← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

٥٥٣٦ - السامري (١): شيخ الحنابلة قاضي سامراء أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إدريس بن سنينة السامري، صاحب "المستوعب". من كبار الفقهاء، صنف، وأشغل. وسمع من أبي الفتح ابن البطي، لكن لم يرو شيئًا، ولي قضاء سامراء مدة، وتركه. مات في رجب، سنة ست عشرة وست مائة، وله إحدى وثمانون سنة. ٥٥٣٧ - العماد ابن عساكر (٢): الحافظ المفيد المحدث عماد الدين أبو القاسم علي ابن الحافظ بهاء الدين القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي، الشافعي. ولد سنة إحدى وثمانين.

стр. 9312

وسمع من: أبيه، وعبد الرحمن ابن الخرقي، وإسماعيل الجنزوي، والأثير بن بنان، والمؤيد الطوسي، وعبد المعز الهروي. وارتحل إلى العراق وإلى خراسان، وعني بالحديث، وخرج "المشيخة" لأبي اليمن الكندي، وكان مجدًا في الطلب، أدركه الأجل بعد عوده من خراسان؛ خرجت عليه حرامية وجرح ومات في جمادى الأولى سنة ست عشرة وست مائة ببغداد. وأقام بخراسان أكثر من سنة، وقد خرج "الأربعين" لنفسه، وحدث بها سنة ست مائة. سمع منه: تاج الأمناء، وأخوه؛ الفقيه فخر الدين عبد الرحمن، وابن خليل، والتاج ابن القرطبي، وقد رثاه العز النسابة بأبيات منها: صاحبي هذه ديار سعاد … فترفق ومن بالإسعاد عج عليها نقضي لبانات قلـ … ـب مستهام أصماه حب سعاد قرأت بخط عمر بن الحاجب: سألت العز ابن عساكر عن العماد، فقال: كان يتشيع، وكنت أنقم عليه ذلك، ولا جرم أنه قصف. قلت: عاش خمسًا وثلاثين سنة، ﵀، وسامحه. أخبرنا أبو اليمن عبد الصمد بن عساكر في كتابه، أخبرنا أخي عبد الملك، أخبرنا محمد بن أبي جعفر، أخبرنا علي بن القاسم، عن أبيه، عن جده، عن أبيه الحسن بحديث من "صحيح البخاري".

стр. 9313

٥٥٣٨ - صاحب حماة (١): الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي صاحب حماة، وأبو ملوكها. سمع من: أبي الطاهر بن عوف بالثغر مع عمر أبيه صلاح الدين، وألف "تاريخًا" كبيرًا في مجلدات. وكان شجاعًا، محبًا للعلماء يقربهم ويعطيهم. روى عنه القوصي في "معجمه"، وكانت دولته ثلاثين سنة، وقد هزم الفرنج مرتين، وكان زوج بنت السلطان الملك العادل، وجاءته منها أولاده، وماتت، فبالغ في حزنه عليها، حتى إنه لبس عمامة زرقاء. قال ابن واصل: ولما ورد السيف الآمدي حماة، بالغ في إكرامه، واشتغل عليه، وألف "طبقات الشعراء"، وكاتب "مضمار الحقائق" نحو عشرين مجلدة، وجمع في خزائنه من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة، وكان كثير المطالعة والبحث. بنى سورًا لحماة ولقلعتها، وكان موكبه جليلًا تجذب بين يديه السيوف الكثيرة، يضاهي موكب عمه العادل. وجمع نظمه في "ديوان"، ثم أورد منه ابن واصل قصائد جيدة. مات في ذي القعدة، سنة سبع عشرة وست مائة، وتملك بعده ابنه قلج رسلان تسعة أعوام، وتلقب بالملك الناصر. وهو ابن أخت الملك المعظم، فعزله الكامل وولى أخاه الملك المظفر، وسجن قلج رسلان حتى مات بمصر.

стр. 9314

٥٥٣٩ - الصلاح: العلامة المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي، الشهرزوري، الشافعي، والد الشيخ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح. تفقه على أبي سعد بن أبي عصرون، وغيره، وبرع، ودرس بالأسدية بحلب. تفقه به ولده، وغيره. مات بحلب، في ذي القعدة، سنة ثماني عشرة وست مائة، عن بضع وستين سنة. ٥٥٤٠ - ابن وهبان (١): الإمام الحافظ المفيد الفقيه الشاعر أبو نصر عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله بن وهبان السلمي، الحديثي، ثم البغدادي. سمع: أبا الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز، وفارسًا الحفار، وأبا الفتح المندائي، والمؤيد الطوسي، وأبا روح، وأبا اليمن الكندي، وبمصر وأصبهان، وخراسان. روى عنه أبو محمد المنذري، وقال: كان حاد القريحة، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا، ولد بحدثة النورة، بقرب هيت. وقال ابن النجار: كان حافظًا، ثقة، متقنًا، ظريفًا، كيسًا، متواضعًا، له النظم والنثر، اصطحبنا مدة، وأفادني الكثير، سكن خوارزم إلى أن أحرقها التتار، وعدم خبره سنة ثماني عشرة وست مائة، كتبت عنه بمرو، ومولده سنة سبعين. قلت: وفي سنة ثماني عشرة أسرت التتار الحافظ المفيد عبد العزيز بن عبد الملك بن تميم الشيباني الدمشقي أحد الطلبة المشهورين، وعدم خبره.

стр. 9315

٥٥٤١ - ياقوت (١): الكبير صاحب الخط الفائق أمين الدين الموصلي الملكي من موالي السلطان ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. برع في العربية، وتقدم فيها، وانتهى إليه حسن الكتابة، نسخ بـ "الصحاح" عدة نسخ، وكتب عليه أولاد الرؤساء، ثم شاخ، وتغير خطه. قال ابن الأثير: لم يكن في زمانه من يؤدي طريقة ابن البواب مثله. مات بالموصل، في سنة ثماني عشرة وست مائة، ومدحه النجيب الواسطي بقصيدة. ٥٥٤٢ - موسى (٢): ابن الشيخ الإمام أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، ثم البغدادي، الحنبلي، الشيخ، المسند، ضياء الدين، أبو نصر، نزيل دمشق. ولد في ربيع الأول، تسع وثلاثين وخمس مائة. وسمع من: أبيه، وأبي القاسم ابن البناء، وأبي الوقت السجزي، وأبي الفتح ابن البطي، وكان يسكن بالعقيبة. حدث عنه: الضياء، وابن خليل، والبرزالي، وعمر بن الحاجب، والسيف أحمد بن المجد، والقوصي، والمنذري، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكمال، وأبو بكر ابن الأنماطي، وأحمد بن علي بن سبط الحق، وإسماعيل بن نور، والصفي إسحاق الشقراوي، ويوسف الغسولي، والعز أحمد بن العماد، والعماد عبد الحافظ بن بدران، وخلق. قال ابن النجار: كتبت عنه بدمشق، وكان مطبوعًا لا بأس به، إلَّا أنه كان خاليًا من العلم. وقال عمر بن الحاجب: كان ظريفًا، رق حاله، استولى عليه المرض في آخر عمره إلى أن توفي ليلة الجمعة، أول جمادى الآخرة، سنة ثماني عشرة وست مائة، وكان آخر أولاد أبيه وفاة، وكان يرمى برذائل لا تلقي بمثله، قال لي أبو عبد الله البرزالي: عنده دعابة. قلت: سمعت من طريقه المنتقى من أجزاء "المخلص"، والثاني من "حديث زغبة"، ومنتقى من "مسند عبد بن حميد"، و"جزء أبي الجهم".

стр. 9316

٥٥٤٣ - ابن طاووس (١): الشيخ المعمر المسند الأمين سديد الدين أبو محمد هبة الله بن أبي طالب الخضر بن هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن طاووس البغدادي الأصل، الدمشقي. من بيت العلم والرواية. ولد سن سبع وثلاثين وخمس مائة في ربيع الأول. وسمع في الخامسة من: الفقيه نصر الله بن محمد المصيصي. وسمع من: ناصر بن محمد القرشي، والخضر بن عبدان، وعلي بن سليمان المرادي، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وأبي القاسم بن البن، وأبي طاهر السلفي ارتحل إليه. وكان عسرًا في الرواية، لا يحدث إلَّا من أصل، وكان كثير التلاوة، ولم يكن يدري فن الحديث. حدث عنه: ابن النجار، وابن خليل، ومحمد بن علي النشبي، والعماد محمد بن صصرى، وأبو الغنائم بن علان، والفخر علي، وطائفة. وسمعنا بإجازته من أبي حفص ابن القواس. مات في سابع جمادى الأولى، سنة ثمان عشرة وست مائة.

стр. 9317

٥٥٤٤ - أخوه (١): الشيخ أبو المعالي أحمد بن الخضر الصوفي. سمع من: أبيه، وحمزة بن كروس، وابن عساكر، وكان قليل العلم. روى عنه: الضياء، والجمال ابن الصابوني، والتقي ابن الواسطي، وابن المجاور، وعبد الحافظ بن بدران، وآخرون. مات في رمضان، سنة خمس وعشرين وست مائة. ٥٥٤٥ - ثابت بن مشرف (٢): ابن أبي سعد ثابت، أو محمد، بن إبراهيم، الشيخ، المسند، أبو سعد البغدادي، الأزجي، المعمار، البناء، ويعرف: بابن شستان. ولد سنة بضع وثلاثين. وسمع من: أبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الوقت، وسعيد ابن البناء، وأبي الفتح الكروخي، ومحمد بن ناصر، وأبي جعفر العباسي، ومحمد بن أحمد التريكي، وأحمد بن هبة الله بن الواثق، ونصر بن نصر العكبري، وأحمد بن ناقة، ومحمد بن عبيد الله الرطبي. وسمع بإفادة أبيه، وبنفسه. وأجاز له وجيه الشحامي، وأبو البركات ابن الفراوي، وكان عمه علي بن أبي سعد الخباز من أعيان الطلبة ببغداد. وشستان: بكسر أوله، ورأيت بعضهم ضمه. حدث عنه: البرزالي، والضياء، وابن عبد الدائم، والصاحب عمر بن العديم، وولده؛ عبد الرحمن، ومحمد بن أبي الفرج بن الدباب، والكمال أحمد بن النصيبي، وطائفة؛ حدث بحلب وبدمشق. قال ابن نقطة: كان صعب الأخلاق، ظاهر العامية، سمعت عامة الطلبة يذمونه. قال المنذري: مات في خامس ذي الحجة، سنة تسع عشرة وست مائة.

