Полный текст (8 396 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾، أي: قال لهما جيئا بما خلقت فيكما. أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرضي فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات وتشقق عن الأنهار، فقالتا: أتينا طائعين بما أحدث فينا من خلقك، هذا معنى ما روى مجاهد عن ابن عباس.
ومعنى إخباره تعالى عن السماء والأرض بالقول أنه جعل ﵎ فيهما ما يمزان به ويجيبان عما قيل لهما وذلك لا يعجزه تعالى إذا أراده.
وقال المبرد: هذا إخبار عن الهيئة، أي: صارتا في هيئة من قال ذلك بتكوينه تعالى لما أراد فيهما، كقول الشاعر: امتلأ الحوض، وقال: قطى، أي: صار في هيئة من يقول ذلك.
стр. 6407
وقيل: معناه أنه أخبرنا الله بما نعرف من سرعة الإجابة طائعين فخبر عن السماوات والأرض بسرعة التكوين على ما أراد وأما قوله: ﴿طَآئِعِينَ﴾، فقال الكسائي معناه: أتينا بمن فينا طائعين.
وقيل: إنما جاء ذلك بالياء والنون لأنه أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل من الذكور فجاء على لفظ الإخبار عمن يعقل.
قال ابن عباس: خلق الله الأرض أولاً، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، فلذلك قال: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
قال وهب بن منبه: خلق الله تعالى الريح فسلطها على الماء فضربت الماء حتى صار أمواجاً وزبداً، فجعل يفور من الماء دخان ويصعد في الهواء، فأمر الله ﵎ الزبد فجمد فمنه الأرض، وأمر الأمواج فجمدت فجعلها جبالاً رواسي، ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ /
стр. 6408
فقضاهن سَبْعَ سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ ". وكانت السماء ملتصقة بالأرض فأرمها فارتفعت من الأرض على الهواء. ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] . وقال للسماء الدنيا: كوني زمردة خضراء، وللثانية كوني فضة بيضاء، والثالثة كوني ذرة حمراء، وللرابعة كوني ذرة بيضاء وللخامسة: كوني ذهبة حمراء، وللسادسة: كوني ياقوتة صفراء، وللسابعة: كوني نوراً على نور يتلألأ، وفي كل سماء ملائكة قد طبقها بهم بين راكع وباك ومسبح قائم.
قوله تعالى: ﴿فقضاهن سَبْعَ سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: فأحكمهن، وفرغ من خلقهن سبع سماوات في يومين، وذلك: يوم الخميس ويوم الجمعة.
قال السدي: ثم استوى إلى السماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيها خلق السماوات والأرض.
وقوله: ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾، معناه: وألقى. في كل سماء ما أراد. من الخلق. قال مجاهد، معناه: وألقى في كل سماء ما أمر به وأراده.
стр. 6409
وقال السدي: معناه: وخلق كل سماء من الملائكة والبحار والجبال ما أراد مما لا يعلم.
وقال قتادة: معناه: وخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
وقيل: المعنى: وأوحى في كل سماء من الملائكة بما أراد من أمرها.
ثم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بمصابيح﴾، يعني: بالكواكب.
قال السدي: جعل النجوم زينة وحفظاً من الشياطين.
وانتصب " حفظاً " على المصدر. قال الأخفش: معناه: وحفظناه حفظاً. لأن جعله فيها الكواكب يدل على أنه حفظها، لأنه اسم عطف على فعل فلا بد من إضمار فعل لتعطفه على الفعل الذي قبله وتنصب به حفظاً.
وقيل: التقدير: وجعلنا المصابيح حفظاً من استراق السمع. وهذا كله مردود على أول الكلام في المعنى. والتقدير: قل ائنكم لتكفرون بمن هذه قدرته، وتجعلون له
стр. 6410
أمثالاً وأشكالاً تعبدونها من دونه.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾، أي: جميع ما ذكر من الخلق والآيات من تدبير العزيز في نقمته من إعدائه العليم بسرائر خلقه وبكل شيء، لا إله إلا هو.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، أي: فإن أعرض قومك من قريش يا محمد عنك وعما جئتهم به، فلم يؤمنوا به، فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد (وثمود.
وقرأ أبو عبد الرحمن والنهعي: صعقة مثل صعقة عاد).
والصعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وكذلك الصاعقة.
