← Сира

Сира · id 22678

أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: النبي محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- هو صفوة الله من خلقه، بل هو صفوة الصفوة، فالأنبياء -عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام- هم المصطفون الأخيار، وهو إمامهم وخاتمهم. وقد قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم" ١. فهو حامل الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات، وهو اللبنة الأخيرة في صرح عقيدة التوحيد. فقد قال ﷺ : "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنة" ٢ وفي رواية أخرى: "وأنا خاتم النبيين". ولقد وصف الله تعالى عددًا من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ببعض الصفات، فقد وصف أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٣. وقال عن

стр. 2

إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ١. وفي سورة الأنبياء يصف إسحاق ويعقوب بالصلاح والخيرية فيقول : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ٢. ويصف لوطًا وداود وسليمان بالعلم والحكمة؛ فيقول: ﴿وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٣ ويقول : ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٤. ويصف إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالصبر فيقول: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ٥. وهكذا نرى الله تعالى يصف بعض أنبيائه ببعض الصفات النبيلة، لكنه في ختام السورة عندما يصف محمدًا ﵊ فإنه لا يصفه بصفة جزئية وإنما يجعله كله هداية إلهية

стр. 3

إلى العالم، ورحمة لهذه الإنسانية١. فيقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. وفي موضع آخر يصفه بالصفة الجامعة لكل خصال الخير وجميع الفضائل الإنسانية، فيقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣. والخلق العظيم هو جوهر رسالته ﷺ , فهو القائل: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق"٤ ولقد عاش رسول الله ﷺ أخلاقيًّا من طفولته إلى أن لقي ربه، فقد كان قومه ينادونه بصفة نادرة في ذلك الزمان وقبل أن يبعث؛ فقد نادوه وعرف بينهم بـ"الصادق الأمين". وعظمة الرسول محمد ﷺ ليست في أنه يمتاز بمجموعة من الأخلاق الإنسانية العالية فحسب، فهو الأمين إذا ذُكرت الأمانة، وهو الصادق إذا ذكر الصدق، وهو الوفي الكريم، الزاهد، الشجاع، المتواضع، الرحيم, البار، الحكيم، الفصيح، البليغ, العابد، كان الرسول هذا كله وكان فوق هذا، فكانت أخلاقه فوق الصعاب وفوق كل الظروف والتقلبات التي تأتي بها الأيام، لقد كان قادرًا على أن

стр. 4

يلتزم الموقف الأخلاقي المناسب، مهما تكن اللحظة التاريخية حرجة وحاسمة، إنه نبي يشرع بسلوكه, وينطلق من منهج واضح, وليس من رد فعل؛ تمليه أو تفرضه أية ضغوط أو ظروف١. "لقد تحدث بعض الكتاب معددًا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمدية فقال: "إن من أعظم الخوارق التي لمحمد ﷺ أخلاقه، فكانت في ذاتها أمرًا خارقًا للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ... فمحمد بين الناس الإنسانُ الذي تتجلى فيه الإنسانية الكاملة٢. وقد كانت صفحة حياته ﵊ كما نقلت إلينا بكل دقة وتوثيق -أخلاقية إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه الله أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق العمل الصالح، وأي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد ﷺ قبل الرسول مضرب المثل في الصدق, والكرامة, والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها التضحية في سبيل الله وفي سبيل الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات، فلم يصده عنه أن أغراه

стр. 5

قومه -وهو في الذروة منهم حسبًا ونسبًا- بالمال والملك وكل المغريات"١. والغريب أن هذه الإنسانية الأخلاقية قد طبقت على هذا النحو الخارق للعادة في أروع صور البساطة واليسر، فبدت -مع سموها- وكأن البساطة وعدم التقعر أو التكلف نسيجها الذي يجمع بين خيوطها المترابطة٢. فعن عائشة ﵂ قالت: "ما لعن رسول الله ﷺ مسلمًا من لعنة تذكر، ولا انتقم لنفسه شيئًا يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يضرب في سبيل الله، ولا سئل شيئًا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثمًا، فإنه كان أبعد الناس عنه. عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه" ٣. "إن هذا النبي كان له -كما يقول كاتب نصراني- في مجال الأخلاق شئون وشئون، فبالرغم من مهامه الجسام وانشغالاته الكثيرة المتنوعة، وبالرغم من الغزوات والسرايا والحروب،

стр. 6

واضطلاعه بجميع المسئوليات وحده دون سواه، فلقد وجد الوقت الكافي ليلقي على المؤمنين -بأقواله وأفعاله- دروسًا في شئون لا تمر ببال مسئول كبير في مثل مستواه وخطورته ... فذلك العظيم الذي كان يحاول تغيير التاريخ، ويعد شعبًا يفتح الدنيا من أجل الله، ذلك الرجل وجد الوقت الكافي ليلقي على الناس دروسًا في آداب المجتمع وفي أصول المجالسة وكيفية إلقاء السلام، لكأنه معلم حصر مهمته في تثقيف بضعة وعشرين تلميذًا، ولم يكن له مهمة سواها"١. ولقد نجح محمد ﷺ نجاحًا باهرًا في كل عمل اضطلع به, من أكبر عمل -وهو تبليغ الرسالة- إلى أصغر عمل قام به٢. فالتاريخ قد عرَّفنا برجال حملوا رسالات سماوية وأدوها بنجاح، ورجال بنوا أممًا، ورجال آخرين أسسوا دولًا، لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل جاء برسالة سماوية من عند الله تعالى، ثم بنى أمة ثم أسس دولة، ونجح في كل ذلك وفي حياته وقبل موته سوى النبي العربي محمد بن عبد الله ﷺ . ولهذا جعله مايكل هارت على رأس قائمة الخالدين المائة من أبناء آدم وعلل ذلك حسب منهجه العلمي ومقاييس العظمة عنده، بأن

стр. 7

محمدًا ﷺ كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى، وبرز في كلا المستويين: الديني, والدنيوي، وأنه أسس ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام. "وأنه بعد مرور أربعة عشر قرنًا لا زال تأثيره قويًّا ومتجددًا"١. وبالقياس نفسه يشهد لمحمد ﷺ المؤرخ العالمي الشهير ول ديورانت فيقول: "وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو ولهيب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لا يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله. وقلَّ أن نجد إنسانًا غيره حقق كل ما كان يحلم به، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى, بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين, تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه، فقد لجأ إلى خيالهم وإلى مخاوفهم وآمالهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، وكانت بلادُ العرب لما بدأ الدعوة صحراءَ جدباءَ، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان، قليل عددها متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة

стр. 8

موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية, والمسيحية, ودين بلاده القديم, دينًا سهلًا واضحًا قويًّا، وصرحًا خلقيًّا قوامه البساطة والعزة، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم"١. بعد كل ما تقدم، وهو قليل من كثير من شخصية الرسول الخاتم محمد بن عبد الله ﵊ ليس عجبًا أن تكون تلك الشخصية محور اهتمام كل الناس: مسلمين, وغير مسلمين, على مدى تاريخه كله وأظن أن هذا الاهتمام سيستمر ما استمرت الحياة، ولن يبلغ الكتاب والمؤلفون مهما كتبوا وألفوا جوانب العظمة في شخصية الرسول ﷺ وليس هناك أبلغ -في هذا المجال- من الكلمة التي قدم بها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الأسبق، كتابَ حياة محمد للأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل حيث قال: "منذ وجد الإنسان على الأرض، وهو مشوق إلى تعرف ما في الكون المحيط به من سنن وخصائص، وكلما أمعن في المعرفة ظهرت له عظمة الكون أكثر من ذي قبل، وظهر ضعفه وتضاءل غروره.

стр. 9

ونبي الإسلام -صلوات الله عليه وسلامه- شبيه بالوجود، فقد جد العلماء منذ أشرقت الأرض بنوره يلتمسون نواحي العظمة الإنسانية فيه، ويلتمسون مظاهر أسماء الله -جلت قدرته- في عقله وخلقه وعلمه، ومع أنهم استطاعوا الوصول إلى شيء من المعرفة، فقد فاتهم حتى الآن كمال المعرفة. وأمامهم جهاد طويل وبعد شاسع وطريق لا نهاية له"١. ونَدُرَ أن نجد في التاريخ البشري رجلًا عرفت حياته -الخاصة والعامة- بكل تفاصيلها ودقائقها كما عرفت ودرست حياة النبي محمد ﵊. "فحتى قضاؤه لوطره، واغتساله بعده، وطريقة غسله، ونومه، وطريقة قضائه لحاجته واغتساله منها، كل ذلك نقله إلينا التاريخ، بطريقة موثقة، ندر أن توثق بها نصوص في التاريخ"٢. يقول المستشرق مونتييه في وصف وضوح حياة الرسول ﷺ : "ولقد ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل محمد، وإن ما قام به من إصلاح الأخلاق، وتطهير المجتمع يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية"٣.

стр. 10

دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول ﷺ مدخل ... دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول ﷺ : ليس هناك شخصية تاريخة لقيت من اهتمام الدارسين والباحثين قديمًا وحديثًا كما لقيت شخصية الرسول محمد ﷺ وليس هناك أمة اعتنت بتاريخ وحياة نبيها -بكل تفاصيله ودقائقه- كما اعتنت الأمة الإسلامية، وذلك لسببين رئيسين: الأول: أن هذه الحياة حياة مثالية في جميع جوانبها ومستوياتها ودراستها متعة روحية وذهنية؛ لأن الإنسان يبحث دائمًا عن المثل الأعلى والقدوة الحسنة، لعل الله يهديه إلى أقوم طريق وأفضل سلوك، وليس هناك حياة وسيرة يمكن أن يتعلم منها الناس أعظم من حياة وسيرة النبي ﷺ وصدق الله تعالى إذ جعلنا؛ بل يأمرنا بالاقتداء به, فيقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١. الثاني: أن الجانب الأعظم من حياة وسيرة الرسول ترجع للأمة ومن ثم كانت عنايتها بأحاديثه وأفعاله ومغازيه وأيامه، وتكاد تكون كل كلمة تلفظ بها الرسول، وكل حركة وكل فعل مرصودة من المسلمين، ويحفظونها عن ظهر قلب، ومدونة في صدورهم قبل أن تدون في الكتب عند بدء حركة التدوين مع نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني.

стр. 11

بداية التأليف في السيرة النبوية: من سنن الله الكونية أن كل شيء يخضع للتدرج في النشأة والتكوين، يتساوى في ذلك الإنسان والحيوان والأفكار والعلوم والفنون، فلا شيء يخلق كاملًا، أو ينشأ ناضجًا مستوي التكوين، وإنما يمر بمراحل زمنية متتابعة، حتى يصل إلى نضجه واستوائه وكماله، وسيرة الرسول ﷺ لم تشذ عن تلك القاعدة ولم تخرج عن ذلك الناموس، فنحن نعلم أن سيرة الرسول لم تدون في حياته، أعني: أنه لم يكن من بين الكتَّاب الذين كانوا يكتبون للرسول ﷺ الوحي وغيره -وهم كثيرون- مَن تخصص في تسجيل أحداث حياته ﷺ ؛ الخاصة والعامة، واستمر الحال على ذلك طوال خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة ١١-٤٠هـ ويبدو أنه كان لذلك أسباب كثيرة من أهمها أن الرجال الذين عاصروا الرسول ﷺ وهم صحابته -رضوان الله عليهم جميعًا- لم يكونوا في حاجة إلى تسجيل تلك الأحداث، فهم قد عايشوها وانفعلوا بها وتفاعلوا معها بدرجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الرسالات والدعوات الدينية فكل مشهد منطبع في ذاكرتهم، وكل كلمة نطق بها الرسول حفظوها، وكل عمل من أعماله معروف لديهم تمام المعرفة وبكل التفاصيل، هذا