стр. 9318

٥٥٤٦ - مسمار بن عمر (١): ابن محمد بن عيسى الشيخ العالم المقرئ الصالح الخير المسند أبو بكر ابن العويس النيار، بغدادي مشهور. نزل الموصل، وأقرأ القرآن، وحدث، وسمع الكثير من: أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وسعيد ابن البناء، وأبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الوقت، وابن ناقة، قيل: اسمه محمد، وإن الوزير ابن هبيرة لقبه بمسمار؛ كان يجلس للسماع وهو صبي لا يكاد يتحرك، فقال: كأنه مسمار، وكان مشهورًا بالخير. حدث عنه: ابن الدبيثي، والضياء، والبرزالي، وركن الدين أحمد بن قرطاي الإربلي، وعباس بن بزوان، والشيخ عبد الكريم بن منصور الأثري، وسيدة بنت درباس، وجماعة. وأجاز للعماد بن سعد، ولعلي بن أحمد بن عبد الدائم. مات بالموصل، في ثاني عشر شعبان، سنة تسع عشرة وست مائة، وكان مولده في سنة ثمان وثلاثين. وفيها مات: شيخ اليونسية الزاهد بونس بن يوسف بن مساعد القنبي المارديني، والقاضي أبو طالب أحمد بن عبد الله بن حديد الكناني الإسكندراني، وابن الأنماطي المحدث، وثابت بن مشرف، والمقرئ عبد الصمد بن أبي رجاء البلوي الوادياشي، والشيخ علي بن إدريس البعقوبي الزاهد، والكمال علي بن محمد ابن النبيه المصري الشاعر صاحب "الديوان"، والحافظ محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاحي، والإمام أبو الفتوح ابن الحصري.

стр. 9319

الطبقة الثالثة والثلاثون: ٥٥٤٧ - ابن راجح (١): الشيخ الإمام العالم الفقيه المناظر شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى المقدسي، الجماعيلي، الحنبلي. ولد سنة خمسين وخمس مائة ظنًا بجماعيل. وتربى بالدير بقاسيون، وأخذه الحافظ عبد الغني معه في سنة ست وستين إلى السلفي، فسمع منه كثيرًا، ورجع فسار إلى بغداد، فسمع من: ابن الخشاب، وشهدة والطبقة. وسمع بدمشق من أبي المكارم بن هلال، وجماعة، وكتب الكثير، واشتغل على ابن المني. قال الحافظ الضياء: صار أوحد زمانه في علم النظر، وكان يقطع الخصوم، ويذهب فيناظر الحنفية، ويتأذون منه، وقد ألبسه شيخه ابن المني طرحة، ثم إنه مرض واصفر حتى قيل: هو مسحور. وكان كثير الخير والصلاة، سليم الصدر، رأيتهم بحماعيل يعظمونه، ولا يشكون في ولايته وكراماته. وسمعت الإمام عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار، يقول: حدثني جماعة من جماعيل، منهم: خالي عمر بن عوض، قال: وقعت في جماعيل فتنة، فخرج بعضهم إلى بعض بالسيوف، وكان ابن راجح عندنا. قالوا: فسجد ودعا، قالوا: فضرب بعضهم بعضًا بالسيوف فما قطعت شيئًا. قال عمر: فلقد رأيتني ضربت بسيفي رجلًا، وكان سيفًا مشهورًا فما قطع شيئًا، وكانوا يرون أن هذا ببركة دعائه. قال عمر بن الحاجب في "معجمه": هو إمام، محدث، فقيه، عابد، دائم الذكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، صاحب نوادر وحكايات، عنده وسوسة زائدة في الطهارة، وكان يحدث بعد الجمعة من حفظه، وكانت أعداؤه تشهد بفضله. وقال المنذري: كان كثير المحفوظ، متحريًا في العبادات، حسن الأخلاق. قلت: حدث عنه الضياء، والبرزالي، والمنذري، والقوصي، وابن عبد الدائم، وابن أبي عمر، والفخر علي، وابن الكمال، والتقي ابن الواسطي، والعماد عبد الحافظ، والعز ابن العماد، وإسماعيل ابن الفراء، وخلق. قرأت وفاته بخط الضياء في التاسع والعشرين من صفر، سنة ثماني عشرة وست مائة.

стр. 9320

٥٥٤٨ - صاحب الألموت (١): إلكيا جلال الدين حسن ابن الأمير " … " (٢) ابن إلكيا حسن بن الصباح، الإسماعيلي، رأس الإسماعيلية. مات سنة ثماني عشرة وست مائة، وقد شاخ. وكان قد أظهر شعار الإسلام من الصلاة والصيام، فقام بعده ابنه شمس الشموس، علاء الدين محمد بن حسن، فطالت أيامه إلى أن أخذه هولاكو، وهدم الألموت. ٥٥٤٩ - الواسطي: الشيخ المقرئ أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، السفار. شيخ معمر، يحتمل سنه السماع من: ابن الحصين، وفاطمة الحوزدانية، وإنما سمع -وقد كبر- من: أبي الوقت، وأبي جعفر العباسي، وأبي المظفر ابن التريكي، وحدث في أسفاره بدمشق وحلب والموصل وإربل وبغداد. وله اعتناء ما، وتعرف سماعاته. روى عنه: ابن الدبيثي، وابن خليل، والبرزالي، والقوصي، وعبد الوهاب ابن زين الأمناء. وحدث بـ "صحيح البخاري" بالموصل. مات في جمادى الآخرة، سنة ثماني عشرة، وله مائة سنة وسنة. ٥٥٥٠ - قتادة (٣): ابن إدريس الحسني، صاحب مكة. امتدت أيامه، ربما جار وظلم وعسف، وأخذ المدينة على يد ابنه حسن، فقتل حسن صاحبها عمه، ثم خنق أباه قتادة هذا، ثم قتل عمه الآخر. ولقتادة شعر جيد، وعمر تسعين سنة.

стр. 9321

٥٥٥١ - العثماني: المحدث الجزال الصالح أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد الغالب بن نصر الأموي، العثماني، الدمشقي. مولده ببيت لهيا، في سنة تسع وستين وخمس مائة. وسمع من: أبي الحسين ابن الموازيني، وعبد الرحمن ابن الخرقي، وعدة. وببغداد من: ابن كليب، وطائفة. بأصبهان من خليل الراراني، ومسعود الجمال، وعدة. وبنيسابور من أبي سعد الصفار، وبمصر، والثغر. وكان دينًا، ورعًا، أمينًا، كتب الكثير، وروى أكثر مروياته، وله منامات عجيبة. روى عنه الحافظ عبد العظيم، وابن عبد الدائم، والفخر علي، والكمال ابن النصيبي، وآخرون. مات بطيبة، في نصف المحرم، سنة ثماني عشرة وست مائة. ٥٥٥٢ - ابن الحمامي (١): الإمام المحدث المتقن الواعظ الصالح تقي الدين أبو جعفر وأبو عبد الله محمد بن محمود بن إبراهيم بن الفرج الهمذاني ابن الحمامي. ولد: في أول سنة ثمان وأربعين. وسمع من أبي الوقت سنة اثنتين وخمسين حضورًا. وسمع من أبي العلاء العطار، ومحمد بن بنيمان، ولحق بأصبهان أبا رشيد عبد الله بن عمر. وسمع ببغداد من أسعد بن يلدرك، وابن شاتيل، ثم قدمها بعيد الست مائة، فسمع من ابن سكينة، وعدة. وكان محدث وقته بهمذان، وكبيرها. قال ابن النجار: حضرت مجلس إملائه، وكان له القبول التام، والصيت الشائع، ويتبركون به. قال: وكان من أئمة الحديث وحفاظه، وله المعرفة بفقه الحديث، ولغته، ورجاله. وكان فصيحًا حلو العبارة، منقح الألفاظ، مع تعبد وزهد، وكان أمارًا بالمعروف، ناصرًا للسنة، متواضعًا، متوددًا، سمحًا، جوادًا، استولت التتار في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة على همذان، فبرز لقتالهم بابنه عبيد الله، فاستشهدا. قلت: أجاز لشيوخنا الشرف ابن عساكر، والتاج بن عصرون. وروى عنه: البرزالي والضياء، وابن النجار، والعماد علي ابن عساكر، وآخرون. عاش سبعين سنة.

стр. 9322

٥٥٥٣ - الملاحي (١): الإمام الحافظ البارع المتقن الأوحد أبو القاسم محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرج الغافقي الأندلسي الملاحي. والملاحة: قرية من عمل غرناطة. ولد سنة بضع وأربعين وخمس مائة. وسمع من: أبيه، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وعبد الحق بن بونة، وأبي القاسم بن سمجون، وطبقتهم. وأجاز له: أبو عبد الله بن زرقون، وأبو زيد السهيلي، وأبو الطاهر بن عوف الإسكندراني، والخشوعي. قال الأبار: كتب عن الكبار والصغار، وبالغ عمره في الاستكثار، وكان حافظًا للرواة، عارفًا بأخبارهم، وجمع تاريخًا في علماء إلبيرة، وكتاب "الأنساب"، و"الأربعين حديثًا"، بلغ فيها غاية الاحتفال، وشهد له بحفظ أسماء الرجال، وزاد على من تقدمه، وله استدراك على ابن عبد البر في الصحابة، وكان مكثرًا عن أبي محمد بن الفرس، أخذ الناس عنه، وكان أهلًا لذلك. توفي في شعبان، سنة تسع عشرة وست مائة. ٥٥٥٤ - ابن الحصري (٢): الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن المقرئ المجود شيخ الحرم وإمام الحطيم برهان الدين أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج محمد بن علي بن أبي الفرج البغدادي الحنبلي، ابن الحصري. ولد في رمضان، سنة ست وثلاثين وخمس مائة.

