Полный текст (2 954 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
المذكورة كلها أذاها ظاهر، العقرب والحدأة والفأر والغراب كلها مؤذية، والكلب العقور والسبع والنمر كلها مؤذية، كلها مفترسة عادية؛ لكن يبقى التنصيص على العلة وهي الفسق إذا قلنا: تقتل لأنها فاسقة فسقها هو أشد من فسق من يعصي الله -جل وعلا- على بصيرة؟ ما هو بأشد، فهل نعتبر هذه علة مؤثرة، أو نقول: فسق لكل شيء بحسبه؟ هذه فسقها بالأذى؛ لأن من أهل العلم من يرى أنها يجمعها عدم الأكل، كلها ما تؤكل إذاً كل حيوان ما يؤكل يجب قتله؛ لكن هذا فيه توسع، توسع غير مرضي، ينافي مقتضى كونه حرم آمن، يعني لو شخص رأى حمار يقتله وإلا ما يقتله لأنه لا يؤكل؟ مقتضى هذه العلة، ولا يستفاد منه، لا يركب وتعطلت منافعه، مقتضى قولهم أنه يقتل؛ لكن هذا ليس بصحيح، والذي يظهر وهو الأقرب أنه الأذى، كل مؤذي يقتل، ولذا القاعدة المقررة عند أهل العلم أن كل ما آذى طبعاً يعني طبعه الأذى فإنه يقتل شرعاً. العقرب والحدأة والغراب، جاء تقييده في بعض الروايات بالأبقع، الغراب الأبقع، وهنا مطلق، عندنا مطلق ومقيد، فهل نقيد بالأبقع أو نقول: الأبقع فرد من أفراد الغراب والتنصيص على الفرد لا يقتضي التخصيص؟ على أنه خص اللفظ بغراب الزرع الصغير، هذا نص على أنه لا يقتل، وقال بعضهم: أنه يقتل، والغراب والفأرة مؤذية بطبعها، والكلب العقور لا شك أنه يغشى على الناس منه، يغشى من ضرره فيبادر بالقتل. ((يقتلن في الحل والحرم)) الذي في الصحيحين: ((يقتلن في الحرم)) أما زيادة الحل فهي موجودة في بعض روايات مسلم، وهي من باب الأولى، إذا قتلت في الحرم تقتل في الحل من باب أولى.
طالب:. . . . . . . . .
سرقت الأمتعة، مؤذية قد تعدو على الأطفال أحياناً مقلقة، نعم، المقصود أنها مؤذية يجمعها الأذى، نعم، الأسد جاء ذكره في بعض الروايات، وهو في حقيقته كلب، كما في حديث: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) فيدخل في الكلب العقور.
طالب:. . . . . . . . .
ثابت أصلاً، مثل هذه الأمور المنصوصة ثابتة، فسقها ثابت هي تقتل مباشرة.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، معروف مميز، العقور هذا لا بد أن يستكشف، هذا لا بد من اكتشافه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1857
عاد الصائل له حكم، لو صال غيره من الأمور التي ليس من أصلها، لو صال أدنى حيوان، وليس من عادته الأذى، الصائل له حكمه، فهذا العقور من وصفه أنه يصول ويهجم.
وعن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم" [متفق عليه].
الحديث تقدم في الصيام، احتجم وهو صائم، احتجم وهو محرم، تقدم الكلام فيه؛ لكن يهمنا هنا أن الحجامة بالنسبة للمحرم لا بأس بها؛ لكن إن تطلبت حلق الشعر حلق الشعر محظور من محظورات الإحرام، والمحظور إذا احتيج إليه يفعله من غير إثم؛ لكن مع فدية، بدليل الحديث الذي يليه، فمن احتاج إلى ارتكاب المحظور يرتفع عنه الإثم، وتبقى عليه الفدية، بخلاف من فعل المحظور من غير حاجة، عليه الفدية وعليه والإثم، يحتاج إلى لبس ثوب أو سراويل للتدفئة مثلاً يلبس ولا إثم؛ لكنه مع ذلك يلزمه الفدية، الحديث الذي يليه هو شارح للذي معنا؛ لأن الحجامة لا أثر لها في الأصل إلا باعتبار أنها أحياناً تطلب حلق الشعر، وإذا حلق الشعر للحاجة فدليلها هو حديث كعب بن عجرة الذي يليه.
وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: "حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ((ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟ )) قلت: لا، قال: ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) [متفق عليه].
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن كعب بن عجرة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- قال: حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ((ما كنت أرى أظن الوجع بلغ بك ما أرى)) لكن هل القمل وجع وإلا سبب الوجع؟ وهنا يكون من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب ((ما كنت أرى)) يعني أظن الوجع بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ الوجع مع القمل، القمل هل هو وجع أو مسبب للوجع أو مسبب عن الوجع؟ يعني هل من الأمراض والأوجاع ما يوجد بسببه القمل، أو أن القمل يوجد ابتداء من غير مرض ولا وجع، ثم ينشأ عنه الوجع؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1858
أنتم لا تنظرو إلى الظروف التي تعيشونه، نِعم وتيسر أسباب، انظروا إلى بعض المجتمعات تجدوا أن القمل بهذه المثابة، لا عندهم وسائل تنظيف، ولا عندهم ... شغلوا بما هو أهم من فلي الرأس، أو فلي الثوب، هذا معروف حتى عند العرب، والرسول ﵊ كان يفلل ﵊، مثل الظروف التي نعيشها عندك الوقت أربعة وعشرين ساعة تصرف فيها كما شئت؛ لكن كانت الظروف إلى وقت قريب والناس على عاداتهم وعلى سجيتهم، لا يستحم إلا لموجب صحيح، فيكثر فيهم مثل هذه؛ لكن يبقى السؤال الأصلي وهو لا شك أن القمل يوجد مع ترك النظافة في الجملة، يكثر ويقل بسببها؛ لكن هل هو ناشئ عن وجع في البدن، أو يكون مسبباً لوجع؟ لأن التنصيص على أنه: ((ما كنت أرى الوجع)) يعني هل النبي ﵊ استدل بكثرة القمل على وجود وجع عنده بسبب القمل؟
طالب:. . . . . . . . .
من آثاره، بسببه، ((ما كنت أرى)) يعني أظن ((الوجع بلغ بك ما أرى)) يعني أشاهد ((أتجد شاة؟ )) قلت: لا، قال: ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع)) هذا فيه دليل على أن الفدية على الترتيب، هنا قال: ((أتجد شاة؟ )) قال: لا، قال: ((فصم)) مفهومه على أنه لو كان يجد شاة للزمته، وأنه لا يعدل إلى الصيام والإطعام إلا إذا لم يجد الشاة؛ لكن ماذا عن الآية التي نزلت بسببه ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] و (أو) هنا للتخيير، فلا شك أن التخيير إجماع بين أهل العلم، فمن لزمته فدية الأذى الثابتة بهذه الآية وهذا الحديث فهو مخير إن شاء ذبح، وإن شاء صام، وإن شاء أفطر، طيب عندنا الحديث: ((أتجد شاة؟ )) قلت: لا، قال: ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم)) ظاهره الترتيب؛ لكن الترتيب هنا ليس على سبيل الإلزام، وإنما هو من باب المشورة، يعني إن كنت تجد شاة فهي أنفع للفقراء فاذبح من باب المشورة لا على سبيل الإلزام بدليل الآية، والتخيير إجماع عند أهل العلم.
стр. 1859
((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين)) يذكر عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: الصيام عشرة أيام؛ لكن الحديث رد عليهم، ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع)) ومنهم من يرى أن الإطعام صاع كامل من غير البر، وأن البر نصف صاع، قياساً على الفطرة، زكاة الفطر من رمضان، ومنهم من يرى أنه نصف صاع من غير البر، ومن البر مد؛ لكن الحديث نص في أن الفدية هنا: ((لكل مسكين نصف صاع)) ولذا المتجه في الكفارات كلها أن لكل مسكين نصف صاع.
وصى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1860
بلوغ المرام _ كتاب الحج (٣)
حرمة مكة وصفة الحج ودخول مكة
الشيخ: عبد الكريم الخضير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد فقد قال: الإمام الحافظ ابن حجر ﵀ أثناء أحاديث باب الإحرام وما يتعلق به:
وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين)) فقال: العباس إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: ((إلا الإذخر)) متفق عليه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: لما فتح الله على رسوله مكة: وذلك في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، قام رسول الله ﷺ في الناس خطيباً، ومن متطلبات الخطبة الحمد والثناء على الله -جل وعلا-.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: كعادته ﵊ في خطبه، ((أما بعد، فإن الله حبس)): اختصر هذا، واقتصر على المطلوب، كما أن الراوي لم يسق لفظ الحمد والثناء الذي بدأ به النبي ﵊.
قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل)): في القصة المشهورة التي استفاضت بل توارت، وذلك لما أراد أبرهة هدم الكعبة، فأنشأ كعبة في بلده؛ ليصرف الناس عن هذه فلم ينصرف الناس، فصمم وعزم على هدم الكعبة، وسار بجيشه إليها، فحبسه الله -جل وعلا- في الوادي المعروف، وادي محسر.
стр. 1861
((حبس عن مكة الفيل)): هذه القصة أشار إليها النبي ﵊ إشارة هنا، ونزل فيها سورة كاملة، والإشارة هنا باعتبار أنها قضية استفاضت وانتشرت بينهم، ومثل هذه القصة التي تستفيض وتنتشر بين الناس، وتبلغ مبلغ التواتر الذي يفيد العلم القطعي يعبر عنها بالرؤية، كأنها مرئية عندهم، ولو لم يدركوها؛ لأن بعضهم ما أدركها، فجاء الخطاب بقوله -جل وعلا-: ﴿أَلَمْ تَر﴾ [(١) سورة الفيل]، النبي ﵊ ولد عام الفيل، وخوطب بهذا ﴿أَلَمْ تَر﴾؛ وذلكم لأنها استفاضت واشتهرت، وعرفها الخاص والعام فصارت بمنزلة المشاهد في القطعية، وقل مثل هذا في ما حل بالأمم السابقة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [(٦) سورة الفجر] إلى غير ذلك من القصص التي تستفيض وتشتهر ويعرفها الخاص والعام، تنزل منزلة المشاهد.
قال: النبي –﵊: ((إن الله حبس عن مكة الفيل))؛ لأنهم مفسدون، ((وسلط عليها رسوله والمؤمنين)) لأنه مصلح.
((وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار)): فقط، استثناء من الحكم العام؛ لأن الله -جل وعلا- حرم مكة، وجعلها حرماً بلداً آمناً.
