← Акыда

Акыда · id 22647

العبودية

ابن تيمية

Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ. وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. أما بعد: فقد سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام وَعلم الْأَعْلَام نَاصِر السّنة وقامع الْبِدْعَة أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية ﵀ عَن قَوْله [٢١ الْبَقَرَة] : ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ فَمَا الْعِبَادَة؟ وَمَا فروعها؟ وَهل مَجْمُوع الدَّين دَاخل فِيهَا أم لَا؟ وَمَا حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة؟ وَهل هِيَ أَعلَى المقامات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أم فَوْقهَا شَيْء من المقامات؟ وليبسط لنا القَوْل فِي ذَلِك.

стр. 2

فَأجَاب ﵀: الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة. وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله. وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى [٥٦ الذاريات] : ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ . وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ [٥٩ الْأَعْرَاف] : ﴿اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ . وَكَذَلِكَ قَالَ هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم لقومهم وَقَالَ تَعَالَى [٣٦ النَّحْل] : ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا

стр. 3

الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٥ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٩٢ الْأَنْبِيَاء] : ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى [٥١-٥٢ الْمُؤْمِنُونَ] : ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم * وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ . وَجعل ذَلِك لَازِما لرَسُوله إِلَى الْمَوْت كَمَا قَالَ [٩٩ الْحجر] : ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ . وَبِذَلِك وصف مَلَائكَته وأنبياءه فَقَالَ تَعَالَى [١٩-٢٠ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون * يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ وَقَالَ تعال [٢٠٦ الْأَعْرَاف] : ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾ . وذم المستكبرين عَنْهَا بقوله [٦٠ غَافِر] : ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ . ونعت صفوة خلقه بالعبودية لَهُ فَقَالَ تَعَالَى [٦ الْإِنْسَان] : ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ وَقَالَ [٦٣-٧٧ الْفرْقَان] : ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين

стр. 4

يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ الْآيَات. وَلما قَالَ الشَّيْطَان [٣٩-٤٠ الْحجر] : ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ قَالَ الله تَعَالَى [٤٢ الْحجر] : ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ . وَقَالَ فِي وصف الْمَلَائِكَة بذلك [٢٦-٢٨ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون * لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ * يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن

стр. 5

ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٨٨-٩٥ مَرْيَم] : ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا * لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا * تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا * أَن دعوا للرحمن ولدا * وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا * إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمَسِيح الَّذِي ادعيت فِيهِ الإلهية والبنوة [٥٩ الزخرف] : ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل﴾ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح " لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله ". وَقد نَعته الله بالعبودية فِي أكمل أَحْوَاله فَقَالَ فِي الْإِسْرَاء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وَقَالَ فِي الإيحاء [١٠ النَّجْم] ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ وَقَالَ فِي الدعْوَة [١٩ الْجِنّ] ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وَقَالَ فِي التحدي [٢٣ الْبَقَرَة] ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فاتوا بِسُورَة من مثله﴾ . فالدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " أَن جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي

стр. 6

وَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام قَالَ: " الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا " قَالَ: فَمَا الْإِيمَان؟ قَالَ: " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " قَالَ: فَمَا الْإِحْسَان؟ قَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: " هَذَا جِبْرِيل جَاءَكُم يعلمكم دينكُمْ " فَجعل هَذَا كُله من الدَّين. وَالدّين يتَضَمَّن معنى الخضوع والذل يُقَال دنته فدان أى أذللته فذل وَيُقَال يدين الله ويدين لله أَي يعبد الله ويطيعه ويخضع لَهُ فدين الله عِبَادَته وطاعته والخضوع لَهُ. وَالْعِبَادَة أصل مَعْنَاهَا الذل أَيْضا يُقَال طَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا قد وطئته الْأَقْدَام. لَكِن الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا تَتَضَمَّن معنى الذل وَمعنى الْحبّ فهى تَتَضَمَّن غَايَة الذل لله بغاية الْمحبَّة لَهُ. فَإِن آخر مَرَاتِب الْحبّ هُوَ التتيم وأوله العلاقة لتَعلق الْقلب بالمحبوب ثمَّ الصبابة لانصباب الْقلب إِلَيْهِ ثمَّ الغرام وَهُوَ الْحبّ الملازم للقلب ثمَّ الْعِشْق وَآخِرهَا التتيم يُقَال تيم الله أَي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه. وَمن خضع لإِنْسَان مَعَ بغضه لَهُ لَا يكون عابدا لَهُ وَلَو أحب شَيْئا وَلم يخضع لَهُ لم يكن عابدا لَهُ كَمَا قد يحب الرجل وَلَده

стр. 7

وَصديقه وَلِهَذَا لَا يَكْفِي أَحدهمَا فِي عبَادَة الله تَعَالَى بل يجب أَن يكون الله أحب إِلَى العَبْد من كل شَيْء وَأَن يكون الله عِنْده أعظم من كل شَيْء بل لَا يسْتَحق الْمحبَّة والخضوع التَّام إِلَّا الله. وكل مَا أحب لغير الله فمحبته فَاسِدَة وَمَا عظم بِغَيْر أَمر الله فتعظيمه بَاطِل. قَالَ الله تَعَالَى [٢٤ التَّوْبَة] : ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ . فجنس الْمحبَّة يكون لله وَلِرَسُولِهِ كالطاعة فَإِن الطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ والإرضاء لله وَلِرَسُولِهِ ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ [٦٢ التَّوْبَة] والإيتاء لله وَلِرَسُولِهِ ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله﴾ [٥٩ التَّوْبَة] . وَأما الْعِبَادَة وَمَا يُنَاسِبهَا من التَّوَكُّل وَالْخَوْف وَنَحْو ذَلِك فَلَا تكون إِلَّا لله وَحده كَمَا قَالَ تَعَالَى [٦٤ آل عمرَان] : ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى [٥٩ التَّوْبَة] : ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ فالإيتاء لله وَلِلرَّسُولِ كَقَوْلِه [٧ الْحَشْر] : ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَأما

стр. 8

الْحسب وَهُوَ الْكَافِي فَهُوَ الله وَحده كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٧٣ آل عمرَان] : ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٦٤ الْأَنْفَال] : ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي حَسبك وَحسب من اتبعك من الْمُؤمنِينَ الله وَمن ظن أَن الْمَعْنى حَسبك الله والمؤمنون مَعَه فقد غلط غَلطا فَاحِشا كَمَا قد بسطناه فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع وَقَالَ تَعَالَى [٣٦ الزمر] : ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ . وتحرير ذَلِك أَن العَبْد يُرَاد بِهِ المعبّد الَّذِي عبّده الله فذلّله ودبّره وصرّفه. وَبِهَذَا الِاعْتِبَار ف المخلوقون كلهم عباد الله الْأَبْرَار مِنْهُم والفجار والمؤمنون وَالْكفَّار وَأهل الْجنَّة وَأهل النَّار إِذْ هُوَ

