← Акыда

Акыда · id 22651

مسألة في الكنائس

ابن تيمية

Полный текст (48 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) ما تقول (٢) السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين ﵃ أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين، وإخمال الكفار والمنافقين، في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت (٣) بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره. فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟! وإذا قالوا: إن هذه الكنائس كانت قديمةً، من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وغيره. وأنهم يطلبون أن يقروا (٤) ، على ما كانوا عليه في زمن عمر ﵁ وغيره من خلفاء المسلمين، وأن إغلاقها مخالفٌ لحكم الخلفاء الراشدين. فهل القول مقبولٌ منهم أو مردود؟ وإذا ذهب (٥) أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد الحرب، من رسولٍ أو غيره، فسألوه أن يسأل ولي الأمر في فتحها، أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين فهل لأهل الذمة ذلك؟ وهل ينتقض عهدهم أم لا؟!

стр. 2

وإذا قال قائلٌ: إنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضررٌ، إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى (١) (٢) ، أو (٣) المساجد، وإما بقطع متاجرهم عن ديار الإسلام، وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين، ونحو ذلك. فهل هذا القول صوابٌ، أو خطأٌ؟ بينوا ذلك مبسوطاً مشروحاً. وإذا كان في فتحها تغير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، [وحصول الفتنة والفرقة بينهم] (٤) ، وتغيرت قلوب أهل الصلاح والدين، وعموم الجند والمسلمين على ولاة الأمور؛ لأجل إظهار شعائر الكفر، وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس، من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك، وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم (٥) ، حتى إنهم يدعون الله تعالى على من تسبب في ذلك، وأعان عليه. فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك؟ ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحاً لولي أمر المسلمين أم غاشًّا له؟! وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر -أيده الله تعالى- ولأوليائه من قمع أعدائه وإذلالهم؟ أو مطاوعتهم (٦) ؟!

стр. 3

بينوا لنا ذلك، وابسطوا بسطاً شافياً، مثابين مأجورين -إن شاء الله تعالى- وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن الصحابة المكرمين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، يا أرحم الراحمين (١) . الرد على دعوى أن المسلمين ظلموهم بإغلاق كنائسهم: الجواب: الحمد لله رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ (٢) لأهل العلم (٣) . فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري (٤) ، والأوزاعي (٥) ، والليث بن سعد (٦) ، وغيرهم، ومن قبلهم من

стр. 4

الصحابة والتابعين، متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد (١) بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك (٢) ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك (٣) . وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم. تكذيب دعوى وجود الكنائس بالقاهرة منذ عهد الخلفاء الراشدين: وأما قولهم إن هذه الكنائس من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها، فهذا أيضًا من الكذب. فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة (٤) بنيت بعد عمر بن الخطاب ﵁ بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة (٥) وواسط (٦) . وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة،

стр. 5

بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب ﵁ أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين؟! بقاء الكنائس في مدائن الإسلام: بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة؛ لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسةٌ بعد عهد (١) . فإن في سنن أبي داود بإسنادٍ جيد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصلح قبلتان بأرضٍ، ولا جزية

стр. 6

على مسلم" (١) . والمدينة التي يسكنها المسلمون, والقرية التي يسكنها المسلمون, وفيها مساجد المسلمين, لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر: لا كنائس ولا غيرها (٢) , إلا أن يكون لهم عهدٌ, فيوفى لهم بعهدهم. فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسةٌ قبل بنائها, لكان للمسلمين أخذها, لأن الأرض عنوةً فكيف وهذه الكنائس محدثة, أحدثها النصارى؟! حقيقة دولة العبيديين بمصر: فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ, على غير شريعة الإسلام, وكانوا يظهرون أنهم رافضة (٣) , وهم في الباطن إسماعيلية (٤) ,

