Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.
стр. 71
وَلِهَذَا وجد فِي الْمُتَأَخِّرين من انبسط فِي دَعْوَى الْمحبَّة حَتَّى أخرجه ذَلِك إِلَى نوع من الرعونة وَالدَّعْوَى الَّتِي تنَافِي الْعُبُودِيَّة وَتدْخل العَبْد فِي نوع من الربوبية الَّتِي لَا تصلح إِلَّا لله فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حُدُود الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ أَو يطْلب من الله مَا لَا يصلح بِكُل وَجه إِلَّا لله لَا يصلح للأنبياء وَلَا للمرسلين.
وَهَذَا بَاب وَقع فِيهِ كثير من الشُّيُوخ وَسَببه ضعف تَحْقِيق الْعُبُودِيَّة الَّتِي بيّنها الرُّسُل وحررها الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي جَاءُوا بِهِ بل ضعف الْعقل الَّذِي بِهِ يعرف العَبْد حَقِيقَته وَإِذا ضعف الْعقل وقلص الْعلم بِالدّينِ وَفِي النَّفس محبَّة طائشة جاهلة انبسطت النَّفس بحمقها فِي ذَلِك كَمَا ينبسط الْإِنْسَان فِي محبَّة الْإِنْسَان مَعَ حمقه وجهله وَيَقُول: أَنا محب فَلَا أؤاخذ بِمَا أَفعلهُ من أَنْوَاع يكون فِيهَا عدوان وَجَهل فَهَذَا عين الضلال وَهُوَ شَبيه بقول الْيَهُود وَالنَّصَارَى [١٨ الْمَائِدَة] : ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ فَإِن تعذيبه لَهُم بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنهم غير محبوبين وَلَا منسوبين إِلَيْهِ بِنسَب الْبُنُوَّة بل يَقْتَضِي أَنهم مربوبون مخلوقون.
فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان
стр. 72
وَمن فعل الْكَبَائِر وأصر عَلَيْهَا وَلم يتب مِنْهَا فَإِن الله يبغض مِنْهُ ذَلِك كَمَا يحب مِنْهُ مَا يَفْعَله من الْخَيْر إِذْ حبه للْعَبد بِحَسب إيمَانه وتقواه.
وَمن ظن أَن الذُّنُوب لَا تضره لكَون الله يُحِبهُ مَعَ إصراره عَلَيْهَا كَانَ بِمَنْزِلَة من زعم أَن تنَاول السم لَا يضرّهُ مَعَ مداومته عَلَيْهِ وَعدم تداويه مِنْهُ لصِحَّة مزاجه وَلَو تدبر الأحمق مَا قصّ الله فِي كِتَابه من قصَص أنبيائه وَمَا جرى لَهُم من التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار وَمَا أصيبوا بِهِ من أَنْوَاع الْبلَاء الَّذِي فِيهِ تمحيص لَهُم وتطهير بِحَسب أَحْوَالهم علم بعض ضَرَر الذُّنُوب بأصحابها وَلَو كَانَ أرفع النَّاس مقَاما فَإِن الْمُحب للمخلوق إِذا لم يكن عَارِفًا بمحابّه وَلَا مرِيدا لَهَا بل يعْمل بِمُقْتَضى الْحبّ وَإِن كَانَ جهلا وظلما كَانَ ذَلِك سَببا لِبُغْض المحبوب لَهُ ونفوره عَنهُ بل سَببا لعقوبته.
وَكثير من السالكين سلكوا فِي دَعْوَى حب الله أنواعا من أُمُور الْجَهْل بِالدّينِ: إِمَّا من تعدِي حُدُود الله وَإِمَّا من تَضْييع حُقُوق الله وَإِمَّا من ادِّعَاء الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا كَقَوْل بَعضهم: أَي مُرِيد لي ترك فِي النَّار أحدا فَأَنا برِئ مِنْهُ، فَقَالَ الآخر: أَي مُرِيد لي ترك أحدا من الْمُؤمنِينَ يدْخل النَّار فَأَنا مِنْهُ بَرِيء.
فَالْأول جعل مريده يخرج كل من فِي النَّار.
وَالثَّانِي جعل مريده يمْنَع أهل الْكَبَائِر من دُخُول النَّار.
стр. 73
وَيَقُول بَعضهم: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نصبت خَيْمَتي على جَهَنَّم حَتَّى لَا يدخلهَا أحد.
وأمثال ذَلِك من الْأَقْوَال الَّتِي تُؤثر عَن بعض الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين وَهِي إِمَّا كذب عَلَيْهِم وَإِمَّا غلط مِنْهُم.
وَمثل هَذَا قد يصدر فِي حَال سكر وَغَلَبَة وفناء يسْقط فِيهَا تَمْيِيز الْإِنْسَان أَو يضعف حَتَّى لَا يدْرِي مَا قَالَ. وَالسكر هُوَ لَذَّة مَعَ عدم تَمْيِيز وَلِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ من إِذا صَحا اسْتغْفر من ذَلِك الْكَلَام وَالَّذين توسعوا من الشُّيُوخ فِي سَماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام كَانَ هَذَا أصل مقصدهم فَإِن هَذَا الْجِنْس يُحَرك مَا فِي الْقلب من الْحبّ كَائِنا مَا كَانَ وَلِهَذَا أنزل الله محنة يمْتَحن بهَا الْمُحب فَقَالَ [٣١ آل عمرَان] : ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَلَا يكون محبا لله إِلَّا من يتبع رَسُوله وَطَاعَة الرَّسُول ومتابعته لَا تكون إِلَّا بتحقيق الْعُبُودِيَّة وَكثير مِمَّن يَدعِي الْمحبَّة يخرج عَن شَرِيعَته وسنته ﷺ وَيَدعِي من الْحَالَات مَا لَا يَتَّسِع هَذَا الْموضع لذكره حَتَّى قد يظنّ أحدهم سُقُوط الْأَمر وَتَحْلِيل الْحَرَام لَهُ وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ مُخَالفَة شَرِيعَة الرَّسُول وسنته وطاعته.
بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رَسُوله الْجِهَاد فِي سَبيله وَالْجهَاد يتَضَمَّن كَمَال محبَّة مَا أَمر الله بِهِ وَكَمَال بغض مَا نهى الله عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي صفة من يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [٥٤ الْمَائِدَة] :
стр. 74
﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ .
وَلِهَذَا كَانَت محبَّة هَذِه الْأمة لله أكمل من محبَّة من قبلهَا وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم وأكمل هَذِه الْأمة فِي ذَلِك هم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَمن كَانَ بهم أشبه كَانَ ذَلِك فِيهِ أكمل فَأَيْنَ هَذَا من قوم يدعونَ الْمحبَّة؟
وَفِي كَلَام بعض الشُّيُوخ: الْمحبَّة نَار تحرق فِي الْقلب مَا سوى مُرَاد المحبوب. وَأَرَادُوا أَن الْكَوْن كُله قد أَرَادَ الله وجوده فظنوا أَن كَمَال الْمحبَّة أَن يحب العَبْد كل شَيْء حَتَّى الْكفْر والفسوق والعصيان وَ لَا يُمكن لأحد أَن يحب كل مَوْجُود بل يحب مَا يلائمه وينفعه وَيبغض مَا يُنَافِيهِ ويضره وَلَكِن استفادوا بِهَذَا الضلال اتِّبَاع أهوائهم ثمَّ زادهم انغماسا فِي أهوائهم وشهواتهم فهم يحبونَ مَا يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المَال والبدع المضلة زاعمين أَن هَذَا من محبَّة الله وَمن محبَّة الله بغض مَا يبغضه الله وَرَسُوله وَجِهَاد أَهله بِالنَّفسِ وَالْمَال.