стр. 9323

وقرأ بالروايات، وهو حدث، على أبي الكرم ابن الشهرزوري وغيره، وسمع من أبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الوقت السجزي، وأبي طالب العلوي، ومحمد بن أحمد ابن التريكي، وأبي محمد بن المادح، وهبة الله الشبلي، وهبة الله الدقاق، وابن البطي، وأبي زرعة، ومن بعدهم، وكتب الكثير، وعني بالحديث. وكان ثقة، فهمًا، يقظًا. قال ابن النجار: قرأ بالروايات الكثيرة على جماعة كأبي بكر ابن الزاغوني، والشهرزوري، ومسعود بن الحصين، وسعد الله ابن الدجاجي، وعلي بن محمويه اليزدي، وعلي بن علي بن نصر. وقال المنذري: قرأ بالروايات على ابن الزاغوني، وأبي الكرم، وأبي المعالي أحمد بن علي بن السمين وجماعة، واشتغل بالأدب، وسمع من خلق، لم يزل يسمع ويقرأ ويفيد إلى أن شاخ، وجاور أزيد من عشرين سنة، وكان كثير العبادة، ثم قصد اليمن فأدركه الأجل بالمهجم في المحرم سنة تسع عشرة وست مائة. وقيل: مات في ذي القعدة سنة ثماني عشرة. وقال الدبيثي: كان ذا معرفة بهذا الشأن، خرج إلى مكة سنة ثمان وتسعين فجاور وأم الحنابلة، ونعم الشيخ كان ثقة وعبادة. وقال الضياء: مات في المحرم سنة تسع عشرة شيخنا الحافظ أبو الفتوح بالمهجم. قلت: حدث عنه الدبيثي، والضياء، والبرزالي، وابن خليل، وأحمد بن عبد الناصر، اليمني، وسليمان بن خليل العسقلاني الفقيه، وتاج الدين علي ابن القسطلاني، والشهاب القوصي، وقال: كان إمامًا في القراءات والعربية، والشيخ رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني، ونجيب الدين المقداد بن أبي القاسم القيسي، وجماعة. قال ابن النجار: كان حافظًا، حجة، نبيلًا، جم العلم، كثير المحفوظ، من أعلام الدين وأئمة المسلمين، كثير العبادة والتهجد والصوم. قال ابن مسدي: كان أحد الأئمة الأثبات، مشارًا إليه بالحفظ والإتقان، قصد اليمن فمات بالمهجم في ربيع الآخر سنة تسع عشرة، وله شعر جيد في الزهديات. وعاش ولده أبو نصر عبد العزيز إلى رمضان سنة ثمان وثمانين وست مائة، وسمع منه المصريون والبرزالي بإجازة أبي روح، والمؤيد، وكان يذكر أنه سمع الكثير من أبيه، يقال: قارب المائة.

стр. 9324

٥٥٥٥ - ابن قدامة (١): الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي، صاحب "المغني". مولده بجماعيل، من عمل نابلس، سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، في شعبان. وهاجر مع أهل بيته وأقاربه، وله عشر سنين، وحفظ القرآن، ولزم الاشتغال من صغره، وكتب الخط المليح، وكان من بحور العلم، وأذكياء العالم. ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني في أول سنة إحدى وستين في طلب العلم إلى بغداد، فأدركا نحو أربعين يومًا من جنازة الشيخ عبد القادر، فنزلا عنده بالمدرسة، واشتغلا عليه تلك الأيام، وسمعا منه، ومن: هبة الله بن الحسن الدقاق، وأبي الفتح بن البطي، وأبي زرعة بن طاهر، وأحمد بن المقرب، وعلي ابن تاج القراء، ومعمر بن الفاخر، وأحمد بن محمد الرحبي، وحيدرة بن عمر العلوي، وعبد الواحد بن الحسين البارزي، وخديجة النهروانية، ونفيسة البزازة، وشهدة الكاتبة، والمبارك بن محمد البادرائي، ومحمد بن محمد بن السكن، وأبي شجاع محمد بن الحسين المادرائي، وأبي حنيفة محمد بن عبيد الله الخطيبي، ويحيى بن ثابت. وتلا بحرف نافع على أبي الحسن البطائحي، وبحرف أبي عمرو على أستاذه أبي الفتح ابن المني. وسمع بدمشق من: أبي المكارم بن هلال، وعدة. وبالموصل من: خطيبها أبي الفضل الطوسي. وبمكة من: المبارك بن الطباخ، وله مشيخة سمعناها. حدث عنه: البهاء عبد الرحمن، والجمال أبو موسى ابن الحافظ، وابن نقطة، وابن خليل، والضياء، وأبو شامة، وأبن النجار، وابن عبد الدائم، والجمال ابن الصيرفي، والعز إبراهيم بن عبد الله، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكمال، والتاج عبد الخالق، والعماد، ابن بدران، والعز إسماعيل ابن الفراء، والعز أحمد ابن العماد، وأبو الفهم ابن النميس، ويوسف الغسولي، وزينب بنت الواسطي، وخلق آخرهم موتًا التقي أحمد بن مؤمن، يروي عنه بالحضور أحاديث.

стр. 9325

وكان عالم أهل الشام في زمانه. قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة، حجة، نبيلًا، غزير الفضل، نزهًا، ورعًا، عابدًا، على قانون السلف، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه. وقال عمر بن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. إلى أن قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين، وكان مثير العبادة، دائم التهجد، لم نر مثله، ولم ير مثل نفسه. وعمل الشيخ الضياء "سيرته" في جزأين، فقال: كان تام القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية قائم الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، ممتعًا بحواسه. أقام هو والحافظ ببغداد أربع سنين، فأتقنا الفقه والحديث والخلاف، أقاما عند الشيخ عبد القادر خمسين ليلة، ومات، ثم أقاما عند ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط النعال، واشتغلا على ابن المني. ثم سافر في سنة سبع وستين ومعه الشيخ العماد، وأقاما سنة. صنف "المغني" عشر مجلدات، و"الكافي" أربعة، و"المقنع" مجلدًا، و"العمدة" مجيليدًا، و"القنعة في الغريب" مجيليد، و"الروضة" مجلد، و"الرقة" مجلد، و"التوابين" مجلد، و"نسب قريش" مجيليد، و"نسب الأنصار" مجلد، و"مختصر الهداية" مجيليد، و"القدر" جزء، و"مسألة العلو" جزء، و"المتحابين" جزء، و"الاعتقاد" جزء، و"البرهان" جزء، و"ذم التأويل" جزء، و"فضائل الصحابة" مجيليد، و"فضل العشر" جزء، و"عاشوراء" أجزاء، و"مشيخة" جزآن، و"وصيته" جزء، و"مختصر العلل للخلال" مجلد، وأشياء. قال الحافظ الضياء: رأيت أحمد بن حنبل في النوم، فألقى علي مسألة، فقلت: هذه في الخرقي، فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي. قال الضياء: كان ﵀ إمامًا في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته، إمامًا في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف، أوحد في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمام في النحو والحساب والأنجم السيارة، والمنازل.

стр. 9326

وسمعت داود بن صالح المقرئ، سمعت ابن المني يقول -وعنده الإمام الموفق: إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه. وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول: كان شيخنا ابن المني يقول للموفق: إن خرجت من بغداد لا يخلف فيها مثلك. وسمعت محمد بن محمود الأصبهاني يقول: ما رأى أحد مثل الشيخ الموفق. وسمعت المفتي أبا عبيد الله عثمان بن عبد الرحمن الشافعي يقول عن الموفق: ما رأيت مثله، كان مؤيدًا في فتاويه. وسمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة يقول: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلَّا الموفق. وسمعت الحافظ أبا عبد الله اليونيني يقول: أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين، فإنني إلى الآن ما أعتقد أن شخصاُ ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه، فإنه كان كاملًا في صورته ومعناه من حيث الحسن والإحسان والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة والأخلاق الجميلة، رأيت منه ما يعجز عنه كبار الأولياء، فإن رسول الله ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره". فقلت بهذا: إن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جبلة وطبعًا؛ كالحلم والكرم والعقل والحياء، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغًا، وأسبغ عليه النعم، ولطف به في كل حال. قال الضياء: كان الموفق لا يناظر أحدًا إلَّا وهو يبتسم. قلت: بل أكثر من عاينا لا يناظر أحدًا إلَّا وينسم. وقيل: إن الموفق ناظر ابن فضلان الشافعي الذي كان يضرب به المثل في المناظرة، فقطعه. وبقي الموفق يجلس زمانًا بعد الجمعة للمناظرة، ويجتمع إليه الفقهاء، وكان يشغل (١) إلى ارتفاع النهار، ومن بعد الظهر إلى المغرب، ولا يضجر، ويسمعون عليه، وكان يقرئ في

стр. 9327

النحو، وكان لا يكاد يراه أحد إلَّا أحبه … ، إلى أن قال الضياء: وما علمت أنه أوجع قلب طالب، وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئًا، وأولاده يتضاربون وهو لا يتكلم. وسمعت البهاء يقول: ما رأيت أكثر احتمالًا منه. قال الضياء: كان حسن الأخلاق، لا يكاد يراه أحد إلَّا مبتسمًا، يحكي الحكايات ويمزح. وسمعت البهاء يقول: كان الشيخ في القراءة يمازحنا، وينبسط، وكلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه، فقال: هم صبيان ولا بد لهم من اللعب، وأنتم كنتم مثلهم. وكان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان يؤثر. وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة، وقال: كان يتقدم إلى العدو وجرح في كفه، وكان يرامي العدو. قال الضياء: وكان يصلي بخشوع، ولا يكاد يصلي سنة الفجر والعشاءين إلَّا في بيته، وكان يصلي بين العشاءين أربعًا "بالسجدة"، و"يس"، و"الدخان"، و"تبارك"، لا يكاد يخل بهن، ويقوم السحر بسبع، وربما رفع صوته، وكان حسن الصوت. وسمعت الحافظ اليونيني يقول: لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه، عزمت على سؤال الشيخ الموفق، وبقيت أشهرًا أريد أن أسأله، فصعدت معه الجبل، فلما كما عند دار ابن محارب قلت: يا سيدي، وما نطقت بأكثر من سيدي، فقال لي: التشبيه مستحيل، فقلت: لم? قال: لأن من شرط التشبيه أن نرى الشيء، ثم نشبهه، من الذي رأى الله ثم شبهه لنا?! وذكر الضياء حكايات في كراماته. وقال أبو شامة: كان إمامًا علمًا في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرة، لكن كلامه في العقائد على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها على جلالته في العلم، ومعرفته بمعاني الأخبار. قلت: وهو وأمثاله متعجب منكم مع علمكم وذكائكم، كيف قلتم! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ولا عجب في ذلك، ونرجو لكل من بذل جهده في تطلب الحق أن يغفر له من هذه الأمة المرحومة. قال الضياء: وجاءه من بنت عمته مريم: المجد عيسى، ومحمد، ويحيى، وصفية، وفاطمة، وله عقب من المجد. ثم تسرى بجارية، ثم بأخرى، ثم تزوج عزية فماتت قبله،