стр. 7

_________ = في ١ / ٢٠، (وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ففيهم جهل وظلم، لا سيما الرافضة، فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلماً يعادون خيار أولياء الله تعالى بعد النبيين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم ورضوا عنه -، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين. . .) . وقال في المنهاج ١/ ٩ - ١١ (ولهذا كانوا - أي الرافضة - عند عامة أهل العلم والدين، من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين، ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا العباد، فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، استولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين) . وقال في تسميتهم ١/ ٣٥ (ومن زمن خروج زيد - يعني به علي بن الحسين بالكوفة سنة ٢٢هـ - افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر؟ فترحم عليهما، رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني! فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه) . وهم بعد ذلك طوائف وفرق وبالجملة فهم مبغضون للصحابة ومكفروهم إلا خمسة وأوائلهم مشبهة مجسمة ثم هم معتزلة في صفات الله، قبورية في توحيد العبادة. ولا تكاد توجد مسألة إلا وهم مخالفون للسنة فيها أسأل الله العافية والسلامة، وأعوذ به من الخذلان والكفران. (٤) الإسماعيلية طائفة باطنية كافرة خارجة عن الإسلام تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ﵏ ورضي عنهم - وانظر في هذه النسبة المنهاج ٤/ ١٧ - ١٨ هزل! هم الذين يقولون بإلهية الحاكم بأمر الله العبيدي قال فيهم الشيخ ٦/ ٣٤٢ وما بعدها (وإنها ظهر من دعا إلى الرفض، وتسمى بأمير المؤمنين وأظهر القتال على ذلك، وحصل لهم ملك وأعوان مدة بني عبيد الله القداح الذين أقاموا بالمغرب مدة وبمصر نحو مائتي سنة. وهؤلاء باتفاق أهل العلم والدين كانوا ملاحدة ونسبهم باطل، فلم يكن لهم بالرسول اتصال نسب في الباطن ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب وأظهروا التشيع، ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة إذ كانت أقل الطوائف عقلاً وديناً، وأكثرها جهلاً، وإلا فأمر هؤلاء العبيدية المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفي على مسلم. ولهذا فجميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرأون منهم، فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين وشر منهم قرامطة البحرين. . . .) . وابن الصباح - كما عرفه المحقق - هو الحسن بن علي بن محمد بن صباح الحميري ولد سنة ٤٢٨ هـ وهلك سنة ٥١٨ هـ مؤسس فرقة الحشاشين، استولى على قلعة الألموت بجبال الديلم هو من اتخذ القتل والاغتيال وسيلة لتحقيق أهداف دعوته، وهو من أئمة الإسماعيلية.

стр. 8

ونصيرية (١) , وقرامطة (٢) (٣) ؛ كما قال فيهم الغزالي (٤) ﵀ في كتابه الذي صنفه (٥) في الرد عليهم: "ظاهر مذهبهم الرفض, وباطنه الكفر المحض" (٦) .

стр. 9

_________ = والحقيقة أكفر من اليهود والنصاري وأما في الظاهر فيدعون الإسلام، بل إيصال النسب إلى العترة النبوية - أهل البيت - وعلم الباطن الذي لا يوجد عند الأنبياء والأولياء. وأن أمامهم معصوم. فهم في الظاهر من أعظم الناس دعوى بحقائق الإيمان وفي الباطن من أكفر الناس بالرحمن، بمنزلة من ادعى النبوة من الكذابين قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وهؤلاء قد يدعون هذا وهذا. وقال في موضع آخر عن أشهرهم - في المنهاج ٦/ ٣٤٣ وشر منهم - أي من العبيدية الإسماعيلية - قرامطة البحرين - وهي المعروفة الآن بالأحساء - أصحاب أبي سعيد الجنابي - قتل سنة ٣٠١ هـ - فإن أولئك لم يكونوا يتظاهرون بدين الإسلام بالكلية، بل قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود) . والقرامطة الباطنية الفلاسفة يقولون عن الله: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت كما في الدرء ٧/ ١١٩ وفي التدمرية ١٦، ٣٨ - ٣٩ وانظر شرح الأصبهانية٥/ ٠ ٧ - ٧٣ ضمن الفتاوى الكبرى. (٣) في الظاهرية: وقرامطة باطنية. (٤) هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة٥٠٥ هـ وعمره ٥٥سنة، الفقيه الأصولي صاحب التصانيف الصوفي المنظر الأشعري، المصبوغ بصبغة الفلاسفة، ومن أجل كتبه إحياء علوم الدين الذي انتقد كثيراً - ذكره الشيخ ابن تيمية كثيراً وسأذكر طرفاً من هذا في تحقيق قاعدة في الرد على الغزالي في التوكل، لشيخ الإسلام ابن تيمية إن شاء الله. قال في ما نحن فيه - في كتابه منهاج السنة ٨/ ١٤ (وصنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم يعني العبيدين الباطنية الإسماعيلية. . . . كتبا معروفة لما علموه من إفسادهم الدين والدنيا، وصنف فيهم القاضي عبد الجبار، والقاضي أبو بكر بن الطيب - هو الباقلاني -، وأبو يعلى والغزالي، وابن عقيل وأبو عبد الله الشهرستاني، وطوائف غير هؤلاء، وهم الملاحدة الذين ظهروا بالمشرق والمغرب واليمن والشام ومواضع متعددة، كأصحاب الألموت وأمثالهم) . وأصحاب الألموت هم الإسماعيلية والألموت هي قلاع في جبال الديلم جنوب بحر قزوين كانت معاقل دعوتهم - حتى هدمها هولاكو. (٥) صنف الغزالي كتباً في الرد عليهم وصلنا منها ثلاثة هي: ١ - فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية، وأشار في إحياء علوم الدين ٢/ ١٣٠ أن هذا الكتاب مستنبط من كشف الأسرار وهتك الأستار، الكتاب المشهور لأبي بكر ابن الطيب الباقلاني والذي ذكره الشيخ في مواضع متعددة باسمه ولم يصلنا إلا في نقول الكتب. ٢ - القسطاس المستقيم، طبع عدة طبعات آخرها في لبنان تحققه. ٣ - جواب المسائل الأربع - من باطنية همدان، نشره رشيد رضا في المنار عدد ٢٩ ص (٦٠١-٦٠٨) . ولكتاب القسطاس المستقيم بالمناسبة نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ٩٨ عقائد تيمور، مع طبعات قديمة أقدمها سنة ١٣١٨ هـ في مطبعة. . . . . بمصر. =

