← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

عاقر الناقة لعقرها فحضوه على ذلك فتناول الناقة فعقرها. قال ابن عباس تناولها بيده، ويقال إنه كان ولد زينة، وهو من التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الذين قالوا، لصالح ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. فمعنى فتعاطى: أي: فتناول الفعل ففعل فقتلها، وهو من قولهم: عطوت: إذا تناولت. كما قال أمرؤ القيس: (وَتَعْطوُ بَرخص غير شَتْنٍ كأنه ... أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحَل). وفي الحديث: " أن عاقر الناقة كان عزيراً (منيعا كأنه رفعة) / " قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هذا الخطاب لقريش [أي] فكيف كان

стр. 7107

عذابي إياهم وإنذاري لهم. وقيل معناه: وإنذاري لكم أَنّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، وقد تقدم خبر عذابهم كيف كان. وقوله ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ أي: فكان قوم صالح لما أخذتهم الصيحة صاروا رفاتاً كهيئة الشجر المحتظر بعد (نعمته وغضارته). وقيل معناه: فصاروا كالعظام المحترقة، قاله ابن عباس. وقيل صاروا كالتراب المتناثر من الحائط في يوم ريح: قاله ابن جبير. وقال ابن زيد صاروا كهشيم حظيرة الراعي التي تتخذ الغم فتيبس فتصير هشيماً. وقال مجاهد: صاروا كهشيم الخيمة وهو ما تكسر من (خشبها). وقال سفيان (هو ما يتناثر من الحصير إذا ضربتها بالعصا.

стр. 7108

وحقيقة الهشيم أنه فعيل بمعنى مفعول أي: مهشوم وهو ما يبس وتحات من ورق الشجر، والمحتظر بكسر الظاء: الذي يحتظر على الهشيم، أي: يحوزه ليجمعه ويحظر عليه ليمنع من أخذه، فهو محتظر بكسر الظاء، والهشيم محتظر بفتح الظاء وصف له. أي: كذبت جماعة قوم لوط بما أنذرهم به لوط من الإيمان والوعد والوعيد. قال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء وقد تقدم ذكره في غير موضع. ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ يعني بناته ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾. قال ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ نصب " نعمة " على أنها مفعول لها، ولذلك لا يتم الوقف على " سحر " أي: أنجيناهم من العذاب للنعمة من الله عليهم. ثم قال ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ أي: كما أنجينا آل لوط من العذاب، كذلك نجزي

стр. 7109

من شكر الله سبحانه، وآمن بإنذاره واتبع أمره وانتهى عن نهيه. أي: حذرهم لوط قبل حلول العذاب لهم نقمة الله لهم، فشكوا فيما توعدهم به وأنذرهم إياه. قال: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ أي: راود قوم لوط لوطاً في أضيافه ليفعلوا بهم ما كانوا يفعلون بمن دخل قريتهم من الذكور. ﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ أي: طمس على أعينهم، أي: غطينا عليها. وروي أن جبريل ﵇ استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه فتركهم عمياً لا يرون يترددون. قال ابن زيد: هؤلاء قوم لوط حين أرادوا من ضيفه طمس الله أعينهم. وقد كان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون فقالوا له إنه لا نترك عملنا فإياك أن تنزل أحداً أو تضيفه أو تدعه ينزل عندك فإنا لا نتركه، قال فلما جاءه المرسلون خرجت امرأته الشقية فأتتهم فدعتهم وقالت لهم تعالوا فأنه قد جاء قوم لم