وحرمها إبراهيم ﵇ بتبليغ تحريم الله لها: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [(١٢٦) سورة البقرة]، في آيتين: ﴿اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ و: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [(٣٥) سورة إبراهيم]، فيه فرق بينهما ولا ما فيه فرق؟
طالب:. . . . . . . . .
ما الفرق؟ نعم.
طالب:. . . . . . . . .
يعني اجعل هذا المكان قبل أن يكون بلداً يُجعل بلد موصوف بكونه آمن، فلما قامت بلدة متكاملة أشير إليها، فالإشارة في الأولى إلى المكان، وفي الثانية إلى البلد.
((وإنها لم تحل لأحد كان قبلي))؛ لأنها محرمة، ومقتضى التحريم ألا يسفك بها دم، وألا يختلى الخلا -الذي هو الحشيش الرطب- ولا ينفر الصيد، ولا تحل لقطتها وضالتها، إلا لمنشد، حيث لا يتملكها، كما جاء في الحديث وغيره.
стр. 1862
((أحلت لي ساعة من نهار)): الساعة هي مدة الفتح، الساعة مقدار من الزمان، وليس المراد بها الساعة الفلكية بحيث يقال أنه أحلت له ستين دقيقة، لا، مقدار من الزمان كافي لإنجاز المهمة.
((وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي)): فلا يحل القتال فيها، لا يحل القتال بعد الفتح، ولا القتل، أما البداءة بالقتال فلا إشكال فيها فإنها لا تجوز، وإذا خرج على الإمام أحد واحتيج إلى قتاله أو ارتكب ما يوجب القتل من قتله لنفس معصومة، مع توافر الشروط وطلب القوَد أو الردة مثلاً، أو زنا مع إحصان، أو غير ذلك مما يوجب القتل، فالمسألة خلافية بين أهل العلم، هل يقتل فيها من استحق القتل أو يضيق عليه حتى يخرج فيقتل خارج الحرم؟ مسألة معروفة عند أهل العلم، لكن القتل بحق يرى جمع من أهل العلم أن من استحق القتل شرعاً لا يدخل في التحريم؛ لأنه ليس له حرمة، فيكون قتله كقتل بهيمة الأنعام، حلال ما دام مستحقاً للقتل.
((فلا ينفر صيدها)): الصيد الآمن المستقر لا يتعرض له بحيث ينتقل من مكان إلى آخر، ومن باب أولى إذا كان بقصد الإخراج من الحرم حتى يقتل، حتى قال بعض العلماء أنه لو وقع صيد على ثوبه فأراد أن يلبس هذا الثوب، ومن مقتضى ذلك أن الطائر يطير، فيعرض له ما يقتله يكون مسئولاً عنه؛ لأنه متسبب، يعني افترض أنك علقت ثوبك في مكان، فجاءت حمامة وقعت عليه، أردت الثوب فطارت، ضربت الحمامة بالمروحة وماتت، عند بعض العلماء تضمن؛ لأنك نفرته، فأنت متسبب في قتله، وهذا من المبالغة في تعظيم هذا البلد الآمن، فما أعظم جرم من يخيف الناس فيه، نسأل الله السلامة والعافية.
((ولا يختلى خلاها)): يعني لا يقطع شوكها، لا يقتلع شوكها، يعني لا يقطع، والخلا: الذي جاء في بعض الروايات هو الحشيش الرطب، فإذا يبس قيل له حشيش، فلا يختلى ولا يقطع، ولا الشوك وإن زعم بعضهم أن الشوك يقطع؛ لأنه مؤذي كالفواسق قياساً على الفواسق، لكنه قياس فاسد الاعتبار لماذا؟ لأنه في مقابل النص، قياس في مقابل النص فهو فاسد.
стр. 1863
((ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)): الضالة، اللقطة لا تحل إلا لمنشد لمن يعرفها أبد الدهر، بحيث لا يتملكها بعد التعريف، بخلاف اللقطة في غير مكة، تعرف سنة ثم تملك.
((ومن قتل له قتيل فهو -أي ولي الدم- بخير النظرين)): بخير النظرين، يعني له الخيار، له الخيار، إما أن يفدي القتيل ويدفع الدية إذا اختار ذلك ولي الدم، وإما أن يقيد من نفسه فيقتل به، يعني مع الكفاءة وتوافر الشروط وطلب ولي الدم، وكأن في هذا إشارة إلى أن القصاص يجوز في مكة؛ لأنه سيق مع تحريم مكة، وأنها محرمة أبد الآباد إلا في هذه الساعة التي أبيحت وأحلت للنبي ﵊.
فقال: العباس: ابن عبد المطلب عم النبي ﵊: "إلا الإذخر يا رسول الله": هو عم النبي ﵊ وجاء في الحديث الصحيح بشأنه أن عم الرجل صنو أبيه، لكن هل لهذه القرابة أثر في تقرير حكم شرعي؟
قال العباس: إلا الإذخر: يعني لو قاله شخص من أبعد الناس قال: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، هل يتأثر الحكم، يعني قال: فقال النبي ﷺ : ((إلا الإذخر)) يعني لو تصورنا أن شخصاً من أبعد الناس، من أطرف القبائل، فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، يتصور أن يقول النبي ﵊ لا؟ وهل إجابة الطلب والاستثناء نزولاً على رغبة العباس برأيه ﵊ مراعاة لخاطر عمه أو بوحي من الله -جل وعلا-؟ أو باجتهاد أقر عليه ﵊؟؟ ليست مجاملة أبداً، يسمى عند أهل العلم الاستثناء التلقيني، لكن الوحي نزل بالاستثناء؛ نظراً للحاجة الداعية إليه.
стр. 1864
وهل يمكن أن يقال: أن النبي ﵊ لم يخطر بباله حينما تكلم بما ذكر ولا يختلى شوكها ولا يختلى خلاها، والإذخر حشيش نبت طيب الرائحة يجعلونه في القبور بين اللبِن؛ لئلا يتسرب التراب إلى الميت إذا نصب اللبن على اللحد يجعل بينه أذخر، وكذلك في البيوت يجعلونه بين الأخشاب؛ لئلا يتسرب الطين وينزل من بين الخشب، المقصود أنهم يستفيدون منه وإلا فهو داخل في الخلا والحشيش الذي لا يقطع ولا يختلى، لما ذكر النبي ﵊ أنها لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا يقطع شوكها ولا كذا ولا كذا يعني هل في ذهنه استثناء الإذخر أو ليس في ذهنه؟
المقصود أن إقرارا الاستثناء بوحي من الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم]، ولا لأحد أي مدخل في التشريع وفي الوحي.
بعض الكُتَّاب يكتب في الصحف أن بعض الأحاديث وبعض الأحكام اكتسبت من الحضارات الأخرى، واستفيدت من الأمم المجاورة، ويستدل على ذلك بحديث: ((كنت قد أردت أن أنهى عن الغيلة -يعني الرضاعة وقت الحمل- فإذا فارس والروم يغيلون فلا يضرهم)) تأثر النبي ﵊ بفعل فارس والروم، وعدل عن الحكم وبيانه، هل هذا الكلام صحيح؟
стр. 1865
هذا الكلام يكتبه بعض أهل الزيغ الذين يتتبعون أمثال هذه المتشابهات، علماً بأن الحديث ليس من المتشابه، واضح الغيلة تضر، لكنها بالنسبة لبعض الناس دون بعض، والشرع للجميع، الرسالة عامة لجميع من على وجه الأرض بعد بعثته ﵊، ليست للعرب خاصة، هي في بلاد العرب وفي بيئتهم قد تضر، والذي يضر ينهى عنه، لكن لما كان التشريع عاماً للناس كلهم عربهم وعجمهم، العرب وفارس والروم والبربر والترك وغيرهم، وما نسبة العرب بالنسبة لغيرهم؟ نسبتهم قليلة، والحكم للغالب، لما رأى النبي ﵊ أن الغالب لا يتضرر عدل عن النهي؛ لأن الحكم للغالب، ويبقى الأمر بالنسبة لمن يتضرر ينهى عن ذلك للضرر، فلا مدخل لأحد في تشريع حكم كائناً من كان، لا العباس ولا غير العباس، ولولا أن هذا نزل الوحي بإقراره، أو اجتهاد من النبي ﵊ ووفق عليه ولم يعاتب عليه، على الخلاف بين أهل العلم أن النبي ﵊ كل ما يقوله وما يحكم به ينزل به الوحي أو يجتهد، له أن يجتهد ويقر على اجتهاده، أو يعاتب عليه كما جاء في بعض المسائل.
المقصود أن هذا مقر شرعاً، وقل مثل هذا في الرؤيا، عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان، قد يقول: قائل هل الرؤيا يثبت فيها حكم شرعي؟ نقول لا، لا يثبت فيها حكم شرعي، هذه الرؤيا رؤيا الأذان اكتسبت الشرعية من إقرار النبي ﵊، وهو لا يقر على باطل، وعلى هذا من جاء برؤيا تخالف ما جاء في النصوص فلا التفات إليها، مهما بلغت منزلة رائيها.
"إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال: ((إلا الإذخر)) متفق عليه: هناك نصوص قد يتذرع بها بعض من يتتبع المتشابه.
هناك كلمة أراد النبي ﵊ أن ينهى عنها فمنعه الحياء، اللي هي "ما شاء الله وشئت"، وهل الحياء يمنع من إقرار الحكم؟ نعم؟
ليس فيها حكم شرعي، ما ورده عن الله -جل وعلا- ما يقتضي المنع، وأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه الذي لم يرد الشرع بالنهي عنه.
стр. 1866
كل إنسان سوي لا يحتمل المبالغة في تعظيمه، لكنه لما كان الدافع إلى ذلك التعظيم يخجل الإنسان أن يرد مثل هذا، وهذا في المسائل التي لا دليل فيها، أراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه ﵊ ولم يأت إليه ما يقتضي التحريم، فلما قيل له إنكم تقولون كذا وكذا جاء الخبر بتحريمها فحرم وجزم بالتحريم، فأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة.
وبعض الناس لا يحتمل بعض أنواع التقدير والاحترام الذي يقدم عليه، لا سيما من الكبار، فيتمنى أن يكف هذا عن مثل هذا، إلا أنه يخجل يعني ما فيه مبرر أن يمنعه، وإن كانت المسألة نفسية.
لما جاء الخبر أو جاء الوحي بتحريم هذا اللفظ ما تردد في تحريمه ﵊.
فقال ﵊: ((إلا الإذخر)): فالبيت معظم والحرم محترم فلا يجوز انتهاكه بحال من الأحوال.