стр. 10

واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم, وملوكهم, عامتهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم, على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام, وأن قتالهم كان جائزاً: بل نصّوا على نسبهم كان باطلاً (١) . وأن جدهم كان عبيد الله بن ميمون القدّاح (٢) , لم يكن من آل بيت رسول الله ﷺ .

стр. 11

وصنف العلماء في ذلك مصنفات. وشهد بذلك مثل الشيخ أبي الحسن القدوري (١) إمام الحنفيّة, والشيخ أبي حامد الإسفراييني (٢) إمام الشافعيّة,

стр. 12

ومثل القاضي أبي يعلى (١) إمام الحنبليّة, ومثل أبي محمد بن أبي زيد (٢) إمام المالكيّة. وصنف القاضي أبو بكر ابنُ الطيِّب (٣) فيهم كتاباً, في كشف أسرارهم, سماه: "كشف الأسرار وهتك الأستار" (٤) .

стр. 13

_________ = وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهد الطبري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأمثالهم، أقرب إلى السنة، وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خرسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب يكتب في أجوبته أحياناً: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يقول الأشعري. إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي وأمثالهم) ٠ انظر المنهاج ٢٩٣/٣ ٠ النبلاء ٣٧٩/٥، وترتيب المدارك ٤/ ٥٨٥ - ٢ ٠ ٦، الديباج ٢٢٨/٢، تبيين كذب المفتري ١٧ ٢ - ٢٦ ٢. (٤) هذا الكتاب له اسمان، الأول ما ذكره الشيخ، ومختصر هو فضائح الباطنية أو الرد على الباطنية، وهذا الكتاب لم أره ولم أسمع أنه طبع، بل يظن أنه مفقود، وقد ذكر الغزالي في الإحياء ٢/ ١٣٠ أنه استنبط ما فيه من كتاب الفضائح وقد ذكره ابن تيمية في مواضع ومما ذكره في المنهاج ٨/ ١٤ و ٢٥٨ (وقد صنف العلماء كتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكتاب الغزالي ونحوهم) . ونقل منه أسلوب دعوة هو الباطنية ومنهجها في المنهاج ٨/ ٤٧٩ - ٨٦ ٤ ومما نقل (قد اتفق جميع الباطنية، وكل مصنف لكتاب ورسالة منهم في ترتيب الدعوة المضلة، على أن من سبيل الداعي إلى دينهم ورجسهم. . فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلماً: أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم السلف، وقتلهم الحسين، وسبيهم نساءه وذريته، والتبري من تيم وعدي، وبني أمية والعباس. . وأن علياً إله يعلم الغيب، مفوض إليه خلق العالم، وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم؟ فإنهم أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس. . . . فإذا آنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشداً أوقفته على مثالب علي وولده، وعرفته حقيقته الحق لمن هو، وفيمن هو، وباطل البطلان كل ما عليه أهل ملة محمد ﷺ وغيره من الرسل. ومن وجدته صابئا. فأدخله بالأشانيع وتعظيم الكواكب. . . .، ومن وجدته مجوسياً اتفقت معه، في الأصل، في الدرجة الرابعة، من تعظيم النار والنور والشمس والقمر. . فإنهم مع الصائبة أقرب الأمم إلينا، وأولاهم بنا. . . . . . وإن ظفرت بيهودي فادخل عليه جهة انتظار المسيح. . وعظم السبت عندهم وتقرب إليهم بذلك. . . . وإن وجدت المدعى نصرانياً فادخل عليه بالطعن على اليهود والمسلمين جميعاً، وصحة قولهم في الثالوث. وعظم الصليب عندهم وعرفهم تأويله. .) إلى آخر الزندقة المحضة، نعوذ بالله من ذلك كله. وهذا الكتاب للباقلاني - عجل الله الظفر به - صحيح النسبة إليه فقد ذكره ابن السبكي في طبقاته في مواطن ونقل منه , كما في ترجمته علي بن محمد بن الحسين , وترجمته محمد بن الموفق بن سعيد وذكره ابن كثير في ترجمته من البداية والنهاية ١١/٣٥٠ , وحاجي خليفة بل وعامة من ترجموا للباقلاني. وسبق نقل من النجوم الزاهرة من هذا الكتاب. =

