← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

تعرف بها، وكان صالح المري وغيره من وجوه البصرة وفقهائها يدخلون عليها، فتبرز لهم، وتحادثهم، وتسائلهم، وأقام ابنها إسماعيل بالبصرة. وقال خليفة بن خياط: مات أبو بشر ببغداد، سنة أربع وتسعين. وروى علي بن الجعد، عن شعبة، قال: ابن علية ريحانة الفقهاء. وروى علي بن المديني، عن يحيى القطان، قال: ابن علية أثبت من وهيب. وقال ابن مهدي: هو أثبت من هشيم. وروى عفان قال: كنا عند حماد بن سلمة، فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خولفت فيه. فقال: من? قالوا: حماد بن زيد، فلم يلتفت. فقيل: إن إسماعيل ابن علية يخالفك. فقام، ودخل ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: إليه -يعني: إسماعيل- المنتهى في التثبت بالبصرة. وعن أبيه، قال: فاتني مالك، فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية، كان حماد بن زيد لا يفرق من مخالفة وهيب والثقفي، ويفرق من إسماعيل إذا خالفه. وكذلك رواه: مسلم، عن أحمد بن حنبل. وروى أبو بكر بن أبي الأسود، قال: نشأت في الحديث يوم نشأت، وما أحد يقدم في الحديث على إسماعيل ابن علية. وروى أحمد بن محمد بن محرز، عن يحيي بن معين: كان إسماعيل ثقة، مأمونًا، صدوقًا، مسلمًا، ورعًا، تقيًّا. وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل، ووهيب، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع. وروى يعقوب السدوسي، عن الهيثم بن خالد، قال: اجتمع حفاظ البصرة، فقال أهل الكوفة لهم: نحوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابًا قط. وكان يقال: ابن علية يعد الحروف. وقال أبو داود: ما أحد من المحدثين إلا وقد أخطأ، إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل.

стр. 4132

وقال النسائي: ابن علية ثقة، ثبت. وقال ابن سعد: كان ثبتًا، حجة، ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون، فنزل هو وولده بغداد، واشترى بها دارًا، وتوفي بها، وصلى عليه ابنه إبراهيم؛ أحد كبار الجهمية، وممن ناظر الشافعي، وله تصانيف، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك. قال الخطيب: وزعم علي بن حجر أن علية إنما هي جدته لأمه. قال العيشي: قال لي عبد الوارث بن سعيد: أتتني علية بابنها، فقالت: هذا ابني، يكون معك، ويأخذ بأخلاقك. قال: وكان من أجمل غلام بالبصرة. قال علي بن المديني: ما أقول: إن أحدًا أثبت في الحديث من إسماعيل. قال أبو داود: أرواهم عن الجريري: إسماعيل ابن علية. وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي: لا يعرف لابن علية غلط، إلا في حديث جابر في المدبر (١)، جعل اسم الغلام اسم المولى، واسم المولى اسم الغلام. قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: أخبرنا بعض أصحابنا: أن ابن علية لم يضحك منذ عشرين سنة. وقال محمد بن المثنى: بت ليلة عند ابن علية، فقرأ ثلث القرآن، وما رأيته ضحك قط. قال عبيد الله العيشي: حدثنا الحمادان: أن ابن المبارك كان يتجر، ويقول: لولا خمسة ما تجرت: السفيانان، وفضيل بن عياض، وابن السماك، وابن علية، فيصلهم. فقدم ابن المبارك سنة، فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته، ولم يصله، فركب إليه ابن علية، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من الغد، كتب إلى عبد الله رقعة يقول: قد كنت منتظرًا لبرك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيت مني? فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا. ثم كتب إليه:

стр. 4133

يا جاعل العلم له بازيا … يصطاد أموال المساكين الأبيات المذكورة: فلما قرأها، قام من مجلس القضاء، فوطئ بساط هارون الرشيد، وقال: الله الله، ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على الخطأ. فقال: لعل هذا المجنون أغرى عليك. ثم أعفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصرة. هذه حكاية منكرة من جهة أن العيشي يرويها عن الحمادين، وقد ماتا قبل هذه القصة بمدة، ولعل ذلك أدرجه العيشي. قال سهل بن شاذويه: سمعت علي بن خشرم يقول: قلت لوكيع: رأيت إسماعيل ابن علية يشرب النبيذ حتى يحمل على الحمار، يحتاج من يرده إلى منزله فقال وكيع: إذا رأيت البصري يشرب، فاتهمه. قلت: وكيف? قال: إن الكوفي يشربه تدينًا، والبصري يتركه تدينًا. وهذه حكاية غريبة، ما علمنا أحدًا غمز إسماعيل يشرب المسكر قط، وقد انحرف بعض الحفاظ عنه بلا حجة، حتى إن منصور بن سلمة الخزاعي تحدث مرة، فسبقه لسانه، فقال: حدثنا إسماعيل ابن علية … ، ثم قال: لا، ولا كرامة، بل أردت زهيرًا. وقال: ليس من قارف الذنب كمن لم يفارقه، أنا -والله- استتبته. قلت: يشير إلى تلك الهفوة الصغيرة، وهذا من الجرح المردود، وقد اتفق علماء الأمة على الاحتجاج بإسماعيل بن إبراهيم العدل المأمون. وقد قال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد كان بين ابن طبرزد وبين ابن علية أربعة أنفس في حديثين مشهورين من "الغيلانيات"، وهذا غاية في العلو، رواهما عن ابن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد، بن محمد أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا موسى بن سهل، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١). أخبرناه أحمد بن عبد السلام، وجماعة كتابة، بسماعهم من عمر بن طبرزد.

стр. 4134

قرأت على أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي، أخبركم محمد بن أحمد القطيعي، أخبرنا محمد بن عبيد الله، أخبرنا محمد بن محمد الهاشمي، أخبرنا أبو طاهر الذهبي، حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا المؤمل بن هشام اليَشْكُري، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمر أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي -وكان ذا ثبت (١) فحدثني: أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلقها واحدة وهي حائض، فأمر أن يراجعها. قال: فقلت له: أفحسبت عليه? قال: فمه، أو إن عجز (٢). قال أحمد، والفلاس، وزياد بن أيوب، ومحمود بن خداش، وطائفة: مات ابن علية في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال يعقوب السدوسي: ابن علية: ثبت جدًّا، توفي يوم الثلاثاء، لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، سنة ثلاث وتسعين. وقال يعقوب بن سفيان الحافظ: عن محمد بن فضيل، قال: كنا بمكة سنة ثلاث وتسعين، فقدم علينا راشد الخفاف، فقال: دفنا إسماعيل ابن علية يوم الخميس، لخمس -أو ست- بقين من ذي القعدة. وقال: سرنا تسعة أيام -يريد: سار من بغداد إلى مكة في هذه المدة اليسيرة، وهذا سير سريع. وأما من قال: مات سنة أربع وتسعين، فقد غلط.

стр. 4135

١٣٥٢ - عبد الرحمن بن القاسم (١): " خ، س" عالم الديار المصرية، ومفتيها، أبو عبد لله العتقي مولاهم، المصري، صاحب مالك الإمام. روى عن: مالك، وعبد الرحمن بن شريح، ونافع بن أبي نعيم المقرئ، وبكر بن مضر، وطائفة قليلة. وعنه: أصبغ، والحارث بن مسكين، وسُحْنُون، وعيسى بن مَثْرود، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وآخرون. وكان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم. وقيل: كان يمتنع من جوائز السلطان، وله قدم في الورع والتأله. قال النسائي: ثقة، مأمون. وقال الحارث بن مسكين: سمعته يقول: اللهم امنع الدنيا مني، وامنعني منها. وعن مالك: أنه ذُكِرَ عنده ابن القاسم، فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكًا. وقيل: إن مالكًا سئل عنه، وعن ابن وهب، فقال: ابن وهب رجل عالم، وابن القاسم فقيه. وعن أسد بن الفرات، قال: كان ابن القاسم يختم كل يوم وليلة ختمتين. قال: فنزل بي حين جئت إليه عن ختمة، رغبة في إحياء العلم. وبلغنا عن ابن القاسم، قال: خرجت إلى الحجاز اثنتي عشرة مرة، أنفقت في كل مرة ألف دينار. وعن ابن القاسم، قال: ليس في قرب الولاة، ولا في الدنو منهم خير. أحمد ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، قال: خرجت أنا وابن القاسم بضع عشرة سنة إلى مالك، فسنة أسأل أنا مالكًا، وسنة يسأله ابن القاسم. وروى الحارث بن مسكين، عن أبيه قال: كان ابن القاسم وهو حدث في العبادة، أشهر منه في العلم. ثم قال الحارث: كان في ابن القاسم العبادة، والسخاء، والشجاعة، والعلم، والورع، والزهد. محمد بن وضَّاح: أخبرني ثقة ثقة، عن علي بن معبد، قال: رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت: كيف وجدت المسائل? فقال: أف أف. قلت: فما أحسن ما وجدت? قال: الرباط بالثغر. قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالا منه. وقال سُحْنُون: رأيته في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك? قال: وجدت عنده ما أحببت.