وأصل ضلالهم: أَن هَذَا الْقَائِل الَّذِي قَالَ: إِن الْمحبَّة نَار تحرق مَا سوى مُرَاد المحبوب، قصد بِمُرَاد الله تَعَالَى: الْإِرَادَة الكونية فِي كل الموجودات.
أما لَو قَالَ مُؤمن بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله، هَذِه الْمقَالة، فَإِنَّهُ يقْصد الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى محبته وَرضَاهُ، فَكَأَنَّهُ
стр. 75
قَالَ: تحرق من الْقلب مَا سوى المحبوب لله. وَهَذَا معنى صَحِيح فَإِن من تَمام الْحبّ لله أَلا يحب إِلَّا مَا يُحِبهُ الله فَإِذا أَحْبَبْت مَا لَا يحب كَانَت الْمحبَّة نَاقِصَة. وَأما قَضَاؤُهُ وَقدره فَهُوَ يبغضه ويكرهه ويسخطه وَينْهى عَنهُ فَإِن لم أوافقه فِي بغضه وكراهته وَسخطه لم أكن محبا لَهُ بل محبا لما يبغضه.
فاتباع هَذِه الشَّرِيعَة وَالْقِيَام بِالْجِهَادِ بهَا من أعظم الفروق بَين أهل محبَّة الله وأوليائه الَّذين يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَبَين من يَدعِي محبَّة الله نَاظرا إِلَى عُمُوم ربوبيته أَو مُتبعا لبَعض الْبدع الْمُخَالفَة لشريعته فَإِن دَعْوَى هَذِه الْمحبَّة لله من جنس دَعْوَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى الْمحبَّة لله بل قد تكون دَعْوَى هَؤُلَاءِ شرا من دَعْوَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى لما فيهم من النِّفَاق الَّذين هم بِهِ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار كَمَا قد تكون دَعْوَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى شرا من دَعوَاهُم إِذا لم يصلوا إِلَى مثل كفرهم.
وَفِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل من التَّرْغِيب فِي محبَّة الله مَا هم متفقون عَلَيْهِ حَتَّى إِن ذَلِك عِنْدهم أعظم وَصَايَا الناموس.
стр. 76
فَفِي الْإِنْجِيل أعظم وَصَايَا الْمَسِيح: (أَن تحب الله بِكُل قَلْبك وعقلك ونفسك) وَالنَّصَارَى يدعونَ قيامهم بِهَذِهِ الْمحبَّة وَأَن مَا هم فِيهِ من الزّهْد وَالْعِبَادَة هُوَ من ذَلِك وهم بُرَآء من محبَّة الله إِذْ لم يتبعوا مَا أحبه بل ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ [٢٨ مُحَمَّد] .
وَالله يبغض الْكَافرين ويمقتهم ويلعنهم وَهُوَ سُبْحَانَهُ يحب من يُحِبهُ لَا يُمكن أَن يكون العَبْد محبا لله وَالله تَعَالَى غير محب لَهُ بل بِقدر محبَّة العَبْد لرَبه يكون حب الله لَهُ وَإِن كَانَ جَزَاء الله لعَبْدِهِ أعظم كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ: " من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة ".
وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أَنه يحب الْمُتَّقِينَ والمحسنين وَالصَّابِرِينَ وَيُحب التوابين وَيُحب المتطهرين بل هُوَ يحب من فعل مَا أَمر بِهِ
стр. 77
من وَاجِب ومستحب كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " لَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ " الحَدِيث، وَكثير من المخطئين الَّذين ابتدعوا أَشْيَاء فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة وَقَعُوا فِي بعض مَا وَقع فِيهِ النَّصَارَى من دَعْوَى الْمحبَّة لله مَعَ مُخَالفَة شَرِيعَته وَترك المجاهدة فِي سَبيله وَنَحْو ذَلِك ويتمسكون فِي الدَّين الَّذِي يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى الله بِنَحْوِ مَا تمسك بِهِ النَّصَارَى من الْكَلَام الْمُتَشَابه والحكايات الَّتِي لَا يعرف صدق قَائِلهَا وَلَو صدق لم يكن قَائِلهَا مَعْصُوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لَهُم دينا كَمَا جعل النَّصَارَى قسيسيهم وَرُهْبَانهمْ شارعين لَهُم دينا ثمَّ إِنَّهُم ينتقصون الْعُبُودِيَّة وَيدعونَ أَن الْخَاصَّة يتعدونها كَمَا يَدعِي النَّصَارَى فِي الْمَسِيح والقساوسة ويثبتون لخاصتهم من الْمُشَاركَة فِي الله من جنس مَا تثبته النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَأمه والقسيسين والرهبان إِلَى أَنْوَاع أخر يطول شرحها فِي هَذَا الْموضع.
وَإِنَّمَا الدَّين الْحق هُوَ تَحْقِيق الْعُبُودِيَّة لله بِكُل وَجه وَهُوَ تَحْقِيق محبَّة الله بِكُل دَرَجَة وبقدر تَكْمِيل الْعُبُودِيَّة تكمل محبَّة
стр. 78
العَبْد لرَبه وتكمل محبَّة الرب لعَبْدِهِ وبقدر نقص هَذَا يكون نقص هَذَا وَكلما كَانَ فِي الْقلب حب لغير الله كَانَت فِيهِ عبودية لغير الله بِحَسب ذَلِك وَكلما كَانَ فِيهِ عبودية لغير الله كَانَ فِيهِ حب لغير الله بِحَسب ذَلِك.
وكل محبَّة لَا تكون لله فَهِيَ بَاطِلَة وكل عمل لَا يُرَاد بِهِ وَجه الله فَهُوَ بَاطِل فـ " الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لله " وَلَا يكون لله إِلَّا مَا أحبه الله وَرَسُوله وَهُوَ الْمَشْرُوع.
فَكل عمل أُرِيد بِهِ غير الله لم يكن لله وكل عمل لَا يُوَافق شرع الله لم يكن لله بل لَا يكون لله إِلَّا مَا جمع الوصفين: أَن يكون لله وَأَن يكون مُوَافقا لمحبة الله وَرَسُوله وَهُوَ الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب كَمَا قَالَ تَعَالَى [١١٠ الْكَهْف] : ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ .
فَلَا بُد من الْعَمَل الصَّالح وَهُوَ الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب وَلَا بُد أَن يكون خَالِصا لوجه الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى [١١٢ الْبَقَرَة] : ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ . وَقَالَ النَّبِي ﷺ : " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَقَالَ ﷺ : " إِنَّمَا
стр. 79
الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ".
وَهَذَا الأَصْل هُوَ أصل الدَّين وبحسب تَحْقِيقه يكون تَحْقِيق الدَّين وَبِه أرسل الله الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَإِلَيْهِ دَعَا الرَّسُول وَعَلِيهِ جَاهد وَبِه أَمر وَفِيه رغب وَهُوَ قطب الدَّين الَّذِي تَدور عَلَيْهِ رحاه.
والشرك غَالب على النُّفُوس وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: هُوَ فِي هَذِه الْأمة " أخْفى من دَبِيب النَّمْل " وَفِي حَدِيث آخر: قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله كَيفَ ننجو مِنْهُ وَهُوَ أخْفى من دَبِيب النَّمْل؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " أعلمك كلمة إِذا قلتهَا نجوت من دقه وجله قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك وَأَنا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم " وَكَانَ عمر يَقُول فِي دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ
стр. 80
اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا) .
