عشر حديثًا في الشواهد، دون الاحتجاج، فالاحتياط أن لا يحتج به فيما يخالف الثقات، وهذا الحديث من جملتها.
قال أبو القاسم البغوي: حدثني محمد بن مُطَهَّر، قال: سألت أحمد بن حنبل، فقال: حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما نزداد فيه كل يوم إلا بصيرة.
قال أبو سلمة التبوذكي: مات حماد بن سلمة، وقد أتى عليه ست وسبعون سنة.
قلت: فعلى هذا يكون مولده في حياة أنس بن مالك.
وقال أبو الحسن المدائني: مات حماد بن سلمة يوم الثلاثاء، في ذي الحجة، سنة سبع وستين ومائة، وصلى عليه: إسحاق بن سليمان.
قلت: كذا أرخ وفاته في هذا العام غير واحد. وبعضهم قال: مات بعد عيد النحر.
وقال شباب العصفري في "تاريخه": حماد بن سلمة، مولى بن نبي ربيعة ابن زيد مناة بن تميم، يكنى: أبا سلمة، مات في ذي الحجة، سنة سبع. وأما عبيد الله بن محمد العيشي، فقال: مات في ذي الحجة، سنة ست، وهذا وهم.
ومات مع حماد في سنة سبع أئمة كبار من العلماء، منهم: أبو حمزة محمد بن ميمون السكري محدث مرو، والحسن بن صالح بن حي الهمداني الفقيه الكوفي، والربيع بن مسلم البصري، وسلام بن مسكين البصري، والقاسم بن الفضل الحداني البصري، والسري بن يحيى البصري -بخلف- وسويد بن إبراهيم الحناط البصري، وأبو بكر الهذلي البصري -سلمي- وأبو عَقيل يحيى بن المتوكل البصري، وأبو هلال محمد بن سليم الراسبي البصري، وداود بن أبي الفرات البصري، وأبو الرَّبيع أشعث السمان البصري، وعبد العزيز بن مسلم القسملي البصري، وجماعة سواهم بالبصرة. فكانت سنة فناء العلماء بالبصرة.
وفيها مات شيخ دمشق سعيد بن عبد العزيز التنوخي الفقيه، وشيخ الإسكندرية عبد الرحمن بن شريح، ومحدث الكوفة محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وأمير الكوفة عيسى بن موسى العباسي، وبشار بن برد، شاعر وقته.
وقد وقع لي من أعلى رواياته بضعة عشر حديثًا، أفردتها قديمًا في سنة بضع وتسعين وست مائة.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بمصر، أنبأنا المبارك بن أبي الجود ببغداد، أنبأنا أحمد بن غالب العابد، أنبأنا عبد العزيز بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الذهبي حدثنا
стр. 3642
عبد الله البغوي، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرْسي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إن رجلا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد? قال: أردت أخًا لي في قرية كذا وكذا. قال: هل له عليك من نعمة تربها? قال: لا إلا أني أحبه في الله. قال: إني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه". أخرجه مسلم (١) عن عبد الأعلى، فوافقناه بعلو. وهو من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت. وشاهده في القرآن وفي الحديث كثير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران بنابلس ويوسف بن أحمد الحجار بدمشق قالا: أنبأنا موسى بن عبد القادر سنة ثماني عشرة وست مائة أنبأنا سعيد بن أحمد، أنبأنا علي بن أحمد البسري أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. قال: "يقومون حتى يبلغ الرشح أطراف آذانهم" (٢). رواه مسلم عن التمار.
أخبرنا أحمد بن إسحاق: أنبأنا الفتح بن عبد السلام، أنبأنا هبة الله بن الحسين، أنبأنا أحمد بن محمد البزاز، حدثنا عيسى بن علي، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو نصر التمار، وكامل بن طلحة، وعبيد الله العيشي، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق? فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (٣).
قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال: أما سمعتها من أحد? قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد. قال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو درهم، وانحدر إلى البصرة، فأسمع من التبوذكي. قال: شأنك. فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى
التبوذكي، فقال له: أما سمعتها من أحد? قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر، وأنت الثامن عشر. قال: وما تصنع بهذا? قال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه اجتمعوا على شيء، علمت أن الخطأ منه.
قلت: هذه حكاية منقطعة.
وقال محدث: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف حماد بن سلمة فذكر حكاية.
стр. 3643
١١٧٠ - حماد بن زيد (١): " ع"
ابن درهم العلامة الحافظ، الثبت محدث الوقت، أبو إسماعيل الأزدي، مولى آل جرير بن حازم البصري، الأزرق، الضرير، أحد الأعلام. أصله من سِجستان سبي جده درهم منها.
سمع من: أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وأبي عمران الجوني، ومحمد بن زياد القرشي الجمحي، وأبي جمرة الضبعي، وثابت البناني، وبديل بن ميسرة، وأيوب السختياني، وعبد العزيز بن صهيب، وبشر بن حرب، وسلم بن قيس العلوي، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وعامر بن الواحد الأحول، وعباس بن فروخ الجريري، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي، وكثير بن زياد الأزدي، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وهارون بن رئاب، وواصل مولى أبي عيينة بن المهلب، وأبي التياح الضبعي، ويزيد الرشك (٢)، وإسحاق بن سويد، وجميل بن مرة، وحاجب بن المهلب بن أبي صفرة، والزبير بن الخريت، والزبير بن عربي، والصقعب بن زهير، وكثير من شنظير، ومنصور بن المعتمر، وبرد بن سنان، وداود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، وأبي حازم الأعرج، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وخلق كثير.
روى عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وسفيان، وشعبة، وهم من شيوخه، وعبد الوارث بن
стр. 3644
سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأبو النعمان عارم، ومسدد، وسليمان بن حرب، وعبيد الله القواريري، ومحمد بن عبيد بن حساب، وعلي بن المديني، وهو أكبر شيخ عنده، وزكريا بن عدي، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وقتيبة بن سعيد، وسهل بن عثمان العسكري، وإبراهيم بن يوسف البلخي الفقيه، وداود بن عمرو الضبي، وسنيد بن داود المصيصي، وسليمان بن أيوب صاحب البصري، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن زنبور، ومحمد بن النضر المروزي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن عبدة، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، والهيثم بن سهل -خاتمة من روى- عنه وأمم سواهم. قد استوعب كثيرًا، منهم: شيخنا أبو الحجاج في "تهذيبه".
قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
وقال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت شيخًا أحفظ من حماد بن زيد.
وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد من أئمة المسلمين، من أهل الدين، هو أحب إلي من حماد بن سلمة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم أر أحدًا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد.
وروى عن سفيان الثوري، قال: رجل البصرة بعد شعبة ذاك الأزرق -يعني: حمادًا.
قال وكيع بن الجراح: ما كنا نشبه حماد بن زيد إلا بمسعر.
قال سليمان بن حرب: لم يكن لحماد بن زيد كتاب، إلا كتاب يحيى بن سعيد الأنصاري.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: حماد بن زيد ثقة، وحديثه أربعة آلاف حديث، كان يحفظها، ولم يكن له كتاب.
وقال عبد الرحمن بن خراش الحافظ: لم يخطئ حماد بن زيد في حديث قط، وفيه يقول ابن المبارك:
أيها الطالب علما … إيت حماد بن زيد
تقتبس حلمًا وعلما … ثم قيده بقيد
стр. 3645
قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وما رأيت بالبصرة أحدًا أفقه منه -يعني: حماد بن زيد. وقال آخر: هو أجل أصحاب أيوب السختياني، وأثبتهم.
