عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وإذا كان الله قد أمرهم أن يؤمنوا بربهم الذي سموه أبًا وبرسوله عيسى ابن مريم الذي يسمونه هو وغيره ابنًا ويؤمنوا بروح [القدس] الذي هو جبريل وهو رسول الله والنفخ في مريم الذي لحى* بالوحي كان هذا أمرًا موافقًا لما جاءت به الرسل وهو موافق للعقل بخلاف قولهم فإن العقل والكتب التي جاءت بها الرسل** فإنهم يقولون: إن الرب جوهر واحد له ثلاثة أقانيم كما تقدم أحدها أقنوم العلم وهو الكلمة ويزعمون أن هذا الأقنوم هو الذي اتحد بالمسيح وهو اللاهوت الذي تدرع الناسوت أي صار الإنسان كالدرع والقميص للاهوت وهم يقولون: إن المسيح إله يخلق ويرزق ويرحم ويُعبد ويُدعا ويُسأل ويُصلى له وأن
стр. 37
الحواريين كلموه وكلمهم وكلموا الله وكلمهم وقد يفضلون الحواريين على موسى وإبراهيم وغيرهما ويجعلون تكليم الله للحواريين أعظم من تكليمه لموسى.
...
стр. 38
ص-٦٠-
стр. 39
ص-٦١-
стр. 40
أو غيرهم وممن يقول بالحلول والاتحاد المطلق كالقائلين بوحدة الوجود مثل ابن عربي
стр. 41
الطائي وابن سبعين وابن الفارض
стр. 42
والتلمساني وسعيد الفرغاني والصدر القونوي
стр. 43
وابن أبي المنصور وأمثال هؤلاء، فإنهم يقولون في مجموع المخلوقات نظير ما يقوله النصارى في المسيح، ويقولون: إن النصارى إنما كفروا لأجل التخصيص ويقولون إن النصارى إنما كفروا لأجل التخصيص ويقولون إن النصارى لو قالوا في كل شيء كما قالوه في المسيح لم يكفروا وكذلك عندهم عباد الأصنام إنما ضلوا لأنهم عبدوا بعض الأعيان التي هي مظاهر الحق دون بعض والعارف المكمل عندهم يعبد كل شيء لأن كل شيء مظهر الحق وهؤلاء متناقضون كتناقض النصارى وهم يخالفون صريح العقل والشرع ويدعون الكشف يحصل فيه ما يناقض صريح العقل والشرع ويقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين وأمثال ذلك من محالات العقول ولا يفرقون بين محالات العقول ومجازات العقول فإن الأنبياء صلوات الله عليهم الذين هم أعظم درجة من الأولياء لا يخبرون
стр. 44
الناس بما يمتنع ويستحيل في العقل كالجمع بين النقيضين والضدين وإنما يخبرونهم بما تمتنع عقول الناس عن الاستقلال بمعرفته فيكون العقل فيه جائزًا فيخبرونهم بمجازات العقول لا بمحالات العقول ويأتون على ما يقولون بالآيات البينات وكل من أمعن النظر فيما جاءوا به ازداد بصيرة ويقينًا وإيمانًا وعظم قدر ما جاءوا به في قلبه وكمل به عقله وتمت به معرفته وتنورت به بصيرته وانشرح به صدره ورأى بنور هداهم ما في من خالفهم من الظلمات كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ وهؤلاء يخبرون الناس بمحالات العقول ويريدون أن يصدقونهم* في ذلك بلا برهان ويدعون أنهم أفضل من الأنبياء وأن الله تعالى يخاطبهم أعظم مما خاطب به موسى بن عمران.
стр. 45
[الرد على النصارى في ادعائهم ألوهية المسيح ﵇]
كما يزعم النصارى أن الحواريين أفضل من الأنبياء، وأن الله يخاطبهم أعظم مما خاطب به موسى بن عمران وكل ما أمعن المسلم النظر في أمرهم وجد عندهم من الكذب والضلال والجهل مما لا يعلمه إلا الله وهم أكفر من النصارى من وجه والنصارى أكفر منهم من وجه.
والمقصود هنا أن يقال للنصارى: اللاهوت الذي تدرعه ناسوت المسيح هو الرب القديم الأزلي الجامع الأقانيم أو هو صفة من صفاته؟ إذ ليس إلا الرب القديم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة وكل من القولين يبطل مذهبهم فإن قالوا هو الرب القديم الأزلي لزم أن يكون المسيح هو الرب القديم الأزلي ولا يكون ابنًا ولا يقعد عن يمين الله ويكون فيه أقنوم الحياة والوجود والعلم والقدرة والنصارى يلمزون من يقول ذلك، وإن قالوا إنه صفة من صفاته كما يقولون إن المتدرع به أقنوم الكلمة
стр. 46
فجوابهم من وجهين أحدهما أن الصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره لا صفة المخلوق ولا صفة الخالق وهذا معلوم بصريح العقل وقد تقدم بطلان تمثيلهم بشعاع الشمس.
الثاني أن الصفة نفسها ليست إلهًا يخلق ويرزق ويغفر ويرحم. كيحيى بن عدي النصراني الذي رد على أبي عيسى الوراق وأمثاله قد يمثلون ذلك بقول القائل زيد الكاتب الحاسب فهو وزيد الطبيب* فيجعل له مع كل صفة حكمًا غير حكمه مع الصفة الأخرى ويقال لهم معلوم أن الله تعالى له الأسماء الحسنى كالرحيم والعزيز والعليم والقدير فالمسمى واحد وله الأسماء الحسنى ولهذا
стр. 47
الاسم صفة وحكم ليست للاسم الآخر والمسمى واحد فالأسماء تجتمع في مسمى الذات وتتنوع في مسمى الصفات وأن كل اسم يدل على معنى الآخر بطريق التلازم لذات إذا حلت بمحل تبعتها الصفات كلها ومن المعلوم أن الصفة الواحدة لا تحل في محل دون سائر الصفات ولا دون الذات فلو قال قائل زيد الطبيب حل في هذا المحل دون زيد الحاسب أو الكاتب في المثال المذكور مفتريًا* فكذلك من قال أن أقنوم الكلمة حل بالمسيح دون أقنوم الوجود والحياة كان كذابًا مفتريًا فهم مشركون مفترون جاهلون وهم أعظم الطوائف فرية على رب العالمين. والله سبحانه أعلم وأحكم والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا..
تمت