стр. 7110

أر قوماً أحسن ثياباً ولا أطيب أرواحاً منهم، قال فجاءوه يهرعون إليه فقال: " إِنّ هَؤلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ وَأُتّقَواَ اُّللهَ / وَلاَ تُخزُوُنِ فِي ضَيْفِي قالَوُاْ أَوَ لَمْ تَنْهَكَ عَنِ اُلْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلاَءِ بَنَاتِيَ هنّ أَطُهَرُ لَكُمْ " فقال له جبريل ما يهولك من هؤلاء، قال أما ترى ما يريدون، قال إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، قال فنشر جبريل ﵇ جناحاً من أجنحته فاختلس به أبصارهم، وطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض. وكذلك ذكر مجاهد مثل معنى هذا. ثم قال ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: ذوقوا عذابي الذي حل بكم، وعاقبة إنذاري لكم، وقيل إنه من قول الملائكة لهم أي: قالت الملائكة لهم فذوقوا عذاب الله، وعاقبة ما أنذركم به. أي: ولقد صبحهم قوم لوط عند طلوع الفجر عذاب ثابت إلى يوم القيامة، وهو أن قلبت عليهم المدينة، وأرسلت الحجارة عليهم وعلى من غاب من المدينة وحلوا في عذاب إلى يوم القيامة. قال قتادة: استقر بهم العذاب إلى نار جهنم. / قد تقدم تفسير كل هذا.

стр. 7111

ثم قال (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) [٤١] أي: جاء أتباع فرعون إنذارنا بالعقوبة لكفرهم بالله ورسوله. (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) [٤٢] أي: كذبوا بكل ما جاءهم به موسى ﷺ فأخذهم الله بالعذاب أخذ منيع قادر على ما يريد، فأغرقهم أجمعين. ثم قال ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ أي: أكفاركم يا قريش، (أي الذين إن يروا آية) يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، خير من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم، وأخذهم العذاب لكفرهم، فيقولوا إنا ننجوا لشرفنا، بل ليس هم بخير منهم، فإذا كانوا قد هلكوا بكفرهم فما يؤمنك أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب [وهذا] لفظ استفهام معناه التوقيف. حكى سيبويه: الشقاء أحب إليك أم السعادة. قال ابن عباس معناه ليس كفاركم خيراً من وقوم نوح وقوم لوط. ثم قال ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر﴾ [أي] أم لكم كتاب فيه براءة لكم من العذاب في كتاب الله . ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ أي: أم يقول كفار

стр. 7112

قريش نحن جماعة ينصر بعضنا بعضاً على ما نريده. فصدق الله رسوله ﷺ وعده، وهزم المشركين يوم بدر وولوا هاربين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ جعلت أقول أي: جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. وأكثر المفسرين على أنه يوم بدر هزموا فيه وولوا الدبر. (قالت عائشة رضي الله عن ها لقد نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية أَلْعَب. ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ الآية أي: يوم القيامة موعدهم للعذاب بل ذلك الوقت أدهى وأمر من الهزيمة التي كانت عليهم في الدنيا وتوليتهم الدبر. وأدهى من الداهية والداهية (الأمر العظيم) الذي لا ينفع فيه دواء. وَأَمْرُ من المَرَارة.

стр. 7113

أي: في حيرة وتجاوز عن الحق. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: واحتراق من شدة العناد، والنصب في الباطل وقيل وسعر: وعناد. روى أنس عن النبي ﷺ أنه: " قال: هم القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني ". وقيل القول هنا محذوف. والمعنى يقال لهم: ذوقوا مس سقر. ومعنى يسحبون: أي: يجرون إلى النار. وفي قراءة ابن مسعود " إِلَى اُلنّاِر " على التفسير، " وسَقَى " إسم من أسماء أبواب جهنم أعاذنا الله منها. وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لوددت أن عندي رجلا من أهل القدر فوجأت رأسه، قال: ولم ذلك لأن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء وقلمه ذهب وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر الله فيه كل يوم ستين وثلاث مائة نظرة يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت ويقدر ويدبر،

стр. 7114

ويفعل ما يشاء. وقوله ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ هو على المجاز، كما يقال وجدت مس الحمى، وذاق طعم الموت. وقوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار قدرناه وقضيناه وفي هذا بيان بالتوعد للقائلين بالقدر. وقال ابن عباس: إني لأجد في القرآن قوما يسحبون في النار وعلى وجوههم، يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لأراهم فما أدري أشيء [كان] قبلنا أم شيء فيما بقي. وقال أبو هريرة خاصمت مشركو قريش النبي ﷺ في القدر، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. (وقال أبو عبد الرحمان السلمي لما نزلت هذه الآية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)، قال رجل يا رسول الله ففيم العمل، أفي شيء نستأنفه، أم في شيء قد فرغ