стр. 9

رَبهم كلهم ومليكهم لَا يخرجُون عَن مَشِيئَته وَقدرته وكلماته التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِن لم يشاءوا. وَمَا شَاءُوا إِن لم يشأه لم يكن كَمَا قَالَ تَعَالَى [٨٣ آل عمرَان] : ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ . فَهُوَ سُبْحَانَهُ رب الْعَالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قُلُوبهم ومصرف أُمُورهم لَا رب لَهُم غَيره وَلَا مَالك لَهُم سواهُ وَلَا خَالق لَهُم إِلَّا هُوَ سَوَاء اعْتَرَفُوا بذلك أَو أنكروه وَسَوَاء علمُوا ذَلِك أَو جهلوه؛ لَكِن أهل الْإِيمَان مِنْهُم عرفُوا ذَلِك وآمنوا بِهِ؛ بِخِلَاف من كَانَ جَاهِلا بذلك؛ أَو جاحدا لَهُ مستكبرا على ربه لَا يقر وَلَا يخضع لَهُ؛ مَعَ علمه بِأَن الله ربه وخالقه. فالمعرفة بِالْحَقِّ إِذا كَانَت مَعَ الاستكبار عَن قبُوله والجحد لَهُ كَانَ عذَابا على صَاحبه كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٤ النَّمْل] : ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٤٦ الْبَقَرَة] : ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٣٣ الْأَنْعَام] : ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ .

стр. 10

فَإِذا عرف العَبْد أَن الله ربه وخالقه وَأَنه مفتقر إِلَيْهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ عرف الْعُبُودِيَّة الْمُتَعَلّقَة بربوبية الله وَهَذَا العَبْد يسْأَل ربه ويتضرع إِلَيْهِ ويتوكل عَلَيْهِ لَكِن قد يُطِيع أمره وَقد يعصيه وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد الشَّيْطَان والأصنام وَمثل هَذِه الْعُبُودِيَّة لَا تفرق بَين أهل الْجنَّة وَأهل النَّار وَلَا يصير بهَا الرجل مُؤمنا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى [١٦٠ يُوسُف] : ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يقرونَ أَن الله خالقهم ورازقهم وهم يعْبدُونَ غَيره قَالَ تَعَالَى [٢٥ لُقْمَان] : ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٨٤-٨٩ الْمُؤْمِنُونَ] ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِن كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ . وَكثير مِمَّن يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها لَا يشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة وَهِي الْحَقِيقَة الكونية الَّتِي يشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار قَالَ إِبْلِيس [٣٦ الْحجر، ٩٧ ص] : ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ و [٣٩ الْحجر] : ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ [٨٢ ص] : ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ [٦٢ الْإِسْرَاء] : ﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِن أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا﴾ وأمثال هَذَا

стр. 11

من الْخطاب الَّذِي يقر فِيهِ بِأَن الله ربه وخالقه وخالق غَيره وَكَذَلِكَ أهل النَّار قَالُوا [١٠٦ الْمُؤْمِنُونَ] : ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم [٣٠ الْأَنْعَام] : ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ . فَمن وقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ من الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بإلوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار. فَإِن ظن مَعَ ذَلِك أَنه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيان، كَانَ من أشر أهل الْكفْر والإلحاد. وَمن ظن أَن الخَضِرَ وَغَيره سقط عَنْهُم الْأَمر لمشاهدة الْإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك، كَانَ قَوْله هَذَا من شَرّ أَقْوَال الْكَافرين بِاللَّه وَرَسُوله، حَتَّى يدْخل فِي النَّوْع الثَّانِي من معنى العَبْد، وَهُوَ العَبْد بِمَعْنى العابد، فَيكون عابدا لله، لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه، فيطيع أمره وَأمر رسله، ويوالي أولياءه الْمُؤمنِينَ الْمُتَّقِينَ ويعادي أعداءه. وَهَذِه الْعِبَادَة مُتَعَلقَة بالإلهية لله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ عنوان التَّوْحِيد لَا إِلَه إِلَّا الله بِخِلَاف من يقر بربوبيته وَلَا يعبده أَو يعبد مَعَه إِلَهًا آخر. فالإله هُوَ الَّذِي يألهه الْقلب بِكَمَال الْحبّ والتعظيم والاجلال وَالْإِكْرَام وَالْخَوْف والرجاء وَنَحْو ذَلِك.

стр. 12

وَهَذِه الْعِبَادَة هِيَ الَّتِي يُحِبهَا الله ويرضاها وَبهَا وصف المصطفين من عباده وَبهَا بعث رسله. وَأما العَبْد بِمَعْنى المعبّد سَوَاء أقرّ بذلك أَو أنكرهُ فَهَذَا الْمَعْنى يشْتَرك فِيهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر. وبالفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ يعرف الْفرق بَين الْحَقَائِق الدِّينِيَّة الدَّاخِلَة فِي عبَادَة الله وَدينه وَأمره الشَّرْعِيّ الَّتِي يُحِبهَا ويرضاها ويوالى أَهلهَا ويكرمهم بجنته وَبَين الْحَقَائِق الكونية الَّتِي يشْتَرك فِيهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر الَّتِي من اكْتفى بهَا وَلم يتبع الْحَقَائِق الدِّينِيَّة كَانَ من أَتبَاع إِبْلِيس اللعين والكافرين بِرَبّ الْعَالمين وَمن اكْتفى فِيهَا فِي بِبَعْض الْأُمُور دون بعض أَو فِي مقَام [دون مقَام] أَو حَال [دون حَال] نقص من إيمَانه وولايته لله بِحَسب مَا نقص من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة وَهَذَا مقَام عَظِيم غلط فِيهِ الغالطون وَكثر فِيهِ الِاشْتِبَاه على السالكين حَتَّى زلق فِيهِ من أكَابِر الشُّيُوخ المدّعين للتحقيق والتوحيد والعرفان مَا لَا يحصيهم إِلَّا الله الَّذِي يعلم السِّرّ والإعلان. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر ﵀ فِيمَا ذكر عَنهُ فبيّن أَن كثيرا من الرِّجَال (إِذا وصلوا إِلَى الْقَضَاء