стр. 14

_________ = هذا ويوجد لجمال الدين أبي الفضائل الصفدي (ت ٦٩٦ هـ) كتاب باسم كشف الأسرار وهتك الأستار في ثلاثة مجلدات في مكتبة مراد ملا بتركيا أرقامها من (١٥٨ - ١٦٢) وفي متحف طبقو سراى من (١٨٦٥ - ١٨٦٧) المجلدات الثلاث في ٧٦٧ ورقة مكتوبة سنة ١ ٦٩ هـ ونسخ أخرى في السليمانية رقم ١٣٣ ورستم باشا ٤٥، ٤٦ وشهيد علي باشا ٥٥٠ ورقة رقم ١٥٧ وأظنه في التفسير، ولا أجزم بذلك. هذا وأشار الشيخ في مواطن من المنهاج إلى من صنف في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كما في ٨/ ١٤ فمن عد: ١- القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (٤١٥) ولعل الشيخ يقصد كتابه المنية والأمل شرح الملل والنحل وهو مطبوع حديثاً، وله طبعة سنة ١٩٧٢ باسم فرق وطبقات المعتزلة. ٢- أبو بكر ابن الطيب بن الباقلاني (٤٠٣) وسبقت الإشارة إلى كتابه في ترجمته. ٣- أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي (٤٥٨) ولا أعلم له كتاباً فيهم مطبوعاً أو مخطوطاً لكن ذكر المترجمون له أن له كتاباً اسمه الرد على الباطنية. ٤- أبو حامد الغزالي (٥٠٥) وسبق ذكر كتابه وترجمته. ٥- أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي (٥١٣) وهذا له كتاب اسمه كتاب الفرق له نسخة خطية بالهند في مكتبه رجتا رامبور رقمه ١/ ٥١٢ (١١٩) . ٦- أبو عبد الله محمد الشهرستاني (٥٤٨) والظاهر أن المقصود بكتابه الملل والنحل الكتاب المشهور وفيه تحدث عن الباطنية وفرقها بالتفصيل. وممن ألف في كشفهم أيضا أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة (٦٦٥) ألف كتابا سماه كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد ذكره في الذيل على الروضتين ص ٣٩ ونسبة له ابن كثير في التاريخ ٢ ١/ ٨٧ ٢ والذهبي في معرفة القراء الكبار ٢/٥٣٨ بأسماء نحو هذا.