стр. 4136

قلت: فأي عمل وجدت? قال: تلاوة القرآن. قلت: فالمسائل? فأشار يُلَشِّيها. وسألته عن ابن وهب، فقال: في عليين. قال الطحاوي: بلغني عن ابن القاسم، قال: ما أعلم في فلان عيبًا إلا دخوله إلى الحكام، ألا اشتغل بنفسه?! قال سعيد بن الحداد: سمعت سُحْنُون يقول: كنت إذا سألت ابن القاسم عن المسائل، يقول لي: يا سحنون! أنت فارغ، إني لأحس في رأسي دويًا كدوي الرحا -يعني: من قيام الليل. قال: وكان قَلَّما يعرض لنا إلا وهو يقول: اتقوا الله، فإن قليل هذا الأمر مع تقوى الله كثير، وكثيره مع غير تقوى الله قليل. وعن سُحْنُون قال: لما حججنا، كنت أزامل ابن وهب، وكان أشهب يزامله يتيمه، وكان ابن القاسم يزامله ابنه موسى، فكنت إذا نزلت، ذهبت إلى ابن القاسم أسائله من الكتب، وأقرأ عليه إلى قرب الرحيل، فقال لي ابن وهب وأشهب: لو كلمت صاحبك يفطر عندنا. فكلمته، فقال: إنه ليثقل علي ذلك. قلت: فبم يعلم القوم مكاني منك? فقال: إذا عزمت على ذلك، فأنا أفعل. فأتيت، فأعلمتهما، فلما كان وقت التعريس، قام معي، فأصبت أشهب وقد فرش أنطاعه، وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب دون ذلك، فلما أتى عبد الرحمن، سلم، وقعد، ثم أدار عينه في الطعام، فإذا سكرجة فيها دقة، فأخذها بيده، فحرك الأبزار حتى صارت ناحية، ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب، ثم قام، وقال: بارك الله لكم، واستحييت أن أقوم. قال: فتكلم أشهب، وعظم عليه ما فعل. قال له ابن وهب: دعه دعه، وكنا نمشي بالنهار، ونلقي المسائل، فإذا كان في الليل، قام كل واحد إلى حزبه من الصلاة. فيقول ابن وهب لأصحابه: ما ترون إلى هذا المغربي يلقي المسائل بالنهار، وهو لا يدرس بالليل? فيقول له ابن القاسم: هو نور يجعله الله في القلوب. قال: ونزلنا بمسجد، ببعض مدائن الحجاز، فنمنا، فانتبه ابن القاسم مذعورًا، فقال لي: يا أبا سعيد! رأيت الساعة كأن رجلًا دخل علينا من باب هذا المسجد، ومعه طبق مغطى، وفيه رأس خنزير، أسأل الله خيرها. فما لبثنا حتى أقبل رجل معه طبق مغطى بمنديل، وفيه رطب من تمر تلك القرية، فجعله بين يدي ابن القاسم، وقال: كل قال: ما إلى ذلك من سبيل. قال: فأعطه أصحابك. قال: أنا لا آكله، أعطيه غيري! فانصرف الرجل، فقال لي ابن القاسم: هذا تأويل الرؤيا. وكان يقال: إن تلك القرية، أكثرها وقف غصبت.

стр. 4137

قال الحارث بن مسكين: كان ابن القاسم في الورع والزهد شيئًا عجيبًا. أخبرنا يوسف بن أبي نصر، وعبد الله بن قوام، وجماعة، قالوا: أخبرنا الحسين بن المبارك، أخبرنا عبد الأول، أخبرنا أبو الحسن الداوودي، أخبرنا أبو محمد بن حَمَّويه، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله البخاري، حدثنا سعيد بن تَلِيد، حدثنا أبن القاسم، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي، لأجبته" (١) … الحديث. أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا جعفر بن منير، أخبرنا أبو محمد العثماني، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن شبل، أخبرنا عبد الحق بن محمد بن هارون الفقيه، حدثنا الحسين بن عبد الله الأجدابي، حدثنا هبة الله بن أبي عقبة التميمي، حدثنا جبلة بن حمود الصدفي، حدثنا سحنون، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إذا أحب عبدي لقائي، أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي، كرهت لقاءه" (٢). أخبرنا أحمد بن هبة الله، أخبرنا محمد بن غسان، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبو القاسم النسيب، أخبرنا أبو القاسم السُّمَيْسَاطي، أخبرنا عبد الوهاب بن الحسن، أخبرنا ابن جوصا، حدثنا عيسى بن مَثْرَود، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، حدثني مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، ثم يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين. رواه مسلم (٣) وحده، عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك. قال أبو سعيد بن يونس: ولد ابن القاسم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وتوفي في صفر، سنة إحدى وتسعين ومائة ﵀ عاش تسعا وخمسين سنة.

стр. 4138

١٣٥٣ - محمد بن يوسف (١): ابن معدان، الزاهد، العابد، القدوة، أبو عبد الله الأصبهاني، عروس الزهاد. له حديث واحد، وهو منكر (٢). وروى عن: يونس بن عبيد، والأعمش، وأبان، والحمادين آثارًا. وعنه: ابن مهدي، والقطان، وابن المبارك، والشَّاذَكُوني، وزهير بن عباد، وصالح بن مِهران، وآخرون. وكان ابن المبارك يأتيه، ويحبه، وهو من أجداد أبي نعيم الحافظ لأبيه. قال يحيى القطان: ما رأيت خيرًا منه، فذكر له الثوري، فقال: هذا شيء، وهذا شيء. وكان لا يضع جنبه، وقد رابط وزار قبر أبي إسحاق الفزاري، وكان يأتيه في العام من أصبهان سبعون دينارًا، فيحج، ويرجع إلى الثغر ﵀.

стр. 4139

١٣٥٤ - خالد بن الحارث (١): " ع" ابن عبيد بن سليمان بن عبيد بن سفيان، ويقال: خالد بن الحارث بن سليم بن عبيد بن سفيان، الحافظ، الحجة، الإمام، أبو عثمان الهُجَيمي، البصري. وبنو الهُجَيم من بني العنبر، من تميم. روى عن: هشام بن عروة، وحُميد الطويل، وأيوب، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعوف، وابن عون، وبشر بن صحار، وعبد الحميد بن جعفر، وابن أبي عروبة، وشعبة، وابن عجلان، وحسين المعلم، وخلق كثير. وكان من أوعية العلم، كثير التحري، مَليح الإتقان، متين الديانة. حدث عنه: شعبة -وهو من شيوخه- ومُسَدَّد، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، وعمرو بن علي، وإسحاق بن راهويه، وحميد بن مسعدة، ومحمد بن المثنى، ونصر بن علي، وأحمد بن المقدام، والحسن بن قَزَعة، والحسن بن عرفة، وهو آخر من روى عنه. روي محمد بن عبد الله بن عمار، أن يحيى القطان قال: ما رأيت أحدًا خيرًا من سفيان، وخالد بن الحارث. وروى الأثرم، عن أحمد بن حنبل، قال: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة -يعني: خالدًا. وروى المروذي، عن أحمد، قال: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ابن مهدي يجيء بالحديث كما يسمع، وكان وكيع يجهد أن يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ربما قال في الحرف أو الشيء: يعني كذا. وقال أبو زرعة: كان يقال له: خالد الصدوق. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام. وقال النسائي: ثقة، ثبت. وقال عمرو بن علي: ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة ست وثمانين ومائة، فرأيت معتمرًا، وبشر بن المفضل في جنازته. وقال ابن سعد: مات بالبصرة، سنة ست. أخبرنا أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الحنبلي في كتابه، عن عبد المنعم بن كليب، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا محمد بن محمد بن مخلد، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خالد بن الحارث البصري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، أخبرنا قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يحاذي بهما فروع أذنيه" (٢). أخرجه مسلم، والنسائي، من حديث سعيد، وشعبة، عن قتادة.

стр. 4140

١٣٥٥ - إبراهيم بن الأغلب (١): التميمي، أمير المغرب، دخل إلى القيروان، فبايعوه، وانضم إليه خلق، فأقبل يلاطف نائب القيروان هرثمة بن أعين، فاستعمله على ناحية الزاب، فضبطها. وآخر أمره استعمله على المغرب الرشيد، وعظم، وأحبه أهل المغرب. وكان فصيحًا، خطيبًا، شاعرًا، ذا دين، وفقه، وحزم، وشجاعة، وسؤدد. أخذ عن: الليث بن سعد، وغيره. بنى مدينة سماها: العباسية، ومهد المغرب، وعاش ستًّا وخمسين سنة. مات في شوال، سنة ست وتسعين ومائة، فقام بعده ابنه عبد الله.

