← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 22645

شرح عمدة الأحكام - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 466 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عمدة الأحكام كتاب الطهارة (٣) باب السواك - باب المسح على الخفين - باب في المذي وغيره - باب الجنابة الشيخ: عبد الكريم الخضير فمن ينقل كلام الناس من أجل الضرر هذا نمام، نعم إن كان قصده الإصلاح، سمع كلام من شخص أو عرف من حال شخص أنه يريد أن يرتكب ما يضر بالآخرين هذا لا كرامة يخبر عنه، كم موقف قال الصحابة: لأخبرن رسول الله ﷺ ، هذا فيما يخشى منه ضرر متعدي، لكن شخص لا ضرر منه متعدي، ولا يخاف منه، ينقل الكلام من أجل أن توغر الصدور عليه، ويناله من الضرر ما يناله، هذا يدخل في الحديث دخولاً أولياً، فيتقي الله المسلم في أن يلحق الضرر بالآخرين، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لا يجوز له النقل حتى. . . . . . . . . طالب:. . . . . . . . . نعم يدخل، إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة فلا مانع؛ لأن المصالح تقدر بقدرها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لكن إذا كانت المفسدة مغمورة بالنسبة للمصلحة التي يحققها مثل هذا النقل هذا مطلوب، وعرفنا من المواقف قال الصحابة لبعضهم: لأخبرن رسول الله ﷺ . . . . . . . . .، إما أن ينقل كلام بعض الناس وقد تسلط بعض السفهاء حتى على خيار الناس ينقلون كلامهم من أجل أن يوغروا بهم صدور من بيده الأمر من الحكام وغيرهم، هذه جريمة نسأل الله العافية. نعم إذا كان هناك ضرر متعدي يخشى من هذا الشخص لا كرامة له ينقل كلامه، ويحذر منه، لكن إذا كان ما هناك ضرر منه، فلا يجوز نقل كلامه، وهو داخل في النميمة، وقد نهى النبي ﷺ أن ينقل إليه الكلام ليخرج سالم الصدر لأصحابه، وهكذا ينبغي أن يتخذ موقف صارم من الذين يتكلمون في أعراض الناس، أو ينمون، ينقلون كلامهم من أجل الإفساد، الدفاع عن أعراض المسلمين فرض متحتم، فأعراض المسلمين حفرة من حفار النار كما يقول ابن دقيق العيد: "وقف على شفيرها العلماء والحكام" يعني لكثرة من يقع في أعراض العلماء، لكثرة من يقع في أعراض الحكام، وقفوا على شفير هذه الحفرة يدفعون من يقع في أعراضهم فيها، حفرة من حفر النار نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 72

((وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) والنميمة عرفنا أنها نقل الكلام من أجل الإفساد، فأخذ النبي ﵊ جريدة رطبة، وهذا نوع من أنواع الشفاعة منه ﵊، فشقها نصفين، رطبة، وكونها رطبة لما جاء في بعض الأخبار أن الرطب يسبح بخلاف اليابس، والتسبيح يخفف، فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، استغرب الصحابة فقالوا: يا رسول الله لما فعلت هذا؟ فقال: ((لعله))، لعله هذا رجاء منه ﵊ ((يخفف عنهما ما لم ييبسا)) وهذا خاص به ﵊، ليس لأحد من بعده أن يأتي إلى قبور فيغرس فيها مثل ما فعل النبي ﵊؛ لأنه ما يدريك أنه يعذب؟ وما يدريك أنه يخفف عنه بسبب صنيعك؟ وقد يقترن هذا الفعل بتزكية النفس، لكن من يستحق أن يفعل هذا الفعل كالنبي ﵊؟ لا، هذا ما فعله خيار الأمة، نعم أثر عن بعض الصحابة، لكن ما فعله الكبار كأبي بكر وعمر والتابعين لهم بإحسان ما فعلوا هذا، اجتهد بعضهم وفعل لكن هو اجتهاد في غير محله، فهذا خاص بالنبي ﵊ الذي أطلع على حقيقة ما في هذه القبور، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . الجريدة العسيب، عسيب النخل، العصا حق النخل هذا، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) وجاءت: ((غفرانك)) صحيح، إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)) هذا صحيح في الصحيح، ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) كل هذا صحيح، يحمد الله -جل وعلا- أن يسر له إخراج هذا الأذى الذي لو بقي في جسده لتسمم وضره، ويستغفر من فعله خلاف الأولى، هو ما فعل محظور، لكن هو فعل خلاف الأولى حيث ترك الذكر في هذه المدة اليسيرة التي قضى فيها حاجته، فدل على أن الإنسان ينبغي له أن يلزم الذكر، إذا ترك الذكر في هذا الظرف يستغفر؛ لأنه ترك الذكر، ترك ما أمر به، فيستدرك ما فاته في هذه المدة، نعم. باب السواك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)).

стр. 73

نعم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) وفي رواية علقها البخاري: ((عند كل وضوء))، فالسواك: هو استعمال ما يزيل الأوساخ التي على الأسنان من عود رطب ونحوه هذا سنة مؤكدة، ولولا ما خشيه النبي ﵊ من المشقة على أمته، وهو بهم رؤوف رحيم ﵊، شفيق على أمته، بُعث ميسراً بالحنيفية السمحة، فلولا هذه المشقة المترتبة على الأمر الذي هو على جهة الوجوب لأمرهم أمر وجوب، فالأمر أمر استحباب موجود، ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) يعني أمر وجوب أما أمر الاستحباب فهو ثابت، فالسواك مستحب. ((لولا أن أشق)) (لولا) حرف امتناع لوجود، امتنع الأمر أمر إيجاد السواك لوجود المشقة، جاء الحث على السواك، والحض عليه، وبيان أنه مطهرة للفم، مرضاة للرب، أمر الاستحباب موجود، وفعله ﵊ يدل على أنه مستحب، وسياق الحديث يدل على أنه مستحب، والأمر المنفي هو أمر الوجوب، وهذا الحديث من أقوى الأدلة على أن الأمر الأصل فيه الوجوب، فمثل هذا الحديث، ((لأمرتهم)) انتفى الأمر، والمراد به أمر الوجوب، إضافة إلى قوله -جل وعلا-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور] فرتب العقوبة على مخالفة الأمر فدل على أن الأمر الأصل فيه الوجوب. ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) السواك يطلق على الآلة التي يستاك بها من عود ونحوه، ويطلق أيضاً على الفعل الذي هو التسوك، وجمع السواك؟ هاه؟ سُوُك، جمع السواك سُوُك، بعض الناس يقولون: مساويك، المساويك هذه .. ، مساويك تقابلك محاسنك، لا، جمع السواك سُوُك، كتاب: كتب، نعم كتاب جمعه: كتب، سواك جمعه سُوُك، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . أفعلة هذه جمع قلة.

стр. 74

((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) ((عند كل صلاة)) العموم يقتضي استحباب السواك عند جميع الصلوات المفروضة والنوافل، الصلاة العادية ذات الركوع والسجود، صلاة الكسوف، صلاة الاستسقاء، صلاة العيد، صلاة الجنازة وغيرها يؤمر بالسواك. وجاء في الحديث الذي صححه بعضهم وهو لا يصل إلى درجة الصحيح أن الصلاة بالسواك عن سبعين صلاة، الصلاة بالسواك عن سبعين صلاة، وكثير من الناس يفرط في هذا، أمر الاستحباب ثابت، ((عند كل صلاة)) يعني في جميع الأوقات، بما في ذلك صلاة الظهر والعصر بالنسبة للصائم، أما كراهية السواك للصائم بعد الزوال فالخبر فيه ضعيف جداً، وهذا الحديث وما جاء في معناه من كونه ﵊ كان يستاك وهو صائم، يدل على أن السواك لا يمنع في أي وقت من الأوقات، وما يقوله من يمنع السواك للصائم بعد الزوال وأنه يذهب الخلوف الذي هو عند الله أطيب من ريح المسك لا قيمة له؛ لأن الخلوف لا ينبعث من الفم، ينبعث من المعدة، ولا ينبعث من الفم، فالسواك لا يزيل هذا الأثر الطيب المحمود شرعاً، وما جاء في ذلك من الخبر فهو ضعيف، فالسواك مستحب عند كل صلاة، وعند كل وضوء كما علقه البخاري ﵀ بصيغة الجزم. يستحب أيضاً السواك عند تغير الفم، وعند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند طول السكوت، في مواضع كثيرة ذكرها أهل العلم، بعضها لها ما يدل عليه بخصوصها، وبعضها بالقياس، نعم. من نظر إلى العلة قال: يثبت فضل السواك بكل ما يزيل الأوساخ من خرقة أو منديل أو أصبع خشنة، والذي نظر إلى اللفظ قال: السواك لا ينصرف إلا إلى العود الذي يتسوك به، لكن من نظر إلى العلة ولم يكن في حضرته سواك في ذلك الوقت واحتاج أن يستعمل أصبعه للإزالة يحصل له -إن شاء الله- الأجر، نعم. وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". يشوص معناه: يغسل، يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه إذا غسله.

стр. 75

"عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ " وكان في الأصل تدل على الاستمرار هذا الأصل "إذا قام من الليل" يعني من نوم الليل، والنائم لا شك أنه يتغير الفم، تتغير رائحة الفم من طول السكوت وإطباق الشفتين، ولما يتصاعد من الأبخرة من المعدة، تتغير رائحته، ووتراكم الأوساخ على أسنانه من جراء ما ذُكر، فكان النبي ﵊ إذا قام من الليل يشوص، يشوص يعني يدلك ويغسل، غسل كل شيء بحسبه، "يشوص فاه بالسواك" يعني يدلك فاه بالسواك، وغسل الفم يكون بدلكه بالسواك، وإذا كان مع الوضوء فهو أكمل، ولذا جاء الأمر بالسواك، أمر استحباب مع كل وضوء على ما ذكرناه، نعم. وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري, ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ بصره فأخذت السواك فقضمته فطيبته, ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استناناً أحسن منه, فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ : رفع يده أو إصبعه ثم قال: ((في الرفيق الأعلى)) ثلاثاً، ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي. وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه, وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم. هذا لفظ البخاري ولمسلم نحوه. عائشة ﵂ تذكر أنه ﵊ في آخر عمره ﵊، بل في آخر لحظاته يحرص على هذه السنة العظيمة التي هي الاستياك. قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر" تعني أخاها "على النبي ﵊ وأنا مسندته إلى صدري" لأنه ﵊ في آخر أيامه لا يثبت بنفسه لما فيه من مرض، كان ﵊ يوعك ويشتد به الألم كما يوعك الرجلان منكم، يعني ضُعف عليه المرض والألم، يقول ابن مسعود ﵁: ذلك أن لك أجرين؟ قال: ((أجل)) اللهم صل على محمد.