стр. 15

عداوة الباطنية والرافضة للمسلمين وصوره: والذين يوجدون في بلاد الإسلام من الإسماعيلية, والنصيرية, والدرزية (١) , وأمثالهم من أتباعهم. وهم الذين عاونوا التتر (٢) على قتال المسلمين وكان وزير هولاكو النصير

стр. 16

الطوسي (١) من أئمتهم. وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم, ثم الرافضة بعدهم فالرافضة يوالون من يعادي أهلَ السنة والجماعة, يوالون التتار, ويوالون النصارى. وقد كان بالساحل بين الرافضة (٢) , وبين الفرنج مهادنة؛ حتى صارت الرافضة تحملُ إلى قبرص (٣) خيل المسلمين, وسلاحهم, وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان, وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المأتم

стр. 17

والحزن, وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور, وهم الذين أشاروا على التتر بقتل الخليفة (١) , وقتل أهل بغداد, ووزير بغداد ابن العلقمي (٢) هو الذي خامر (٣) على المسلمين, وكاتب التتار, حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة, [ونهى الناس عن قتالهم] (٤) ، وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين. ولما كانوا ملوك القاهرة, كان

стр. 18

وزيرهم مرة يهودياً, ومرة نصرانياً أرمنياً (١) وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني, وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر, في دولة أولئك الرافضة والمنافقين. وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينارٌ وأردبّ وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين, حتى فتحه نور الدين (٢) وصلاح الدين (٣) .

стр. 19

وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس (١) , وغُلبوا من الفرنج؛ فإنهم منافقون, وأعانوهم النصارى والله لا ينصر المنافقين, الذين هم يوالون النصارى, فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة, فأمدهم بأسد الدين (٢) وابن أخيه صلاح الدين. فلما جاءت الغُزّى (٣) المجاهدون إلى ديار مصر, قامت الرافضة مع النصارى, فطلبوا قتال الغزّاة المجاهدين المسلمين, وجرت فصولٌ (٤) يعرفها الناس، حتى قتل صلاح الدين مقدّمهم شاور (٥) .

стр. 20

الكنائس القديمة في بر مصر وحكمها: وقد كان في بر مصر كنائس قديمة, لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى, ولم يكونوا مسلمين, وإنما كان المسلمون الجندَ خاصة, فأقرهم كما أقر النبي ﷺ اليهود على خيبر (١) لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين, وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد. ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود, أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر, كما أقر بذلك النبي ﷺ حيث قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٢) ، حتى لم يبق في خيبر يهودي. وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون, ولا مسجدٌ للمسلمين, فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها, جاز ذلك, كما فعله المسلمون.

стр. 21

_________ = وأصل الحديث في الصحيحين عن ابن عباس مرفوعاً (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) . قاله ﵇ قبل موته بثلاث، فهو في البخاري في كتاب الجزية -باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٣/ ١١٥٥. ومسلم في كتاب الوصية- باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوحى فيه رقم ١٦٣٧، ولا شك أن اليهود والنصارى من المشركين. كما في آية براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ الآية. وذكر الهيثمي أن الطبراني أخرج الحديث عن أم سلمة-﵂ -بلفظ أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب في المعجم الكبير من طريقين وقال: رجال أحدهما رجال الصحيح. وفي الباب حديث عائشة المشهور المرفوع (لا يجتمع أو لا ينزل بجزيرة العرب دينان) . رواه أحمد والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي:= =رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وفد صرح بالسماع أ. هـ. وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صدوق يدلس، وعده الحافظ في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وهم من اتفق على أنه لا يحتج بحديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء، واستنكر الذهبي ما انفرد به حتى لو صرح بالسماع. ورواه عبد الرزاق في مصنفه رقم ١٩٣٥٩، وكذا البيهقي مرسلاً ٩/ ٢١٩. وفي بعض الطرق (لا يجتمع بأرض الحجاز دينان) عند عبد الرزاق ٧٢٠٩ وغيره. وحدود جزيرة العرب: ما بين البحر الأحمر والخليج العربي أفقا وطولاً من حضرموت إلى ريف جنوب العراق وأطراف الشام الجنوبية، كما حدده بذلك جماعه من السلف، كما في السنن الكبرى ٩/ ٢٠٩، وروى البيهقي فيها بسنده إلى الإمام مالك بن أنس أنه قال: جزيرة العرب: المدينة، ومكة، واليمن، وأما مصر فمن بلاد المغرب، والشام من بلاد الروم، والعراق من بلاد فارس. هذا وقد عمل عمر بن الخطاب -الخليفة الراشد الثاني ﵁ -بأمره ﵌ فأجلى اليهود عن خيبر وما حولها إلى أذرعات الشام - تسمى الآن درعا بالأردن -وهي خارج الجزيرة العربية، وكان قد بدأ ﵌ بإجلائهم عن المدينة إلى خيبر، وضرب ﵁ لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام يتسوقون ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ذلك. كما كان له موقف من موالي المسلمين وعبيدهم من هؤلاء ما هو مشهور ومعروف، فلله دره، ورفعه الله بذا منزلته في جناته. أما هذا الزمان، فقد عصى الناس أمر الله وأمر رسوله ﵌، وطريقة خلفائه فاستقدموا اليهود والنصارى، بل الوثنين من البوذيين والهندوس وأمثالهم إلى جزيرة العرب، وأرض الحجاز، حتى غدوا بالكثرة بمكان -ولا حول ولا قوة إلا بالله - بدعوى الحاجة ولا حاجة. هذا مع أن المسلمين فيهم كفاية وسداد والحمد لله، ولكن أكثر الناس لا يرعون ولا يشكرون. أسأل الله للمسلمين الهداية والرشاد.