стр. 12

مع ما امتازوا به من قوة الحافظة وسرعة البديهة. لم تكن الحاجة إذن تدعو لتدوين أحداث حياة الرسول وسيرته لاستغنائهم بالمشاهدة والحفظ ولانشغالهم بالغزوات والفتوحات, غير أنه لم يكد جيل الصحابة -وهم شهود وحفاظ السيرة- يختفي حتى ظهرت الحاجة إلى تدوين وتسجيل السيرة النبوية، والتأريخ للعهد النبوي, فجيل التابعين -وهم الذين رأوا الصحابة وعاصروهم وتعلموا منهم- لم يروا بأنفسهم الأعمال الرائعة والجهاد المجيد الذي قام به الرسول ﷺ من أجل الرسالة الإسلامية وتبليغها للناس، ولكنهم سمعوا عن ذلك من الصحابة، فبهرتهم الأعمال والمواقف والأخلاق, فتاقت نفوسهم لمعرفة كل شيء بالتفصيل، ولم يفوِّتوا الفرصة، بل عضوا عليها بالنواجذ، وأخذوا يسألون الصحابة الذين صحبوا الرسول وضحوا معه، وشهدوا جميع مشاهده ومواقعه، ومن الأسئلة التي كانوا يسألونها -على سبيل المثال- متى وكيف كانت بيعة العقبة؟ متى كانت الهجرة إلى الحبشة؟ وكم عدد الذين هاجروا في الأولى والثانية؟ ومتى عادوا؟ وكيف كانت غزوة بدر؟ ومن الذين شهدوها؟ هذه الأسئلة وأمثالها كانت تلقى على الصحابة ويجيبون عنها، وأسلوب السؤال والجواب -كما هو معروف- من أهم روافد العلم، خصوصًا في مراحل النشأة والتكوين.

стр. 13

بل إن القرآن الكريم حافل باستخدام أسلوب السؤال والجواب حتى في مجال العقيدة وإثباتها، وإقامة الحجة على الكافرين الجاحدين، مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١. وكان من الطبيعي أن تكون المدينة المنورة، هي أصلح بيئة للإجابة عن كل ما يتعلق بحياة الرسول وسيرته من حيث عاش معظم الصحابة الذين عايشوا أحداث الإسلام الكبرى في عهد الرسول، ونقلوها للتابعين، الذين لم يكتفوا بالتلقي والحفظ، بل بدأوا تدوين الوقائع والأحداث كما سمعوها من الذين شاهدوها، وكانت تلك لحظة البداية، بداية التأليف في السيرة النبوية. واتسعت دائرة السؤال والجواب، ولم تعد قاصرة على المدينة وحدها، بل سارع الناس في خطى الصحابة في كل مصرٍ حلوا به، مثل: البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط ... إلخ. ومن حسن الحظ أن من كبار التابعين الذين بدأوا التدوين في السيرة النبوية، وأصبحوا مصدرًا رئيسًا من مصادرها كانوا من أبناء كبار الصحابة الذين أخذوا العلم عن آبائهم الكرام، وهم الذين

стр. 14

رأوا كل شيء وشاركوا بأنفسهم، بل كان من أوائل علماء السيرة من هم على صلة قريبة ووثيقة ببيت النبي ﷺ مثل: عروة بن الزبير بن العوام، فأمه أسماء بنت الصديق ﵄ وخالته أم المؤمنين عائشة ﵂ فتتلمذ عليها ونقل عنها أخبارًا كثيرة عن حياة النبي وسيرته, وقد قسم العلماء كتَّاب السيرة النبوية والمؤلفين فيها إلى طبقات، والطبقة في اصطلاح المحدثين، هم جماعة تقاربوا في السن، واجتمعوا في لقاء الشيوخ.

стр. 15

طبقات كتَّاب السيرة: رجال الطبقة الأولى من كتَّاب المغازي والسير: ١- أبان بن عثمان: هو ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ ولد في المدينة المنورة حوالي سنة عشرين للهجرة، وتوفي فيها في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان ١٠١- ١٠٥ على أرجح الأقوال، وقد نشأ أبان في كنف أبيه، الخليفة الراشد، أحد السابقين إلى الإسلام والمبشرين بالجنة والذي كانت تستحيي منه الملائكة كما أخبر الصادق الأمين ﷺ فهو من كبار الصحابة وفضلائهم، وبيته من أصلح وأطهر البيوت، في أصلح وأطهر بيئة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وهي بيئة المدينة المنورة، في هذا الجو وتلك البيئة وذلك البيت -حيث الصلاح والتقى- نشأ أبان وتعلم، حتى أصبح من كبار فقهاء المدينة المعدودين والمشهورين. ومن أعلام رواة الحديث الشريف. فقد روى عن أبيه ﵁ وغيره من كبار الصحابة. كما تتلمذ على يديه كثيرون من كبار المحدثين والفقهاء، أمثال محمد بن مسلم بن شهاب

стр. 16

الزهري، أستاذ إمام المؤلفين في السيرة النبوية وعمدتهم، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي. ولقد اشتهر أبان بن عثمان بالمغازي والسير -فوق شهرته في الفقه والحديث- حتى أصبح من أساتذة هذا الفن الحائزين على ثقة العلماء، فقد قال ابن سعد في الطبقات، وهو يترجم للمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، قال عنه: "كان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله ﷺ أخذها عن أبان بن عثمان"١. فهذا الخبر على وجازته يؤكد أستاذية أبان بن عثمان في المغازي والسير، فقد كان الحديث والمغازي والسير من أحب الأشياء إلى أهل المدينة، ولعل ابتعاد أبان عن الاشتغال بالسياسة -باستثناء الفترة التي عمل فيها واليًا على المدينة من سنة ٧٥ إلى سنة ٨٣هـ -في خلافة عبد الملك بن مروان- أقول: لعل ابتعاده عن السياسة -وقد عمر طويلًا حيث نيف على الثمانين عامًا- قلته من التفرغ للعلم، درسًا تدريسًا، وإذا كانت مؤلفاته قد ضاعت -فما ضاع أو تلف من تراث الإسلام. ولم تصل أبدًا، فقد بقيت لنا -من حسن الحظ- رواياته وآراؤه في المصادر التي وصلتنا بروايات تلاميذه.

стр. 17

٢- عروة بن الزبير: هو الرجل الثاني من رجال الطبقة الأولى من كتَّاب المغازي والسير، وأبوه الزبير بن العوام بن خويلد، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، وهو حواري الرسول ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وخديجة أم المؤمنين ﵂ عمته، أي عمة الزبير بن العوام، أما أم عروة فهي ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ وخالته عائشة أم المؤمنين، وأحب أزواج النبي إليه، وقد ولد عروة في المدينة المنورة، حوالي سنة ٢٦هـ، على أرجح الأقوال، لأنه كان صغير السن عندما حدثت موقعة الجمل سنة ٣٦هـ، ولم يشهدها فقد قال هو في نفسه: "رُددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يوم الجمل، استصغرونا". فالبيت الذي نشأ فيه عروة ركناه: أبوه الزبير بن العوام، حواري الرسول, وأمه ذات النطاقين، أسماء بنت الصديق، أما أستاذته الكبرى ومعلمته فهي خالته، السيدة عائشة أم المؤمنين، التي كان كثير التردد عليها، والمداومة على زيارتها والتعلم منها والحديث إليها.