стр. 9328

وانتقل إلى رحمة الله يوم السبت، يوم الفطر، ودفن من الغد، سنة عشرين وست مائة، وكان الخلق لا يحصون، توفي بمنزله بالبلد، قال: وكنت فيمن غسله. أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، أخبرنا ابن قدامة: قرأت على عبد الله ابن أحمد ابن النرسي، أخبركم الحسن بن محمد التككي، أخبرنا أبو علي أن شاذان، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الأدمي، حدثنا أحمد بن موسى الشطوي، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا عبد الله بن المنهال، عن سليمان بن قسيم، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي … " الحديث.

стр. 9329

٥٥٥٦ - ابن الأنماطي (١): الشيخ العالم الحافظ المجود البارع مفيد الشام تقي الدين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن أبي بكر بن هبة الله الأنصاري المصري الشافعي، ابن الأنماطي. قال: ولدت في ذي القعدة، سنة سبعين وخمس مائة. سمع: القاضي محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وهبة الله بن علي البوصيري، ومحمد بن علي اللبني، وشجاع بن محمد المدلجي، وأبا عبد الله الأرتاحي، وعدة. وارتحل إلى دمشق، فسكنها، وأكثر عن: أبي الطاهر الخشوعي، والقاسم بن عساكر، والطبقة. وسمع بالعراق من: أبي الفتح المندائي، وأبي أحمد بن سكينة، وحنبل بن عبد الله، ورجع بحنبل، فأسمع "المسند" بدمشق، وكتب العالي والنازل، بخطه الأنيق الرشيق، وحصل الأصول، وبالغ في الطلب. قال عمر بن الحاجب: كان ثقة، حافظًا، مبرزًا، فصيحًا، واسع الرواية، حصل ما لم يحصله غيره من الأجزاء والكتب، وكان سهل العارية، وعنده فقه وأدب ومعرفة بالشعر وأخبار الناس، وكان ينبز بالشر، سألت الحافظ الضياء عنه، فقال: حافظ ثقة، مفيد، إلَّا أنه كثير الدعابة مع المرد. قلت: له مجاميع مفيدة، وآثار كثيرة، وضبط لأشياء، وكان أشعريًا. حدث عنه: البرزالي، والمنذري، والقوصي، والكمال الضرير، والصدر البكري، وابنه أبو بكر محمد بن إسماعيل، وآخرون. مات في الكهولة قبل أوان الرواية. قال ابن النجار: اشتغل من صباه، وتفقه، وقرأ الأدب، وسمع الكثير، وقدم دمشق، ثم حج سنة إحدى وست مائة، فذهب إلى العراق، وكانت له همة وافرة وجد واجتهاد وسرعة قلم واقتدار على النظم والنثر، ولقد كان عديم النظير في وقته، كتب عني، وكتبت عنه. وقال الضياء: بات في عافية، فأصبح لا يقدر على الكلام أيامًا، ثم مات في رجب، سنة تسع عشرة وست مائة. أخبرنا محمد بن مكي القرشي، أخبرنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله الشيرازي، أخبرنا أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله الحافظ، أخبرنا هبة الله بن علي البوصيري … ، فذكر حديثًا.

стр. 9330

٥٥٥٧ - ابن أبي الرداد (١): الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أبي الفخر يحيى بن حسين بن عبد الرحمن بن أبي الرداد المصري، ويدعى محمدًا. مولده سنة أربعين، وهو آخر من تبقى بمصر من أصحاب ابن رفاعة. روى عنه الحافظ عبد العظيم، والفخر علي، وطائفة، آخرهم موتًا عبد الرحيم ابن الدميري. وكان فقيهًا، كاتبًا، صالحًا، زمن ولزم بيته. مات في ذي القعدة، سنة عشرين وست مائة. ٥٥٥٨ - الزناتي: شيخ المالكية أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عياش الزناتي، الغرناطي، ويعرف أيضًا بالكماد. كان إمامًا، مفتيًا، قائمًا على "المدونة"، تخرج به فقهاء غرناطة. قال ابن مسدي: ناظرت عليه في "المدونة"، وبحثت عليه "الموطأ"، سمع من: أبي خالد بن رفاعة، وابن كوثر. مات سنة ثماني عشرة وست مائة، وقد نيف على السبعين.

стр. 9331

٥٥٥٩ - البيع: الشيخ أبو بكر زيد بن أبي المعمر يحيى بن أحمد بن عبيد الله الأزجي، البيع. ولد سنة سبع وأربعين تقريبًا. وسمع من أبي الوقت عبد الأول، وأبي بكر ابن الزاغوني، وهبة الله بن الشبلي، وأحمد ابن قفرجل، وأبي الفتح بن البطي. وعنه: البرزالي، وابن الدبيثي، والضياء، وأبو المعالي الأبرقوهي، وآخرون. وقد قرأت بخط الضياء الحافظ: مولده في سنة إحدى وأربعين. وقال ابن نقطة: سمع "الصحيح"، و"الدارمي"، و"منتخب عبد" من أبي الوقت، وسماعه صحيح كثير. ثم قال: وألحق اسمه في نسخة محمد بن السري التمار، في طبقة علي ابن الزاغوني، وفي جزء لوين على فورجة، وما أعلم أنه حدث بشيء من ذلك الملحق، وتوفي في رمضان، سنة إحدى وعشرين وست مائة. قلت: وأبوه ممن يروي عن: ابن الحصين، وابن عمه هو الوزير جلال الدين بن يونس. ٥٥٦٠ - ابن إدريس (١): الشيخ القدوة الزاهد الكبير أبو الحسن علي بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن إدريس الروحائي، البعقوبي، صاحب الشيخ عبد القادر. سمع منه، ومن الشيخ علي ابن الهيتي. روى عنه الشيخ يحيى بن الصرصري، وصحبه، وبالغ في توقيره، وتبجيله، وأنه لم ير مثله، والكمال علي بن وضاح، والبدر سنقر شاه الناصري، والشيخ علي الخباز، وأبو الفضل محمد بن أبي الفرج ابن الدباب. وذكره ابن نقطة، لكنه كناه أبا محمد، وقال: كان شيخ وقته، صاحب قرآن وأدب وفضل وإيثار، سمعت منه، وسماعه صحيح. مات في سلخ ذي القعدة بالروحاء، ودفن برباطه، وقبره يزار. والروحاء قريبة من بعقوبا، على مرحلة من بغداد. توفي سنة تسع عشرة وست مائة، في عشر التسعين.

стр. 9332

٥٥٦١ - ابن النبيه (١): الشاعر البليغ صاحب "الديوان" كمال الدين، أبو الحسن علي بن محمد بن حسن بن يوسف بن يحيى المصري. مدح آل أيوب، وسار شعره، وانقطع إلى الملك الأشرف، وسكن نصيبين، وبها مات، في الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى، سن تسع عشرة وست مائة. وقيل: إنه بقي إلى سنة إحدى وعشرين وست مائة. ٥٥٦٢ - يونس بن يوسف (٢): ابن مساعد الشيباني المخارقي الجزري القنبي الزاهد، أحد الأعلام، شيخ البونسية، أولي الزعارة، والشطح، والخواثة، وخفة العقل. كان ذا كشف وحال، ولم يكن عنده كبير علم، وله شطح، وشعر ملحون، ينظمه على لسان الربوبية، وبعضه كأنه كذب، والله أعلم بسره، فلا يغتر المسلم بكشف ولا بحال ولا بإخبار عن مغيب، فابن صائد وإخوانه الكهنة لهم خوارق، والرهبان فيهم من قد تموق جوعًا وخلوة ومراقبة على غير أساس ولا توحيد، فصفت كدورات أنفسهم وكاشفوا وفشروا، ولا قدوة إلَّا في أهل الصفوة، وأرباب الولاية المنوطة بالعلم والسنن، فنسأل الله إيمان المتقين، وتأله المخلصين، فكثير من المشايخ نتوقف في أمرهم حتى يتبرهن لنا أمرهم، وبالله الاستعانة. توفي الشيخ يونس بالقنية، سنة تسع عشرة وست مائة. والقنية: قرية من أعمال دارا، من نواحي ماردين.

стр. 9333

٥٥٦٣ - الفارسي (١): الزاهد الكبير فخر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر الشيرازي، الخبري، الفيروزآبادي، الشافعي، الصوفي، نزيل مصر. له تصانيف في إشارات القوم، فيها انحراف بين عن السنة، وكان حلو الإيراد، كثير المحفوظ، وافر الجلالة. ولد في حدود سنة ثلاثين وخمس مائة. وسمع الكثير من السلفي، وكتب وحصل، وبدمشق من ابن عساكر. روى عنه: البرزالي، والمنذري، وطائفة، وحدثنا عنه أبو المعالي الأبرقوهي، وأبو الحسن ابن القيم. قال ابن الحاجب: صاحب رياضات ومقامات ومعاملات، إلَّا أنه كان بذيء اللسان، كثير الوقيعة في الناس والجرأة، وكان عنده دعابة في غالب الوقت. قلت: وله ميل شديد إلى الصور. وقال ابن نقطة: قرأت عليه حكاية لابن معين، فسبه، ونال منه، وصنف في الكلام، وله النظم والنثر، جاور مدة، ثم انقطع بمعبد ذي النون المصري، وعمر دهرًا، إلى أن مات في سادس عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وست مائة. قال ابن مسدي: له تواليف كثيرة، وأسند فيها، ولم يسلم من مزالق الأقدام في ذلك الإقدام وحسن الظن بأقوام، فتبعهم، وتورط معهم. قلت: خطبة كتابه "برق النقاء": الحمد لله الذي أودع الخدود والقدود الحسن واللمحات الحورية السالبة إليها أرواح الأحرار.