стр. 4141

١٣٥٦ - عبد الصمد بن علي (١): ابن حبر الأمة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الأمير الكبير، أبو محمد الهاشمي، العباسي، عم السفاح والمنصور. ولد بالبلقاء، سنة نيف ومائة. وحدث عن: أبيه. روى عنه: المهدي، وغيره. قيل مات بأسنان اللبن، وكانت ملتصقة. وكان عظيم الخلقة، ضخمًا، وقد خرج عند موت السفاح مع أخيه عبد الله على المنصور، وحاربهما أبو مسلم الخراساني، وتقلبت به الأيام، وعاش إلى الآن (٢)، وكان الرشيد يجله ويحترمه، ولى إمرة دمشق، وإمرة البصرة، وغير ذلك. ويروى عنه: إسماعيل -ابنه- وعبد الواحد ويعقوب ابنا جعفر ابن أخيه سليمان بن علي. وله حديث سمعناه في "جزء البانياسي" في إكرام الشهود (٣)، وهو منكر من رواية عبد الصمد بن موسى الهاشمي؛ أمير الحج، عن عمه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عنه عن أبيه، عن جده. وكان في تعدد النسب نظير يزيد الخليفة، وسعيد بن زيد أحد العشرة، وقد أضر بأخرة كأبيه وجده. وأمه هي كثيرة، التي شبب بها ابن قيس الرقيات، حيث يقول: عاد له من كثيرة الطرب … فعينه بالدموع تنسكب مات عبد الصمد: بالبصرة، سنة خمس وثمانين ومائة، وعمره ثمانون سنة.

стр. 4142

١٣٥٧ - الكسائي (١): الإمام، شيخ القراءة والعربية، أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي مولاهم الكوفي، الملقب: بالكسائي؛ لكساء أحرم فيه. تلا على: ابن أبي ليلى عرضًا، وعلى حمزة (٢). وحدث عن: جعفر الصادق، والأعمش، وسليمان بن أرقم، وجماعة. وتلا أيضا على: عيسى بن عمر المقرئ. واختار قراءة اشتهرت، وصارت إحدى السبع. وجالس في النحو الخليل، وسافر في بادية الحجاز مدة للعربية، فقيل: قدم وقد كتب بخمس عشرة قنينة حبر. وأخذ عن: يونس (٣). قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو، فهو عيال على الكسائي. قال ابن الأنباري: اجتمع فيه أنه كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وأوحد في علم القرآن، كانوا يكثرون عليه، حتى لا يضبط عليهم، فكان يجمعهم، ويجلس على كرسي، ويتلو، وهم يضبطون عنه، حتى الوقوف. قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت الكسائي يقرأ القرآن على الناس مرتين. وعن خلف، قال: كنت أحضر بين يدي الكسائي وهو يتلو، وينقطون على قراءته مصاحفهم. تلا عليه: أبو عمر الدوري، وأبو الحارث الليث، ونصير بن يوسف الرازي، وقتيبة بن مهران الأصبهاني، وأحمد بن أبي سريج، وأحمد بن جبير الأنطاكي، وأبو حمدون الطيب، وعيسى بن سليمان الشيزري، وعدة. ومن النقلة عنه: يحيى الفراء، وأبو عبيد، وخلف البزار. وله عدة تصانيف، منها: "معاني القرآن"، وكتاب في القراءات، وكتاب "النوادر الكبير"، ومختصر في النحو، وغير ذلك. وقيل: كان أيام تلاوته على حمزة يلتف في كساء، فقالوا: الكسائي. ابن مسروق: حدثنا سلمة، عن عاصم، قال الكسائي: صليت بالرشيد، فأخطأت في آية، ما أخطأ فيها صبي، قلت: لعلهم يرجعين، فوالله ما اجترأ الرشيد أن يقول: أخطأت، لكن قال: أي لغة هذه? قلت: يا أمير المؤمنين! قد يعثر الجواد. قال: أما هذا فنعم.

стр. 4143

وعن سلمة، عن الفراء: سمعت الكسائي يقول: ربما سبقني لساني باللحن. وعن خلف بن هشام: أن الكسائي قرأ على المنبر: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: ٣٤]، بالنصب، فسألوه عن العلة، فثرت في وجوههم، فمحوه، فقال لي: يا خلف! من يسلم من اللحن? وعن الفَرَّاء، قال: إنما تعلم الكسائي النحو علي كبر، ولزم معاذًا الهراء مدة، ثم خرج إلى الخليل. قلت: كان الكسائي ذا منزلة رفيعة عند الرشيد، وأدب ولده الأمين، ونال جاهًا وأموالًا، وقد ترجمته في أماكن. سار مع الرشيد، فمات بالري، بقرية أرَنْبُوية، سنة تسع وثمانين ومائة، عن سبعين سنة. وفي تاريخ موته أقوال. فهذا أصحها.

стр. 4144

١٣٥٨ - محمد بن الحسن (١): ابن فَرْقَد، العلامة، فقيه العراق، أبو عبد الله الشيباني، الكوفي، صاحب أبي حنيفة. ولد بواسط، ونشأ بالكوفة. وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبو يوسف. وروى عن: أبي حنيفة، ومِسْعَر، ومالك بن مِغْوَل، والأوزاعي، ومالك بن أنس. أخذ عنه: الشافعي -فأكثر جدًّا- وأبو عبيد، وهشام بن عبيد الله، وأحمد بن حفص فقيه بخارى، وعمرو بن أبي عمرو الحَرَّاني، وعلي بن مسلم الطوسي، وآخرون. وقد سقت أخباره في جزء مفرد. قال ابن سعد: أصله جَزَري، سكن أبوه الشام، ثم ولد له محمد سنة اثنتين وثلاثين ومائة. غلب عليه الرأي، وسكن بغداد. قلت: ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان مع تبحره في الفقه، يُضْرَب بذكائه المثل. كان الشافعي يقول: كتبت عنه وقر بُخْتِيّ (٢)، وما ناظرت سمينًا أذكى منه، ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت؛ لفصاحته. وقال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرًا، وسمعت من لفظه سبع مائة حديث. وقال ابن معين: كتبت عنه "الجامع الصغير". قال إبراهيم الحربي: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقاق? قال: من كتب محمد بن الحسن. قيل: إن محمدًا لما احتضر، قيل له: أتبكي مع العلم? قال: أرأيت إن أوقفني الله، وقال: يا محمد! ما أقدمك الري، الجهاد في سبيلي، أم ابتغاء مرضاتي? ماذا أقول? قلت: توفي إلى رحمة الله سنة تسع وثمانين ومائة، بالري.

стр. 4145

١٣٥٩ - المحاربي (١): " ع" الحافظ، الثقة، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي. ولد في دولة هشام بن عبد الملك. وحدث عن: عبد الملك بن عمير، وليث بن أبي سُليم، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وفضيل بن غزوان، وجويبر بن سعيد، وجبريل بن أحمر، وعاصم الأحول، ومحمد بن عمرو بن عَلْقمة، ومُطَّرِح بن يزيد، وعمار بن سيف، وعمر بن ثابت الرازي، والليث بن سعد، وخلق.

стр. 4146

روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو كريب، وهناد بن السري، وأبو سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، وعلي بن حرب، وابنا أبي شيبة، وخلق. قال وكيع: ما كان أحفظه للطوال! وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره أبو داود، فقال: ابنه عبد الرحيم بن المحاربي أحفظ منه. وقال أبو نعيم: كنا نكون عند سفيان الثوري، فإذا مر حديث من أحاديث الزهد، قال: ابن المحاربي! خذ إليك هذا من بابتك. وقال يحيى بن معين: له أحاديث مناكير عن المجهولين. وقال أبو حاتم أيضًا: يروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيفسد حديثه بذلك. قال أبو جعفر العُقَيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: بلغنا أن المحاربي كان يدلس، ولا نعلم أنه سمع من معمر شيئًا، وأنكر أبي روايته عن معمر، فقيل لأبي: إن المحاربي يروي عن عاصم، عن أبي عثمان، عن جَرير البَجَلي حديث: "تبنى مدينة بين دجلة ودجيل" (١). فقال أبي: كان المحاربي جليسًا لسيف بن محمد؛ ابن أخت الثوري، وكان سيف كذابًا، وأظن المحاربي سمع هذا منه. قلت: لم يذكر عبد الله من حدثه بهذا عن المحاربي، فهو -إن صح أن المحاربي حدث به- قوي الإسناد على نكارته. مات المحاربي في سنة خمس وتسعين ومائة. أخبرنا محمد بن حازم، ومحمد بن علي بن فضل، وأحمد بن مؤمن، ومحمد بن علي السلمي، قالوا: أخبرنا الحسين بن هبة الله التغلبي، أخبرنا الحسين بن الحسن الأسدي

стр. 4147

أخبرنا علي بن محمد المصيصي، أخبرنا محمد، وأحمد ابنا الحسين بن سهل بن الصياح ببلد، قالا: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد الإمام، حدثنا علي بن حرب، حدثنا المحاربي، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أمشي على جمرة أو سيف، أحب إليَّ من أن أمشي على قبر امرئ مسلم، وما أبالي وسط القبور قضيت حاجتي أم وسط السوق" (١). إسناده صالح.