стр. 18

وإذا كان عروة قد شهد -وهو صبي في العاشرة من عمره تقريبًا- الفتنة الكبرى التي حلت بالمسلمين وزلزلت كيانهم، في الشطر الثاني من خلافة عثمان بن عفان سنة ٣٠- ٣٥هـ -والتي استغرقت عهد علي بن أبي طالب كله ٣٥-٤٠هـ, فإن الله قد تدارك الأمة الإسلامية برحمته، ووحد كلمتها في عام ٤١هـ وهو العام الذي سماه المسلمون عام الجماعة -بعد الفتنة والفرقة- حينما تنازل الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ إيثارًا لمصلحة الأمة، وحقنًا لدماء المسلمين، مصدقًا بذلك نبوءة جده ﵊ حيث قال عنه: "ابني هذا سيد -يقصد الحسن- ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"١. ولقد استفتح معاوية ﵁ عهده بالإحسان إلى أهل المدينة بصفة عامة، وإلى الصحابة وأبنائهم بصفة خاصة، وأغدق عليهم من الأموال ما أتاح لهم التفرغ للعلم والتعليم، فزخر مسجد الرسول ﷺ بأعداد هائلة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين وأصحاب السير والمغازي, وكان عروة بن الزبير، فارسًا من فرسان هذه الحلقات وأبرز رجالها.

стр. 19

فتروي المصادر وكتب الطبقات، أنه كان يجتمع كل ليلة، بطريقة تكاد تكون منتظمة في المسجد النبوي، بمجموعة من كبار التابعين ومن رجال الطبقة الأولى منهم، كانت تضم أخاه مصعب بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن مسور، وإبراهيم بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة, وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، ولم تكن هذه الاجتماعات سوى حلقات علمية، يدور الحديث فيها عن العلوم الإسلامية؛ من فقه وتفسير وحديث وسير ومغازٍ، وكما اشتهر عروة بن الزبير بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار -كما هو الحال بالنسبة لأبان بن عثمان -فقد اشتهر بأنه من أكابر علماء السيرة والمغازي، وكان الناس -حتى زملاؤه في الدراسة- يتجهون إليه، ليسألوه ويتعلموا منه السيرة النبوية بصفة خاصة، لقربه من بيت النبي، ولمعرفته أكثر من غيره بما كان يدور في ذلك البيت الكريم عن طريق خالته السيدة عائشة ﵂ فعبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي المشهور ٦٥- ٨٦هـ مع أنه كان أحد تلاميذ مدرسة المدينة المشهورين ومن فقهائها، وقد لقب بحمامة المسجد؛ لشدة ملازمته مسجد الرسول ﷺ وانكبابه على حلقات العلم، وهو من زملاء عروة وأصدقائه، إلا أنه كان كثير الرجوع إليه في كل ما يتعلق بأحداث السيرة النبوية، وذلك

стр. 20

عندما شغلته السياسة عن طلب العلم بعد أن أصبح خليفة, ويبدو أن عروة قد ألف كتبًا كثيرة في السيرة وغيرها، فهناك خبر جدير بالتنويه، يرويه ابن سعد١، عن هشام بن عروة أن أباه أَحرقَ يوم الحرة -يقصد يوم وقعة الحرة المشهورة بين ثوار المدينة وجيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان سنة ٦٣هـ- عدة كتب، وقد حزن كثيرًا على فقدها فيما بعد، فهذا الخبر يدل على انتشار الكتابة والتأليف في ذلك الوقت المبكر من عهد المسلمين بالتأليف والتدوين العلمي. وإذا كانت مؤلفات عروة بن الزبير لم تصل إلينا، فقد حفظت لنا المصادر الباقية لدينا، الكثير من المادة العلمية والروايات التي كان مصدرها عروة، ففي سيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري روايات كثيرة عن أحداث سيرة الرسول ﷺ ومغازيه عن عروة بن الزبير، وقد توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٤هـ٢.

стр. 21

٣- شرحبيل بن سعد: ثالث الثلاثة في الطبقة الأولى من كتاب السيرة المدنيين، وهو مولى بني خطمة، نشأ في المدينة، وتلقى عن جمع من الصحابة؛ منهم زيد بن ثابت وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم من كبار الصحابة١. وروي عن سفيان بن عيينة أنه لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه، وبرهن موسى بن عقبة أن شرحبيل دوَّن قوائم بأسماء المهاجرين إلى المدينة، وأسماء الرجال الذين اشتركوا في غزوتي بدر وأحد٢. وقد امتد العمر بشرحبيل؛ حيث توفي عام ١٢٣هـ.

стр. 22

٤- وهب بن منبه: يعتبر وهب بن منبه من رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير وهو من مواليد اليمن، فقد ولد في قرية تسمى زمار بجوار صنعاء حوالي سنة ٣٤هـ. وهو من هذه الناحية -ناحية النشأة والميلاد - يختلف عن الرجال الثلاثة الذين سبق الحديث عنهم، فكلهم مدنيون، نشأوا في مدينة الرسول ﷺ ومعنى هذا الاهتمام بالمغازي والسير لم يعد مقصورًا على أهل المدينة وحدهم، بل أصبح الاشتغال بها موضع اهتمام من العلماء في كل الأقطار الإسلامية. ويختلف مؤرخو وهب بن منبه حول نسبه؛ فمنهم من يرى أنه من أصل يهودي، ومنهم من يرى -وهو الأرجح- أنه من أصل فارسي؛ أي من الفرس الذين سكنوا اليمن في فترة السيطرة الفارسية وسموا بالأبناء، ولكن الأهم من هذا كله أنه قد نشأ في أسرة مسلمة، اشتهر معظم رجالها بالعلم، وكانوا أهل ثقة عند العلماء١، وقد تأثر وهب بالجو العلمي الذي كان يحيط به في أسرته، وروى عن طائفة من الصحابة؛ منهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله وغيرهم, وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام بن منبه، وكان ثقة واسع العلم٢. ويعتبر من العلماء الموسوعيين، الذين تناولوا موضوعات شتى، فقد كانت له عناية واهتمام بأحاديث أهل الكتاب الذين كثر عددهم في جنوب بلاد العرب، وهو من الثقات المعتمدين خاصة في

