴾، أي: فتاتاً، يعني: تبن الزرع والحشيش. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لأُوْلِي الألباب﴾، أي: إن في فعل ذلك والقدرة عليه لتذكرة وموعظة لأصحاب العقول فيعلمون أن من قدر على ذلك لا يتعذر عليه ما شاء من إحياء الموتى وغير ذلك. قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على مذاهب العرب. والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته. ثم بيّن ذلك بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾، أي: عن ذكر الله فلا يثبت ذكر الله سبحانه فيها. وقيل: الجواب والخبر: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. وقوله: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه.

стр. 6240

ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ نزلت في حمزة وعليّ رضي الله عن هـ. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾ نزلت في أبي لهب وولده قال قتادة: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، يعني به: كتاب الله ، المؤمن به يأخذ وإليه ينتهي. " وروي أن أصحاب النبي ﷺ قالو له: " أَوَ يَنْشَرِحُ القَلْبُ "!؟ قال: نَعَمْ. إذاَ أَدْخَلَ الله فِيهِ النُّورَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ. قالوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مشنْ عَلاَمَةٍ تُعْرَف؟ قال: نَعَمْ، التَّجَافي عَنْ دَارِ الغُروُرِ، وَالإِنَابَةِ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ ". قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق. فالمعنى: فويل للذين جَفَتْ قلوبهم عن قبول ذكر الله وهو القرآن فلم

стр. 6241

يؤمنوا به ولا صدّقوه. قال الطبري: " مِنْ " هنا، بمعنى: " عن "، أي: عن ذكر الله. فيكون المعنى: غلظت قلوبهم وصلبت عن قبول ذكر الله. وقيل: " من " على بابها. والمعنى: كلما تلي عليهم من ذكر الله قست قلوبهم. ثم بين حالهم فقال: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: في ضلال عن الحق ظاهر. ومن جعل جواب: ﴿أَفَمَن شَرَحَ﴾ محذوفاً وقف على ﴿نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. ومن جعل الجواب: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ﴾ لم يقف عليه. ثم قال: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾، أي: يشبه بعضه بعضاً لا اختلاف فيه ولا تضاد، هذا قول قتادة والسدي. وقال ابن جبير: يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً ويدل بعضه على بعض.

стр. 6242

وقوله: ﴿مَّثَانِيَ﴾ معناه: ثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام والحجج. وقال الحسن وعكرمة: " ثنى الله فيه القضاء ". وقال قتادة: ثنى الله فيه ذكر الفرائض والقضاء والحدود. وقال ابن عباس: ثنى الله ( الأمر فيه) مراراً. وقيل: مثاني: ثنى فيه ذكر العقاب والثواب والقصص. وقيل: المثاني، كل سورة فيها أقل من مائة آية أي: ثنى في الصلاة. ثم قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، أي: تقشعر من سماعه إذا تلي وذكر فيه العذاب والعقاب خوفاً وحذراً. وقوله: ﴿رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾، أي: إلى العمل بما في كتاب الله والتصديق به. وقيل: تلين إلى ذكر الثواب والرحمة والمغفرة، وتقشعر إلى ذكر (العقاب والعذاب).

стр. 6243

روى ابن عباس أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا. فنزلت: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ الآية. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى الله﴾، أي: ما يصيب هؤلاء القوم من اقشعرار جلودهم عند سماع العقاب ولينها عند سماع الثواي هو هدى الله / وفقهم لذلك. ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: يهدي بالقرآن من يشاء. وقيل: ذلك هدى الله إشارة إلى القرآن، فيكون المعنى: ذلك القرآن بيان الله يوفق به من يشاء. ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، أي: من يخذل الله عن التوفيق فما له من موفق. وقوله: (مثاني) وقف إن قطعت " تقشعر " مما قبله. وإن جعلته نعتاً " للكتاب " لم يجز الوقف على " مثاني ". ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة﴾ " من " بمعنى " الذي مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف. والتقدير عند الأخفش: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل، أم من يتقيه.

