Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
وقيل: إنَّ " أو " بمعنى الواو.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء.
وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.
قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي.
وقيل: بل كان الرجل (إسرائيليا، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول.
والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون.
" فمن " متعلقة بـ " يكتم " في موضع مفعول ثان " ليكتم "، فهو في موضع نصب.
стр. 6337
وعلى القول الأول " من " متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم.
والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك.
والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى.
وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي.
﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده.
ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن
стр. 6338
الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه.
﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقاً في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إن قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم.
و" بعض " عند أبي عبيدة في موضع " كل "، لأن كل ما واعدوا به كائن لا / بعضه.
وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يدعدكم / موسى هلكتم فضلاً عن الكل.
وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً.
وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخداً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى
стр. 6339
ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول).
قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك.
وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق.
ثم قال لهم المؤمن: ﴿ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظَاهِرِينَ فِي الأرض﴾ قوله: " يا قوم " يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال:
﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له:
﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي.
﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله.
وقرأ معاذ بن جبل: " سبيل الرشاد " بالتشديد. يعني أن فرعون قال
стр. 6340
لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره.
وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن " فعالاً " لا يكون من " أفعل " وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت لتكثير من الرباعي جئت " بمفعال ".
وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق.
وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾.
стр. 6341
أي: وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون وكتم إيمانه: يا قوم إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به.
﴿مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾، يعني: الذين تحزبوا على رسلهم.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، أي: مثل عادة الله فيهم وانتقامه منهم حين كفروا برسلهم.
قال ابن عباس: مثل دأب قوم نوح: مثل حالهم، وقال ابن زيد: معناه، مثل ما أصابهم.
وقوله: ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني به: قوم إبراهيم وقوم لوط، وهم أيضاً من الأحزاب.
وقوله: ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾، أي: ليس الله جل ذكره بمعذب قوماً بغير جرم.
ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المؤمن لقومه: ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، أي: إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به عقاب الله يوم التنادي، أي: يوم القيامة، أي: يوم
стр. 6342
يتنادى أصحاب الجنة والنار كما ذكر في سورة الأعراف وغيرها فقال: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿ونادى أَصْحَابُ الأعراف﴾ [الأعراف: ٤٨]، ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: ٥٠] قاله قتادة وابن زيد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " يأمُر الله إسرافيل ﵇ بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيديمها ويطولها فلا تفتر - وهي التي يقول الله : " ﴿ وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ - فيسيِّر الله الجبال فتكون سراباً، وترتج الأرض بأهلها رجاً - وهي التي يقول الله ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ - فتكون (الأرض كالسفينة) المزنقة في البحر تمر بها الأمواج تكفأُ بأهلها، وكالقنديل (المعلق
стр. 6343
بالعرش) ترجحه (الأرواح فيميل الناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل (وتشيب الولدان) وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو اليوم الذي يقول الله : ﴿ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ".
فعلى هذا الحديث يكون التنادي في النفخة الأولى في الدنيا.
وقرأ الضحاك: يوم التنادي بتشديد الدال، جعله من نَدّ البعير إذا مر على وجهه هارباً. فهذا يراد به ما يكون يوم القيامة من حال الناس.
ويسعد هذه القراءة ويقويها ما روى عبد الله بن خالد قال:
стр. 6344
يظهر للناس يوم القيامة عنق (من النار فيتولون) هاربين منها حتى تحيط بهم، فإذا أحاطت بهم قالوا: أين المفر؟
ثم أخذوا في البكاء حت تنفد الدموع فيكون دماً، ثم يشخص الكفار فذلك قوله:
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ".
ويقويها أيضاً / ما وراء الضحاك، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفاً دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فاذا رآها أهل الأرض نجوا، (فلا يوافقون) قطراً من أقطار الأرض إذا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه - فذلك قوله: " ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. وذلك قوله ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى﴾ [الفجر: ٢٢ - ٢٣]
стр. 6345
وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وذلك قوله: ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦ - ١٧].
وقال قتادة: يوم تولون مدبرين، أي: منطلقاً بكم إلى النار.
وقال مجاهد: يوم تولون " فارين غير معجزين ".
﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾، أي: ما لكم من عذاب الله سبحانه من مانع يمنعكم منه وينصركم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، أي: من يخذله الله فلا يوفقه للرشاد، فما له من موفق يوفقه له.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾، أي: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالآيات الواضحات من حجج الله .
قال وهب بن منبه: فرعون موسى هو فرعون يوسف.
стр. 6346
(قال مالك): عمَّر (أربعمائة سنة).
وقال غيره: هو غيره.
قيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. والله أعلم بذلك.
روي أنه أقام فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الإيمان ثم مات.
وقيل: إن هذا من قول موسى، وقيل: هو من قول (مؤمن آل) فرعون.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾، أي: فلم تزالوا مُرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم ﴿حتى إِذَا هَلَكَ﴾، (أي: مات يوسف).
﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾، أي: قلتم لن يأتينا من بعد يوسف
стр. 6347
رسول يدعونا إلى الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، أي: هكذا يصد الله عن إصابة الحق من هو كافر شاك في الحق.
ثم قال تعالى: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ (أي: كذلك يضل الله الذين يجادلون في حجج الله وآياته بغير حجة أتتهم) من عند الله .
ثم قال: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: كبر جدالهم مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب المسرفين المجادلين في آيات الله بالباطل، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله سبحانه أن يوحده.
﴿جَبَّارٍ﴾، أي: متعظم عن اتباع الحق. ﴿آتِيهِمْ﴾ [هود: ٧٦]: وقف عند الجماعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب﴾، (أي: وقال فرعون - لما وعظه المؤمن وزجره عن قتل موسى - لزيره هامان: ابن لي بناء لعلي أطلع عليه فأبلغ (أبواب السماء) وطرقها، وكان أول من بنى بهذا الأَجُرّ.
стр. 6348
قال ابن عباس: أسباب السماوات منازل السماوات.
والأسباب في اللغة: كلما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب.
وقيل: لعلي أبلغ من أسباب السماوات أسباباً أتسبب بها إلى (رؤية إله) موسى.
﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾، أي: أظن موسى فيما يدعى كاذباً.
أشهب عن مالك قال: سمعت أن فرعون عاش (أربعمائة سنة) وأنه أقام (بعدما) أتاه موسى بالآيات وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] أربعين سنة.
قال مالك قال الله : ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: ١٧٨].
وقال: لم يكن فرعون من بني إسرائيل.
ويروى أن فرعون مكث أربع مائة سنة لم يصدع له رأس، يغدو عليه الشباب ويروح.
стр. 6349
قال ابن لهيعة: كان فرعون من أبناء مصر واسمه، الوليد بن مصعب بن معان.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سواء عَمَلِهِ﴾، أي: هكذا زين الله لفرعون قبيح عمله لما كفر حتى سولت له نفسه بلوغ أسباب السماوات والتطلع إلى (رب العزة).
ثم قال: ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾، أي: مُنع من الاهتداء إلى الحق، أي: منعه الله من ذلك لكفره وعتوه.
ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾، أي: وما احتيال فرعون ومكرره إلا في خسارة وذهاب وضلال وباطل لا ينتفع بحيلته ومكره.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون﴾ - إلى قوله - ﴿نَصِيباً مِّنَ النار﴾.
أي: وقال لفرعون / المؤمن من قومهم: اتبعون فقولوا مثل قولي تهتدوا إلى
стр. 6350
الحق والرشاد والصواب.
وقال لهم: ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ تستمتعون به إلى أجل ثم تفارقونه بالموت.
﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾، أي: هي الدار التي تستقرون فيها وتخلدون ولا تموتون فيها، فاعملوا لها.
ثم قال تعالى حكاية عن قول المؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: من عمل بمعصية الله سبحانه في هذه الدنيا، جوزي بذلك في الآخرة، ومن عمل بطاعة الله وهو مؤمن بالله سبحانه فأولئك يدخلون الجنة في الآخرة يرزقهم الله فيها بغير حساب.
قال قتادة: لا، والله ما هنالك مكيال ولا ميزان.
قال قتادة: من عمل سيئة شركاً بالله ، ومن عمل صالحاً: خيراً.