стр. 13

وَالْقدر أَمْسكُوا إِلَّا أَنا فَإِنِّي انفتحت لي فِيهِ روزنة فنازعت أقدار الْحق بِالْحَقِّ للحق وَالرجل من يكون منازعا للقدر لَا من يكون مُوَافقا للقدر) . وَالَّذِي ذكره الشَّيْخ ﵀ هُوَ الَّذِي أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَلَكِن كثير من الرِّجَال غلطوا فِيهِ فَإِنَّهُم قد يشْهدُونَ مَا يقدّر على أحدهم من الْمعاصِي والذنُوب أَو مَا يقدّر على النَّاس من ذَلِك بل من الْكفْر وَيشْهدُونَ أَن هَذَا جَار بِمَشِيئَة الله وقضائه وَقدره دَاخل فِي حكم ربوبيته وَمُقْتَضى مَشِيئَته فيظنون الاستسلام لذَلِك وموافقته وَالرِّضَا بِهِ وَنَحْو ذَلِك دينا وطريقا وَعبادَة فيضاهئون الْمُشْركين الَّذين قَالُوا [١٤٨ الْأَنْعَام] : ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ وَقَالُوا [٤٧ يس] : ﴿أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ وَقَالُوا [٢٠ الزخرف] : ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ وَلَو هُدوا لعلموا أَن الْقدر أُمرنا أَن نرضى بِهِ وَنَصْبِر على مُوجبه فِي المصائب الَّتِي تصيبنا كالفقر وَالْمَرَض وَالْخَوْف قَالَ الله تَعَالَى [١١ التغابن] : ﴿مَا أصَاب من

стр. 14

مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ قَالَ بعض السّلف: هُوَ الرجل تصيبه الْمُصِيبَة فَيعلم أَنَّهَا من عِنْد الله فيرضى وَيسلم. وَقَالَ تَعَالَى [٢٢-٢٣ الْحَدِيد] : ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير * لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " احْتج آدم ومُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْت آدم الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وأسجد لَك مَلَائكَته وعلمك أَسمَاء كل شَيْء فلماذا أخرجتنا ونفسك من الْجنَّة؟ فَقَالَ آدم: أَنْت مُوسَى الَّذِي اصطفاك الله بِرِسَالَاتِهِ وبكلامه فَهَل وجدت ذَلِك مَكْتُوبًا عَليّ قبل أَن أخلق؟ قَالَ: نعم " قَالَ: " فحج آدم مُوسَى ". وآدَم ﵇ لم يحْتَج على مُوسَى بِالْقدرِ ظنا أَن المذنب يحْتَج

стр. 15

بِالْقدرِ فَإِن هَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَلَا عَاقل وَلَو كَانَ هَذَا عذرا لَكَانَ عذرا لإبليس وَقوم نوح وَقوم هود وكل كَافِر وَلَا مُوسَى لَام آدم أَيْضا لأجل الذَّنب فَإِن آدم قد تَابَ إِلَى ربه فاجتباه وَهدى وَلَكِن لامه لأجل الْمُصِيبَة الَّتِي لحقتهم بالخطيئة وَلِهَذَا قَالَ: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الْجنَّة؟ فَأَجَابَهُ آدم: إِن هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا عليّ قبل أَن أُخلق. فَكَانَ الْعَمَل والمصيبة المترتبة عَلَيْهِ مقدّرا وَمَا قدّر من المصائب يجب الاستسلام لَهُ فَإِنَّهُ من تَمام الرِّضَا بِاللَّه رَبًّا. وَأما الذُّنُوب فَلَيْسَ للْعَبد أَن يُذنب وَإِذا أذْنب فَعَلَيهِ أَن يسْتَغْفر وَيَتُوب، فيتوب من صنوف المعايب ويصبر على المصائب قَالَ تَعَالَى [٥٥ غَافِر] : ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٢٠ آل عمرَان] : ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَقَالَ [١٨٦ آل عمرَان] : ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ وَقَالَ يُوسُف ﵇ [٩٠ يُوسُف] : ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَكَذَلِكَ ذنُوب الْعباد يجب على العَبْد فِيهَا أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر بِحَسب قدرته ويجاهد فِي سَبِيل الله الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ ويوالي أَوْلِيَاء الله ويعادي أَعدَاء الله وَيُحب فِي الله وَيبغض فِي الله كَمَا قَالَ تَعَالَى [١-٤ الممتحنة] :

стр. 16

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٢ المجادلة] : ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٣٥ الْقَلَم] : ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين﴾ وَقَالَ [٢٨ ص] : ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢١ الجاثية] : ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٩-٢٢ فاطر] : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير * وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور * وَلَا الظل وَلَا الحرور * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٩ الزمر] : ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هَل يستويان مثلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٧٥-٧٦ النَّحْل] ﴿ضرب الله مثلا عبدا

стр. 17

مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء وَمن رزقناه منا رزقا حسنا فَهُوَ ينْفق مِنْهُ سرا وجهرا هَل يستوون الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ * وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير هَل يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٠ الْحَشْر] : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ . ونظائر ذَلِك مِمَّا يفرّق الله فِيهِ بَين أهل الْحق وَالْبَاطِل وَأهل الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَأهل الْبر والفجور وَأهل الْهدى والضلال وَأهل الغي والرشاد وَأهل الصدْق وَالْكذب. فَمن شهد الْحَقِيقَة الكونية دون [الْحَقِيقَة] الدِّينِيَّة سوّى بَين هَذِه الْأَصْنَاف الْمُخْتَلفَة الَّتِي فرق الله بَينهَا غَايَة التَّفْرِيق حَتَّى تئول بِهِ هَذِه التَّسْوِيَة إِلَى أَن يسوّي بَين الله وَبَين الْأَصْنَام كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم [٩٧-٩٨ الشُّعَرَاء] : ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين * إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ بل قد آل الْأَمر بهؤلاء إِلَى أَن سوّوا الله بِكُل مَوْجُود وَجعلُوا مَا يسْتَحقّهُ من الْعِبَادَة وَالطَّاعَة حَقًا لكل مَوْجُود إِذْ جَعَلُوهُ هُوَ وجودَ الْمَخْلُوقَات وَهَذَا من أعظم الْكفْر والإلحاد وَالْكفْر بِرَبّ الْعباد. وَهَؤُلَاء يصل بهم الْكفْر إِلَى أَنهم لَا يشْهدُونَ أَنهم عباد الله لَا بِمَعْنى أَنهم معبّدون وَلَا بِمَعْنى انهم عَابِدُونَ إِذْ يشْهدُونَ أنفسهم هِيَ الْحق كَمَا صرح بذلك طواغيتهم كَابْن عَرَبِيّ