قال قتادة: معناه: فقل (لهم يا محمد): أنذركم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود.
وقال السدي: معناه: أنذركم عذاباً مثل عذاب عاد وثمود.
﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
стр. 6411
العامل في " إذ: " الصاعقة.
والمعنى: حين جاءتهم الرسل من بين أيدي الرسل ومن خلف الرسل (يعني: جاءت الرسل أبناء الذين أهلكوا بالصاعقة ومن خلف الرسل) الذين بعثوا إلى آبائهم. وذلك أن الله جل ذكره بعث إلى عاد: هوداً، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمت إلى آبائهم أيضاً فكذبوها فأهلكوا.
قال ابن عباس: معناه: أنه يريد الرسل التي كانت قبل هود، (والرسل التي كانت بعد هود)، بعث الله قبله رسلاً، (وبعده رسلاً) بأن لا يعبدوا إلا الله فقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يدعوننا إلى الإيمان به ولم يرسلكم وأنت بشر مثلنا، ولكنه رضي بعبادتنا، فنحن بما أرسلتم به كافرون.
وقال الضحاك: الرسل الذين من بين أيديهم: من قبلهم، والذين من خلفهم، يعني: الذين بحضرتهم.
стр. 6412
فيكون الضمير الذي في " خلفهم " يعود على الرسل، وهو مذهب الفراء.
وقيل: الذين بين أيديهم، يعني: الذين بحضرتهم، (والذين من خلفهم، يعني:) الذي من قبلهم.
وقيل: هذا على التكثير، والمعنى: جاءتهم الرسل من كل مكان بأن لا يعبدوا إلا الله.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات / الله وكفروا بها.
فقوله: ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوف على " فاستكبروا " " وقالوا " وما بينهما اعتراض.
قال الله جل ذكره: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾.
قال مجاهد: أرسل ريحاً شديدة (السموم) عليهم.
стр. 6413
وقال قتادة والسدي: ريحاً صرصراً: باردة)، وزاد السدي: ذات صوت. وقال أبو عبيدة: ريحاً شديدة الصوت عاصفة.
وأصل الصر في كلام العرب: البرد.
قال ابن القاسم: قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها: هرطة: أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلامته ورحمته: ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الريح فيما بين السماء والأرض.
ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكسبت الأرض.
стр. 6414
وقوله: ﴿في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾.
قال ابن عباس: نحسات: متتابعات. وقال مجاهد: نحسات: مشائم.
وقال قتادة: نحسات: (مشائم نكدات).
وقال ابن زيد: نحسات/ ذات شر، ليس فيها من الخير شيء.
وقال الضحاك: نحسات: شداد.
﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا﴾، أي: عذاب الهوان في الدنيا.
﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى﴾، أي: أشد (هواناً).
﴿وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصرهم ناصر من عذاب الله فينقذهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾، أي: وأما ثمود) فبينا لهم سبيل الحق وطريق الرشاد.
قال ابن عباس: فهديناهم: بينا لهم ".
(وقال قتادة: فهديناهم: بينا لهم سبيل الخير) والشر.
стр. 6415
وقال ابن زيد: فهديناهم: أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى فاستحبوا الضلالة على الهدى واختاروها.
وقال الضحاك: فهديناهم: أخرجنا لهم الناقة تصديقاً لما دعاهم إليه صالح، فاستحبوا الكفر على الإيمان.
وقال السدي: فاختاروا الضلالة والعمى على الهدى، وهو قول ابن زيد وغيره.
والرفع في " ثمود " عند سيبويه مثل: زيد ضربته.
وقيل: إن النصب الإختيار، لأن " أما " فيها معنى الشرط.
والشرط بالفعل أولى، وبه يكون، فلا بد من إضماره، فيعمل في ثمود
стр. 6416
فينصبه.
وقرأ ابن أبي إسحاق بالنصب. ورويت أيضاً عن الأعمش وعاصم وذلك على إضمار فعل مثل: زيداً ضربته.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون﴾، أي: فأخذهم العذاب (المذل المهين)، فأهلكهم بما كانوا يكسبون من الكفر.
ثم قال: ﴿وَنَجَّيْنَا الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: ونجينا المؤمنين من العذاب الذي نزل بالكفار من عاد وثمود.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنَ المعتبين﴾، أي: واذكر يا محمد نحشر هؤلاء المشركين وغيرهم من أعداء الله إلى نار جهنم.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة وغيرهما.