стр. 9334

٥٥٦٤ - خزعل (١): العلامة الأوحد تقي الدين أبو المجد خزعل بن عسكر بن خليل النشائي، المصري، الشافعي المقرئ، النحوي، اللغوي، نزيل دمشق. سمع من السلفي، وقرأ ببغداد على: الكمال الأنباري أكثر تصانيفه. وأقرأ بالقدس، ثم قدم دمشق، وأم بمشهد علي، وعقد الأنكحة، واتسعت حلقته بالعزيزية. أخذ عنه أبو شامة، والكبار، وكان رأسًا في العربية، وكان يعظم الحديث، ويحض على حفظه، وعند الطلاق لا يأخذ من أحد شيئًا، ويؤثر بما أمكنه. توفي سنة ثلاث وعشرين، وله ست وسبعون سنة. ٥٥٦٥ - قاضي حران (٢): العلامة أبو بكر عبد الله بن نصر بن أبي بكر بن محمد الحراني، الحنبلي. ولد سنة تسع وأربعين. وارتحل، وتفقه ببغداد، وبرع، وسمع من: شهدة الكاتبة، وعبد الحق، وعيسى الدوشابي، وتجني الوهبانية، وتلا بالروايات بواسط على أبي طالب الكتاني، وابن الباقلاني. وأقرأ ببلده، وحكم، وحدث، وصنف. حدثنا عنه: سبطه أبو الغنائم، والشهاب الأبرقوهي. توفي سنة أربع وعشرين وست مائة. ٥٥٦٦ - القزويني: الشيخ الزاهد السائح أبو المناقب محمد ابن العلامة الكبير أبي الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني، القزويني. أقام ببغداد مع أبيه مدة، ثم بعده، وتزهد، ولبس الصوف، وجال في الجزيرة، والشام،

стр. 9335

والروم، ومصر، وارتبط عليه ملوك وكبراء، وكان يقول: أنا لا أقبل منهم شيئًا إلَّا ما أنفقه في أبواب الخير، وكان فقيرًا مجردًا. أخرج إلى ابن النجار "أربعينات" جمعها، روى فيها عن أبي الوقت سماعًا، وعن الحسن بن محمد الموسياباذي صاحب أبي صالح المؤذن، ثم ظهر كذبه وادعاؤه ما لم يسمه، ومزقوا ما كتبوا عنه، وافتضح. قال ابن الدبيثي: خرج عن أبي الوقت حديث السقيفة بطوله، ركبه على سند بعض الثلاثيات. قال ابن النجار: سمعت غير واحد يحكي أن أبا المناقب كان إذا دخل عليه الملوك زائرين، وعرضوا عليه مالًا يقبله، ويقول: قد عزمنا على استعمال بسط لبيت المقدس، فإن أردتم أن تبذلوا لذلك، فنعم، فيعطونه، فحصل جملة، وتمزقت، وما بورك له، ثم كسدت سوقه، واشتهر نفاقه، سألته عن مولده. فقال: يوم عاشوراء سنة ثمان وأربعين. وقال المنذري: مات سنة اثنتين وعشرين، أو سنة ثلاث وعشرين وست مائة.

стр. 9336

أخوه، ابن حوط الله: ٥٥٦٧ - أخوه: الإمام أبو بكر محمد بن أحمد الشافعي، جعله أبوه معيد النظامية. وسمع من: أبي الأزهر محمد بن محمد الواسطي شيئًا من "مسند مسدد"، ثم زلي قضاء الروم، ثم عزل، وسكن إربل، وقدم بغداد رسولًا. قال ابن النجار: سمعت جماعة يرمونه بالكذب، ويذمونه. مات بالروم، سنة أربع عشرة وست مائة، وله ستون سنة. ٥٥٦٨ - ابن حوط الله (١): الإمام العالم الصالح المحدث الحافظ القاضي أبو سليمان داود بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمر بن حوط الله الأنصاري، الحارثي، البلنسي، الأندي. وأندة: من عمل بلنسية. ولد سنة اثنتين وخمسين. ونزل مالقة. حدث عن: أبيه، وأخيه أبي محمد، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي القاسم بن بشكوال، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي عبد الله ابن الفخار، وعبد الحق بن بونة، وأبي محمد بن عبيد الله، وخلق. ورحل وجمع وحصل، وأجاز له: أبو الطاهر بن عوف من الإسكندرية. قال الأبار: شيوخه يزيدون على المائتين، وكانت الرواية أغلب عليه من الدراية، وكان هو وأخوه أوسع أهل الأندلس رواية في وقتهما، مع الجلالة والعدالة. قال: وكان أبو سليمان، ورعًا، منقبضًا، ولي قضاء الجزيرة الخضراء، ثم قضاء بلنسية، وبه لقيته، وتوفي على قضاء مالقة في سادس ربيع الآخر، سنة إحدى وعشرين وست مائة. وقال ابن مسدي وروى عنه: لم أر أكثر باكيًا من جنازته، وحمل نعشه على الأكف، ﵀.

стр. 9337

٥٥٦٩ - ابن عبد السميع (١): الإمام العدل المأمون المقرئ المجود المحدث، شيخ واسط، أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع بن أبي تمام عبد الله بن عبد السميع القرشي، الهاشمي، الواسطي، المعدل. ولد سنة ثمان وثلاثين. وتلا على: أبي السعادات أحمد بن علي، وأبي حميد عبد العزيز بن علي السماتي. وسمع من جده، ومن: محمد بن محمد بن أبي زنبقة، وخلق بواسط، وهبة الله بن أحمد الشبلي، وابن البطي، وابن تاج القراء، والشيخ عبد القادر، وعدة. وكتب، وجمع وصنف، وروى الكثير، وكان صدرًا نبيلًا، عالمًا، ثقة، حسن النقل. حدث عنه: أبو الطاهر ابن الأنماطي، وعبد الصمد بن أبي الجيش، وعز الدين الفاروثي، وابن الدبيثي وجماعة، وبالإجازة: أبو المعالي الأبرقوهي. مات في سادس المحرم، سنة إحدى وعشرين وست مائة. وله أرجوزة في الاعتقاد، يتطرق إليها الانتقاد، ويلقب بالشيناتي -كما نظم فيه: شرف الدين شيخنا شافعي … شاعر شاهد شريف شروطي وله كتاب "لباب المنقول في فضائل الرسول"، وكتاب "فضائل الأيام والشهور"، وكتاب "تعبير الرؤيا"، و"النخب في الخطب"، وأشياء. قرأت على أبي المعالي الأبرقوهي، أخبرنا أبو طالب بن عبد السميع إذنًا -إن لم يكن سماعًا- بواسط، وأبو حفص عمر بن محمد بقراءة أبي عليه -واللفظ له، قالا: أخبرنا هبة الله بن أحمد، أخبرنا محمد بن محمد، أخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا عبد الله البغوي، حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: سيكون أقوام يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة. وبه: إلى البغوي: حدثنا هاشم بن الحارث، حدثنا عبيد الله الرقي، فذكره مرفوعًا إلى النبي ﷺ . أخرجه أبو داود، عن أبي توبة، والنسائي عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، كلاهما عن عبيد الله مرفوعًا.

стр. 9338

٥٥٧٠ - ابن عساكر (١): الشيخ الإمام العالم القدوة المفتي شيخ الشافعية فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي. ولد سنة خمسين وخمس مائة. وسمع من عميه: الصائن، والحافظ، وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني، وحسان بن تميم، وأبي المكارم بن هلال، وداود بن محمد الخالدي، ومحمد بن أسعد العراقي، وابن صابر، وعدة. وتفقه بالقطب النيسابوري، وتزوج بابنته، وجاءه ولد منها سماه مسعودًا مات شابًا. درس بالجاروخية، ثم بالصلاحية بالقدس، وبالتقوية بدمشق، فكان يقيم بالقدس أشهرًا، وبدمشق أشهرًا، وكان عنده بالتقوية فضلاء البلد، حتى كانت تسمى نظامية الشام، ثم درس بالعذراوية سنة (٥٩٣)، وماتت الست عذراء، وبها دفنت، وهي أخت الأمير عز الدين فروخشاه.