стр. 18

صَاحب " الفصوص " وَأَمْثَاله من الْمُلْحِدِينَ المفترين كَابْن سبعين وَأَمْثَاله وَيشْهدُونَ أَنهم هم العابدون والمعبودون. وَهَذَا لَيْسَ بِشُهُود للْحَقِيقَة لَا الكونية وَلَا الدِّينِيَّة بل هُوَ ضلال وعمىً عَن شُهُود الْحَقِيقَة الكونية حَيْثُ جعلُوا وجود الْخَالِق هُوَ وجود الْمَخْلُوق وَجعلُوا كل وصف مَذْمُوم وممدوح نعتا للخالق وللمخلوق إِذْ وجود هَذَا هُوَ وجود هَذَا عِنْدهم. وَأما الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله عوامهم وخواصهم الَّذين هم أهل الْقُرْآن كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن لله أهلين من النَّاس " قيل: من هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " أهل الْقُرْآن هم أهل الله وخاصته " فَهَؤُلَاءِ يعلمُونَ أَن الله رب كل شَيْء ومليكه وخالقه وَأَن الْخَالِق سُبْحَانَهُ مباين للمخلوق لَيْسَ هُوَ حالاًّ فِيهِ وَلَا متّحدًا بِهِ وَلَا وجودُه وجودَه. وَالنَّصَارَى إِنَّمَا كفّرهم الله إِذْ قَالُوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح خَاصَّة فَكيف من جعل ذَلِك عَاما فِي كل مَخْلُوق؟ ويعلمون مَعَ ذَلِك أَن الله أَمر بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله وَنهى عَن مَعْصِيَته ومعصية رَسُوله وَأَنه لَا يحب الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَأَن على الْخلق أَن يعبدوه فيطيعوا أمره

стр. 19

ويستعينوا بِهِ على ذَلِك كَمَا قَالَ فِي فَاتِحَة الْكتاب: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ . وَمن عِبَادَته وطاعته: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِحَسب الْإِمْكَان وَالْجهَاد فِي سَبيله لأهل الْكفْر والنفاق فيجتهدون فِي إِقَامَة دينه مستعينين بِهِ رافعين مزيلين بذلك مَا قدر من السَّيِّئَات دافعين بذلك مَا قد يخَاف من آثَار ذَلِك كَمَا يزِيل الْإِنْسَان الْجُوع الْحَاضِر بِالْأَكْلِ وَيدْفَع بِهِ الْجُوع الْمُسْتَقْبل وَكَذَلِكَ إِذا آن أَوَان الْبرد دَفعه باللباس وَكَذَلِكَ كل مَطْلُوب يدْفع بِهِ مَكْرُوه كَمَا قَالُوا للنَّبِي ﷺ : يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقى نسترقي بهَا وتقى نتقي بهَا هَل ترد من قدر الله شَيْئا؟ فَقَالَ: " هِيَ من قدر الله " وَفِي الحَدِيث: " إِن الدُّعَاء وَالْبَلَاء ليلتقيان فيعتلجان بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ".

стр. 20

فَهَذَا حَال الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَرَسُوله العابدين لله وكل ذَلِك من الْعِبَادَة. وَهَؤُلَاء الَّذين يشْهدُونَ الْحَقِيقَة الكونية وَهِي ربوبيته تَعَالَى لكل شَيْء ويجعلون ذَلِك مَانِعا من اتِّبَاع أمره الديني الشَّرْعِيّ على مَرَاتِب فِي الضلال: فغلاتهم يجْعَلُونَ ذَلِك مُطلقًا عَاما فيحتجون بِالْقدرِ فِي كل مَا يخالفون فِيهِ الشَّرِيعَة. وَقَول هَؤُلَاءِ شَرّ من قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَهُوَ من جنس قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا [١٤٨ الْأَنْعَام] : ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ وَقَالُوا [٢٠ الزخرف] : ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ . وَهَؤُلَاء من أعظم أهل الأَرْض تناقضا بل كل من احْتج بِالْقدرِ فَإِنَّهُ متناقض فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يُقَرّ كل آدَمِيّ على مَا يفعل فَلَا بُد إِذا ظلمه ظَالِم أَو ظلم النَّاس ظَالِم وسعى فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَأخذ يسفك دِمَاء النَّاس ويستحل الْفروج وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع الضَّرَر الَّتِي لَا قِوام للنَّاس بهَا أَن يدْفع هَذَا القدَر وَأَن يُعَاقب الظَّالِم بِمَا يكف عدوانه وعدوان أَمْثَاله فَيُقَال لَهُ: إِن كَانَ الْقدر حجَّة فدع كل أحد يفعل مَا يَشَاء بك وبغيرك وَإِن لم يكن حجَّة بَطل أصل قَوْلك: [إِن الْقدر] حجَّة. وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل الَّذين يحتجون بِالْحَقِيقَةِ الكونية لَا

стр. 21

يطردون هَذَا القَوْل وَلَا يلتزمونه وَإِنَّمَا هم يتبعُون آراءهم وأهواءهم كَمَا قَالَ فيهم بعض الْعلمَاء: أَنْت عِنْد الطَّاعَة قدَري وَعند الْمعْصِيَة جَبْري أيُّ مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ. وَمِنْهُم صنف يدّعون التَّحْقِيق والمعرفة ويزعمون أَن الْأَمر وَالنَّهْي لَازم لمن شهد لنَفسِهِ أفعالا وَأثبت لَهُ صِفَات أما من شهد أَن أَفعاله مخلوقة أَو أَنه مجبور على ذَلِك وَأَن الله هُوَ الْمُتَصَرف فِيهِ كَمَا يُحَرك سَائِر المتحركات فَإِنَّهُ يرْتَفع عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد. وَقد يَقُولُونَ: من شهد الْإِرَادَة سقط عَنهُ التَّكْلِيف ويزعمون أَن الْخضر سقط عَنهُ التَّكْلِيف لشهوده الْإِرَادَة. فَهَؤُلَاءِ يفرقون بَين الْعَامَّة والخاصة الَّذين شهدُوا الْحَقِيقَة الكونية فَشَهِدُوا أَن الله خَالق أَفعَال الْعباد وَأَنه مُرِيد ومدبر لجَمِيع الكائنات. وَقد يفرقون بَين من يعلم ذَلِك علما وَبَين من يرَاهُ شُهُودًا فَلَا يسقطون التَّكْلِيف عَمَّن يُؤمن بذلك ويعلمه فَقَط وَلَكِن [يسقطونه] عَمَّن يشهده فَلَا يرى لنَفسِهِ فعلا أصلا وَهَؤُلَاء

стр. 22

يجْعَلُونَ الْجَبْر وَإِثْبَات الْقدر مَانِعا من التَّكْلِيف على هَذَا الْوَجْه. وَقد وَقع فِي هَذَا طوائف من المنتسبين إِلَى التَّحْقِيق والمعرفة والتوحيد. وَسبب ذَلِك أَنه ضَاقَ نطاقهم عَن كَون العَبْد يُؤمر بِمَا يقدّر عَلَيْهِ خِلَافه كَمَا ضَاقَ نطاق الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة عَن ذَلِك ثمَّ الْمُعْتَزلَة أَثْبَتَت الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين دون الْقَضَاء وَالْقدر الَّذين هما إِرَادَة الله الْعَامَّة وخلقه لأفعال الْعباد. وَهَؤُلَاء أثبتوا الْقَضَاء وَالْقدر وَنَفَوْا الْأَمر وَالنَّهْي فِي حق من شهد الْقدر إِذْ لم يُمكنهُم نفي ذَلِك مُطلقًا. وَقَول هَؤُلَاءِ شَرّ من قَول الْمُعْتَزلَة وَلِهَذَا لم يكن فِي السّلف من هَؤُلَاءِ أحد، وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الْأَمر وَالنَّهْي للمحجوبين الَّذين لم يشْهدُوا هَذِه الْحَقِيقَة الكونية، وَلِهَذَا يجْعَلُونَ من وصل إِلَى شُهُود هَذِه الْحَقِيقَة يسْقط عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي، وَيَقُولُونَ: إِنَّه صَار من الْخَاصَّة. وَرُبمَا تأولوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى [٩٩ الْحجر] : ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ فاليقين عِنْدهم هُوَ معرفَة هَذِه الْحَقِيقَة. وَقَول هَؤُلَاءِ كفر صَرِيح وَإِن وَقع فِيهِ طوائف لم يعلمُوا أَنه كفر فَإِنَّهُ قد علم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام أَن الْأَمر وَالنَّهْي لازمان لكل عبد مَا دَامَ عقله حَاضرا إِلَى أَن يَمُوت

стр. 23

لَا يسقطان عَنهُ لَا بشهوده الْقدر وَلَا بِغَيْر ذَلِك فَمن لم يعرف ذَلِك عُرِّفه وبيِّن لَهُ فَإِن أصر على اعْتِقَاد سُقُوط الْأَمر وَالنَّهْي فَإِنَّهُ يُقتل. وَقد كثرت مثل هَذِه المقالات فِي الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَأما المتقدمون من هَذِه الْأمة فَلم تكن هَذِه المقالات مَعْرُوفَة فيهم وَهَذِه المقالات هِيَ محادة لله وَرَسُوله ومعاداة لَهُ وَصد عَن سَبيله ومشاقة لَهُ وَتَكْذيب لرسله ومضادة لَهُ فِي حكمه وَإِن كَانَ من يَقُول هَذِه المقالات قد يجهل ذَلِك ويعتقد أَن هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ هُوَ طَرِيق الرَّسُول وَطَرِيق أَوْلِيَاء الله الْمُحَقِّقين فَهُوَ فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة من يعْتَقد أَن الصَّلَاة لَا تجب عَلَيْهِ لاستغنائه عَنْهَا بِمَا حصل لَهُ من الْأَحْوَال القلبية أَو أَن الْخمر حَلَال لَهُ لكَونه من الْخَواص الَّذين لَا يضرهم شرب الْخمر أَو أَن الْفَاحِشَة حَلَال لَهُ لِأَنَّهُ صَار كالبحر لَا تكدره الذُّنُوب وَنَحْو ذَلِك. وَلَا ريب أَن الْمُشْركين الَّذين كذبُوا الرَّسُول يَتَرَدَّدُونَ بَين الْبِدْعَة الْمُخَالفَة لشرع الله وَبَين الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ على مُخَالفَة أَمر الله فَهَذِهِ الْأَصْنَاف فِيهَا شبه من الْمُشْركين؛ إِمَّا أَن يبتدعوا

стр. 24

وَإِمَّا أَن يحتجوا بِالْقدرِ وَإِمَّا أَن يجمعوا بَين الْأَمريْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُشْركين [٢٨ الْأَعْرَاف] : ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وكما قَالَ تَعَالَى عَنْهُم [١٤٨ الْأَنْعَام] : ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ . وَقد ذَكَرَ عَن الْمُشْركين مَا ابتدعوه من الدَّين الَّذِي فِيهِ تَحْلِيل الْحَرَام وَعبادَة الله بِمَا لم يشرع الله فِي مثل قَوْله تَعَالَى [١٣٨ الْأَنْعَام] : ﴿وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٧-٣٣] : ﴿يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ * قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين * قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق﴾ إِلَى قَوْله: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ . وَهَؤُلَاء قد يسمّون مَا أحدثوه من الْبدع حَقِيقَة كَمَا يسمّون مَا يشْهدُونَ من الْقدر حَقِيقَة وَطَرِيق الْحَقِيقَة عِنْدهم هُوَ السلوك الَّذِي لَا يتَقَيَّد صَاحبه بِأَمْر الشَّارِع وَنَهْيه وَلَكِن بِمَا

стр. 25

يرَاهُ ويذوقه ويجده فِي قلبه مَعَ مَا فِيهِ من غَفلَة عَن الله جلّ وَعلا وَنَحْو ذَلِك. وَهَؤُلَاء لَا يحتجون بِالْقدرِ مُطلقًا بل عمدتهم اتِّبَاع آرائهم وأهوائهم وجعلُهم مَا يرونه وَمَا يهوَونه حَقِيقَة ويأمرون باتباعها دون اتِّبَاع أَمر الله وَرَسُوله نَظِير بدع أهل الْكَلَام من الْجَهْمِية وَغَيرهم الَّذين يجْعَلُونَ مَا ابتدعوه من الْأَقْوَال الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون مَا دلّت علية السمعيات ثمَّ الْكتاب وَالسّنة إِمَّا أَن يحرفوا القَوْل فيهمَا عَن موَاضعه وَإِمَّا أَن يعرضُوا عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يتدبرونه وَلَا يعقلونه بل يَقُولُونَ: نفوض مَعْنَاهُ إِلَى الله مَعَ اعْتِقَادهم نقيض مَدْلُوله وَإِذا حُقّق على هَؤُلَاءِ مَا يزعمونه من العقليات الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وُجدت جهليات واعتقادات فَاسِدَة. وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ إِذا حقق عَلَيْهِم مَا يزعمونه من حقائق أَوْلِيَاء الله الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وجدت من الْأَهْوَاء الَّتِي يتبعهَا أَعدَاء الله لَا أولياؤه. وأصل ضلال من ضل هُوَ بِتَقْدِيم قِيَاسه على النَّص الْمنزل من عِنْد الله وَتَقْدِيم اتِّبَاع الْهوى على اتِّبَاع أَمر الله فَإِن الذَّوْق والوجد وَنَحْو ذَلِك هُوَ بِحَسب مَا يُحِبهُ العَبْد ويهواه فَكل محب لَهُ ذوق وَوجد بِحَسب محبته وهواه. فَأهل الْإِيمَان لَهُم من الذَّوْق والوجد مثل مَا بيّنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 26

بقوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار " وَقَالَ ﷺ : " ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ". وَأما أهل الْكفْر والبدع والشهوات فَكل بِحَسبِهِ. قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَال أهل الْأَهْوَاء لَهُم محبَّة شَدِيدَة لأهوائهم؟ فَقَالَ: أنسيت قَوْله تَعَالَى [٩٣ الْبَقَرَة] : ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم﴾ أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام. فعبّاد الْأَصْنَام يحبونَ آلِهَتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٦٥ الْبَقَرَة] : ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ وَقَالَ [٥٠ الْقَصَص] : ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَقَالَ [٢٣ النَّجْم] : ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ . وَلِهَذَا يمِيل هَؤُلَاءِ ويغرمون بِسَمَاع الشّعْر والأصوات الَّتِي تهيج الْمحبَّة الْمُطلقَة الَّتِي لَا تخْتَص بِأَهْل الْإِيمَان بل

стр. 27

يشْتَرك فِيهَا محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان وَهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الْأمة. فالمخالف لما بعث الله بِهِ رَسُوله من عِبَادَته وَحده وطاعته وَطَاعَة رَسُوله لَا يكون مُتبعا لدين شَرعه الله أبدا كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٨-١٩ الجاثية] : ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ * إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ﴾ بل يكون مُتبعا لهواه بِغَيْر هدى من الله قَالَ تَعَالَى [٢١ الشورى] : ﴿أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله﴾ . وهم فِي ذَلِك تَارَة يكونُونَ على بِدعَة يسمونها حَقِيقَة يقدمونها على مَا شَرعه الله وَتارَة يحتجون بِالْقدرِ الكوني على الشَّرِيعَة كَمَا أخبر الله بِهِ عَن الْمُشْركين كَمَا تقدم. وَمن هَؤُلَاءِ طَائِفَة هم أعلاهم عِنْدهم قدرا وَهُوَ مستمسكون بِمَا اخْتَارُوا بهواهم من الدَّين فِي أَدَاء الْفَرَائِض الْمَشْهُورَة وَاجْتنَاب الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة لَكِن يضلون بترك مَا أمروا بِهِ من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ عبَادَة ظانين أَن الْعَارِف إِذا شهد الْقدر أعرض عَن ذَلِك مثل من يَجْعَل التَّوَكُّل مِنْهُم أَو

стр. 28

الدُّعَاء مِنْهُم وَنَحْو ذَلِك من مقامات الْعَامَّة دون الْخَاصَّة بِنَاء على أَن من شهد الْقدر علم أَن مَا قدر سَيكون فَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك وَهَذَا ضلال مُبين. فَإِن الله قدر الْأَشْيَاء بأسبابها كَمَا قدر السَّعَادَة والشقاوة بأسبابهما كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وَخلق للنار أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ " وكما قَالَ النَّبِي ﷺ لما أخْبرهُم بِأَن الله كتب الْمَقَادِير فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب؟ فَقَالَ: " لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ". فَكل مَا أَمر الله بِهِ عباده من الْأَسْبَاب فَهُوَ عبَادَة والتوكل مقرون بِالْعبَادَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى [١٢٣ هود] : ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَفِي قَوْله [٣٠ الرَّعْد] : ﴿قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب﴾ وَقَول شُعَيْب ﵇ [٨٨ هود] : ﴿عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ .

стр. 29

وَمِنْهُم طَائِفَة قد تتْرك المستحبات من الْأَعْمَال دون الْوَاجِبَات فتنقص بِقدر ذَلِك. وَمِنْهُم طَائِفَة يغترون بِمَا يحصل لَهُم من خرق عَادَة - مثل مكاشفة أَو استجابة دَعْوَة مُخَالفَة للْعَادَة وَنَحْو ذَلِك - فيشتغل أحدهم بِهَذِهِ الْأُمُور عَمَّا أَمر بِهِ من الْعِبَادَة وَالشُّكْر وَنَحْو ذَلِك. فَهَذِهِ الْأُمُور وَنَحْوهَا كثيرا مَا تعرض لأهل السلوك والتوجه وَإِنَّمَا ينجو العَبْد مِنْهَا بملازمة أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله فِي كل وَقت كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَ من مضى من سلفنا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة . وَذَلِكَ أَن السّنة كَمَا قَالَ مَالك ﵀: مثل سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق. وَالْعِبَادَة وَالطَّاعَة والاستقامة وَلُزُوم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء مقصودها وَاحِد وَلها أصلان: أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله. وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع قَالَ تَعَالَى [١١٠ الْكَهْف] : ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١١٢ الْبَقَرَة] : ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٢٥ النِّسَاء] : ﴿وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ .

стр. 30

فَ الْعَمَل الصَّالح هُوَ الْإِحْسَان وَهُوَ فعل الْحَسَنَات والحسنات هِيَ مَا أحبه الله وَرَسُوله وَهُوَ مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتَجَابَ. فَمَا كَانَ من الْبدع فِي الدَّين الَّتِي لَيست فِي الْكتاب، وَلَا فِي صَحِيح السّنة، فَإِنَّهَا - وَإِن قَالَهَا من قَالَهَا، وَعمل بهَا من عمل - لَيست مَشْرُوعَة؛ فَإِن الله لَا يُحِبهَا وَلَا رَسُوله، فَلَا تكون من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح. كَمَا أَن من يعْمل مَا لَا يجوز، كالفواحش وَالظُّلم لَيْسَ من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح. وَأما قَوْله [١١٠ الْكَهْف] : ﴿وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ وَقَوله [١١٢ الْبَقَرَة] ﴿أسلم وَجهه لله﴾ فَهُوَ إخلاص الدَّين لله وَحده وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا. وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [٧ هود، ٢ الْملك] : ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ جَمِيع مَا يُحِبهُ الله دَاخِلا فِي اسْم الْعِبَادَة فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الْكتاب [٥ الْفَاتِحَة] :

стр. 31

﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَوله لنَبيه [١٢٣ هود] : ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَقَول نوح [٣ نوح] : ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ وَكَذَلِكَ قَول غَيره من الرُّسُل؟ قيل: هَذَا لَهُ نَظَائِر كَمَا فِي قَوْله [٤٥ العنكبوت] : ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ والفحشاء من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [٩٠ النَّحْل] : ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي﴾ وإيتاء ذِي الْقُرْبَى هُوَ من الْعدْل وَالْإِحْسَان كَمَا أَن الْفَحْشَاء وَالْبَغي من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [١٧٠ الْأَعْرَاف] : ﴿وَالَّذين يمسّكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ وَإِقَامَة الصَّلَاة من أعظم التَّمَسُّك بِالْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله عَن أنبيائه [٩٠ الْأَنْبِيَاء] : ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ ودعاؤهم رغبا ورهبا من الْخيرَات وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن كثير. وَهَذَا الْبَاب يكون تَارَة مَعَ كَون أَحدهمَا بعض الآخر فيعطف عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذكر لكَونه مَطْلُوبا بِالْمَعْنَى الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص. وَتارَة ت تنوع دلَالَة الِاسْم بِحَال الِانْفِرَاد والاقتران فَإِذا أفرد عَم وَإِذا قرن بِغَيْرِهِ خص كاسم الْفَقِير والمسكين لما أفرد أَحدهمَا فِي مثل قَوْله [٢٧٣ الْبَقَرَة] : ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ وَقَوله [٨٩ الْمَائِدَة] : ﴿إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ دخل فِيهِ الآخر وَلما قرن بَينهمَا فِي

