← Сира

Сира · id 22678

أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (84 стр.). Показаны 71–84 · переход к 76.

стр. 71

الواقدي: هو محمد بن عمر بن واقد، الملقب بلقبه المشهور «الواقدي» , وهو مولى من الموالي، قيل مولى بني هاشم، وقيل مولى بني سهم ابن أسلم. يعتبر الواقدي -عند العلماء-١ الثاني بعد ابن إسحاق في سعة العلم بالمغازي والسير. وقد ولد الواقدي بالمدينة المنورة سنة ١٣٠هـ وتوفي سنة ٢٠٧هـ ببغداد، ودفن في مقابر الخيزران، حسب رواية تلميذه محمد بن سعد، وقد لقي كثيرًا من الشيوخ وأخذ عنهم العلم مثل معمر بن راشد، ومالك بن أنس -الإمام المشهور- وسفيان الثوري، ومن أشهر شيوخه في السير والمغازي والتاريخ أبو معشر السندي، الذي وصفه الإمام أحمد بن حنبل بأنه كان بصيرًا بالمغازي٢.وقد ألف فيها كتابًا ذكره ابن النديم في الفهرست، اقتبس منه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى في الجزء الخاص بالسيرة النبوية وكذلك الطبري. وقد استفاد الواقدي كثيرًا

стр. 72

من علم أبي معشر خاصة في المغازي والتاريخ عندما تتلمذ عليه وهو في المدينة١. وقد اتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بدءًا من هارون الرشيد عن طريق علمه وسعة معلوماته عن الغزوات ومشاهد رسول الله ﷺ فقد روي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حج في أول سنة من خلافته سنة ١٧٠هـ. قال ليحيى بن خالد البرمكي: "ارتد لي رجلًا عارفًا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل ﵇ على النبي ﷺ ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء، فسأل يحيى ابن خالد عن العالم الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها الخليفة فدله الناس على الواقدي، وذلك حسب قوله هو -أي الواقدي- فقد قال: "كلهم دله علي، فبعث إلي فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي يا شيخ؛ إن أمير المؤمنين -أعزه الله- يريد أن تصلي العشاء الآخرة في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها، ففعلتُ، ولم أدع موضعًا من المواضع، ولا مشهدًا من المشاهد إلا مررت بهما -يعني: الخليفة هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي- عليه. ومنحاه مالًا كثيرًا وطلب إليه يحيى بن خالد البرمكي -الذي كانت كلمته نافذة في الدولة العباسية كلها في ذلك الوقت- أن يصير إليه في العراق، ففعل، وتوطدت صلته

стр. 73

به وأغدق عليه كثيرًا من الأموال وأخلص هو في حبه للبرامكة، حتى إنه بعد نكبتهم المشهورة سنة ١٨٧هـ، كان كثير الترحم على يحيى بن خالد كلما ذكر اسمه. ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي، ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر الهدى، وهي المحلة المعروفة بالرصافة في شرق بغداد، وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته وظل في منصب القضاء حتى وفاته سنة ٢٠٧هـ على أرجح الأقوال. وقد نبغ الواقدي في علم المغازي والسير والتاريخ الإسلامي بصفة عامة، قال عنه البغدادي: "وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره، ولم يخف على أحد عرف أخبار الناس أثره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم؛ من المغازي والسير والطبقات، وأخبار النبي ﷺ والأحداث التي كانت في وقته، وبعد وفاته ﷺ وكتب الفقه، واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك"١. وحدث هو عن نفسه فقال: "ما أدركت رجلًا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته، هل سمعت أحدًا من أهلك

