وقال حماد بن زيد، عن جميل بن مرة، عن أبي الوضي السحيمي قال: كنا مع علي بالنهروان، فقال لنا: التمسوا المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه، فأتوه فقال: ارجعوا فالتمسوا المخدج، فوالله ما كذبت ولا كذبت، حتى قال ذلك مرارا. فرجعوا فقالوا: قد وجدناه تحت القتلى في الطين فكأني أنظر إليه حبشيا، له ثدي كثدي المرأة، عليه شعيرات كشعيرات التي على ذنب اليربوع، فسر بذلك علي. رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده".
وقال شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، قال: جاء رأس الخوارج إلى علي، فقال له: اتق الله فإنك ميت. فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكني مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه -وأشار بيده إلى لحيته- عهد معهود وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى.
وقال أبو النضر: حدثنا محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري -وكان أبوه بدريا- قال: خرجت مع أبي عائدا لعلي ﵁ من مرض أصابه ثقل منه، فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا، لو أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة! حمل إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلي أني لا أموت حتى أؤمر، ثم تخضب هذه من دم هذه -يعني لحيته من دم هامته فقتل، وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين.
وقال الحسن عن أبي بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين" (١) أخرجه البخاري دون "عظيمتين".
وقال ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت، وهو بساحل حمص، وهو في بناء له، ومعه امرأته أم حرام، قال: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا" قالت أم حرام: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: "أنت فيهم" قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم" قالت أم حرام: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا" أخرجه البخاري (٢) فيه إخباره ﵇ أن أمته يغزون البحر، ويغزون مدينة
стр. 702
قيصر.
وقال شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا كلهم يزعم أنه نبي" رواه مسلم (١)، واتفقا عليه من حديث أبي هريرة (٢).
وقال الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت للحجاج: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. أخرجه مسلم (٣) تعني بالكذاب المختار بن أبي عبيد.
وقال الوليد بن مسلم، عن مروان بن سالم الجزري: حدثنا الأحوص بن حكيم، وعن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي رجل يقال له: وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له: غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس" مروان ضعيف.
وقال ابن جريج: أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ قبل موته بشهر يقول: "تسألون عن الساعة، إنما علمها عند اله فأقسم بالله، ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة" (٤). رواه مسلم.
وقال شعيب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة،
стр. 703
أن ابن عمر، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". متفق عليه (١).
فقال الجريري: كنت أطوف مع أبي الطفيل، فقال: لم يبق أحد ممن لقي رسول الله ﷺ غيري، قلت: كيف كان رسول الله ﷺ ؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا. أخرجه مسلم (٢).
وأصح الأقوال أن أبا الطفيل توفي سنة عشر ومائة.
وقال إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني، عن أبيه، عن عبد الله بن بسر، أن النبي ﷺ قال له: "يعيش هذا الغلام قرنًا"، قال: فعاش مائة سنة.
وقال بشر بن بكر، والوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني سعيد بن المسيب، قال: ولد لأخي أم سلمة غلام، فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : "تسمون بأسماء فراعنتكم، غيروا اسمه -فسموه عبد الله- فإنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد، هو شر لأمتي من فرعون لقومه" (٣).
стр. 704
هذا ثابت عن ابن المسيب، ومراسيله حجة على الصحيح.
وقال سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا، اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا". غريب، ورواته ثقات.
وقد روى الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا مثله، لكنه قال: "ثلاثين رجلا".
وقال سليمان بن حيان الأحمر: حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن طلحة النصري قال: قدمت المدينة مهاجرا، وكان الرجل إذا قدم المدينة، فإن كان له عريف نزل عليه، وإن لم يكن له عريف نزل الصفة، فنزلت الصفة، وكان رسول الله ﷺ يرافق بين الرجلين، ويقسم بينهما مدا من تمر، فبينا رسول الله ﷺ ذات يوم في صلاته، إذ ناداه رجل قال: يا رسول الله أحرق بطوننا التمر، وتخرقت عنا الخنف. قال: وإن رسول الله ﷺ حمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه ثم قال: "لقد رأيتني وصاحبي، مكثنا بضع عشرة ليلة ما لنا طعام غير البرير -وهو ثمر الأراك- حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم، وكان جل طعامهم التمر، والذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز واللحم لأطعمتكموه، وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم، تلبسون أمثال أستار الكعبة، ويغدى ويراح عليكم بالجفان". قالوا: يا رسول الله أنحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: "بل أنتم اليوم خير، أنت اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض".
وقال محمد بن يوسف الفريابي: ذكر سيان عن يحيى بن سعيد، عن أبي موسى يحنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على ربعض". حديث مرسل.
وقال عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، وصلينا معه، فناجى ربه طويلا، ثم قال: "سألت ربي ثلاثة: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسم بينهم فمنعنيها".
رواه مسلم (١).
стр. 705
وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يسبي بعضا وبعضهم يقتل بعضا". وقال: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين حتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ". رواه مسلم (١).