من أفسد واعتصم به ولم يخرج أو بغى على الإمام وخرج عليه، الجمهور على أنه يقاتل؛ لأنه مستحق للقتل، ولا حرمة له، وإن ضيق عليه حتى يخرج كما يقول بعض أهل العلم، ففيه أيضاً تحصيل لمصلحة تعظيم البيت، وتحصيل لمصلحة قمع مثل هذا، أما إلا إذا كان هناك من يمده بالمؤونة بحيث يبقى أطول مدة ويسري فساده ويعرض فساده، مثل هذا يبادر والله المستعان.
في قوله ﵊: ((سلط عليها رسوله .. )) ((أحلت له)) مع ما يعرف من أنه ﵊ دخل وعليه المغفر، هو دخل من جهة وخالد من جهة، وحصل قتل يستدل بها الجمهور على أن فتح مكة كان عنوة، والشافعي ﵀ يرى أنها فتحت صلحاً ويستدل ويؤيد كلامه بأنها لم تقسم بين الغانمين، والجمهور على أنها فتحت عنوة، والأدلة على ذلك ظاهرة، وكونها لم تقسم تكون مما منَّ به النبي ﵊ على أهل هذا البيت من أقاربه وعشيرته وغيرهم منَّ بذلك كما منَّ عليهم بذواتهم، وأنهم طلقاء منَّ عليهم بممتلكاته كما فعل في غنائم حنين قسمها ثم أعادها.
стр. 1867
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة)) متفق عليه.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن عبد الله بن زيد بن عاصم: هذا راوي حديث الوضوء، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي خبر الأذان، وإن زعم بعضهم أنهما واحد -.
﵁-أن رسول الله ﷺ قال: ((إن إبراهيم)) الخليل ﵊ ((حرم مكة)): في بعض الروايات: ((إن الله)) -جل وعلا- ((حرم مكة)): والأحكام مردها إلى الله -جل وعلا- فهو الذي يحرم وهو الذي يبيح ويحلل، لكن الأنبياء يبلغون عن الله -جل وعلا- هذه الأحكام، فإذا نسب التحريم والتحليل إلى من الله -جل وعلا- فهو الأصل، وإذا نسب إلى أحد من أنبيائه ورسله فباعتبار التبليغ، والله -جل وعلا- يتوفى الأنفس حقيقة، ويتوفاها رسله على سبيل النيابة.
((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها)): ﴿رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [(١٢٦) سورة البقرة].
((ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة)): المدينة: هذا اللفظ إذا أطلق يراد به مدينة النبي ﵊ طيبة، مهاجر النبي ﵊ هذا على الإطلاق.
وبعضهم يدلس إذا اشتهرت المدينة النبوية بشيء يمتاز عن غيره ووجد في غيرها ما هو دونه من السلع، بعضهم ينادي هذا مثل أن يقول: هذا نعناع المدينة، هذا وجد فإذا شممته ما وجدت رائحة نعناع المدينة، فإذا نوقش قال: نعم، هذا نعناع المدينة، أنا أقصد الرياض أو الخرج أو القصيم أو كذا المدينة.
فالمدينة إذا أطلقت يراد بها المدينة النبوية، ((وإني حرمت المدينة))، يعني هل لأهل جدة أن يقولوا لنا نصيب من هذا الحديث؛ النبي حرم المدينة وجده مدينة أو الرياض مدينة؟
ليس لهم نصيب من هذا.
стр. 1868
((وإني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها)): يعني بالبركة فيما يكال بالصاع والمد أن يبارك فيه، ودعا ﵊ بنقل الحمى منها إلى الجحفة، فدعا بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة.
والبركة ظاهرة بسبب الدعوة النبوية، يلمسها كل من يسكن في المدينة أو يفد إلى المدينة، ولو قصرت مدت إقامته.
مقتضى التحريم ((وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) من بعض الوجوه، لا من جميع الوجوه، صيد المدينة حرام وإلا حلال؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
والشجر نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هم يختلفون بالنسبة لتحريم هذه الأمور بالنسبة في المدينة مع اتفاقهم على النص الوارد في مكة، أما بالنسبة للتحريم بعضهم يرى أن هذه الأمور محرمة لكن لا جزاء فيها، هي محرمة لا جزاء فيها، مع تحريمها لا جزاء فيها، وأقيمت الحدود بالمدينة ولا خلاف في إقامة الحدود في المدينة كالخلاف في إقامتها بمكة؛ الحدود بمكة بعضهم يخالف.
حدود المدينة النبوية:
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال: النبي ﷺ : ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)) رواه مسلم.
يقول -رحمه الله تعالى-: وعن علي -رضي الله تعالى عنه- قال، قال النبي ﷺ : ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)): هما جبلان بالمدينة في شمالها وجنوبها، وبعضهم يشكك في ثور ويجعل هذه الكلمة وهم؛ لأن جبل ثور معروف أنه بمكة، فيقول: هذا وهم، لكن بالتحري والتأكد، وسؤال أهل البلد من قبل أهل العلم وجد أن بالمدينة جبلاً يقال له ثور، قريب من أحد، فحدودها من الشمال إلى الجنوب ما بين عير إلى ثور، ومن الشرق إلى الغرب ما بين اللابتين، ما بين لابتيها.
طالب:. . . . . . . . .
نعم الجبلين نعم ومن الشرق إلى الغرب اللابتين، والصنعاني يرى أن هذا الحديث مفسر للابتين، أي ما بين عير إلى ثور تفسير لما بين اللابتين، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن الحرتين شرقية وغربية، وهذان الجبلان يكتنفان المدينة من الشمال إلى الجنوب.
قال: الإمام الحافظ بن حجر ﵀:
"باب صفة الحج ودخول مكة:
стр. 1869
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ حج فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي))، وصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))، حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]، أبدأ بما بدأ الله به)) فرقي الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده))، ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعد مشى إلى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا" فذكر الحديث وفيه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتى عرفه، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص ودفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: ((يا أيها الناس، السكينة، السكينة)) كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وأقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم
стр. 1870
ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" [رواه مسلم مطولاً].
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب صفة الحج ودخول مكة: وذكر فيه أحاديث منها ومن أشملها حديث جابر في صفة حج النبي ﵊، وهو حديث جليل عظيم عني به أهل العلم وصنفوا في شرحه المؤلفات، واستنبطوا منه الفوائد، وهو بمجموعه وبرواياته منسك متكامل لنسك صحيح كامل.
يقول: وعن جابر-رضي الله تعالى عنهما-: جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ حج: يعني أذن بالحج وأمر بتبليغ الناس أن النبي ﵊ عازم على الحج، فاجتمع بالمدينة خلق كثير؛ كلهم يريد أن يأتم ويقتدي بالنبي ﵊ ليؤدي هذه الفريضة العظيمة والركن من أركان الإسلام على مراد الله -جل وعلا- على وجه مرض لله تعالى.
فخرجنا معه: يعني من كان من أهل المدينة ومن وفد إليها من الأطراف.
حتى أتينا ذا الحليفة: الميقات، فولدت أسماء بنت عميس: زوجة أبي بكر الصديق، وكانت قبله تحت جعفر بن أبي طالب، وبعد أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب.
فولدت أسماء بن عميس، خرجوا من المدينة مسافة قصيرة ويسيرة، فولدت هذه المرأة، والذي يغلب على الظن أن مقدمات الولادة بدأت قبل خروجها من بيتها، ومع ذلك حرصها وهي تمثل النساء في زمنه ﵊ بحرصها على دينها وعلى الاقتداء والائتساء بالنبي ﵊ خرجت وهي في الطلق، والناس اليوم يسوفون ويتعللون ويعتذرون، تقول للواحد أو للواحدة: حج هذا العام ما تدري ما يعرض لك، ومع ذلك يقول -مثل ما ذكرنا سابقاً-: تسليم البحث في أول يوم من الدارسة، هذه امرأة في الطلق تخرج عشرة كيلو ثم تلد.
стр. 1871
كثير من الناس مجرد ما يعرف أن المرأة حامل، مجرد ما يخرج التحليل يقول: خلاص ما فيه امكثين في المكان، لا روحة ولا جية، لا حج ولا غيره، وكل هذا يعبر عن الاهتمام والتساهل، فالذي يهتم بالأمور الدنيوية تجده يحتاط لها أشد الاحتياط، وأمور العبادات على التراخي.
ذكرنا أن بعض الناس يتعذر بالبحث وبعضهم يقول: هذه السنة ربيع، أعذار واهية، وأسماء بنت عميس بعد أن أخذها الطلق تمشي للحج، ولا شك أن الاعتماد على الله والارتباط به له أثر كبير في حياة الناس.
يذكر الجيل الذي قبلنا أن المرأة في الشهر التاسع وقبيل الولادة تزاول من الأعمال ما لا يستطيع كثير من الرجال في هذا الوقت، تجذ النخل الطوال وهي في التاسع من الحمل، نعم، وتجلب الماء من الأماكن البعيدة وتحمل الثياب لغسلها في موارد المياه، وتخدم زوجها وضيوفه، ومع ذلك هي على هذه الحالة، ومع ذلك لما فتحت الدنيا واسترخى الناس صار أدنى شيء يؤثر، فالله المستعان.
ولدت أسماء بنت عميس: في آخر القعدة قبل دخول الشهر بخمس ليالي ولدت، طيب، متى يتوقع أن تنتهي من النفاس؟، يعني إذا كان نفاس عادي أربعين يوم، فهي لن تنتهي من نفاسها إلا بعد خروج شهر ذي الحجة، مع أن النفاس لا حد لأقله، فلم يذكر في قصتها أنها أخرت الرفقة أو تأخرت عن الرفقة، فلعلها طهرت في مدة يسيرة ولحقت بالناس، لكن اليوم يحسب لهذه الأمور حسابات طويلة، كثير من الناس إذا ذهب بموليته من زوجته أو ابنته يسأل عن الاستثناء، يقول: احتمال تنزل الدورة الشهرية ثم تحبسنا، المشقة اللاحقة بالناس قبل شيء ما يتصور يعني، بعض الجهات أشهر حتى يصل إلى مكة، نحن في سويعات نذهب ونرجع، ومع ذلك نحتاج نستثني ونحتاج نحتاط على شان ما تحبس الرفقة، وبعضهم بينه وبين مكة ساعتين أو ثلاث أو خمس ثم بعد ذلك يلجأ إلى القول بأن الحائض تطوف لئلا تحبس الرفقة!!