стр. 22

وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم, فقد قال النبي ﷺ : "لا تصلح قبلتان بأرض" (١) . وفي أثر آخر: "لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب" (٢) . والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية, وعمرت في هذه الأوقات؛ حتى صار أهلها بقدْر ما كانوا في زمن صلاح الدين مراتٍ متعددة. وصلاح الدين وأهل بيته كانوا يذلون النصارى, ولم يكونوا يستعملون منهم أحداً من أمرٍ من أمور المسلمين أصلاً. ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد. فيما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل (٣) , أخي صلاح الدين, حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين. وحدثت حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله (٤) به ورسوله ﷺ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحديد - ٢٥] .

стр. 23

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج - ٤١] . فكان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز (١) وهارون الرشيد (٢) ونحوهما مؤيدين منصورين, وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين. وإنما كثرت الفتن بين المسلمين, وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل النصارى مع ولاة الأمر بالديار المصرية, في دولة المعز (٣) , ووزارة الفائز, وتفرق البحرية, وغير ذلك. والله يقول في كتابه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات

стр. 24

١٧١ - ١٧٣] وقال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر - ٥١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد - ٧] . وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" (١) . وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام, وأعظم جهاداً لأعدائه, وأقوم بطاعة الله ورسوله, أعظم نصرة وطاعة وحرمة, من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وإلى هذا الزمان. حكم هدم كنائس النصارى في أرض العنوة: وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرةً من أرض العنوة, بعد أن أُقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز, وغيره من الخلفاء (٢) , وليس في المسلمين من

стр. 25

أنكر ذلك, فعُلم أن هدم كنائس العنوة جائزٌ, إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين (١) . فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين, ونحو ذلك من الأسباب, كما أعرض النبي ﷺ عن إجلاء اليهود, حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 26

حكم مظاهرة الذميّين لأهل دينهم على المسلمين: وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب, ولا يخبرونهم بشيء من أخبار المسلمين, ولا يطلبوا من رسولهم أن يكلف ولي المسلمين ما فيه ضررٌ على المسلمين, ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين, وفي أحد القولين يكون قد نُقض عهده, وحل دمه, وماله (١) . ومن قال إن المسلمين يحصل لهم ضررٌ, وإن* لم يجابوا إلى ذلك؛ لم يكن عارفاً بحقيقة الحال, فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام, وكان أعظم المصائب عليهم؛ أخذُ أموالهم, وهدم كنائسهم (٢) .

стр. 27

وكان نوروز (١) ﵀ قد شرط عليهم الشروط، ووضع الجزية، وكان ذلك أعظم المصائب عليهم، ومع هذا لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير، فإن المسلمين مستغنون عنهم، وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم، بل مصلحة دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين، والمسلمون -ولله الحمد والمنة- أغنياء عنهم في دينهم ودنياهم. فأما نصارى الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم إلا لحاجتهم إليهم، وخوفهم من التتار، فإن المسلمين عند التتار أعز من النصارى وأكرم، ولو قدروا، وإنهم قادرون على من عندهم من النصارى (٢) . والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة (٣) ، وغيرهم من علماء النصارى ورهبانهم، وليس عند النصارى مسلمٌ يحتاج إليه المسلمون ولله

стр. 28

الحمد، مع أن إفكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل ذلك (١) الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات. وكل مسلمٍ يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين، إلا لأغراضهم، لا لنفع المسلمين؛ ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة. فإنهم أرغب الناس في المال (٢) ، ولهذا يتقامرون في الكنائس (٣) . وهم طوائف مختلفون، وكل طائفة تضاد الأخرى (٤) .