وقال بعض أهل التأويل: إن المؤمن في هذه الآية هو موسى، قال لهم:
стр. 6351
﴿ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾، إلى أخر الآيات.
وأكثر المفسرين على أنه مؤمن آل فرعون. والله أعلم.
ثم قال تعالى حكاية عن المؤمن أنه قال لهم:
﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾، أي: إذا آمنتم به وصدقتم رسوله، وأنتم تدعونني إلى عمل أهل النار وهو الكفر بالله وبرسوله.
قال مجاهد: إلى النجاة إلى " الإيمان بالله ".
ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: تدعونني للكفر والشرك في عبادة الله سبحانه فأعبد أوثاناً لم يأمرني بعبادتها من له الملك والقدرة.
﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾، أي: أدعوكم إلى عبادة العزيز، أي: العزيز في انتقامه ممن كفر به، الغفار لمن تاب إليه من الشرك وعمل بطاعته.
ثم قال: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة﴾، أي: لا محالة أن الذي تدعونني إلى عبادته - وهم الأصنام والأوثان والشياطين - ليس له دعوة (في الدنيا) ولا في الآخرة، أي: لا ينفذ له أمر ولا نهي ولا شفاعة
стр. 6352
في الدارين.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى الله﴾ أي: في الآخرة، منقلباً ومرجعنا إليه.
﴿وَأَنَّ المسرفين﴾ يعني: من أسرف فكفر بخالقه سبحانه وعبد معه غيره هو من أصحاب النار.
" وأن " في الثلاثة المواضع في موضع نصب بإسقاط الباء.
وذكر سيبويه أنه سأل الخليل عن لا جرم فقال: لا رد لكلام.
والمعنى: وجب أن لهم النار وحق أن لهم النار.
فالمعنى على هذا: وجب بطلان دعوة ما تدعونني إلى عبادته.
قال مجاهد (وابن جبير والشعبي وغيرهم): المسرفون هم السافكون الدماء بغير حق.
стр. 6353
وقال قتادة (وابن سيرين) وغيرهما: " المسرفون: المشركون ".
ثم قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾، هذه حكاية من الله عن مؤمن آل فرعون أنه قال ذلك لفرعون وقومه.
والمعنى: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله وحل بكم، صدق ما أقول لكم من أن المسرفين هم أصحاب النار.
ثم قال ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾.
قيل: إنهم تواعدوه بالقتل فقال: أفوض أمري إلى الله، أي: أسلمه إليه وأتوكل عليه.
﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾، أي: عالم بأمور عباده، بالمطيع منهم والعاصي فيجازي كلا على ما يجب له.
ثم قال تعالى: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾، أي: فوقى الله المؤمن عقاب
стр. 6354
سيئات، كفرهم في الآخرة.
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾، أي: حل بهم ذلك ونزل بهم.
وقيل: الهاء في " فوقاه الله " تعود على موسى.
ورجوعهما على مؤمن آل فرعون عليه أكثر المفسرين واسم المؤمن حزقيل بن جبال.
رُوي أنه لما خاطبهم بذلك خاف منهم فهرب إلى الجبل فقصده رجلان ليوقعا به المكروه فلم يقدرا عليه.
ثم بيّن تعالى سوء العذاب ما هو فقال: النار ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾، أي: في قبورهم.
قال قتادة: كان قبطياً من قوم فرعون فآمن. قال: وذكر لنا أنه كان بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول أين أمرت يا نبي الله؟
стр. 6355
(فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟! فيقول له موسى): أما والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة (ثم يقول) مثل ذلك ويجاوبه موسى بمثل جوابه الأول حتى انتهى إلى البحر فضربه موسى فانفلق اثنى عشر طريقاً، لكل سبط طريق.
وقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ يدل على أن فرعون في أشد ما في العذاب لأن من كان على دينه إذا حل به أشد العذاب فهو أحرى أن يحل عليه أشد من ذلك.
قال السدي: بلغني أن أراوح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدواً وعشيا حتى تقوم الساعة.
﴿غُدُوّاً﴾ مصدر جعل ظرفاً.
стр. 6356
وقال حماد بن محمد الفزاري وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب - بيضاً - فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله، / فإذا كان العشي رجع مثلها سوداً؟!