وقال يونس وغيره، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "بين يدي الساعة الهرج". قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل" قالوا: أكثر مما نقتل؟ قال: "إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا". قالوا: ومعنا يومئذ عقولنا؟ قال: "إنه تنزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان، ويخلف لهم هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء" (٢).
стр. 706
قال سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". رواه مسلم (١).
وقال أبو عبد السلام، عن ثوبان، قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت". أخرجه أبو داود (٢) من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثنا أبو عبد السلام.
وقال معمر، عن همام: حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليأتين على أحدكم يوم لأن يراني، ثم لأن يراني، أحب إليه من مثل أهله وماله معهم". رواه مسلم (٣).
وللبخاري مثله من حديث أبي هريرة (٤).
وقال صفوان بن عمرو: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر الهوزني، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على
стр. 707
اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة". أخرجه أبو داود (١).
وقال عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، وتشرب الخمر، ويظهر الزنى". متفق عليه (٢).
وقال هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". متفق عليه (٣).
وقال كثير النواء، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة هم براء من الإسلام". كثير ضعيف تفرد به.
وقال شعبة: أخبرني أبو جمرة، قال: أخبرنا زهدم أنه سمع عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم بعدهم يخونون، ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن". رواه مسلم (٤).
والأحاديث الصحيحة والضعيفة في إخباره بما يكون بعده كثيرة إلى الغاية، اقتصرنا على هذا القدر منها، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، نسأل الله -تعالى- أن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يؤيدنا بروح منه.
стр. 708
باب جامع من دلائل النبوة:
قال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة، وآل عمران، كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا. رواه مسلم (١).
وقال عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس، قال: كان رجل نصراني فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا، وكان يقول: ما أرى يحسن محمد إلى ما كنت أكتب له، فأماته الله، فأقبروه، فأصبح وقد لفظته الأرض، قالوا: هذا عمل محمد وأصحابه. قال: فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض. فقالوا: عمل محمد وأصحابه قال: فحفروا وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه من الله أخرجه البخاري (٢).
وقال الليث عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "وما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". متفق عليه (٣).
قلت: هذه هي المعجزة العظمى، وهي القرآن فإن النبي من الأنبياء ﵈ كان يأتي بالآية وتنقضي بموته، فقل لذلك من يتبعه، وكثر أتباع نبينا ﷺ لكون معجزته الكبرى باقية بعده، فيؤمن بالله ورسوله كثير ممن يسمع القرآن على ممر الأزمان، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة.
وقال زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما صدق نبي ما صدقت، إن من الأنبياء من لا يصدقه من أمته إلا الرجل الواحد". رواه مسلم (٤).
стр. 709
وقال جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بموقع النجوم فكان الله ينزل على رسول الله ﷺ ، بعضه في إثر بعض. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
стр. 710
باب آخر سور نزلت:
قال أبو العميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قا: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعا؟ قلت: نعم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ [النصر: ١]، قال: صدقت. رواه مسلم (١).
وقال أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ [النصر: ١] قال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه، إذا فتح الله عليك فذاك علامة أجلك. قال ذلك لعمر ﵁ فقال: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم يا ابن عباس.
أخرجه البخاري بمعناه (٢).
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: آخر سورة نزلت "براءة" وآخر آية أنزلت "يستفتونك". متفق عليه (٣).
وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي عن ابن عباس، قال: آخر آية أنزلها الله آية الربا.
وقال الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: آخر ما أنزل الله آية الربا فدعوا الربا والريبة (٤). صحيح.
стр. 711
وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي، قال: آخر آية أنزلت ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩].
فحاصله أن كلا منهم أخبر بمقتضى ما عنده من العلم.
وقال الحسين بن واقد: حدثني يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن، قالا: نزل من القرآن بالمدينة: ويل للمطففين، والبقرة، وآل عمران، والأنفال، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة والنساء وإذا زلزلت والحديد، ومحمد، والرعد، والرحمن، وهل أتى، والطلاق، ولم يكن، والحشر، وإذا جاء نصر الله، والنور، والحج، والمنافقون، والمجادلة، والحجرات، والتحريم، والصف، والجمعة، والتغابن، والفتح، وبراءة. قالا: ونزل بمكة فذكرا ما بقي من سور القرآن.
стр. 712
باب في النسخ والمحو من الصدور:
وقال أبو حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. أخرجه مسلم (١).
وقال شعيب بن أبي حمزة وغيره، عن الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل، أن رهطا من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ أخبروه، أن رجلا قام في جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، فأتى باب رسول الله ﷺ حين أصبح ليسأله عن ذلك، ثم جاء آخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة ثم أذن لهم رسول الله ﷺ فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثم قال: "نسخت البارحة"، فنسخت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه. رواه عقيل، عن ابن شهاب، قال فيه: وابن المسيب جالس لا ينكر ذلك.
نسخ هذه السورة ومحوها من صدورهم من براهين النبوة، والحديث صحيح.