стр. 7115

منه فقال النبي ﷺ : أعملوا (فكل مُيَسّرً لما خُلق له فسينسره لليسرى وسنيسره للعسرى). وقال محمد بن كعب القرطبي / لما تكلم الناس في القدر نظرت وإذا هو في هذه الآية أنزلت فيهم: ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال أبو محمد وقد أملانا الكلام على إعراب هذه الآية، والاستدلال منها على أن الله خلق كل شيء، وأنه لفظ عام لا خصوص فيه في غير هذا الكلام. [أي وما أمرنا للشيء إذا أمرنا به وأردنا تكوينه إلا قولة واحدة كن فيكون كلمح البصر] من السرعة لا يتأخر ولا مراجعة فيها. هذا خطاب لمشركي قريش الذين كذبوا محمداً ﷺ ، أي: ولقد أهلكنا نظراءهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلها كما كذبتم رسولكم، فما يؤمنك أن تهلكوا كما هلك من كان قبلكم، فهل من متعظ يتعظ فيزدجر عن كفره. ثم قال ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ أي: وكل شيء فعله أشياعكم من

стр. 7116

الأمم الماضية فهو في الكتب كتبته عليهم الحفظة، وكذلك فعلت بكم. وقيل الزبر هنا أم الكتاب، هو في أم الكتاب من قبل أن يخلقوا. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ أي: وكل صغير من الأعمال أو كبير مثبت في الكتاب مكتوب في أسطر. قال تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي: إن الذين اتقوا عقاب الله وآمنوا برسله، وبما جاءتهم به الرسل، في بساتين يوم القيامة. والنهر ونَهر بمعنى أَنْهَار كما قال: " فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجينا " وقيل نهر معناه وضياء وسعة، يقال أنهرته إذا وسعته. وقرأ الأعمش ونهر بالضم جعله جمع " نهار " كقَذَالِ وقُذَالَ.

стр. 7117

وروي أنه ليس في الجنة ليل إنما هو نور كله، إنما يعرفون الليل بإغلاق الأبواب وإرخاء الستور، [والنهار بفتح الأبواب ورفع الستور]. ثم قال ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم. ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ أي: عند ذي ملك يقدر على ما يشاء لا إله إلا هو.

стр. 7118

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرحمن مكية سورة الرحمن جل ذكره مكية قوله: (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) إلى قوله (وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [١ - ١١]. الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد، ومعناه: الكثير الرحمة بشرط المبالغة، والمعنى: الرحمان أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، فبصركم فيه الحلال والحرام. وقيل معناه علم محمدا القرآن، والإنسان " محمداً " [حتى أداه إلى جميع

стр. 7119

الناس والثاني سهل عليه جميع الناس ﷺ ] . وقيل لا حذف فيه، والمعنى (الرحمان أيها الناس) جعل القرآن علامة، وآية يعتبر بها. والأول أحسن لقوله ﴿خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان﴾. ثم قال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [٢] يعني آدم ﷺ . وقيل هو محمد ﷺ . وقيل الإنسان بمعنى الناس. " وعَلّمَهُ البيَان " أي: الحلال والحرام، وقاله قتادة. وقيل معناه: علمع الخير والشر، وما يأتي وما يدع. وقال ابن زيد: معناه علمه الكلام فجعله مميزاً. وقيل معناه علمه بيان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه. وقيل (الخط: وهو مأثور). ثم قال: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [٣] أي: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.

стр. 7120

وقال ابن زيد حسبانهما الدهر والزمان، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرِ أحد كيف يحسب. وقال الضحاك معناه: يجريان بقدر. وقال مجاهد: معناه: أنهما يدوران في مثل قطب الرحا. والحسبان مصدر حسبت الشيء حِساباً وحُسْبَانا مثل الغفران والكفران. وقيل الحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان. قال: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ النجم ما نجم من النبات وانبسط على غير ساق، مثل البقل وشبهه، هذا قول ابن عباس وابن جبير وغيرهما، والشجر ما قام على ساق. وقال مجاهد: النجم نجم السماء، وهو قول قتادة والحسن. وقوله / ﴿يَسْجُدَانِ﴾ يعني يسجد ظلهما، وهو اختيار الطبري كما قال: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]