стр. 74

يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه"١. وكان الواقدي غزير الإنتاج كثير التأليف حتى عد له ابن النديم ما يقرب من أربعين كتابًا معظمها في المغازي والسير والتاريخ -تاريخ الفتوح بصفة خاصة- وقال ابن النديم: "خلف الواقدي بعد وفاته ستمائة قمطر كتبًا، كل قمطر منها حمل رجلين، وكان له غلامان مملوكان، يكتبان الليل والنهار، وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار"٢. وكانت كتب الواقدي مصدرًا أصيلًا لكل المؤرخين الذين جاءوا بعده فما من مؤرخ إلا واقتبس من كتبه، مثل اقتباسات الطبري من كتاب التاريخ الكبير. ولكن لسوء الحظ ضاعت معظم هذه الثروة العلمية التي خلفها الواقدي ولم يبق من كتبه إلا عدد قليل، منها كتاب فتوح الشام، وكتاب المغازي، وقد ذكر في أوله شيوخه الذين أخذ عنهم علم المغازي فأوصلهم إلى خمسة وعشرين شيخًا، ومعظمهم من أهل المدينة.

стр. 75

ومغازي الواقدي أكثر إخبارًا عن سيرة النبي ﷺ في المدينة وهو أميل في أخباره إلى الفقه والحديث من ابن إسحاق، وهو أحيانًا يرجع إلى مادة علمية مكتوبة في صحف رآها واعتمد عليها. فقد قال تلميذه وكاتبه ابن سعد: "قال الواقدي حدثني عبد الله بن جعفر الزهري قال: وجدت في كتاب أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور.. وقال محمد بن عمر -الواقدي- نسخت كتاب أهل أذرح فإذا فيه.. إلخ. ويمتاز عمن سبقه بالدقة في تعيين تاريخ الحوادث١. ومن المآخذ التي أخذها العلماء على الواقدي أن صلته بالخلفاء العباسيين قد أثرت في أمانته العلمية، فأعرض عن ذكر الأحداث التي تغضبهم، أو لا يرضون عنها، ومن أمثلة ذلك حذف اسم العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ من جملة أسماء الذين شاركوا في معركة بدر من مشركي مكة، ووقعوا أسرى في يد المسلمين. رأي العلماء في الواقدي: اختلف علماء الحديث حول الواقدي اختلافًا كبيرًا، بين معدِّل له وبين مجرِّح، وقد حكى الخطيب البغدادي أقوالهم٢ على

стр. 76

اختلافها، وملخصها أن الإمام مالك بن أنس كان يثق في رواياته -بينما كان لا يثق في روايات ابن إسحاق كما سبق ذكره- وكذلك كان يثق في الواقدي من فقهاء الحنفية: محمد بن الحسن الشيباني، بل لقبه بأمير المؤمنين في الحديث، وذلك قبل أن يصبح هذا اللقب مقصورًا على الإمام البخاري فيما بعد. ووثق به من فقهاء الشافعية: القاسم بن سلام. أما الذين طعنوا عليه فمنهم، علي بن محمد المديني، ومن أقواله فيه: "عند الواقدي عشرون ألف حديث لم يسمع بها". وقال عنه يحيى بن معين: "أغرب الواقدي على رسول الله ﷺ عشرين ألف حديث". وقال عنه أحمد بن حنبل: "الواقدي يركب الأسانيد". والظاهر أن مطاعن المحدثين عليه كمطاعنهم على غيره من كتاب المغازي والسير؛ لاختلاف المنهج بين الطائفتين. فهو لم يكن يتقيد بمذهبهم من ناحتين: الأولى: أنه كان يأخذ من الصحف، ويعتمد على الكتب، وثقات المحدثين كانوا يكرهون تلك الطريقة أشد الكراهية، ويرون أنه لا يصح للمحدث أن يحدث بحديث إلا إذا كان قد سمعه بأذنه ممن روى عنه. الثانية: أنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدًا، مع أن جزءًا من المتن لبعض الرواة، وجزءًا آخر