الرسول ﵊ يقول: ((أحابستنا هي))، دلَّ على أنها تحبس الرفقة، الناس ما يصبرون على مثل هذا ولا زمن يسير؟
стр. 1872
فعلى المسلم أن يهتم بدينه ويعظم شعائر الله في نفسه، لا يتساهل بمثل هذا التساهل، أما أن يستثني ويعود بها بعد أن أحرمت، وبعضهم يقول: لا ما يحتاج تحرم، يحتاج عمرة؛ لئلا تحبسنا، كل هذا من التساهل والتفريط بالأجور العظيمة المرتبة على هذه الأعمال.
ولدت أسماء بنت عميس فقال: ((اغتسلي))، قال ﵊: ((اغتسلي)) كما يغتسل من أراد الإحرام، فدل هذا على أن الحائض والنفساء تغتسل عند إرادة الإحرام، وأنها تحرم مثل الناس إحرام عادي، تدخل في النسك، وتفعل جميع ما يفعله الحاج إلا الطواف.
((افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)): وهذا العموم يشمل جميع ما يتطلبه الحج من أركان وواجبات وسنن ولا يستثنى من ذلك إلا الطواف، ولا يعني أنه بعمومه يتناول قراءة القرآن كما قال البعض، يقول: الحاج يقرأ القرآن إذن الحائض تقرأ القرآن، إذ أنه يقول: افعل جميع ما يفعله الحاج ومن ذلك قراءة القرآن! لكن قراءة القرآن ليست من أعمال الحج المقصودة، فلا تحتاج إلى استثناء في مثل هذا.
((اغتسلي واستثفري)): يعني تحفظي، الاستسفار عندهم أن يربط حبل في وسط البدن، ثم يؤتى بخرقة يلف بها الفرج وما حوله وترتبط بهذا الحبل.
((استثفري بثوب وأحرمي)): دليل على أن الحائض والنفساء تحرم؛ إحرامها صحيح وتغتسل قبله على سبيل الندب.
وصلى رسول الله ﷺ في المسجد: خرج من المدينة، بعد مدة يسيرة وصل إلى المحرم -ذي الحليفة- صلى بالمدينة الظهر أربعاً، ثم صلى بذي الحليفة العصر ركعتين ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر ثم الظهر، ثم أحرم وإحرامه بعد صلاة الظهر، وإن قال بعضهم إنها بعد الفجر، هو صلى ركعتين سواء كانت الظهر أو الفجر.
стр. 1873
وصلى رسول الله ﷺ في المسجد: ووقع إحرامه بعد صلاة، ولذا يستحب العلماء أن يكون الإحرام بعد صلاة، إن كانت فريضة فبها ونعمت، وإلا صلى ركعتين نافلة، ومنهم من يرى أن الإحرام ليس قبله صلاة، وإنما وقع هذا اتفاقاً من النبي ﷺ صلى الظهر ثم أحرم، لكن مقتضى حديث صل في هذا الواد المبارك وقل، مقتضاه أن الإحرام يكون بعد صلاة؛ للربط بين الأمر بالصلاة والأمر بالإحرام، وهذه حجة من يقول: هناك سنة للإحرام، إن لم يكن هناك فريضة تغني عنها، وله وجه.
وصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد: وعرفنا في حديث ابن عباس السابق أنه بعد أن صلى في المسجد أحرم أهل، ثم لما استقلت به دابته أهل، ثم لما استوت به على البيداء أهل بالتوحيد، وكل ذكر ما سمع.
أهل بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)): أهل بالتوحيد، بتوحيد الله -جل وعلا- خلافاً لما كان عليه الناس في الجاهلية من الشرك بالله تعالى، لبيك لا شريك لك إلا شريكاًَ هو لك، تملكه وما ملك، هذا الشرك بعينه، ولذا جاءت تلبيته ﵊ بالتوحيد: ((لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك)): إن وأن روايتان، وهي جملة تعليلية, لا شريك لك. حتى إذا أتينا البيت استلم الركن: المراد به الحجر الذي في الركن، استلم الركن، ثم شرع في الطواف استلام الركن سنة، يحرص عليها الحاج والمعتمر؛ اقتداء به ﵊ إن لم يتيسر له الاستلام بيده استلمه بما في يده من عصا ونحوه، وإن لم يتيسر أشار إليه.
стр. 1874
ثم شرع في الطواف فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً: الرمل الإسراع، الهرولة ثلاثاً: يعني ثلاثة أشواط، وإذا حذف التمييز جاز التذكير بالتأنيث، فرمل ثلاثاً، والرمل سنة؛ وسببه أن المشركين في عمرة القضاء قالوا: يأتي محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، وجلس المشركون مما يلي الحجر، فرمل النبي ﵊ الشوط الأول والثاني والثالث، ثم يمشي بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونهم، وليس في هذا مراءات وإنما هي إغاظة للكفار: ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [(١٢٠) سورة التوبة]، هذا من إغاظتهم، فهو مشروع.
يقول: حتى إذا أتينا البيت استلم الركن: والبيت: المراد به الكعبة وتحيتها الطواف، والمسجد أوسع، وتحيته الركعتان.
حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً: ولم يمنعه ﵊ من الرمل في الأشواط السبعة إلا الإبقاء عليهم؛ لأنه بعد السفر وبعد التعب شاق، فيشق على بعضهم، والنبي ﵊ نبي الرحمة، نبي الرأفة يعز عليه ما يشق على أمته، ولذا ندم على دخوله البيت؛ لئلا يشق على أمته ﵊.
والسبب والباعث والعلة في مشروعية الرمل قول المشركين، ارتفع هذا السبب بعد ذلك، فهل ارتفع الحكم؟
لا، لمَّا جاء النبي ﵊ في حجة الوداع رمل ثلاثة أشواط، لكن بدلاً من أن يمشي بين الركنين استوعب الأشواط الثلاثة بالرمل، وهذا هو الفرق، وهذا في أول طواف، الرمل يشرع في أول طواف بعد ما يقدم الإنسان، ويكون معه الاضطباع: بأن يخرج منكبه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء فوق منكبه الأيسر.
مشى أربعاً ثم نفر إلى مقام إبراهيم: مقام إبراهيم، ويطلق على المكان الذي قام فيه، كما أنه يطلق على الحجر الذي في هذا المكان.
وهل السنة متعلقة بالمكان أو بالحجر؛ لأن الصيغة مقام تشمل المكان كما هو الأصل الذي قام فيه، والحجر الذي قام عليه، فهل الحكم مرتبط بالحجر أو بالمكان؟
في وقته ﵊ الحجر في مكانه ملاصق للكعبة، ثم أبعد عنه قليلاً في زمن عمر -رضي الله تعالى عنه- فهل الحكم متعلق بالمكان والمقام يتناوله أو هو متعلق بالحجر؟
стр. 1875
يعني لو اقتضت المصلحة أن الحجر يبعد أيضاً ويكون في الأروقة، تكون السنة تتبع هذا الحجر في الأروقة وتترك المساحة الطويلة بينه وبين الكعبة، أو أن الحكم متعلق بالبقعة التي قام فيها؟
طالب:. . . . . . . . .
لأن الأصل أن يبقى الحجر في مكانه؛ لأنه ترتبت عليه أحكام شرعية، لكن لما اجتهد الخليفة الراشد وأبعده عن مكانه صار للاجتهاد فيه مسرح، يأتي من يأتي فيما بعد يقول: أنه الآن حجر ضيق على الناس، وألف في هذه المسألة رسائل، مقام إبراهيم وهل يجوز تقديمه وتأخيره مسألة معروفة عند أهل العلم، وكتب فيها المعلمي بهذا الاسم "مقام إبراهيم"، ثم رد عليه "نقض المباني من فتوى اليماني" ثم رد على من رد عليه، المقصود أن المسألة طال فيها الكلام، فإذا قلنا أن المسألة تقبل الاجتهاد، فإذا كان وجوده مضر بالناس وتسبب في وفيات وزحام وما أشبه ذلك ورأى المجتهدون -مجتهدو الأمة في عصر من العصور- واتفقت كلمتهم على أنه ينقل، مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن الذي يهمنا الحكم الشرعي: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة]، هل نتبع الحجر أينما ذهب به؛ لأن الأحكام متعلقة به أو المكان الذي قام فيه إبراهيم ﵊ وعلى نبينا- أو نقول يبقى الحجر في مكانه، ولا يجوز أن نتعرض له بشيء والحكم متعلق به؟
طالب:. . . . . . . . .
يكون الحجر الذي هو المقام بين المصلي والقبلة، لكن أنت افترض أنه اجتهد العلماء وقالوا: هذا الحجر الذي ضيق المقام يبعد ويدخل في الأروقة ..
طالب:. . . . . . . . .
وراء الأروقة، يعني ولو اقتضى الأمر أن الناس يصلون وراءه مع شدة الزحام وخرجوا عن المسجد.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1876
إي لكن أين مقام هذه الكلمة، بتصريفها تشمل البقعة، يعني لولا أن الاجتهاد من الخليفة الراشد عمر -رضي الله تعالى عنه- لكان المتجه أن يبقى في مكانه؛ لأنه تعلقت به أحكام شرعية، وجد هذا الاجتهاد من هذا الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به والعمل بسنته، فيه أحد يتطاول على عمر بن الخطاب ويقول: فعل عمر أو اجترأ عمر، لا ما هو بصحيح، خلافاً لما يقول: هـ بعض الناس البدعة سيئة ولو كانت من عمر، هذا ليس بصحيح.
طالب:. . . . . . . . .
يعني الآن خلِّ الحجر وراءنا، ونصلي إلى القبلة.
طالب:. . . . . . . . .
طيب المكان هو الأصل، الآن الحجر ليس في مكانه.
طالب:. . . . . . . . .
الآن منقول الحجر عن مكانه الأصلي، نستدبر الحجر ونصلي إلى الكعبة نفس المقام مكان المقام الأول؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا بناء على أن المقام المكان الذي قام فيه، وأن الحجر كغيره من الأحجار، لكن أيضاً كما يتناول المكان يتناول الحجر الذي قام عليه هو مقام، نعم، يعني مثل ما تقول لهذا الكرسي هذا مقعد فلان، أزيل هذا الكرسي وجيء بكرسي آخر، نعم، يستمر مقعد فلان باعتبار ما كان؟.
طالب: يا شيخ بارك الله فيك، لو نظرنا إلى التنويه الذي وقع في الآية، لعلمنا أن الله نوه على هذا المكان لما حصل فيه، وهو البناء –بناء البيت- فينظر إلى المكان بغض النظر عن الحجر الذي كان قد اعتلاه إبراهيم ﵇.
يعني أننا نقول هذا الحجر كغيره من الأحجار.
طالب: نعم، والعبرة بالبقعة.
لكن يبقى أنه على هذا أننا نستدبر المقام الآن؛ لأن مكانه والمكان الذي قام فيه قريب جداً من الكعبة.
طالب:. . . . . . . . .
خلنا من ظروف الزحام وغيرها، ما صليت خلف المقام، لو استدبرت ما صليت خلفه صليت أمامه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1877
إيه هذا يضطر إليه إما للزحام الشديد، أو للاتقاء عن الشمس في صلاة العصر مثلاً في ظل الكعبة، المسألة كلها سنة يعني صليت خلف المقام، أو صليت بعيد عنه في المسجد أو صليت خلف المسجد -الركعتين- عمر -رضي الله تعالى عنه- صلى الركعتين بذي طوى، لكن المسألة في تحقيق السنة، كونهم صلوا أمامه أقرب إلى الكعبة خالفوا ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [١٢٥) سورة البقرة]، لكن تبقى أن مخالفة السنة قد يعتريها ما يعتريها قد يوجد ما يرجحه عند الحاجة.
طالب:. . . . . . . . .
أنا أقول لا بد من اعتبار الأمرين معاً، فإذا كان وجود المقام باجتهاد، ممن له الاجتهاد، في المكان الذي تمكن الصلاة فيه لا شك أن هذا هو الأصل؛ لأن الأمر مرتبط بالأمرين كلاهما يقال: لهما مقام، لكن لو قدر أن هذا الحجر وهو المعتبر -النبي ﵊ صلى خلف هذا الحجر- وهو معتبر وملحوظ في النص لو أبعد عن مكانه ما صار مقام، فالمعتبر الأمرين معاً.
يقول: ثم نفر إلى مقام إبراهيم ﵊ وعلى نبينا- فصلى: صلى الركعتين ركعتي الطواف، الطواف الذي طافه النبي ﵊ هذا طواف القدوم، وهو سنة، فصلى الركعتين، وهما ركعتا الطواف خلف المقام؛ امتثالاً للأمر، وهاتان الركعتان سنة عند جمهور أهل العلم، ويرى بعضهم الوجوب؛ لأنه ما ثبت أنه طاف ولم يصلِّ ﵊ ومنهم من يرى أن حكم هاتين الركعتين حكم الطواف، فإن كان الطواف واجباً كانت الركعتان واجبتين، وإلا فهما سنة تبعاً للطواف.
فصلى ثم رجع إلى الركن فاستلمه: رجع إلى الركن، والمراد به الحجر الأسود فاستلمه، كل ما حاذى الركن استلمه إن أمكن، وإلا فبالمحجن، وإلا أشار إليه وكبر، وهذا يقتضي أنه يكبر في الأشواط السبعة بداية ونهاية، ففي الطواف في الأشواط السبعة يكبر سبع وإلا ثمان؟
كل ما حاذى الركن كبر.
طالب: ثمان؟
стр. 1878
نعم ثمان؛ لأنه في البداية والنهاية، كما جاء في حديث جابر في المسند وغيره: "كنا نطوف مع النبي ﵊ فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة" يعني في البداية والنهاية، ومقتضى هذا أنه يكبر ثمان في الأشواط السبعة في الفاتحة والخاتمة.
ثم خرج من الباب إلى الصفا: من أجل السعي، والسعي هذا هو سعي الحج والعمرة المقرونة معه بالنسبة للنبي ﵊ لأنه اكتفى به، فإذا قدم السعي الركن بعد طواف القدوم أجزأ عن السعي يوم النحر.
فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة]، أبدأ بما بدأ الله به: على صيغة الخبر، وعند النسائي: ((ابدأوا بما بدأ الله به)) على صيغة الأمر، والله -جل وعلا- بدأ بالصفا، فبداية السعي من الصفا، وعلى هذا من بدأ بالمروة الشوط الأول لاغي، نعم، لاغي يأتي ببدل، فالبداية بالصفا.
فرقي الصفا حتى رأى البيت: استقبل البيت، والآن تشق رؤية البيت من كثرة الأعمدة، قد يراه من يتحراه -يرى شيئاً يسيراً منه- وإلا فجل الناس لا يستطيعون رؤيته لكثرة الأعمدة.
حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره: وفسر ذلك بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، هذا التوحيد، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
لا إله إلا الله وحده: هذا التهليل والتوحيد، وفي ضمن ذلك يقول: الله أكبر ترجمة لقوله وكبره.
لا إله إلا الله وحده المتفرد بالألوهية، أنجز وعده: أنجز لنبيه ما وعده به، ونصر عبده: على أعدائه وهزم الأحزاب الذين اجتمعوا لحرب الدين وأهله وحده.
стр. 1879
وهزم الأحزاب وحده: هذا يجعل المسلم يتعلق بربه ويعتمد عليه ويتوكل عليه، ولا ينظر إلى قوته ولا إلى ضعفه، ولا ينظر إلى قوة عدوه وكثرة جنده وعدده، فمن توكل على الله كفاه، ومن اعتمد عليه وقاه، هذا يفتح آمالاً واسعة للأمة مهما بلغت من الضعف إذا اعتمدت على الله -جل وعلا- ومهما بلغ عدوها من القوة؛ لأن الله –جل وعلا- هزم الأحزاب، فإذا اعتمدنا على الله -جل وعلا- كفانا، أما أن نعترف بالضعف ونستسلم للعدو، العدو عنده قوة، لكن هل هذه القوة تقابل قوة الله -جل وعلا- ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًِ﴾ [(٢٤٩) سورة البقرة]، ولم نؤمر إلا بإعداد ما استطعنا على أن نرتبط بالله -جل وعلا-، ما ننصرف عن دينه، وننتهك المحرمات، ونعين العدو على أنفسنا ونقول إن الله -جل وعلا- ينصرنا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [(٧) سورة محمد]، لا بد من أن نعود إلى ديننا، فالله -جل وعلا- هو الذي هزم الأحزاب وحده، وإلا فالقوة بالنسبة لقوة الكفار في ذلك الوقت ما في مقارنة؛ أحاطوا بالمدينة من جميع الجهات، واستنفروا جميع القبائل، لكن الله -جل وعلا- سلط عليهم الريح فشردتهم.
ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات: يعني يكرر التوحيد والتكبير والدعاء ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة: يعني شرع في السعي، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي: بين العلمين المعروفين.
سعى: يعني جرى جرياً شديداً ﵊ حتى أن الركب تبين من تحت الإزار من شدة السعي، حتى إذا صعدتا: يعني وصل الميل الثاني مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، استقبل البيت ووحد وكبر ودعا ثلاثاً.
فذكر الحديث: يعني ذكر بقية الحديث.
وفيه فلما كان يوم التروية: الآن القارن يكتفي بهذا، إذا وصل البيت طاف وسعى، ثم ينتظر وهو في إحرامه؛ لأنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله من ساق الهدي، أما من لم يسق الهدي فيقصر ويحل الحل كله وهذا هو المتمتع، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وهو اليوم الثامن من الحجة يسمونه يوم التروية؛ لأنهم يتروون فيه ويتزودون من الماء؛ لأن المشاعر ليس فيها ماء.
стр. 1880
توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج: أحرموا بالحج، مقتضى ذلك أنهم بعد أن توجهوا إلى منىً أهلوا؛ لأن العطف بالفاء يقتضي التعقيب وأنهم أحرموا من منى، وعلى كل حال الإحرام بالحج يكون من الحرم، سواء كان من منى أو من غيرها، فيهلون بالحج.
وركب رسول الله ﷺ يعني إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر: الخمسة الأوقات في اليوم الثامن وليلة التاسع وفجر التاسع، ثم مكث قليلاً بعد صلاة الفجر؛ كعادته ﵊ يذكر الله في مصلاه حتى طلعت الشمس.
فأجاز: وهو من الجواز والعبور. حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها بهذه القبة حتى إذا زاغت يعني زالت الشمس أمر بالقصواء -بفتح القاف والمد- وقال: بعضهم بالقصر، وهو لقب دابته -ناقته ﵊ فرُحلت: وضع عليها الرحل.
فرحلت له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس: وهذه خطبة من الخطب المشروعة في اليوم الثامن وقبلها بعد صلاة الظهر من اليوم السابع، وبعدها خطبة يوم النحر، وبعدها في يوم النفر الأول، أربع خطب مشروعة في الحج.
فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر بأذان واحد وإقامتين، ولم يصلِّ بينهما شيئاً؛ لأن هذا مقتضى الجمع أن لا يصلى بين الصلاتين المجموعتين.
ثم ركب ﵊ حتى أتى الموقف: ويلاحظ أنه ﵊ يركب بين المشاعر، من مشعر إلى مشعر يركب، وبهذا قال جمع من أهل العلم أن الركوب أفضل؛ لفعله ﵊ وإن رأى بعضهم أن المشي أفضل؛ لأنه أكثر مشقة، لكن لنعلم أن المشقة ليست مطلوبة طلباً شرعياً لذاتها، وإنما إذا جاءت تبعاً للمطلوب شرعاً للعبادة صار الأجر على قدر النصب.
ثم ركب ﵊ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات من الجبل المعروف بجبل الرحمة.
стр. 1881
وجعل حبل المشاة بين يديه: طريق المشبه بالحبل بين يديه: يعني أمامه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً ﵊ يذكر الله -جل وعلا- ويثني عليه ويدعوه، لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، و ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) فيحرص الإنسان على استغلال هذا اليوم، لا سيما عشية عرفة، ويتعرض لنفحات الله في هذا المكان وفي هذا الزمان، ويوجد بين المسلمين وقد يوجد من بين طلاب العلم من يضيع مثل هذه الأوقات بالقيل والقال، وبعضهم يصطحب معه آلات ويشاهد ما يشاهد، وبعضهم يرتكب بعض المحرمات من الأقوال والأفعال وهو في هذا متعرض لسخط الله -جل وعلا- والنبي ﵊ استغل هذا الوقت فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، ويدعو ويلح في الدعاء، والإشكال في كثير من الحملات أن هذا الوقت المستغل في الذكر والدعاء -نظراً لكثرة الحجيج- يستغلونه في ترتيب الناس، يعني قبل الغروب بساعة أو أكثر ينفرون الناس إلى السيارات ويرتبونهم وينظمونهم حتى تغرب الشمس، نعم الركوب على السيارات مثل الركوب على الدابة، لكن ينبغي أن يستغل الوقت، وحضرنا بعض الحملات يعني الوقت المطلوب وقت الحاجة كلهم بمكبرات الصوت أنت رقم الباص كذا وأنت مقعد كذا وينتهي الوقت على هذه الطريقة، يعني يعطى الناس تعليمات قبل هذا الوقت، وأنه بمجرد ما تكون الساعة كذا كل واحد ينزل مكانه من دون فوضى ومن دون تشويش، ومن دون ... يعني رأينا مثل هذه الأوقات التي لا تعوض ما تدري أنت يمكن ما تقف غير هذه الوقفة كثير منها يضيع، عند كثير من الناس يوجد ولله الحمد أهل الخير وفضل وحرص موجود وبكثرة ولله الحمد، لكن يراد من الأمة أن تكون كلها بهذا المستوى.