стр. 7121

وهو قول ابن جبير وغيره. / وقال قتادة: لم يدع الله شيئاً إلا عبده له. وقال مجاهد: يسجدان بكرة وعشياً، يريد أن سجوده: دوران ظله. وقال الحسن النجم نجم السماء، والشجر كله يسجد لله . واصل السجود: الاستسلام والانقياد لله سبحانه. فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله [ ] وانقيادها له سبحانه، ومن الحيوان كذلك. ثم قال ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن﴾ أي: العدل، فهو خبر فيه معنى الأمر بالعدل ودل على ذلك قوله ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ وقيل هو الميزان الذي يتناصف به الناس. ثم قال ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ أي: وضع الميزان لئلا تبخسوا وتظلموا في الوزن. وقال قتادة: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، أَوْفِ كما تحب أن يُوَفّى لك فإن بالعدل صلاح الناس.

стр. 7122

ثم قال ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ أي: أقيموا الميزان بالعدل ولا تنقصوا الوزن إذا أوزنتم. ثم قال ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ أي: والأرض وطأها للخلق. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ أي: في الأرض فاكهة، وفيها النخل ذات الطلع قاله القرظي. وقال الحسن وقتادة والضحاك الأكمام: الِلّيفُ، وأصل الكَمِ أن يكون غلافا للشيء، ومنه قيل كم القميص لأنه يغطي اليد. ثم قال ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ [أي] وفيها الحب يعني حب البر والشعير، والعصف. ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه يسمى العصف إذا يبس. وقيل هو التبن قاله قتادة والضحاك. وقال ابن جبير العصف: البقل من الزرع. وقوله: (والريحان) يعني والرزق. قال ابن عباس كل ريحان في القرآن فهو رزق وهو قول مجاهد والضحاك.

стр. 7123

وعن ابن عباس أيضاً أنه الريحان الذي يشم، وهو قول الحسن وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً أنه خضرة الزرع. وقال ابن جبير الريحان ما قام على ساق. وحكى الفراء عن بعضهم العصف: المأكول من الحب، والريحان الذي لا يؤكل. وقال الفراء: العصف بقل الزرع، تقول العرب: خرجنا نعصف الزرع: إذا قطعوا منه شيئاً قبل أن يدرك، فذلك العصف، (والريحان هو ورق والحب الذي يؤكل). أي: فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وتجحدان، والآلآء: النعم في قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقال ابن زيد الآلاء: القدرة، وإنما أضمر الجن والإنس ولم يتقدم للجن ذكر، لأن الأنام واقع على الجميع. وقيل لما أتى بعده وخلق الجانّ، بين ذلك ما

стр. 7124

تقدم من التثنية. وقيل إنه مخاطبة للواحد: حكي عن العرب أنهم يقولون: اُدْخُلاَهَا يا غلام. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قُرئت عنده فقال: " مالي أسمع الجن أحسن جواباً منكم، قالوا وما ذلك يا رسول الله قال ما أتيت على قول الله ﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالت الجن ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". وقال جابر بن عبد الله تلاها. رسول الله ﷺ إلى آخرها فقال: " مالكم سكوتاً الجن كانت أحسن رداً منكم، ما تلوتها عليهم مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". ومن رواية جابر بن عبد الله أيضا في حديث آخر أنه قال: قال النبي ﷺ " ما قرأت هذه الآية على الجن من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا لا بشيء من

стр. 7125

نعمائك نكذب ربنا ولك الحمد ". (يعني آدم ﷺ من طين يابس لم يطبخ فله صلصة من يُبْس إذا حُرِكَ ونَقْرٍ كالفخار، فهو من يُبْسِه، وإن لم يكن كطبوخاً كالذي طُبخ بالنار، فهو يُصَلصل كما يصلصل الفخار الذي قد طبخ من الطين. قال ابن عباس خلق الله جل ذكره آدم ﷺ من طين لازب. واللازب: اللزج الطيب من بعد حماء مسنون، وإنما كان حماً مسنونا بعد التراب فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ويصوت. وقال عكرمة من صلصال /: كالفخار: هو من طين خلط برمل فصار كالفخار. وقال قتادة: الصلصال: التراب اليابس الذي تسمع له صلصلة