стр. 6417
قال أبو الأحوص: " فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرماً ".
قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون.
يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه.
ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾. هذا الكلام فيه حذف مفهوم، واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن.
والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا.
وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج. كنى عنها كما كنى عن
стр. 6418
النكاح بالمس.
وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب له التسليم.
قال ابن مسعود (رضي الله عن هـ) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه فيقول: بعداً لكن وسحقاً، إنما كنت أجادل عنكن.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾، (أي: وقال المشركون
стр. 6419
للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم علينا) فأجابتهم.
﴿أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطقنا.
" روى أنس أن النبي ﷺ ضحك ذات يوم يا رسول الله؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس وعدتني ألا تظلمني؟! قال: (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي. قال: أو ليس كفي بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل. قال: فيقول لهم بعداً وسحقاً، عنكم، كنت أجادل ".
" وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي ﷺ قال: وأشار بيده إلى
стр. 6420
الشام فقال: " من " ها هنا " يحشرون / ركباناً ومشاتاً وعلى وجوههم يوم القيامة، على أفواههم الفدام. توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه ".
وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي ﷺ يقول: " أول عظم يتكلم من الإنسان (يوم يختم على الأفواه " فخذه من رجل الشمال "، وفي حديث آخر) " فخذه وكفه ".
стр. 6421
ثم قال: " ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي خلق الخلق الأول ولم يكونوا شيئاً.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾.
قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم.
وقال مجاهد: معناه: " وما كنتم تتقون "، وقال قتادة: معناه: وما كنتم تظنون.
قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده (ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: ﴿ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولكن حسبتم أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك
стр. 6422
فعلتموها).
قال ابن مسعود: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أفهمه. فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول. فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ. . .﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.
стр. 6423
وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: " عبدي، أنا عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني ". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر والمنافق فأساء الظن وأساء العمل).
وذكر معمر أنه بلغه أنه: " يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا ظني بك. قال: (وما كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني قال: فإني عند ظن عبدي ".
стр. 6424
وقال قتادة: الظن ظننان: ظنُّ مُرْدٍ، وظنُّ مُنْجٍ، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] فهذا الظن المنجي - ظن ظناً يقيناً - قال: وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ فهذا ظن مرد.
وقوله عن قول الكافرين: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية: ٣٢] مثله.
قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه وسلم كان يقول ويروي عن ربه : " عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ".
فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا.
وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل. ثم تلا " ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ " الآية.
стр. 6425
واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في حصته أغلب من الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من الخوف.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾، المعنى فإن يصبروا على النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم.
﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين﴾، أي: وإن يسألوا الرجعة إلى الدنيا والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم فيه ولا يرجعون إلى الدنيا.
وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن لهم في الآخرة كما قال: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [البقرة: ١٧٥].
وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من المعتبين.
والاستعتاب إنما يكون من الجزع. فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك.
стр. 6426
وقيل: المعنى: " فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم ". وقيل: المعنى: إن يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم يوم القيامة.
ويقال: إن هذا جواب لقولهم: ﴿أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ﴾ فقال الله تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها ﴿فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾، وإن يستعتبوا يوم القيامة / فلن يعتبوا.
قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾.
أي: ونصبنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء يزينون لهم قبائح أعمالهم.
قال ابن عباس: القرناء هنا: الشياطين.
وحقيقة قيضنا سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا.
وقوله: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
يعني: من أمر الدنيا فحسنوا ذلك، وحببوه لهم حتى آثروه على
стр. 6427
أمر الآخرة.
وقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قال مجاهد: حسنوا لهم أيضاً ما بعد مماتهم فدعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأنه لا ثواب ولا عقاب، وهو أيضاً قول السدي.
وقيل: معنى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾، يعني: في النار فزينوا لهم أعمالهم في الدنيا.
والمعنى: قدرنا عليهم ذلك أنه سيكون وحكمنا به عليهم.
وقيل: المعنى: أخرجناهم إلى الاقتران فأحوجنا الغني إلى الفقير ليستعين به، وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، فحاجة بعضهم إلى بعض تقيض من الله لهم ليتعاونوا على طاعته فزين بعضهم لبعض المعاصي.