стр. 77

لرواة آخرين، وكان المحدثون يعدون هذا عيبًا، وقد عابوا ذلك على الزهري وتلميذه ابن إسحاق من قبل. وكان عذر الواقدي لاستعماله تلك الطريقة، أنه لو أفرد كل حديث بسنده لطال الأمر جدًّا، فقد روي أنه لما طالبه تلاميذه بإفراد كل حديث بسنده، أراد أن يبرهن لهم على سلامة منهجه، فجاءهم بالأحاديث الخاصة بغزوة أحد باتباع إفراد كل حديث بسنده فاستكثروا ذلك؛ وقالوا: ردنا إلى الأمر الأول١. والخلاصة، أنه مهما كان من أمر اختلاف العلماء حول الواقدي -والناس لا يختلفون عادة إلا على الأشياء الكبيرة- فقد كان واسع العلم بالمغازي والسير، كما كان عالمًا بالفقه والحديث والتفسير، وكان من أكبر المصادر التي عول عليها واعتمدها كبار المؤرخين، خاصة الطبري. وقد سبق أن ابن النديم عد للواقدي ما يقرب من أربعين كتابًا في مختلف العلوم الإسلامية، أشهرها في السير والمغازي، والفتوح، كفتوح الشام، وفتوح العراق. فرحمه الله وجزاه عن العلم خير الجزاء.

стр. 78

محمد بن سعد: يعتبر محمد بن سعد آخر الكتاب الكبار في المغازي والسير وهو من مواليد البصرة سنة ١٦٨هـ، وكان من الموالي؛ فآباؤه كانوا موالي للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وقد رحل ابن سعد إلى المدينة المنورة، ثم إلى بغداد، حيث اتصل بأستاذه محمد بن عمر الواقدي، وارتبط به ارتباطًا وثيقًا، وكان يدون له كتبه وأحاديثه١، ومن أجل ذلك اشتهر بأنه كاتب الواقدي، واستفاد ابن سعد من أستاذه فائدة كبرى، ومعظم كتبه التي ألفها استقاها من علمه -وليس معنى هذا أنه لم يستفد من علم غيره، فقد استفاد كثيرًا من علماء آخرين سبقوا الواقدي كابن إسحاق وأبي معشر السندي، وموسى بن عقبة، وغيرهم- وكما استفاد ابن سعد من علم أستاذه، فقد كان هو نفسه صاحب فضل كبير في ترتيب علم أستاذه، وكثيرًا ما كان يزيد عليه، فقد كان يكمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية، وقد استعان في ذلك بعلم هشام الكلبي، الذي كان حجة في أخبار الجاهلية، وقد خلف لنا ابن سعد واحدًا من أهم وأشهر المصادر الإسلامية، في السير والمغازي، وأخبار الصحابة والتابعين وطبقاتهم- وهو كتاب

стр. 79

الطبقات الكبرى، والذي وصلنا سالمًا -لحسن الحظ- وهو في ثمانية أجزاء، وقد خصص ابن سعد الجزأين: الأول والثاني منه لسيرة رسول الله ﷺ ومغازيه والأجزاء الستة الباقية خصصها لأخبار الصحابة والتابعين حسب مواطنهم وأمصارهم، فمن في مكة المكرمة، ومن في المدينة المنورة، ومن في البصرة، ومن في الكوفة، ثم رتب علماء كل مصر، حسب شهرتهم وزمانهم. وكان ابن سعد موضع ثقة المحدثين، ومدحه كثيرون منهم، فقد قال فيه الخطيب البغدادي: "محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته"١. وإذا كان ابن سعد قد تتلمذ على أشهر علماء السير والمغازي في وقته، وارتبط اسمه واشتهر بأنه كاتبه، وهو الواقدي، فقد كان هو بدوره أستاذًا لكثير من العلماء، من أشهرهم المؤرخ الكبير، البلاذري صاحب كتاب فتوح البلدان، وهو من أشهر وأهم الكتب في موضوعه. وقد توفي ابن سعد في بغداد سنة ٢٣٠هـ. ﵀ رحمة واسعة. هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، هم أشهر وأكبر مؤرخي وكتاب المغازي والسير، طوال القرنين الأول والثاني للهجرة ومطلع