стр. 7126

كالفخار. وعن ابن عباس هو ما عسر فخرج من بين الأصابع. واصل صلصال: صلال، من صلى اللحم إذا نتن وتغيرت رائحته، كصَرْصَر وكَبَكَب من صرَ وكَبَ، فأبدل في جميع ذلك من الحرف المكرر الثاني حرفاً من جنس الأول. قال ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ المارج ما اختلط بعضه ببعض من بين أصفر وأخضر وأحمر من قولهم: مرَج أمر القوم: إذا اختلط. وقال ابن عباس من أوسط النار وأحسنها، وعنه خلقه من لهب النار من أحسن النار. وعنه من خالص النار، وعنه من لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال مجاهد: المارج اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. / وذكر عنه ابن وهب أن المارج الحمرة التي تكون في طرف النار. ويروى أن الله جل ذكره خلق نارين فمزج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما

стр. 7127

الأخرى وهي نار السموم، فخلق إبليس اللعين منها، وكل هذا من أول السورة، نعم أنعم الله بها على خلقه ذكرها وعددها فلذلك قال بعد ذلك. ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: فبأي نعم ربك تكذب الأنس والجن. فالضمير في ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ في جميع السورة يعود على الأنس والجن الذين مضى ذكرهما في قوله ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ لكنه تقدم فيه ضميرهما قبل ذكرهما في الأول خاصة لأن المعنى مفهوم. ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقد تقدم شرحه. قال ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ يريد مشرق الشمس في اشتاء ومشرقها في الصيف وكذلك مغربها، ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم، وليس ذلك كله بتكرير، لأنه تعالى يذكر لهما غير النعم المتقدمة. ثم ينبه عليها قوله ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ﴾. أي: أرسلَهُما وخلاّهما.

стр. 7128

يقال مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها، وهما بحران أحدهما في السماء والآخر في الأرض، قاله ابن عباس، وقال يلتقيان في كل عام. وقال الحسن: هما بحرا فارس والروم، وقاله قتادة. قال ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ أي: بين البحرين حاجز لا يصيب أحدهما صاحبه، وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، فما بين السماء والأرض برزخ. وقيل معناه: بينهما بعد لا يبغي أحدهما على الآخر قد حجز المالح عن العذب والعذب عن المالح. وقال ابن زيد: بينهما بعد الأرض فلا يختلطان. وقيل لا يبغيان: لا يبغي أحدهما على الآخر. وقال قتادة: لا يبغيان على الناس. قال الحسن: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، جعل بين الناس وبينهما اليبس. وقال ابن زيد: لا يبغيان أن يلتقيا. ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أي: يخرج من

стр. 7129

أحدهما [وهو المالح ثم حذف المضاف مثل " وَاسْئَلِ اَلْقَريَة ". وقيل ما يخرج منهما] جميعاً لأن الصدف التي في المالح لا يتكون اللؤلؤ فيها إلا عن قطر السماء، وهو قول الطبري. وروى معناه عن ابن عباس قال: إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ. والمرجان صغار اللؤلؤ واللؤلؤ ما عظم منه، هذا قول علي ين أبي طالب وابن عباس رضي الله عن هما وقتادة والضحاك وأبي عبيدة وغيرهم ﵏. وقال مجاهد: " المرجان ما عظم من اللؤلؤ، وروى ذلك عن ابن عباس. وقال ابن مسعود: المرجان حجر أحمر. وقيل المرجان: جيد اللؤلؤ. ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقد تقدم شرحه.

стр. 7130

قال ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ أي: ولرب المشرقين والمغربين السفن الجارية في البحر كأنها الجبال. قال مجاهد: المنشآت ما رفع قلعه من السفن، وما لم يرفع قلعه فليست بمنشآت. قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ / يعني من على وجه الأرض ومن يكون فيها بالموت، وأضمرت الأرض ولم يتقدم ذكرهما لظهور المعنى. قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ أي: معناه ويبقى ربك. ثم قال ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي: إليه يفزع من في السماوات والأرض في حوائجهم لا غنى لأحد عنه. ثم قال ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أهل المعرفة بالله معناه أنه ينفذ ما قدر أن يكون مما سبق في علمه وأثبته في اللوح المحفوظ، وليس هو إحداث أمر لم يتقدم في علمه بل جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة لا يزاد في ذلك ولا ينقص، لكنه تعالى يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء، وكل ذلك تقدم علمه به بلا أمد. وقال قتادة: معناه: يحيي حياً ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً.