قال ابن عباس: ما بين أيديهم هو تكذيبهم بالآخرة والجزاء والجنة والنار،
стр. 6428
وما خلفهم: الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي وقيل: المعنى إنهم زينوا لهم مثل ما تقدم لهم من المعاصي فهو من بين أيديهم، وما خلفهم: ما يعمل بعدهم أو بحضرتهم.
وقيل: ما بين أيديهم: ما هم فيه، وما خلفهم: ما عزموا أن يعملوه.
ثم قال تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾، أي: وجب لهم العذاب بكفرهم وقبولهم ما زين لهم قرناؤهم من الشياطين.
وقوله: ﴿في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس﴾، معناه: ووجب عليهم القول في أمم قد مضت قبلهم.
(أي ووجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم مضت قبلهم) من الجن والإنس لكفرهم وعملهم مثل عملهم.
وقيل: " في " هنا، بمعنى " مع ".
فالمعنى: ووجب عليهم العذاب بكفرهم مع أمم مضت قبلهم بكفرهم
стр. 6429
أيضاً، هم داخلون فيما دخل فيه من قبلهم من الأمم الكافرة. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾، أي: مغبونين ببيعهم رضاء الله بسخطه، ورحمته بعذابه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾، أي: قال الملأ من قريش لأهل طاعتهم من العامة: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه ولا تتبعوا ما فيه. وألغوا فيه بالباطل (من القول). إذا سمعتم قارئه يقرأه لا تسمعوا ولا تفقهوا) ما فيه. هذا قول ابن عباس.
وقال مجاهد: اللغو هنا: المكاء والتصفيق والتخليط (في المنطق) على رسول الله ﷺ ، إذا قرأ القرآن أمروا سفهاءهم بذلك.
وقال قتادة: والغوا فيه، أي: اجحدوا وأنكروه وعادوه.
يقال: لغى يلغى، (ويلغو لغواً، ولغى ولغي يلغى لغى)
стр. 6430
وبهذه جاء القرآن.
وقرأ ابن أبي إسحاق: " والغوا فيه " على لغا يلغو، واللغو في الكلام ما كان على غير وجهه مما يجب أن يطرح ولا يعرج عليه. واللغو أيضاً مما لا يفيد معنى من الكلام.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا قرأ رفع صوته فتطرد قريش عنه الناس ويقولون: لا تسمعوا والغوا فيه لعلكم تغلبون، وإذا خافت لم يسمع من يريد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وعن ابن عباس أيضاً أن أبا جهل هو الذي قال هذا: إذا رأيتم محمداً يصلي فصيحوا في وجهه وشدوا أصواتكم بما لا يفهم حتى لا يدري ما يقول.
وروي أنهم إنما فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن، ورأوا من (يكرهه) يؤمن به لإعجازه بفصاحته، وكثرة معانيه وحسنه ورصفه.
стр. 6431
ومعنى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، أي: لعلكم تصدون من أراد استماعه عن فهمه فلا ينتفع به فتغلبون محمداً ﷺ أي في الآخرة على فعلهم.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ "، أي ولنجازينهم على قبيح أعمالهم في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله النار لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾، أي: جزاء المشركين في الآخرة النار، لهم فيها دار المكث أبداً.
﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لهم بجحودهم في الدنيا بآياتنا، وكفرهم بها.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس﴾، أي: وقال الكفار يوم القيامة بعد دخولهم النار: ربنا أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جهنم وإنسهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار، لأن أبواب / جهنم بعضها تحت بعض فكل ما سفل كان أشد عذاباً مما علا، نعوذ بالله منها.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: هما إبليس الأبالسة وابن آدم الذي قتل
стр. 6432
أخاه. وهذا قول قتادة والسدي. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾، إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة.
" روى أنس أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ - الآية " فقال: " قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم. فمن مات عليه فهو ممن استقام ".
وقيل: معناه: ثم لم يشركوا به شيئاً. قاله أبو بكر الصديق رضي الله عن هـ.
وروي عنه أنه هذه الآية قرئت عنده فقال: هم الذين لم يشركوا به شيئاً، فقالوا: لم يعصوا الله؟ فقال أبو بكر: لقد ضيقتم الأمر، إنما هو: ثم استقاموا (على ألا
стр. 6433
يشركوا به شيئاً).
وعنه أنه قال: ثم استقاموا: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.
وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم لم يشركوا حتى لقوه.
وروى الزهري أن عمر رضي الله عن هـ تلا هذه الآية فقال: استقاموا - والله - على طاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب.
وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله .
وكان الحسن إذا قرأها قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الإستقامة.
وقال ابن زيد: استقاموا على (عبادة الله وعلى طاعته).
وقيل: لم يحدثو بعد إيمانهم كفراً. لأن المشركين قالوا: ربنا الله وعبدوا الأصنام وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقالت اليهود: ربنا الله، ثم كفروا فقالوا: عزير ابن الله سبحانه وكفروا بمحمد، (وقالت النصارى: ربنا الله ثم كفروا وقالوا
стр. 6434
عيسى ابن الله، وقال بعضهم هو الله، وقال المسلمون: ربنا الله ولم يعبدوا معه غيره ولوآمنوا بمحمد وبجميع الأنبياء.
وقوله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة﴾، معناه: تتهبط عليهم الملائكة من عند الله عند نزول الموت بهم. قاله مجاهد والسدي.
يقولون لهم: لا تخافوا مما قدامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، وأبشروا بالجنة التي وعدكموها الله ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقرأ ابن مسعود: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة﴾ لا تخافوا، أي: قائلة لهم: لا تخافوا مما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم.
وقال السدي: معناه: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم.
وقال مجاهد: معناه: ألا تخافوا مما تقجمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم من جنياكم من أهل، وولد، ودار فإنا نخلفكم في ذلك كله.
قال زيد بن أسلم: البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث.
стр. 6435
وعن ابن عباس أن هذه البشرى في الآخرة تكون لهم من الملائكة.
فالمعنى: تقول لهم الملائكة: نحن كنا نتولاكم في الدنيا وهم الحفظة الكتبة، قاله السدي، قال: هم الحفظة وهم أولياء المؤمن في الآخرة كما كانوا أولياءه في الدنيا.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ﴾، أي: لكم ذلك في الجنة.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، أي ما تريدون، وتدعون ما شئتم يأتكم.
وقوله: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾، أي: أنزلهم الله ذلك نزلاً، فهو مصدر، وقيل: في موضع الحال. والمعنى: منزلين ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ﴾ للذنوب لمن تاب منها، ﴿رَّحِيمٍ﴾ بمن آمن وتاب.
قال ثابت البناني: بلغنا أن المؤمن يتلقاه ملكاه - اللذان كانا معه في الدنيا
стр. 6436
- إذا بعث من القبر - فيقولانن له: لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ - إلى قوله - ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ فيؤمن الله خوفه، ويقرعينه.
قوله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ معناه: لا أحد أحسن قولاً ممن هذه صفته، أي: ممن قال: ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والقبول لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به وما عمل. وقرأ الحسن يوماً هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي والله، هذا صفوة الله، هذا خير الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين؛ فهو خليفة الله سبحانه.
فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين.
وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجة مخرجه، وسره علانيته وشاهد مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره
стр. 6437
/ علانيته، وشاهده مغيبه.
قال السدي: عني بهذه نبي الله محمداً ﷺ ، دعا إلى الله جل ذكره، وعمل صالحاً، وقاله ابن زيد وابن سيرين).
روي عن عائشة رضي الله عن ها أنها قالت: نزلت في المؤذنين.
وقال عكرمة: قوله: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾، يعني: المؤذنين. ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: صلى وصام.
وذكر في حديث يرفعه: " أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة المؤذنون، وأول المؤذنين مؤذنو مكة. قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. والمؤذنون إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون ولايدودون في قبورهم.
стр. 6438
وعن عمر رضي الله عن هـ أنه قال: " قالت الملائكة: لو كنا نزولاً في الأرض ما سبقنا إلى الآذان أحد ".
وقال قيس بن أبي حازم: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾، قال: هو المؤمن ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: الصلاة بين الأذان إلى الأقامة.
وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: قد استسلمت لله وخضعت له بالطاعة جلة عظمته.
ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة﴾ " لا " الثانية زائدة للتأكيد.
والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله ، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك بالله والعمل بمعصيته تعالى.
قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك.
стр. 6439
ثم قال ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: ادفع بالحالة التي هي أحسن السيئة. والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة من أساء إليك، وبصبرك على مكروه من تعدى عليك.