стр. 76

وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، يعني يستاك به، سواك رطب يستاك به ﵁ وأرضاه-، "فأبده رسول الله ﷺ بصره" حدد إليه النظر، وعرفت عائشة ماذا يريد؟ من اشتغل بخدمة إنسان عرف ما يحبه ذلك الإنسان وما يكرهه، وإلا الذي لم يشتغل بالخدمة، ولم يلتصق بالمرء لا يعرف ما يريد بمجرد نظر، فهي عرفت من خلال المعاشرة والمخالطة أن النبي ﵊ يحب السواك، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، قضمته لينته للنبي ﵊، ويحتمل أنها قضمته لتقطع القسم الذي استاك به أخوها، المقصود أنه محتمل، ومعلوم أن سؤر الآدمي طاهر، نعم قد يستقذر، لكن يحتمل أنها قضمته يعني قطعت منه الجزء الذي استعمله أخوها.

стр. 77

فقضمته فطيبته, بما تطيب رائحته، ثم دفعته إلى النبي ﵊ فاستن به، أعطته إياه، استن به يعني استاك به، "فما رأيت رسول الله ﷺ استن استناناً أحسن منه" ﵊، حرصاً على هذه السنة، والموفق لا يفرط بشيء من السنن حتى في أحلك الظروف والأحوال، وكثير من الناس يشاهدونه في الأوقات التي تضيق بالنسبة له، يهدر كثير من الواجبات فضلاً عن السنن، يتخفف من الواجبات لأدنى سبب، ويعذر نفسه بأدنى عذر عن الواجبات يتخفف، يقول: الله غفور رحيم، لأدنى عذر، يصاب بزكام فيترك الصلاة مع الجماعة، وعكة خفيفة يترك الصلاة، يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، يقول: الله غفور رحيم، نعم الله غفور رحيم، رحمته وسعت كل شيء، كتبها لمن؟ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [(١٥٦) سورة الأعراف] لمن؟ للمفرطين الذين يزاولون المنكرات؟! ويعتمدون على سعة رحمة الله؟! لا، هو غفور رحيم كما أخبر عن نفسه -جل وعلا-، لكنه مع ذلكم شديد العقاب، والله يغار، ولذا حدت الحدود، يزني الزاني ويقول: الله غفور رحيم، ويسرق السارق ويقول: الله غفور رحيم، رحمة الله -جل وعلا- لا تحد، وسعت كل شيء، لكن مع ذلكم هناك مع هذا الوعد وعيد، وعلى المسلم أن ينظر إلى النصوص مجتمعة، لا ينظر إلى الوعد فقط، فيصاب باليأس والقنوط، ويسلك مسالك الخوارج، ولا ينظر إلى نصوص الوعد معرضاً عن نصوص الوعيد فيسلك مسلك الإرجاء وينسلخ من الدين وهو لا يشعر، لا، على الإنسان أن يتوسط في أموره، كما هو مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة، النبي ﷺ ما فرط في هذه السنة، رغم ما يكابده من آلام وأوجاع، ومن عرف الله، وتعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، من أراد أن ينظر الشاهد على ذلك -الشواهد الحية على ذلك- يزور المرضى في المستشفيات، لا سيما من كانت أمراضهم شديدة مقلقة، بل ينظر إلى أماكن العناية، وينظر الفروق، دخلنا المستشفى مرة فإذا بشخص أكثر من ثمانين عمره، في آخر لحظاته على لسانه اللعن والسب والشتم، لا يفتر عن ذلك، كبير السن في آخر لحظاته، أين أنت؟ الله يفعل ويترك، يلعن باللعن الصريح،

стр. 78

وخرجنا من عنده وهو على هذه الحالة؛ لأنه عاش أيام الرخاء على هذه الحالة، وشخص بل أشخاص في العناية لا يعرف الزائرين ويُسمع القرآن منه ظاهر، يرتل القرآن ترتيلاً، وهو لا يعرف من حوله، مغمىً عليه، وكم من شخص في حال إغماء فإذا جاء وقت الأذان أذن، أذان واضح وظاهر، يسمع منه، وكم من شخص يلازم الذكر وهو في العناية، وترى علامات الذكر على وجهه، وقدم تجد، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، أما لأدنى سبب تعذر نفسك وتترك الواجبات فضلاً عن المستحبات، هذا في النهاية ما تجد شيء، ما تعان، كثير من طلاب العلم مع الأسف الشديد ليس لهم نصيب كما ينبغي من كتاب الله ، فإذا ذهب إلى الأماكن الفاضلة في الأوقات المفضلة في العشر الأواخر من رمضان في مكة يتفرغ للعبادة فيجلس من صلاة العصر إلى أذان المغرب يتعرض لنفحات الله في ذلك الوقت، يفتح المصحف لكن ليس له رصيد سابق طول عمره، يريد أن يستغل هذه الأيام، هل يعان على قراءة القرآن؟ ما يعان، ما يعان أبداً، هذا شاهد وحاضر، يعني موجود الشواهد، تجد شخص من خيار الناس يفتح المصحف بعد صلاة العصر بخمس دقائق ثم يغلق المصحف يمل، يتلفت يمين شمال لعله يشوف أحداً يقضي معه بعض الوقت ينفس عنه، في كربة ينفس عنك؟! لكن رأينا من ينظر في الساعة كيف تمشي بسرعة قبل أن يكمل ما حدده من التلاوة، حزبه الذي اعتاده، بعض الناس يقول: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) الحج أربعة أيام، يقول: لو الإنسان يخيط الشفتين خياطة ما عليه. . . . . . . . . لو سكت أربعة أيام؟ لكن هل يعان على السكوت وهو طول أيامه أيام الرخاء قيل وقال، والله ما يعان الإنسان، فعلى الإنسان أن يتعرف على الله -جل وعلا- في الرخاء ليُعرف في مثل هذه اللحظات، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [(٤) سورة الليل] في العناية شخص يلعن ويسب ويشتم وشخص يقرأ القرآن، يعني الله -جل وعلا- ظلم هذا ولطف بهذا؟ هذا ما قدم، وهذا ما قدم، والنتيجة أمامك، النبي ﵊ يكابد من المرض ما يكابد، ويحرص على تطبيق السنة ﵊.

стр. 79

"فما رأيت رسول الله ﷺ استن استناناً أحسن منه، فما عدا أن فرغ" مجرد ما فرغ رسول الله ﷺ "رفع يده أو إصبعه، ثم قال: ((في الرفيق الأعلى)) ثلاثاً، ثم قضى ﵊" مات، خرجت روحه الشريفة إلى باريها "وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي". الوهدة المنخفضة بين الترقوتين، والذقن معروف مكان اللحية. "مات بين سحري ونحري" وهذا من مناقبها ﵂. وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه, وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم" ﵊، "هذا لفظ البخاري ولمسلم نحوه". فعلينا أن نحرص أشد الحرص على الواجبات، وما تقرب أحد إلى الله بأفضل مما افترض عليه، ويحرص أيضاً على تطبيق السنن في الرخاء ليمكن منها في الشدة وليألفها وليتجاوز مرحلة الاختبار إلى مرحلة التلذذ بالطاعة والعبادة، يكون له نصيب من الذكر، من التلاوة، من الانكسار بين يدي الله ، ليعرف إذا احتاج فيما بعد، ليكتب له هذا العمل إذا مرض وعجز عنه، يستمر له هذا العمل، الحديث الأخير. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: أع، أع, والسواك في فيه كأنه يتهوع". حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب" يعني في كيفية الاستياك، كان النبي ﵊ يعجبه التيمن في سواكه، وعرفنا أن المراد به أنه يبدأ بشقه الأيمن وليس معناه أنه يستاك بيده اليمنى. يستاك بسواك رطب, قال: وطرف السواك على لسانه، يستاك بالنسبة للأسنان عرضاً، العرض من اليمين إلى الشمال، وبالنسبة إلى اللسان طول من طرفه إلى آخره، وهو على لسانه وهو يقول: أع، أع، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا إلا إذا وصل السواك إلى آخر اللسان، كأنه يتهوع، كأنه يريد أن يتقيأ، ولا يمكن أن يصل إلى مثل هذا المستوى إلا إذا كان السواك قد وصل إلى آخر اللسان، نعم. باب المسح على الخفين:

стр. 80

عن المغيرة بن شعبة قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر, فأهويت لأنزع خفيه, فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما". وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال فتوضأ ومسح على خفيه" مختصَراً. باب المسح على الخفين: والمسح مقابل الغسل، ولذا شروط الوضوء والأعضاء المفروض تطهيرها ورفع الحدث عنها منها ما يجب غسله بحيث يتردد الماء على العضو، ومنها ما يكفي فيه المسح، مما يجب غسله الوجه واليدين والرجلين، ويكفي في الرأس المسح، والرجل إذا كانت مكشوفة يجب غسلها، وسبق حديث: ((ويل للأعقاب من النار)) وجاء في الحديث: ((أسبغوا الوضوء)) وإسباغ الوضوء على المكاره، لكن من باب التخفيف يمسح ما يغطي القدم رفعاً للمشقة، وتيسيراً على الأمة، فإذا كان على القدم مما يستر المحل المفروض ما يغطيه من خف أو جورب فإنه يمسح، وقد ثبت المسح عن النبي ﷺ من طريق سبعين صحابياً، فهو متواتر، المسح على الخفين متواتر، ولا ينكره إلا مبتدع، ولذا يدخل أهل العلم مسألة المسح على الخفين في كتب العقائد؛ لأنه متواتر، ومنكر المتواتر معلوم أمره على خطر عظيم؛ لأنه مفيد للعلم القطعي.