стр. 4148

١٣٦٠ - يحيى بن سعيد (١): " ع" ابن أبان بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. الإمام، المحدث، الثقة، النبيل، أبو أيوب القرشي، الأموي، الكوفي، وله عدة أخوة. وهو والد سعيد بن يحيى الأموي؛ صاحب "المغازي". مولده سنة بضع عشرة ومائة. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، ويزيد بن عبد الله بن أبي بردة، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وسفيان الثوري، وخلق كثير. وحمل المغازي عن: محمد بن إسحاق. حدث عنه: أحمد بن حنبل، وسريج بن يونس، وولده؛ سعيد بن يحيى، وحميد بن الربيع، وخلق. قال أحمد بن حنبل: عنده عن الأعمش غرائب، وليس به بأس. وروى أحمد بن زهير، عن ابن معين: ثقة. وقال غير واحد: لا بأس به. قلت: سكن بغداد، ويلقب بالجمل، مات سنة أربع وتسعين ومائة. ومات قبلة بسنة: أخوه محمد. وأخوهما عُبيد: يروي عن إسرائيل، وجماعة. وأخوهم عبد الله بن سعيد: لغوي، شاعر. وأخوهم الخامس عنبسة: يروي عن ابن المبارك، وطائفة، وهو أصغرهم. وأخوهم السادس: اسمه … روى عن: زهير بن معاوية. ذكرهم الدارقطني.

стр. 4149

١٣٦١ - وكيع (١): " ع" ابن الجراح بن مَليح بن عدي بن فرس بن جمجمة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، الإمام، الحافظ، محدث العراق، أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام. ولد سنة تسع وعشرين ومائة. قاله: أحمد بن حنبل. وقال خليفة، وهارون بن حاتم: ولد سنة ثمان وعشرين، واشتغل في الصغر. وسمع من: هشام بن عروة، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عون، وابن جريج، وداود الأودي، ويونس بن أبي إسحاق، وأسود بن شيبان، وهشام بن الغاز، والأوزاعي، وجعفر بن برقان، وزكريا بن أبي زائدة، وطلحة بن عمرو المكي، وفضيل بن غزوان، وأبي جناب الكلبي، وحنظلة بن أبي سفيان، وأبان بن صمعة، وأبان بن عبد الله البجلي، وأبان بن يزيد، وإبراهيم بن الفضل المخزومي، وإبراهيم بن يزيد الخُوزي، وإدريس

стр. 4150

ابن يزيد، وإسماعيل بن رافع المدني، وإسماعيل بن سليمان الأزرق، وإسماعيل بن أبي الصفيرا، وإسماعيل بن مسلم العبدي، وأفلح بن حميد، وأيمن بن نابل، وبدر بن عثمان، وبشير بن المهاجر، وحريث بن أبي مطر، وأبي خلدة خالد بن دينار، وخالد بن طهمان، ودلهم بن صالح، وسعد بن أوس، وسعدان الجهني، وسعيد بن السائب، وسعيد بن عبيد الطائي، وسلمة بن نبيط، وطلحة بن يحيى، وعباد بن منصور، وعثمان الشحام، وعمر بن ذر، وعيسى بن طهمان، وعيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، وكهمس، والمثنى بن سعيد الضبعي، والمثنى بن سعيد الطائي، وابن أبي ليلي، ومسعر بن حبيب، ومسعر بن كِدَام، ومعاوية بن أبي مزرد، ومصعب بن سليم، وابن أبي ذئب، وسفيان، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وخلق كثير. وكان من بحور العلم، وأئمة الحفظ. حدث عنه: سفيان الثوري -أحد شيوخه- وعبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى السيناني -وهما أكبر منه- ويحيى بن آدم، وعبد الرحمن بن مهدي، والحميدي، ومسدد، وعلي، وأحمد، وابن معين، وإسحاق، وبنو أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأبو كريب، وابن نمير، وأبو هشام الرفاعي، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وإبراهيم بن عبد الله العبسي، وأمم سواهم. وكان والده ناظرًا على بيت المال بالكوفة، وله هيبة وجلالة. وروى عن: يحيى بن أيوب المقابري. قال: ورث وكيع من أمه مائة ألف درهم. قال يحيى بن يمان: لما مات سفيان الثوري، جلس وكيع موضعه. قال القَعْنَبي: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع، قالوا: هذا راوية سفيان. قال حماد: إن شئتم قلت: أرجح من سفيان. الفضل بن محمد الشَّعراني: سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة. قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة، فقد صح نهيه -عليه الصلاة السلام- عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى، فرضي الله عن وكيع، وأين مثل وكيع؟! ومع هذا فكان ملازمًا لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه، فكان متأولا في شربه، ولو تركه

стр. 4151

تورعًا، لكان أولى به، فإن من توقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النهي والتحريم للنبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فلا قدوة في خطأ العالم، نعم، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد، نسأل الله المسامحة. قال يحيى بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدًا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. قلت: كان أحمد يعظم وكيعًا، ويفخمه. قال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد: وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد? فقال: وكيع. قلت: كيف فضلته على يحيى، ويحيى ومكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت? قال: وكيع كان صديقًا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء، هجره، وإن يحيى كان صديقًا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء، لم يهجره يحيى. وقال محمد بن علي الوراق: عرض القضاء على وكيع، فامتنع. محمد بن سلام البيكندي: سمعت وكيعًا يقول: من طلب الحديث كما جاء، فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه، فهو صاحب بدعة. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: قد حدث وكيع بدمشق، فأخذ عنه: هشام بن عمار، وابن ذكوان. قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن يزيد، حدثني حسين أخو زيدان، قال: كنت مع وكيع، فأقبلنا جميعًا من المصيصة -أو طرسوس- فأتينا الشام، فما أتينا بلدًا إلا استقبلنا واليها، وشهدنا الجمعة بدمشق، فلما سلم الإمام، أطافوا بوكيع، فما انصرف إلى أهله -يعني: إلى الليل- قال: فحدث به مليحًا ابنه، فقال: رأيت في جسد أبي آثار خضرة مما زحم ذلك اليوم. قال محمد بن عبد الله بن عمار: أحرم وكيع من بيت المقدس. وقال محمد بن سعد: كان وكيع ثقة، مأمونًا، عاليًا، رفيعًا، كثير الحديث، حجة. قال محمود بن غيلان: قال لي وكيع: اختلفت إلى الأعمش سنين. وقال محمد بن خلف التيمي: أخبرنا وكيع، قال: أتيت الأعمش، فقلت: حدثني. قال: ما اسمك? قلت: وكيع. قال: اسم نبيل، ما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من

стр. 4152

الكوفة? قلت: في بني رؤاس. قال: أين من منزل الجراح بن مليح? قلت: ذاك أبي؟ وكان على بيت المال. قال لي أذهب، فجئني بعطائي، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث. فجئت إلى أبي، فأخبرته، قال: خذ نصف العطاء، واذهب، فإذا حدثك بالخمسة، فخذ النصف الآخر، حتى تكون عشرة. فأتيته بنصف عطائه، فوضعه في كفه، وقال: هكذا. ثم سكت، فقلت: حدثني. فأملى علي حديثين، فقلت: وعدتني بخمسة. قال: فأين الدراهم كلها? أحسب أن أباك أمرك بهذا، ولم يدر أن الأعمش مدرب، قد شهد الوقائع، اذهب، فجئني بتمامه، فجئته، فحدثني بخمسة، فكان إذا كان كل شهر، جئته بعطائه، فحدثني بخمسة أحاديث. قال قاسم بن يزيد الجرمي: كان الثوري يدعو وكيعًا وهو غلام، فيقول: يا رؤاسي! تعال، أي شيء سمعت? فيقول: حدثني فلان بكذا، وسفيان يتبسم، ويتعجب من حفظه. قال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع، وكان جهبذًا سمعته يقول: ما نظرت في كتاب منذ خمس عشرة سنة، إلا في صحيفة يومًا. فقلت له: عدوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها. قال: وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة، أربعة أحاديث ليست بكثيرة في ذلك. وقال يحيى بن معين: سمعت وكيعًا يقول: ما كتبت عن الثوري قط، كنت أتحفظ، فإذا رجعت إلى المنزل كتبتها. قال محمد بن عمران الأخنسي: سمعت يحيى بن يمان يقول: نظر سفيان إلى عيني وكيع، فقال: لا يموت هذا الرؤاسي حتى يكون له شأن. فمات سفيان، وجلس وكيع مكانه. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي بكر بن عياش: حدثنا. قال: قد كبرنا ونسينا الحديث، اذهب إلى وكيع في بني رؤاس. قال الشاذكوني: قال لنا أبو نعيم يومًا: ما دام هذا التنين حيًا -يعني: وكيعًا- ما يفلح أحدًا معه. قلت: كان وكيع أسمر، ضخمًا، سمينًا. قال ابن عدي: حديث عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزاق، قال: رأيت الثوري، وابن عيينه، ومعمرًا، ومالكًا، ورأيت ورأيت، فما رأت عيناي قط مثل وكيع.