стр. 9339

وكان فخر الدين لا يمل الشخص من النظر إليه، لحسن سمته، ونور وجهه، ولطفه واقتصاده في ملبسه، وكان لا يفتر من الذكر، وكان يسمع الحديث تحت النسر. قال أبو شامة: أخذت عنه مسائل، وبعث إليه المعظم ليوليه القضاء، فأبى، وطلبه ليلًا فجاءه، فتلقاه وأجلسه إلى جنبه، فأحضر الطعام فامتنع، وألح عليه في القضاء، فقال: أستخير الله، فأخبرني من كان معه، قال: ورجع ودخل بيته الصغير الذي عند محراب الصحابة، وكان أكثر النهار فيه، فلما أصبح أتوه فأصر على الامتناع، وأشار بابن الحرستاني فولي، وكان قد خاف أن يكره فجهز أهله للسفر، وخرجت المحابر إلى ناحية حلب، فردها العادل، وعز عليه ما جرى. قال: وكان يتورع من المرور في زقاق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه، وذلك لأن عوامهم يبغضون بني عساكر للتمشعر، ولم يوله المعظم تدريس العادلية لأنه أنكر عليه تضمين الخمر والمكس، ثم لما حج أخذ منه التقوية وصلاحية القدس، ولم يبق له سوى الجاروخية. قال أبو المظفر الجوزي: كان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، حسن الأخلاق، قليل الرغبة في الدنيا، توفي في عاشر رجب سنة عشرين وست مائة، وقل من تخلف عن جنازته. وقال أبو شامة: أخبرني من حضره قال: صلى الظهر، وجعل يسأل عن العصر، وتوضأ ثم تشهد وهو جالس، وقال: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، لقنني الله حجتي وأقالني عثرتي ورحم غربتي. ثم قال: وعليك السلام، فعلمنا أنه حضرت الملائكة، ثم انقلب ميتًا. غسله الفخر ابن المالكي، وابن أخيه تاج الدين، وكان مرضه بالإسهال، وصلى عليه أخوه زين الأمناء، ومن الذي قدر على الوصول إلى سريره? وقال عمر بن الحاجب: هو أحد الأئمة المبرزين، بل وأحدهم فضلًا وقدرًا، شيخ الشافعية، كان زاهدًا، ثقة، متجهدًا، غزير الدمعة، حسن الأخلاق، كثير التواضع، قليل التعصب، سلك طريق أهل اليقين، وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع ينشر العلم، وكان مطرح الكلف، عرضت عليه مناصب فتركها، ولد في رجب وعاش سبعين سنة، وكان الجمع لا ينحصر كثرة في جنازته. حدث بمكة، ودمشق، والقدس، وصنف عدة مصنفات، وسمعنا منه. وقال القوصي: كان كثير البكاء، سريع الدموع، كثير الورع والخشوع، وافر التواضع والخضوع، كثير التهجد، قليل الهجوع، مبرزًا في علمي الأصول والفروع، وعليه تفقهت، وعرضت عليه "الخلاصة" للغزالي، ودفن عند شيخه القطب. قلت: حدث عنه البرزالي، والضياء، والزين خالد، والقوصي، وابن العديم، والتاج عبد الوهاب ابن زين الأمناء، والقاضي كمال الدين إسحاق بن خليل الشيباني، وجماعة. وسمعنا بإجازته من عمر ابن القواس، وتفقه عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وغيره. وفيها مات: الشيخ موفق الدين المقدسي، وأحمد بن ظفر بن هبيرة، وصالح بن القاسم بن كور، والحسين بن يحيى بن أبي الرداد المصري، وأكمل بن أبي الأزهر العلوي الكرخي، وعبد السلام بن المبارك البردغولي، وصاحب الغرب يوسف بن محمد بن يعقوب.

стр. 9340

٥٥٧١ - صاحب توريز: السلطان مظفر الدين أزبك بن محمد البهلوان بن إلدكز. عظم أمره لما قتل طغرل آخر سلاطين السلجوقية، وامتدت أيامه، وكان منهمكًا في الشرب واللذات، فنازلته المغل، فصانعهم، وبذل لهم الأموال، فسكتوا عنه، ثم ضايقوا الخوارزمية، وقالوا له: اقتل من عندك من الخوارزمية، ففعل، وكان قد تزوج ببنت السلطان طغرل وجرت له أمور، ثم دهمه خوارزم شاه جلال الدين في سنة اثنتين وعشرين، واستولى على أذربيجان، وعظم سلطانه، فهرب أزبك إلى كنجة فتزوج خوارزم شاه بابنة السلطان، حكم له القاضي بوقوع طلاق أزبك لها، ثم هرب أزبك منه إلى بعض القلاع، وهلك، وتلاشى أمره، وكان أبوه ملكًا أيضًا. ٥٥٧٢ - البردغولي (١): الشيخ الصالح المعمر أبو سعد عبد السلام بن المبارك بن أبي الغنائم عبد الجبار بن محمد البغدادي العتابي، ويعرف بابن البردغولي. شيخ صدوق، متيقظ، مسن. ولد سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة. وسمع من: أحمد بن الطلاية الزاهد، وواثق بن تمام، وعبد الخالق اليوسفي، وجماعة. حدث عنه: ابن الدبيثي، وابن النجار، والبرزالي، وجمال الدين محمد بن أبي الفرج ابن الدباب، عنده عنه "جزء ابن الطلاية". توفي في المحرم، سنة عشرين وست مائة.

стр. 9341

٥٥٧٣ - ابن صرما (١): الشيخ المسند المعمر أبو العباس أحمد بن يوسف ابن الشيخ محمد بن أحمد بن صرما الأزجي، المشتري. ولد سنة ست وثلاثين وخمس مائة ظنًا. وسمع من أبي الفضل الأرموي كتاب "المصاحف" و"صفة المنافق" و"المهروانيات" والتاسع من "فضائل الصحابة" للدارقطني والأول من "صحيحه" و"جزء ابن شاهين" والثالث من "الحربيات". وسمع من ابن الطلاية، وعبد الخالق اليوسفي، وابن ناصر، وسعيد ابن البناء، وأبي الوقت، وعدة. روى عنه: الضياء، والدبيثي، ومكي بن بشر، والكمال الفويره، والجمال محمد ابن الدباب، والشهاب الأبرقوهي، وآخرون. مات في شعبان، سنة إحدى وعشرين وست مائة. سمعنا من طريقه "نسخة" يحيى بن معين، وخرج له عبد اللطيف بن بورنداز "أربعين" سمعها منه الكمال الفويره. ٥٥٧٤ - الناصر لدين الله (٢): الخليفة أبو العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي الهاشمي، العباسي، البغدادي. مولده في عاشر رجب، سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة. وبويع في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين، وكان أبيض، معتدل القامة، تركي الوجه، مليح العينين، أنور الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر، رقيق المحاسن، نقش خاتمه: رجائي من الله عفوه.

стр. 9342

وأجاز له أبو الحسين اليوسفي، وعلي بن عساكر البطائحي، وشهدة الكاتبة، وطائفة. وقد أجاز لجماعة من الأئمة والكبراء، فكانوا يحدثون عنه في أيامه، ويتنافسون في ذلك، ويتفاخرون بالوهم. ولم يل الخلافة أحد أطول دولة منه، لكم صاحب مصر المستنصر العبيدي ولي ستين سنة، وكذا ولي الأندلس الناصر المرواني خمسين سنة. كان أبوه المستضيء قد تخوف منه، فحبسه، ومال إلى أخيه أبي منصور، وكان ابن العطار وكبراء الدولة ميلهم إلى أبي منصور، وكانت حظية المستضيء بنفشا والمجد ابن الصاحب وطائفة مع أبي العباس، فلما بويع قبض على ابن العطار، وأهلك فسحب في الشوارع ميتًا، وطغى ابن الصاحب إلى أن قتل. قال الموفق عبد اللطيف: كان الناصر شابًا مرحًا عنده ميعة الشباب، يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبون لقياه، وظهر الرفض بسبب ابن الصاحب ثم انطفأ بهلاكه وظهر التسنن، ثم زال، وظهرت الفتوة والبندق والحمام الهادي، وتفنن الناس في ذلك، ودخل في الأجلاء ثم الملوك، فألبس العادل وأولاده سراويل الفتوة، وشهاب الدين الغوري صاحب غزنة والهند والأتابك سعد صاحب شيراز، وتخوف الديوان من السلطان طغريل، وجرت معه حروب وخطوب، ثم استدعوا خوارزمشاه تكش لحربه، فالتقاه على الري، واحتز رأسه، ونفذه إلى بغداد، ثم تقدم تكش نحو بغداد يطلب رسوم السلطنة، فتحركت عليه أمة الخطا، فرد إلى خوارزم ومات. وقد خطب الناصر بولاية العهد لولده الأكبر أبي نصر، ثم ضيق عليه لما استشعر منه وعين أخاه، وأخذ خط باعتراف أبي نصر بالعجز، أفسد ما بينهما النصير بن مهدي الوزير، وأفسد قلوب الرعية والجند على الناصر وبغضه إلى الملوك، وزاد الفساد، ثم قبض على الوزير، وتمكن بخراسان خوارزمشاه محمد بن تكش وتجبر واستعبد الملوك وأباد الأمم من الترك والخطا، وظلم وعسف، وقطع خطبة الناصر من بلاده، ونال منه، وقصد بغداد، ووصل بوادره إلى حلوان فأهلكهم ببلخ، دام عشرين يومًا واتعظوا بذلك، وجمع الناصر الجيش، وأنفق الأموال، واستعد، فجاءت الأخبار أن الترك قد حشدوا، وطمعوا في البلاد، فكر إليهم وقصدهم فقصدوه وكثروه إلى أن مزقوه، وبلبلوا لبه وشتتوا شمله، وملكوا الأقطار، وصار أين توجه وجد سيوفهم متحكمة فيه، وتقاذفت به البلاد، فشرق وغرب، وأنجد وأسهل، وأصحر وأجبل، والرعب قد زلزل لبه، فعند ذلك قضى نحبه.

стр. 9343

قلت: جرى له ولابنه منكوبرتي عجائب وسير، وذلك عندي في مجلد ألفه النسوي كاتب الإنشاء. قال الموفق: وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي لما ذهب في الرسالة خاطب خوارزم شاه محمدًا بكل قول، ولاطفه، ولا يزداد إلَّا عتوًا، ولم يزل الناصر في عز وقمع الأعداء، ولا خرج عليه خارجي إلَّا قمعه، ولا مخالف إلَّا دمغه، ولا عدو إلَّا خذل، كان شديد الاهتمام بالملك، لا يخفى عليه كبير شيء من أمور رعيته، أصحاب أخباره في البلاد، حتى كأنه شاهد جميع البلاد دفعة واحدة، كانت له حيل لطيفة، وخدع لا يفطن إليها أحد، يوقع صداقة بين ملوك متعادين، ويوقع عداوة بين ملوك متوادين ولا يفطنون. إلى أن قال: ولما دخل رسول الله صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه كل صباح ورقة بما فعل في الليل فصار يبالغ في التكتم، واختلى ليلة بامرأة فصبحته ورقة بذلك، فتحير، وخرج لا يرتاب أن الخليفة يعلم الغيب. قلت: أظنه كان مخدومًا من الجن. قال: وأتى رسول خوارزم شاه الرسالة مخفية وكتاب مختوم، فقيل: ارجع فقد عرفنا ما جئت به! فرجع وهو يظن أن الناصر ولي لله. وجاء مرة رسول لخوارزم شاه فحبس أشهرًا ثم أعطي عشرة آلاف دينار فذهب وصار مناصحًا للخليفة. وبعث قاصدًا يكشف له عسكر خوارزم شاه، فشوه وجهه وتجانن، وأنه ضاع حماره، فسخروا منه، وضحكوا، وتردد بينهم أربعين يومًا، ثم رد إلى بغداد، وقال: القوم مائة وتسعون ألفًا، يزيدون ألفًا أو ينقصون. وكان الناصر إذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع؛ وصل رجل ببغاء تقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هدية للناصر، فأصبحت ميتة وحزن فأتاه فراش يطلب الببغاء فبكى، وقال: ماتت. قال: عرفنا، فهاتها ميتة، وقال: كم كان أملك? قال: خمس مائة دينار، قال: خذها فقد بعثها إليك أمير المؤمنين، فإنه عالم بأمرك منذ خرجت من الهند! وكان صدرجهان قد قدم بغداد في جمع من الفقهاء، فقال واحد منهم عن فرسه: لا يقدر الخليفة أن يأخذها مني؛ قال ذلك في سمرقند، وعرف الناصر فأمر بعض الزبالين أن يتعرض له ويضربه ويأخذ الفرس منه ببغداد، ويهرب بها في الزحمة، ففعل، فجاءه الفقيه إلى الأبواب يستغيث ولا يغاث، فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، ثم بعد خلع عليه، وقدمت له فرسه وعليها سرج مذهب، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنما أخذها زبال، فغشي عليه.