стр. 713
ذكر صفة النبي ﷺ :
قال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جده، سمع البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير.
اتفقا عليه من حديث إبراهيم (١).
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، قال رجل للبراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر (٢).
وقال إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل: أكان رسول الله ﷺ وجهه مثل السيف؟ قال: لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا. رواه مسلم (٣).
وقال المحاربي وغيره، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان أحسن في عيني من القمر (٤).
وقال عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، قال: لا أن سلمت على رسول الله ﷺ ، وهو يبرق وجهه، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر. أخرجه البخاري (٥).
وقال ابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ يوما مسرورا وأسارير وجهه تبرق، وذكر الحديث. متفق عليه (٦).
стр. 714
وقال يعقوب الفسوي: حدثا سعيد، قال: حدثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن امرأة من همدان سماها قالت: حججت مع النبي ﷺ ، فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة، بيده محجن، فقلت لها: شبهيه. قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله.
وقال يعقوب بن محمد الزهري: حدثنا عبد الله بن موسى التيمي، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: قلنا للربيع بنت معوذ: صفي لنا رسول الله ﷺ قالت: لو رأيته، لقلت: الشمس طالعة (١).
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت أنسا وهو يصف رسول الله ﷺ قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق، ولا آدم، ليس بجعد قطط، ولا بالسبط، بعث على رأس أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. متفق عليه (٢).
وقال خالد بن عبد الله، عن حميد، عن أنس: كان رسول الله ﷺ أسمر اللون.
وقال ثابت، عن أنس: كان أزهر اللون.
وقال علي بن عاصم: أخبرنا حميد، قال: سمعت أنسا يقول: كان ﷺ أبيض، بياضه إلى السمرة.
وقال سعيد الجريري: كنت أنا وأبو الطفيل نطوف بالبيت، فقال: ما بقي أحد رأى
стр. 715
رسول الله ﷺ غيري. قلت: صفه لي. قال: كان أبيض مليحا مقصدا. أخرجه مسلم (١)، ولفظه: كان أبيض مليح الوجه.
وقال ابن فضيل، عن إسماعيل، عن أبي جحيفة، قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه. متفق عليه (٢).
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ أزهر اللون. رواه عنه حماد بن سلمة.
وقال المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن علي: كان ﷺ مشربا وجهه حمرة. رواه شريك عن عبد الملك بن عمير، عن نافع مثله.
وقال عبد الله بن إدريس وغيره: حدثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، أن سراقة بن جعشم قال: أتيت النبي ﷺ ، فلما دنوت منه، وهو على ناقته، أنظر إلى ساقه كأنها جمارة (٣).
وقال ابن عيينة: أخبرنا إسماعيل بن أمية، عن مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن محرش الكعبي، قال: اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ليلا، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة (٤).
وقال يعقوب الفسوي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، قال: حدثني عمرو بن الحارث قال: حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ ، فقال: كان شديد البياض.
وقال رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي
стр. 716
هريرة، قال: ما رأيت شيئا أحسن من النبي ﷺ ، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته منه ﷺ ، كأن الأرض تطوى له، إنا لنجتهد، وإنه غير مكترث (١).
رواه ابن لهيعة، عن أبي يونس.
وقال شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس الكعبين. أخرجه مسلم (٢).
ورواه أبو داود، عن شعبة فقال: أشهل العينين، منهوس العقب.
وقال أبو عبيد: الشكلة: كهيئة الحمرة تكون في بياض العين، والشهلة: حمرة في سواد العين قلت: ومنهوس الكعب: قليل لحم العقب. كذا فسره سماك بن حرب لشعبة.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عباد عن حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة عن صفة رسول الله ﷺ قال: كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل، وكان في ساقيه حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسما.
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة، كث اللحية.
стр. 717
وقد خالد بن عبد الله الطحان، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، قال: قيل لعلي ﵁: انعت لنا رسول الله ﷺ . فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
وقال عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ فقال: كان مفاض الجبين، أهدب الأشفار، أسود اللحية، حسن الثغر، بعيد ما بين المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، ليس له أخمص.
وقال عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور بين ثناياه. عبد العزيز متروك.
وقال المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن علي: كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، طويل المسربة (١).
روى مثله شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي، ولفظه: كان ضخم الهامة، عظيم اللحية.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن الراسبي أن رجلا قال لعلي: انعت لنا النبي ﷺ قال: كان أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، أغر أبلج أهدب الأشفار (٢).
وقال جرير بن حازم: حدثنا قتادة، قال: سئل أنس عن شعره ﷺ ، فقال: كان لا سبط ولا جعد بين أذنيه وعاتقه. متفق عليه (٣).
стр. 718
وقال همام، عن قتادة، عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ يضرب منكبيه. البخاري (١).
وقال حميد، عن أنس، كان إلى أنصاف أذنيه. مسلم (٢).
قلت: والجمع بينهما ممكن.
وقال معمر، عن ثابت، عن أنس: كان إلى شحمة أذنيه. أبو داود في "السنن" (٣).
وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، يبلغ شعره شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا أحسن منه. متفق عليه (٤).
وأخرجه البخاري من حديث إسرائيل، ولفظه: ما رأيت أحدا من خلق الله في حلة حمراء، أحسن منه، وإن جمته تضرب قريبا من منكبيه (٥).
وأخرجه مسلم من حديث الثوري، ولفظه: له شعر يضرب منكبيه، وفيه: ليس بالطويل ولا بالقصير (٦).
وقال شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير، قال: وصف لنا علي ﵁ النبي ﷺ فقال: كان كثير شعر الرأس رجله. إسناده حسن.
وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان شعر النبي ﷺ فوق الوفرة، ودون الجمة. أخرجه أبو داود (٧)، وإسناده حسن.
стр. 719
وقال ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم هانئ: قدم النبي صلى الله علبه السلام مكة قدمة، وله أربع غدائر، تعني ضفائر. لم يدرك مجاهد أم هانئ، وقيل: سمع منها، وذلك ممكن.
وقال إبراهيم بن سعد: حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر يه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل ناصيته ثم فرق بعد. البخاري ومسلم (١).
وقال ربيعة الرأي: رأيت شعرا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر، فسألت، فقيل: من الطيب. أخرجه البخاري ومسلم (٢).
وقال أيوب، عن ابن سيرين: سألت أنسا: أخضب رسول الله ﷺ ؟ فقال: لم ير من الشيب إلا قليلا. أخرجاه (٣)، وله طرق في الصحيح بمعناه عن أنس.
وقال المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنسن أن النبي ﷺ لم يختضب، إنما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا. أخرجه مسلم (٤).
وقال زهير بن معاوية وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة: رأيت النبي ﷺ هذه
стр. 720
منه بيضاء، ووضع زهير بعض أصابعه على عنفقته (١). أخرجه مسلم. وأخرجه مسلم من حديث إسرائيل (٢).
وقال البخاري: حدثنا عاصم بن خالد قال: حدثنا حريز بن عثمان، قلت: لعبد الله بن بسر: أكان النبي ﷺ شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض (٣).
وقال شعبة وغيره، عن سماك، عن جابر بن سمرة، وذكر شمط النبي ﷺ قال: كان إذا ادهن لم ير، وإذا لم يدهن تبين. أخرجه مسلم (٤).
وقال إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وإذا ادهن ومشطه لم يستبن. أخرجه مسلم (٥).
وقال أبو حمزة السكري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي، قال: دخلنا على أم سلمة، فأخرجت إلينا من شعر رسول اله ﷺ ، فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم.
صحيح أخرجه البخاري (٦)، ولم يقل: "بالحناء والكتم"، من حديث سلام بن أبي مطيع، عن عثمان.
وقال إسرائيل، عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم، فيه من شعر النبي ﷺ ، فكان إذا أصاب إنسانا الحمى، بعث إليها فخضخضته فيه، ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: بعثني أهلي إليها فأخرجته، فإذا هو هكذا -وأشار إسرائيل بثلاث أصابع- وكان فيه شعرات حمر. البخاري (٧).
محمد بن أبان المستملي: حدثنا بشر بن السري، قال: حدثنا أبان العطار، عن يحيى بن
стр. 721
أبي كثير، عن أبي سلمة، أن محمد بن عبد الله بن زيد حدثه أن أباه شهد النبي ﷺ في المنحر، هو ورجل من الأنصار، فقسم ضحايا بين أصحابه، فلم يصبه شيء هو وصاحبه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، وأعطاه إياه، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره، فأعطاه صاحبه قال: فإنه لمخضوب عندنا بالحناء والكتم، يعني: الشعر. هذا خبر مرسل.
وقال شريك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة، رواه يحيى بن آدم، عنه.
وقال جعفر بن برقان: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: قدم أنس بن مالك المدينة، وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر، وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فإني قد رأيت شعرا من شعره قد لون؟ فقال أنس: إن رسول الله ﷺ كان قد متع بالسواد، ولو عددت ما أقبل علي من شيبه في رأسه ولحيته، ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله ﷺ ، وهو الذي غير لونه.
وقال أبو حمزة السكري، عن عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، قال: أتيت النبي ﷺ وعليه بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر مخضوب بالحناء.
وقال أبو نعيم: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حدثني أبي، عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته قال لي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا.
قال: إن هذا رسول الله ﷺ فاقشعررت حين قال ذلك، كنت أظن رسول الله ﷺ شيئا لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران.
وقال عمرو بن محمد العنقزي: أخبرنا ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران.
وقال النضر بن شميل: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا.
وقال جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ ضخم اليدين، لم أر بعده مثله، وفي لفظ: كان ضخم الكفين والقدمين، سائل العرق. أخرج البخاري بعضه.
وقال معمر وغير، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ شثن الكفين والقدمين.