стр. 4153

قال المفضل الغلابي: كنا بعبادان، فقال لي حماد بن مسعدة: أحب أن تجيء معي إلى وكيع. فأتيناه، فسلم عليه، وتحدثنا، ثم انصرفنا، فقال لي حماد: يا أبا معاوية! قد رأيت الثوري، فما كان مثل هذا. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان وكيع حافظًا حافظًا، ما رأيت مثله. وقال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم، والحفظ، والإسناد، والأبواب، مع خشوع وورع. قلت: يقول هذا أحمد مع تحريه وورعه، وقد شاهد الكبار، مثل هشيم، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأبي يوسف القاضي، وأمثالهم. وكذا روى عن أحمد: إبراهيم الحربي، قال جعفر بن محمد بن سوار النيسابوري: سمعت عبد الصمد بن سليمان البلخي: سألت أحمد ابن حنبل عن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن، ووكيع، وأبي نعيم، فقال: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن معرفة وإتقانًا، وما رأيت رجلًا أوزن بقوم من غير محاباة، ولا أشد تثبتًا في أمور الرجال من يحيى بن سعيد، وأبو نعيم أقل الأربعة خطأ، وهو عندي ثقة، موضع الحجة في الحديث. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيما أثبت عندك، وكيع أو يزيد? فقال: ما منهما -بحمد الله- إلا ثبت، وما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أشبه من أهل النسك منه، ولم يختلط بالسلطان. وقال الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن: سئل أحمد بن حنبل عن وكيع وابن مهدي، فقال: وكيع أكبر في القلب، وعبد الرحمن إمام. وقال زاهد دمشق أحمد بن أبي الحَوَاري: ما رأيت فيمن لقيت أخشع من وكيع. علي بن الحسين بن حبان: عن أبيه: سمعت ابن معين يقول: ما رأيت أفضل من وكيع. قيل: ولا ابن المبارك? قال: قد كان ابن المبارك له فضل، ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة ﵀ وكان قد سمع منه كثيرًا. قال صالح بن محمد جَزَرة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت أحدًا أحفظ من وكيع. فقال له رجل: ولا هشيم? فقال: وأين يقع حديث هشيم من حديث وكيع?! قال

стр. 4154

الرجل: إني سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت أحدًا أحفظ من يزيد بن هارون. فقال: كان يزيد يتحفظ، كانت له جارية تحفظه من كتاب. قال قتيبة: سمعت جريرًا يقول: جاءني ابن المبارك، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! من رجل الكوفة اليوم? فسكت عني، ثم قال: رجل المصرين وكيع. تمتام: حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه: أن وكيعًا كان لا ينام حتى يقرأ جزءه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس، فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر. وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا إبراهيم بن وكيع، قال: كان أبي يصلي، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى، حتى جارية لنا سوداء. عباس: حدثنا يحيى بن معين: سمعت وكيعًا يقول كثيرًا: وأي يوم لنا من الموت? ورأيته أخذ في كتاب "الزهد" يقرؤه، فلما بلغ حديثًا منه، ترك الكتاب، ثم قام، فلم يحدث، فلما كان من الغد، وأخذ فيه، بلغ ذلك المكان، قام أيضًا ولم يحدث، حتى صنع ذلك ثلاثة أيام. قلت ليحيى: وأي حديث هو? قال: حديث "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل". قال ابن عمار: كان وكيع يصوم الدهر، ويفطر يوم الشك والعيد، وأخبرت أنه كان يشتكي إذا أفطر في هذه الأيام. وعن سفيان بن وكيع، قال: كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل منزله، فيقدم إليه إفطاره، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام، ثم تقدم إليه قرابة، فيها نحو من عشرة أرطال من نبيذ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ثم يقوم، فيصلي ورده من الليل، كلما صلى شيئًا، شرب منها، حتى ينفدها، ثم ينام. روى هذه الحكاية الدارقطني، عن القاضي ابن أم شيبان، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع، عن أبيه. قال إسحاق بن بهلول: قدم علينا وكيع، فنزل في مسجد الفرات، وسمعت منه، فطلب

стр. 4155

مني نبيذًا، فجئته به، وأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب، فلما نفد ما جئته به، أطفأ السراج. قلت: ما هذا? قال: لو زدتنا، زدناك. قال جعفر الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت رجلا يسأل وكيعًا، فقال: يا أبا سفيان! شربت البارحة نبيذًا، فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول: شربت خمرًا. فقال وكيع: ذلك الشيطان. وقال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع -أو قال: تغدينا- فقال: أي شيء تريدون أجيئكم منه: نبيذ الشيوخ، أو نبيذ الفتيان? فقلت: تتكلم بهذا? قال: هو عندي أحل من ماء الفرات. قلت له: ماء الفرات لم يختلف في حله، وقد اختلف في هذا. قلت: الرجل -سامحه الله- لو لم يعتقد إباحته، لما قال هذا. عن إبراهيم بن شماس، قال: لو تمنيت، كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد ابن فضيل ورقته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس، وصبر حسين الجعفي، صبر ولم يتزوج، ولم يدخل في شيء من أمر الدنيا. وروى بعض الرواة عن وكيع، قال: قال لي الرشيد إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيًا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وصالح عملي، فخذ عهدك. فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة، والأخرى ضعيفة. قال علي بن خَشْرَم: ما رأيت بيد وكيع كتابًا قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ، فقال: إن علمتك الدواء، استعملته? قلت: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ. وقال طاهر بن محمد المصيصي: سمعت وكيعًا يقول: لو علمت أن الصلاة أفضل من الحديث، ما حدثتكم. قال سفيان بن عبد الملك صاحب ابن المبارك: كان وكيع أحفظ من ابن المبارك. وقال أحمد العجلي: وكيع: كوفي، ثقة، عابد، صالح، أديب، من حفاظ الحديث، وكان مفتيًا. وقال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود: أيما أحفظ: وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي? قال: وكيع أحفظ، وعبد الرحمن أتقن، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتواقفا، حتى سمعا أذان الصبح.

стр. 4156

عباس، وابن أبي خيثمة: سمعا يحيى يقول: من فضل عبد الرحمن بن مهدي علي وكيع، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قلت: هذا كلام رديء، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين، وأفضل، وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران. قال أبو داود: ما رئي لوكيع كتاب قط، ولا لهشيم، ولا لحماد بن زيد، ولا لمعمر. قال ابن المديني: أوثق أصحاب سفيان الثوري: ابن مهدي، والقطان، ووكيع. وقال أبو حاتم: أشهد على أحمد بن حنبل قال: الثبت عندنا بالعراق: وكيع، ويحيى القطان، وعبد الرحمن. رواها أحمد بن أبي الحواري، عن أحمد بن حنبل أيضًا، ثم قال: فذكرته ليحيى بن معين، فقال: الثبت عندنا بالعراق وكيع. الساجي: حدثني أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت أحفظ من وكيع. قال يعقوب الفسوي -وبلغه قول يحيى: من فضل عبد الرحمن على وكيع، فعليه اللعنة: كان غير هذا أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه، لم يقل مثل هذا، وكيع خير، فاضل، حافظ. وقد سئل أحمد بن حنبل: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، بقول من نأخذ? فقال: نوافق عبد الرحمن أكثر، وخاصة في سفيان، كان معنيًّا بحديثه، وعبد الرحمن يسلم منه السلف، ويجتنب شرب المسكر، وكان لا يرى أن يُزْرَع في أرض الفرات. قلت: عبد الرحمن له جلالة عجيبة، وكان يغشى عليه إذا سمع القرآن. نقله: صاحب "شريعة المقارئ". عباس الدوري: قلت ليحيى: حديث الأعمش إذا اختلف وكيع وأبو معاوية? قال: يوقف حتى يجيء من يتابع أحدهما. ثم قال: كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه. قال أبو حاتم الرازي: وكيع أحفظ من ابن المبارك. قال حنبل بن إسحاق: سمعت ابن معين يقول: رأيت عند مروان ابن معاوية لوحًا فيه أسماء شيوخ: فلان رافضي، وفلان كذا، ووكيع رافضي، فقلت لمروان: وكيع خير منك.