стр. 1882
فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص: قرص الشمس، يقول: حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، بعضهم يقول: إن حتى هنا مصحفة وأصلها حين، يعني حين غاب قرص الشمس، ودفع ﵊ من عرفة قاصداً جمعاً –مزدلفة- وقد شنق: يعني ضيق الزمام على دابته القصواء، الزمام: الحبل الذي تربط به، فإذا شنقه وضيقه كفت عن الإسراع، بخلاف ما إذا أرخاه، ما تسرع -لعل الإخوان ما يصلون تقام الصلاة الآن طيب جيد- وقد شنق للقصواء الزمام؛ من أجل أن لا تسرع.
حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله: يعني يرد الرأس إلى الخلف، حتى أنه ليصل إلى مورك الرحل الذي يثني عليه الراكب رجله إذا تعب وهو راكب.
ويقول بيده اليمنى يشير إلى الناس: ((أيها الناس السكينة السكينة)): إلزموا السكينة، ويشاهد من كثير من الناس المخالفة الظاهرة لهذا التوجيه النبوي، فيأمرهم بلزوم السكينة، وكم يكون من حادث، ومن اعتداء من مشاكل ومضاربات في هذا الظرف، والنبي ﵊ يقول: ((السكينة السكينة))، وكل واحد من الحجيج يريد أن يصل الأول إلى مزدلفة؛ ليتحدث بذلك إذا وصل إلى أهله، أو يكلمهم أثناء وصوله ويقول: وصلنا، وما قبلنا أحد، هذا ليس مقصد من مقاصد الشرع، المقصود أن تلزم السكينة وتؤدي العبادة على الوجه الشرعي.
كلما أتى حبلاً أرخى لها قليلاً: حبلاً من الحبال الرمل التي يكون فيها شيء من الصعود؛ لأنها تحتاج إلى أن يرخى له لتأخذ عزم، هي يشنق لها الزمام ويضيق عليها من أجل أن لا تسرع، والآن السرعة مطلوبة لتأخذ عزم لتصعد مع هذا الحبل من الرمل.
стр. 1883
أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين: كالظهر والعصر، وهذا في حديث جابر، وهو من أفراد مسلم وجاء في حديث ابن مسعود حديث أسامة ما يخالف ذلك في البخاري وغيره، لكن المرجح عند أهل العلم ما جاء في حديث جابر، وإن كان من أفراد مسلم، والأصل أن ما يرويه البخاري أرجح مما يرويه مسلم، لكن قد يعرض عند أهل العلم للمفوق ما يجعله فائقاً، فيرجحون ما جاء في حديث جابر؛ لأنه اعتنى بالحجة النبوية وضبطها وأتقنها وفصلها من خروجه ﵊ من بيته إلى رجوعه، وهذا يكون مرجح، هذه الأوصاف الدقيقة التي جاءت في حديث جابر بجميع رواياته تدل على مزيد عناية منه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- فرُجِّح قوله بأذان واحد وإقامتين.
بعض الروايات بإقامتين فقط بعضها بأذانين وإقامتين والمقصود كلها صحيحة لكن يبقى أن المرجح هو ما جاء في حديث جابر.
ولم يسبح بينهما شيئاً: يعني لم يصل نافلة سبحة يعني النافلة، ثم اضطجع حتى طلع الفجر: اضطجع: يعني نام ﵊.
стр. 1884
بلوغ المرام _ كتاب الحج (٤)
باب صفة الحج ودخول مكة
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
يقول جابر -رضي الله تعالى عنه- ثم اضطجع: يعني النبي ﵊، حتى طلع الفجر: يعني صلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ثم اضطجع.
حتى طلع الفجر: فهم من ذلك بعضهم أنه ترك صلاة الليل، وترك الوتر، والمعروف عنه ﵊ أنه لم يترك الوتر لا سفراً ولا حضراً، فهل نقول إن هذه الليلة على وجه الخصوص لا صلاة فيها غير الفرائض، حتى الوتر الذي كان يلازمه النبي ﵊؟ أو نقول إن جابراً ما أطلع على ذلك، كما أنه خفي عليه بعض الأشياء؛ لأن كونه لازم النبي ﵊ لا يعني أنه لازمه ملازمة الظل، ما يلزم هذا، فالملازمة تعني طول المكث والبقاء، لكن لا يعني أنها ملازمة تامة مائة بالمائة، ولذا خفي عليه بعض الأمور مما ذكره غيره حتى في هذه الليلة، ولعل النبي ﵊ استيقظ وصلى وجابر نائم.
فالقاعدة أن النبي ﵊ ما ترك الوتر لا سفراً ولا حضراً، وعدم الذكر لا يعني عدم الوجود، لا سيما في ما دل الدليل على وجوده بنصوص أخرى.
فصلى الفجر: لما طلع الفجر، صلى الفجر حين تبين له الصبح: يعني في أول وقتها بأذان إقامة كالمعتاد.
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام: جبل هناك يقال له قزح, فأتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل؛ لأنه مع زحمة الناس وكثرتهم لا يتمكن جميع الناس من الوقوف عند هذا المشعر، فلو وقف كل إنسان في مكانه وذكر الله -جل وعلا- ودعاه وهلل وكبر حتى يسفر جداً، كما فعل النبي ﵊، وهذا ديدنه ﵊ بعد صلاة الصبح يجلس في مصلاه، ويذكر الله -جل وعلا- حتى تنتشر الشمس، أما في هذا المكان استقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس؛ مخالفة للمشركين الذين كانوا لا ينصرفون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وينتظرون طلوعها فيقولون: "أشرق ثبير"؛ كي ما نغير، فخالفهم النبي ﵊ فدفع قبل أن تطلع الشمس.
стр. 1885
حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً: أسرع من نحو رمية حجر؛ لأن هذا محل عذاب، فمثل أماكن العذاب والغضب لا ينبغي البقاء والمكث فيها، ولذا جاء النهي عن دخول بلاد المعذبين إلا باكين أو متباكين، والصلاة في مواضع الخسف والعذاب ترجم الإمام البخاري بهذا وذكر بعض ما يدل على ذلك.
فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى: التي تخرج إلى الجمرة: الكبرى غير الطريق التي خرج منها من منى إلى عرفة، تخرج على الجمرة الكبرى.
حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة: أتى الجمرة جمرة العقبة، وهي كالحد بين منى ومكة، ولذا يختلف أهل العلم، يعني هل هي في منى أو خارج منى مما يلي مكة؟ محل خلاف بين أهل العلم، من يقول أنها من منى يقول إن رمي الجمرة تحية منى، فكيف تحيا وهي خارج منى؟ وأهل القول الآخر يقولون الطواف تحية البيت وهو خارج البيت، الطواف تحية البيت، والطواف يكون خارج البيت وأيش المانع من أن يكون تحية الشيء خارجه؟ وعلى كل حال هي من الحرم سواء كانت من منى أو من مكة هي من الحرم، وأنتم ترون الحدود قريبة جداً منها.
حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة مثل حصى الخذف: مثل البندق، مثل الباقلا، مثل الحمص كبير الحمص، والنبي ﵊ لما جمع له الحصى رفعه بيده وقال: ((بمثل هذا فارموا، إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو))، وبعض الناس يرمي بالحجارة الكبيرة وبعضهم بقطع الحديد وبعضهم بالنعال، وكل هذا من الغلو الذي جاء النهي عنه.
مثل حصى الخذف: حصى الخذف الذي يرمى به بين الأصابع صغير، وقد جاء النهي عن الخذف، وليس فيها إقرار لجوازه لكنه مثل ما هو معروف عندهم ويتداولونه بالخذف وإن كان منهياً عنه.
رمى من بطن الوادي: رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر: ﵊ نحر البدن التي جاء بها من المدينة، والتي جاء بها علي -رضي الله تعالى عنه- من اليمن فنحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين، وترك الباقي لعلي -رضي الله تعالى عنه- وذبح عن نسائه البقر.
стр. 1886
فنحر ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت: يعني بعد أن رمى ونحر وحلق شعره أفاض إلى البيت فطاف به طواف الإفاضة، هو طواف الركن -ركن الحج والذي لا يصح إلا به-.
فصلى بمكة الظهر: بعد أن طاف طواف الإفاضة صلى الظهر، وجاء من حديث ابن عمر -وهو صحيح- أن النبي ﷺ صلى الظهر بمنى، وهنا يقول صلى بمكة الظهر، ولعله ﵊ صلاها بمكة ثم أعادها بأصحابه لما رجع إليهم بمنى، والحديث على طوله محل عناية من أهل العلم، منهم من تكلم على فقهه، ومنهم من جمع طرقه ورواياته، وللشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- كتاب اسمه حجة النبي ﵊ ذكر فيه هذا الحديث برواياته فأجاد وأحسن -رحمة الله عليه-، وابن المنذر صنف فيه جزءاً كبيراً تكلم على فوائده واستنبط منه ما يزيد على مائة وخمسين فائدة، وبعضهم ضعف هذا العدد ذكر، وأجملنا الكلام فيه؛ لأن ظرف الدورة ما يسمح للإفاضة وهناك أربعة أشرطة متداولة ومعروفة في شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﵊ من أراده رجع إليها.
قال الإمام الحافظ ابن حجر: وعن خزيمة بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ "كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار" [رواه الشافعي بإسناد ضعيف].
هذا الحديث الذي ذكره الحافظ عن خزيمة بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﵊ كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة: يعني فرغ من التلبية كلها، والفراغ من التلبية إنما يكون برؤية البيت أو بالاستلام أو بمباشرة رمي الجمرة، إذا فرغ منها سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار، والخبر ضعيف لا يثبت بمثله حكم، ضعيف؛ لأنه من رواية أبي واقد صالح بن محمد بن أبي زائدة، وهو ضعيف عند أهل العلم.
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحرت هاهنا ومنىً كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف)) [رواه مسلم].