وعن حماد بن زيد قال: جالست أيوب عشرين سنة.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أبا عاصم النبيل يقول: مات حماد بن زيد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام نظيرًا في هيئته ودله -أظنه قال: وسمته.
قلت: تأخر موته عن مالك قليلًا، ولذلك قال أبو عاصم ذلك، ولما سمع يزيد بن زريع بموت حماد بن زيد، قال: مات اليوم سيد المسلمين.
قال أبو حاتم بن حبان: كان ضريرًا، يحفظ حديثه كله.
قلت: إنما أضر بأخرة.
قال أبو بكر الخطيب: قد روى عنه: إبراهيم عن أبي عبلة، والثوري، وخلق آخرهم وفاةً: الهيثم بن سهل التُّسْتَري.
قال محمد بن مُصَفَّى: حدثنا بقية بن الوليد، قال: ما رأيت بالعراق مثل حماد بن زيد. وقد خلف بن هشام البزار: المدلس متشبع بما لم يعط.
قلت: هو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة، لا سيما إذا دلس الخبر الواهي، يوهم أنه صحيح، فهذا لا يحل بوجه، بخلاف باقي أقسام التدليس، وما أحسن قول عبد الوارث بن سعيد: التدليس ذل.
جماعة سمعوا سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول في قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته، كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه، وجب عليك أن تنصت له، كما تنصت للقرآن يعمر.
وروى سليمان بن أيوب صاحب البصري -وهو صادق: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت أحدًا أعلم من حماد بن زيد، لا سفيان ولا مالك.
وقال محمد بن عيسى بن الطباع: ما رأيت أعقل من حماد بن زيد.
стр. 3646
قال محمد بن وزير الواسطي: سمعت يزيد بن هارون يقول: قلت لحماد بن زيد: هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن? قال: بلى الله -تعالى- يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية.
قال أبو العباس بن مسروق: حدثنا أيوب العطار: سمعت بشر بن الحارث ﵀ يقول: حدثنا حماد بن زيد، ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء.
قال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تكلم شعبة أن يكف عني. فكلمته، فكف عنه أيامًا، وأتاني في الليل، فقال: إنه لا يحل الكف عن أبان، فإنه يكذب على رسول الله ﷺ .
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الحافظ: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول: إنما يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء إله -يعني: الجهمية.
وعن أبي النعمان عارم، قال: قال حماد بن زيد: القرآن كلام الله، أنزله جبريل من عند رب العالمين.
قلت: لا أعلم بين العلماء نزاعًا، في أن حماد بن زيد من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم، وأعدمهم غلطًا، على سعة ما روى ﵀. مولده: في سنة ثمان وتسعين.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سمعت أبا أسامة يقول: كنت إذا رأيت حماد بن زيد، قلت: أدبه كسرى، وفقهه عمر ﵁.
قال الخليلي: سمعت عبد الله بن محمد الحافظ، سمعت أبا عبيد محمد بن محمد بن أخي هلال الرأي، سمعت هشام بن علي يقول: كانوا يقولون: كان علم حماد بن سلمة أربعة دوانيق (١)، وعقله دانقين، وعلم حماد بن زيد دانقين، وعقله أربعة دوانيق.
قلت: مات في سنة تسع وسبعين ومائة، وفاقًا في شهر رمضان. وقال أبو حفص الفلاس: مات في يوم الجمعة، تاسع عشر شهر رمضان. وقال عارم: مات لعشر ليال خلون من رمضان، يوم الجمعة وقال أبو داود: مات قبله مالك بشهرين وأيام.
قلت: هذا وهم بل مات قبله بستة أشهر -فرحمهما الله. فلقد كانا ركني الدين، ما خلفهما مثلهما.
стр. 3647
ومات فيها: بواسط الحافظ الحجة العابد القدوة، خالد بن عبد الله الطحان، ومحدث الكوفة أبو الأحوص سلام بن سليم، ومفتي دمشق الهقل بن زياد -صاحب الأوزاعي- ومحدث حمص عبد الله بن سالم الأشعري.
وفيها كان مصرع ملك الخوارج، الذي يضرب بشجاعته المثل: الوليد ابن طريف الشاري.
ومن عوالي حماد -وقد أفردتها: أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، ويوسف بن أحمد، قالا: أنبأنا موسى بن عبد القادر، أنبأنا سعيد بن أحمد بن البناء، أنبأنا علي بن أحمد، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجَوني: سمعت جندب بن عبد الله -ولا أعلمه، إلا أنه قد رفعه- قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه، فقوموا عنه" (١).
أخبرنا علي بن أحمد بن عبد المحسن العلوي: أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي حضورًا، أنبأنا محمد بن عبيد الله بن الزاغوني. "ح" وأنبأنا أحمد بن إسحاق، أنبأنا عمر بن محمد الزاهد، أنبأنا هبة الله بن أحمد الشبلي، قالا: أنبأنا أبو نصر محمد بن محمد، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﷺ صلى بين العمودين، تلقاء وجهه في جوف الكعبة" (٢). أخرجه مسلم، عن الزهراني.
وبه إلى الزهراني: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال، قال: "صلى رسول الله ﷺ في البيت". وقال ابن عباس: لم يصل فيه، إنما كبر في نواحيه (٣).
وهذا إسناد صحيح. وإنما العبرة بقول من أثبت الصلاة، فإن معه زيادة علم.
روى أبو حاتم الرازي، عن مقاتل بن محمد، سمع وكيعًا يقول: حماد بن زيد أحفظ من ابن سلمة، ما كنا نشبه حماد بن زيد إلا بمسعر.
إسحاق الكوسج عن يحيى، قال: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن عُلَيَّة، وعبد الوهاب الثقفي، وابن عيينة.
стр. 3648
قال أبو زرعة: سمعت أبو الوليد يقول: يرون أن حماد بن زيد دون شعبة في الحديث.
وقال عارم: سألت أم حماد بن زيد، وعمته، فقالت إحداهما: ولد زمن سليمان بن عبد الملك. وقالت الأخرى: ولد زمن عمر بن عبد العزيز. وقال خالد بن خداش: ولد سنة ثمان وتسعين.
قال محمد بن سعد: حماد بن زيد يكنى: أبا إسماعيل، وكان عثمانيًّا، وكان ثقة، ثبتًا، حجة، كثير الحديث.
فصل:
اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن -وذلك قليل- لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا.
فمن شيوخهما معًا: أنس بن سيرين، وأيوب والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل -لكن ماله عن حماد بن زيد سوى حديث واحد- ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد، الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن
стр. 3649
المديني، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقَواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، ولُوين، ومحمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه، علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك، ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد، عرفته بشيوخه المختصين به، ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد. فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا، قال: حدثنا حماد فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو روايته والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال: حدثنا سفيان، وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم. فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يحلق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسب، لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس.
стр. 3650
١١٧١ - يحيى بن أيوب (١): " ع"
الإمام، المحدث، العالم، الشهير أبو العباس الغافقي، المصري، ينسب في عداد موالي مروان بن الحكم.
حدث عن: يزيد بن أبي حبيب، وأبي قبيل حيي بن هانئ، وجعفر ابن ربيعة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعبد الله بن طاووس، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبد الله بن دينار،
وعمارة بن غزية، وإسماعيل بن أمية، وبكر بن عمرو، وربيعة الرأي، وزبان بن قائد، وزيد بن جبيرة، وسهل ابن معاذ الجهني، وعقيل بن خالد، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، وعياش بن عباس القتباني، وكعب ابن علقمة، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وحميد الطويل، وهشام بن حسان، وعبد الرحمن بن حرملة، وعبيد الله بن زحر، وأبي حازم الأعرج، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن سليمان الطويل، وابن عجلان، وأبي حنيفة، وموسى بن علي، وعمرو بن الحارث، ومالك، وخلق كثير.
حدث عنه: الليث بن سعد -وهو من أقرانه- وجرير بن حازم -وهو أكبر منه- وابن جريج -أحد شيوخه- وابن المبارك، وابن وهب، وموسى بن أعين، وإسحاق بن الفرات، وأشهب بن عبد العزيز، وزيد بن الحُبَاب، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن صالح الكاتب، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وعمرو بن الربيع بن طارق، ويحيى بن إسحاق السَّيْلحيني، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: هو دون حيوة وسعيد بن أبي أيوب، هو سيئ الحفظ.
وروى إسحاق الكوسج عن ابن معين: ثقة وقال مرة: صالح.
وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي المَوَال، ومحله الصدق، ولا يحتج به.
وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: يحيى بن أيوب ثقة? قال: هو صالح.
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرة: ليس بالقوي.
قلت: له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، ويُنَقُّون حديثه، وهو حسن الحديث.
وقال أبو سعيد بن يونس: كان أحد الطلابين للعلم، حدث عن: أهل مكة، والمدينة، والشام، ومصر، والعراق، وحدث عنه: الغرباء بأحاديث ليست عند أهل مصر عنه، فحدث عنه يحيى بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعه بن لقيط، عن ابن حوالة: "من نجا من ثلاث … " (٢)، فليس هذا بمصر من حديث يحيى.
стр. 3651
وروي عنه أيضًا: يزيد، عن ابن شماسة، عن زيد بن ثابت: "طوبى للشام … " (١) مرفوعًا، وما هو بمصر من حديث يحيى بن أيوب.
وأحاديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب ليس عند المصريين منها حديث، وهي تشبه عندي أن تكون من حديث ابن لهيعة، والله أعلم.
وروى زيد بن الحباب، عن يحيى بن أيوب، عن عيَّاش بن عباس، عن أبي الحصين حديث أبي ريحانة: "نهى عن الوَشْر والوشم … " (٢)، وليس هذا بمصر، إلا من حديث ابن لهيعة، والمُفَضَّل، وحيوة، وعبد الله بن سويد، عن عياش بن عباس.
وقال العُقَيلي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن عُلَيّ: سمعت ابن أبي مريم قال: حدثت مالكًا بحديث حدثنا به يحيى بن أيوب عنه، فسألته عنه؛ فقال: كذب. وحدثته بآخر؛ فقال: كَذَبَ.
وقال الخضر بن داود: حدثنا أحمد بن محمد، سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- سئل عن يحيى بن أيوب المصري، فقال: كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكأنه ذكر الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر … ، فقال: هاء، من يحتمل هذا?
قال العُقَيلي: وهذا حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمره، عن عائشة: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعة
стр. 3652
الأولى من الوتر: بـ ﴿سَبَّحَ﴾، وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١). قال العُقَيلي: أما المعوذتين، فلا تصح.
قال أبو أحمد بن عدي: هو من فقهاء مصر وعلمائهم، ويقال: كان قاضيًا بها، وهو عندي صدوق.
ومن غرائبه ما رواه سعيد بن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال رسول الله ﷺ : "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار" (٢). قال: فهذا معروف بيحيى بن أيوب.
стр. 3653
قال سعيد بن عفير، وأبو سعيد بن يونس: توفي سنة ثمان وستين ومائة.
احتج به الأئمة الستة في كتبهم، لكن أخرج له البخاري مقرونًا بغيره حديثين.
أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا يعيش بن علي "ح". وأخبرنا سُنْقُر الزيني، أخبرنا علي بن أبي الفتح الكناري بحلب سنة خمس وعشرين، قالا: أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب، أخبرنا منصور بن بكر بن محمد بن علي بن حَيْد، أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن حَيْد سنة تسعَ عشرةَ وأربعمائة، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب، قال: قال يحيى بن سعيد: أخبرني نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى الجمعة، انصرف، فصلى سجدتين في بيته، ثم يقول: "كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك" (١).
стр. 3654
١١٧٢ - يحيى بن أيوب (١): " د، ت"
ابن أبي زُرْعة، بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي.
حدث عن: جده؛ أبي زُرْعة، والشعبي.
وعنه: ابن المبارك، وأبو أسامة، وأبو أحمد الزُّبَيري، والفريابي، وعبد الله بن رجاء الغُداني.
قال يحيى بن معين: ليس به بأس. وقال مرة: ضعيف. وقال في رواية عثمان الدارمي: ليس بشيء.
قلت: بَقِيَ إلى نحو سنة ستين ومائة.
ذكرناه للتمييز من الذي قبله، وهو أخو جرير بن أيوب؛ أحد الضعفاء.
стр. 3655
١١٧٣ - مهدي بن ميمون (١): " ع"
الإمام، الحافظ، الثقة، أبو يحيى الكردي، الأزدي، ثم المِعْوَلي مولاهم، البصري، أحد الأثبات المُعَمَّرين.
حدث عن: أبي رجاء العطاردي، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وغيلان بن جرير، وأبي الوازع جابر بن عمرو الراسبي، وواصل الأحدب، وواصل مولى أبي عيينة، وعدة.
وقرأ القرآن على شعيب بن الحبحاب، عرض عليه الختمة يعقوبُ الحضرمي، فهو من كبار مشيخته في القراءات.
وحدث عنه: يحيى القطان، وابن مهدي، وعارم، وأبو الوليد، ومسدد، وموسى بن إسماعيل، وهُدْبة، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن معاوية الجُمَحِي، وآخرون. وحدث عنه من رفقائه: هشام بن حسان.
وثقه شعبة، وأحمد بن حنبل.
قال ابن سعد: كان كرديًا، مات في سنة اثنتين وسبعين ومائة.
стр. 3656
١١٧٤ - عبد الله بن لَهيعة (١): " د، ت، ق"
ابن عُقبة بن فُرعان بن ربيعة بن ثوبان القاضي، الإمام، العلامة، محدث ديار مصر مع الليث، أبو عبد الرحمن الحضرمي، الأعدولي -ويقال: الغافقي- المصري. ويقال: يكنى أبا النضر، ولم يصح.
ولد سنة خمس، أو ست وتسعين.
وطلب العلم في صباه، ولقي الكبار بمصر والحرمين.
وسمع من عبد الرحمن بن هرمز الأعرج -صاحب أبي هريرة- ومن موسى بن وردان، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن شعيب، وعمر بن دينار، ويزيد بن أبي حبيب، وأبي وهب الجيشاني، ومشرح بن هاعان، وعبيد الله ابن أبي جعفر، وعكرمة مولى ابن عباس -إن صح ذلك- وكعب بن علقمة، وقيس بن الحجاج، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزبير، ويزيد بن عمرو المعافري، وأبي يونس مولى أبي هريرة، وأبي عشانة المعافري، وأبي قبيل المعافري، وأحمد بن خازم المعافري، وبكر بن عمرو المعافري، وشُرَحبيل بن شريك المعافري، وعامر بن يحيى المعافري، وبُكير بن الأشجِّ، وجعفر بن ربيعة، ودراج أبي السمح، وعُقيل بن خالد، وعمرو بن جابر الحضرمي، وخلق كثير.
وعنه: حفيده؛ أحمد بن عيسى بن عبد الله، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، وشعبة، والثوري -وماتوا قبله- والليث بن سعد، ومالك -ولم يصرح باسمه- وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأشهب، وزيد بن الحُبَاب، وأبو عبد الرحمن المقرئ، ومروان بن محمد، وبشر بن عمر الزهراني، والحسن بن موسى الأشب، وأسد بن موسى، وإسحاق بن عيسى بن الطَّباع، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن عُفَير، وعثمان بن صالح، والنضر بن عبد الجبار، ويحيى بن إسحاق، ويحيى بن بُكَير، وحسان بن عبد الله الواسطي، وأبو صالح الكاتب، والقَعْنبي، وعمرو بن خالد، وكامل طلحة، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح، ومحمد بن الحارث صُدَرَة، وخلق كثير، خاتمتهم: ابن رمح.
وكان من بحور العلم، على لين في حديثه.
قال رَوح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا.
قلت: لقي جماعة من أصحاب أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعُقبة بن عامر.
قال أحمد بن حنبل: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه! ?
حدثني إسحاق بن عيسى: أنه لقيه في سنة أربع وستين، وأن كتبه احترقت سنة تسع وستين ومائة.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان محدث مصر، إلا ابن لهيعة.
стр. 3657
وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طلابًا للعلم.
وقال زيد بن الحباب: قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع.
وقال عثمان بن صالح السهمي: احترقت دار ابن لهيعة وكتبه، وسلمت أصوله، كتبت كتاب عُمارة بن غَزِيَّة من أصله.
ولما مات ابن لهيعة قال الليث: ما خلف مثله.
لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية، هو والليث معًا، كما كان الإمام مالك في ذلك العصر عالم المدينة، والأوزاعي عالم الشام، ومعمر عالم اليمن، وشعبة والثوري عالما العراق، وإبراهيم بن طهمان عالم خراسان، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم.
وبعض الحفاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد والاعتبارات، والزهد، والملاحم، لا في الأصول.
وبعضهم يبالغ في وَهْنِه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدل في نفسه.
وقد ولي قضاء الإقليم في دولة المنصور دون السنة، وصُرِفَ.
أعرض أصحاب الصحاح عن رواياته، وأخرج له: أبو داود، والترمذي، والقزويني، وما رواه عنه ابن وهب والمقرئ والقدماء فهو أجود.
وقع لي من عوالي حديثه.
وكان يحيى بن سعيد القطان لا يراه شيئًا. قاله: علي بن المديني. ثم قال علي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وقيل له: تحمل عن عبد الله بن يزيد القصير عن ابن لهيعة? فقال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا. ثم قال عبد الرحمن: كتب إليَّ ابن لهيعة كتابًا فيه: حدثنا عمرو بن شعيب فقرأته على ابن المبارك، فأخرج إليَّ ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة قال: أخبرني إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب.
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن مهدي يقول: ما أعتد بشيء سمعت من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك، ونحوه.
وقال أحمد بن حنبل: كان ابن لهيعة كتب عن المُثَنَّى بن الصَّباح، عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو نفسه. وكان الليث أكبر منه بسنتين.
стр. 3658
روى يعقوب الفسوي، عن سعيد بن أبي مريم، قال: كان حَيْوة بن شُريح أوصى إلى رجل، وصارت كتبه عنده، وكان لا يتقي الله، يذهب فيكتب من كتب حيوة الشيوخ الذين شاركه فيهم ابن لهيعة، ثم يحمل إليه، فيقرأ عليهم. وحضرتُ ابن لهيعة، وقد جاءه قوم حجوا يسلمون عليه، فقال: هل كتبتم حديثًا طريفًا? فجعلوا يذاكرونه، حتى قال بعضهم: حدثنا القاسم العُمَري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الحريق، فكبروا، فإن التكبير يطفئه" (١). فقال: هذا حديث طريف. قال: فكان يقول: حدثنا به صاحبنا فلان، فلما طال ذلك، نسي الشيخ، فكان يُقْرَأ عليه، ويرويه عن عمرو بن شعيب.
ميمون بن إصبغ: سمعت أبن أبي مريم يقول: حدثنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب بحديث الحريق. ثم قال سعيد: هذا سمعه ابن لهيعة من زياد بن يونس الحضرمي، عن القاسم، فكان ابن لهيعة يستحسنه، ثم إنه بعد قال: إنه يرويه عن عمرو بن شعيب.
стр. 3659
وقال يحيى بن بُكَير: قيل لابن لهيعة: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب فضاق ابن لهيعة، وقال: وما يدري ابن وهب? سمعت هذه الأحاديث من عمرو قبل أن يلتقي أبواه.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتبه أعتبر به، وهو يقوى بعضه ببعض.
أبو عبيد الآجري، عن أبي داود، قال لي ابن أبي مريم: لم تحترق كتب ابن لهيعة، ولا كتاب، إنما أرادوا أن يعفو عليه أمير، فأرسل إليه أمير بخمس مائة دينار.
وسمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب أبن وهب، إلا ما كان من حديث الأعرج.
جعفر الفريابي: سمعت بعض أصحابنا يذكر: أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح. فقلت: لأنا كنا نكتب من كتاب ابن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة.
قال أبو صالح الحراني: قال لي ابن لهيعة: ما تركت ليزيد بن أبي حبيب حرفًا.
قال عثمان بن صالح السهمي عن إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر، قال: أنا حملت رسالة الليث إلى مالك، وأخذت جوابها، فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة، فأخبره بحاله، فقال: ليس يذكر الحج? فسبق إلى قلبي أنه يريد السماع منه.
قال الثوري: حججت حججًا لألقى ابن لهيعة.
وقال محمد بن معاوية: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: وددت أني سمعت من ابن لهيعة خمس مائة حديث، وأني غرمت مُوَدَّى كأنه يعني دية.
أبو الطاهر بن السرح: سمعت ابن وهب يقول: حدثني -والله- الصادق البار عبد الله بن لهيعة. قال أبو الطاهر: فما سمعته يحلف بهذا قط.
وروى حنبل عن أبي عبد الله، قال: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب.
قال أبو داود عن أحمد: ما كان محدث مصر، إلا ابن لهيعة.
البخاري، عن يحيى بن بُكَير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين.
قلت: الظاهر أنه لم يحترق إلا بعض أصوله.
стр. 3660
يعقوب الفسوي: سمعت أحمد بن صالح يقول: ابن لهيعة صحيح الكتاب، كان أخرج كتبه، فأملى على الناس، حتى كتبوا حديثه إملاءً، فمن ضبط، كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون، ولا يصححون، وآخرون نظارة، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا، ولم يُرَ له كتاب، وكان من أراد السماع منه، ذهب، فاستنسخ ممن كتب عنه، وجاءه، فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة، فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم تضبط، جاء فيه خلل كثير. ثم ذهب قوم، فكل من روى عنه، عن عطاء بن أبي رباح، فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل عنه، وعن ثلاثة عن عطاء. قال: فتركوا من بينه وبين عطاء، وجعلوه عن عطاء.
قال يعقوب: كتبت عن ابن رُمْح كتابًا، عن ابن لهيعة، وكان فيه نحو مما وصف أحمد بن صالح، فقال: هذا وقع على رجل ضَبَطَ إملاءَ ابن لهيعة. فقلت له في حديث ابن لهيعة? فقال: لم تعرف مذهبي في الرجال. إني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصره على ترك حديثه.
وسمعت أحمد بن صالح يقول: كتبت حديث ابن لهيعة، عن أبي الأسود في الرق، وكنت أكتب عن أصحابنا في القراطيس، وأستخير الله فيه، فكتبت حديث النضر بن عبد الجبار في الرق. قال: فذكرت له سماع القديم، وسماع الحديث، فقال: كان ابن لهيعة طلابًا للعلم، صحيح الكتاب.
قال: وظننت أن أبا الأسود كتب من كتاب صحيح، فحديثه صحيح، يشبه حديث أهل العلم.
إبراهيم بن عبد الله بن الجُنَيد: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن لهيعة أمثل من رشدين بن سعد، وقد كتبت حديث ابن لهيعة.
قال أهل مصر: ما احترق له كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات.
وكان النضر بن عبد الجبار راوية عنه، وكان شيخ صدق، وكان ابن أبي مريم سيئ الرأي في ابن لهيعة، فلما كتبوها عنه، وسألوه عنها، سكت عن ابن لهيعة. قلت ليحيى: فسماع القدماء والآخرين منه سواء? قال: نعم، سواء واحد.
قال الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن في "التاريخ": قدم ابن لهيعة الشام غازيًا مع صالح
стр. 3661
ابن علي، سنة ثمان وثلاثين ومائة، واجتاز بساحل دمشق، أو بها. حكاه القُطْرُبُلِّي، عن الواقدي.
وقال ابن بكير: ولد سنة ست وتسعين، وتفرد نوح بن حبيب بأن كنيته: أبو النضر.
وقال ابن سعد: ابن لهيعة حضرمي من أنفسهم، كان ضعيفًا، وعنده حديث كثير، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالا. وأما أهل مصر، فيذكرون أنه لم يختلط، لكنه كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه، فيسكت عليه. فقيل له في ذلك، فقال: وما ذنبي? إنما يجيئون بكتاب يقرءونه ويقومون، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي … ، إلى أن قال: ومات بمصر، في نصف ربيع الأول، سنة أربع وسبعين ومائة.
وقال مسلم بن الحجاج: ابن لهيعة تركه: وكيع، ويحيى، وابن مهدي.
وقال ابن يونس: مولده سنة سبع وتسعين. ورأيته في ديوان حضرموت بمصر، فيمن دعي به، سنة ست وعشرين ومائة، في أربعين من العطاء.
قال ابن وهب: حديث: "لو أن القرآن في إهاب، ما مسته النار" (١) ما رفعه لنا ابن لهيعة في أول عمره قط.
стр. 3662
وقال أبو حفص الفَلاس: من كتب عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، فهو أصح، كابن المبارك، والمقرئ، وهو ضعيف الحديث.
وقال إسحاق بن عيسى: ما احترقت أصوله، إنما احترق بعض ما كان يقرأ منه. -يريد: ما نسخ منها.
ابن عدي: حدثنا موسى بن العباس، حدثنا أبو حاتم، سمعت سعيد بن أبي مريم يقول: رأيت ابن لهيعة يعرض ناس عليه أحاديث من أحاديث العراقيين: منصور، وأبي إسحاق، والأعمش، وغيرهم، فأجازه لهم. فقلت: يا أبا عبد الرحمن! ليست هذه من حديثك. قال: هي أحاديث مرت على مسامعي، ورواها ابن أبي حاتم، عن أبيه.
وروى الفضل بن زياد، عن أحمد بن حنبل، قال: من كتب عن ابن لهيعة قديمًا، فسماعه صحيح.
قلت: لأنه لم يكن بعد تساهل، وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال عبد الرحمن بن خِرَاش: لا يكتب حديثه.
وقال أبو زرعة: لا يحتج به قيل: فسماع القدماء? قال: أوله وآخره سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتتبعان أصوله، يكتبان منها.
عباس، عن يحيى بن معين، قال: ابن لهيعة لا يحتج به.
قال ابن عدي: أحاديثه أحاديث حسان، مع ما قد ضعفوه، فيكتب حديثه، وقد حدث عنه: مالك، وشعبة، والليث.
قال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت قتيبة يقول: حضرت موت ابن لهيعة، فسمعت الليث يقول: ما خَلَّف بعده مثله.
محمد بن قُدامة حدثنا زيد بن الحُباب، عن شعبة، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، وسالم، في الأمة تصلي يدركها العتق?، قالا: تَقَنَّع، وتمضي في صلاتها. وفي "الموطأ": بلغني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُرْبان (١). قالوا: هذا ما رواه عن عمرو سوى ابن لهيعة.
стр. 3663
عبد الملك بن شُعيب بن الليث حدثنا أبي، حدثني الليث، حدثني ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح صائمًا، فنسي فأكل وشرب، فالله أطعمه وسقاه" (١).
قال أبو حاتم بن حبان البُستي: كان من أصحابنا يقولون: سماع من سمع من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، مثل العبادلة: ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ، وعبد الله بن مسلمة القَعْنَبي، فسماعهم صحيح، ومن سمع بعد احتراق كتبه، فسماعه ليس بشيء. وكان ابن لهيعة من الكتَّابين للحديث، والجمَّاعين للعلم، والرحَّالين فيه، ولقد حدثني شكَّر (٢): حدثنا يوسف بن مسلم، عن بشر بن المنذر، قال: كان ابن لهيعة يكنى: أبا خريطة؛ كانت له خريطة معلقة في عنقه، فكان يدور بمصر، فكلما قدم قوم كان يدور عليهم، فكان إذا رأى شيخًا، سأله من لقيت? وعمن كتبت? فإن وجد عنده شيئًا، كتب عنه، فلذلك كان يكنى: أبا خريطة.
قال ابن حِبَّان: قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفى، على أقوام رآهم هو ثقات، فألزق تلك الموضوعات به.
وقال يحيى القطان: قال لي بشر بن السَّري: لو رأيت ابن لهيعة، لم تحمل عنه حرفًا.
وقال نعيم بن حَمَّاد: سمعت يحيى بن حسان يقول: جاء قوم ومعهم جزء، فقالوا:
стр. 3664
سمعناه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فقمت إليه، فقلت: أي شيء هذا? قال: فما أصنع بهم، يجيؤون بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم به.
ابن حبان: حدثنا أبو يعلى، حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله (١)، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (٢)، عن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "ادعوا لي أخي". فدعي له أبو بكر، فأعرض عنه، ثم قال: "ادعوا لي أخي". فدعي له عثمان، فأعرض عنه، ثم دعي له علي، فستره بثوبه، وأكب عليه، فلما خرج من عنده، قيل له: ما قال? قال: علمني ألف باب، كل باب يفتح ألف باب.
هذا حديث منكر، كأنه موضوع (٣).
قال عثمان بن صالح: لا أعلم أحدًا أخبر بسبب علة ابن لهيعة مني، أقبلت أنا وعثمان بن عتيق بعد انصرافنا من الصلاة يوم الجمعة، فوافينا ابن لهيعة أمامنا راكبًا على حمار، يريد إلى منزله، فأفلج، وسقط عن حماره، فبدرني ابن عتيق إليه، فأجلسه، وصرنا به إلى منزله.
قال عمرو بن خالد الحراني: سمعت زهيرًا يقول لمسكين بن بُكَير الحذاء: يا أبا عبد الرحمن! ما كتب إليك ابن لهيعة? قال: كتب إلى غيري: أن عقيلا أخبره، عن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ أمر بصوم آخر اثنين من شعبان (٤).
стр. 3665
وقال العُقَيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا خالد بن خِدَاش، قال: قال لي ابن وهب -ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة: إني لست كغيري في ابن لهيعة، فاكتبها (١).
وقال سعيد بن أبي مريم: لم يسمع ابن لهيعة من يحيى بن سعيد شيئًا، لكن كتب إليه هذا الحديث -يعني: حديث السائب بن يزيد، ابن أخت نمر- قال: صحبت سعدًا كذا وكذا سنة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا، وكنت في عقبه على أثره: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق في الصدقة" (٢). فظن ابن لهيعة أنه من حديث سعد، وإنما كان هذا كلامًا مبتدًا من مسائل كتب بها إليه.
عفان: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، عن السائب بن يزيد: أنه صحب سعدًا من المدينة إلى مكة، فلم يسمعه يحدث عن النبي ﷺ حتى رجع.
ونقلوا: أن عبد الله بن لهيعة ولاه أبو جعفر القضاء بمصر، في سنة خمس وخمسين ومائة، تسعة أشهر، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارًا.
فأما قول أبي أحمد بن عدي في الحديث الماضي: علمني ألف باب، يفتح كل باب ألف باب، فلعل البلاء فيه من ابن لهيعة، فإنه مفرط في التشيع، فما سمعنا بهذا عن ابن لهيعة، بل ولا علمت أنه غير مفرط في التشيع، ولا الرجل متهم بالوضع، بل لعله أدخل على كامل، فإنه شيخ محله الصدق، لعل بعض الرافضة أدخله في كتابه، ولم يتفطن هو. فالله أعلم.
قال قتيبة بن سعيد: لما احترقت كتب ابن لهيعة، بعث إليه الليث بن سعد من الغد بألف دينار.
стр. 3666
وقال أبو سعيد بن يونس: ذكر أبو عبد الرحمن النسائي يومًا ابن لهيعة، فقال: ما أخرجت من حديثه شيئًا قط، إلا حديثًا واحدًا، حديث عمرو ابن الحارث، عن مِشْرح، عن عقبة، عن النبي ﷺ قال: "في الحج سجدتان" (١). أخبرناه: هلال بن العلاء، عن مُعَافى بن سليمان، عن موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث.
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، ويوسف بن أحمد، قالا: أخبرنا موسى بن عبد القادر، أخبرنا سعيد بن أحمد، أخبرنا علي بن أحمد البُنْدار، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن كثير مروان الفِهري، حدثني عبد الله بن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "من عطس أو تجشأ، فقال: الحمد لله على كل حال من الحال، دفع عنه بها سبعون داء، أهونها الجذام" (٢). وهذا خبر منكر، لا يحتمله ابن لهيعة، ولا أتى به سوى الفهري، وهو شيخ واه جدًّا.
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق، أخبرنا الفتح بن عبد السلام، أخبرنا محمد بن عمر القاضي، ومحمد بن أحمد الطرائفي، وأبو غالب محمد بن علي، قالوا: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، أخبرنا جعفر بن محمد الفِرْيابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن مُشْرَح بن هاعان، عن عقبة بن عامر،
стр. 3667
قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (١). هذا حديث محفوط قد تابع فيه الوليد بن المغيرة ابن لهيعة، عن مشرح.
وقد رواه عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن شُريح المعافري، عن شراحبيل بن يزيد، عن محمد بن هدية الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وبالإسناد إلى الفريابي: حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة، عن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، المتمسك منهم يومئذ على دينه، كالقابض على خبط الشوك، أو جمر الغضا" (٢).
стр. 3668
وبه، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: سمعت أبا أيوب الأنصاري، يقول: "ليأتين على الرجل أحايين، وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وإنه ليأتي عليه أحايين، وما فيه موضع إبرة من إيمان" (١).
رواه: بنحوه ابن وهب، عن حيوة بن شُريح، عن يزيد.
قرأت على أبي الفضل بن تاج الأمناء، عن عبد المعز بن محمد البزاز، أن محمد بن إسماعيل الهروي أخبره، قال: أخبرنا محلم بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول: من أظلم ممن صور صورتي، أو شبه بها، فليخلقوا حبة أو ذرة" (٢). هذا حديث غريب جدًّا، وفيه رجل مجهول أيضًا.
وبه قال قتيبة: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها عليكم قبورًا، كما اتخذت اليهود
стр. 3669
والنصارى في بيوتهم قبورًا، وإن البيت ليتلى فيه القرآن، فيتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض" (١).
هذا حديث نظيف الإسناد، حسن المتن، فيه النهي عن الدفن في البيوت، وله شاهد من طريق آخر. وقد نهى -عليه الصلاة السلام- أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم، لصارت المقبرة والبيوت شيئًا واحد، والصلاة في المقبرة فمنهي عنها نهي كراهية، أو نهي تحريم. وقد قال -عليه الصلاة السلام: "أفضل صلاة الرحل في بيته، إلا المكتوبة" (٢). فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورًا.
وأما دفنه في بيت عائشة -صلوات الله عليه وسلامه- فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيًّا وميتًا، في الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته، لأنه هو أمن عليه التغير، بخلافنا ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه، داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته، حتى قدم أبو بكر الصديق من السنح، فهذا كان سبب التأخير.
قال أبو إسحاق الجُوزجاني: ابن لهيعة لا نور على حديثه، ولا ينبغي أن يحتج به، ولا أن يعتد به.
البخاري حدثني أحمد بن عبد الله، أخبرنا صدقة بن عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن مِشْرَح بن هاعان، عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو تمت البقرة ثلاثمائة آية، لتكلمت" (٣).
стр. 3670
وعن أبي الوليد بن أبي الجارود، عن يحيى بن معين، قال: يكتب عن ابن لهيعة ما كان قبل احتراق كتبه.
قلت: عاش ثمانيًا وسبعين سنة، ومر أنه توفي سنة أربع وسبعين ومائة.
وكان من أوعية العلم، ومن رؤساء أهل مصر ومحتشميهم، أطلق المنصور بن عمار الواعظ أراضي له.
الرمادي في "تاريخه": حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن حديج بن أبي عمرو، سمعت المستورد بن شداد، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لكل أمة أجل، وإن لأمتي مائة سنة، فإذا مر عليها مائة سنة أتاها ما وعدها الله" (١).
ابن لهيعة: حدثنا يزيد بن عمرو المعافري، عن ابن حجيرة، قال: استظل سبعون نفسًا من قوم موسى تحت قُحْفِ رجل من العمالقة.
هذا من الإسرائيليات، والقدرة صالحة، ولو استظل بذلك القحف أربعة لكان عظيمًا.
стр. 3671
١١٧٥ - سعيد بن عبد العزيز (١): " م، (٤) "
ابن أبي يحيى الإمام، القدوة، مفتي دمشق، أبو محمد التنوخي، الدمشقي. ويقال: أبو عبد العزيز.
ولد سنة تسعين، في حياة سهل بن سعد، وأنس بن مالك ﵄. وقرأ القرآن على: ابن عامر، ويزيد بن أبي مالك. تلا عليه: الوليد بن مسلم، وأبو مسهر.
وحدث عن: مكحول، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وربيعة بن يزيد القصير، وإسماعيل بن عبيد الله، ويونس بن ميسر بن حلبس، وعمير ابن هانئ، وأبي الزبير المكي، وزيد بن أسلم، وبلال بن سعد، وعدة.
стр. 3672
ودخل على عطاء بن أبي رباح، وسأله عن مسألة، وليس هو بالمكثر من الحديث.
ويروي أيضًا عن: عطية بن قيس، وسليمان بن موسى، وعبد الرحمن بن سلمة الجمحي، ويحيى الذماري، وعثمان بن أبي سودة المقدسي، ومعبد بن هلال، وعبد الكريم بن أبي المخارق، ومعاذ بن سهل الجهني.
وقد جمع الطبراني مرويات سعيد في جزء واحد.
حدث عنه: الوليد بن مسلم، والحسن بن يحيى الخشني، وعلي بن الحسن بن شقيق المروزي، وأبو مسهر، وأبو اليمان الحمصي، وابن المبارك، ووكيع، وابن سابور، ويحيى بن حمزة، وبقية بن الوليد، وأبو عاصم النبيل، وعبد الرزاق، وأبو المغيرة عبد القدوس، ويحيى بن صالح الوُحَاظي، وعبد الله بن صالح الكاتب، وأبو نصر التمار، وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، وأبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، وإبراهيم بن هشام الغساني، وزيد بن يحيى بن عبيد، وعبد الله بن كثير المقرئ الطويل، وعمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسي، والوليد بن مزيد العذري، وآخرون. وقد حدث عنه من أقرانه: شعبة، والثوري. وانتهت إليه مشيخة العلم بعد الأوزاعي بالشام، فعاش بعده عشرة أعوام.
قال أبو مسهر: حدثنا سعيد، قال: دهشنا عن الهرولة، فسألنا عطاء، فقال: لا شيء عليكم. قال أبو مسهر: ما سمع من عطاء سواه.
وقال عبد الله بن زبر: كنا نجلس إلى محكول ومعنا سعيد بن عبد العزيز، فكان يسقي الماء في مجلس مكحول.
وقال أبو مُسْهِر: حدثني سعيد، قال: كنت أجلس بالغدوات إلى ابن أبي مالك، وأجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبيد الله، وبعد العصر مكحولا.
الدارمي: أخبرنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: ما كتبت حديثًا قط. يعني كان يتحفظ. وقال أبو مسهر: سمعته يقول: ما كتبت حديثًا. وسمعته يقول: لا يؤخذ العلم من صَحَفِي.
وقال أبو حاتم الرازي: كان أبو مسهر يقدم سعيدًا على الأوزاعي.
قال أبو زرعة النصري: قلت لابن معين: أمحمد بن إسحاق حجة? فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز.
قال أحمد في "المسند": ليس بالشام رجل أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز.
стр. 3673
وقال أبو عبد الله الحاكم: سعيد بن عبد العزيز لأهل الشام، كمالك لأهل المدينة في التقدم والفقه والأمانة.
وقال أبو زرعة: حدثني أبو النضر إسحاق بن إبراهيم، قال: كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبد العزيز على الحصير في الصلاة.
أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة? فقال: يا ابن أخي، وما سؤالك عن ذلك? قلت: لعل الله أن ينفعني به. فقال: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم.
أبو عبد الرحمن مروان بن محمد الطاطري: قال محمد بن المبارك الصوري: كان سعيد إذا فاتته صلاة الجماعة بكى.
قال الوليد بن مَزْيد: كان الأوزاعي إذا سئل عن مسألة، وسعيد بن عبد العزيز حاضر، قال: سلو أبا محمد.
وقال أبو زُرْعة الدمشقي: حدثنا بعض مشايخنا عن الوليد بن مسلم، قال: كان سعيد بن عبد العزيز يحيي الليل، فإذا طلع الفجر جدد وضوءه، وخرج إلى المسجد.
يزيد بن عبد الصمد: حدثنا أبو مسهر، قال: ما رأيت سعيد بن عبد العزيز ضحك قط، ولا تبسم، ولا شكا شيئًا قط.
أبو زرعة قال أبو مُسهر: ينبغي للرجل أن يقتصر على علم بلده، وعلى علم عالمه، لقد رأيتني أقتصر على سعيد بن عبد العزيز، فما أفتقر معه إلى أحد. وقال يحيى الوحاظي: سألت سعيد بن عبد العزيز عن حديث، فامتنع علي، وكان عسرًا. وكذا قال أبو مسهر عنه.
قلت: شاخ، وضاق خلقه، واشتغل بالله عن الرواية.
عباس الدوري، عن يحيى بن معين، قال: كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه قبل الموت، وكان يقول: لا أجيزها.
أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: رأيت أصحابنا يعرضون على سعيد بن عبد العزيز حديث المعراج، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس فقلت له: يا أبا محمد! أليس حدثتنا عن يزيد بن أبي مالك. قال: حدثنا أصحابنا عن أنس بن مالك? قال: نعم، إنما يقرون على أنفسهم.
стр. 3674
قال أبو مسهر: سمعته يقول: لا أدري، لما لا أدري، نصف العلم. وسمعته يقول: ما كنت قدريًّا (١) قط. وسمعت رجلا يقول لسعيد: أطال الله بقاءك، فقال: بل عجل الله بي إلى رحمته.
محمد بن بكَّار البَتَلْهي: حدثنا يزيد بن عبد الصمد، سمعت أبا مسهر، سمعت سعيد بن عبد العزيز، يقول: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واع، وناطق عارف.
وقال عقبة بن علقمة البيروتي: حدثني سعيد بن عبد العزيز، قال: من أحسن، فليرج الثواب، ومن أساء، فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزًا بغير حق، أورثه الله ذلًا بحق، ومن جمع مالًا بظلم، أورثه الله فقرًا بغير ظلم.
وقال الوليد بن مزيد العُذْري: سئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفاف من الرزق، ما هو?
قال: شبع يوم، وجوع يوم.
أنبأنا عدة، عن عبد البر ابن الحافظ أبي العلاء العطار، أخبرنا أبي، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان الطبراني، حدثنا أبو زرعة، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، قالا: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا سعيد، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع في الشام" (٢).
стр. 3675
رواه الوليد، وأبو إسحاق الفَزَاري، عن سعيد بن عبد العزيز.
وبه حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا أبو مسهر، حدثني سعيد، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاوية: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهده واهد به" (١).
وبه حدثنا عبدان، حدثنا علي بن سهل الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد، عن يونس -هو ابن ميسرة- عن عبد الرحمن بن أبي عميرة: أنه سمع النبي ﷺ وذكر معاوية، فقال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا، واهد به" (٢). فهذه علة الحديث قبله.
وبه حدثنا أبو زرعة، وأحمد بن محمد بن يحيى، قالا: حدثنا أبو مسهر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة المزني -وكان من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال لمعاوية: "اللهم علمه الكتاب، والحساب، وقِهِ العذاب" (٣).
وقال الوليد بن مسلم، وأبو مسهر، وشباب، وابن سعد، وأحمد: مات سنة سبع وستين ومائة. وما نقل من أنه مات سنة ثلاث أو أربع وستين، فهو خطأ ووهم. قاله أبن عساكر.
стр. 3676
١١٧٦ - زُفَر بن الهُذَيل (١):
العنبري، الفقيه، المجتهد، الرباني، العلامة، أبو الهذيل بن الهذيل بن قيس بن مسلم.
قال أبو نعيم الحافظ: كان أبوه بأصبهان في دولة يزيد بن الوليد، فكان له ثلاثة أولاد: زفر، وهَرثمة، وكوثر.
قلت: ولد سنة عشر ومائة، وحدث عن: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي حنيفة، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وطبقتهم.
حدث عنه: حسان بن إبراهيم الكرماني، وأكثم بن محمد، والد يحيى ابن أكثم، وعبد الواحد بن زياد، وأبو نعيم الملائي، والنعمان بن عبد السلام التيمي، والحكم بن أيوب، ومالك بن فديك، وعامتهم من رفقائه وأقرانه، لأنه مات قبل أوان الرواية.
قال أبو نعيم الملائي: كان ثقة، مأمونًا، وقع إلى البصرة في ميراث له من أخته، فتشبث به أهل البصرة، فلم يتركوه يخرج من عندهم.
وذكره يحيى بن معين، فقال: ثقة مأمون.
قلت: هو من بحور الفقه، وأذكياء الوقت. تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان يدري الحديث ويتقنه.
قال علي بن مُدْرِك، عن الحسن بن زياد الفقيه، قال: كان زفر وداود الطائي متواخيين، فأما داود فترك الفقه، وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمعهما.
وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: ما رأيت فقيهًا يناظر زفر إلا رحمته.
وقال أبو نعيم: كنت أمر على زفر، فيقول: تعال حتى أغَرْبِلَ لك ما سمعت.
стр. 3677
قال أبو عاصم النبيل: قال زفر: من قعد قبل وقته، ذل.
قال أبو نعيم: كنت أعرض الأحاديث على زفر، فيقول: هذا ناسخ، هذا منسوخ، هذا يؤخذ به، هذا يرفض.
قلت: كان هذا الإمام منصفًا في البحث متبعًا.
قال عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: لقيت زفر ﵀ فقلت له: صرتم حديثًا في الناس وضحكة. قال: وما ذاك? قلت: تقولون: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (١)، ثم جئتم إلى أعظم الحدود، فقلتم: تقام بالشبهات. قال: وما هو? قلت: قال رسول الله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" (٢). فقلتم: يقتل به -يعني بالذمي. قال: فإني أشهدك الساعة أني قد رجعت عنه.
قلت: هكذا يكون العالم وقافًا مع النص.
قال ابن سعد: مات زُفَر سنة ثمان وخمسين ومائة، ولم يكن في الحديث بشيء.
قلت: قد حكم له إمام الصنعة بأنه ثقة، مأمون.
стр. 3678
١١٧٧ - قيس (١): " د، ت، ق"
ابن الربيع، الإمام، الحافظ، المكثر، أبو محمد الأسدي، الكوفي، الأحول، أحد أوعية العلم على ضعف فيه من قبل حفظه.
ولد في حدود سنة تسعين.
وروى عن: عمرو بن مُرَّة، وزياد بن عِلاقة، وعَلقمة بن مَرْثَد، وزُبيد اليامي، ومحارب بن دثار، وأبي إسحاق السبيعي، وعدة. وكان من المكثرين.
حدث عنه: رفيقاه: شعبة، والثوري، ويحيى بن آدم، وإسحاق بن منصور السلولي، وعلي بن الجعد، ويحيى الحِمَّاني، ومحمد بن بكَّار بن الريان، وخلق سواهم. وكان شعبة يثني عليه، ووثقه عفان وغيره.
وقال ابن عدي: عامة رواياته مستقيمة، والقول فيه ما قاله شعبة، وأنه لا بأس به.
وقال يعقوب بن شيبة: هو عند جميع أصحابنا صدوق، وكتابة صالح. ثم قال: وهو رديء الحفظ جدًّا، كثير الخطأ.
وقال محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عن قيس شيئًا قط.
وعن أبي بكر بن عياش قال: كان قيس لا يفرِّق بين "كره" وبين "لا بأس".
وقال الفلاس: حدث عبد الرحمن عن قيس أولا، ثم تركه.
وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرةً: يُضَعَّف.
ولينه أحمد بن حنبل.
وقال النسائي: متروك.
قلت: لا ينبغي أن يترك فقد قال محمد بن المثنى: سمعت محمد بن عُبيد يقول: لم يكن قيس عندنا بدون سفيان، لكنه وُلِّيَ، فأقام على رجل الحد، فمات فطفئ أمره.
стр. 3679
وقال محمود بن غيلان: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: استعمل المنصور قيسًا على المدائن، فكان يعلق النساء بثُديهن، ويرسل عليهن الزنابير.
قال أبو الوليد: حضر شريك جنازة قيس بن الربيع، فقال: ما ترك بعده مثله.
قال أبو الوليد: كتبت عن قيس ستة آلاف حديث.
قال سلم بن قتيبة: قال لي شعبة: أدرك قيسًا لا يفوتك.
وقال أبو داود: سمعت شعبة يقول: ألا تعجبون من هذا الأحول! يقع في قيس بن الربيع -يريد: يحيى القطان.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
قال قراد: سمعت شعبة يقول: ما أتينا شيخًا بالكوفة إلا وجدنا قيسًا قد سبقنا إليه، كنا نسميه: قيسًا الجوال.
وعن شريك، قال: ما نشأ بالكوفة أطلب للحديث من قيس بن الربيع.
قُراد: سمعت شعبة يقول: جلست أنا وقيس في مسجد فلم يزل يقول: حدثنا أبو حصين حتى تمنيت أن المسجد يقع علي وعليه.
قال ابن حبان: قد سبرت أحاديث قيس، وتتبعتها، فرأيته صدوقًا، مأمونًا حين كان شابًّا، فلما كبر ساء حفظه، وامتحن بابن سوء، فكان يدخل عليه الحديث، فوقع في أخباره مناكير.
قال عفان قدمت الكوفة، فأتينا قيسًا، فجلسنا إليه، فجعل ابنه يلقنه، ويقول له: حُصين، فيقول: حصين، ويقول رجل آخر ومغيرة.
قال ابن حِبَّان: مات سنة سبع وستين ومائة. وكذا أرخه: أبو نعيم الملائي.
стр. 3680
١١٧٨ - السيد الحِمْيَرِي (١):
من فحول الشعراء، لكنه رافضي جلد. واسمه: أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري. له: مدائح بديعة في أهل البيت، كان يكون بالبصرة، ثم ببغداد.
قال الصولي: الصحيح أن جده ليس بيزيد بن مُفَرِّغ (٢) الشاعر. وقيل: كان طُوالا، شديد الأدمة.
قيل: إن بشارًا قال له: لولا أن الله شغلك بمدح أهل البيت، لافتقرنا.
وقيل: كان أبواه ناصبيين (٣)، ولذلك يقول:
لعن الله والدي جميعًا … ثم أصلهما عذاب الجيحم
حكما عدوة كما صليا الفجـ … ـر بلعن الوصي باب العلوم
لعنا خير من مشى فوق ظهر الـ … أرض أو طاف محرمًا بالحطيم (٤)
وكان يرى رأي الكيسانية (٥) في رجعة ابن الحنفية إلى الدنيا. وهو القائل:
بان الشباب ورق عظمي وانحنى … صدر القناة وشاب مني المفرق
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى … وبنا إليه من الصبابة أولق (٦)
حتى متى? وكم المدى … يا ابن الوصي وأنت حي ترزق
فقيل: إنه اجتمع بجعفر الصادق، فبين له ضلالته، فتاب.
وقال ابن جرير في "الملل والنحل": إن السيد كان يقول بتناسخ الأرواح.
قيل: توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة. وقيل: سنة ثمان وسبعين ومائة. ونظمه في الذروة، ولذلك حفظ ديوانه أبو الحسن الدارقطني.