стр. 6244

وقيل: التقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب خير أم من ينعم في الجنان. وقيل: التقدير: كمن يدخل الجنة، وقيل: التقدير: كمن هداه الله فأدخله الجنة، وقيل: التقدير: كمن لا يصيبه العذاب. وهذه المعاني كلها قريب بعضها من بعض وإن اختلفت الألفاظ. (وقيل معنى) الآية: أفمن يرمي به مكبوباً على وجهه في جهنم. قال مجاهد: " يجر على وجهه النار ". وقيل: المعنى: إنه ينطلق به إلى النار مكتوفاً ثم يرمي به فيها. فأول ما تمس النار وجهه، روى ذلك عن ابن عباس. وقيل: يرمي بالكافر في النار مغلولاً فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه. وقيل: الإتقاء في هذا بمعنى الاستقبال كرهاً.

стр. 6245

وخصّ الوجه لأنه أعز ما في الإنسان على الإنسان وفيه الحواس الخمس. تقول العرب: اتقيت فلاناً بحقه، أي: استقبلته به. وقد كان الإنسان في الدنيا يتقي عن وجهه السوء بجميع جوارحه لشرفع وعزته عليه. فأعلمنا الله أن الوجه هو أعز الجوارح به يتقي الكافر سوء العذاب يوم القيامة، فما ظنك بجميع الجوارح التي هي دون الوجه، أعاذنا الله من ذلك ونجّانا منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، أي: وقيل للظالمين أنفسهم ذوفوا عذاب عقاب كسبكم في الدنيا معاصي الله سبحانه. وهذا فعل ماض عُطِفَ، وليس قبله ما يُعْطَفُ عليه، لكنه محمول على المعنى والحكاية. والتقدير: ويقال ذلك يوم القيامة. ثم قال: ﴿كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي: كذبت الأمم رسلهم من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم عذاب الله من حيث لا يعلمون بمجيئه. ﴿فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الحياة الدنيا﴾، أي: عجّل لهم الهوان والعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله إياهم في الآخرة أكبر من العذاب الذي نالهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك. والخزي، أصله: المكروه، وهو أشد الهوان وأبلغه. قال المبرد: " يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته،

стр. 6246

أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما ". ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: ولقد مثلنا للناس، يعني: المشركين في هذا القرآن من كل مثل من مثال القرون الخالية تخويفاً وتحذيرا ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيرجعون عمّا هم عليه من الكفر والشرك. ثم قال: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. نصب " قرآناً " عند الأخفش على الحال. وقال علي بن سليمان: " عربياً " هو الحال، " وقرءاناً " توطئة للحال (كما تقول مررت بزيد رجلاً صالحاً، " فصالح " هو المنصوب على الحال ورجلاً توطئة للحال).

стр. 6247

قال الزجاج: " عربياً ". منصوب على الحال، " وقرآناً " توكيد. وقوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. قال مجاهد: معناه، " غير ذي لبس " وقال الضحاك غير مختلف. وقال ابن عباس: غير مخلوق. ثم قال: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتّقون ما حذّرهم الله من بأسه وعذابه. قوله (تعالى ذكره): ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ - إلى قوله - ﴿بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. هذا مثل للمؤمن والكافر، فالكافر يعبد أرباباً كثيرة مختلفين من الشياطين والأصنام. فهو بينهم مقسم وجميعهم مشتركون فيه. والمؤمن يعبد الله وحده لا شرك لأحد فيه، قد تسلم له عبادته فهو سالم من الإشراك.