стр. 722
وقال أبو هلال، عن قتادة، عن أنس -أو عن جابر بن عبد الله، شك موسى بن إسماعيل فيه- عن أبي هلال، أن النبي ﷺ كان ضخم القدمين والكفين، لم أر بعده شبيها به ﷺ . أخرجهما البخاري تعليقا، وهما صحيحان.
وقال شعبة، عن سماك عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين. قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب.
أخرجه مسلم.
وقال يزيد بن هارون: حدثنا عبد الله بن يزيد بن مقسم بن ضبة، قال: حدثتني عمتي سارة، عن ميمونة بنت كردم، قالت: رأيت رسول الله ﷺ بمكة، وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد النبي ﷺ درة كدرة الكباث، فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقر له رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم.
قالت: فما نسيت طول إصبعه السبابة على سائر أصابعه.
وقال عثمان بن عمر بن فارس: حدثنا حرب بن سريج الخلقاني، قال: حدثني رجل من بلعدوية، قال: حدثني جدي، قال: انطلقت إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ ، فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره، ورأيته بين طمرين فدنا مني فقال: "السلام عليك".
وقال المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، وقاله شريك، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن نافع بن جبير، واللفظ لشريك قال: وصف لنا علي النبي ﷺ فقال: كان لا قصير ولا طويل وكان يتكفأ في مشيته كأنما يشمي في صبب -ولفظ المسعودي: كأنما ينحط من صبب- لم أر قبله ولا بعده مثله. أخرجه النسائي.
عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: ﷺ بالبطحاء، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك. أخرجه البخاري تعليقا.
وقال خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، قال: قيل لعلي: انعت لنا النبي ﷺ . فقال: كان لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب، وكان شثن الكف والقدم، في صدره مسربة، كأن عرقة لؤلؤ، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد ورؤي نحوه من وجه آخر عن علي.
стр. 723
وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا، ولا شيئا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من ريح رسول الله ﷺ .
أخرجه البخاري.
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ثابت.
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكر مثله وزاد: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذ مشى تكفأ. أخرجه مسلم.
وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو بمنى فقلت: ناولني يدك، فناولنيها، فإذا هي من الثلج وأطيب ريحا من المسك.
وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقال عندنا، فعرق وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرق نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب. أخرجه مسلم.
وقال وهيب: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره، وفيه: وكان ﷺ كثير العرق. رواه مسلم.
стр. 724
خاتم النبوة:
قال حاتم بن إسماعيل: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة. أخرجاه (١)، ووهم من قال: رز الحجلة، وهو بيضها.
وقال إسرائيل، عن سماك، سمع جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ وجهه مستديرا مثل الشمس والقمر، ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده (٢). أخرجه مسلم.
وقال حماد بن زيد وغيره: حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: درت خلف النبي ﷺ ، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى، جمعا، عليه خيلان كأمثال الثآليل (٣). أخرجه مسلم أطول من هذا.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أرني الخاتم: قال أدخل يدك، فأدخلت يدي في جربانة (٤)، فجعلت ألمس أنظر إلى الخاتم، فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة، فما منعه
стр. 725
ذاك أن جعل يدعو لي، وإن يدي لفي جربانه. رواه يحيى بن أبي طالب، عن أبي داود، لكن قال: "مثل السلعة".
قال عبيد الله بن إياد بن لقيط: حدثني أبي، عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إني كأطب الرجال، أفأعالجها لك؟ قال: "لا، طببها الذي خلقها" رواه الثوري، عن إياد بن لقيط، وقال: "مثل التفاحة". وإسناده صحيح.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عبد الله بن ميسرة، قال: حدثنا عتاب، قال: سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الذي بين كتفي النفي ﷺ لحمة نابتة.
وقال قيس بن حفص الدارمي: حدثنا مسلمة بن علقمة، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجلي، عن سلمان الفارسي، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فألقى إلي رداءه، وقال: انظر إلى ما أمرت به. قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمام. إسناده حسن.
وقال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم عن سعيد بن أبي راشد، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ الفند (١) أو قريبا، فقلت: ألا تخبرني؟ قال: بلى، قدم رسول الله ﷺ تبوك، فانطلقت بكتاب هرقل، حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتب على الماء فقال: "يا أخا تنوخ"، فأقبلت أهوي حتى قمت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره، ثم قال: "ههنا امض لما أمرت به" فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة.
стр. 726
باب جامع من صفاته ﷺ :
قال عيسى بن يونس: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي، قال: كان علي ﵁ إذا نعت رسول ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتف -أو قال الكتد- أجرد ذا مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا وأجرى الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وأوفاهم بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .
وقال أبو عبيد في "الغريب": حدثنيه أبو إسماعيل المؤدب، عن عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية قال: كان علي إذا نعت، فذكره.
قوله: ليس بالطويل الممغط: يقول: ليس بالبائن الطول ولا القصير المتردد: يعني الذي تردد خلقه بعضه على بعض، فهو مجتمع ليس بسبط الخلق، يقول: ليس هو كذلك ولكنه ربعة.