стр. 7131

وقال أبو صالح معناه: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض المغفرة والرزق. وقال علي بن سليمان معناه: يسأله من في السماوات والأرض عن شأنه كل يوم هو فيشأن. وقال عبيد بن عمر كل يوم هو في شأن يجيب داعيا ويعطي سائلاً، ويفك عانياً ويشفي سقيماً. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ : كل يوم هو في شأن " (أي في شأن) يغفر ذنباً ويكشف كرباً، ويجيب داعياً. وقال قتادة: كل يوم هو في شأن: أي: في شأن خلقه وصلاحهم، وتدبير أمورهم. قال ابن عباس أن الله جل ذكره لوحا محفوظا ينظر فيه كل يوم (ثلاث مائة وستين) نظرة، يعز مع نظرة من يشاء ويذل من يشاء ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء. وقال أبو سليمان الداراني إنما إنفاذ ما قدر أن يكون في ذلك اليوم، وليس

стр. 7132

شيء من أمره تعالى يحدث إلا قد جرى القلم بما هو كائن. ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ هذا وعيد من الله لعباده وتهدد، ومعناه: سآخذ في مجازاتكم ومحاسبتكم وليس هو تفرغ من شغل. وقيل المعنى سنفرغ لكم من وعيدكم ما وعدت لكم من الثواب والعقاب. والفراغ في اللغة على وجهين: إحداهما الفراغ من الشغل /، والآخر القصد إلى الشيء تقول سأفرغ لك: أي: سأقصد إليك. قال جرير: (فرغت إلى العبد المقين في الحجل). وقال أبو عبيدة: سنحاسبكم. وقرأ يوماً عمر بن ورق ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٤]، وقرأ

стр. 7133

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ ثم قال أما وعده ربي لقد جاء من غير غيبة، ولقد تفرغ من غير شغل. قال ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ أي: إن استطعتم] أن تجوزوا أقطار السماوات والرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا فإنكم لا تجوزون لذلك إلا بحجة من ربكم، يقال لهم ذلك يوم القيامة. والمعنى سنقصد لكم يوم القيامة فيقال لكم إن قدرتم أن تجوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم فلا يصل إلى عذابكم فجوزوا فإنكم لا تقدرون على ذلك إلا بحجة من عند ربكم تنجيكم. قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله جل وعز السماء الدنيا [فتشققت] بأهلها ومن فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم ثالثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة فصفوا صفاً دون صف ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا

стр. 7134

فيه فذلك قوله ﴿ إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ [غافر: ٣٢] على قراءة من قرأ بالتشديد ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣]، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً * وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٤] وهو قوله ﴿يامعشر الجن والإنس﴾. . الآية وذلك قوله ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦ - ١٧]. وعن الضحاك أيضاً أن المعنى: أن استطتم أن تهربوا من الموت فاهربوا فغنه مدرككم. وقال ابن عباس معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فأعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان، أي: ببينة من الله تعالى. وعن ابن عباس أيضا أن معناه: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. والأقطار جمع قطر وهي الأطراف والنواحي، ويقال فيها الأقتار بالتاء يقال قطر الدار وقترها. قال مجاهد: إلا بسلطان: إلا بحجة. وقال قتادة: إلا بملك / وليس لكم

стр. 7135

ملك. ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم تفسيره. ثم قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ قال ابن عباس المعنى يرسل عليكم أيه الثقلان يوم القيامة لعب من نار ودخان. فالشوظ: اللهيب، والنحاس، الدخان، وقال مجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد: وعن الضحاك الشواظ: الدخان. قال ابن عباس النحاس: الدخان، وعنه أنه قال النحاس: الصفر يعذبون به. وقال مجاهد: يذاب الصفر من فوق رؤوسهم. وقال قتادة: النحاس: الصفر يعذبون به، وهو قول الحسن. وقوله ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً أيها الجن والأنس. وكسر الشين