وَكَثِيرًا مَا يخالط النُّفُوس من الشَّهَوَات الْخفية مَا يفْسد عَلَيْهَا تَحْقِيق محبتها لله وعبوديتها لَهُ وإخلاص دينهَا لَهُ كَمَا قَالَ شَدَّاد بن أَوْس: يَا نعايا الْعَرَب يَا نعايا الْعَرَب إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الْخفية، وَقيل لأبي دَاوُد السجسْتانِي: وَمَا الشَّهْوَة الْخفية؟ قَالَ: حب الرِّئَاسَة.
وَعَن كَعْب بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي زريبة غنم بأفسد لَهَا من حرص الْمَرْء على المَال والشرف لدينِهِ " قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
стр. 81
فَبين ﷺ أَن الْحِرْص على المَال والشرف فِي إِفْسَاد الدَّين لَا ينقص عَن إِفْسَاد الذئبين الجائعين لزريبة الْغنم وَذَلِكَ بيّن فَإِن الدَّين السَّلِيم لَا يكون فِيهِ هَذَا الْحِرْص وَذَلِكَ أَن الْقلب إِذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته لَهُ لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من ذَلِك حَتَّى يقدمهُ عَلَيْهِ وَبِذَلِك يصرف عَن أهل الْإِخْلَاص لله السوء والفحشاء كَمَا قَالَ تَعَالَى [٢٤ يُوسُف] : ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ .
فَإِن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله مَا يمنعهُ عَن عبوديته لغيره وَمن حلاوة محبته لله مَا يمنعهُ عَن محبَّة غَيره إِذْ لَيْسَ عِنْد الْقلب السَّلِيم أحلى وَلَا ألذ وَلَا أطيب وَلَا أسر وَلَا أنعم من حلاوة الْإِيمَان المتضمن عبوديته لله ومحبته لَهُ وإخلاص الدَّين لَهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي انجذاب الْقلب إِلَى الله فَيصير الْقلب منيبا إِلَى الله خَائفًا مِنْهُ رَاغِبًا رَاهِبًا كَمَا قَالَ تَعَالَى [٣٣ ق] : ﴿من خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بقلب منيب﴾ إِذْ
стр. 82
الْمُحب يخَاف من زَوَال مَطْلُوبه أَو حُصُول مرغوبه فَلَا يكون عبد الله ومحبه إِلَّا بَين خوف ورجاء كَمَا قَالَ تَعَالَى [٥٧ الْإِسْرَاء] : ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ أقرب ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا﴾ .
وَإِذا كَانَ العَبْد مخلصا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إِلَيْهِ فَيَنْصَرِف عَنهُ مَا يضاد ذَلِك من السوء والفحشاء وَيخَاف من حُصُول ضد ذَلِك بِخِلَاف الْقلب الَّذِي لم يخلص لله فَإِن فِيهِ طلبا وَإِرَادَة وحبا مُطلقًا فيهوى مَا يسنح لَهُ ويتشبث بِمَا يهواه كالغصن أَي نسيم مر بِهِ عطفه وأماله فَتَارَة تجتذبه الصُّور الْمُحرمَة وَغير الْمُحرمَة فَيبقى أَسِيرًا عبدا لمن لَو اتَّخذهُ هُوَ عبدا لَهُ لَكَانَ ذَلِك عَيْبا ونقصا وذما.
وَتارَة يجتذبه الشّرف والرئاسة فترضيه الْكَلِمَة وتغضبه الْكَلِمَة ويستعبده من يثني عَلَيْهِ وَلَو بِالْبَاطِلِ ويعادي من يذمه وَلَو بِالْحَقِّ.
وَتارَة يستعبده الدِّرْهَم وَالدِّينَار وأمثال ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي تستعبد الْقُلُوب والقلوب تهواها فيتخذ إِلَهًا هَوَاهُ وَيتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله.
وَمن لم يكن خَالِصا لله عبدا لَهُ قد صَار قلبه معبدًا لرَبه وَحده لَا شريك لَهُ بِحَيْثُ يكون الله أحب إِلَيْهِ من كل مَا سواهُ وَيكون ذليلا لَهُ خاضعا وَإِلَّا استعبدته الكائنات
стр. 83
واستولت على قلبه الشَّيَاطِين فَكَانَ من الغاوين إخْوَان الشَّيَاطِين وَصَارَ فِيهِ من السوء والفحشاء مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
وَهَذَا أَمر ضَرُورِيّ لَا حِيلَة فِيهِ.
فالقلب إِن لم يكن حَنِيفا مُقبلا على الله معرضًا عَمَّا سواهُ وَإِلَّا كَانَ مُشْركًا قَالَ تَعَالَى [٣٠-٣٢ الرّوم] : ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدَّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ * منيبين إِلَيْهِ واتقوه وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين * من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ .
وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم أَئِمَّة لهَؤُلَاء الحنفاء المخلصين أهل محبَّة الله وعبادته وإخلاص الدَّين لَهُ كَمَا جعل فِرْعَوْن وَآل فِرْعَوْن أَئِمَّة الْمُشْركين المتبعين أهواءهم قَالَ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم [٧٢-٧٣ الْأَنْبِيَاء] : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة وكلا جعلنَا صالحين * وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَانُوا لنا عابدين﴾ وَقَالَ فِي فِرْعَوْن وَقَومه [٤١-٤٢ الْقَصَص] : ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ * وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ وَلِهَذَا يصير أَتبَاع فِرْعَوْن أَولا إِلَى أَلا يميزوا بَين مَا
стр. 84
يُحِبهُ الله ويرضاه وَبَين مَا قدر الله وقضاه بل ينظرُونَ إِلَى الْمَشِيئَة الْمُطلقَة الشاملة ثمَّ فِي آخر الْأَمر لَا يميزون بَين الْخَالِق والمخلوق بل يجْعَلُونَ وجود هَذَا وجود هَذَا.
وَيَقُول محققوهم: الشَّرِيعَة فِيهَا طَاعَة ومعصية والحقيقة فِيهَا مَعْصِيّة بِلَا طَاعَة وَالتَّحْقِيق لَيْسَ فِيهِ طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة. وَهَذَا تَحْقِيق مَذْهَب فِرْعَوْن وَقَومه الَّذين أَنْكَرُوا الْخَالِق وأنكروا تكليمه لعَبْدِهِ مُوسَى وَمَا أرْسلهُ بِهِ من الْأَمر وَالنَّهْي.
وَأما إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم الحنفاء من الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ بهم فهم يعلمُونَ أَنه لَا بُد من الْفرق بَين الْخَالِق والمخلوق وَلَا بُد من الْفرق بَين الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَأَن العَبْد كلما ازْدَادَ تَحْقِيقا لهَذَا الْفرق ازدادت محبته لله وعبوديته لَهُ وطاعته لَهُ وإعراضه عَن عبَادَة غَيره ومحبة غَيره وَطَاعَة غَيره.
وَهَؤُلَاء الْمُشْركُونَ الضالون يسوون بَين الله وَبَين خلقه والخليل يَقُول [٧٥-٧٧ الشُّعَرَاء] : ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ * أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون * فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ ويتمسكون بالمتشابه من كَلَام الْمَشَايِخ كَمَا فعلت النَّصَارَى.