стр. 81

فثبت عن أكثر من سبعين صحابياً أن النبي ﵊ مسح على خفه، من ذلكم حديث المغيرة، المغيرة بن شعبة قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر" سفر غزوة تبوك، "فأهويت لأنزع خفيه" أهوى وهوى إذا انحط من علو إلى سفل، ولذا جاء في الحديث الصحيح: وكان لا يرفع يديه إذا هوى للسجود، فأهوى المغيرة، نزل من علو إلى سفل، من أجل أن ينزع يخلع الخفين، خفي النبي ﵊؛ لأن المفروض غسل الرجلين، ولا يتم الغسل إلا بنزع ما عليهما مما يحول دون الغسل، فقال له النبي ﵊: ((دعهما)) يعني اتركهما، اترك الخفين على القدمين؛ لأن النبي ﵊ يريد المسح عليهما، وقد تحقق الشرط، ((فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما ﵊، ((دعهما)) اتركهما فلا تنزعهما، لماذا؟ لأنه يريد المسح عليهما، والشرط متحقق، لا بد أن يلبس الخفين على طهارة، ((فإني أدخلتهما طاهرتين)) حال كونهما طاهرتين، الآن الخف تدخل وإلا يدخل القدم فيهما؟ وطاهرتين حال من الخف أو من القدم؟ دعهما دع الخفين اللذين أراد نزعهما، ((فإني أدخلتهما)) يعني الخفين أو القدمين؟ نعم، ((أدخلتهما)) أدخلتهما إيش؟ أدخلت الخفين وإلا القدمين؟ ((فإني أدخلتهما)) يعني القدمين، ((طاهرتين)) يعني حال كونهما طاهرتين، ومقتضى الحال أن تكونا طاهرتين معاً، وبهذا يعرف ضعف قول من يقول: إنه يغسل الرجل اليمنى فيدخلها في الخف، ثم يغسل اليسرى فيدخلها في الخف، بل لا بد أن يدخلهما حال كونهما طاهرتين معاً.

стр. 82

لو افترضنا أن شخصاً توضأ ثم غسل الرجل اليمنى فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل اليسرى فأدخلها في الخف، يصح أن يقال: أدخلتهما طاهرتين؟ يعني معاً، هذا ظاهر اللفظ، أدخل واحدة طاهرة ثم أدخل واحدة طاهرة، إذن لو فعل ذلك ماذا يصنع؟ لو غسل اليمنى ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى فأدخلها الخف، يعني أدخل اليمنى قبل تمام الطهارة، أدخل اليمنى قبل تمام الطهارة، يقول أهل العلم: يلزمه أن ينزع الخف اليمنى ثم يلبسها، والذي يقول بجواز أن تغسل اليمنى وتدخل الخف ثم تغسل اليسرى يقول: مجرد نزع اليمنى من غير إحداث عمل يتعلق بالطهارة عبث، إيش معنى اخلع خفك ثم البسه؟ يقول: عبث، كيف عبث؟ لكن إذا أدخل اليمنى قبل تمام الطهارة يصح أن يقال: إنه أدخلهما طاهرتين؟ ما يصح، ظاهر اللفظ يقتضي أن تكونا معاً حال الإدخال طاهرتين، هذا ظاهر اللفظ، أما كونه يخلع خفه اليمنى ثم يلبسها ويقول: عبث؟ ليس بعبث، تحقيقاً لطهارة القدمين معاً.

стр. 83

يشترطون في الخف إضافة إلى ما ذُكر في الحديث إدخالهما والقدمان طاهرتين، أن يكون الخف ساتر للمحل المفروض؛ لأن ما بدا من المحل المفروض وانكشف فرضه الغسل، فعلى هذا لا يجوز المسح على الخف المخرق ولا على الرقيق الذي يصف المحل المفروض؛ لأن ما ظهر مما افترض غسله فرضه الغسل، ولا يكفي فيه المسح، وجمع من أهل العلم يرون أنه لا مانع من أن يمسح على الخف المخرق الشفاف وما لا يثبت بنفسه إلا بشده، وأن غالب خفاف الصحابة لضيق الحال عندهم من هذا النوع، المقصود أن الأصل في الطهارة غسل القدم، وهو المنصوص عليه في كتاب الله ، كون النبي ﵊ مسح على الخفين تخفيفاً على الأمة هذا شرع، شرع ملزم يجب العمل به، لكن هل معنى هذا أننا نتنازل عن الأصل؟ الأصل في القدم أن تغسل ظهر جزء من القدم يجب أن يغسل، فعلى هذا لا بد أن يكون الخف ساتر للمحل المفروض من غير شقوق ولا خروق، يسمى خف، حقيقته حقيقة الخف، لكن لو لم تكن حقيقته حقيقة الخف، من رآه ما قال عليه خف؟ شخص مشى في الطين إلى الكعبين ستر المحل المفروض بطين، ويبس هذا الطين، نقول: امسح عليه؟ وإلا اغسله؟ هذا ليس بخف، يغسل، لا بد أن يغسل هذا الطين، ويغسل المحل المفروض، لا بد أن يكون خف الممسوح عليه أو في حكمه مما يشق نزعه، وأن يكون ساتر، بمعنى أن يكون غير مخرق، ولا صفيق يستر المحل الفروض. أنكر المسح على الخفين طوائف من المبتدعة، لكن لا عبرة بقولهم مع ثبوته عن سبعين صحابياً عن النبي ﵊. وثبت من حديث جرير بن عبد الله البجلي، وإسلام جرير ﵁ بعد نزول المائدة التي فيها التنصيص على غسل الرجلين، فهل المسح ناسخ أو مبين؟ نقول: هل المسح ناسخ لغسل الرجلين أو مبين؟ نعم؟ نعم قدر زائد على ما جاء في كتاب الله ، يبين أنه في حالة لبس الخف يكفي المسح، وفي حالة نزعه يجب غسل الرجلين إلى الكعبين.

стр. 84

في هذا خدمة الكبير، وأنه لا يزري بالخادم، إذا كان ممن يستحق الخدمة، فالصحابة كلهم يخدمون النبي ﵊، كما سبق في حديث أنس: "كنت أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة" يخدمونه ﵊، المغيرة بن شعبة يهوي لينزع الخفين، ولا غرابة في ذلك ولا ضير، وليس هذا من استعباد الخلق كما يقال، بل هو من باب التشرف بخدمة هذا النبي الكريم ﵊. حديث حذيفة بن اليمان الذي يليه ﵄ قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال وتوضأ ومسح على خفيه"، في قصة، بال النبي ﵊ وتوضأ, ومسح على خفيه، فالمسح على الخفين متواتر، لا ينكره كما قلنا إلا طوائف من المبتدعة، الذين لا يستدلون بمثل هذه الأخبار، وإلا فهي أدلة قطعية ملزمة، مثبتة موجبة للعلم والعمل معاً، فلا ينكر مثل هذا الثابت إلا زائع نسأل الله السلامة والعافية. هناك مباحث تتعلق بالمسح على الخفين تُستقصى وتُستوعب من كتب الفروع، نعم. باب في المذي وغيره: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني, فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ)). وللبخاري: ((اغسل ذكرك وتوضأ)) ولمسلم: ((توضأ وانضح فرجك)). يقول -رحمه الله تعالى-: "باب في المذي وغيره" يعني مما يوجب الوضوء. "عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنت رجلاً مذاءً" يعني كثير المذي وهو ماء رقيق يخرج عند الملاعبة وعند التفكر والنظر، يخرج هذا الماء وهو رقيق نجس يجب غسله، وإن كانت نجاسته مخففة فيكتفى فيه بالنضح، المقصود أنه نجس بخلاف المني فهو طاهر.

стр. 85

يقول: "كنت رجلاً مذاءً" يعني كثير المذي، مذاء فعال صيغة مبالغة "فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني" نعم هو صهر النبي ﵊، زوج البتول فاطمة بنت الرسول ﵊، وعلى هذا ينبغي استعمال الأدب والحياء من الأصهار خلافاً لما يفعله كثير من الناس من نزع جلباب الحياء معهم فضلاً عن غيرهم، لا سيما وأن هذا المسئول عنه يتعلق بأمر خاص، يكون بين الرجل وزوجته في الغالب. "فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني, فأمرت المقداد بن الأسود" علي ﵁ أمر المقداد أن ينوب عنه بالسؤال، في سؤال النبي ﵊ عما يوجبه خروج المذي، فسأله, فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ)) فالمراد بالغسل هنا النضح، وليس المراد به المبالغة في تنظيف المحل لما جاء في صحيح مسلم: ((توضأ وانضح فرجك)) وللبخاري: ((اغسل ذكرك وتوضأ)) على أنه يمكن حمل رواية مسلم على أنه يغسل كغيره من النجاسات مع المبالغة في غسله وإزالته، ثم يتوضأ بعد ذلك، ثم بعد الوضوء ينضح فرجه؛ لأن المذي في الغالب لا ينقطع بسهولة، ما هو مثل البول، فيظن أنه يستمر حتى بعد الوضوء، فإذا نُضح الفرج، ونُضح السراويل، نعم يحال ما يظن خروجه عليه؛ لئلا يبتلى الإنسان بوسواس. على كل حال المذي نجس، ونجاسته ليست كنجاسة البول، لكن مع ذلكم يغسل وينضح الفرج منه، وبعضهم يقول: يُكتفى بالنضح.