стр. 7136

في شواظ لغة، ومن خفض " نحاس " فعلى معنى يرسل عليكما لهب يتشعب من نار ومن دخان، وهذا التقدير حسن. قوله ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾. أي: فإذا انفطرت السماء وذلك يوم القيامة وكان لونها كلون الفرس الورد الأحمر. قال ابن عباس فكانت وردة كالدهان: كالفرس الورد. وقال الضحاك تتغير السماء فيصير لونها كلون الدابة الوردة. ومعنى كالدهان: كالدعن صافية، قال سجاد والضحاك. وقال أبو الجوزاء تكون كصفاء الدهن. وقال زيد بن أسلم

стр. 7137

تكون كعكر الزيت. " والدهان " جمع " دهن "، وقيل الدهان الجلد الأحمر. ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم شرحه. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي: لا تسأل الملائكة أحداً عن ذنوبه، لأن الله قد حفظها [عليهم] وأحصاها فليس يؤخذ علمها من عندهم. قال ابن عباس معناه: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا أسأل بعضهم عن ذنوب بعض وهو مثل قوله ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: ٧٨] وهو مثل قوله تعالى لمحمد ﷺ ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ [البقرة: ١١٩] على قراءة من رفع. وقال مجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم الله على السنة القوم فتكلمت ايديهم

стр. 7138

وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكأنها مواقف مختلفة على قول قتادة. وقال قتادة: أيضاً هم معروفون بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم. ودل على صحة (هذا التفسير) أن بعده يعرف المجرمون بسيماهم. والسيماء: العلامة وهو قول الحسن أيضاً. قال ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: / تعرف الملائكة المجرمين بعلامتهم وذلك سواد وجوههم، وزرقة الأعين، قاله أهل التفسير كلهم. وقوله ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: مجمع (بين رجلي الرجل) وناصيته حتى يدق ظهره ثم يلقى في النار، فذلك أشد لعذابه وأعظم في التسوية به. قال ابن عباس يجمع بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.

стр. 7139

قال ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي: يقال لهم هذه جهنم التي كنتم (بها تكذبون). وفي قراءة ابن مسعود هذه جهنم التي [كنتما] بها تكذبون، تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان مخاطبة للكفار من الجن والإنس. ثم قال ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: يطوف هؤلاء المجرمون في جهنم بين أطباقها. ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: وبين ماء قد أسخن وأغلى حتى انتهى حره ونضجه. [وقال الضحاك: بلغ غليه، وعنه أيضاً قد انتهى نضجه منذ خلق الله السماوات والأرض. وقال ابن زيد: الآني: الحاضر. وقال الحسن ما ظنك باقوام وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم وأجوافهم من العطش والجوع أمر بهم إلى نار جهنم]. ثم قال ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. أي: ولمن اتقى الله جلذ كره، وخاف مقامه بين يدي ربه فأطاعه بستانان. قال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر مقام ربه فينزع منه، وهو قول النخعي وقتادة.

стр. 7140

وقال أبو الدرداء " قرأ رسول الله ﷺ يوماً الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت وإن زنا وسرق يا رسول الله [فقلت كذلك إلى ثلاث مرات فقال النبي ﷺ ] وإن رغم أنف أبي الدرداء " قال ابن زيد مقامه حين يقوم العباد بين يديه [يوم] القيامة. فالمعنى ولمن ترك المعصية خوفاً من الله جنتان، قيل هما جنة خلقت له وجنة ورثها كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال " هل تدرون ما الجنتان قالوا الله ورسوله أعلم. فقال بستانان في أرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام في وسط / كل بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز (نعمة وخضرة) قرارها ثابت وشجرها ثابت. ثم قال ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ هذا نعت للجنتين " قال ابن عباس: ذواتا ألوان. وقال عكرمة ذواتا أفنان: ظل