стр. 9344

قلت: ما تحت هذا الفعل طائل، فكل مخدوم وكاهن يتأتى له أضعاف ذلك. قال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابًا يروون عنه، وأجرى عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابًا سبعين حديثًا وصل على يد السهروردي إلى حلب فسمعه الظاهر، وجماهير الدولة وشرخته. وسبب ميله إلى الرواية أن قاضي القضاة العباسي نسب إليه تزوير فأحضروه وثلاثة من الشهود، فعزر القاضي بتخريق عمامته، وطيف بالثلاثة على جمال بالذرة، فمات أحدهم ليلتئذ والآخر لبس لبس الفساق، والثالث اختفى وهو المحدث البندنيجي رفيقنا، واحتاج وباع في كتبه فوجد في الجزاز إجازة للناصر من مشايخ بغداد، فرفعها إليه، فخلع عليه وأعطي مائة دينار، ثم جعل وكيلًا عن الناصر في الإجازة والتسميع. قلت: ممن يروي عن الناصر بالإجازة عبد الوهاب بن سكينة، وابن الأخضر، وقاضي القضاة ابن الدامغاني، وولي العهد، والملك العادل، وبنوه، وشيخانا: محمود الزنجاني، والمقداد القيسي. قال ابن النجار: شرفني الناصر بالإجازة، ورويت عنه بالحرمين ودمشق والقدس وحلب وبغداد وأصبهان ونيسابور ومرو وهمذان. قال الموفق: وأقم مدة يراسل جلال الدين الصباحي صاحب الألموت يراوده أن يعيد شعار الإسلام من الصلاة والصيام مما تركوه فيزمان سنان، ويقول لهم: إنكم إذا فعلتم ذلك كنا يدًا واحدة. واتفق أن رسول خوارزم شاه قدم فزور على لسانه كتب في حق الملاحدة تشتمل على الوعيد، وعزم الإيقاع بهم، وأنه يخرب قلاعهم ويطلب من الناصر المعونة، وأحضر رجل منهم كان قاطنًا ببغداد ووقف على الكتب، وأخرج بها وبكتب من الناصر على وجه النصح نصف الليل على البريد، فقدم الألموت فأرهبهم فتظاهروا بالإسلام وإقامة الشعار، وبعثوا رسولًا معه مائتا شاب ودنانير كبارًا عليها: "لا إله إلَّا الله محمد رسول الله"، وطاف المائتان بها يعلنون بالشهادتين. وكان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند، وأهل مصر، فأحيى هيبة الخلافة. لقد كنت بمصر وبالشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جرى ذكره خفضوا أصواتهم إجلالًا له. ورد بغداد تاجر معه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه فأخفاه فأعطي علامات فيه من عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنك نقمت على مملوكك فلان التركي فأخذته إلى سيف بحر دمياط وقتلته، ودفنته هناك خلوة.

стр. 9345

قال ابن النجار: دانت للناصر السلاطين، ودخل تحت طاعته المخالفون، وذلت له العتاة، وانقهرت بسيفه البغاة، واندحض أضداده، وفتح البلاد العديدة، وملك ما لم يملكه غيره، وخطب له بالأندلس وبالصين، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال، وتذل لسطوته الأقيال، وكان حسن الخلق أطيف الخلق، كامل الظرف، فصيحًا بليغًا، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة، كانت أيامه غرة في وجه الدهر، ودرة في تاج الفخر. حدثني الحاجب علي بن محمد بن جعفر قال: برز منه توقيع إلى صدر المخزن جلال الدين ابن يونس: لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يقدموا على أمر لم ينظروا في عاقبته، فإن النظر قبل الإقدام خير من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء، فلكل ناصح كاشح، ولا يطالب بالأموال من لم يخن في الأعمال، فإن المصادرة مكافأة للظالمين، وليكن العفاف والتقى رقيبين عليك. وبرز منه توقيع: "قد تكرر تقدمنا إليك مما افترضه الله علينا ويلزمنا القيام به كيف يهمل حال الناس حتى تم عليهم ما قد بين في باطنها، فتنصف الرجل وتقابل العامل إن لم يفلج بحجة شرعية". قال القاضي ابن واصل: كان الناصر شهمًا شجاعًا ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء، وكانت هيبته عظيمة جدًا، وله أصحاب أخبار بالعراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور حتى ذكر أن رجلًا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالعه صاحب الخبر، فكتب في جواب ذلك: سوء أدب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة. قال: وكان رديء السيرة في الرعية، مائلًا إلى الظلم والعسف، فخربت في أيامه العراق وتفرق أهلها وأخذ أملاكهم، وكان يفعل أفعالًا متضادة، ويتشيع بخلاف آبائه. قال: وبلغني أن رجلًا كان يرى صحة خلافة يزيد، فأحضره ليعاقبه، فسأله: ما تقول في خلافة يزيد? قال: أنا أقول لا ينعزل بارتكاب الفسق، فأعرض عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف من المحاققة. قال: وسئل ابن الجوزي والخليفة يسمع: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ? قال: أفضلهم بعده من كانت بنته تحته. وهذا جواب جيد يصدق على أبي بكر وعلى علي. قيل: كتب إلى الناصر خادم اسمه يمن يتعتب، فوقع فيها: بِمَنْ يَمُنّ يُمْن، ثَمَنُ يُمْنٍ ثُمْن". قال سبط الجوزي: قل بصر الناصر في الآخر، وقيل: ذهب جملة، وكان خادمه رشيق قد استولى على الخلافة، وبقي يوقع عنه، وكان بالخليفة أمراض منها عسر البول والحصى، فشق ذكره مرارًا ومآل أمره منه كان الموت. قال: وغسله خالي محيي الدين.

стр. 9346

قال الموفق عبد اللطيف: أما مرض موته فسهو ونسيان؛ بقي به ستة أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكنه حاله حتى خفي على الوزير وأهل الدار، وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه، فكانت تكتب مثل خطه، فكانت تكتب على التواقيع بمشهورة القهرمانة، وفي أثناء ذلك نزل جلال الدين محمد بن تكش خوارزمشاه على ضواحي بغداد هاربًا منفضًا من الرجال والمال والدواب، فأفسد بما وصلت يده إليه، فكانوا يدارونه ولا يمضون فيه أمرًا لغيبة رأي الناصر، ثم نهب دقوقا، وراح إلى أذربيجان. نقل العدل شمس الدين الجزري في "تاريخه"، عن أبيه قال: سمعت المؤيد ابن العلقمي الوزير لما كان على الأستاذ دراية يقول: إن الماء الذي يشربه الإمام الناصر كان تجيء به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلى سبع غلوات ثم يحبس في الأوعية أسبوعًا ثم يشرب منه، وما مات حتى سقي المرقد ثلاث مرار وشق ذكره، وأخرج منه الحصى. وقال ابن الأثير: بقي الناصر ثلاث سنين عاطلًا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دوسنطاريا عشرين يومًا ومات، وما أطلق في مرضه شيئًا مما كان أحدثه من الرسوم. قال: وكان سيئ السيرة، خرب العراق في أيامه، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم. إلى أن قال: وجعل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة. ونقل الظهير الكازروني فيما أجاز لنا: إن الناصر في وسط خلافته هم بترك الخلافة وبالانقطاع إلى التعبد، وكتب عنه ابن الضحاك توقيعًا قرئ على الأعيان، وبنى رباطًا للفقراء، واتخذ إلى جانب الرباط دارًا لنفسه كان يتردد إليها ويحادث الصوفية، وعمل له ثيابًا كبيرة بزي القوم. قلت: ثم نبذ هذا ومل. ومن الحوادث في دولته قدوم أسرى الفرنج إلى بغداد وقد هزمهم صلاح الدين نوبة مرج العيون، ومن التحف ضلع حوت طوله عشرة أذرع في عرض ذراع، وجواهر مثمنة. وقيل: بل كان ذلك في آخر دولة المستضيء. وأهلك وزير العراق ظهير الدين ابن العطار فعرفت الغوغاء بجنازته فرجموه، فهرب الحمالون فأخرج من تابوته، وسحب، فتعرى من الأكفان، وطافوا به، نسأل الله الستر، وكان جبارًا عنيدًا.