стр. 6248

قال الفراء: متشاكسون: مختلفون: هذا معنى قول قتادة وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك هو مثل للحق والباطل، والشركاء: الأوثان. قال الزجاج: ضرب هذا المثل لمن وحد الله ( ولم يجعل معه شريكاً). فالذي وحّد الله / مثله مثل السالم لرجل لا يشركه فيه غيره. ومثل الذي عبد غير الله مثل صاحب الشركاء المتشاكسين، أي: المختلفون العسرون. وحكى المبرد: متشاكسون: متعاسرون، من شكس يشكُسُ وهو شَكِسٌ، مثل عَسُرَ يَعْسُرُ فهو عَسِرٌ. يقال: رجل شَكِسُ أي: عسير لا يرضى بالإنصاف. وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾، أي: هل يستوي من يخدم جماعة هم فيه شركاء قد اختلفت مراداتهم فيلقى من (التعب والنصب ما لا قوام) له به من غير أن يبلغ

стр. 6249

ضى الجميع، أو الذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه منازع، إذا أطاع عرف موضع طاعته فأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه. فالمعنى: أي هذين أحسن حالاً وأروح جسماً. قال ابن عباس: هل يستويان مثلاً، أي: هل يستوي من اختلف فيه ومن لم يختلف فيه. ثم قال ﴿الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: الشكر لله كله والحمد كله له دون من سِواه، بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الفرق بين من فيه أرباب مشتركون ومن ليس له إلا رب واحد. فلجهلهم يعبدون آلهة شتى. ومعنى: ضرب الله مثلا " (مَثَّلَ الله مثلاً). وقال " مثلاً " ولم يقل " مثلين " لأنهما كليهما ضرباً مثلاً واحداً فجرى المثل فيهما بالتوحيد لذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولم يقل آيتين إذ كان معناهما واحداً في الآية.

стр. 6250

ثم قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾، أي: إنك يا محمد ستموت عن قليل، وإن هؤلاء المكذبين من قومك والمؤمنين منهم سيموتون. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، (قال ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال). وقال ابن زيد وابن جبير: يختصم أهل الإسلام وأهل الكفر. وقال ابن عباس: بلغ من الخصومة يوم القيامة حتى إن الروح ليخاصم الجسد. فيقول الروح: رب، هذا الذي عمل العمل فخلد عليه العذاب. فيقول الجسد: رب، وما كنت أنا، به كنت أبسط، وبه كنت أقبض، وبه كنت أعمل، وبه كنت أقوم وأقعد، فخلد عليه العذاب. فيقال لهما: أرأيتما لو أنّ اعمى وصحيحاً دخلا حائطاً مثمراً، فقال البصير: لا أَنَالُهُ. فقال الأعمى: أنا أحملك على عنقي (حتى تناله فتأخذ): فحمله حتى أخذ من التمر، فأكلا جميعاً، على من يكون العذاب؟ فيقول: عليهما جميعاً!.

стр. 6251

وعن النبي ﷺ أنه قال: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ". وقيل: هو اختصام أهل الإسلام فيما بينهم. وروي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية (وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وقال النخعي: لما نزلت هذه الآية) قالوا ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان؟ قال: فلما قتل عثمان رضي الله عن هـ قالوا: هذه خصومتنا بيننا.

стр. 6252

قال: أبو العالية: هم أهل القبلة يختصمون يوم القيامة في مظالم بينهم. وروي عن النبي ﷺ أنه قال في الآية: " يَخْتَصِمُونَ في الدِّمَاءِ في الدِّمَاءِ " قاله مرتين). " وروي عن الزبير أنه قال: يا رسول الله، أنختصم يوم القيامة بعدما كان بيننا؟ قال: " نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ". قال الزبير: إن الأمر إذن لشديد ". وفي الحديث المسند: " أول ما تقع فيه الخصومات الدماء ". وقوله: " مثلاً " تمام عند أبي حاتم وغيره.

стр. 6253

وليس ذلك بمختار لأن الممثل به لم يذكر بعد فهو متصل بما قبله. وقيل: إن " مثلاً " تقديره أن يكون مؤخراً بعد " سلما لرجل "، أي: ضرب الله هذا مثلاً وفي الكلام حذف، والتقدير: ضرب الله مثلاً لمن أشرك به غيره. وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾: المثل في هذا بمعنى الصفة كما قال: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: صفة الجنة. ثم قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله﴾، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له ولداً وصاحبة. و" من " استفهام، معناه: الجحد، أي: لا أحد أظلم منه. ﴿وَكَذَّبَ بالصدق﴾، أي: بالقرآن وبمحمد ﷺ إذ جاء رسولاً. ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾، أي: أليس فها مأوى ومسكن لمن كفر بالله ورسله صلوات الله عليهم، ومتبه بل فيها مأوى ومسكن لهم. ثم قال تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ " الذي " هنا واحد يدل على الجمع. وقيل: كان أصله: " الذين "، فحذفت النون لطول الاسم. وقيل: " الذي " للواحد وهو النبي ﷺ ، جاء بـ " لا إله إلا الله " وصدق