стр. 23

قصص الأنبياء١. ويرجح أنه كتب كثيرًا في المغازي والسير، مما جعل العلماء يضعونه بين رجال الطبقة الأولى من علماء هذا الفن. ويوجد في مجموعة البرديات الموجودة في مدينة هيدلبرج في ألمانيا مجلد، يقول عنه بيكر: إنه يرجح أنه يحتوي على قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه، وتاريخ نسخ هذه القطعة عام ٢٢٨ هـ، وفيها معلومات عن بيعة العقبة الكبرى، وحديث قريش في دار الندوة -الذي قرروا فيه قتل النبي ﷺ والاستعداد للهجرة نفسها، ووصول النبي ﷺ إلى المدينة٢. وهكذا أسهم وهب بن منبه إسهامًا طيبًا في إثراء حركة التأليف في المغازي والسير وعاش حياة علمية ثرية حتى توفاه الله سنة ١١٠هـ.

стр. 24

رجال الطبقة الثانية من كتاب المغازى والسير مدخل ... رجال الطبقة الثانية من كتاب المغازي والسير: لا يعني تقسيم علماء المغازي والسير إلى طبقات؛ أولى وثانية وثالثة.. إلخ، أنه لا تبدأ الطبقة الثانية إلا إذا انتهت الطبقة الأولى؛ لأنه ليس هناك حد زمني فاصل بين هذه الطبقات، فالعلم متصل، وحلقاته ممتدة ومستمرة، وأجيال العلماء متداخلة، وربما يكون الواحد منهم تلميذًا وأستاذًا في نفس الوقت، بل المقصود من هذا التقسيم، تمييز رجال كل مرحلة عن التي سبقتها والتي تلتها. وكلما امتد الزمن اتسعت دائرة العلم وزاد عدد العلماء وتلاميذهم؛ ولذلك سنجد في هذه الطبقة الثانية، حشدًا كبيرًا من علماء المغازي والسير ذوي المكانة العلمية الرفيعة، خاصة في مدينة الرسول ﷺ . ويكفي أن نلقي نظرة على سيرة ابن إسحاق -الذي سنخصه بحديث مفصل في هذا الكتيب؛ لتميزه وإمامته في ميدان السيرة النبوية -والتي جاءتنا عن طريق عبد الملك بن هشام برواية زياد بن عبد الله البكائي، ليعرف مدى الحجم الذي وصل إليه عدد العلماء، وكيف كان اهتمام هذا الجيل بسيرة الرسول ﷺ فابن إسحاق يروي مباشرة بطريق المشافهة، عن أكثر من مائة راوٍ من علماء المدينة، وكلهم يروي عنه بقوله: حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو سألت

стр. 25

فلانًا فأخبرني، فبالإضافة إلى أستاذه الأكبر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، نجده يروي عن عدد كبير من العلماء، كثيرون منهم من أسرة واحدة؛ مثل آل الزبير ومواليهم، فهو يروي عن هشام بن عروة بن الزبير، وعن يحيى بن عروة بن الزبير، وعن عمر بن عبد الله بن الزبير، وعن محمد بن جعفر بن الزبير وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، وعن يزيد بن رومان، مولى عروة بن الزبير، وغيره من مواليهم، ورواية ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه، أو عن الزهري عن عروة بن الزبير، لها قيمتها الكبرى من ناحية التوثيق العلمي؛ فهي مرفوعة في أغلب الأحوال إلى السيدة عائشة، أم المؤمنين ﵂ وإذا رفعت الرواية عن الثقات، عن سيرة الرسول ﷺ إلى السيدة عائشة، كانت هي الصدق بعينه، كذلك يروي ابن إسحاق عن نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، وعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، وعن أبيه إسحاق بن يسار. ورجال هذه الطبقة -الثانية- من علماء المغازي والسير، هم أساتذة محمد ابن إسحاق وشيوخه المباشرون، ولكثرة عددهم؛ فمن الصعب الحديث عنهم كلهم في حيز هذا الكتيب، ولذلك سنقصر الحديث على أشهرهم وأكثرهم تأثرًا في إثراء حركة التأليف في ميدان المغازي والسير، ويأتي على رأس القائمة:

стр. 26

١- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ١: ينتسب الزهري إلى بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ وهو من كبار التابعين وأعلامهم، ويعتبر من أعظم مؤرخي المغازي والسير، وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدرسة المدينة التاريخية، إلى جانب كونه من كبار الفقهاء والمحدثين. وقد رأى الزهري عشرة من الصحابة، وتتلمذ على كبار علماء التابعين وأعلامهم، ومنهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وهؤلاء هم الذين كان الزهري يعتبرهم بحور قريش في العلم. وروى عن الزهري جماعة من العلماء الأئمة الأعلام، يأتي في مقدمتهم فقيه المدينة وعالمها الأشهر -الذي قيل عنه: لا يفتى ومالك في المدينة- مالك بن أنس الأصبحي، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري, وقد ذاع صيت الزهري، وأصبحت له مكانة علمية رفيعة في أوساط العلماء، فقد سئل مكحول الدمشقي: من أعلم من رأيت؟ فقال: ابن شهاب. قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب. قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب؛ كان قد حفظ علم الفقهاء السبعة -يقصد فقهاء المدينة المشهورين. وكتب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة -إلى