стр. 80

القرن الثالث، ومن خلال ما مر نستطيع أن نستنتج النتائج الآتية:١. ١- إن أكثر وأشهر كتاب السير والمغازي الأولين، كانوا من أهل المدينة، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا، لأن أكثر أحداث السيرة، وكل المغازي كانت في المدينة، والنبي ﷺ هو محور كل ذلك، وكان من حوله من الصحابة أعرف الناس بتلك الأخبار، لأنهم شهودها ومشتركون فيها، وكان يروونها ويحدثون بها ويتناقلونها في فخر واعتزاز كبيرين، وقد تلقى التابعون منهم كل ذلك بشغف كبير وسلموا كل ذلك إلى رجال التدوين الذين حفظوه بكل تفاصيله، وسلموه بدورهم للأجيال التالية حتى وصل إلينا، وهو ثروة قلما حظيت بها أمة من الأمم عن تاريخ نبيها وسيرته ومغازيه، فجزاهم الله خير الجزاء، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته. ٢- كانت السير والمغازي -في البداية- جزءًا من الحديث يرويه الصحابة، كما يروون الأحاديث، وقد شغلت السيرة النبوية حيزًا غير قليل من الأحاديث، والذين ألفوا في الأحاديث لم تخلُ كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي -صلى الله وعليه وسلم- ومغازيه وخصائصه ومناقبه، وقد استمر هذا المنهج، حتى بعد أن انفصلت السيرة، عن علوم الحديث، وأصبحت علمًا مستقلًّا، له علماؤه ومؤلفوه، وأقدم كتاب

стр. 81

وصل إلينا في علم الحديث، وهو موطأ الإمام مالك بن أنس -المتوفى سنة ١٧٩هـ- لم يخلُ من ذكر طائفة كبيرة من الأحاديث التي تتعلق بسيرة النبي ﷺ وأوصافه وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد١. واستمر هذا التقليد، أو هذا المنهج بعد ذلك في كتب كبار علماء المحدثين، وفي مقدمتهم الإمامان: البخاري -المتوفى سنة ٢٥٦هـ- ومسلم بن الحجاج -المتوفى سنة ٢٦١هـ- فقد اشتمل صحيحاهما على جزء كبير من مغازي رسول الله ﷺ وفضائله وفضائل أصحابه ومناقبهم، وقد شغل ذلك عشر صحيح البخاري٢ وحذا حذو البخاري ومسلم أصحاب السنن والمسانيد في كتبهم. ٣- سلك معظم المؤلفين الأوائل في السيرة والمغازي مسلك علماء الحديث؛ من حيث العناية بالإسناد، وإن بعضهم -كمحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي وأمثالهما- قد اضطر هؤلاء مراعاة لسير الحوادث وترتيبها في نسق واحد، أن يجمعوا الأسانيد، ويجمعوا بعد ذلك المتن، من غير أن يفردوا كل جزء من المتن بسنده، وقد قصدوا بذلك عرض الحادثة التاريخية في

стр. 82

إيجاز؛ تسهيلًا على القراء. ولكن المحدثين عابوا عليهم تلك الطريقة، وهاجموهم من أجلها، كما ذكرنا آنفًا. وبعد؛ فهؤلاء هم أشهر رواد علم السيرة النبوية ومغازي رسول الله ﷺ نقدمهم للمسلمين؛ ليعرفوا فضلهم في تسجيل أحداث أشرف سيرة وأعطر حياة عرفتها البشرية، وهي سيرة وحياة خير الخلق أجمعين؛ محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 83

محتويات الكتاب: الصفحة الموضوع ٣ مقدمة. ١٣ دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول ﷺ . ١٤ بداية التأليف في السيرة النبوية. ١٩ طبقات كتاب السيرة. ١٩ رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير. ١٩ أبان بن عثمان. ٢١ عروة بن الزبير. ٢٥ شرحبيل بن سعد. ٢٥ وهب بن منبه. ٢٨ رجال الطبقة الثانية من كتَّاب المغازي والسير. ٣٠ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. ٣٣ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو. ٣٦ عاصم بن عمرو بن قتادة.

стр. 84

الصفحة الموضوع ٣٧ رجال الطبقة الثالثة من كتاب المغازي والسير. ٣٧ موسى بن عقبة. ٣٩ معمر بن راشد. ٤٠ محمد بن إسحاق المطلبي. ٧٥ الواقدي. ٨٢ محمد بن سعد. طبع بمطبعة وزارة الأوقاف بطرة البلد