стр. 6254

بذلك: هذا قول ابن عباس. وقال مجاهد: جاء محمد بالقرآن وصدّق به، وقال الشعبي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ وصدّق به أبو بكر رضي الله عن هـ. وقال قتادة: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ جاء بالقرآن والإسلام وصدّق به يعني المؤمنين، وكذلك قال ابن زيد وقال السدي: الذي) جاء بالصدق: جبريل ﷺ ، جاء بالقرآن من عند الله وصدّق به، يعني: محمداً ﷺ . وقال مجاهد: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة، يقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ". وعن مجاهد أيضاً: (والذي جاء بالصدق) يعني ﷺ " وصدق به "

стр. 6255

يعني علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ، وقيل: هو أبو بكر رضي الله وأصحابه. فمن جعله لجماعة استدل بقوله: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾. ومن جعله لواحد حسن عنده (أولئك) بعد الواحد، لأن الجليل القدر يخير عنه بلفظ الجماعة. وقرأ أبو صالح: (وصدق به) بالتخفيف، (يعني به النبي ﷺ . والباء بمعنى: في. والمعنى: جاء بالقرآن وصدق فيه. واختار الطبري أن يحمل على العموم، فيكون معنى: والذي جاء بالصدق كل من دعا إلى توحيد الله والعمل بطاعته، ويكون الصدق: القرآن والتوحيد

стр. 6256

والشرائع، والمصدق: المؤمنون والأنبياء وغيرهم من جميع من صدق به. ودل على هذا العموم ما قبله من العموم في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله وَكَذَّبَ بالصدق﴾ فهذا عام في جميع المكذبين بالقرآن والتوحيد والشرائع، وفي جميع الكاذبين على الله سبحانه فكذلك يجب أن يكون التصديق عقيبه عاما في جميع المصدقين والصادقين فيترتب الشيء وضده على نظام واحد لأن الذين كانوا عند بعث النبي ﷺ قوم مكذبون لما أتاهم به كاذبون على الله سبحانه، ثم أعقبهم ممن آمن قوم مصدقون بما أتى به النبي ﷺ صادقون في قولهم. وفي قراءة ابن مسعود: " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به بالجمع. ثم قال تعالى ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يعني، يوم القيامة لهم ما تشتهيه أنفسهم. ثم قال: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين﴾، ذلك: إشارة إلى قوله: لهم ما يشاءون. والكاف في " ذلك " للنبي ﷺ ، أي: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء كل محسن في الدنيا بطاعة الله . ثم قال: ﴿لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ﴾، أي: فعل بهم ذلك لكي يكفر عنهم أسوأ ما عملوا في الدنيا مما بينهم وبين ربهم ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، أي: في الآخرة. ﴿بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا (لا بأسوئه).

стр. 6257

قوله تعالى ذكره: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي أليس الله بكاف محمداً ﷺ أمر أعداء المشركين. قال مجاهد: بكافيه الأوثان. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ : لئن لم تنته عن سب آلهتنا لنأمرنها فتخبلك. فالمعنى: يخوفك يا محمد هؤلاء المشركون بالأوثان أن تصيبك بسوء، ألي الله بكافيك؟! أي: هو كافيك ذلك. ومن قرأ " عباده " بالجمع أدخل فيه النبي ﷺ ومن تقدمه من الأنبياء صلوات الله عليهم الذين توعدتهم أممهم بمثل ما توعدت به أمة محمد محمداً ﷺ . قال مجاهد: نزلت هذه الآية حيثن قرأ النبي ﷺ سورة " والنجم " عند باب الكعبة. ثم قال تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾، أي: من