стр. 27

سائر الأقاليم: "علكيم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه"١. فعمر بن عبد العزيز -وهو من هو- لا يقول مثل ذلك الكلام عن ابن شهاب إلا إذا كان الرجل -فعلًا- يستحق هذا الثناء من الخليفة العالم، بما بلغ من مكانة علمية. والحق أن ابن شهاب كان موضع احترام وإجلال خلفاء بني أمية، لأنه إلى جانب تبحره في العلوم، كان يحترم نفسه، ولم يداهن في الحق٢. وقد امتاز محمد ابن شهاب الزهري عن معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين واقتناء الكتب. وكان إذا جلس في بيته بين كتبه اشتغل بها عن كل شيء سواها من أمور الدنيا، حتى يروى أن امرأته كانت تقول له: "إن هذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر"٣. لاشتغاله بها عنها. وكان اهتمام الزهري بالكتابة والتدوين هو الذي مكنه من نشر علمه، وبوأه تلك المكانة العلمية الرفيعة التي حظي بها في أوساط العلماء، وفي بلاط الخلفاء ومجالسهم وكان هو شديد الفخر بذلك، وروي عنه أنه كان يقول: "ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، ولا بذله بذلي". ولقد ضاع ما كتبه ودونه الزهري بنفسه، ولم يصل

стр. 28

إلينا كما هو. ولولا ما بقي لنا من علمه مما رواه تلامذته -وبصفة خاصة أشهرهم وأنبغهم محمد بن إسحاق -لكانت خسارتنا فادحة، فإلى ابن إسحاق يرجع الفضل الأكبر في حفظ علم أستاذه الزهري، فهو الذي أوصله إلينا، لأنه كانت تربطه بأستاذه علاقة متينة قائمة على الحب والاحترام، ومما دل على قوة تلك العلاقة ومتانتها، ورفعة مكانة ابن إسحاق عند أستاذه وثقته فيه، أنه كان يعتبره مرجعه الأول في كل ما يتعلق بسيرة الرسول ﷺ مما يحصل عليه من معلومات من طرق أخرى ليتثبت من صحتها. فعندما زار ابن إسحاق مصر، والتقى بعالمها الكبير يزيد بن أبي حبيب، وروى عنه العلم، أرسل إلى أستاذه الزهري، ليتثبت من صحة بعض الروايات, وذلك من أمثال القصة التالية؛ فقد قال ابن إسحاق نفسه: "حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابًا فيه ذكر من بعث رسول الله ﷺ إلى البلدان، وملوك العرب والعجم, وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال -ابن إسحاق: فبعثت به إلى محمد ابن شهاب الزهري فعرفه"١. واسم الزهري هو الأشهر والأكثر ذكرًا في سيرة ابن إسحاق، وكثيرًا ما يعبر فيما يتعلق بروايته عن الزهري، بقوله: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأحيانًا يقول: حدثني الزهري فقط، أو حدثني ابن شهاب، أو سألت ابن شهاب الزهري، إلى غير ذلك من التعابير. وكان الزهري -الذي توفي سنة ١٢٤هـ- عدد آخر من التلاميذ غير ابن إسحاق، وإن كانوا أقل شهرة من ابن إسحاق، ومنهم موسى بن عقبة المتوفى حوالي عام ١٤١هـ. ومعمر بن راشد المتوفى حوالي عام ١٥٤هـ وهما من رجال الطبقة الثالثة ومن كبار علماء المغازي والسير.

стр. 29

٢- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ١: من علماء الطبقة الثانية من مؤلفي المغازي والسير، وهو مدني -أي من أهل المدينة- وكان جده الأعلى عمرو ابن حزم أحد صحابة رسول الله ﷺ وقد ولاه الرسول على نجران، وكتب له كتابًا حين بعثه، أمره فيه بتقوى الله في أمره كله، ثم أمره بقبض الصدقات وتوزيعها على مستحقيها، وأن يعلمهم القرآن والسنة ويفقههم في الدين. أما جده المباشر، محمد بن عمرو فقد قيل: إن له رؤية - أي رأى رسول الله ﷺ وتوفي عام ٦٣هـ أما أبوه أبو بكر فقد ولي قضاء المدينة المنورة أثناء ولاية عمر بن عبد العزيز عليها من سنة ٨٧ إلى سنة ٩٣هـ. وذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك

стр. 30

ابن مروان ٨٦- ٩٦هـ. ثم أصبح واليًا على المدينة في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان ٩٦- ٩٩هـ. وخلافة عمر بن عبد العزيز ٩٩- ١٠١هـ.. وقد عُرف بمقدرته الفائقة في رواية الحديث، وكان من الثقات، ولذلك عهد إليه عمر بن عبد العزيز -أثناء خلافته- بجمع أحاديث رسول الله ﷺ . يقول عنه الذهبي١: "أمير المؤمنين ثم قاضي المدينة، أحد الأئمة الأثبات, وقيل: كان أعلم أهل زمانه بالقضاء. وقال عنه الإمام مالك بن أنس: "ما رأيت مثل ابن حزم، أعظم مروءة وأتم حالًا، ولا رأيت من أوتي مثل ما أوتي: ولاية المدينة, والقضاء, والموسم"٢ وهو من شيوخ ابن إسحاق. فعبد الله بن أبي بكر نشأ إذن في بيت علم وقضاء وإمارة، وورث عن أبيه مواهبه، واختص برواية الحديث -خاصة الأحاديث المتصلة بالمغازي- وكان حجة في ذلك, وهو أحد مصادر كبار علماء السيرة والمؤرخين، فقد روى عنه ابن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن سعد -كاتب الواقدي- والطبري. خاصة الروايات التي تتصل بأخبار الرسول في المدينة ووفود القبائل، إلى رسول الله -في عام الوفود- وأخبار تتعلق بحروب الردة، وكانت زوجته فاطمة بنت عمارة راوية للحديث، وكانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وعمرة كانت

стр. 31

تروي عن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ وكان هو يروي عن زوجته، بل كان يسمح لها أن تحدث الغير بما عندها من أخبار عن السيرة النبوية, فقد أخبر الطبري، عن محمد بن إسحاق أنه دخل على عبد الله بن أبي بكر -ابن حزم- فقال عبد الله لامرأته فاطمة: "حدثي محمدًا ما سمعتِ من عمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عمرة تقولك سمعت عائشة تقول ... إلخ، ويروي الطبري عن محمد بن إسحاق -أيضًا- عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ستًّا وعشرين غزوة، أول غزوة غزاها: ودَّان، ثم بواط.. إلخ. وعلى الجملة فقد كان عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عظيم الأثر في كتب السير والمغازي، وكان له من بيته العظيم في الأنصار -وهو بيت علم وقضاء وإمارة- وتزوِّجه من فاطمة بنت عمارة الأنصارية, والتي كانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن، التي تروي بدورها عن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ كان له من كل ذلك ما يسر له جمع الأحاديث التي تتصل بالمغازي١، وأن يصبح مصدرًا كبيرًا من مصادرها، وأحد أعلام الطبقة الثانية من علماء المغازي والسير.