مِثَال ذَلِك: اسْم (الفناء) فَإِن الفناء ثَلَاثَة أَنْوَاع:
نوع للكاملين من الْأَنْبِيَاء والأولياء.
وَنَوع للقاصدين من الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ.
وَنَوع لِلْمُنَافِقين الْمُلْحِدِينَ المشبهين.
فَأَما الأول: فَهُوَ الفناء عَن إِرَادَة مَا سوى الله، بِحَيْثُ لَا
стр. 85
يحب إِلَّا الله وَلَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يطْلب من غَيره وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي يجب أَن يقْصد بقول الشَّيْخ أبي يزِيد حَيْثُ قَالَ: (أُرِيد ألاّ أُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد) أَي المُرَاد المحبوب المرضي وَهُوَ المُرَاد بالإرادة الدِّينِيَّة وَكَمَال العَبْد أَلا يُرِيد وَلَا يحب وَلَا يرضى إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله ورضيه وأحبه وَهُوَ مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتِحْبَاب وَلَا يحب إِلَّا مَا يُحِبهُ الله كالملائكة والأنبياء وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا معنى قَوْلهم فِي قَوْله [٨٩ الشُّعَرَاء] : ﴿إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ قَالُوا: هُوَ السَّلِيم مِمَّا سوى الله أَو مِمَّا سوى عبَادَة الله أَو مِمَّا سوى إِرَادَة الله أَو مِمَّا سوى محبَّة الله فَالْمَعْنى وَاحِد وَهَذَا الْمَعْنى إِن سمي فنَاء أَو لم يسم هُوَ أول الْإِسْلَام وَآخره وباطن الدَّين وَظَاهره.
وَأما النَّوْع الثَّانِي: فَهُوَ الفناء عَن شُهُود السوى، وَهَذَا يحصل لكثير من السالكين فَإِنَّهُم لفرط انجذاب قُلُوبهم إِلَى ذكر الله وعبادته ومحبته وَضعف قُلُوبهم عَن أَن تشهد غير مَا تعبد وَترى غير مَا تقصد لَا يخْطر بقلوبهم غير الله بل وَلَا يَشْعُرُونَ إِلَّا بِهِ كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى [١٠ الْقَصَص] : ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن
стр. 86
كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ قَالُوا فَارغًا من كل شَيْء إِلَّا من ذكر مُوسَى. وَهَذَا كثيرا مَا يعرض لمن دهمه أَمر من الْأُمُور: إِمَّا حب وَإِمَّا خوف وَإِمَّا رَجَاء يبْقى قلبه منصرفا عَن كل شَيْء إِلَّا عَمَّا قد أحبه أَو خافه أَو طلبه بِحَيْثُ يكون عِنْد استغراقه فِي ذَلِك لَا يشْعر بِغَيْرِهِ.
فَإِذا قوي على صَاحب الفناء هَذَا فَإِنَّهُ يغيب بموجوده عَن وجوده وبمشهوده عَن شُهُوده وبمذكوره عَن ذكره وبمعروفه عَن مَعْرفَته حَتَّى يفنى من لم يكن وَهِي الْمَخْلُوقَات العَبْد فَمن سواهُ وَيبقى من لم يزل وَهُوَ الرب تَعَالَى وَالْمرَاد فناؤها فِي شُهُود العَبْد وَذكره وفناؤه عَن أَن يُدْرِكهَا أَو يشهدها وَإِذا قوي هَذَا ضعف الْمُحب حَتَّى يضطرب فِي تَمْيِيزه فقد يظنّ أَنه هُوَ محبوبه كَمَا يذكر أَن رجلا ألْقى نَفسه فِي اليم فَألْقى محبه نَفسه خَلفه فَقَالَ: أَنا وَقعت فَمَا أوقعك خَلْفي؟ قَالَ: غبت بك عني فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي.
وَهَذَا الْموضع زلت فِيهِ أَقوام وظنوا أَنه اتِّحَاد وَأَن الْمُحب يتحد بالمحبوب حَتَّى لَا يكون بَينهمَا فرق فِي نفس وجودهما وَهَذَا غلط فَإِن الْخَالِق لَا يتحد بِهِ شَيْء أصلا بل لَا يُمكن يتحد شَيْء بِشَيْء إِلَّا إِذا استحالا وفسدت حَقِيقَة كل مِنْهُمَا وَحصل من اتحادهما أَمر ثَالِث لَا هُوَ هَذَا
стр. 87
وَلَا هَذَا كَمَا إِذا اتَّحد المَاء وَاللَّبن وَالْمَاء وَالْخمر وَنَحْو ذَلِك وَلَكِن يتحد المُرَاد والمحبوب وَالْمرَاد وَالْمَكْرُوه ويتفقان فِي نوع الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة فيحب هَذَا مَا يحب هَذَا وَيبغض هَذَا مَا يبغض هَذَا ويرضى مَا يرضى ويسخط مَا يسْخط وَيكرهُ مَا يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي.
وَهَذَا الفناء كُله فِيهِ نقص.
وأكابر الْأَوْلِيَاء - كَأبي بكر وَعمر والسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار - لم يقعوا فِي هَذَا الفناء فضلا عَمَّن هُوَ فَوْقهم من الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا وَقع شَيْء من هَذَا بعد الصَّحَابَة.
وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ من هَذَا النمط مِمَّا فِيهِ غيبَة الْعقل وَعدم التَّمْيِيز لما يرد على الْقلب من أَحْوَال الْإِيمَان.
فَإِن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا أكمل وَأقوى وَأثبت فِي الْأَحْوَال الإيمانية من أَن تغيب عُقُولهمْ أَو يحصل لَهُم غشي أَو صعق أَو سكر أَو فنَاء أَو وَله أَو جُنُون.
وَإِنَّمَا كَانَ مبادئ هَذِه الْأُمُور فِي التَّابِعين من عباد الْبَصْرَة فَإِنَّهُ كَانَ فيهم من يغشى عَلَيْهِ إِذا سمع الْقُرْآن وَمِنْهُم من يَمُوت كَأبي جهير الضَّرِير
стр. 88
وزرارة بن أوفى قَاضِي الْبَصْرَة.
وَكَذَلِكَ صَار فِي شُيُوخ الصُّوفِيَّة من يعرض لَهُ من الفناء وَالسكر مَا يضعف مَعَه تَمْيِيزه حَتَّى يَقُول فِي تِلْكَ الْحَال من الْأَقْوَال مَا إِذا صَحا عرف أَنه غالط فِيهِ كَمَا يحْكى نَحْو ذَلِك عَن مثل أبي يزِيد وَأبي الْحُسَيْن النوري وَأبي بكر الشبلي وأمثالهم بِخِلَاف أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي ومعروف الْكَرْخِي والفضيل بن
стр. 89
عِيَاض بل وَبِخِلَاف الْجُنَيْد وَأَمْثَاله مِمَّن كَانَت عُقُولهمْ وتمييزهم يصحبهم فِي أَحْوَالهم فَلَا يقعون فِي مثل هَذَا الفناء وَالسكر وَنَحْوه بل الكمل تكون قُلُوبهم لَيْسَ فِيهَا سوى محبَّة الله وإرادته وعبادته وَعِنْدهم من سَعَة الْعلم والتمييز مَا يشْهدُونَ [بِهِ] الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ بل يشْهدُونَ الْمَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْر الله مُدبرَة بمشيئته بل مستجيبة لَهُ قانتة لَهُ فَيكون لَهُم فِيهَا تبصرة وذكرى وَيكون مَا يشهدونه من ذَلِك مؤيدا وممدا لما فِي قُلُوبهم من إخلاص الدَّين وَتَجْرِيد التَّوْحِيد لَهُ وَالْعِبَادَة لَهُ وَحده لَا شريك لَهُ.