стр. 6258

يخذل الله فيضله عن طريق الحق فما له سواه من مرشد، ومن يوفقه الله إلى طريق الحق فماله من مضل. ثم قال تعالى ﴿أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام﴾، أي: أليس الله يا محمد يعزيز في انتقامه ممن / كفر به، ذي انتقام منهم. ثم قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾، (أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين منْ خلق السماوات والأرض ليقولن الله) خلقهن، فإذا أقروا بذلك فقل لهم يا محمد: أفرأيتم هذه الألهة التي تدعون من دون الله إن أرادني الله بضرّ، أي: سقم أو شدة في معيشتي هل هن كاشفات عني ما أصابني، وإن أرادني الله برحمة، أي بصحة وَسَعَةٍ في الرزق هل هن ممسكات عني ما أعطاني. والجواب في هذا محذوف لعلم السامع بالمعنى. والتقدير: فإنهم سيقولون لا نقدر على شيء من ذلك، فإذا قالوا ذلك فقل يا محمد حسبي الله، أي: كافيِي الله مما سواه من الأشياء. ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون﴾، أي: من هو متوكل فليتوكل عليه لا بغيره. وقال قتادة: ولئن سألتهم من خلق السماوات، يعني:

стр. 6259

الأصنام فيكون المسؤول في هذا القول: الأصنام. والقول الأول عليه أكثر المفسرين. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ معنى الكلام التهدد والوعيد، أي: اعلملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه مثل قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال مجاهد: معناه اعملوا على ناحيتكم، (أي: على) ناحيتكم التي اخترتموها وتمكنت عندكم، إني عامل على ناحيتي. وقيل: المعنى إنى عامل على عمل من سلف من الأنبياء ﵈ قبلي. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون من يهان ويذل ممن يكرم وينعم إذا جاءكم بأس الله فيظهر لكم المحق منا من المبطل وهو معنى قوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾. ثم قال تعالى ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ بالحق﴾، أي: أنزلناه تبياناً بالحق. ﴿فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ﴾، أي من آمن به واتبعه فلنفسه عمل، لأنه أكسب نفسه باتباعه الحق وإيمانه الفوز والرضى من الله والخلود في النعيم المقيم.

стр. 6260

ثم قال: ﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: ومن جار على ما أنزل إليك فإنما يجُورُ على نفسه، لأنه أكسبها بكفره وجوره عن الحق العطب والخزي الدائم، والخلود في نار جهنم. ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، أي: ما أنت يا محمد على من أرسلناك إليهم برقيب ترقب أعمالهم وتحفظ أفعالهم، إنما أنت رسول وما عليك غير البلاغ المبين وحسابهم علينا، قال قتادة، والسدي: بوكيل: بحفيظ. ثم قال تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (أي يقبض الأرواح عند فناء آجالها وانقضاء مدة حياتها ويقبض أيضاً التي لم تمت في منامها) كما يتوفى التي ماتت عند مماتها فيرسل نفس النائم ويمسك نفس الميت، فإذا جاء وقت أجل النائم قبض نفسه ولم يردها إليه. قال ابن جبير: يقبض الله أرواح الأحياء النائمين وأرواح الموتى فتلتقي أرواح الأحياء وأرواح الموتى، ثم يرسل الله الأحياء النائمين، ويمسك أرواح الموتى.

стр. 6261

وعن ابن عباس أنه قال: يلتقي أرواح الموتى وأرواح النائمين فيتساءلون بينهم، ثم يمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى أجل مسمى، وهو الموت. قال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها، قال: وقد يكون توفيها نومها، فالتقدير عنده: والتي لم تمت، نومها: وفاتها. وقال ابن جبير: معناه أن الله جل ذكره يجمع بين أرواح الأحياء والموتى، فيتعارف منهما ما شاء الله أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها. وقال السدي: يقبض الله روح النائم في منامه الأرواح بعضها بعضاً أرواح الموتى وأرواح النيام (فتلتقي فتسأل).