стр. 32

٣- عاصم بن عمر بن قتادة: يعتبر المؤرخون عاصمًا أحد رجال الطبقة الثانية البارزين من كتاب المغازي والسير، وجده قتادة بن النعمان الظفري الأنصاري كان من صحابة رسول الله ﷺ وشهد معه بدرًا وأحدًا، ويوم أحد أصيبت عينه وسقطت على وجنتيه فردها رسول الله ﷺ فعادت أحسن عينيه وأحدَّهما١. ولما كان قتادة أحد الصحابة المجاهدين الذين شهدوا المشاهد مع رسول الله فقد روى لابنه عمر ما شهده وشاهده بنفسه من مغازي وسير وأخبار رسول الله، ورواها عمر لابن عاصم الذي أصبح حجة في ذلك، قال عنه محمد بن سعد: "وكان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير ولتبحره فيهما فقد كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز ٩٩- ١٠١هـ أن يجلس في المسجد الأموي في دمشق ليحدث الناس عن المغازي ومناقب الصحابة, ففعل٢. وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها أصحاب السير والمغازي، مثل محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر الواقدي، وقد توفي عاصم عام ١٢٠م وقيل عام تسع وعشرين.

стр. 33

رجال الطبقة الثالثة من كتاب المغازي والسير موسى بن عقبة ... رجال الطبقة الثالثة من كتاب المغازي والسير: قلنا في صدر هذا البحث إن الكتابة والتأليف في المغازي والسير خضعت لسُنة التدرج والتطور، وكلما مر الزمن اتسعت دائرة العلماء، ولذلك ففرسان هذه الطبقة كثيرون، ومن ثم فنحن مضطرون للحديث عن أشهرهم -مثل: موسى بن عقبة، ومعمر بن راشد- حديثًا موجزًا، ثم نتحدث بالتفصيل عن أشهر رجال هذه الطبقة على الإطلاق وإمام هذا الفن، وهو محمد بن إسحاق، لأهميته وتأثيره الكبير في ذلك العلم الذي أصبح الناس فيه عيالًا عليه، حسب تعبير الإمام الشافعي، رحمة الله تعالى عليه, والآن إلى الحديث عن: ١- موسى بن عقبة: هو مولى من الموالي، وكان مولى لآل الزبير، وقد مر بنا أن بيت الزبيريين كان حافلًا بعدد هائل من العلماء، خاصة في ميدان المغازي والسير، مثل عروة بن الزبير, وابنيه: هشام ويحيى, وعمر بن عبد الله بن الزبير، ويحيى بن عباد بن الزبير, وقد عرفنا الصلة التي كانت تربط الزبيريين ببيت النبي ﷺ عن طريق خالتهم السيدة عائشة ﵂-

стр. 34

مما جعلهم مصدرًا موثوقًا به عن أخبار سير ومغازي رسول الله، وقد استفاد مواليهم من صلتهم بهم؛ ومن أبرزهم عالمنا هذا الذي نحن بصدد الحديث عنه، وهو موسى بن عقبة الذي كان له أخوان أكبر منه سنًّا، وهما إبراهيم ابن عقبة، ومحمد بن عقبة، وكان الثلاثة من أبرز تلاميذ مدرسة المدينة المنورة في الفقه والحديث, وإن كان موسى قد برز واشتهر في علم المغازي، وكان ثقة عند العلماء حتى استحق أن يقول عنه الإمام مالك بن أنس: "عليكم بمغازي ابن عقبة، وهي أصح المغازي"١. وقد كتب سيرة مختصرة موجزة، لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصلتنا منها مقتطفات في طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري, ويروي موسى بن عقبة أن أحد موالي عبد الله بن عباس -وهو كريب بن أبي مسلم- وضع عنده حمل بعير من كتب ابن عباس، مما يدل على أن التدوين قد بدأ مبكرًا، غير أن معظم مدونات الفترة الأولى قد ضاعت, وقد توفي موسى بن عقبة سنة ١٤١هـ.

стр. 35

٢- معمر بن راشد: من رجال الطبقة الثالثة البارزين، من كتاب السير والمغازي، وهو مولى من الموالي وكان من أهل الكوفة، كما يقول ابن النديم١، ثم رحل إلى البصرة ثم اليمن، وظل ينتقل بين هذه البلاد؛ يتلقى العلم عن الشيوخ، وكان أبرز شيوخه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان هو من أنبل وأنجب تلاميذ الزهري -بعد ابن إسحاق- ولذلك؛ فأكثر ما يرويه معمر عن السير والمغازي ينسبه إلى شيخه، الإمام الزهري، وكان يتحلى بخلق كريم، وصفات حميدة كثيرة، يقول عنه ابن سعد: "كان معمر رجلًا له حلم ومروءة ونبل في نفسه"٢. كما كان واسع العلم بالحديث والسير والمغازي، وإن كان ابن النديم في الفهرست لم ينسب له سوى كتاب واحد في المغازي، فقد قال عنه: "معمر بن راشد من أهل الكوفة، يروي عنه عبد الرزاق، من أصحاب السير والأحداث, وله من الكتب كتاب المغازي"٣. وحتى هذا الكتاب لم يصل إلينا، وإنما وصلنا منه مقتطفات في الواقدي وابن سعد والبلاذري والطبري. وكانت وفاته سنة ١٥٠هـ أو ١٥٢هـ٤.

