← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

قال عكرمة: ﴿إلى رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

стр. 8157

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة البلد مكية قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾. قال الأخفش: " لا " صلة، وأجاز أن تكون بمعنى " ألا ". وقد قيل: إن " لا " رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين.

стр. 8158

وقيل: " لا " غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾. يعني محمداً ﷺ ، ( أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ يعني بذلك النبي ﷺ ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحقيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ

стр. 8159

صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.

стр. 8160

قال مجاهد: الوالد: آدم ﵇، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي ص لح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له " فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم ﵇ وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾.

стр. 8161

هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: " لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): " في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه ". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقال أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: " خلق منتصباً " على رجلين لم تخلق دابة على خلقه ".

стр. 8162

وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم. . .، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء خلق آدم في السماء. ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ .

стр. 8163

فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد " الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: " لبداً " - ([بالتشديد]) - جعله جمع " لابد ". فأما من خفف، فإنه جعله جمع " لبدة ". وقيل: هو واحد، " كحطم ". وقرأ/ مجاهد: " لُبُداً " - بضمتين - جعله جمع لبود.

стр. 8164

ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: " أهلكت مالاً لبداً "، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿النجدين﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد

стр. 8165

وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ . وعن ابن عباس أيضاً: ﴿النجدين﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي ابن أبي طالب رضي الله عن هـ. والنجد في اللغة الطريق المرتفع. قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: " العقبة جبل في جهنم ".

стр. 8166

وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسرز وقال كعب: العقبة " [سبعون] درجة في جهنم ". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به، لم يفعل ما أمر به، ومثل ذللك بالعقبة لعصوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام

стр. 8167

العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: " ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: " أكثرها ثمناً ". وقال ﷺ : " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ". ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]:

стр. 8168

﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يعلم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. " ذا قرابة ". ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: " ليس له مأوى إلا التراب "، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معنه: أو مسكيناً ذا فقر، من قولهم " ترب الرجل " إذ افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير.

стр. 8169

وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ " ذا عيال لا صقين بالأرض من المسكنة ". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله: ﷺ : " فعليك بذات الدين تربت يمينك "، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك].

стр. 8170

ونظيره: " [وللعاهر] الحجر "، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: " فلان ترب فلان "، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، والواحدة: تربية، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾.

стр. 8171

قيل: " ثم " بمعنى " الواو "، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: " ثم " على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم غيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و " ثم " بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله هو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، " فثم " على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين /آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله.

стр. 8172

وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول " أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني "، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنماهو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل: إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو

стр. 8173

مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾. قال ابن عباس: " بمرحمة الناس ". ثم قال: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. ثم قال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: " مطبقة " وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد.

стр. 8174

والهمز وتركه في " موصدة " لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. وقوله: ﴿بالوصيد﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: " بالأصيد.

стр. 8175

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الشمس وضحاها مكية قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١]، عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: " وضوءها ". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً.

стр. 8176

ثم قال تعالى: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعها. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني " صبيحة " الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال ". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. ثم قال تعالى: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جحلى الشمس بإضاءته.

стр. 8177

وقال قتادة: " جلاها ": " إذا غشيها النهار ". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: " جلاها "، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. ثم قال تعالى: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. ثم قال: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: " ما " بمعنى " من "، كما قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت

стр. 8178

(" ما:) في موضع " من "، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: " [ما] " والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): " وما خلق فيها "، " فما " - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى " من "، ولا [هي]- مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: " الذي ". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ " دحاها ". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ " بسطها ". وعن ابن عباس أيضاً:

стр. 8179

﴿طَحَاهَا﴾ " قسمها ". ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عبس: " بين الخير والشر "، وعنه: " علمها الطاعة والمعصية ". قل مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: " عرفها ".

стр. 8180

وقال قتادة: / بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: " بين لها الطاعة والمعصية ". [وقال] ابن زيد: معناه: " جعل فيها فجورها وتقواها ". (و) عن النبي ﵇: " من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيشه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ : وتصديق بذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل

стр. 8181

الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، اي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: " قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي

стр. 8182

حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على " منم " [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في " زكى ": " الله "، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل " من " (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل " من ") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في " زكاها " تعود على " من " على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلح الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته.

стр. 8183

والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في " زكى " يعود على " من "، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون " من " (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على " من ". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من

стр. 8184

إحدى السينين ياء، كما قالو: " قصَّيت أظفاري "، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: [" تظنيت هذا الأمر " بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأول لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً إيما إذا الشمس عارضت. (يريد " أما "، فأبدل من الميم الأول ياء). ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه

стр. 8185

طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥]. [ي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ ي، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون " طغوى " بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه.

стр. 8186

ثم قال تعالى: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ألا بكر " النَّاعي "، [بخير] بن آسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال " بخير "، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): " هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد/ لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل ولا دليل في

стр. 8187

الآية (بدل) على أهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: " انتدب لها رجل " ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: " إذا انبعث أشقاها " " احيمر ثمود ".

стр. 8188

ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. وقال قتادة: " ناقة الله وسقياها " أي: " [قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء ". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلما للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا هلم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾.

стр. 8189

أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل " دمدم " على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى: " دمدم ": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: " لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة

стр. 8190

الجبال، فقطع الله قلوبهم ". ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: " لا يخاف الله من أحد تابعة ". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في " يخاف " لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في " يخاف " للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: " فلا يخاف " فالضمير في " يخاف ": الله،

стр. 8191

[لا غيرة]. ومن قرأ: " ولا يخاف "، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

стр. 8192

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة و الليل إذا يغشى مكية قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. ثم قال تعالى: ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه أقسم به العظم حاله عنده.

стр. 8193

(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾. قيل: " ما " بمعنى " من "، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: " ما " والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير " ما ". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من " ما ". وقال الأخفش: " ما " بمعنى " الذي "، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع.

стр. 8194

وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهعد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بالحسنى﴾ " بـ لا إله إلا الله " وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي.

стр. 8195

وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل/ لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: " ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: الله عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ ".
следующие страницы →