стр. 86

لا معارضة بين رواية مسلم ((توضأ وانضح فرجك)) مع حديث بسرة: ((من مس ذكره فليتوضأ)) لا، لا معارضة بينهما لأن النضح يتم بدون مس، النضح هو مجرد الرش، ويتم بدون مس، يعني الجمع من الروايات أن يغسل الذكر كما يغسل منه سائر النجاسات كالاستنجاء، ثم بعد ذلكم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم بعد ذلكم ينضح فرجه وسراويله، لما جرت به العادة أن المذي لا ينقطع بسرعة، كما ينقطع البول، فلئلا يصاب الإنسان بالوسواس هل خرج شيء أو لم يخرج ينضح ذكره، فيحيل ما يحس به من رطوبة إلى هذا الماء المنضوح، وبهذا يحصل الانصراف عن التفكير في هذا الشيء؛ لأن المسالك كل ما غفل عنه الإنسان لزمت، وكل ما تذكرها وحرص عليها درت، فالإنسان ينضح فرجه ولا يلتفت إلى شيء خلاص، لا يقول: خرج ما خرج، تحيل ما تحس به من رطوبة إلى هذا النضح، ومثله من يخيل إليه أنه يخرج من ذكره شيء، بعض الناس يخيل إليه أنه توضأ ثم خرج منه، نزل منه شيء، انضح فرجك ولا تلتفت إلى شيء وبهذا تستطيع أن تقطع الوسواس؛ لأن الشيطان حريص على أن يدخل الخلل على المسلم في عبادته، أن يصرف المسلم عن عبادته إن استطاع وإلا أدخل الخلل عليه والنقص، فهو يوقع في نفسه أنه خرج منه شيء، وقد جاء التوجيه في الحديث الذي يليه، الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فوجهه أنه لا ينصرف لمجرد هذا التخييل، يخيل إليه أنه خرج من ذكره شيء لا ينصرف، وعلاج الوسواس يكون بالنضح، نعم. وعن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة, فقال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً, أو يجد ريحاً)). نعم يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 87

"عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني" راوي الحديث السابق، حديث الوضوء، وذكرنا أنه غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي حديث الأذان، "قال: شكي إلى النبي ﵊ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة" يخيل إليه وهذا الغالب في الباعث على هذا التخيل الحرص، يعني الغالب أن من يصاب بهذه التَخَيُلات والتَخْيلات والوساوس هو الشخص الحريص، الشخص الحريص هو الذي يبتلى بمثل هذه الأمور، لا سيما إذا استرسل مع الشيطان.

стр. 88

فيخيل إليه أنه يخرج من قُبله شيء، رطوبات تنزل، يخيل إليه أنه يخرج من دبره شيء رياح، لكن العلاج في عدم الالتفات إلى هذه التخييلات؛ لأن هذه شكوك، وبعضها أوهام، والأصل بقاء الطهارة، والشك لا يزيل اليقين، فعلى الإنسان ألا ينصرف حتى يتحقق، والوسواس من أوسع مداخل الشيطان على المسلم ليصرفه عن عبادته، وكم من شخص ترك الصلاة بسبب الوسواس، الباعث الحرص الشديد الذي لم يؤطر ويخطم بخطام الشرع، تجد الإنسان مع الجهل والحرص يصاب بمثل هذا، لكن لو كان عنده علم بهذه النصوص ما التفت إلى هذه الشكوك، ولا هذه الأوهام، والوسواس بلوى، مصيبة تجعل الإنسان في نهاية الأمر يترك الصلاة، لا سيما إذا تضرر في بدنه أو في دنياه، وقد يمكث الساعة يتوضأ والساعتين الثلاث، أحياناً يمكث خمس ساعات ويتوضأ، ويعيد، يتوضأ ويعيد، خرج ما خرج، نويت ما نويت، هذا مرض، ومثل ذلك في الصلاة، فيمضي وقته في ليله ونهاره كله في محاولة الوضوء في الصلاة، وأخيراً يقال له: لا تتوضأ ولا تصلي، خلاص في حكم المجانين،. . . . . . . . . يعني شخص يحاول صلاة العشاء ... ، الوضوء لصلاة العشاء، وصلاة العشاء إلى الثامنة صباحاً مثلاً، مثل هذا متى بيصلي الفجر؟ ولن ينتهي إلا بعد خروج وقت صلاة الظهر، وهكذا، مثل هذا كارثة، فإذا وصل الإنسان إلى هذا الحد لا بد أن يقال له: المشقة تجلب التيسير، لكن قبل ذلك نويت ما نويت توضأ بدون نية، مجرد قصدك للوضوء هذه النية، يقول: لا ما نويت، ولأدنى سبب يقطع الصلاة، هذا بلاء، فنتمثل مثل هذه .. ، الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً, أو يجد ريحاً)) يعني يتأكد؛ لأنه متيقن الطهارة، وقطعها وإبطالها مشكوك فيه، والشك لا يزيل اليقين، نعم. وعن أم قيس بنت محصن الأسدية أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره, فبال على ثوبه, فدعا بماء فنضحه على ثوبه, ولم يغسله". وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ "أن النبي ﷺ أتي بصبي فبال على ثوبه, فدعا بماء فأتبعه إياه. ولمسلم: "فأتبعه بوله ولم يغسله".

стр. 89

حديث أم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن الذي قال للنبي ﵊: اسأل الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت منهم)) "الأسدية أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ " الصحابة كانوا يأتون بأطفالهم الصغار إلى النبي ﵊، يدعو لهم، ويبرك عليهم، ويحنكهم، وهذا من حسن عشرته ﵊، ورأفته ولطفه بالصغار، مراعاةً لآبائهم وأمهاتهم هذه أتت النبي ﵊ بابن لها صغير لم يأكل الطعام، لهذا القيد، وهذا قيد معتبر وإلا جاء الإطلاق كما في حديث عائشة: "أتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه" والقيد في حديث أم محصن معتبر، والحد الفاصل أكل الطعام، إذا استقل بأكل الطعام فإن حكمه يختلف عما كان قبل أكل الطعام، ولذا قال: "إنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره, فبال على ثوبه, فدعا بماء فنضحه على ثوبه, ولم يغسله" ابن وهذا يخرج البنت، وقد جاء التفريق بين الذكر والأنثى في قوله ﵊: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) هذه جاءت بابن، وهذا قيد معتبر يخرج البنت، وجاء التفريق بينهما من حديث أبي السمح وغيره أن النبي ﵊ أنه قال: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) فالتفريق معتبر، وهو الصحيح، وإن قال بعضهم: إنه لا فرق بين الذكر والأنثى إذا لم يأكلا الطعام، وكونه لم يأكل الطعام قيد معتبر، خلافاً لمن يزعم أن الرش للذكور ولو كبروا، ولو أكلوا الطعام، والغسل للإناث، والصواب أنه لا بد أن يكون ذكراً، وأن لا يأكل الطعام، والتخصيص بالذكر، قالوا فيه: الحكمة والعلة والسبب أنه جرت العادة أن العرب يحبون الذكور أكثر من الإناث، ويكثرون من حملهم أكثر من الإناث، ويحصل البول بينهم كثيراً، فلو أمروا بالغسل لتضرروا ولشق عليهم بخلاف الإناث فإن حملهم لهن قليل، فلا يشق عليهم أن يغسلوا، وهذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن الشرع لا يفرق بين الذكر والأنثى.

стр. 90

منهم من قال: لأن بول الغلام ينتشر في مواضع، فإذا أمر بغسل جميع هذه المواضع شق، بينما بول الأنثى موضعه واحد ولا ينتشر وغسله لا يشق. "فبال على ثوبه, فدعا بماء فنضحه" أتبعه بالماء نضحاً، وفرق بين النضح والرش والغسل، ولم يغسله، فدل على أن بول الغلام الذكر الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة بخلاف الأنثى، وبخلاف الكبير. وفي حديث عائشة "أن النبي ﷺ أتي بصبي, فبال على ثوبه, فدعا بماء, فأتبعه إياه" أتي بصبي، هذا الحديث مطلق يقيده ما سبق "لم يأكل الطعام" فبال على ثوبه ﵊، فدعا النبي ﵊ بماء فأتبعه إياه رشاً ونضحاً، لا غسلاً كما تقدم. "ولمسلم: "فأتبعه بوله ولم يغسله" نعم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد, فزجره الناس, فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه". نعم بول الصبي نجاسته مخففة، وبول الكبير نجاسته مغلظة، ولذا أردف الحديث السابق بحديث أنس ﵁. قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد" الشرع يلاحظ لا يجمع بين المتفرقات والمختلفات، كما أنه لا يفرق بين المتماثلات، تطهير الثوب يختلف عن تطهير الأرض، فالثوب لو بال عليه كبير وجب غسله، وتنظيفه، لكن الأرض كيف تطهر الأرض؟ هل نقول: إن الأرض تطهر كما يطهر الثوب؟ لا، تطهير كل شيء بحسبه. الخف إذا وطئ فيها الأذى كيف تغسلها؟ إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب، ما يتلفه الماء إذا وقعت عليه نجاسة كيف يطهر؟ وقد نهى النبي ﵊ عن إضاعة المال، المقصود أن الشرع يلاحظ مثل هذه الأمور، فيفرق بين المختلفات، لكنه لا يفرق بين المتماثلات.