стр. 36

٣- محمد بن إسحاق المطَّلبي ١: إذا نحن وصلنا إلى ابن إسحاق فقد وصلنا إلى إمام الأئمة وأكبر علماء السير والمغازي على الإطلاق، وفي كل العصور، ومن عليه كان اعتماد كل من كتب في السيرة النبوية ومغازي الرسول ﷺ ممن جاءوا بعده. فهو فارس هذا الميدان دون منازع، ولقد شهد له بذلك جمع من العلماء، منهم أستاذه، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، حيث قال: "من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق". وقال عنه الإمام الشافعي: "من أراد التبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق". ويقول عنه ابن خلِّكان -وهو راوي هذه الأخبار: "وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته". وسئل يحيى بن معين عن ابن إسحاق فقال: "قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش ابن إسحاق". وقال سفيان بن عيينة: "لا يزال

стр. 37

في المدينة علم ما عاش هذا الغلام -يقصد ابن إسحاق". وقال عنه الذهبي -وهو معروف بتحريه ودقته وصرامته في الحكم على الرجال: "والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحاق إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية.. وكان أحد أوعية العلم، حبرًا في معرفة المغازي والسير"١. وأقوال العلماء فيه مستفيضة، وكلها مجمعة على إمامته في المغازي والسير، لذلك رأينا أن نخصه بمزيد من التقصي والتفصيل لأخباره حتى يعرف المسلمون علماءهم، وأصحاب الفضل في إيصال أخبار وسير ومغازي وجهاد رسولهم وصحابته إليهم, فمن هو ابن إسحاق؟ هو: محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار -وقيل يسار بن كوتان- المطلبي بالولاء، المديني؛ نسبة إلى مدينة الرسول ﷺ وكان يكنى بأبي بكر، وقيل بأبي عبد الله، وكان جده يسار من أهل قرية عين التمر بالعراق، وقد وقع في أسر المسلمين عندما فتح خالد بن الوليد ﵁ عين التمر فيما فتح من أرض العراق سنة ١٢هـ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ ١١- ١٣هـ وأرسل يسار بن خيار مع غيره من الأسرى إلى المدينة المنورة، عاصمة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت. ولا يعرف على وجه

стр. 38

اليقين ما إذا كانت أسرته عربية أم أعجمية، وإن كان ليس بعيدًا أن تكون عربية مسيحية، وصار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة ابن المطلب، وقد أسلم فأعتقه مولاه، ومن ثم نسب إليهم فلقب بالمطلبي. وكان ليسار بن خيار ثلاثة أولاد؛ أحدهم إسحاق، والد عالمنا الذي نتحدث عنه والذي طبقت شهرته الآفاق، وهو محمد بن إسحاق الذي ولد في المدينة المنورة، حوالي عام ٨٥هـ ونشأ بها، وقد سبق أن أشرنا كثيرًا إلى بيئة المدينة وفضلها وصلاحها وحركتها العلمية الواسعة في مسجد الرسول ﷺ ولا ينكر أحد فضل البيئة والوسط المحيط وتأثيرهما في تنشئته الناشئة، وأي بيئة أفضل من بيئة مدينة رسول الله ﷺ وصحابته وتابعيهم، ولم تكن البيئة والجو العام الذي أحاط بابن إسحاق هو الذي أثر فيه فقط، بل كانت بيئته الخاصة ذات تأثير فيه كذلك، فأبوه إسحاق بن يسار كان من العلماء وكان محدثًا وفقيهًا، روى عنه ابنه محمد، وكثيرًا ما نجده يقول: حدثني أبي إسحاق بن يسار. وقد أدرك ابن إسحاق بعض الصحابة ممن طالت أعمارهم، فقد رأى أنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ وخادمه المشهور ﵁ وتتلمذ على كبار التابعين، من أعيان علماء المدينة المنورة وفقهائها المعدودين المشهورين، ومنهم القاسم بن محمد

стр. 39

ابن أبي بكر الصديق، وأبان بن عثمان بن عفان -وهو من رجال الطبقة الأولى من علماء المغازي والسير، كما سبق القول عنه- ومنهم محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ونافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعاصم بن عمر ابن قتادة بن النعمان الأنصاري. وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وغيرهم. وقد سبق القول أن أستاذه الأكبر، والذي كان أثره فيه أكبر وأوضح من غيره، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. رحلته إلى مصر: لم يكتف ابن إسحاق بأنه ولد ونشأ في مدينة الرسول، وتنفس هواءها المعطر بأريج النبوة، وعطر الصحابة الكرام، بل أراد أن يتزود من علم الصحابة الآخرين، الذين تفرقوا في الآفاق ونزلوا وسكنوا الأمصار المفتوحة، فمن المعلوم أن جمعًا كبيرًا من حملة العلم النبوي من صحابة رسول الله ﷺ قد شاركوا في الفتوحات الإسلامية، بدءًا من عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ -ومرورًا بعهود الخلفاء الراشدين الثلاثة الآخرين، عمر بن الخطاب ١٣- ٢٣هـ وعثمان بن عفان ٢٣- ٣٥هـ وعلي

стр. 40

ابن أبي طالب ٣٥- ٤٠هـ ﵃ جميعًا- وكثير من هؤلاء الصحابة لم يعودوا إلى المدينة، وإنما استوطنوا البلاد المفتوحة، وعاشوا حياتهم كلها فيها، وأصبحوا معلمين, ولهم مدارس، وتلاميذ، فأراد ابن إسحاق أن يتزود من علم هؤلاء ومن علم تلاميذهم، وأن يطلع على اتجاه مدارسهم وأفكارها فكانت رحلته الأولى إلى مصر، التي أصحبت منذ أن تم فتحها على يد الفاتح الكبير البطل الجليل عمرو بن العاص ، سنة ٢١هـ مركزًا من مراكز العلوم الإسلامية، فقد أسس الفاتح عمرو بن العاص مدينة الفسطاط سنة ٢١هـ أي عند تمام الفتح، وأسس مسجده العتيق -أو تاج الجوامع- الذي يعتبر أول مسجد يؤسس في قارة إفريقيا والذي أصبح مركزًا للدراسات الإسلامية، ومدرسة من أشهر المدارس، أساتذتها هم صحابة رسول الله ﷺ سواء الذي جاءوا مع جيش الفتح مجاهدين، أو الذي لحقوا بهم وجاءوا بعد تمام الفتح وطاب لهم المقام في أرض الكنانة، وعلى ضفاف النيل واستقروا فيها، وقد ازدهرت المدرسة المصرية في الدراسات الإسلامية، وذاع صيتها، وأصبحت لها مكانة علمية رفيعة، فتاقت نفوس علماء الأقطار الأخرى إلى زيارتها وملاقاة علمائها والأخذ عنهم وإعطائهم أيضًا، فالعلم أخذ وعطاء، فما من عالم كبير في المشرق -في ذلك الوقت- سواء في مكة المكرمة، أو المدينة المنورة،
следующие страницы →