стр. 29

المشورة على ولي الأمر في إعزازهم: ولا يشير على ولي المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه، إلا رجل منافقٌ، يظهر الإسلام (١) ، وهو منهم في الباطن، أو رجلٌ له غرضٌ فاسدٌ، مثل أن يكونوا برطلوه (٢) ، ودخلوا عليه برغبةٍ، أو رهبةٍ، أو رجلٌ جاهلٌ في غاية الجهل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه، وأعداء الدين. وإلا فمن كان عارفاً ناصحاً له أشار عليه بما يوجب نصره، وثباته، وتأييده، واجتماع قلوب المسلمين عليه، وفتحهم له، ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله، وإظهار كلمة الله، وإذلال أعداء الله تعالى. وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين، وصلاح الدين، ثم العادل، كيف مكنهم الله، وأيدهم، وفتح لهم البلاد، وأذل لهم الأعداء، لما قاموا من ذلك بما قاموا به؟! وليعتبر بسيرة من والى النصارى؛ كيف أذله الله، وكبته؟! (٣) .

стр. 30

استغناء المسلمين عن النصارى وأمثالهم: وليس المسلمون محتاجين إليهم -ولله الحمد- فقد كتب خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب ﵄ يقول له: إن بالشام كاتباً نصرانياً، لا يقوم خراجُ الشام إلا به. فكتب إليه: لا تستعمله! فكتب: إنه لا غناءَ بنا عنه. فكتب إليه، لا تستعمله! فكتب إليه: إذا لم نولِّه ضاع المالُ. فكتب إليه عمر ﵁: مات النصرانيُّ، والسلام (١) . وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : أن مشركاً لحقه ليقاتل معه، فقال له: "إني لا أستعين بمشرك" (٢) . وكما أن الجندَ المجاهدين إنما تصلح، إذا كانوا مسلمين مؤمنين، وفي المسلمين كفايةٌ، في جميع مصالحهم -ولله الحمد (٣) . ودخل أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب ﵄ فعرض عليه حساب العراق, فأعجبه ذلك. وقال: ادْع كاتبك يقرأه عليَّ. فقال: إنه

стр. 31

لا يدخل المسجد, قال: ولم؟ قال: لأنه نصراني! فضربه عمر ﵁ بالدواة (١) , فلو أصابته لأوجعته, ثم قال: لا تعزّوهم بعد أن أذلهم الله (٢) , ولا تأمنُوهم بعد أن خوَّنهم الله (٣) , ولا تُصدّقوهم بعد أن أكذبهم (٤) الله (٥) (٦) .

стр. 32

والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة، متواليةٌ لله ولرسوله ﷺ ولعباده المؤمنين، معاديةٌ لأعداء الله ورسوله وأعداء الدين. وقلوبهم الصادقة، وأدعيتهم الصالحة، هي العسكر الذي لا يُغلب، والجند الذي لا يُخذل، فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة، كما أخبر رسول الله ﷺ (١) . وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ

стр. 33

قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران - آية ١١٨ - ١٢٠] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥١ - ٥٦] . وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة لأولي الألباب. فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل الذمة من كان له عز وسَعة (١) على عهد النبي ﷺ ، وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان، وفيهم منافقون

стр. 34

يُظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وأمثاله، وكانوا يخافون أن تكون للكفار دولةٌ، فكانوا يوالونهم، ويباطنونهم ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي نفاقٌ وضعف إيمان، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ ، أي في معاونتهم. ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ ، فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ﴾ ، أي هؤلاء المنافقين (١) الذين يوالون أهل الذمة ﴿عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ . فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين، وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أُخذ جماعة من المسلمين في بلاد التتر، وسيس (٢) وغير ذلك بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم. ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم: كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين (٣)

стр. 35

ولهذا وغيره مُنعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين, أو على مصلحة من يقويهم, أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين, بل استعمال من هو دونهم في الكفاية أنفعُ للمسلمين في دينهم ودنياهم (١) . ولقيلٌ من الحلال يُبارَك فيه, والحرامُ الكثير يذهب, ويمحقه الله تعالى، والله أعلم (٢) .