стр. 91

"وعن أنس ﵁ قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد" ناحية المسجد، زاوية من زوايا المسجد، "فزجره الناس, فنهاهم النبي ﷺ " وفي رواية: "جاء أعرابي فدخل المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم اغفر لي ومحمداً ولا تغفر لأحد معنا أبداً" قال النبي ﵊: ((لقد حجرت واسعاً)) فما لبث أن بال في طائفة المسجد، وبعض الروايات ترتب الدعوة على ما حصل من الصحابة من زجره، جاء فبال فزجره الناس فنهاهم النبي ﵊: ((دعوه)) ((لا تزرموه)) ((لا تقطعوا عليه بوله)) فقال: اللهم اغفر لي ومحمداً، وهذا أنسب، وإن كان في بعض الروايات تقديم الدعوة على ما حصل منه من بول. "جاء أعرابي" والأعرابي ساكن البادية، يقابله الحضري ساكن الحاضرة، جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد في ناحيته، فزجره الناس، يعني أغلظوا عليه القول، قاموا إليه فزجروه، لكن الرسول ﵊ بحلمه وعقله وعلمه نهاهم النبي ﵊ رفقاً بهذا الجاهل، فينبغي أن يرفق بالجاهل في تعليمه؛ ليكون أدعى إلى القبول، فنهاهم النبي ﵊ لئلا يتضرر هذا الشخص؛ ولئلا يعظم الضرر، ويزداد تنجيس المسجد، لما ترك وقضى حاجته وبوله في مكان واحد في جهة واحدة، أمر بذنوب من ماء فصب عليه انتهى الإشكال، لكن لو قطع عليه بوله وأمر بأن ينصرف عن المسجد تلوث بدنه وثيابه، ومواضع من المسجد، وأصيب بالضرر؛ لأن حبس البول مضر، فالنبي ﵊ الرؤوف الرحيم، إمام المعلمين، إمام الأئمة ﵊ هذا أسلوبه، وهذا تعامله مع الجاهل، والله المستعان. "فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه" الذنوب: هو الدلو، بذنوب من ماء، و (من) بيانية، في بعض الروايات: "بسجل من ماء" والسجل: هو الدلو الذي فيه الماء، "فأهريق عليه" يعني صب عليه، ويكفي هذا الفعل في تطهير الأرض، ولا يلزم تقليب التراب، ولا نقله وإخراجه من المسجد، يكفي أن يصب عليه الماء، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 92

الفرش لا بد من غسله، الفرش تغسل؛ لأن غسلها ممكن، أما الأرض كيف تغسل؟ ما لها إلا هذا، نعم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الفطرة خمس: الختان, والاستحداد, وقص الشارب, وتقليم الأظفار, ونتف الإبط)). عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الفطرة خمس)) وفي رواية: ((خمس من الفطرة)) وفي رواية: ((عشر من الفطرة)) على كل حال أخبر النبي ﵊ بالعدد ثم زيد عليه، لا يقال: حصرها في الخمس خطأ، لا؛ لأنه ما يمنع أن يكون النبي ﵊ أخبر بالخمس ثم زيد عليها، وقد أساء بعضهم الأدب في تعامله مع بعض النصوص، النبي ﵊ في الحديث الصحيح يقول: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال بعض الشراح: في هذا الحصر نظر، تنظر في كلام من؟ في كلام من لا ينطق عن الهوى، في كلام من؟ في كلام من لا ينطق عن الهوى، في هذا الحصر نظر؟ هذا سوء أدب، وغفلة شديدة، نعم تكلم في المهد سبعة، أخبر بالثلاثة، ثم زيد رابع ثم زيد خامس وسادس وسابع، أخبر بخمس ثم زيد على ذلك على العشر، بل زادت على العشر، الفطرة: هي بدء الخلقة أو الدين، بعضهم يقول: الفطرة الدين، وبعضهم يقول: الفطرة السنة المتبعة المتلقاة عن الأنبياء في الأديان، وبعضهم يقول: الفطرة بدء الخلق، الخلقة أو الدين، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [(٣٠) سورة الروم] ولذا يقول ابن عباس: "ما عرفت معنى فاطر حتى اختصم إلي اثنان في بئر، فقال بعضهم: هي بئري أنا فطرتها" يعني أنا ابتدأتها وحفرتها. وعلى كل حال مما فطر الله الناس عليه هذه الخمس، وغيرها من سنن الفطرة.

стр. 93

((الختان)) الختان: هو قطع ما على قلفة الرجل، ومن المرأة أيضاً يقطع ما يحتاج إلى قطعه، فالختان بالنسبة للرجال واجب، واجب اتفاقاً؛ لأنه لا يتم التطهير إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد جاء في الحديث: ((ألقِ عنك شعر الكفر واختتن)) جاء الأمر به، والنص الذي معنا يتناول الرجال والنساء فهو من سنن الفطرة، وأوجبه بعضهم بالنسبة للنساء كالرجال، ومنهم من اقتصر على كونه سنة، ومكرمة بالنسبة للنساء، وجاء فيه ما جاء فيه من النصوص: ((أشمي ولا تنهكي، فإنه أحظى وأنظر)) المقصود أنه مطلوب بالنسبة للمرأة كالرجل إلا أنه لا يجب مثل وجوبه على الرجال. وقد ثارت ثائرة من يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، وأن هذا تعذيب، لكن لا كلام لأحد مع ما جاء في شرع الله ، لا بالنسبة للرجال ولا بالنسبة للنساء، وهو بالنسبة للنساء مفيد جداً، يخفف الشهوة إذا كان مطلوب في سائر الأوقات ففي مثل هذه الظروف يتأكد التي وجد ما يثير الشهوات، لا شك أنه يخفف، وهو أحظى -كما يقولون- عند الزوج، وأنظر للمرأة، والله المستعان، ثارت ثائرة الكفار، ومن يردد كلامهم ومقاصدهم وأهدافهم معروفة، هذه البلاد التي يكثر فيها الختان للنساء يقل فيها الشر والفساد، رغم ما فيها من إباحية، لكنه يقل، يعني لو قدر أن مع هذه الإباحية ومع هذه الشرور والفتن ما وجد ختان لصارت المسألة أعظم وأعظم. الختان: هذا الختان يُرد على المرء عند إرادة البعث، ولذا يبعثون حفاة عراة غرلاً، يعني غير مختونين، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [(١٠٤) سورة الأنبياء]. ((والاستحداد)) يعني استعمال الحديدة، وهي الموسى في إزالة الشعر النابت حول القبل، شعر العانة يزال بالحلق، يحلق بالحديدة التي هي الموس، هذا من سنن الفطرة.

стр. 94

((وقص الشارب)) وجاء الأمر بإحفاء الشارب، وجاء الأمر بأخذ الشارب، وجاء الأمر بحلق الشارب، كما في سنن النسائي وغيره، على كل حال يبالغ في إنهاكه، وإن قال الإمام مالك: إن أخذه مثلة، على كل حال عندنا النصوص أن قص الشارب من الفطرة، وجاء الأمر بإحفائه، وإعفاء اللحية، وإكرم اللحية، ((أكرموا اللحى)) ((أعفو اللحى)) ((وفروا اللحى)) وكان النبي ﵊ كث اللحية، يعرفون قراءته باضطراب لحيته ومن خلفه، ثم يأتي من يأتي بتشريع أخذ ما زاد على القبضة، ومعلوم أنه إذا دخل المقص شيء أزاله مع التدريج، أنتم ترون من بدأ بأخذ ما زاد على القبضة زاد على ذلك، ثم بعد ذلك طال الأيمن، ثم أخذ من الأيسر إلى أن تنتهي اللحية، مع النصوص الصريحة الصحيحة التي تأمر بإعفائها وإكرامها وتوفيرها، وجاء في وصفه ﵊ أنه كان كث اللحية، الذي يأخذ من اللحية ما زاد على القبضة ترى لحيته من خلفه؟ ما يمكن أن ترى من خلفه، نعم ثبت عن ابن عمر أنه في النسك يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، لكن هذا فهمه لقوله -جل وعلا-: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [(٢٧) سورة الفتح] هو فهم من هذه الآية أن من تلبس بنسك يلزمه أن يجمع بين الحلق والتقصير، محلقين أو مقصرين، والحلق للرأس والتقصير لإيش؟ إذا حلق الرأس ويش يبقى؟ ما يبقى إلا اللحية، فكان يفعل هذا ويتأول هذه الآية، وذكر عن غيره من الصحابة، لكن العبرة بما ثبت عن النبي ﷺ ، وما جرؤ المسلمون على حلق لحاهم إلا بعد أن خالطوا الكفار؛ لما استعمرت البلاد الإسلامية، وأيضاً لما شاع عندهم مثل هذا القول، الأخذ من اللحية وما زاد على القبضة، ولا بد من ترتيبها، ولا بد أن يخرج الإنسان المسلم بمظهر يليق به، ويش صار؟ المسلمون على مر العصور لحاهم متوافرة، وأول من بدأ بحلق اللحية طائفة ضالة قد تنتسب إلى الإسلام وهي لا نصيب لها، قلندرية يقال لهم، ثم بعد ذلك اختلط الناس بالاستعمار وصاروا قدوات الكفار المستعمرين صاروا قدوات في بلاد الإسلام صاروا يقلدون على هذا، وساعد على ذلك نشر مثل هذا القول فدخل المقص، وإذا دخل المقص خلاص ما له حد،

стр. 95

حتى وجد من يدرس في كليات شرعية أن القبضة الأصبع، أصبع واحدة، والله المستعان. ((وتقيلم الأظفار)) الأظفار ما يكون على أطراف الأصابع من هذه المشبهة للغضاريف، وهي تصلب كلما زاد عمر الإنسان، لا سيما مع العمل والتعب، فإطالتها مؤذية من هذه الحيثية، ومن جهة أنها يجتمع تحتها الأوساخ، فمن الفطرة تقليم الأظفار، ونتف الآباط، الشعر الذي ينبت في الإبط، فهذه من باب التنظيف تنتف، ونتفها أولى من حلقها، كما أن حلق العانة والاستحداد أولى من نتفها؛ لأن الآباط تنبعث منها روائح كريهة بسبب اجتماع العرق، ونتفها يزيل هذه الأمور من أصلها، والاستحداد يبقي فيها ما يبقي من أصول الشعر مما يجتمع فيه الأوساخ، حدد وقت هذه الأمور، قص الشارب، تقليم الأظفار، ونتف الآباط على أن لا يزيد على أربعين يوماً، لكن لو طالت قبل الأربعين، قبل الأربعين طالت، بحيث يجتمع فيها من الأوساخ ما يمنع من وصول الماء في الوضوء إلى هذه الأماكن لتعين أخذها. ومثل الاستحداد ما يقوم مقامه مما يزيل الشعر كالنورة ونحوها، هناك أدهان معروفة يدهن بها الموضع ويزال الشعر، وحكمها حكم الاستحداد، نعم. باب الجنابة: عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: ((أين كنت يا أبا هريرة؟ )) قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك على غير طهارة، فقال: ((سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس)). نعم، الباب باب الغسل من الجنابة: الموجب للغسل هو الجنابة، وما في حكمها مما يكون سبباً لخروج المني من مخرجه المعتاد بلذة.