стр. 1887
هذا جزء من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﵊ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحرت هاهنا)): وهذا من التوسعة على الناس، من شفقته ﵊ ورحمته بأمته، ولو لم يقل مثل هذا الكلام ﵊ لتحرى الناس النحر في المكان الذي ينحر فيه النبي ﷺ وهو لا يستوعب الناس، ولو لم يقل مثل هذا الكلام لتحرى الناس المكان الذي وقف فيه النبي ﵊ سواء كان بعرفة أو بجمع، والمكان إن قصدوا نفس المكان فهو لا يستوعبه، قد يقتتلون عليه، لكن من شفقته ﵊ أن قال مثل هذا، ((نحرت هاهنا ومنىً كلها منحر)) يعني مكان للنحر.
((فانحروا في رحالكم)): كل إنسان ينحر هديه في رحله في مكانه الذي أقام فيه بمنى، وهذا من التوسعة على الناس، وكونه يمنع مثل هذا ويجبر الناس على النحر في مكان معين لا شك أن الداعي إليه مراعاة المصلحة؛ لأنه مع كثرة الناس وازدحامهم لا شك أن الناس يتأذون بهذا، الإنسان ما يجد مكان يجلس فيه فكيف ينحر والدم يسيل والمخلفات وأمور، وينبعث منها روائح في اليوم الثاني والثالث، فمع الكثرة لا يتسن هذا ولذا رأى القائمون على هذه الأعمال تحديد أماكن للنحر، ولا بأس فيه؛ لأن المنظور فيه إلى المصلحة.
((ووقفت هاهنا)): كما وصف جابر -رضي الله تعالى عنه- أن بطن دابته إلى الصخرات، ومستقبل القبلة ﵊.
((وعرفة كلها موقف)): نعم، بحدودها، ومعروف أن الحج عرفة، فإذا وقف الإنسان في مكان لا يجزم بأنه في عرفة، فهذا يعرض حجه للخطر والبطلان، فعليه أن يتأكد أنه داخل حدود عرفة، وليرفع عن بطن عرنة؛ فلا يجزيء الوقوف فيه عند جماهير أهل العلم، ولذا جاء قوله: ((وارفعوا عن بطن عرنة))، وإن كان هناك قول للإمام مالك أنه من عرفة والوقوف فيه يجزئ مع التحريم فهو من عرفة، ولو لم يكن من عرفة ما احتيج إلى الإشارة إليه، ما قال: لا تقفوا في مزدلفة ولا تقفوا بمنى؛ لأنها ليست من عرفة، لكن المرجح هو قول الجمهور، عامة أهل العلم على أن بطن عرنة ليس من عرفة.
стр. 1888
((ووقفت هاهنا)): يعني بمزدلفة، ((وجمع)): وهو اسم لها؛ لأنه يجتمع فيه الناس، ((كلها موقف)): جمع يجتمع فيه الناس، الحمس وقريش وغيرهم كلهم يجتمعون بمزدلفة، لكن عرفة الحمس لا يخرجون إلى عرفة.
المقصود أن مزدلفة كلها موقف من أولها إلى آخرها هي داخل الحدود، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به، والحج عرفة كما جاء في الحديث، وأما الوقوف بمزدلفة والمبيت بها فهو واجب من واجبات الحج، ولذا رخص النبي ﵊ للسقاة والرعاة، لمَّا استأذنوه رخص لهم، ولو لم يكن واجباً لما احتاجوا إلى الإذن، ولو كان ركناً -كما يقول بعض أهل العلم- لما رخص لهم؛ لأن الركن جانب الشيء الأقوى الذي لا يتم إلا به، لا يمكن أن يرخص لشخص عن الوقوف بعرفة، فدل على أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وليس بركن، وليمس بمستخب كما يقول بعضهم.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها. [متفق عليه].
يقول -رحمه الله تعالى-:
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﵊ لما جاء إلى مكة: عام الفتح، دخلها من أعلاها: من ثنية يقال لها كداء -بالفتح والمد- من أعلاها، وخرج من أسفلها: من كُدى -بالضم والقصر- هناك محل ثالث يقال له تصغير كُدَيْ.
المقصود أن الدخول إلى مكة من أعلاها والخروج من أسفلها، هذا ما فعله النبي ﵊ وهل هذا الأمر مقصود شرعاً فيستحب أو ليس بمقصود؛ لأنه هو طريقه وهو الأيسر له ﵊؟
الدخول من الأعلى يتطلب النزول إليها وهذا سهل، بينما الخروج من أسفلها أيسر، لو صار العكس لو دخل من الأسفل وخرج من الأعلى لتطلب ما يشق عليه، ويجور عن طريقه، فمن رأى إلى هذه المسألة من هذه الحيثية قال هذا حصل اتفاقاً، فالحاج يفعل الأرفق به، ومنهم من يقول أن الدخول من أعلاها يقتضي أن يدخل إلى البيت مستقبلاً البيت، وبعضهم يستحب هذا، ويقول الحنابلة وغيرهم يستحب دخول مكة من أعلاها، والمسجد من باب بني شيبة، يعني كما فعل النبي ﵊، ومنهم من يقول يفعل الأرفق ولا يترتب عليه شيء.
стр. 1889
الدخول من الأعلى من ثنية كداء بالفتح والخروج من كدى بالضم، ولذا يقولون افتح وادخل، واضمم واخرج، ومثل هذا الكلام يوردونه لضبط الكلمات، لضبط بعض الكلمات التي تحتاج إلى ضبط تضبط بمثل هذا؛ لأن الضبط بالشكل يعتريه ما يعتريه، ومع تناقل الرواة يحصل فيه التصحيف، لكن إذا قيل مثل هذا خلاص انضبطت الكلمة ما تحتاج إلى شكل ولا غيره، افتح وادخل واضمم واخرج، يقول عثمان بن حرام، أو حرام بن عثمان بلفظ ضد الحلال، خلاص ما فيه أحد بيقول حزام ولا خزام ولا أبداً؛ خلاص انضبطت ولهم تصرفات في ضبط الكلمات تدل على عنايتهم بها، التصحيف والتحريف ما يتطرق إلى اللفظ يتطرق إلى المعنى يتبعه المعنى، فعلى طالب العلم أن يعنى بالضبط، ولذا يرى جمع من أهل العلم أن كل كلمة تضبط، وكل حرف يضبط؛ لأن التبين وعدمه أمور نسبية، يعني تكون هذه الكلمة واضحة عندك تقرؤها قال بدون إشكال، لكن يأتي من يقرؤها على غير هذا، لكن الأكثر من أهل التحقيق على أنه إنما يُشْكَل المشكِل، وبقية الكلمات ما تحتاج إلى ضبط.
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ . [متفق عليه].
وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- انه كان: ابن عمر، لا يقدم مكة: لا يقدم إليها، ويرد عليها، إلا بات بذي طوى: ذي طوى مكان معروف من أحياء مكة، في المناسك عند المتأخرين يقولون: هو المكان المعروف الآن بالزاهر.
إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل: الطرق كانت وما زالت طويلة، لكن الوسائل بعض الناس بهذا المبيت وهذا الانتظار للصبح والاغتسال يذهب إلى مكة ويؤدي النسك ويرجع إلى بلده، لكن لطول المسافات ومشقة الانتقال بين البلدان يحتاجون لمثل هذا، الآن بإمكانك تحضر الدرس بعد العشاء وتروح إلى مكة وتصلي الصبح هناك وتؤدي النسك وترجع بكل راحة في الفترة التي بات فيها ابن عمر.
стр. 1890
النبي ﵊ صلى بذي الحليفة خمسة أوقات، وبعض الناس يتصور هذا في زمن الذي يعيشون فيه الآن زمن السرعة والعجلة وزمن يسمونه زمن الاتصالات والتقارب، بإمكانه الخمسة الأوقات يؤدي النسك ويرجع، لكن هناك فوائد تترتب على مثل هذا التريث وهذا التأني؛ لأن وجوده ﵊ في ذي الحليفة مثل وجوده في المدينة، هو القدوة والأسوة هنا وهناك، وأفعاله شرع ﵊ يمكن بعض الناس نسي حاجة ضرورية في المدينة بإمكانه أن يرجع ويأخذ أو يوصي أو يفعل ما يشاء، فهذه العجلة التي توجد الآن بين الناس ما لها مبرر، يعني هم مستعجلون على أي شيء على أيش؟
نعم جاء في السفر وأنه قطعة من العذاب، ويمنع الإنسان نومه وراحته، لكن يبقى أن العجلة التي يستعملها الناس!! بعض الناس يحتاج إلى راحة ولا يرتاح، يحتاج إلى راحة ويعرض نفسه للخطر ويقول لا زمن السرعة حتى توطن الناس على هذا وتربوا بحيث لو وجد أدنى عائق لهم ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، تجد كثيراً من الناس إذا أراد أن يلف يمين -والأصل أن اليمين ما يحتاج إلى انتظار- وجد أمامه سيارة ضاقت به الدنيا كأن القيامة قامت، والسبب هو هذه السرعة المتلاحقة التي تربى الناس عليها، أعمر وقتك بطاعة الله واذكر الله وسبح بهذه المدة ولا يفوتك شيئاً، لكن الناس تربوا على هذا، وإذا ركب السيارة كأن وراءه سبع أو عدو أو حريق أو شيئاً من هذا، ثم إذا وصل إلى المكان الذي يريد لا شيء، والله المستعان يبيت بذي طوى حتى يصبح ويغتسل والدنيا ملحوق عليها، يؤدي العبادة براحة وطمأنينة بعد أن أخذ ما يكفيه من الراحة، ليس معنى هذا أن الإنسان يضيع وقته بنوم وروحات وجيات ويجعل الطريق أيام من أجل أيش؟ لا هذا ولا ذاك؛ المسألة تحتاج إلى توسط، لا عجلة تشبه عجلة المجانين ولا أيضاً تريث يضيع الأوقات بدون فائدة، أقصد من هذا أن الإنسان يلزم الهدوء والطمأنينة والرفق في أموره كلها، ويتوسط أيضاً في أموره كلها، يصبح ويغتسل.
стр. 1891
ويذكر ذلك عن النبي ﵊: يعني من فعله ويرفعه إلى النبي ﵊ فيستحب فعل مثل هذا لا سيما إذا كان تعقب هذا السفر تعب يحتاج معه إلى راحة.
منهم من يرى أنه لا يدخل مكة بالليل حتى يصبح أخذاً من هذا الحديث، لكن المسألة مسألة حاجة إلى الراحة وعدمها؛ لأن النبي ﵊ دخل مكة من الجعرانة ليلاً.
وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يقبل الحجر الأسود ويسجد عليه، [رواه الحاكم مرفوعاً والبيهقي موقوفاً].
أما بالنسبة للتقبيل فهو ثابت عن النبي ﵊ وجاء الحث عليه وأن الحجر الأسود يمين الله، المقصود أن له فضائل، وهذا الحديث اختلفوا في رفعه ووقفه، هل هو موقوف على ابن عباس من فعله، أو هو مرفوع إلى النبي ﵊ والوقف هو المتيقن.
وعنه ﵁ قال: "أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعاً ما بين الركنين" [متفق عليه].
وعنه: يعني ابن عباس ﵄، قال أمرهم النبي ﵊: أمرهم، والأصل في الأمر الوجوب، والرمل عند عامة أهل العلم مستحب، فالأمر هنا أمر ندب.
أن يرملوا: بمعنى أنهم يهرولون في الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا الأربعة الباقية، وأن يمشوا ما بين الركنين، وهذا في عمرة القضاء؛ لأن المشركين مما يلي الحجر، لا يرونهم إذا مشوا بين الركنين، وعرفنا أنه في حجة الوداع استوعب من الركن إلى الركن الشوط كامل بالرمل، والعلة التي من أجلها شرع الرمل ارتفعت، وبقي الحكم كعلة القصر سببها الخوف ثم ارتفع الخوف وأمن الناس واستمر الحكم.
حديث ابن عمر ﵄ أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً، وفي رواية رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة" متفق عليه.
стр. 1892
يعني هو بمعنى حديث ابن عباس، لكن الذي يرجح عدم وجود حديث ابن عمر في الأصل في البلوغ قوله في الحديث الذي يليه: وعنه، يعني لو كان حديث ابن عمر ثابت لقال: وعن ابن عباس ما قال وعنه، وإلا اقتضى قوله وعنه أي عن ابن عمر وهو يريد حديث ابن عباس في الذي بعده، فهذه قرينة على أن حديث ابن عمر لا يوجد في النسخ الأصلية، يعني وجد في بعضها دون بعض لكن يبقى أنه مرد الضمير إلى ابن عباس الذي هو راوي حديث الذي قبل الذي قبله، نعم يدل على أن حديث ابن عمر ما هو موجود، وإلا لصرح بذكر ابن عباس، وقال في الحديث الذي يليه وعنه.
انظر في الكتاب الحديث الذي يليه وعنه مقتضاه أنه عن ابن عمر، لو وجد هذا الحديث لكان المقتضى أن يكون ابن عمر، لكن مع عدم هذا الحديث يصح أن يقول وعنه ويريد ابن عباس راوي الحديث الذي قبله.
على كل حال حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما يقول ﵄ أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، يعني أول ما يقدم مكة -سواء كان طواف عمرة أو طواف قدوم- فإنه يخب ثلاثاً يرمل يهرول يسرع ثلاثاً ويمشي أربعة ثلاثة أشواط ويمشي أربعة، وفي رواية رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أشواط في البيت ويمشي أربعة، وهذا الحديث يغني عنه الحديث الذي قبله ولذا لا يوجد في كثير من النسخ.
وعنه ﵁ قال: "لم أر رسول الله ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين" [رواه مسلم].
وعنه: يعني عن ابن عباس، وذكرنا أنه لو كان حديث ابن عمر موجود لما قال وعنه، لأعاد صرح، قال وعن ابن عباس، وإلا لاقتضى أن يكون هذا الحديث عن ابن عمر؛ لأنه أقرب مذكور.
стр. 1893
وعنه ﵁ قال: لم أرَ رسول الله ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين: وهما الركنان الباقيان على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الركنين الآخرين؛ فإن قريشاً لما بنوا البيت قصرت بهم النفقة فقصروا به دون القواعد وبقي جزء من البيت دون قواعد إبراهيم، معروف بالحجر ستة أذرع تقريباً من البيت لكن قصرت بهم النفقة، ولذا قال النبي ﵊: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت البيت وأعدته على قواعد إبراهيم)) هذه أمنيته ﵊ ومنعه من ذلك التشويش على الناس واضطرابهم ودخول الشك إلى بعضهم، ولذا ينبغي أن يجتنب مثل هذا التصرف إذا خيفت المفسدة، وأي بيت أعظم من بيت الله، فإذا خشيت المفسدة يترك الأمر على ما كان. يستلم الركن اليماني والركن الذي يليه الذي فيه الحجر، ويقال لهما اليمانيان من باب التغليب، وبعضهم يستلم الأركان الأربعة ويدعي أنه لا يهجر شيئاً من أركان البيت، لكن الاقتداء به ﵊ هو الأصل فيبقى أن الاستلام لهذين الركنين، أما استلام الركن الذي فيه الحجر تقبيل الحجر واستلامه والإشارة إليه والتكبير عند محاذاته هذا كله ثابت، وفي هذا الركن أكثر من مزية؛ كونه على قواعد إبراهيم وكونه فيه الحجر، الركن الذي قبله هو على قواعد إبراهيم ولذا من تمكن أن يستلمه استلمه، وإلا لا يفعل غير ذلك، لا يشير ولا يكبر؛ لأنه لم يثبت في حقه إشارة ولا تكبير، لكن إذا أمكن استلامه فالنبي ﵊ استلمه، أما الأركان الباقية فليست على قواعد إبراهيم ولذا لا تستلم ولا يشار إليها غير الركنين اليمانيين بتخفيف الياء، والأصل في ياء النسب أنها مشددة: ياء كيا الكرسي زيدت للنسب، يعني مشددة والياء هنا ياء نسب، وينصون على أنه لا بد من التخفيف؛ لأن الألف قامت مقام إحدى اليائين، الحرف المشدد عبارة عن حرفين وإلا لو قلت اليمني أو اليمنيين لا بد من التشديد، الألف هذه المزيدة قامت مقام الياء التي حذفت مع التخفيف، الأصل أن ياء النسب مشددة تقول ابن تيميّة وإلا ابن تيمية؟ تيميَّة ياء نسب.
стр. 1894
فكونه لا يستلم من البيت غير هذين الركنين فلا يستلم بقية الأركان ومن باب أولى غيرهما، فلا يمسح مقام ولا يمسح باب ولا يمسح عمود ولا شيء، كل هذه من البدع المحدثة بل من وسائل الشرك وادعاء النفع من غير الله -جل وعلا-.
امرأة تقبل وتتمسح بالمقام يقال لها هذا شبك حديد يعني جيء به من المصنع جديد بعد، ما ينفع، تقول عندكم ما ينفع وإلا عندنا ينفع، هذا هو ردها نسأل الله السلامة والعافية.
ونحن نعيش ولله الحمد في تحقيق للتوحيد بسبب الدعوة المباركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وإلا أهل هذه البلاد وغيرهم كلهم دخلهم ما دخل لكن التجديد الذي قام به الإمام المجدد -رحمة الله عليه- ما زلنا نتفيأ ظلاله ونرجو الله -جل وعلا- أن يديم هذه النعمة التي هي السبب الحقيقي للأمن، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاَ﴾ لماذا؟ ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور].
فالشرك هو السبب الحقيقي لاختلال الأمن، ويأتي الوافدون إلى هذه البلاد ببدعهم وشركهم أحياناً الشرك الأكبر، والمأمول أن تكثف الجهود لنفعهم ودعوتهم والحيلولة أيضاً بينهم وبين شركهم؛ لأنه أعظم المنكرات وإنكاره من أوجب الواجبات، فلا يستلم غير هذين الركنين، نعم، ولذا أردف الحافظ هذا الحديث في الاستلام قول عمر -رضي الله تعالى عنه- بعد أن قبل الحجر.
طالب:. . . . . . . . .
لا هو من رواية ابن عباس وعن ابن عباس والشارح نص على هذا.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟ هو مروي عن ابن عمر هذا اللفظ، لكن ما هو بنفس اللفظ يعني، المقصود أنه جاء من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس لكن قوله وعنه والشارح نص على أنه ابن عباس يدل على أن حديث ابن عمر أيضاً، حديث ابن عمر ترى لا حاجة إليه زايد.
وعن عمر ﵁ أنه قبل الحجر الأسود وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" [متفق عليه].
стр. 1895
مناسب جداً أن يردف الكلام السابق والأحاديث السابقة بمثل هذا؛ لئلا يرد على بعض القلوب أن الحجر ينفع، للعناية به والاحتفاء به فالنصوص الصحيحة الصريحة قد يقول قائل إنه ينفع ولولا أنه ينفع ما أمرنا بتقبيله ولا مسحه ولا، أردفه بقول عمر -رضي الله تعالى عنه- بعد أن قبل الحجر:
إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع: فالنافع والضار هو الله -جل وعلا- لا غيره، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك: هذا اقتداء وائتساء بالنبي ﵊ هذه أمور شرعية يقتدى بها، لكن حق الله -جل وعلا- لا بد من العناية به والتنبيه عليه، وهذا من احتياطه -رضي الله تعالى عنه- واهتمامه بحماية التوحيد وسده الذرائع الموصلة للشرك.
يذكرون عن علي ﵁ أنه لما قال عمر هذا الكلام قال فيما يرويه الأزرقي: "بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع" وهذا لا يصح ولا يثبت عن علي، ولا يمكن أن يقول علي ﵁ الإمام الموحد مثل هذا الكلام؛ الذي نشأ على التوحيد وما سجد لغير الله -جل وعلا- يمكن أن يقول بلى يضر وينفع ليس بصحيح، بل هذا من وضع من أشربوا عبادة غير الله -جل وعلا- من الأحجار وغيرها، كما قال أمير المؤمنين وهو في الصحيحين: "لا تضر ولا تنفع" هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة أن النافع والضار هو الله -جل وعلا- لا أحد يضر، ولو أن الأمة اجتمعت لنفع أحد لم يرد الله -جل وعلا- نفعه ما نفعوه بشيء، وبالمقابل لو اجتمعوا على ضره ما ضروه كما جاء في الحديث القدسي.
وعن أبي الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن" [رواه مسلم].
يقول: وعن أبي الطفيل: اسمه عامر بن واثلة آخر الصحابة موتاً على الإطلاق .. متى مات؟
سنة عشر ومائة، على رأس مائة سنة من قوله ﵊: ((ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة)) -يعني من مقاله إلى وفاة أبي الطفيل، هذا المرجح عند أهل العلم، ومنهم من يقول مات على رأس المائة- المقصود أنه آخر الصحابة موتاً -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-.
следующие страницы →