والمطهم: قال الأصمعي: التام كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، وقال غيره، المكلثم: المدور الوجه، يقول: ليس هو كذلك ولكنه مسنون.
والدعج: شدة سواد العين.
والجليل: المشاش: العظيم رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين.
والكتد: الكاهل وما يليه من الجسد.
وشثن الكفين: يعني أنها إلى الغلظ.
والصبب: الانحدار.
والقطط: مثل شعر الحبشة.
والأزهر: الذي يخالط بياضه شيء من الحمرة.
стр. 727
والأمهق: الشديد البياض.
وشبح الذراعين: يعني عبل الذراعين عريضهما.
والمسربة: الشعر المستدق ما بين اللبة إلى السرة.
وقال الأصمعي: التقلع: المشي بقوة.
وقال يعلى بن عبيد، عن مجمع بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران، عن رجل من الأنصار، أنه سأل عليا، عن نعت رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مشرب حمرة، أدعج، سبط الشعر، ذو وفرة، دقيق المسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر، يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا مشى كأنا ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقة أطيب من المسك، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا العاجز ولا اللئيم، لم أر قبله ولا بعده مثله.
قال البيهقي: أخبرنا أبو علي الروذباري، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن شوذب، قال: أخبرنا شعيب بن أيوب الصريفيني عنه. وقال حفص بن عبد الله النيسابوري: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن حميد، عن أنس، قال: لم يكن النبي ﷺ بالآدم، ولا الأبيض الشديد البياض، فوق الربعة ودون الطويل، كان من أحسن من رأيت من خلق الله، وأطيبه ريحا وألينه كفا، كان يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه، وكان يتوكأ إذا مشى.
وقال معمر، عن الزهري، قال: سئل أبو هريرة عن صفة النبي ﷺ فقال: كان أحسن الناس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب، إذا وطئ بقدمه وطئ لكلها، ليس أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك يتلألأ، لم أرق قبله ولا بعده مثله، رواه عبد الرزاق عنه.
وقال أبو هشام محمد بن سليمان بن الحكم بن أيوب بن سليمان الكعبي الخزاعي: حدثني عمي أيوب بن الحكم، عن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جده حبيش بن خالد ﵁ الذي قتل بالبطحاء يوم الفتح، وهو أخو عاتكة -أن النبي ﷺ خرج من مكة هو وأبو بكر، ومولى لأبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، فمروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها، فلم يصيبوا شيئا، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى
стр. 728
شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟ قالت: شاة خلفها الجد عن الغنم.
فقال: "هل بها من لبن"؟ قالت: هي أجهد من ذلك قال: "أتأذنين أن أحلبها"؟ قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم. ثم حلب ثانيا بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادر عندها وبايعها، وارتحلوا عنها.
فقل ما لبثت، حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا تساوكن هزلا مخهن قليل. فلما رأي أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد؟ والشاء عازب حيال، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي، قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يائس من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
قال أبو معبد: هذا والله صاح قريش، الذي ذكر لنا من أمه، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت بمكة عال، يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيتمي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجاري وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت … عليه صريحا ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب … يرددها في مصدر ثم مورد
стр. 729
فلما سمع بذلك حسان بن ثابت شبب يجاوب الهاتف، فقال:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم … وقدس من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم … وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا … عمايتهم هاد به كل مهتد
وقد نزلت منه على أهل يثرب … ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلوا كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته من يسعد الله يسعد
قوله: إذا مشى تكفأ: يريد أنه يميد في مشيته، ويمشي في رفق غير مختال.
وقوله: فخما مفخما: قال أبو عبيد: الفخامة في الوجه نبله وامتلاؤه، مع الجمال والمهابة وقال ابن الأنباري: معناه أنه كان عظيما معظما في الصدور والعيونن ولم يكن خلقه في جسمه ضخما.
وأقنى العرنين: مرتفع الأنف قليلا مع تحدب، وهو قريب من الشمم.
والشنب: ماء ورقة في الثغر.
والفلج: تباعد ما بين الأسنان.
والدمية: الصورة المصورة.
وقد روى حديث أم معبد أبو بكر البيهقي فقال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني، قال: حدثنا مكرم بن محرز بن مهدي، قال: حدثنا أبي، عن حزام بن هشام. فذكر نحوه.
ورواه أبو زيد عبد الواحد بن يوسف بن أيوب بن الحكم الخزاعي بقديد، إملاء على أبي عمرو بن مطر، قال: حدثنا عمي سليمان بن الحكم.
وسمعه ابن مطر بقديد أيضا، من محمد بن محمد بن سليمان بن الحكم، عن أبيه.
стр. 730
ورواه عن مكرم بن محرز الخزاعي -وكنيته أبو القاسم- يعقوب بن سفيان الفسوي، مع تقدمه، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرهم القطيعي.
وقال الحاكم: سمعت الشيخ الصالح أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعي يقول: حدثنا مكرم بن محرز عن آبائه، فذكر الحديث، فقلت له: سمعته من مكرم؟ قال: إي والله، حج بي أبي، وأنا ابن سبع سنين، فأدخلني على مكرم.