стр. 96

يقول: "عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب" جنب: متلبس بالجنابة، متلبس بجنابة موجبة للغسل، قال أبو هريرة: "فانخنست منه" انسللت، خنس تأخر، ولذا جاء في وصف الشيطان أنه وسواس خناس، يوسوس لمن غفل عن ذكر الله ويخنس ويتأخر عمن يذكر الله "فانخنست منه فذهبت" انخنس لئلا يجالس النبي ﵊ على غير طهارة، وهو متصف بالحدث الأكبر، فاغتسل، رفع الحدث، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: ((أين كنت يا أبا هريرة؟ )) لماذا تخلفت؟ لماذا تأخرت؟ لماذا انخنست؟ قال: "كنت جنباً فكرهت أن أجالسك" وهذا من احترام الصحابة للنبي ﵊، لكن الجنب طاهر ليس بنجس، طاهر من الخبث لكنه غير طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة إما أن تكون عن خبث أو تكون عن حدث، فيمكن أن يقال: إن الجنب طاهر غير طاهر، طاهر باعتبار أنه ليس بنجس، والمسلم لا ينجس، وهو أيضاً غير طاهر يعني غير متطهر، متلبس بالحدث، فالجهة منفكة، ما يقال: وصفان متناقضان، لا يمكن أن يطلقا على ذات واحدة في آن واحد، يمكن أن يطلقا على ذات واحدة في آن واحد؛ لأن الجهة منفكة. " ((أين كنت يا أبا هريرة؟ )) " قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة" كلام صحيح، هو على غير طهارة؛ لأنه محدث، "فقال النبي ﵊: ((سبحان الله)) تعجب، ((إن المسلم لا ينجس)) وقد جاء في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [(٢٨) سورة التوبة] والمسلم لا ينجس، والكفار والمشركون نجس، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [(٢٨) سورة التوبة] وهي نجاسة معنوية عند جمهور أهل العلم، وإن حملها بعضهم على أنها نجاسة حسية، والمسلم لا ينجس ولو تلبس بما يوجب الغسل، ففي هذا دليل على طهارة الجنب، طهارة سؤره إذا شرب من شيء طاهر، طهارة عرق الجنب، يجالس يؤاكل، لا بأس، جميع تصرفاته صحيحة، ولا تمنعه الجنابة إلا من مزاولة ما يفترض له الغسل، نعم. بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 97

وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه, وتوضأ وضوءه للصلاة, ثم اغتسل, ثم يخلل بيده شعره, حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته, أفاض عليه الماء ثلاث مرات, ثم غسل سائر جسده, وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد, نغترف منه جميعاً". يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة" يعني إذا شرع في غسله من الجنابة غسل يديه، كما أنه إذا أراد أو شرع في الوضوء غسل يديه ثلاثاً، وهنا: يغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة, قبل ذلك بعد أن يغسل يديه يغسل فرجه وما لوثه، يغسل اليدين ثم الفرج وما تلوث، ثم بعد ذلك ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وضوءاً كاملاً، وقد يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد الغسل والانتقال من المكان لا سيما إذا كان المكان غير نظيف، يعني محل الطين ونحوه، فينتقل منه إلى مكان آخر فيغسل رجليه، بعد أن يعمم بدنه بالماء. تقول: "كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه, ثم توضأ وضوءه للصلاة" مقتضى ذلك أنه يغسل رجليه، وجاء في بعض الروايات: أنه يؤخر غسل الرجلين، ولا يمنع أن يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً بما في ذلك غسل الرجلين، ثم يغتسل يعمم بدنه بالماء، ثم إذا خرج من المكان الملوث بالماء والطين يغسل رجليه، وبهذا تجتمع النصوص. "ثم يغتسل" ثم شرح هذا الغسل بأن يخلل بيديه شعره، يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يغسل شقه الأيمن ثلاثاً، ثم الأيسر ثلاثاً، "ثم يخلل بيديه شعره" ليصل الماء إلى أصول الشعر، التخليل بأن يدخل الأصابع في خلل الشعر فيتخلل فيصل الماء إلى أصول هذا الشعر، وعلى هذا إذا وجد ما يمنع من وصول الماء إلى الشعر مما يوضع على الرأس من دهن بحيث ينبو الماء عن الشعر، ولا يصل إلى أصوله يزال إذا لُبد على الرأس علاج مثلاً له جرم يمنع من وصول الماء إليه، أو حناء أو ما أشبه ذلك يزال، فيخلل بيديه شعره "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات" أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، "ثم غسل سائر جسده".

стр. 98

الغسل المجزئ تعميم البدن بالماء على أي وجه يكون، إذا عمم البدن بالماء ارتفعت الجنابة، لكن السنة أن يفعل هكذا يغسل يديه، يغسل فرجه وما لوثه، يخلل شعره بيديه، يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، يغسل شقه الأيمن ثلاثاً، ثم الأيسر ثلاثاً، هذا غسل كامل، "ثم غسل سائر جسده" يعني الباقي، والسائر هو الباقي، باقي الجسد. "وكانت تقول: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف منه جميعاً". "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ " (أنا) هذه جيء بها للفصل بين الضمير المرفوع وما عطف عليه، "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد" فدل على أنه لا مانع من أن يغتسل الرجل والمرأة جميعاً، يغترفان جميعاً، تغرف منه ويغرف، وكان كثيراً ما يقول: ((دعي لي)) وكثيراً ما تقول: "دع لي" تختلف أيديهما في الإناء. وجاء النهي عن أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، جاء النهي عن أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والعكس، لكن ثبت أن النبي ﵊ اغتسل وتوضأ بفضل ميمونة، واغتسل مع عائشة، وكان الرجال والنساء يتوضئون في عهد النبي ﵊ جميعاً فلا مانع من أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، والحديث الذي ذكر فيه كلام لأهل العلم، وأصرح منه وأصح أن النبي ﵊ اغتسل بفضل بعض نسائه. "نغترف منه جميعاً" تختلف أيديهم فيه، حتى يقول: ((دعي لي)) اتركي لي، وتقول: "دع لي" يعني اترك لي، نعم. وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة, فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثاً- ثم غسل فرجه, ثم ضرب يده بالأرض, أو الحائط, مرتين -أو ثلاثاً- ثم تمضمض واستنشق, وغسل وجهه وذراعيه, ثم أفاض على رأسه الماء, ثم غسل جسده, ثم تنحى, فغسل رجليه, فأتيته بخرقة فلم يردَّها" يُردْها، فلم يُردْها. "فلم يُردْها, فجعل ينفض الماء بيديه".

стр. 99

عن ميمونة بنت الحارث ﵂ أم المؤمنين زوج النبي ﵊ أنها قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ "، وأمهات المؤمنين أعرف الناس بهذه الأمور الخاصة من النبي ﵊، قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة" يعني الماء الذي يغتسل منه عن الجنابة وغيرها، الماء الذي يتوضأ به وضوء، الماء الذي يغتسل به وضوء، المقصود أنه ماء، "وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثاً-" وجاء بدون شك أنه غسل يديه ثلاثاً، "مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه" نعم لا بد من غسل ما على الفرج مما تلوث بسبب الجنابة، سواءً كانت من احتلام أو من زوجة، "ثم غسل فرجه, ثم ضرب يده بالحائط" نعم بالأرض, أو الحائط, من أجل أن تتنظف، فركها بالأرض، فركها بالحائط، وكذا لو استنجى من غير جنابة، من بول أو غائط يضرب بيده على الأرض، يمسح بها الأرض ليزول الأثر، "ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين -أو ثلاثاً-" على الشك، "ثم تمضمض واستنشق, وغسل وجهه وذراعيه, ثم أفاض على رأسه الماء" يعني توضأ وضوءاً غير كامل، توضأ غسل وجهه وذراعيه، يعني بعد أن تمضمض واستنشق غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، وهنا لم يذكر مسح الرأس، بينما أُخر غسل الرجلين، وتقدم البحث فيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل سائر جسده, غسل باقي الجسد، ثم تنحى, يعني انتقل من مكانه الذي هو فيه انتقل، إما لما في الأرض من أوساخ تسببت عن اختلاط الماء بالتراب، لا يتصور أن أماكن الغسل عندهم مبلطة، فيها ما يمنع من اختلاط الماء بغيره، لا، "ثم تنحى، فغسل رجليه, فأتيته بخرقة" منديل، لكي يمسح أثر الغسل "فلم يردْها, فجعل ينفض الماء بيديه" لم يردها، ما استعمل المنديل ﵊ هنا؛ لأن من توضأ ومثله من اغتسل تخرج ذنوبه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ولذا ينبغي أن لا يحرص الإنسان على التمسيح إلا إذا كان هناك حاجة، يعني إذا كان الجو بارد يتمسح، يتمندل، لا بأس، لكن إذا كان الجو طيب أو حار يترك الماء لتخرج ذنوبه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، جعل ينفض الماء بيديه،

стр. 100

يعني ينفضه عن يديه لينزل منها الماء، والله المستعان، نعم. وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم, إذا توضأ أحدكم فليرقد)). عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله أيرقد؟ -يعني أينام؟ - أحدنا وهو جنب؟ " متلبس بالجنابة، قال: ((نعم, إذا توضأ أحدكم فليرقد)). الأصل أن يغتسل ليبرأ من عهدة هذا الواجب، ويسارع إلى إبراء ذمته؛ لأنه ما يدري ما يطرؤ عليه، وهو أيضاً الجنب .. ، البيت الذي فيه جنب جاء الخبر أنه لا تدخله الملائكة، فعلى الإنسان أن يحرص على دخول الملائكة إلى بيته، إن لم يستطع أو عجز أو كسل عن الغسل لرفع هذا الحدث يتوضأ، وأيضاً الوضوء على سبيل الاستحباب عند جماهير أهل العلم. أيرقد أحدنا وهو جنب؟ ينام أحدنا وهو جنب؟ يسألون النبي ﵊، قال: ((نعم)) ينام أحدكم وهو جنب، ولا يلزم أن يغتسل، لكن إن خفف هذه الجنابة ولو بالوضوء كان أولى، نعم. وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم, إذا رأت الماء)).