стр. 7141

الأغصان على الحيطان، وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة. وعن مجاهد معناه: ذواتا أغصان وعن ابن عباس أيضاً أنه قال يتماس أطراف شجرها، أي: يمس بعضه بعضا كالمعروشات. وقال قتادة: ذواتا أفنان: يعني فضلهما وسعتهما على ما سواهما. وقال معمر ذواتا فضل على ما سواهما. والأفنان في اللغة: الأغصان، والواحد " فنن " على قول أكثرهم إلا الضحاك فإن الواحد على قوله " فن " ويلزم أن يجمع على قوله على فنون لأنه قال ذواتا أفنان، ذواتا ألوان من الفاكهة. قال ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي: في الجنتين عينان تجريان يقال إن حصباهما الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحصاتهما المسك

стр. 7142

الأذفر وحافاتهما الزعفران. (قال مسروق في صفة الجنة أنهارها تجري في غير أخدود، ونخلها نضيد من أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال كلما أخذ منها تمرة عادت مكانها أخرى، طول العنقود اثنى عشر ذراعاً). ثم قال ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي: في الجنتين من كل نوع من الفاكهة نوعان وضربان. قال ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: ينعمون متكئين على فرش، ودل الكلام على هذا الفعل وهو العامل في الحال ذكره المبرد. وقيل العامل معنى الملك في قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهو محمول على المعنى، ولو دل على اللفظ لقال متكئاً. والاستبرق عند العرب: الديباج الغليظ الذي يعلو على الكعبة. وقيل هو الخز الموشي هذا هو البطائن. ولم يذكر تعالى ذكره الظواهر، إذ ليس في الدنيا من يعرف قدرها. قال ابن مسعود قد أخبرتم بالبواطن فكيف لو أخبرتم بالظواهر.

стр. 7143

وقيل لابن جبير هذه البطائن من استبرق، فما الظواهر؟ قال هذا مما قال الله جل ثناءه فيه ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي الحديث " ظواهرها بدر يتلالا " وصغر سيبويه استبرق على أبيرق، وأن السين والتاء زائدتان والألف بمنزلة ميم مستفعل، لأن الهمزة / [تكون] زائدة أولاً في بنات الأربعة والخمسة، إنما تكون زائدة أولاً في بنات الثلاثة. وقال الفراء تصغيره " تَبَيْرق " فحذف السين والهمزة. ثم قال ﴿وَجَنَى الجنتين دَانٍ﴾ أي: وثمر الجنتين قريب من آخذه ومجتنيه يجتنيه كيف يشاء قائماً وقاعداً وراقداً. قال قتادة: ثمارها جانية لا يرد أيدهم عنده بعد ولا شوك. وقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يقطع رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله جل ثناؤه مكانها خيراً منها ".

стр. 7144

وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: نخل الجنة خشبها ذهب كرنفها زمرد أخضر وثمرها أمثال القلال أحلى من الشهد، والين من الزبد لا عجم لها. وقال أبو عبيدة عن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود نخلها نضيد من أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال. كلما أخذت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، طول العنقود منها أثنى عشر ذراعا. قال ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي: في الفرش. وفي بمعنى على، والمعنى: على الفرش حور قاصرات الطرف. وقيل المعنى: في الجنتين وفيما أعد له قاصرات الطرف: فلذلك جمع " فيهن " ويجوز أن تكون الجنتان تشتمل على جنات، فجمع " فيهن " على المعنى، ألا ترى أن الجنة التي أمد الله لأوليائه تشتمل على جنات قد تقدم ذكرها وقد قال تعالى:

стр. 7145

﴿يَدْخُلُونَ الجنة﴾ [النساء: ١٢٤]. ثم قال ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣]، فأبدل من الجنة جنات لأنها تشتمل على جنات. وقيل هو جمع أتى في موضع التثنية /، كما قال ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وله نظائر تقدم ذكرها. وقال الفراء كل موضع من الجنتين جنة، فلذلك قال ﴿فِيهِنَّ﴾. ومعنى ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي: قصر أطرافهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم من الرجال. قال ابن زيد: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن، تقول الحوراء: وعزة ربي وجلاله وجماله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك. يقال قصره: إذا حبسه. فالمعنى فيهن حور حابسات طرفهن عن جميع الرجال إلا من أزواجهن. روى أنه عني بهن الآدميات اللواتي يمتن أبكاراً، ودليل هذا قوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ﴾ يعني في الدنيا لم يدمهن، لم يفتضضهن إنس قبل أزواجهن في
следующие страницы →