وَهَذِه هِيَ الْحَقِيقَة الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْقُرْآن وَقَامَ بهَا أهل تَحْقِيق الْإِيمَان والكمل من أهل الْعرْفَان وَنَبِينَا ﷺ إِمَام هَؤُلَاءِ وأكملهم وَلِهَذَا لما عرج بِهِ إِلَى السَّمَاوَات وعاين مَا هُنَاكَ من الْآيَات وأوحي إِلَيْهِ مَا أُوحِي من أَنْوَاع الْمُنَاجَاة أصبح فيهم وَهُوَ لم يتَغَيَّر حَاله وَلَا ظهر عَلَيْهِ ذَلِك بِخِلَاف
стр. 90
مَا كَانَ يظْهر على مُوسَى من التغشي صلى الله عَلَيْهِم وَسلم أَجْمَعِينَ.
وَأما النَّوْع الثَّالِث مِمَّا قد يُسمى فنَاء: فَهُوَ أَن يشْهد أَن لَا مَوْجُود إِلَّا الله وَأَن وجود الْخَالِق هُوَ وجود الْمَخْلُوق فَلَا فرق بَين الرب وَالْعَبْد فَهَذَا فنَاء أهل الضلال والإلحاد الواقعين فِي الْحُلُول والاتحاد وَهَذَا يبرأ مِنْهُ الْمَشَايِخ، إِذا قَالَ أحدهم: مَا أرى غير الله أَو لَا أنظر إِلَى غير الله وَنَحْو ذَلِك، فمرادهم بذلك مَا أرى رَبًّا غَيره وَلَا خَالِقًا وَلَا مُدبرا غَيره وَلَا إِلَهًا لي غَيره وَلَا أنظر إِلَى غَيره محبَّة لَهُ أَو خوفًا مِنْهُ أَو رَجَاء لَهُ؛ فَإِن الْعين تنظر إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ الْقلب فَمن أحب شَيْئا أَو رجاه أَو خافه الْتفت إِلَيْهِ وَإِذا لم يكن فِي الْقلب محبَّة لَهُ وَلَا رَجَاء لَهُ وَلَا خوف مِنْهُ وَلَا بغض لَهُ وَلَا غير ذَلِك من تعلق الْقلب لَهُ لم يقْصد الْقلب أَن يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا أَن ينظر إِلَيْهِ وَلَا أَن يرَاهُ وَإِن رَآهُ اتِّفَاقًا رُؤْيَة مُجَرّدَة كَانَ كمن لَو رأى حَائِطا وَنَحْوه مِمَّا لَيْسَ فِي قلبه تعلق بِهِ.
والمشايخ الصالحون ﵃ يذكرُونَ شَيْئا من تَجْرِيد التَّوْحِيد وَتَحْقِيق إخلاص الدَّين كُله بِحَيْثُ لَا يكون العَبْد ملتفتا إِلَى غير الله وَلَا نَاظرا إِلَى مَا سواهُ لَا حبا لَهُ وَلَا خوفًا مِنْهُ وَلَا رَجَاء لَهُ بل يكون الْقلب فَارغًا من الْمَخْلُوقَات خَالِيا مِنْهَا لَا ينظر إِلَيْهَا إِلَّا بِنور الله، فبالحق يسمع وبالحق
стр. 91
وبالحق يبصر، وبالحق يبطش وبالحق يمشي فيحب مِنْهَا مَا يُحِبهُ الله وَيبغض مِنْهَا مَا يبغضه الله ويوالي مِنْهَا مَا وَالَاهُ الله ويعادي مِنْهَا مَا عَادَاهُ الله وَيخَاف الله فِيهَا وَلَا يخافها فِي الله ويرجو الله فِيهَا وَلَا يرجوها فِي الله فَهَذَا هُوَ الْقلب السَّلِيم الحنيف الموحد الْمُسلم الْمُؤمن الْمُحَقق الْعَارِف بِمَعْرِِفَة الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وتحقيقهم وتوحيدهم.
فَهَذَا النَّوْع الثَّالِث الَّذِي هُوَ الفناء فِي الْوُجُود هُوَ تَحْقِيق آل فِرْعَوْن ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم.
وَأما النَّوْع الَّذِي عَلَيْهِ أَتبَاع الْأَنْبِيَاء فَهُوَ الفناء الْمَحْمُود الَّذِي يكون صَاحبه بِهِ مِمَّن أثنى الله عَلَيْهِم من أوليائه الْمُتَّقِينَ وَحزبه المفلحين وجنده الغالبين.
وَلَيْسَ مُرَاد الْمَشَايِخ وَالصَّالِحِينَ بِهَذَا القَوْل أَن الَّذِي أرَاهُ بعيني من الْمَخْلُوقَات هُوَ رب الأَرْض وَالسَّمَاوَات فَإِن هَذَا لَا يَقُوله إِلَّا من هُوَ فِي غَايَة الضلال وَالْفساد إِمَّا فَسَاد الْعقل وَإِمَّا فَسَاد الِاعْتِقَاد فَهُوَ مُتَرَدّد بَين الْجُنُون والإلحاد.
وكل الْمَشَايِخ الَّذين يقْتَدى بهم فِي الدَّين متفقون على مَا اتّفق عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها من أَن الْخَالِق سُبْحَانَهُ مباين
стр. 92
للمخلوقات وَلَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته وَأَنه يجب إِفْرَاد الْقَدِيم عَن الْحَادِث وتمييز الْخَالِق عَن الْمَخْلُوق وَهَذَا فِي كَلَامهم أَكثر من أَن يُمكن ذكره هُنَا.
وهم قد تكلمُوا على مَا يعرض للقلوب من الْأَمْرَاض والشبهات فَإِن بعض النَّاس قد يشْهد وجود الْمَخْلُوقَات فيظنه خَالق الأَرْض وَالسَّمَاوَات لعدم التَّمْيِيز وَالْفرْقَان فِي قلبه بِمَنْزِلَة من رأى شُعَاع الشَّمْس فَظن أَن ذَلِك هُوَ الشَّمْس الَّتِي فِي السَّمَاء.
وهم قد يَتَكَلَّمُونَ فِي الْفرق وَالْجمع وَيدخل فِي ذَلِك من الْعبارَات الْمُخْتَلفَة نَظِير مَا دخل فِي الفناء.
فَإِن العَبْد إِذا شهد التَّفْرِقَة وَالْكَثْرَة فِي الْمَخْلُوقَات يبْقى قلبه مُتَعَلقا بهَا مشتتا نَاظرا إِلَيْهَا وتعلقه بهَا إِمَّا محبَّة وَإِمَّا خوفًا وَإِمَّا رَجَاء فَإِذا انْتقل إِلَى الْجمع اجْتمع قلبه على تَوْحِيد الله وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ فَالْتَفت قلبه إِلَى الله بعد التفاته إِلَى المخلوقين فَصَارَت محبته إِلَى ربه وخوفه من ربه ورجاؤه لرَبه واستعانته بربه وَهُوَ فِي هَذَا الْحَال قد لَا يسع قلبه النّظر إِلَى الْمَخْلُوق ليفرق بَين الْخَالِق والمخلوق فقد يكون مجتمعا على الْحق معرضًا عَن الْخلق نظرا وقصدا وَهُوَ نَظِير النَّوْع الثَّانِي من الفناء.