стр. 101

وعن أم سلمة ﵁ أم المؤمنين زوج النبي ﵊ أنها قالت، مقدمة بين يدي سؤالها؛ لأن السؤال مما يستحيا منه غالباً، تستحيي منه النساء، فقدمت بين يديها مقدمة قالت: إن الله لا يستحيي من الحق, لا يستحيي بياءين، هذه مقدمة بين يدي السؤال الذي يستحيا منه، إن الله لا يستحيي من الحق، بياءين، فإذا دخل على الفعل يستحيي جازم حذف إحدى الياءين، فجاء في الحديث الصحيح: ((إذا لم تستحي)) ما هو بتستحيي، بياء واحدة، ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) باعتبار أن الكلمة فيها ياءين، لكن لو كانت ياء واحدة لحذفت مع الجازم، فقيل: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [(٢٦) سورة البقرة] وهنا قدمت بهذه المقدمة لكي تدخل إلى السؤال الذي تريده، وهكذا ينبغي أن يكون الأدب في الألفاظ التي قد يكون في التعبير عنها بصراحة شيء مما يخجل منه، لا سيما النساء اللاتي ينبغي أن يتصفن بالحياء، نعم الذي لا يمنعهن من التفقه في الدين، لكن لا ينبغي الاسترسال أيضاً في الكلام الفاحش البذيء ولو من الرجال، لكن النساء قد يكون الأمر بالنسبة لهن أعظم، وأما الرجال لا ينبغي أن يتفوهوا بالكلمات الفاحشة البذيئة. جرت عادة الشرع الكناية عن بعض الألفاظ التي يُستحيا من ذكرها، لكن إذا لم يكن هناك مفر من ذكرها وترتب عليها بعينها حكم شرعي لا بد أن تذكر، ولو كانت مما يستحيا منه. "إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ " إذا رأت في منامها أنها تجامَع، الرجل إذا احتلم يغتسل، لكن هل المرأة مثل الرجل تغتسل؟ قال: ((نعم, إذا هي رأت الماء)) علق الوجوب برؤية الماء.

стр. 102

فعلى هذا لو رأى الشخص أو رأت المرأة أنها يحصل لها شيء من ذلك في النوم، ولا رأت ماء، ولا أثر لذلك فإنه لا يلزمها الغسل، فالغسل معلق برؤية الماء، وفي الحديث: ((الماء من الماء)) الحديث الصحيح: ((الماء من الماء)) وإن كان بعضهم يرى أن هذا الحديث منسوخ، لكن إن أمكن حمله على حالة الجنابة فهو صحيح، وإن كان المقصود به بجميع الأحوال أنه لا غسل إلا مع خروج الماء فلا، فالحديث الصحيح: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ولو لم ينزل)) وحديث: ((الماء من الماء)) كما قال الترمذي: منسوخ. "فقال رسول الله ﷺ : ((نعم إذا هي رأت الماء)) " فعلق وجوب الغسل على رؤية الماء، والنساء كما هو معلوم شقائق الرجال، فما وجب على الرجل وجب على المرأة إلا ما خصه الدليل، والله أعلم. وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 103

عمدة الأحكام - كتاب الطهارة (٤) تابع باب الجنابة - باب التيمم - باب الحيض الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين برحمتك يا أرحم الراحمين. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه". وفي لفظ لمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه". الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تقول عائشة ﵂: "كنت أغسل الجنابة" يعني أثر الجنابة من المني "من ثوب رسول الله ﷺ " بهذا اللفظ يستدل من يقول بنجاسته؛ لأنها كانت تغسله، ولأنها يخرج من مخرج البول، "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة, وإن بقع الماء في ثوبه". اللفظ الثاني لمسلم ﵀: "لقد كنت أفركه" وهذا يستدل به من يقول بطهارته؛ لأن النجاسة لا يكفي فيها الفرك، بل لا بد من الغسل، وهنا الدليل صريح في أنه طاهر؛ لأن النجس لا يكفي فيه الفرك، وإنما يلزم غسله، والغسل في الرواية الأولى: "كنت أغسل الجنابة" لأنه مما تستقذر رؤيته في الثوب كالمخاط، فإذا كان رطباًَ يغسل ويزال ولو بإذخرة، ولو بعود، ولو بحجر، المقصود أنه يزال أثره من الثوب؛ لأنه مما يستقذر ويستقبح كالبصاق، والرواية الثانية وهي رواية الفرك تدل على طهارته؛ لأن ما كان نجساً لا يكفي فيه الفرك، بل يلزم غسله بالماء، والمسألة خلافية، لكن الراجح من خلال هذه النصوص أنه طاهر، لكنه باعتباره مما يستقذر ويستقبح رؤيته إن كان رطباً يزال بأي شيء ولو بالغسل، وإن كان يابساً يفرك ويزال ويحت بظفر أو بعود أو نحوه ليزول أثره، فقد قالت عائشة ﵂: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه".

стр. 104

وجاء عن ابن عباس أن النبي ﵊ سئل عنه فقال: ((إنما هو بمنزلة المخاط، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة)) يعني بعود شجرة أو شبهه، نعم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)) وفي لفظ: ((وإن لم ينزل)). نعم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا جلس)) يعني الرجل، ((بين شعبها)) يعني شعب المرأة ((الأربع)) يداها ورجلاها، وهذه كناية عن الجماع، وما يحصل بين الرجل وزوجته، ((ثم جهدها)) يعني جامعها، ((ثم جهدها فقد وجب الغسل)) يعني بمجرد التقاء الختان بالختان يجب الغسل، يعني ((ولو لم ينزل)) كما في لفظ مسلم، فالموجب للغسل هو التقاء الختان بالختان ولو لم يحصل الإنزال، وأما ما جاء في الحديث الصحيح: ((إنما الماء من الماء)) فهذا كان في أول الأمر ثم نسخ، ((إنما الماء من الماء)) يعني يحصل الإيلاج ويحصل التقاء الختان بالختان ولا غسل إلا بالإنزال؛ لأن الماء إنما يكون من الماء، الماء الذي هو ماء الغسل إنما يجب بالماء الذي هو الماء الخارج من أثر الجماع، مفهومه: أنه إذا لم يخرج شيء من أثر الجماع فإنه لا ماء، يعني لا غسل، وهذا كان في أول الأمر ثم نسخ، ونص على نسخه جميع الشراح، وإن قال بمفاده بعض الظاهرية، وأنه ما زال محكماً. وقال بعضهم: بأنه محمول على الاحتلام، على حالة الاحتلام يرى النائم أنه يجامع فلا يلزمه الغسل إلا إذا رأى الماء كما تقدم في حديث أم سلمة هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: ((نعم إذا هي رأت الماء)) فالماء الذي هو الغسل معلق برؤية الماء الذي هو الإنزال، وهذا في حال النوم فقط، أما في حال اليقظة فإذا التقى الختان الختان، فقد وجب الغسل، وإن لم ينزل كما جاء في هذا الحديث، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 105

الإيلاج نعم، الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- بعد أن خرج حديث: ((الماء من الماء)) بين أنه منسوخ، بعد روايته أشار إلى ذلك، وفي العلل التي في آخر جامعه قال -لما ذكر الحديث-: "وقد بينا علته في الكتاب" فأشار إلى أن النسخ علة، لكنها لا تقدح في صحة الحديث وإن كانت علة بالنسبة للعمل به، الترمذي سمى النسخ هنا علة، والعلة الأصل فيها ما يقدح في الحديث؛ لأنها يشترط نفيها لصحة الخبر، لكنها هنا لا تقدح في صحة الخبر، الخبر صحيح، لكنها تقدح في العمل به؛ لأن المعمول به إنما هو المتأخر من الأمرين، والمتأخر من الأمرين لزوم الغسل ولو لم ينزل، نعم. وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله, وعنده قوم, فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني, فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً, وخيراً منك -يريد النبي ﷺ ثم أمنا في ثوب. وفي لفظ: كان رسول الله ﷺ يفرغ الماء على رأسه ثلاثاً. الرجل الذي قال: ما يكفيني هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب أبوه محمد بن علي. عن أبي جعفر، جعفر هو الملقب بالصادق، وأبوه محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر، وأبوه علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، والحسين بن علي الجد سبط رسول الله ﷺ ، الحسين بن علي بن أبي طالب، أنه كان هو وأبوه الباقر مع أبيه زين العابدين، الراوي الباقر، محمد بن علي بن الحسين، أبوه، كان هو وأبوه زين العابدين عند جابر بن عبد الله بن حرام السلمي الأنصاري الصحابي، ابن الصحابي، المشهور كان هو وأبوه وهذا مما تقدم مما يجب فيه ذكر الضمير المنفصل للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا واجب على ما تقدمت الإشارة إليه.

стр. 106

كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع، النبي ﵊ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، والصاع أربعة أمداد، فكان ديدنه ﵊ الاغتسال بالصاع، وقد يزيد في بعض الأحيان، إلى خمسة أمداد، وفي هذا عدم الإسراف في الماء، على المسلم أن يقتصد في جميع أموره، والإسراف حرام، لكن الزيادة اليسيرة المحتملة معفو عنها، أما الأصل في الإسراف أنه محرم، ويتفاوت باعتبار المادة التي يسرف منها، فالمواد التي يكون الناس بحاجة إليها حاجة شديدة، ويتسبب في إسرافه على تضييع هذا المال على الناس الذي يحتاجون إليه أمره أشد، معلوم أن الماء لا سيما في هذه الأوقات التي شحت فيها الموارد أمره خطير، وعموم البشرية مهددون بالنسبة للماء فعلى الجميع أن يحتاطوا لهذا الأمر، ويرشدوا استهلاكهم من الماء، والشرع لا يأتي إلا بخير، ولا خير إلا دل الأمة عليه ﵊، ولو كان في الإسراف خير ما اقتصد في مثل هذه الأمور؛ لأن الماء في عرف كثير من الناس أمره يسير، لا سيما وأن قيمته زهيدة، لكن يتصور الإنسان أنه في يوم من الأيام يطلب الماء من بعيد بنفسه، يحضر الماء لنفسه، كون الأسباب تيسرت والجهود بذلت لتيسير هذا العنصر النفيس الذي جعل منه أو علق به حياة كل شيء، نعم هو أرخص موجود تساهل الناس في حمله، لكنه أعز مفقود، تصوروا إلى وقت قريب وكان الناس يحضرون الماء كل بوسيلته وطريقته، بالأواني يحضرونه من بعيد، وينقلونه على رؤوسهم، يعني لو كان الأمر كذلك ما حصل مثل هذا الإسراف، لكن كون الشيء ميسر مبذول سهل قريب بثمن رخيص، يجعل الناس يتساهلون مثل هذا التساهل، وإلا فالماء أمره خطير، علق به حياة كل شيء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [(٣٠) سورة الأنبياء] فأمره خطير، والدراسات تدل على نضوب الماء، والمياه الجوفية وغيرها، والله المستعان.

стр. 107

فهذا ديدنه وهذه طريقته ﵊، الاقتصاد في كل شيء حتى في الماء، الذي يتراءى للناس أنه شيء شبه لا قيمة له، بعض الناس لا يعتبره مال، هو مال، والناس شركاء فيه، لا يجوز لأحد أن يتعدى فيه على أحد، ولا .. ، ومنع فضله محرم كما جاءت بذلك النصوص، فالنبي ﵊ كان ديدنه أن يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. "فقال: "يكفيك صاع". . . . . . . . . نتصور أن الإنسان في يوم من الأيام يحتاج إلى أن يتوضأ بمد لقلة الماء وندرته، أو يغتسل بصاع وقد عود نفسه أنه يغتسل بآصع كثيرة، ويتوضأ بأمداد، المد ما يملأُ كفي الرجل المعتدل، يعني إيش يجي؟ كم تتصورون اللتر الواحد من مد؟ نعم؟ يستطيع الإنسان أن يتوضأ بكوب صغير؟ نعم إذا مرن نفسه استطاع، لكن مع هذا الإسراف الموجود، وتيسر السبل والأسباب لا يستطيع، فدين الله بين الغالي والجافي، لا يتوضأ وضوء لا يجزئ يشبه المسح، لا، لكن يسبغ الوضوء ولا يسرف، الإنسان مأمور بالتوسط في جميع أموره، مع أنه مأمور بالإسباغ منهي عن الإسراف. طالب:. . . . . . . . . هذا فيه كلام، ضعيف، الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح. "فقال: "يكفيك صاع" فقال رجل: ما يكفيني" ما يكفيني صاع، الآن يمكن كل الناس يقولون: ما يكفينا صاع، لماذا؟ لأنهم تعودوا، يفتح الحنفية تبع الماء ويغتسل بآصع كثيرة، عشرات الآصع، هذا هو الإسراف. "فقال رجل: ما يكفيني, فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً أو خير منك". الشراح يقولون: إن المد والصاع بالنسبة للرجل المعتدل الخلقة، لكن لو وجد شخص ضخم طويل عريض نعم، قد لا يكفيه الصاع يزيد، يزيد إلى أن يسبغ، يفيض، إلى أن يفيض الماء على جسده، ويغتسل الغسل المجزئ على أقل تقدير. "فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً, أو خير منك" كثرة الشعر تحتاج إلى شيء من زيادة الماء، يريد رسول الله ﷺ . "فقال رجل: ما يكفيني" الرجل الذي قال: ما يكفيني، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية؛ لأنه ليس من ولد فاطمة ﵂ إنما هو من الحنفية، المرأة الحنفية التي تزوجها علي ﵁.

стр. 108

"يريد رسول الله ﷺ ، ثم أمنا في ثوب" أمنا في ثوب: يعني صلى بنا وليس عليه إلا ثوب واحد، والصلاة في الثوب الواحد إذا كان ساتراً للعورة جائز، وقد سئل النبي ﵊: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: ((أولكلكم ثوبان؟ )) يعني الناس كلهم عندهم أكثر من ثوب؟ نعم؟ يستبعد ﵊ أن يوجد أكثر من ثوب عند الناس كلهم، وهذا في عصره ﵊ هو الغالب، أن كل شخص عنده ثوب واحد، ولهذا تعلق الأحكام بالمقدور عليه، لكن الصلاة في الثوبين أكمل؛ لأنه أستر، كون الإنسان يصلي في ثوبين إزار ورداء، أو إزار وقميص، أو قميص وتبان، قميص وقباء ... إلى آخره، المقصود أن يصلي في ثوبين أكمل وأستر، لكن إذا صلى في ثوب واحد يستر المحل المفروض كفى، فالواجب المشترط لصحة الصلاة ستر العورة، ويجب مع ستر العورة ستر المنكب، كما جاء في الحديث الصحيح: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد وليس على عاتقه منه شيء)) ولما قال النبي ﵊: ((أولكلكم ثوبان؟ )) استفهم الراوي من أبي هريرة وقال له: أتعرف أبا هريرة؟ أبو هريرة نفسه يقول للراوي: أتعرف أبا هريرة؟ كان يصلي في الثوب الواحد وثيابه على المشجن، يعني عنده ثياب ثانية، لكن يصلي بثوب واحد؛ ليبين أن مثل هذا يكفي، والتعليم بالفعل قد يكون في بعض الأحوال أبلغ من التعليم بالقول، يعني تقول لشخص: توضأ بمد، يتصور هذا كلام نظري ما يمكن تطبيقه، لكن لما تأتي بمد، وتتوضأ أمامه، وتسبغ الوضوء أمامه، خلاص ما يحتاج إلى أن يتردد، لا يمكن أن يتردد بعد أن رأى بعينه، ليس الخبر كالعيان، فجابر ﵁ صلى بثوب وأمهم بذلك، فالثوب كافٍ إذا كان ساتراً للمحل المفروض ستره، ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة.

стр. 109

"وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ يفرغ الماء على رأسه ثلاثاً" يعني يغتسل بالصاع ويفرغ الماء على رأسه ثلاثاً، يعني كما تقدم في صفة الغسل الكامل أنه يغسل يديه ثلاثاً ثم يغسل فرجه، وما لوثه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يغسل شقه الأيمن، ثم شقه الأيسر، ثم يتنحى ويغسل رجليه إن احتاج إلى غسلهما لتلوثهما بما في المحل من طين وشبهه، أما إذا لم يكن بحاجة إلى غسل الرجلين فلا داعي له، والله المستعان. "فكان رسول الله ﷺ يفرغ الماء على رأسه ثلاثاً". ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في بيان الرجل الذي قال: ما يكفيني، وحينئذ الإبلاغ أو المبالغة في الإنكار على من تردد في قبول السنة، لما قال: ما يكفيني، ماذا قال له جابر؟ قال: كان يكفي من هو خير منك، يكفي من هو أوفر منك شعراً، هذا أسلوب، نعم يحتاج إليه في بعض الأحوال، وإن كان الأصل في التعليم الرفق كما تقدم، ((دعوه)) ((لا تزرموه)) يعني لا تقطعوا عليه بوله، دعوه، اتركوه، هذا الأصل في التعليم الرفق، تعليم الجاهل، لكن من تردد في قبول السنة، ورأى المعلم أن المصلحة في ردعه فالأولى أن يردع مثل هذا، فلا شك أن الأسلوب اللين المؤدي للغرض برفق لا تترتب عليه آثار، ولا ردود عكسية، هذا هو الأصل، لكن يبقى أن بعض الناس فيه شيء من اللؤم، يحتاج إلى ما يردعه، وهذا كثير ممن يكتب عن الإسلام والدين والمتدينين، مثل هؤلاء كثير منهم يحتاج إلى أن يؤطر على الحق، ولا يفيد فيه نقاش، وإن كان الأصل أن المناقشة بالأسلوب الهادئ اللطيف في تعليم الجاهل؛ لأن بعض من يكتب ليسوا بجهال، إنما هدفهم وقصدهم -والله أعلم بالنيات- لكن يظهر من ثنايا كلامهم أنهم يقصدون انتقاص الدين والمتدينين، والله المستعان، ولذا قال: كان يكفي من هو أوفر منك شعراً، فنحتاج إلى بعض الأساليب التي تردع بعض الكتاب، والله المستعان، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 110

اللتر، اللتر الواحد كم يساوي من مد؟ يعني اللتر الواحد إذا قارناه بالصاع الصاع كم جرام؟ الصاع من الماء، صاع الماء غير صاع البر، نعم إذا قارنا الصاع بالوزن، فصاع الماء أكثر من صاع البر في الوزن؛ لأن البر أخف من الماء، فإذا كان البر كيلوين ونصف. . . . . . . . . ثلاثة، ثلاثة كيلو صاع الماء، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ثلاثة كيلو صاع الماء، أو تزيد ثلاثة ونصف، فثلاثة الكيلو والنصف أربعة أمداد، فقل المد كيلو إلا ربع تقريباً يعني، نعم. باب التيمم عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم؟ فقال: ((يا فلان, ما منعك أن تصلي في القوم؟ )) فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء, فقال: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)). يقول -رحمه الله تعالى-: "باب التيمم" التيمم في الأصل، في اللغة القصد، يممت فلاناً إذا قصدته، وهو قصد الصعيد الطيب الطاهر وهو ما على وجه الأرض، وضربه باليدين واستعماله مطهراً بدلاً عن طهارة الماء على الصفة التي يأتي شرحها.
следующие страницы →