стр. 36

والشروط العُمرية (١) التي كانوا ملتزمين بها: ١- أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديراً ولا كنيسة ولا قُليّة (٢) ولا صومعة لراهب, ولا يجددوا ما خرب منها. ٢- ولا يمنعوا كنائسهم التي عاهدوا عليها أن ينزلها المسلمون ثلاثة أيام، يُطعموهم, ويؤووهم.

стр. 37

٣- ولا يظهروا شِركاً ولا ريبة لأهل الإسلام. ٤- ولا يعلوا على المسلمين في البنيان. ٥- ولا يعلموا أولادهم القرآن. ٦- ولا يركبوا الخيل ولا البغال, بل يركبوا الحمير باللُكف (١) عرضاً من غير زينة لها ولا قيمة. ويركبوا وأفخاذهم مثنية. ٧- ولا يظهروا على عورات المسلمين. ٨- ويتجنبوا أوساط الطرق؛ توسعة للمسلمين. ٩- ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية. ١٠- وأن يجذّوا مقادم رؤوسهم. ١١- وأن يلزموا زيَّهم حيث ما كانوا (٢) . ١٢- ولا يستخدموا مسلماً في الحمام, ولا في أعمالهم الباقية. ١٣- ولا يتسموا بأسماء المسلمين, ولا يتكنوا بكناهم, ولا يتلقبوا بألقابهم. ١٤- ولا يركبون (٣) سفينة نوتيها مسلمٌ.

стр. 38

١٥- ولا يشترون رقيقاً مما سباه مسلم. ١٦- ولا يشترون شيئاً مما خرجت عليه سهام المسلمين. ١٧- ولا يبيعون الخمور. ١٨- ومن زنى منهم بمسلمة قُتل. ١٩- ولا يلبسون عمامة صافية, بل يلبس النصراني العمامة الزرقاء عشرة أذرع, من غير زينة لها ولا قيمة. ٢٠- ولا يشتركون مع المسلمين في تجارة, ولا بيع, ولا شراء. ٢١- ولا يخدمون الملوك, ولا الأمراء فيما يُجري أميرهم على المسلمين من كتابة, أو أمانة, أو وكالة, أو غير ذلك (١) .

стр. 39

وهذه الشروط التي وردت فيها الأحاديث النبوية شرّفها الله وأعزها. قال ﷺ : "اليهود والنصارى خونة لا أعان الله من ألبسهم ثوب عز" (١) . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم, حتى تقوم الساعة". وكل من عرف سير الناس وملوكهم, رأى من كان أنصرَ لدين الله, وأعظم جهاداً لدين الله, ولأعدائه, وأقوم بطاعة الله ورسوله, أعظم نصرة وطاعة وحرمة, من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فمن خرج عن شرط من هذه الشروط فقد حل للمسلمين منهم ما حل بأهل المعاندة والشقاق (٢) . ويتقدم حاكم المسلمين يطلب من يكون من أكابر النصارى، ويُلزمهم بهذه الشروط العُمرية, أعز الله أنصارها بمحمد وآله. تمت المسألة وجوابها والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, صلاة دائمة إلى يوم الدين, آمين.

стр. 40

* من فتاوى شيخ الإسلام النواوي ﵀ ورضي عنه [ت ٦٧٦ هـ] مسألة: رجل يهودي أو نصراني وُلِّي صيرفيًّا في بيت مال المسلمين لميزان الدراهم المعوضة، والمصروفة، وينقدها، ويُعتمد في ذلك على قوله. هل يحلُّ توليته أم لا؟ وهل يُثاب وليّ الأمر على عزله واستبدال مسلم ثقة بدله؟ وهل يُثاب المساعد على عزله؟ فأجاب ﵁ وعنّا والمسلمين: لا يحلُّ تولية اليهودي ولا النصراني لذلك، ولا يجوز إبقاؤه فيه ولا يحلُّ اعتماد قوله في شيء من ذلك. ويُثاب ولي الأمر -وفقه الله- على عزله واستبدال مسلم ثقة بدله. ويُثاب المساعد في عزله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ الآيات. قال: ومعنى (١) لا تتخذوا من يداخل بواطن أموركم [من دونكم] أي من غيركم: وهم الكفار ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: لا يقصرون فيما يقدرون على إيقاعه من الفساد، والأذى، والضرر. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي يقولون نحن أعداؤكم. والله أعلم.
следующие страницы →