وَلَكِن بعد ذَلِك الْفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يشْهد أَن الْمَخْلُوقَات
стр. 93
قَائِمَة بِاللَّه مدبره بأَمْره وَيشْهد كثرتها مَعْدُومَة بوحدانية الله وَأَنه سُبْحَانَهُ رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فَيكون - مَعَ اجْتِمَاع قلبه على الله إخلاصا ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فِيهِ ومعاداة فِيهِ وأمثال ذَلِك - نَاظرا إِلَى الْفرق بَين الْخَالِق والمخلوق مُمَيّزا بَين هَذَا وَهَذَا يشْهد تفرق الْمَخْلُوقَات وَكَثْرَتهَا مَعَ شَهَادَته أَن الله رب كل شَيْء ومليكه وخالقه وَأَنه هُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ.
وَهَذَا هُوَ الشُّهُود الصَّحِيح الْمُسْتَقيم وَذَلِكَ وَاجِب فِي علم الْقلب وشهادته وَذكره ومعرفته وَفِي حَال الْقلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته.
وَذَلِكَ تَحْقِيق شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهَا تَنْفِي عَن قلبه ألوهية مَا سوى الْحق وَتثبت فِي قلبه ألوهية الْحق.
فَيكون نافيا لألوهية كل شَيْء من الْمَخْلُوقَات مثبتا لألوهية رب الْعَالمين وَرب الأَرْض وَالسَّمَاوَات وَذَلِكَ يتَضَمَّن اجْتِمَاع الْقلب على الله وعَلى مُفَارقَة مَا سواهُ فَيكون مفرقا فِي علمه وقصده فِي شَهَادَته وإرادته فِي مَعْرفَته ومحبته بَين الْخَالِق والمخلوق بِحَيْثُ يكون عَالما بِاللَّه تَعَالَى ذَاكِرًا لَهُ عَارِفًا بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك عَالم بمباينته لخلقه وانفراده عَنْهُم وتوحده دونهم وَيكون محبا لله مُعظما لَهُ عابدا لَهُ راجيا لَهُ خَائفًا مِنْهُ محبا فِيهِ مواليا فِيهِ معاديا فِيهِ مستعينا بِهِ متوكلا عَلَيْهِ مُمْتَنعا عَن عبَادَة غَيره والتوكل عَلَيْهِ
стр. 94
والاستعانة بِهِ وَالْخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ والموالاة فِيهِ والمعاداة فِيهِ وَالطَّاعَة لأَمره وأمثال ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص إلهية الله .
وَإِقْرَاره بإلوهية الله تَعَالَى دون مَا سواهُ يتَضَمَّن إِقْرَاره بربوبيته وَهُوَ أَنه رب كل شَيْء ومليكه وخالقه ومدبره فَحِينَئِذٍ يكون موحدا لله.
وَيبين ذَلِك أَن أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا وَغَيرهمَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد الله ". وَفِي " الْمُوَطَّأ " وَغَيره عَن طَلْحَة بن عبيد الله بن كريز أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " أفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير ".
стр. 95
وَمن زعم أَن هَذَا ذكر الْعَامَّة وَأَن ذكر الْخَاصَّة هُوَ الِاسْم الْمُفْرد وَذكر خَاصَّة الْخَاصَّة هُوَ الِاسْم الْمُضمر فهم ضالون غالطون واحتجاج بَعضهم على ذَلِك بقوله [٩١ الْأَنْعَام] : ﴿قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾ من أبين غلط هَؤُلَاءِ فَإِن الِاسْم [الله] مَذْكُور فِي الْأَمر بِجَوَاب الِاسْتِفْهَام فِي الْآيَة قبله وَهُوَ قَوْله [٩١ الْأَنْعَام] : ﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلّمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم وَلَا آباؤكم قل الله﴾ أَي: الله هُوَ الَّذِي أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى فالاسم [الله] مُبْتَدأ وَخَبره قد دلّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَام كَمَا فِي نَظَائِر ذَلِك؛ تَقول: من جَاره؟ فَيَقُول: زيد.
وَأما الِاسْم الْمُفْرد مظْهرا أَو مضمرا فَلَيْسَ بِكَلَام تَامّ وَلَا جملَة مفيدة وَلَا يتَعَلَّق بِهِ إِيمَان وَلَا كفر وَلَا أَمر وَلَا نهي.
وَلم يذكر ذَلِك أحد من سلف الْأمة وَلَا شرع ذَلِك رَسُول الله ﷺ وَلَا يُعْطي القلبَ بِنَفسِهِ معرفَة مفيدة وَلَا حَالا نَافِعًا وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ تصورا مُطلقًا وَلَا يُحكم عَلَيْهِ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات فَإِن لم يقْتَرن بِهِ من معرفَة الْقلب وحاله مَا يُفِيد
стр. 96
بِنَفسِهِ وَإِلَّا لم يكن فِيهِ فَائِدَة والشريعة إِنَّمَا تشرع من الْأَذْكَار مَا يُفِيد بِنَفسِهِ لَا مَا تكون الْفَائِدَة حَاصِلَة بِغَيْرِهِ.
وَقد وَقع بعض من واظب على هَذَا الذّكر فِي فنون من الْإِلْحَاد وأنواع من الِاتِّحَاد كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع.
وَمَا يذكر عَن بعض الشُّيُوخ من أَنه قَالَ: أَخَاف أَن أَمُوت بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات، حَال لَا يقْتَدى فِيهَا بصاحبها فَإِن فِي ذَلِك من الْغَلَط مَا لَا خَفَاء بِهِ إِذْ لَو مَاتَ العَبْد فِي هَذِه الْحَال لم يمت إِلَّا على مَا قَصده ونواه إِذْ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ أَمر يتلقين الْمَيِّت: " لَا إِلَه إِلَّا الله " وَقَالَ: " من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة " وَلَو كَانَ مَا ذكره محذورا لم يلقن الْمَيِّت كلمة يخَاف أَن يَمُوت فِي أَثْنَائِهَا موتا غير مَحْمُود بل كَانَ يلقن مَا اخْتَارَهُ من ذكر الِاسْم الْمُفْرد.
وَالذكر بِالِاسْمِ الْمُضمر الْمُفْرد أبعد عَن السّنة وَأدْخل فِي الْبِدْعَة وَأقرب إِلَى ضلال الشَّيْطَان فَإِن من قَالَ: يَا هُوَ يَا
стр. 97
هُوَ أَو هُوَ هُوَ وَنَحْو ذَلِك لم يكن الضَّمِير عَائِدًا إِلَّا إِلَى مَا يصوره قلبه وَالْقلب قد يَهْتَدِي وَقد يضل.
وَقد صنف صَاحب " الفصوص " كتابا سَمَّاهُ كتاب " الهو " وَزعم بَعضهم أَن قَوْله [٧ آل عمرَان] : ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يعلم تَأْوِيل هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ الهو، وَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا اتّفق الْمُسلمُونَ بل الْعُقَلَاء على انه من أبين الْبَاطِل فقد يظنّ ذَلِك من يَظُنّهُ من هَؤُلَاءِ، حَتَّى قلت مرّة لبَعض من قَالَ شَيْئا من ذَلِك: لَو كَانَ هَذَا مَا قلتَه لكُتبت الْآيَة: وَمَا يعلم تَأْوِيل (هُوَ) مُنْفَصِلَة.