стр. 6262

قال فيخلي الله عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى - أي: إلى بقية آجالها - وتريد الأخرى أن ترجع فيحبس التي قضى عليها الموت، وهو قول ابن زيد. وقال بعض أهل اللغة: النفس على معنيين: نفس التمييز، ونفس الحياة. ونفس التمييز هي من نفس الحياة وليس / نفس الحياة هي نفس التمييز لوجدنا النائم معه نفس الحياة ولا تمييز له. فنفس التمييز ترتبط بنفس الحياة في حال وتفارقها في حال. فتنفرد نفس الحياة، وليس تنفرد التمييز بالبقاء البتة في الجسد، وتنفرد نفس الحياة بالبقاء في البدن. فالتي تقبض عند النون هي نفس التمييز لا نفس الحياة، والتي تقبض عند الموت هي نفس الحياة، (فذهاب نفس الحياة) لا عودة بعده في الدنيا، وذهاب نفس التمييز له رجعة في الدنيا. ونفس الحياة بها يكون التمييز والحركة والنفس، ونفس التمييز لا تكون إلا تابعة لنفس الحياة فهي جزء منها. ألا ترى أن التمييز يذهب والحياة والنفس والحركة

стр. 6263

باقية، ولو ذهبت نفس الحياة لم يبق (تمييز ولا نفس) ولا حركة. فالجملة نفس واحدة إلا أنها تنقسم في المنافع. فصاحب هذا القول ينحو إلى أن النفس التي هي التمييز هي العقل، كأن التمييز هو العقل الذي تميز به الأشياء فهو مرتبط بالحياة، فسمي نفساً لارتباطه بالنفس والحياة. وقيل: إن المعنى على هذا التأويل: الله يتوفى الأنفس حين موتها بإزاله أرواحها وتمييزها ويتوفى التي لم تمت في منامها بإزالة تمييزها دون حياتها، وهذا هو القول الذي قبله مختصراً. ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: في قبض الله نفس النائم وردّها عليه، وقبضه نفس الميت ومنها من الرد عليه، لَعِبَراً وعظات لمن تفكر وتدبر، وبياناً أن من فعل هذا يقدر على أن يحيى الموت إذا شاء. ثم قال تعالى ذكره وجل ثناءه: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِ الله شُفَعَآءَ﴾، أي اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهتهم التي يعبدون (شفعاء) تشفع لهم عند الله.

стр. 6264

ثم قال: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾، أي: قل لهم يا محمد: أتتخذونهم آلهة وإن كانوا لا يملكون لكم ضراً ولا نفعاً ولا يعقلون عنكم شيئاً. ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: قل يا محمد: لله الشفاعة جميعاً فاعبدوه ولا تعبدوا ما لا يملك لكم شفاعة ولا غيرها. ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: له سلطان ذلك وملكه، فما تعبدون أيها المشركون داخل في ملكه وسلطانه فاعبدوا المالك دون المملوك، فإليه ترجعون بعد موتكم فيجازيكم على أعمالهم. قال قتادة: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، يعني: الآلهة. قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً يعني: لا يملكون الشفاعة. قال مجاهد: قل لله الشفاعة جميعاً، أي: " لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ". قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ الكافرين﴾، أي: إذا أفرد الله بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون.

стр. 6265

عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة " والنجم " إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى ووإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: " اشمأزت، أي: كفرت واسكتبرت ". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم " والنجم " عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض عَالِمَ الغيب والشهادة﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر.

стр. 6266

﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله ، ﴿ مَا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم علموا / أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم " علموا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة ". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك.

стр. 6267

قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطَوْهَا بشمائلهم. ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى:

стр. 6268

﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في القصص ". وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم فخسف به وبداره الأرض. ثم قال تعالى: ﴿والذين ظَلَمُواْ مِنْ هؤلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين

стр. 6269

كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلَّ الله عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يعلموا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخرن وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا

стр. 6270

من رحمته. / قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام
следующие страницы →