قال: وفطنتم إلى ذلك! قال: نعم.
قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فتنبت عليها من الليل رياشٌ بيضاء، وتتناثر السود، ثم تغدو " يعرضون على النار غدواً وعشياً " ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبها في الدنيا.
فإن كان يوم القيامة قال الله: " ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ".
وكانوا يقولون: كانوا ست مائة ألف مقاتل.
قال قتادة: يعرضون على النار صباحاً ومساءً. يقال: هذه منازلكم، توبيخاً ونقمةً وصغاراً لهم، قال مجاهد: غُدوا وعشياً ما كانت الدنيا.
стр. 6357
ويدل على أن هذا العرض يكون في الدنيا قوله بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾.
فمن وصل الألف نصب " آل فرعون " على النداء المضاف.
ومن قطعها نصبهم " بأدخلوا ".
وقوله: ﴿سواء العذاب﴾ وقف حسن إن رفعت " النار " على إضمار مبتدأ أو على الابتداء.
وأجاز أبو حاتم الوقف على " وعشياً "، وهو بعيد، لأن " ويوم تقوم الساعة " منصوب بيعرضون، أي: يعرضون على النار في الدنيا، يوم تقوم الساعة. ومن نصبه " بأدخلوا " حسن أن يقف على " وعشياً "
стр. 6358
وهو حسن. " والعذاب " وقف إن نصبت " وإذ يتحاجون " على معنى: واذكر إذ يتحاجون. وعليه التفسير وهو حسن جيد.
وإن نصبته على العطف على ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة﴾ [غافر: ١٨] لم تقف دونه، وهو بعيد لبعد ما بينهما. وقد قال به قوم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي النار فَيَقُولُ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النار﴾، أي: واذكر يا محمد إذ يتخاصم في النار الضعفاء من الكفار - وهم التابعون - مع المستكبرينَ هم المتَّبَعُون على الشرك فيقول التابعون للمتبوعين: إنا كنا لكم في الدنيا تبعاً على الضلالة والكفر بالله سبحانه، فهل أنتم دافعون عنا حظاً من النار، فقد كنا نسارع في محبتكم وطاعتكم في الدنيا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين فنسلم من هذا العذاب.
فأجابهم المتبعون: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾، أي: في النار، فلا نقدر أن ندفع عن أنفسنا شيئاً منها ولا عنكم.
﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾، أي: أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فلا
стр. 6359
نحن - مما نحن فيه من البلاء - خارجون ولا هم مما هم فيه من النعيم - منتقلون.
قوله: ﴿وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادعوا رَبَّكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ السميع البصير﴾، أي: وقال أهل جهنم لخزنتها: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)، أي: قدر يوم من أيام الدنيا.
فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾، أي: بالحجج الظاهرات الدالات على توحيد الله .
﴿ قَالُواْ بلى﴾ قد أتتنا بذلك.
قالت لهم الخزنة: ﴿فادعوا﴾، أي: فادعوا ربكم الذي أتتكم الرسل (من عنده) بالدعاء إلى الإيمان به.
﴿وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: في خسران، لأنهم لا ينتفعون به ولا يُجابون، بل يقال لهم: ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
стр. 6360
وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: " يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، ويستغيثون فيغاثون بالضريع ﴿لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فيأكلونه فلا يغني عنهم شيئاً، ويستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم. ويستغيثون بالملائكة فيقولون: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ فيجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾. إلى آخر الآية ".
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾، أي: إنا لنعلي كلمة الرسل والمؤمنين وحجتهم على من خالفهم من دينهم بإهلاك من
стр. 6361
خالفهم والانتقام منهم في الدنيا.
قال السدي: كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا فلا تذهب تلك الأمة الظالمة حتى يبعث الله قوماً فينتصر بهم لأولئك المقتولين.
وقيل: معنى الآية الخصوص ولفظها عام.
والمعنى: إنه تعالى ينصر من أراد من الأنبياء والمؤمنين ويعطيهم الظفر في الدنيا على من خالفهم.
وامتنعت الآية من العموم لوجودنا أمماً قد قتلت المؤمنين والأنبياء.
قال أبو العالية: " ينصرهم بالحجة ".
(وعن أبي الدرداء) يرفعه: " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم، ثم تلا هذه الآية. ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾.
وروى أنس أن النبي ﷺ قال: " من حمى مؤمناً من منافق
стр. 6362
يغتابه بعث الله تعالى ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من النار. ومن ذكر مسلماً بشيء يشينُه به وقفه الله جل وعز على جسر جهنم حتى يخرج مما قال ".
ومعنى /: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾. أي: وينصرهم يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين (على الأمم) المكذبة بأن الرسل قد بلغتهم وأن الأمم كذبتهم، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: الأشهاد الملائكة.
ثم قال تعالى: مفسراً يوم " يقوم الأشهاد " ما هو فقال: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾، أي: لا ينفع الكفار اعتذارهم إذ لا يعتذرون إلا بباطل لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا بالرسل والكتب والحجج. فلا حجة لهم إلا الكذب وقولهم والله ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ".
ثم قال: ﴿وَلَهُمُ اللعنة﴾، أي: وللكافرين اللعنة من الله وهي البُعد من رحمته سبحانه. ولهم مع اللعنة ﴿سواء الدار﴾، أي: عذاب الآخرة.
وأجاز أبو حاتم الوقف على: " في الحياة الدنيا " على أن تنصب " ويوم يقوم الأشهاد " بإضمار فعل. فإن جعلته بدلاً أو عطفاً لم تقف دونه.
стр. 6363
وقال غيره الوقف: " الأشهاد ".
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى﴾، أي: البيان للحق الذي بعثناه به.
﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾، أي: التوراة، أي: علمناهم إياها وأنزلناها عليهم.
﴿هُدًى وذكرى﴾، أي: بياناً وتذكيراً، ﴿لأُوْلِي الألباب﴾ أي: لأصحاب العقول.
ثم قال تعالى ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾، أي فاصبر يا محمد لأمر ربك وأنفذ ما أرسلت به.
﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾، أي: إن الذي وعدك الله من النصر والتأييد لدينك حق لا بد منه، فربك منجز لك ما وعدك. وقد فعل به ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾، أي: واسأل ربك أن يستر عليك ذنبك بعفوه ورحمته.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار﴾، أي: وصل بالشكر منك لربك بالعشي وذلك من زوال من زوال الشمس إلى الليل. والإبكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
وقيل: الإبكار هنا: من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى. والأول
стр. 6364
أعرف عند العرب.
والعشي والإبكار مصدران جعلا ظرفين على السعة، وواحد الإبكار: بكر. والتقدير: في العشي وفي الإبكار.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾، أي: يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير حجة أتتهم في مخاصمتك.
﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾، أي: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك وقبول ما جئتهم به حسداً وتكبراً.
﴿فاستعذ بالله﴾، أي: ليس ببالغين الفضل الذي أتاك الله فحدسوك عليه.
وقيل: المعنى: ما في صدورهم إلا عظمة، ما هم ببالغين تلك العظمة، لأن الله مذلهم ومخزيهم، قاله مجاهد.
وقال الزجاج: معناه: ما هم ببالغين إرادتهم في محمد ﷺ . مثل رسل
стр. 6365
القرية.
وقيل: المعنى: ما هم ببالغين الكبر.
فالمعنى: إنهم قوم رأوا أن اتباعهم لمحمد ﷺ نقص لجاههم ومختلفته رفعة لهم، فأعلم الله نبيه ﷺ أنهم لا يبلغون الإرتفاع الذي قصدوه بالتكذيب.
ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿ فاستعذ بالله﴾، أي: تعوذ يا محمد بالله من شرهم وبغيهم وحسدهم، وذلك أنها نزلت في اليهود.
قال قتادة: معناه: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن كبرهم.
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾، أي: السميع لما يقولون، البصير بأعمالهم.
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ - إلى قوله - ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: لا بتداعُ خلق السماوات والأرض أعظم
стр. 6366
عندكم من خلق الناس (إن كنتم تستعظمون خلق الناس).
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله ، وفي هذا تنبيه من الله لمن كذب بالبعث فنبههم أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم وإعادتههم.