ثمَّ كثيرا مَا يذكر بعض الشُّيُوخ أَنه يحْتَج على قَول الْقَائِل: (الله) بقوله [٩١ الْأَنْعَام] : ﴿قل الله ثمَّ ذرهم﴾ ويظن أَن الله أَمر نبيه بِأَن يَقُول الِاسْم الْمُفْرد وَهَذَا غلط بِاتِّفَاق أهل الْعلم فَإِن قَوْله: ﴿قل الله﴾ مَعْنَاهُ: الله الَّذِي أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى وَهُوَ جَوَاب لقَوْله: ﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم وَلَا آباؤكم قل الله﴾ أَي: الله الَّذِي أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، رد بذلك قَول من قَالَ: ﴿مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ فَقَالَ: ﴿من أنزل الْكتاب
стр. 98
الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿قل الله﴾ أنزلهُ ثمَّ ذَر هَؤُلَاءِ المكذبين ﴿فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾ .
وَمِمَّا يبين مَا تقدم مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَغَيره من أَئِمَّة النَّحْو: أَن الْعَرَب يحكون بالْقَوْل مَا كَانَ كلَاما لَا يحكون بِهِ مَا كَانَ قولا. فَالْقَوْل لَا يحْكى بِهِ إِلَّا كَلَام تَامّ أَو جملَة اسمية أَو جملَة فعلية وَلِهَذَا يكسرون (إِن) إِذا جَاءَت بعد القَوْل، فَالْقَوْل لَا يحْكى بِهِ اسْم؛ وَالله تَعَالَى لَا يَأْمر أحدا بِذكر اسْم مُفْرد وَلَا شرع للْمُسلمين.
وَ الِاسْم الْمُجَرّد لَا يُفِيد شَيْئا من الْإِيمَان بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام وَلَا يُؤمر بِهِ فِي شَيْء من الْعِبَادَات وَلَا فِي شَيْء من المخاطبات.
وَنَظِير من اقْتصر على الِاسْم الْمُفْرد مَا يذكر: أَن بعض الْأَعْرَاب مر بمؤذن يَقُول: (أشهد أَن مُحَمَّدًا رسولَ الله) بِالنّصب فَقَالَ: مَاذَا يَقُول هَذَا؟ هَذَا الِاسْم، فَأَيْنَ الْخَبَر عَنهُ الَّذِي يتم بِهِ الْكَلَام؟
وَمَا فِي الْقُرْآن من قَوْله [٨ المزمل] : ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ وَقَوله [١ الْأَعْلَى] : ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَقَوله [١٤-١٥ الْأَعْلَى] : ﴿قد أَفْلح من تزكّى * وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ وَقَوله [٧٤ الْوَاقِعَة] : ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ وَنَحْو ذَلِك لَا يقتضى ذكره مُفردا.
стр. 99
بل فِي " السّنَن " أَنه لما نزل قَوْله: ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ قَالَ: " اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم " وَلما نزل قَوْله: ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ قَالَ: " اجْعَلُوهَا فِي سُجُودكُمْ ". فشرع لَهُم أَن يَقُولُوا فِي الرُّكُوع: (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم) وَفِي السُّجُود (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى) . وَفِي " الصَّحِيح " أَنه كَانَ يَقُول فِي رُكُوعه: " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم " وَفِي سُجُوده " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله: " اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم وسجودكم " بِاتِّفَاق الْمُسلمين.
فتسبيح اسْم ربه الْأَعْلَى وَذكر اسْم ربه وَنَحْو ذَلِك هُوَ بالْكلَام التَّام الْمُفِيد كَمَا فِي " الصَّحِيح " عَنهُ ﷺ : أَنه قَالَ: " أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر ". وَفِي " الصَّحِيح "
стр. 100
عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم ".
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " من قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرّة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير، كتب الله لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رجل قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد عَلَيْهِ ". و " من قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرّة: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم، حطت عَنهُ خطاياه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر ". وَفِي " الْمُوَطَّأ " وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أفضل مَا قلته أَنا والنبيون من قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير "
стр. 101
وَفِي " سنَن ابْن مَاجَه " وَغَيره عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد لله ".
وَمثل هَذِه الْأَحَادِيث كَثِيرَة فِي أَنْوَاع مَا يُقَال من الذّكر وَالدُّعَاء.
وَكَذَلِكَ مَا فِي الْقُرْآن من قَوْله تَعَالَى [١٢١ الْأَنْعَام] : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَقَوله [٤ الْمَائِدَة] : ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ إِنَّمَا هُوَ قَول: بِسم الله، وَهَذِه جملَة تَامَّة، إِمَّا اسمية على أظهر قولي النُّحَاة، أَو فعلية وَالتَّقْدِير: ذبحي بِسم الله أَو أذبح بِسم الله. وَكَذَلِكَ قَول الْقَارئ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فتقديره قراءتي بِسم الله أَو اقْرَأ باسم الله. وَمن النَّاس من يضمر فِي مثل هَذَا: ابتدائي بِسم الله أَو ابتدأت بِسم الله، وَالْأول أحسن؛ لِأَن الْفِعْل كُله مفعول باسم الله لَيْسَ مُجَرّد ابْتِدَائه، كَمَا أظهر الْمُضمر فِي قَوْله [١ العلق] :
стр. 102
﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ وَفِي قَوْله [٤١ هود] : ﴿بِسم الله مجريها وَمرْسَاهَا﴾ وَفِي قَول النَّبِي ﷺ : " من كَانَ ذبح قبل الصَّلَاة فليذبح مَكَانهَا أُخْرَى وَمن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله ". وَمن هَذَا الْبَاب قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لربيبه عمر بن أَبى سَلمَة: " يَا غُلَام سم الله وكل بيمينك وكل مِمَّا يليك " فَالْمُرَاد أَن يَقُول: باسم الله، لَيْسَ المُرَاد أَن يذكر الِاسْم مُجَردا وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح لعدي بن حَاتِم: " إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله فَكل " وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ : " إِذا دخل الرجل منزله فَذكر اسْم الله عِنْد دُخُوله وَعند خُرُوجه وَعند طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان: لَا مبيت لكم وَلَا عشَاء " وأمثال ذَلِك كثير.
وَكَذَلِكَ مَا شرع للْمُسلمين فِي صلَاتهم وأذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالْجُمْلَةِ التَّامَّة كَقَوْل الْمُؤَذّن: (الله أكبر الله أكبر أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) وَقَول الْمُصَلِّي: (الله أكبر سُبْحَانَ رَبِّي
стр. 103
الْعَظِيم سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد التَّحِيَّات لله) وَقَول الملبي: (لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك) وأمثال ذَلِك.
فَجَمِيع مَا شَرعه الله من الذّكر إِنَّمَا هُوَ كَلَام تَامّ لَا اسْم مُفْرد وَلَا مظهر وَلَا مُضْمر.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسمى فِي اللُّغَة (كلمة) كَقَوْلِه: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم " وَقَوله: " أفضل كلمة قَالَهَا الشَّاعِر كلمة لبيد: أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل " وَمِنْه قَوْله تَعَالَى [٥ الْكَهْف] : ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ الْآيَة وَقَوله [١١٥ الْأَنْعَام] : ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلا﴾ .
وأمثال ذَلِك مِمَّا اسْتعْمل فِيهِ لفظ (الْكَلِمَة) من الْكتاب وَالسّنة بل وَسَائِر كَلَام الْعَرَب فَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْجُمْلَة التَّامَّة
стр. 104
كَمَا كَانُوا يستعملون الْحَرْف فِي الِاسْم فَيَقُولُونَ: هَذَا حرف غَرِيب أَي لفظ الِاسْم غَرِيب.