وقال ابن عباس في الآية: أمر الله المسلمين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم.
وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته السلام عليكم، وقاله عطاء.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول المسبوب للساب: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، فيصير الساب كأنه صديق لك، قريب منك. والحميم: القريب.
قال المبرد: " الحميم: الخاص ".
стр. 6440
ثم قال تعالى جل ذكره ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ﴾، أي: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره والأمور الشاقة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير.
وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على المكاره والأذى في الله ، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة.
ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى فروا إلى أرض الحبشة.
وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عن هـ. ثم هي عامة في كل من كان على طريقته ومنهاجه.
وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضاً.
" وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عن هـ شتمه رجل ورسول الله ﷺ شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، فقام النبي ﷺ ، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني الرجل فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر
стр. 6441
قمت! فقال له النبي ﷺ " إنه كان يرد عليه ملك من الملائكة، فلما أخذت تنتصر ذهب الملك ورجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر ".
ثم قال تعالى ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله﴾، أي: وإما يلقين الشيطان - يا محمد - في نفسك وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته فاستجر بالله واعتصم به من عمل الشيطان.
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لاستعاذتك واستجارتك به.
﴿العليم﴾ بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ابن زيد: هو الغضب.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر﴾، أي: ومن علاماته وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد منهما الآخر. والشمس والقمر مسخرات لا يدرك أحدهما الآخر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر﴾، فإنما هما خلق
стр. 6442
مثلكم خلقا لمنافعكم بهما.
وقوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار والشمس والقمر وأنث، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكراً إذا كان من غير بني آدم.
وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن الاثنين جمع.
وقيل: الضمير يعود على معنى الآية.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: أخلصوا لله وحده إن كنتم / إياه تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك.
стр. 6443
وقد روي أن رجلاً من الأنصار على عهد النبي ﷺ استتر بشجرة يصلي من الليل فقرأ " ص " فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلها من عبدك داوود ﵇. فذكر الرجل ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " نحن أحق أن نقول ذلك ". فكان النبي ﷺ يقول ذلك في سجوده ".
ثم قال تعالى ﴿فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ باليل والنهار﴾، أي: فإن استكبر هؤلاء الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع لله الذي خلقهم وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك: على جلالة قدرهم، بل يسبحون له ويصلون ليلاً ونهاراً.
﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾، أي: لا يفترون ولا يملون.
ومعنى ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾، أي: في طاعته وعبادته، لم يعن القرب من مكانه لأن المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث وقد كان تعالى ذكره ولا مكان. فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته يسبحون له.
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً﴾ - إلى قوله - ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
стр. 6444
أي: ومن علاماته وحججه وأدلته على توحيده وقدرته على نشر الأموات وبعثهم أنك - يا إنسان - ترى الأرض. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ . ومعنى خاشعة: دارسة غبراء لا نبات فيها ولا زرع.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء﴾، يعني: المطر.
﴿اهتزت﴾ يعني: بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾، أي: انتفخت وارتفعت. قال قتادة: خاشعة، أي: غبراء متهشمة. وقال السدي: يابسة متهشمة. وأصل الاهتزاز: التحرك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى﴾، أي: إن الذي أحيى الأرض الدراسة فأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع بعد يبسها، قادر على أن يحيي أموات بني آدم بالماء أيضاً بعد مماتهم.
قال السدي إنه كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالمطر أيضاً وذلك مطر ينزله الله بين النفختين.
стр. 6445
﴿إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: لا يعجزه شيء إذا أراده.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا﴾، أي: يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا ويعدلون عنه تكذيباً وجحوداً لا يخفون على الله سبحانه، بل هو عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة.
قال مجاهد يلحدون في آياتنا يعني: المكاء والصفير واللغو عند القرآن، استهزاء منهم به، ومعارضة منهم للقرآن.
وقال قتادة: يلحدون: يكذبون.
وقال السدي: يلحدون " يعاندون ويشاقون ".
وقال ابن زيد: هم أهل الكفر والشرك بآيات الله سبحانه.
وقال ابن عباس: هم الذين يبدلون آيات الكتاب فيضعون الكلام في غير موضعه.
وأصل الإلحاد: الميل عن الحق، ومنه سمي اللحد لحداً لميله في جانب القبر.
следующие страницы →