فمن قدر على إحداث السماوات والأرض، ورفع السماوات بغير عمد، وتسخير شمسها وقمرها ونجومها واختلاف ليلها ونهارها وتسخير سحابها وإنزال غيثها وتصريف رياحها، فكيف لا يقدر على خلق الناس وبعثهم بعد موتهم، فذلك أهون على الله وأصغر!.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسياء﴾، أي وما يستوى الكافر الذي لا يؤمن، والمؤمن في التدبر في آيات الله ، والإعتبار في وحدانتيه وقدرته، ولا يستوي المؤمن الذي يعمل الصالحات والمسيء، وهو الكافر الذي يعمل بما لا يرضى الله به.
﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: قليلاً تذكرهم حجج الله سبحانه وآياته وقيل: المعنى: لا يستوي العالم المستدل بآيات الله سبحانه وقدرته على بعث الأموات، والجاهل الذي قد عمي عن الاستدال بذلك / وجهل معرفة الاستدلال والبرهان على قدرة الله سبحانه، كما لا يستوي الأعمى والبصير.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾، أي: لا شك فيها، ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: لا يصدقون بقيام الساعة.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، أي: اعبدوني وأخلصوا العبادة لي أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.
стр. 6367
قال ابن عباس: ادعوني استجب لكم ووحدوني أغفر لكم.
وروى النعمان بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال: " الدعاء هو العبادة وتلا رسول الله ﷺ ﴿" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني﴾ " الآية.
ويدل على أن الدعاء العبادة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، ومعناه: إن الذين يتعظون عن إفرادي بالعبادة والإخلاص لي.
﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي صاغرين، قاله السدي وأبو عبدة.
وقال السدي: يستكبرون على عبادتي، أي: عن دعائي.
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾. هذا تذكير
стр. 6368
من الله لخلقه على نعمه أنه جعل لهم الليل لتسكن فيه جوارحهم وتهدأ حركاتهم، وجعل النهار مبصراً ليتصرفوا في معايشهم ومنافعهم.
ولم يجعل الليل دائماً فيمتنعوا من التصرف (في منافعهم) فيضيعوا، ولا جعل النهار دائماً فيمتنعوا من السكون والراحة، بل دبر أحسن تدبير وأتقن أحسن غتقان.
فلا تصلح الألوهية والعبادة (إلا له) لا إله إلا هو.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾، أي: لذو تفضل عليهم وإحسان بما أمتعهم به من المنافع وحسن التدبير.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾، أي لا يشكرونه بالطاعة وإخلاص العبادة والشكر على نعمه.
ثم قال تعالى: ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾، (أي: الذي) فعل هذه النصالح لكم وأحسن إليكم هو الله ربكم خالقكم وخالق كل شيء.
﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي: لا معبود غيره تصلح له العبادة.
стр. 6369
﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه تقلبون عن الحق، وإلى أي وجه تذهبون عنه فتعبدون سواه.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾، أي كذهابكم عن محمد ﷺ وما جاء به، وانصرافكم عنه إلى الباطل، ذهاب الذين كانوا من قبلكم يكذبون بحجج الله فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم في الضلال.
﴿يُؤْفَكُ﴾، بمعنى: أفك، لأنه أمر قد مضى، ودل على ذلك قوله: ﴿كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾.
ومعنى " يوفك ": يُغلب ويصرف عن الحق.
ثم قال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً﴾، أي جعل لكم الأرض قراراً تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، وجعل لكم السماء بناءً فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، أي: وخلقكم فأحسن خلقكم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾، أي: من حلال الرزق وطيبه ولذيذه، هو الله
стр. 6370
ربكم الذي لا تصلح (الألوهية إلا له ولا تحسن) العبادة لغيره.
ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ﴾، أي الذي خلق هذه الأشياء لكم وأحسن إليكم، هو الله ربكم لا تصلح الربوبية (إلا له).
﴿فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾، أي: مالك جميع الخلق.
ثم قال تعالى ﴿هُوَ الحي لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي: لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾، أي: مفردين له (العبادة والألوهية).
﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾، أي: الشكر العام لله مالك جميع الخلق. وكان جماعة من المفسرين يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبع ذلك الحمد (لله رب العالمين)، امتثالاً بهذه الآية لأنها أمر من الله جل ذكره أن يقال ذلك.
قال ابن عباس: " من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها الحمد لله رب
стр. 6371
العالمين " وكذلك قال ابن جبير.
﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾: قولوا الحمد لله رب العالمين.
وقرأ أبو رزين: " صوركم " بكسر الصاد، وأصلها الضم. وعلة ذلك عند سيبويه أن جميع فُعْلة وفِعْلة قد اشتركا في الإسكان للعين.
في الجمع المسلم. قالوا: ركبة وركبات، فاسكنوا، وأصل الكاف الضم، وقالو: هند وهندات، فأسكنوا، وأصل النون الكسر. فلما اشتركا في ذلك اشتركا في التكسير في الضم والكسر فقالوا: صُورة وصوَرٌ وصِور ورشوة ورشا فأدخلوا فعلة في الضم وهو
стр. 6372
(الفعلة وكذلك) (أدخلوا فعلة) في الكسر وهو الفعلة.
ثم قال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾، أي: قل يا محمد إني نهيت أن أعبد الأوثان والأصنام التي تعبدونها أنتم من دون الله سبحانه.
﴿لَمَّا جَآءَنِيَ البينات مِن رَّبِّي﴾، إني نهيت عن ذلك لما آتتني آيات الكتاب الذي نزل علي من عند ربي.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ أي: أمرت في الكتاب (الذي أنزل) أن أخلص العبادة والخضوع بالطاعة لرب الخلق ومالكهم وخالقهم ورازقهم.
ثم قال تعالى ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾، يعني آدم.
﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ - إلى آخر الآية، يعني به ذرية آدم وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً﴾ هذا جمع للعدد الكثير وحكم القليل فيه " أشيخ " كفلس وأفلس. إلا أنهم استثقلوا الضمة على الياء. فشبهوا باب فعل بفعل. وحق فعل في
стр. 6373
القليل أن يجمع على أفعال كجمل وأجمال فجمعوا فعلاً عند الاستثقال بضمة الياء على " أفعال " فقالوا: أشياخ ". والأصل (أشيخ، ومثله زيد) وأزياد، والأصل أزيد. فإن اضطر شاعر جاز أن يأتي به على أفعال فيقول أزيد وأشيخ كما قالوا: عين وأعين وإنما حسن في أعين في غير الشعر لأنها مؤنثة. والشيخ ما جاوز الأربعين.
وهذه الآية حجة على المشركين وتنبيه لهم على قدرة الله .
وأن من قدر على هذه الأشياء قادر على إحياء الموتى، فضرب ذلك لهم ونبههم عليه لعلهم يعقلون ما دعوا إليه فيتوبون من الكفر.
وقوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ﴾ متعلق بمضمر إذ ليس بمتصل
стр. 6374
بما قبله في اللفظ.
والتقدير: ثم من علقة، ثم يعمركم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً.
﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾، أي قبل هذا كله، وهو السقط وشبهه، نحو الإزلاق وهو ما سقط نطفة، ومثل الإجهاض وهو ما سقط مضغه، والإسقاط ما سقط تام الخلق.
وقد قال الخليل: (الإجهاض: التام) الخلق. وعلى الأول أكثر الناس.
وقوله: ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾، يعني به أجل الموت للكل، أي: يعمركم لتبلغوا أجل الموت.
وقوله: ﴿أَشُدَّكُمْ﴾، قيل: (ثمان عشرة) سنة. وقال ربيعة (ومالك: الأشد
стр. 6375
الخلق). وقيل: الأشد: ثلاثة وثلاثون سنة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً﴾ - إلى قوله - ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾، أي: فإذا أراد تكوين شيء وحدوثه فإنما يقول له كن، فيكون ما أراد تكوينه موجوداً بغير معاناة ولا كلفة. ولا مؤنة.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله أنى يُصْرَفُونَ﴾، (أي: ألم تر) يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين يخاصمونك في حجج الله وأدلته من أي وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد.
قال ابن سيرين: (إن لم) تكن هذه الآية نزلت في القدرية فإني لا
следующие страницы →