стр. 4157

قال: مني? قلت: نعم. فسكت، ولو قال لي شيئًا، لوثب أصحاب الحديث عليه. قال: فبلغ ذلك وكيعًا، فقال: يحيى صاحبنا، وكان بعد ذلك يعرف لي، ويرحب. قلت: مر قول أحمد: إن عبد الرحمن يسلم منه السلف، والظاهر أن وكيعًا فيه تشيع يسير، لا يضر -إن شاء الله- فإنه كوفي في الجملة، وقد صنف كتاب فضائل الصحابة، سمعناه قدم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان ﵄. قال الحسين بن محمد بن عفير: حدثنا أحمد بن سنان، قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يقوم أحد ولا يبرى فيه قلم، ولا يبتسم أحد، وكان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئًا، انتعل، ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وإن رأى من يبري قلمًا، تغير وجهه غضبًا. قال تميم بن محمد الطوسي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عليكم بمصنفات وكيع. محمد بن أحمد بن مسعود: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، سمعت أبي يقول: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث. وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدثت عنه بألفاظه، لكانت عجبًا، كان يقول: حدثنا مِسْعَر، عن "عيشة". نقلها: يعقوب بن شيبة، عنه. وقال أحمد بن حنبل: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بكثير. قال عبد الله بن أحمد: عن أبيه: ابن مهدي أكثر تصحيفًا من وكيع، لكنه أقل خطأ. وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد يقول: ما رأت عيناي مثل وكيع قط، يحفظ الحديث جيدًا، ويذاكر بالفقه، فيحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد. قال الحافظ أحمد بن سهل النيسابوري: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة، فسمعته يقول: كان وكيع إمام المسلمين في زمانه. قال سلم بن جنادة: جالست وكيعًا سبع سنين، فما رأيته بزق، ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسًا فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. وقال أبو سعيد الأشج: كنت عند وكيع، فجاءه رجل يدعوه إلى عرس، فقال أثم نبيذ؟ قال: لا. قال: لا نحضر عرسًا ليس فيه نبيذ. قال: فإني آتيكم به، فقام.

стр. 4158

وروى عن وكيع: أن رجلًا أغلظ له، فدخل بيتًا، فعفر وجهه، ثم خرج إلى الرجل، فقال: زد وكيعًا بذنبه، فلولاه، ما سلطت عليه. نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس وكيعًا، وأحفظ الناس ابن المبارك، وأورع الناس الفضيل. قال مروان بن محمد الطاطري: ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع، وما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة، إلا وكيعًا، رأيته فوق ما وصف لي. قال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة، وكان سمينًا، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن وأنت راهب العراق?! قال: هذا من فرحي بالإسلام، فأفحمه. أبو سعيد الأشج: سمعت وكيعًا يقول: الجهر بالبسملة بدعة. قال الفضل بن عنبسة: ما رأيت مثل وكيع من ثلاثين سنة. وقال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع، فاستند، وحدث بسبع مائة حديث حفظًا. وقال محمود بن آدم: تذاكر بشر بن السري ووكيع ليلة -وأنا أراهما- من العشاء إلى الصبح، فقلت لبشر: كيف رأيته? قال: ما رأيت أحفظ منه. وقال سهل بن عثمان: ما رأيت أحفظ من وكيع. قال أحمد بن حنبل: كان وكيع مطبوع الحفظ. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كانوا إذا رأوا وكيعًا، سكتوا -يعني: في الحفظ والإجلال. وقال أبو حاتم: سئل أحمد عن يحيى وابن مهدي ووكيع، فقال: وكيع أسردهم. أبو زرعة الرازي: سمعت أبا جعفر الجمال يقول: أتينا وكيعًا، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه. فقال رجل بجنبي: أهذا ملك? فتعجبنا من ذلك النور. وقال أحمد بن سنان: رأيت وكيعًا إذا قام في الصلاة، ليس يتحرك منه شيء، لا يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعًا يقول: ما نعيش إلا في سترة، ولو كشف الغطاء، لكشف عن أمر عظيم، الصدق النية.

стр. 4159

قال الفلاس: ما سمعت وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوء قط. قلت: مع إمامته، كلامه نزر جدًّا في الرجال. قال أحمد بن أبي الحواري، عن وكيع: ما أخذت حديثًا قط عرضًا. فذكرت هذا لابن معين، فقال: وكيع عندنا ثبت. قال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير: وكيع عن الثوري غاية الإسناد، ليس بعده شيء، ما أعدل بوكيع أحدًا. فقيل له: فأبو معاوية? فنفر من ذلك. قلت: أصح إسناد بالعراق وغيرها: أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ وفي "المسند" بهذا السند عدة متون. قال عبد الله بن هاشم: خرج علينا وكيع يومًا، فقال: أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أو: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله? فقلنا: الأعمش، فإنه أعلى. فقال: بل الثاني، فإنه فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه، والآخر شيخ، عن شيخ، وحديث يتداوله الفقهاء، خير من حديث يتداوله الشيوخ. نوح بن حبيب، حدثنا وكيع، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حضرت موت سفيان، فكان عامة كلامه: ما أشد الموت! قال نوح: فأتيت عبد الرحمن، فقلت له: حدثنا عنك وكيع، فكان متكئًا، فقعد، وقال: أنا حدثت أبا سفيان، جزاه الله خيرًا ومن مثل أبي سفيان?! وما يقال لمثل أبي سفيان?! وقيل: إن وكيعًا وصل إنسانًا مرة بصرة دنانير؛ لكونه كتب من محبرة ذلك الإنسان، وقال: اعذر، فلا أملك غيرها. علي بن خَشْرَم: سمعت وكيعًا يقول: لا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه. وعن مليح بن وكيع، قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج يديه، فقال: يا بني! ترى يدي ما ضربت بهما شيئًا قط. قال مليح: فحدثت بهذا داود بن يحيى بن يمان، فقال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله! من الأبدال? قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئًا، وإن وكيعًا منهم. قلت: بل الذي يضرب بيده في سبيل الله أشرف وأفضل.

стр. 4160

محنة وكيع -وهي غريبة- تورط فيها، ولم يرد إلا خيرًا، ولكن فاتته سكتة، وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع، فليتق عبد ربه، ولا يخافن إلا ذنبه". قال علي بن خَشْرَم: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي: أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي ﷺ بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك. ثم قال البهي: وكان تُرِكَ يومًا وليلة، حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه. قال ابن خشرم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة، اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن عيينه، فقال لهم: الله الله، هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف. قال سفيان: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع. قال علي بن خشرم: سمعت الحديث من وكيع بعدما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته. وأخبرت أن وكيعًا احتج، فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر، قالوا: لم يمت رسول الله، فأراد الله أن يريهم آية الموت. رواها أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني، قال: حدثنا علي ابن خشرم. وروى الحديث عن وكيع: قتيبة بن سعيد. فهذه زلة عالم، فما لوكيع، ولرواية هذا الخبر المنكر، المنقطع الإسناد! كادت نفسه أن تذهب غلطًا، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود، غضًّا ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، ولكن إذا تأملته، فلا بأس -إن شاء الله- بذلك، فإن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض "وأشد الناس بلاء الأنبياء". وإنما المحذور أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين ورائحتهم، وأكل الأرض لأجسادهم، والنبي ﷺ فمفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن -وما زال- أطيب ريحًا من المسك، وهو حي في لحده، حياة مثله في البرزخ التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف. ومن ذلك اجتماع آدم وموسى لما احتج عليه موسى، وحجه آدم بالعلم السابق، كان اجتماعهما حقًا، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا ﷺ أخبر أنه رأى في السماوات آدم، وموسى،

стр. 4161

وإبراهيم، وإدريس، وعيسى، وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى، هذا كله حق، والذي منهم لم يذق الموت بعد، هو عيسى ﵇ فقد تبرهن لك أن نبينا ﷺ ما زال طيبًا مطيبًا، وأن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شيء سبيله التوقيف، وما عنف النبي ﷺ الصحابة ﵃ لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت?! يعني: قد بليت. فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز؛ سفيان بن عيينة، ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب، وفي مثل "تاريخ الحافظ ابن عساكر"، وفي "كامل الحافظ ابن عدي"، لأعرضت عنها جملة، ففيها عبرة. حتى قال الحافظ يعقوب الفسوي في "تاريخه": وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة، عن ابن أبي خالد، عن البهي … ، فذكر الحديث. ثم قال: فرفع ذلك إلى العثماني، فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعًا، وهو محبوس. قال الحارث بن صديق: فدخلت عليه لما بلغني، وقد سبق إليه الخبر. قال: وكان بينه وبين ابن عيينه يومئذ متباعد، فقال لي: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، واحتجنا إليه. فقلت: دع هذا عنك، فإن لم يدركك، قتلت. فأرسل إلى سفيان، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني -يعني: متولي مكة- فكلمه فيه، والعثماني يأبى عليه. فقال له سفيان: إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، فشخص لمناظرتهم. قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر بإطلاقه. فرجعت إلى وكيع، فأخبرته، فركب حمارًا، وحملنا متاعه، وسافر، فدخلت على العثماني من الغد، فقلت: الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل، وسلمك الله. قال: يا حارث، ما ندمت على شيء ندامتي على تخليته، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله، قال: حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة، فوجدناهم رطابًا يثنون، لم يتغير منهم شيء. ثم قال الفسوي: فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه. قال: فعرضوا علي ذلك، وبلغنا الذي هم عليه، فبعثنا بريدًا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة، وكان قد جاوز مفرق الطريقتين، فلما أتاه البريد، رد، ومضى إلى الكوفة. ونقل الحافظ ابن عدي في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أنه هو الذي أفتى بمكة بقتل وكيع.

стр. 4162

وقال ابن عدي: أخبرنا محمد بن عيسى المروزي -فيما كتب إلي- قال: حدثنا أبي، عيسى بن محمد، قال: حدثنا العباس بن مصعب، حدثنا قتيبة، حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، فساق الحديث. ثم قال قتيبة: حدث وكيع بمكة بهذا سنة حج الرشيد، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينه، وعبد المجيد بن أبي رواد، فأما عبد المجيد، فإنه قال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي ﷺ . وقال سفيان: لا قتل عليه، رجل سمع حديثًا، فأرواه، والمدينة شديدة الحر، توفي النبي ﷺ فترك ليلتين؛ لأن القوم في إصلاح أمر الأمة، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير. قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد، قال: ذاك جاهل، سمع حديثًا لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم. قلت: فرضنا أنه ما فهم توجيه الحديث على ما تزعم، أفمالك عقل وورع? أما سمعت قول الإمام علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ أما سمعت في الحديث: "ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم"؟ ثم إن وكيعًا بعدها تجاسر وحج، وأدركه الأجل بفيد. قال أبو حاتم الرازي: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع بحديث في الكرسي، قال: فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب، وقال: أدركنا الأعمش والثوري يحدثون بهذه الأحاديث، ولا ينكرونها. قال يحيى بن يحيى التميمي: سمعت وكيعًا يقول: من شك أن القرآن كلام الله -يعني: غير مخلوق- فهو كافر. وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: سمعت وكيعًا يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا? ولا لم كذا? يعني: مثل حديث: "يحمل السماوات على إصبع". قال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعًا يقول: من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أنه محدث، ومن زعم أن القرآن محدث، فقد كفر. قال علي بن عثام: مرض وكيع، فدخلنا عليه، فقال: إن سفيان أتاني، فبشرني بجواره، فأنا مبادر إليه. قال أبو هشام الرفاعي: مات وكيع سنة سبع وتسعين ومائة، يوم عاشوراء، فدفن بفيد. يعني: راجعًا من الحج

стр. 4163

وقال أحمد بن حنبل: حج وكيع سنة ست وتسعين، ومات بفيد. قلت: عاش ثمانيًا وستين سنة، سوى شهر، أو شهرين. قال قيس بن أنيف: سمعت يحيى بن جعفر البيكَنْدي: سمعت عبد الرزاق يقول: يا أهل خراسان؛ إنه نعي لي إمام خراسان -يعني: وكيعًا قال: فاهتممنا لذلك، ثم قال: بعدًا لكم يا معشر الكلاب، إذا سمعتم من أحد شيئًا، اشتهيتم موته. أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي الهمذاني الزاهد بقراءتي، أخبركم أحمد بن أبي الفتح الدقاق، وأبو الفرج بن عبد السلام، وأخبرنا أبو حفص الطائي، عن أبي اليمن الكندي، قالوا: أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر القاضي. وأخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا عبد المعز بن محمد الهروي، أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد "ح". وأخبرنا عمر بن عبد المنعم، عن عبد الجليل بن مندويه، أخبرنا نصر بن مظفر، قالوا ثلاثتهم: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن النَّقُّور، أخبرنا علي بن عمر الحربي، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا علي بن هاشم، ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات صاحبكم، فدعوه". رواه أبو داود. أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، ويوسف بن أحمد، قالا: أخبرنا سعيد بن أحمد بن البناء، أخبرنا أبو القاسم بن البسري، أخبرنا أبو طاهر المخلِّص، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلنا: كم كان قدر ما بينهما? قال: خمسون آية. أخرجه مسلم، عن ابن أبي شيبة، على الموافقة. أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أخبرنا عبد الصمد بن محمد القاضي -وأنا حاضر- أخبرنا علي بن المُسَلَّم، أخبرنا الحسين بن محمد القرشي، أخبرنا محمد بن أحمد الغساني، حدثنا محمد بن الحسن البغدادي بالرملة، حدثنا محمد بن حسان الأزرق، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "نعم الإدام الخل" (١).

стр. 4164

١٣٦٢ - الجراح بن مليح (١): " بخ، م، د، ت، ق" وقد كان والد وكيع على بيت المال في دولة الرشيد، وكان على دار الضرب بالري. ويقال: محتده من نواحي الري، من بُليدة أستوا. حدث عن: زياد بن عِلاقة، وأبي إسحاق، وسماك بن حرب، ومنصور بن المعتمر، وعدة. روى عنه: ولده، وعبد الرحمن بن مهدي، وقبيصة، ومسدد، ويحيى الحماني، وعثمان بن أبي شيبة، وآخرون. روى حنش بن حرب، عن وكيع، قال: ولد أبي بالسُّغْد، وولد شريك ببخارى. وقال ابن سعد: ولي الجراح بن مليح بيت المال بمدينة السلام، وكان ضعيفًا في الحديث، عسرًا في الحديث، ممتنعًا به. وروى جعفر بن أبي عثمان، عن يحيى بن معين، قال: ما كتبت عن وكيع، عن أبيه، ولا من حديث قيس شيئًا قط. وروى عثمان الدارمي، عن يحيى، قال: الجراح ليس به بأس. وروى عباس، عن يحيى: ثقة. وروى أحمد بن أبي خيثمة، عن يحيى: ضعيف الحديث، وهو أمثل من أبي يحيى الحِمَّاني. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: حديثه لا بأس به، وهو صدوق، لم أجد في حديثه منكرًا فأذكره. وقال البرقاني: سألت الدارقطني عن والد وكيع، قال: ليس بشيء، وهو كبير الوهم. قلت: يعتبر به? قال: لا. وقال خليفة: توفي سنة خمس وسبعين ومائة. وقال ابن قانع: سنة ست.

стр. 4165

١٣٦٣ - يوسف بن أسباط (١): الزاهد، من سادات المشايخ، له مواعظ وحكم. روى عن: مُحِلِّ بن خليفة، والثوري، وزائدة بن قدامة. وعنه: المسيَّب بن واضح، وعبد الله بن خُبَيق، وغيرهما. نزل الثغور مرابطًا. قال المسيَّب: سألته عن الزهد، فقال: أن تزهد في الحلال، فأما الحرام، فإن ارتكبته، عذبك. وسئل يوسف: ما غاية التواضع? قال: أن لا تلقى أحدًا إلا رأيت له الفضل عليك. وعنه قال: للصادق ثلاث خصال: الحلاوة، والملاحة، والمهابة. وعنه: خلقت القلوب مساكن للذكر، فصارت مساكن للشهوات، لا يمحو الشهوات إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق، الزهد في الرئاسة أشد منه في الدنيا. قال ابن خُبَيق: قلت لابن أسباط: لم لا تأذن لابن المبارك يسلم عليك? قال: خشيت أن لا أقوم بحقه، وأنا أحبه. وعن يوسف: إذا رأيت الرجل قد أشِرَ وَبطِرَ، فلا تعظه، فليس للعظة فيه موضع، لي أربعون سنة، ما حَكَّ في صدري شيء، إلا تركته. قال شعيب بن حرب: ما أقدم على يوسف بن أسباط أحدًا. وعن يوسف، قال: يجزئ قليل الورع والتواضع من كثير الاجتهاد في العمل. وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال البخاري: دفن كتبه، فكان حديثه لا يجيء كما ينبغي.

стр. 4166

١٣٦٤ - إسحاق الأزرق (١): " ع" هو الإمام، الحافظ، الحجة، أبو محمد إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشي، الواسطي، الأزرق. مولده سنه سبع عشرة ومائة. حدث عن: الأعمش، وابن عون، وفُضَيل بن غَزْوان، ومِسْعَر بن كِدَام، وسفيان، وشريك، وعدة. وكان من جلة المقرئين، تلا على: حمزة الزيات. وأخذ الحروف عن: أبي بكر بن عياش، وغيره، وله اختيار معروف. حمله عنه: إسماعيل ابن هود الواسطي، وعبد الله بن هانئ، وغيرهما. وكان من أئمة الحديث، روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسعدان بن نصر، وأبو جعفر بن المنادي، وخلق. وكان حجة وفاقًا، له قدم راسخ في التقوى. قيل: إنه مكث عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء -رحمة الله عليه- وكان من أعلم الناس بشريك. قالوا: توفي سنة خمس وتسعين ومائة. روى عن شريك ستة آلاف حديث. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أخبرنا عبد لله بن أحمد، أخبرنا هبة الله بن هلال، أخبرنا عبد الله بن علي الدقاق سنة أربع وثمانين وأربعمائة، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن عبيد الله، حدثنا إسحاق بن الأزرق، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة" (٢).

стр. 4167

١٣٦٥ - محمد بن فُضَيل (١): " ع" ابن غزوان، الإمام، الصدوق، الحافظ، أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم، الكوفي، مصنف كتاب "الدعاء"، وكتاب "الزاهد"، وكتاب "الصيام"، وغير ذلك. حدث عن: أبيه، وحصين بن عبد الرحمن، وعاصم الأحوال، وعمارة بن القعقاع، وبيان بن بشر، وإبراهيم الهجري، وعطاء بن السائب، وهشام بن عروة، وابن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة، وليث بن أبي سليم، ومسعر، وحبيب بن أبي عمرة، وخلق كثير. حدث عنه: أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق، وعلي بن حرب، وأحمد بن بديل، وأحمد بن سنان القطان، وعمرو بن علي، وبنو أبي شيبة، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشج، وأحمد بن حرب، وعلي بن المنذر الطريقي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وعدد كثير، وجم غفير، على تشيع كان فيه، إلا أنه كان من علماء الحديث، والكمال عزيز. وثقه يحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، شيعي. وقال أبو داود السجستاني: كان شيعيًا، متحرقًا. قلت: تحرقه على من حارب أو نازع الأمر عليًا ﵁ وهو معظم للشيخين ﵄. وكان ممن قرأ القرآن على حمزة الزيات. وقد أدرك منصور بن المعتمر، ودخل عليه، فوجده مريضًا، وهذا أوان أول سماعه للعلم. قال محمد بن سعد: بعضهم لا يحتج به. وكان أبو الأحوص يقول: أنشد الله رجلا يجالس ابن فضيل، وعمرو بن ثابت، أن يجالسنا. قال يحيى الحماني: سمعت فضيلا -أو حدثت عنه- قال: ضربت ابني البارحة إلى الصباح أن يترحم على عثمان ﵁ فأبى علي.

стр. 4168

وقال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: سألت ابن المبارك عن أسباط، وابن فضيل فسكت، فلما كان بعد ثلاثة أيام، قال: يا حسن! صاحباك لا أرى أصحابنا يرضونهما. قلت: مات في سنة خمس وتسعين ومائة. وقيل: سنة أربع. وقد احتج به أرباب الصحاح. أخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا عبد المعز بن محمد، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعيد الطبيب، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن خلاد الباهلي، حدثنا محمد بن فضيل، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا، فإن في السحور بركة" (١). أخرجه النسائي، عن زكريا خياط السنة (٢)، عن الباهلي، فوقع بدلًا عاليًا بدرجتين، وحديثه أعلى من هذا في "جزء ابن عرفة".

стр. 4169

١٣٦٦ - يحيى القطان (١): " ع" يحيى بن سعيد بن فروخ، الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، أبو سعيد التميمي مولاهم، البصري، الأحول، القطان، الحافظ. ولد في أول سنة عشرين ومائة. سمع: سليمان التيمي، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، وسليمان الأعمش، وحسينًا المعلم، وحميدًا الطويل، وخثيم بن عراك، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عون، وابن أبي عروبة، وشعبة، والثوري، وأخضر بن عجلان، وإسرائيل بن موسى -نزيل الهند- وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وأشعث بن عبد الله الحداني، وبهز بن حكيم، وجعفر بن محمد، وحاتم بن أبي صغيرة، وحبيب بن الشهيد، وحجاج بن أبي عثمان الصواف، وزكريا بن أبي زائدة، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعثمان بن الأسود المكي، وفضيل بن غزوان، ومحمد بن عجلان، وخلقًا كثيرًا. وعني بهذا الشأن أتم عناية، ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ: كمسدد، وعلي، والفلاس، وكان في الفروع على مذهب أبي حنيفة -فيما بلغنا- إذا لم يجد النص. روى عنه: سفيان، وشعبة، ومعتمر بن سليمان -وهم من شيوخه- وعبد الرحمن بن مهدي، وعفان، ومسدد، وابنه؛ محمد بن يحيى، وعبيد الله القواريري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي، ويحيى، وأحمد، وإسحاق، وعمرو بن علي، وبندار، وابن مثنى، ومحمد بن حاتم السمين، وسليمان الشاذكوني، وعبيد الله بن سعيد السرخسي، ويحيى بن حكيم المقوم، وعمر بن شبة، ونصر بن علي، ومحمد بن عبد الله المخرمي، وأحمد بن سنان القطان، وإسحاق الكوسج، وزيد بن أخزم، ويعقوب الدورقي، وخلق كثير، خاتمتهم: محمد بن شداد المسمعي. وكان يقول: لزمت شعبة عشرين سنة. قال محمد بن عبد الله بن عمار: روى ابن مهدي في تصانيفه ألفي حديث عن يحيى القطان، فحدث بها ويحيى حي. وثبت أن أحمد بن حنبل قال: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان. وقال يحيى بن معين: قال لي عبد الرحمن: لا ترى بعينيك مثل يحيى القطان. وقال علي بن المديني: ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد. وقال بندار: حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه.

стр. 4170

وقال أبو الوليد الطيالسي: كان يحيى بن سعيد مولى بني تميم -زعموا- وكان يوقر وهو شاب. وقال ابن معين: قال لي يحيى بن سعيد: ليس لأحد علي عقد ولا ولاء. قال العباس بن عبد العظيم: سمعت ابن مهدي يقول: لما قدم الثوري البصرة، قال يا عبد الرحمن! جئني بإنسان أذاكره. فأتيته بيحيى بن سعيد، فذاكره، فلما خرج، قال: قلت لك: جئني بإنسان، جئتني بشيطان -يعني: بهره حفظه. قال عبد الله بن جعفر بن خاقان: سمعت عمرو بن علي يقول: كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة، يدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر، فيحدث الناس. قال ابن خزيمة: سمعت بندارًا يقول: اختلفت إلى يحيى بن سعيد أكثر من عشرين سنة، ما أظنه عصى الله قط، لم يكن في الدنيا في شيء. عباس الدوري: سمعت يحيى يقول: قال لي يحيى القطان: لو لم أرو إلا عمن أرضى، لم أرو إلا عن خمسة. قال عبد الله بن بشر الطالقاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال جعفر بن أبان الحافظ: سألت أبا الوليد الطيالسي عن خالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، فقال: يحيى أكثر منه بكثير، وأما خالد فثقة، صاحب كتاب. فقال رجل: ما كان بالبصرة مثل خالد بعد شعبة. فقال: وكان شعبة يحسن ما يحسن يحيى? فقلت: فمن كان أكثر عندك: يحيى، أو عبد الرحمن بن مهدي? فإن قومًا يقدمون عبد الرحمن عليه. قال: ما ينصفون، هو أكبر من عبد الرحمن. وعن أبي عوانة، قال: إن كنتم تريدون الحديث، فعليكم بيحيى القطان. فقال له رجل: فأين حماد بن زيد? قال: يحيى بن سعيد معلمنا. قال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كتبت الحديث عن مثل يحيى بن سعيد. قال ابن معين: روى يحيى القطان عن الأوزاعي حديثًا واحدًا. قال أبو قدامة السرخسي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كل من أدركت من الأئمة كانوا
следующие страницы →