ورواه البيهقي أيضا في اجتياز النبي ﷺ بخيمتي أم معبد، من حديث الحسن بن مكرم، وعبد الله بن محمد بن الحسن القيسي، قالا: حدثنا أبو أحمد بشر بن محمد المروزي السكري، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، قال: حدثنا الحر بن الصياح، عن أبي معبد الخزاعي، أن رسول الله ﷺ لما خرج هو، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي -كذا قال: الليثي، وهو الديلي- مروا بخيمتي أم معبد، فذكر الحديث بطوله.
وقولها ظاهر الوضاءة: أي ظاهر الجمال.
ومرملين: أي: قد نفد زادهم. ومسنتين: أي: داخلين في السنة والجدب.
وكسر الخيمة: جانبها.
وتفاجت: فتحت ما بين رجليها.
ويربض الرهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرهط من الثلاثة إلى العشرة.
والثج: السيل.
والبهاء: وبيض رغوة اللبن، فشربوا حتى أرضوا، أي: رووا كذا جاء في بعض طرقه.
وتساوكن: تمايلن من الضعيف، ويروى: تشاركن، أي: عمهن الهزال.
والشاء عازب: بعيد في المرعى.
وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئه.
والثجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله.
والصعلة: صغر الرأس، ويروى صقلة وهي الدقة والمضرة، والصقل: منقطع الأضلاع من الخاصرة.
стр. 731
والوسيم: المشهور بالحسن، كأنه صار الحسن له سمة.
والقسيم: الحسن قسمة الوجه.
والوطف: الطول.
والصحل: شبه البحة.
والسطع: طول العنق.
لا تقتحمه عين من قصر: أي: لا تزدريه لقصره فتجاوزه إلى غيره، بل تهابه وتقبله.
والمحفود: المخدوم.
والمحشود: الذي يجتمع الناس حوله.
والمفند: المنسوب إلى الجهل وقلة العقل.
والضرة: أصل الضرع.
ومزبد: خفض على المجاورة.
وقوله: فغادرها رهنا لديها لحالب: أي: خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر.
قال سفيان بن وكيع بن الجراح: حدثنا جميع بن عمر العجلي إملاء، قال: حدثنا رجل من بني تميم -من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله- عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة -وكان وصافا- عن حلية النبي ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إذا انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين. أزج الحواجب: سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن، متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن، وما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل -أو سائر- الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح
стр. 732
القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقبه بالسلام.
قال: قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام، بأشداقه، ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعدي الحق، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس، ورد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فغنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة، ولا يذكر عنده إلى ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعني على الخير.
فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلا مما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفلوا مخافة أن يغفلوا أو
стр. 733
يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة.
فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه.
من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول قد وسع الناس منه بسطة وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثي فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. أخرج الترمذي أكثره مقطعا في "كتاب الشمائل".
ورواه زكريا بن يحيى السجزي، وغيره، عن سفيان بن وكيع.
ورواه إسحاق بن راهوية، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، عن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا جميع بن عمر العجلي، عن رجل يقال له: يزيد بن عمر التميمي -من ولد أبي هالة- عن أبيه، عن الحسن بن علي، وفيه زائد من هذا الوجه وهو: فسألته عن سيرته في جلسائه، فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيس منه، ولا يحبب في، قد ترك نفسه من ثلاث: من المراء، والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له، وكان يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليتسجلبونهم، ويقول: "إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه"، ولا يقبل الثناء إلا عن مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه بنهي أو قيام.
فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: على أربع: على الحلم، والحذر، والتدبر، والتفكر، فأما تدبره، ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالخير
стр. 734
ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي فيما يصلح أمته والقيام بهم، والقيام فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة ﷺ .
ورواه بطوله كله يعقوب الفسوي: حدثنا أبو غسان النهدي، وسعيد بن حماد الأنصاري المصري، قالا: حدثنا جميع بن عمر، قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة، فذكره.
ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي غسان النهدي.
قرأت على أبي الهدى عيسى بن يحيى السبتي، أخبركم عبد الرحيم بن يوسف الدمشقي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين الفانيذي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن عمر السمناني، وأبو سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، قالوا: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم التاجر، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي المعروف بابن أخي أبي طاهر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي، قال: حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي، عن أخيه موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، قال: قال الحسن بن علي ﵄: سألت خالي هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله ﷺ ، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئا أتعلق به، فقال: كان فخما مفخما. فذكر مثل حديث جميع بن عمر بطوله، إلا في ألفاظ: قال في عريض الصدر: فسيح الصدر، وقال: رحب الجبهة بدل رحب الراحة، وقال: يبدأ بدل يبدر من لقيه بالسلام، وقال: طويل السكوت بدل السكت، وقال: لم يكن ذواقا ولا مدحة بدل لا يذم ذواقا ولا يمدحه، وأشياء سوى هذا بالمعنى.
قوله متماسك: أي ممتلئ البدن غير مسترخ ولا رهل، والمتجرد: المتعري، واللبة: النحر، والسائر والسائل: هو الطويل السابغ، والأخمص: ما يلصق من القدم بالأرض، والممسوح: الأملس الذي ليس فيه شقوق، ولا وسخ، ولا تكسر، فالماء ينبو عنهما لذلك إذا أصابهما.
وقوله: زال قلعا، المعنى أنه كان يرفع رجليه من الأرض رفعا بقوة لا كمن يمشي اختيالا ويشحط مداسه دلكا بالأرض، ويروى: زال قلعا. ومعناه: التثبت، والذريع: السريع.
يسوق أصحابه: أي يقدمهم أمامه، والجافي: المتكبر، والمهين: الوضيع، والذوق: الطعام،
стр. 735
وأشاح: أي اجتنب ذاك وأعرض عنه. وحب الغمام: البرد، والشكل: النحو والمذهب، والعتاد: ما يعد للأمر مثل السلاح وغيره.
وقوله: لا تؤبن فيه الحرم: أي: لا تذكر بقبيح، ولا تنثى فلتاته: أي: لا تذاع، أي: لم يكن لمجلسه فلتات فتذاع، والنثا في الكلام: القبيح والحسن.
وقد مر في حديث الإسراء أنه قال: رأيت إبراهيم وهو قائم يصلي، فإذا أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه صلى الله عليهما.
وقال إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قريشا أتوا كاهنة فقالوا لها:
أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام، قالت: إن جررتم كساء على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها أنبأتكم ففعلوا، فأبصرت أثر قدم محمد صلى عليه وسلم قالت: هذا أقربكم شبها به، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو نحوها، ثم بعث ﵇ (١).
وقال أبو عاصم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسن، عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث، قال: صلى بنا أبو بكر ﵁ العصر، ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلماء، فأخذه فحمله على عاتقه ثم قال:
بأبي شبيه النبي … ليس شبيها بعلي
وعلي يتبسم. أخرجه البخاري (٢) عن أبي عاصم.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ عن علي ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك (٣).
стр. 736
باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾:
قال النبي ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (١).
وقال البخاري ومسلم: مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها (٢).
وقال هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط، لا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم (٣).
وقال أنس: خدمته ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟.
وقال عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا. أخرجه مسلم (٤).
وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: كان ﷺ أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس. متفق عليه (٥).
стр. 737
وقال فليح، عن هلال بن علي، عن أنس: لم يكن رسول الله ﷺ سبابا ولا فاحشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه. أخرجه البخاري (١).
وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا. متفق عليه (٢).
وقال أبو داود: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبد الله الجدلي يقول: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشًا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (٣).
وقال شعبة، عن قتادة: سمعت عبد الله بن أبي عتبة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. متفق عليه (٤).
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "الحياء من الإيمان" (٥).
وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركها أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثرت بها حاشية البرد، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه (٦).
وقال عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم، قال: كان رجل من الأنصار يدخل على النبي ﷺ ويأمنه، وأنه عقد للنبي ﷺ عقدا، فألقاه في بئر فصرع ذلك النبي ﷺ فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي
стр. 738
في بئر فلان، ولقد اصفر الماء من شدة عقده، فأرسل النبي ﷺ فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفر، فحل العقد، ونام النبي ﷺ فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ ، فما رأيته في وجه النبي ﷺ حتى مات.
وقال أبو نعيم: حدثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي، قال: حدثني زيد العمى، عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه، لا يصرفه عنه، حتى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدما ركبته بين يدي جليس له. أخرجهما الفسوي عنهما في تاريخه.
وقال مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس: ما رأيت رجلا التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله أخذ بيد رجل فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده. أخرجه أبو داود (١).
وقال سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكًا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. متفق عليه (٢).
وقال سماك بن حرب: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. رواه مسلم (٣).
وقال الليث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أن سليمان بن خارجة أخبره، عن أبيه أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت أبيه، فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه، فأكتب الوحي وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.
стр. 739
وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: لما كان يوم بدر، اتقينا المشركين برسول الله ﷺ ، وكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.
وقال الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرا يقول: لم يسأل النبي ﷺ شيئا قط فقال: لا. متفق عليه (١).
وقال يونس، عن الزهري، عن عبد الله عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. متفق عليه (٢).
وقال حميد الطويل، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: أتى رجل النبي ﷺ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. أخرجه مسلم (٣).
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان في بيته يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.
وقال أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قيل لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاتهن ويخدم نفسه.
وقال شعبة: حدثني مسلم الأعور أبو عبد الله، سمع أنسا يقول: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار، خطامه من ليف.
وقال مروان بن محمد الطاطري: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني عمار بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس مع صبي (٤).
стр. 740
وفي "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "أبا عمير ما فعل النغير"؟ (١).
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس، أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان، انظري، أي طريق شئت قومي فيه، حتى أقوم معك"، فخلا معها يناجيها، حتى قضت حاجتها. أخرجه مسلم (٢).