стр. 32

قَوْله [٦٠ التَّوْبَة] : ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ صَارا نَوْعَيْنِ. وَقد قيل: إِن الْخَاص الْمَعْطُوف على الْعَام لَا يدْخل فِي الْعَام حَال الاقتران بل يكون من هَذَا الْبَاب وَالتَّحْقِيق أَن هَذَا لَيْسَ لَازِما قَالَ تَعَالَى [٩٨ الْبَقَرَة] : ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٧ الْأَحْزَاب] : ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ . وَذكر الْخَاص مَعَ الْعَام يكون لأسباب متنوعة: تَارَة لكَونه لَهُ خاصية لَيست لسَائِر أَفْرَاد الْعَام كَمَا فِي نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَتارَة لكَون الْعَام فِيهِ إِطْلَاق قد لَا يفهم مِنْهُ الْعُمُوم كَمَا فِي قَوْله [٢-٤ الْبَقَرَة] : ﴿هدى لِلْمُتقين * الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ * وَالَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك﴾ فَقَوله: ﴿يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يتَنَاوَل كل الْغَيْب الَّذِي يجب الْإِيمَان بِهِ لَكِن فِيهِ إِجْمَال فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَن من الْغَيْب ﴿مَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك﴾ وَقد يكون الْمَقْصُود أَنهم يُؤمنُونَ بالمخبر بِهِ وَهُوَ الْغَيْب وبالإخبار بِالْغَيْبِ وَهُوَ ﴿مَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك﴾ . وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى [٤٥ العنكبوت] : ﴿اتل مَا أُوحِي إِلَيْك من الْكتاب وأقم الصَّلَاة﴾ وَقَوله [١٧٠ الْأَعْرَاف] : ﴿وَالَّذين يمسّكون

стр. 33

بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ وتلاوة الْكتاب هِيَ اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى [١٢١ الْبَقَرَة] : ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يتلونه حق تِلَاوَته﴾ قَالَ: يحلّون حَلَاله ويحرمون حرَامه ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه. فاتباع الْكتاب يتَنَاوَل الصَّلَاة وَغَيرهَا لَكِن خصها بِالذكر لمزيتها وَكَذَلِكَ قَوْله لمُوسَى [١٤ طه] : ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ وَإِقَامَة الصَّلَاة لذكره من أجلِّ عِبَادَته وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى [٧٠ الْأَحْزَاب] : ﴿اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا﴾ وَقَوله [٣٥ الْمَائِدَة] : ﴿اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ وَقَوله [١١٩ التَّوْبَة] : ﴿اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ فَإِن هَذِه الْأُمُور هِيَ أَيْضا من تَمام تقوى الله وَكَذَلِكَ قَوْله [١٢٣ هود] : ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ فَإِن التَّوَكُّل هُوَ الِاسْتِعَانَة وَهِي من عبَادَة الله لَكِن خصت بِالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها فَإِنَّهَا هِيَ العون على سَائِر أَنْوَاع الْعِبَادَة إِذْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُعبد إِلَّا بمعونته. إِذا تبين هَذَا فكمال الْمَخْلُوق فِي تَحْقِيق عبوديته لله وَكلما ازْدَادَ العَبْد تَحْقِيقا للعبودية ازْدَادَ كَمَاله وعلت دَرَجَته وَمن توهم أَن الْمَخْلُوق يخرج من الْعُبُودِيَّة بِوَجْه من الْوُجُوه أَو أَن الْخُرُوج عَنْهَا أكمل فَهُوَ من أَجْهَل الْخلق بل من أضلهم قَالَ تَعَالَى [٢٦-٢٨ الْأَنْبِيَاء] :

стр. 34

﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون * لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ * يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٨٨-٩٥ مَرْيَم] : ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا * لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا * تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا * أَن دعوا للرحمن ولدا * وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا * إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمَسِيح [٥٩ الزخرف] : ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٩-٢٠ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون * يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٧٢-١٧٣ النِّسَاء] : ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٦٠ غَافِر] : ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٣٧-٣٨ فصلت] : ﴿وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ * فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٠٥-٢٠٦ الْأَعْرَاف] : ﴿وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعا وخيفة وَدون الْجَهْر من

стр. 35

القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال وَلَا تكن من الغافلين * إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾ . وَهَذَا وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ وصف أكَابِر الْخلق بِالْعبَادَة وذم من خرج عَن ذَلِك مُتَعَدد فِي الْقُرْآن وَقد أخبر أَنه أرسل جَمِيع الرُّسُل بذلك فَقَالَ تَعَالَى [٢٥ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٣٦ النَّحْل] : ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَقَالَ تَعَالَى لبنى إِسْرَائِيل [٥٦ العنكبوت] : ﴿يَا عبَادي الَّذين آمنُوا إِن أرضي وَاسِعَة فإياي فاعبدون﴾ [٤١ الْبَقَرَة] : ﴿وإياي فاتقون﴾ وَقَالَ [٢١ الْبَقَرَة] : ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقَالَ [٥٦ الذاريات] : ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١١-١٥ الزمر] : ﴿قل إِنِّي أمرت أَن أعبد الله مخلصا لَهُ الدَّين * وَأمرت لِأَن أكون أول الْمُسلمين * قل إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم * قل الله أعبد مخلصا لَهُ ديني * فاعبدوا مَا شِئْتُم من دونه﴾ . وكل رَسُول من الرُّسُل افْتتح دَعوته بِالدُّعَاءِ إِلَى عبَادَة الله كَقَوْل نوح وَمن بعده ﵈ فِي سُورَة الشُّعَرَاء وَغَيرهَا [٥٩ الْأَعْرَاف] : ﴿اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ .

стр. 36

وَفِي " الْمسند " عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " بعثت بِالسَّيْفِ بَين يدى السَّاعَة حَتَّى يُعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة وَالصغَار على من خَالف أمرى ". وَقد بَين أَن عباده المخلصين هم الَّذين ينجون من السَّيِّئَات الَّتِي زيّنها الشَّيْطَان قَالَ الشَّيْطَان [٣٩-٤٠ الْحجر] : ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ قَالَ تَعَالَى [٤١-٤٢ الْحجر] : ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم * إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ وَقَالَ [٨٢-٨٣ ص] : ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ وَقَالَ فِي حق يُوسُف [٢٤ يُوسُف] : ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٥٩-١٦٠ الصافات] : ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ * إِلَّا عباد الله المخلصين﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٩٩-١٠٠ النَّحْل] : ﴿إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾ .

стр. 37

وبالعبودية نعت كل من اصْطفى من خلقه فِي قَوْله [٤٥-٤٧ ص] : ﴿وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أولي الْأَيْدِي والأبصار * إِنَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدَّار * وَإِنَّهُم عندنَا لمن المصطفين الأخيار﴾ وَقَوله [١٧ ص] : ﴿وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد ذَا الأيد إِنَّه أواب﴾ . وَقَالَ عَن سُلَيْمَان [٣٠ ص] : ﴿نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ . وَعَن أَيُّوب [٤٤ ص] : ﴿نعم العَبْد﴾ . وَقَالَ عَنهُ [٤١ ص] : ﴿وَاذْكُر عَبدنَا أَيُّوب إِذْ نَادَى ربه﴾ . وَقَالَ عَن نوح ﵇ [٣ الْإِسْرَاء] : ﴿ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا﴾ . وَقَالَ عَن خَاتم رسله [١ الْإِسْرَاء] : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ - وَهُوَ أولى الْقبْلَتَيْنِ، وَقد خصّه الله بِأَن جعل الْعِبَادَة فِيهِ بخمسمئة ضعف، وَالْمَقْصُود بمضاعفة الْحَسَنَات هُوَ الْمَسْجِد الَّذِي حرقه الْيَهُود، عَلَيْهِم لعنة الله، ويظن الْبَعْض أَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى هُوَ الصَّخْرَة والقبة المحيطة بهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك - وَقَالَ [١٩ الْجِنّ] : ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد

стр. 38

الله يَدعُوهُ﴾ وَقَالَ [٢٣ الْبَقَرَة] : ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا﴾ وَقَالَ [١٠ النَّجْم] : ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ وَقَالَ [٦ الْإِنْسَان] : ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾ وَقَالَ [٦٣ الْفرْقَان] : ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ وَمثل هَذَا كثير مُتَعَدد فِي الْقُرْآن. فصل [فِي التَّفَاضُل بِالْإِيمَان] إِذا تبين ذَلِك فمعلوم أَن النَّاس يتفاضلون فِي هَذَا الْبَاب تفاضلا عَظِيما وَهُوَ تفاضلهم فِي حَقِيقَة الْإِيمَان وهم ينقسمون فِيهِ إِلَى عَام وخاص وَلِهَذَا كَانَت إلهية الرب لَهُم فِيهَا عُمُوم وخصوص. وَلِهَذَا كَانَ الشّرك فِي هَذِه الْأمة " أخْفى من دَبِيب النَّمْل ". وَفِي " الصَّحِيح " عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " تعس عبد الدِّرْهَم تعس عبد الدِّينَار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش إِن أعطي رَضِي وَإِن منع سخط ". فَسَماهُ النَّبِي ﷺ عبد الدِّرْهَم وَعبد الدِّينَار وَعبد القطيفة وَعبد الخميصة وَذكر مَا فِيهِ دُعَاء وخبرًا وَهُوَ قَوْله: " تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش " والنقش إِخْرَاج الشَّوْكَة من الرجل والمنقاش مَا يخرج بِهِ الشَّوْكَة. وَهَذِه حَال من إِذا أَصَابَهُ شَرّ لم يخرج مِنْهُ وَلم يفلح لكَونه

стр. 39

تعس وانتكس فَلَا نَالَ الْمَطْلُوب وَلَا خلص من الْمَكْرُوه وَهَذِه حَال من عبد المَال وَقد وصف ذَلِك بِأَنَّهُ إِذا أعطي رَضِي وَإِن منع سخط كَمَا قَالَ تَعَالَى [٥٨ التَّوْبَة] : ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله. وَهَكَذَا حَال من كَانَ مُتَعَلقا برئاسة أَو بِصُورَة - وَنَحْو ذَلِك من أهواء نَفسه - إِن حصل لَهُ رَضِي وَإِن لم يحصل لَهُ سخط فَهَذَا عبد مَا يهواه من ذَلِك وَهُوَ رَقِيق لَهُ إِذْ الرّقّ والعبودية فِي الْحَقِيقَة هُوَ رق الْقلب وعبوديته فَمَا اسْترق الْقلب واستعبده فَهُوَ عَبده. وَلِهَذَا يُقَال: العَبْد حر مَا قنع ... وَالْحر عبد مَا طمع وَقَالَ الشَّاعِر: أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ... وَلَو أَنِّي قنعت لَكُنْت حرًّا وَيُقَال: الطمع غل فِي الْعُنُق قيد فِي الرجل فَإِذا زَالَ الغل من الْعُنُق زَالَ الْقَيْد من الرجل.

стр. 40

ويروى عَن عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ: الطمع فقر واليأس غنى وَإِن أحدكُم إِذا يئس من شئ اسْتغنى عَنهُ. وَهَذَا أَمر يجده الْإِنْسَان من نَفسه فَإِن الْأَمر الَّذِي ييأس مِنْهُ لَا يَطْلُبهُ وَلَا يطْمع فِيهِ وَلَا يبْقى قلبه فَقِيرا إِلَيْهِ وَلَا إِلَى من يَفْعَله وَأما إِذا طمع فِي أَمر من الْأُمُور ورجاه فَإِن قلبه يتَعَلَّق بِهِ فَيصير فَقِيرا إِلَى حُصُوله وَإِلَى من يظنّ أَنه سَبَب فِي حُصُوله وَهَذَا فِي المَال والجاه والصور وَغير ذَلِك قَالَ الْخَلِيل ﷺ [١٧ العنكبوت] : ﴿فابتغوا عِنْد الله الرزق واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ ترجعون﴾ . فَالْعَبْد لَا بُد لَهُ من رزق وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى ذَلِك فَإِذا طلب رزقه من الله صَار عبدا لله فَقِيرا إِلَيْهِ وَإِذا طلبه من مَخْلُوق صَار عبدا لذَلِك الْمَخْلُوق فَقِيرا إِلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَت مَسْأَلَة الْمَخْلُوق مُحرمَة فِي الأَصْل وَإِنَّمَا أبيحت للضَّرُورَة وَفِي النهى عَنْهَا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي " الصِّحَاح " و " السّنَن " و " المسانيد " كَقَوْلِه ﷺ : " لَا تزَال الْمَسْأَلَة بأحدكم حَتَّى يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعه لحم " وَقَالَ: " من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يُغْنِيه جَاءَت
следующие страницы →