стр. 9347

أنبأني عز الدين ابن البزوري في "تاريخه"، قال: حكى التيمي، قال: كنت بحضرة ابن العطار، وقد ورد عليه شيخ فوعظه بكلام لطيف ونهاه، فقال: أخرجوه الكلب سحبًا، وكرر ذلك، وقيل: هو الذي دس الباطنية على الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء حتى قتلوه، وبقي الناصر يركب ويتصيد. وفي سنة ٧٨: نازل السلطان الموصل محاصرًا، فبعث إليه الخليفة يلومه. وفيها افتتح صاحب الروم مدينة للنصارى، وافتتح صلاح الدين حران وسروج ونصيبين والرقة والبيرة. وفيها تفتى الناصر إلى عبد الجبار شرف الفتوة، وكان شجاعًا مشهورًا تخافه الرجال، ثم تعبد واشتهر، فطلبه الناصر، وتفتى إليه، وجعل المعول في شرع الفتوة عليه، وبقي الناصر يلبس سراويل الفتوة لسلاطين البلاد. وفي سنة تسع وسبعين: ورد كتاب السلطان من إنشاء الفاضل فيه: "وكان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرًا، وافتضوا من البحر بكرًا، وشحنوا مراكب، وضربوا بها سواحل الحجاز، وظن أنها الساعة، وانتظر المسلمون غضب الله لبيته ومقام خليله وضريح نبيه، فعمر الأخ سيف الدين مراكب"، إلى أن قال: فوقع عليها أصحابنا فأخذت المراكب بأسرها، وفر فرنجها، فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك، ومعاطن المعاطب، وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب يقتلون ويأسرون حتى لم يتركوا مخبرًا، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ١١]. وفيها تسلم صلاح الدين حلب. وفيها: تمكن شهاب الدين الغوري، وامتد سلطانه إلى لهاور، وحاصر بها خسروشاه من ولد محمود بن سبكتكين، فنزل إليه، فأكرمه، ثم غدر به. وبعث صلاح الدين تقدمة إلى الديوان منها شمسة يعني الجتر من ريش الطواويس عليها ألقاب المستنصر العبيدي. ثم نازل صلاح الدين الكرك حتى كاد أن يفتحها، ثم بلغه تحزب الفرنج عليه فتركها، وقصدهم، فعرجوا عنه فأتى دمشق، ووهب أخاه العادل حلب، ثم بعث بعده على نيابة مصر ابن أخيه الملك المظفر عم صاحب حماة. وفي سنة ثمانين: جعل الخليفة مشهد والجواد أمنا لمن لاذ به، فحصل بذلك بلاء ومفاسد.

стр. 9348

واستباح صلاح الدين نابلس -ولله الحمد، ونازل الكرك، فجاءتها نجدات العدو، فترحل. وفيها كان خروج علي بن غانية الملثم صاحب ميورقة، فسار وتملك بجاية عند موت يوسف بن عبد المؤمن، وكثرت عساكره، ثم هزم عسكرًا للموحدين، ثم حاصر قسطنطينية الهواء أشهرًا ثم كشف عنها الموحدون، فأقبل ابن غانية إلى القيروان، فحشد واستخدم والتفت عليه بنو سليم ورياح والترك المصريون الذين كانوا مع بوزبا وقراقوش فتملك بهم أفريقية سوى تونس والمهدية حمتهما الموحدون، وانضم إلى ابن غانية كل فاسد ومجرم، وعاثوا ونهبوا القرى وسبوا، وأقام الخطبة لبني العباس، وأخذ قفصة، فتحزب عليه الموحدون في سنة ثلاث، وأقبل سلطانهم يعقوب بن يوسف فخيم بتونس، وجهز للمصاف ستة آلاف فارس مع ابن أخيه، فهزمهم ابن غانية، ثم سار يعقوب بنفسه فالتقوا، فانهزم علي واستحر به واسترد يعقوب البلاد، وامتدت دولة ابن غانية خمسين. وجد صلاح الدين في محاصرة الكرك. وفي سنة ٥٨١: نازل صلاح الدين الموصل، وجد في حصارها، ثم سار وتسلم ميافارقين بالأمان، ثم مرض بحران مرضًا شديدًا، وتناثر شعر لحيته، ومات صاحب حمص محمد بن شيركوه، فملكها السلطان ولده أسد الدين، ولقب بالملك المجاهد. وفي سنة ٨٢: ابتداء فتنة عظيمة بين الأكراد والتركمان بالموصل والجزيرة وأذربيجان والشام وشهرزور، ودامت أعوامًا، وقتل فيها ما لا يحصى، وانقطعت السبل حتى أصلح بينهم قايماز نائب الموصل، وأصلها عرس تركماني. وفيها قال العماد: أجمع المنجمون في جميع البلاد بخراب العالم عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان، فشرع خلق في حفر مغائر وتوثيقها، وسلطاننا متنمر موقن أن قولهم مبني على الكذب، فلما كانت الليلة التي عينوها لم تتحرك نسمة. وقال ابن البزوري: لقد توقف الهواء في ذلك الشهر على السواد وما ذروا الغلة. وفيها جرت فتنة ببغداد بين الرافضة والسنة قتل فيها خلق كثير، وغلبوا أهل الكرخ. وكان الخلف والحرب بين الأرمن والروم والفرنج. وقتل الخليفة أستاذ داره ابن الصاحب، ووليها قوام الدين يحيى بن زبادة، وخلف ابن

стр. 9349

الصاحب من الذهب العين أزيد من ألف ألف دينار، وكان عسوفًا فاجرًا رافضيًا، ووزر جلال الدين عبيد الله بن يونس، وكان شاهدًا، فارتقى إلى الوزارة. وفيها بعث السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل السلجوقي أن تعمر له دار المملكة لينزل بها، وأن يخطب له، فهدم الناصر داره ورد رسوله بلا جواب، وكان ملكًا مستضعفًا مع الملوك، فمات البهلوان، فتمكن، وطاش. وفيها فتحت القدس وغيرها، واندكت ملوك الفرنج، وكسروا وأسروا، قال العماد: فتحت ست مدائن وقلاع في ست جمع: جبلة واللاذقية وصهيون والشغر وبكاس وسرمانية، ثم أخذ حصن برزية بالأمان ثم رحل صلاح الدين -أيده الله- إلى دربساك، فتسلمها، ثم إلى بغراس فتسلمها، وهادن صاحب أنطاكية، ودام الحصار على الكرك والمطاولة، فسلموها لجوعهم، ثم أعطوا الشوبك بالأمان، ثم نازل السلطان صفد. وفي سنة ٨٤: كان صلاح الدين لا يفتر ولا يقر عن قتال الفرنج. وسار عسكر الناصر عليهم الوزير ابن يونس فعمل المصاف مع السلطان طغرل، فانهزم عسكر الناصر، وتقاعسوا، وثبت ابن يونس في نفر، بيده مصحف منشور وسيف مشهور، فأخذ رجل بعنان فرسه وقاده إلى مخيم فأنزله، فجاء إليه السلطان ووزيره فلزم معهم قانون الوزارة، ولم يقم، فعجبوا، ولم يزل محترمًا حتى رد، وأما صاحب المرآة فقال: أحضر ابن يونس بين يدي طغرل، فألبسه طرطورًا بجلاجل، وتمزق العسكر، وسار قزل أخو البهلوان فهزم طغرل، ومعه ابن يونس فسار إلى خلاط، فأنكر عليه بكتمر ما فعله، قال: هم يؤوني، قال: فأطلق الوزير، فما قدر يخالفه، فجهزه بكتمر بخيل ومماليك، فرد ذلك، وأخذ بغلين برجلين، وسار معه غلامه في زي صوفي إلى الموصل متنكرًا، ثم ركب إلى بغداد في سفينة. وفي سنة خمس وثمانين: نفذ طغرل تحفًا وهدايا، واعتذر واستغفر. وظهر ابن يونس، فولي نظر المخزن، ثم عزل بعد أشهر. وفيها وفي المقبلة: كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدًا على عكا، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين، فأقبلت الفرنج برًا وبحرًا من كل فج عميق، فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا فكروا بل أنشأوا سورًا وخندقًا على معسكرهم، وجرت غير وقعة، وقتل خلق كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفًا وعشرين شهرًا، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنجد صلاح

стр. 9350

الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولًا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستجيشه، فما نفع، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم. قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزنًا على القدس، وأخذهم بترك القدس، وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي ﷺ وجرحه، فعظم هذا المنظر على النصارى، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر، قال: فانتهى بنا الطواف إلى رومية، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فضة. قال ابن الأثير: فخرجوا على الصعب والذلول برًا وبحرًا، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان، وإلا لكان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. قلت: كانت عساكر العدو فوق المائتي ألف، ولكن هلكوا جوعًا ووباء، وهلكت دوابهم وجافت الأرض بهم، وكانوا قد ساروا فمروا على جهة القسطنطينية ثم على ممالك الروم تقتل وتسبي، والتقاه سلطان الروم فكسره ملك الألمان، وهجم قونية فاستباحها، ثم هادنه ابن قلج رسلان ومروا على بلاد سيس، ووقع فيهم الفناء فمات الملك وقام ابنه. قلت: قتل من العدو في بعض المصافات الكبيرة التي جرت في حصار عكا في يوم اثنا عشر ألفا وخمس مائة، والتقوا مرة أخرى، فقتل منهم ستة آلاف، وعمروا على عكا برجين من أخشاب عاتية، البرج سبع طبقات فيها مسامير كبار يكون المسمار نصف قنطار، وصفحوا البرج بالحديد، فبقي منظرًا مهولًا، ودفعوا البرج ببكر تحته حتى ألصقوه بسور عكا، وبقي أعلى منها بكثير، فسلط عليه أهل عكا المجانيق حتى خلخلوه، ثم رموه بقدرة نفط، فاشتعل مع أنه كان عليه لبود منقوعة بالخل تمنع عمل النفط، فأوقد، وجعل الملاعين يرمون نفوسهم منه، وكان يومًا مشهودًا، ثم عملوا كبشًا عظيمًا، رأسه قناطير مقنطرة من حديد؛ ليدفعوه على السور فيخرقه، فلما دحرجوه وقارب السور، ساخ في الرمل لعظمه، وهد الكلاب بدنة وبرجًا فسد المسلمون ذلك وأحكموه في ليلة، وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل في هذين العامين، ومرض، وأشرف على التلف، ثم عوفي. قال العماد: حزر ما قتل من العدو، فكان أكثر من مائة ألف. ومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا: يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه، ويخرج لنا أمر من أجاجه، وقد زر هذا العدو عليه من الخنادق دروعًا، واستجن من الجنونات
следующие страницы →