وَقسم سِيبَوَيْهٍ الْكَلَام إِلَى اسْم وَفعل وحرف جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم وَلَا فعل، وكل من هَذِه الْأَقْسَام يُسمى حرفا لَكِن خَاصَّة الثَّالِث أَنه حرف جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم وَلَا فعل.
وسمى حُرُوف الهجاء باسم الْحَرْف وَهِي أَسمَاء.
وَلَفظ الْحَرْف يتَنَاوَل هَذِه الْأَسْمَاء وَغَيرهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : " من قَرَأَ الْقُرْآن فأعربه فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات أما إِنِّي لَا أَقُول ﴿ألم﴾ حرف وَلَكِن ألف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف " وَقد سَأَلَ الْخَلِيل بن أَحْمد أَصْحَابه عَن النُّطْق بِحرف الزَّاي من زيد؟ فَقَالُوا: (زَاي) فَقَالَ: جئْتُمْ بِالِاسْمِ وَإِنَّمَا الْحَرْف (زَ) .
ثمَّ إِن النُّحَاة اصْطَلحُوا على أَن هَذَا الْمُسَمّى فِي اللُّغَة
стр. 105
بالحرف يُسمى كلمة وَأَن لفظ الْحَرْف يخص لما جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم وَلَا فعل كحروف الْجَرّ وَنَحْوهَا.
وَأما أَلْفَاظ حُرُوف الهجاء فيعبر تَارَة بالحرف عَن نفس الْحَرْف من اللَّفْظ وَتارَة باسم ذَلِك الْحَرْف وَلما غلب هَذَا الِاصْطِلَاح صَار يتَوَهَّم من اعتاده أَنه هَكَذَا فِي لُغَة الْعَرَب ومنم من يَجْعَل لفظ الْكَلِمَة فِي اللُّغَة لفظا مُشْتَركا بَين الِاسْم مثلا وَبَين الْجُمْلَة وَلَا يعرف فِي صَرِيح اللُّغَة من لفظ (الْكَلِمَة) إِلَّا الْجُمْلَة التَّامَّة.
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَشْرُوع فِي ذكر الله سُبْحَانَهُ هُوَ ذكره بجملة تَامَّة وَهُوَ الْمُسَمّى بالْكلَام وَالْوَاحد مِنْهُ بِالْكَلِمَةِ وَهُوَ الَّذِي ينفع الْقُلُوب وَيحصل بِهِ الثَّوَاب وَالْأَجْر ويجذب الْقُلُوب إِلَى الله ومعرفته ومحبته وخشيته وَغير ذَلِك من المطالب الْعَالِيَة والمقاصد السامية.
وَأما الِاقْتِصَار على الِاسْم الْمُفْرد مظْهرا أَو مضمرا فَلَا أصل لَهُ فضلا عَن أَن يكون من ذكر الْخَاصَّة والعارفين.
بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى أَنْوَاع من الْبدع والضلالات وذريعة إِلَى تصورات وأحوال فَاسِدَة من أَحْوَال أهل الْإِلْحَاد وَأهل الِاتِّحَاد.
كَمَا قد بسط الْكَلَام عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع.
стр. 106
فصل
و جماع الدَّين أصلان: أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نعبده إِلَّا بِمَا شرع لَا نعبده بالبدع.
كَمَا قَالَ تَعَالَى [١١٠ الْكَهْف] : ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ .
وَذَلِكَ تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَشَهَادَة أَن مُحَمَّد رَسُول الله.
فَفِي الأولى: أَلا نعْبد إِلَّا إِيَّاه.
وَفِي الثَّانِيَة: أَن مُحَمَّدًا هُوَ رَسُوله الْمبلغ عَنهُ فعلينا أَن نصدق خَبره ونطيع أمره.
وَقد بَين لنا مَا نعْبد الله بِهِ ونهانا عَن محدثات الْأُمُور وَأخْبر أَنَّهَا ضَلَالَة قَالَ تَعَالَى [١١٢ الْبَقَرَة] : ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
وكما أننا مأمورون أَلا نَخَاف إِلَّا الله وَلَا نتوكل إِلَّا على الله وَلَا نرغب إِلَّا إِلَى الله وَلَا نستعين إِلَّا بِاللَّه وَألا تكون عبادتنا إِلَّا لله فَكَذَلِك نَحن مأمورون أَن نتبع الرَّسُول ونطيعه ونتأسى بِهِ فالحلال مَا حلله وَالْحرَام مَا حرمه.
стр. 107
وَالدّين مَا شَرعه قَالَ الله تَعَالَى [٥٩ التَّوْبَة] : ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ فَجعل الإيتاء لله وَلِلرَّسُولِ كَمَا قَالَ [٧ الْحَشْر] : ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَجعل التَّوَكُّل على الله وَحده بقوله: ﴿وَقَالُوا حَسبنَا الله﴾ وَلم يقل: وَرَسُوله - كَمَا قَالَ فِي وصف الصَّحَابَة ﵃ فِي الْآيَة الْأُخْرَى [١٧٣ آل عمرَان] : ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ وَمثله قَوْله [٦٤ الْأَنْفَال] : ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي حَسبك وَحسب الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ [٣٦ الزمر] : ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ - ثمَّ قَالَ: ﴿سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله﴾ فَجعل الإيتاء لله وَلِلرَّسُولِ وَقدم ذكر الْفضل لله لِأَن ﴿الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ وَله الْفضل على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وَقَالَ: ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ فَجعل الرَّغْبَة إِلَى الله وَحده كَمَا فِي قَوْله [٧-٨ الشَّرْح] : ﴿فَإِذا فرغت فانصب * وَإِلَى رَبك فارغب﴾ .
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لِابْنِ عَبَّاس: " إِذا سَأَلت فاسأل الله وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه " وَالْقُرْآن يدل على مثل هَذَا فِي غير مَوضِع.
стр. 108
فَجعل الْعِبَادَة والخشية وَالتَّقوى لله وَجعل الطَّاعَة والمحبة لله وَرَسُوله كَمَا فِي قَول نوح ﵇ [٣ نوح] : ﴿أَن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ وَقَوله [٥٢ النُّور] : ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ وأمثال ذَلِك.
فالرسل أمروا بِعِبَادَتِهِ وَحده وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ والتوكل عَلَيْهِ وطاعته وَالطَّاعَة لَهُم فأضل الشَّيْطَان النَّصَارَى وأشباههم فأشركوا بِاللَّه وعصوا الرَّسُول فـ ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم﴾ فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم ويتوكلون عَلَيْهِم يَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم.
وَهدى الله الْمُؤمنِينَ المخلصين لله أهل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذين عرفُوا الْحق واتبعوه فَلم يَكُونُوا من المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين فأخلصوا دينهم لله وَأَسْلمُوا وُجُوههم لله وأنابوا إِلَى رَبهم وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه وَرَغبُوا إِلَيْهِ وفوضوا أُمُورهم إِلَيْهِ وتوكلوا عَلَيْهِ وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثَارهم واهتدوا بمنارهم.
стр. 109
وَذَلِكَ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ الْأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل الله من أحد دينا إِلَّا إِيَّاه وَهُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة لرب الْعَالمين.
فنسأل الله الْعَظِيم أَن يثبتنا عَلَيْهِ ويكمله لنا ويميتنا عَلَيْهِ وَسَائِر إِخْوَاننَا الْمُسلمين.
وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم.