← Сира

Сира · id 2275

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (732 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة]ـ المؤلف: محمد بن خليفة بن علي التميمي الناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٨هـ/١٩٩٧م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

المجلد الأول مقدمة ... مقدمة المؤلف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى عليه وعلى آله وسلم تسليما. أما بعد: فما من بناء إلا وله أصل وأساس يقوم عليه، وإن أساس بناء دين الإسلام يقوم على أصلين هما: ١- عبادة الله وحده لا شريك له. ٢- الإيمان برسوله ﷺ وهذا حقيقة قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فمن خرج عن واحد منهما فلا عمل له ولا دين. ومن أجل ذلك فإن من المتعين على كل مسلم أن يعرف ما يدل عليه كل واحد من هذين الأصلين وما يشتمل عليه من أمور وأحكام، معرفة تخرجه من حد الجهل على أقل الدرجات، وأن يلتزم بذلك اعتقادا وقولا وعملا لينال بذلك الفوز والسعادة في الحياة الدنيا وبعد الممات. وهذه الرسالة موضوعها الأصل الثاني من أصلي هذا الدين وقد سميتها:

стр. 3

"حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة" وقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع أهميته بالدرجة الأولى فهو كما أسلفت يُعنى بأحد أصلي الدين "شهادة أن محمدا رسول الله" فمن المهم والمفيد أن تبحث جوانب هذا الأصل وتعرف وتعرض وفق ما جاءت بذلك نصوص القرآن والسنة ووفق ما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله عنهم أجمعين. وبخاصة أننا نعيش في زمان قد حاد فيه كثير من الناس عن جادة الصواب في هذا الأصل واضطربوا اضطرابا شديدا. فتجلية الأمر وتوضيح الصواب وبيان الحق في هذا الأصل من الواجبات المتعينة على طلبة العلم في هذا الزمان، نظرا لعدم توفر كتاب بعينه يكون شاملا لجميع جوانب هذا الموضوع وتطمئن له النفس من جهة سلامة ما احتواه يمكن إحالة عامة الناس عليه. فرأيت أن من الرأي القويم أن أكتب في هذا الموضوع لأجمع فيه ما تفرق وأرتب ما تشتت، وأشرح ما يحتاج إلى شرح، وذلك وفق ما كان عليه منهج سلفنا الصالح من الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة ونقل كلام الصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين ﵃ أجمعين. فأرجو أن أكون قد وفقت في عرض هذا الموضوع على الوجه المطلوب، كما وفقت في حسن الاختيار أولا.

стр. 4

عملي في هذا الكتاب ويتلخص عملي في النقاط التالية: ١- جمعت المادة العلمية المتعلقة بالموضوع من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار مروية عن سلف الأمة، ونقول وأقوال للمتقدمين، والمتأخرين مما له صلة بالموضوع. ٢- قسمت ما جمعت على أبواب الرسالة وفصولها ومباحثها ومطالبها ومسائلها ونقاطها، فرتبت ما تشتت وجمعت ما تفرق واختصرت وانتقيت مما توسع فيه حسب ما يقتضيه المقام وتدعو إليه الحاجة. ٣- جعلت الآيات القرآنية بين قوسين هكذا ﴿﴾ وأشرت في الحاشية إلى رقم تلك الآية والسورة التي وردت فيها. ٤- جعلت الأحاديث النبوية بين فاصلتين مزدوجتين " " مع تخريج كل حديث أوردته حسب ما يقتضيه المقام، وفي حالة ورود الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بذلك عن عزوه إلى غيرهما. ٥- عزوت الآثار المروية عن الصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين إلى مصادرها بحسب ما وقفت عليه منها. ٦- شرحت بعض الكلمات الغريبة معتمدا في ذلك على كتب غريب الحديث وشروحه والمعاجم اللغوية. لا- وثقت النقول والأقوال والآراء من المصادر والمراجع التي نقلتها منها وذلك بذكر الجزء والصفحة، وما تصرفت فيه أشرت، إلى ذلك بعبارة "بتصرف" في أغلب الأحيان. ٨- ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة عند أول موضع يرد فيه ذكر العلم. ٩- وضعت فهارس للأمور التالية:

стр. 5

ا- فهرس الآيات القرآنية. ٢- فهرس الأحاديث المرفوعة والموقوفة. ٣- فهرس للآثار على ترتيب أصحابها. ٤- فهرس للكلمات الغريبة والمواطن والفرق. ٥- فهرس للأعلام المترجم لهم. ٦- فهرس للمصادر والمراجع. ٧- فهرس لموضوعات الرسالة. وبعد: فهذا جهد المقل وأستسمح القارئ الكريم عذرا إذا ما وجد في عملي هذا تقصيرا، فهذا جهد بشر، والمرء يستحضر في هذا المقام قول القائل: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يوم إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"١ وفي الختام: أتوجه بالشكر إلى الله تعالى الذي سهل لي أمر إعداد هذه الرسالة بفضل منه وتوفيق، وأسأله سبحانه أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه وأن ينفعنا بما علمنا إنه على كل شيء قدير. ومن ثم أشكر فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري المشرف على هذه الرسالة على بذله من جهد وعون وتوجيه في إعدادها فجزاه الله خيرا، وكذلك كل من بذل المساعدة لي في إنجازها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 6

تمهيد الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم، والملة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها، وأمره بأن يقول ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ١ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. وبعد: فإن الله لم يخلق الخلق عبثا قال تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢. بل خلقهم لغاية ذكرها في كتابه الكريم في أكثر من موضع فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . ٣ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . ٤ وقال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ فالحكمة من خلقه للخلق هي اختبارهم وابتلاؤهم ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. فهذه هي الحكمة من خلقهم أولا وبعثهم ثانيا. ولذلك لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم رسله، فكان من سنة الله ﵎ مواترة

стр. 7

الرسل وتعميم الخلق بهم، بحيث يبعث في كل أمة رسولا ليقيم هداه وحجته كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢، وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ ٣، وقال تعالى ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما﴾ ٤ فالرسل هم الواسطة بين الله ودون خلقه في تبليغ أمره ونهيه وإرشاد العباد إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم. وإن الله ﵎ جعل محمدا ﷺ خاتم النبيين، وأرسله للناس أجمعين، وأكمل له ولأمته الدين، وبعثه على حين فترة من الرسل وظهور الكفر وانطماس السبل، فأحيا به ما درس من معالم الإيمان، وقمع به أهل الشرك والكفر من عبدة الأوثان والنيران والصلبان، وأذل به كفار أهل الكتاب، وأهل الشرك والارتياب، وأقام به منار دينه الذي ارتضاه، وشاد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه. فالله أرسل محمدا ﷺ للناس رحمة وأنعم به نعمة يا لها من نعمة: قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً﴾ ٦ وهم الذين لم

стр. 8

وإنما كان إرساله ﷺ إلى الناس أعظم منة امتن بها على عباده لأن في ذلك تخليص من وفقه الله وهداه منهم من العذاب السرمدي، وذلك بسبب الإيمان بالله ورسوله والابتعاد عن كل ما يوجب دخول النار والخلود فيها. ولذلك فإن الناس أحوج ما يكونون إلى الإيمان بالرسول ﷺ والأخذ بما جاء به من الدين فهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل ومن نفس الهواء الذي يتنفسونه، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ١ أي كذب به وتولى عن طاعته، فهم محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته والأخذ بما جاء به والالتزام بذلك في كل مكان وزمان ليلا ونهارا، سفرا وحضرا سرا وعلانية. ولما كانت منزلة النبي ﷺ عند ربه بهذه المرتبة وكانت حاجة الناس إليه بهذه الدرجة، فقد أوجب الله لنبيه ﷺ على هذه الأمة جملة من الحقوق والواجبات تنظم العلاقة التي تربطهم به تنظيفا دقيقا لا لبس فيه ولا اشتباه. وهذه الحقوق منها ما يتصل بجانب الرسالة التي بعث بها، ومنها ما يتعلق بخاصة شخص الرسول ﷺ تفضيلا وتكريما من الله له. وقد وردت في شأن تلك الحقوق نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وضَّحت وفصَّلت وبيَّنت جوانب تلك الحقوق. وهذه الحقوق في جملتها هي الأصل الثاني من أصلي الدين كما يدل عليه قولنا "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله". ولذا فقد كان لزاما على كل من ينطق بهذه الشهادة، ويدين الله بهذا الدين

стр. 9

أن يحيط بتلك الحقوق معرفة، ويلتزم بها اعتقادا وقولا وعملا، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يحصل إيمان العبد إلا به. ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين اليوم هم على درجة كبيرة من الجهل بهذه الحقوق فتراهم لذلك على طرفي نقيض هذا المقام: - فإما مقصر عن القيام بهذه الحقوق التي أوجبها الله على الأمة فتراه لا يقيم لها وزنا ولا يلقي لها بالا. - وإما غال مبتدع منكب على ما ابتدعه، يظن أنه بما يفعله من أمور مبتدعة في هذا المقام قد أحسن صنعا وأنه مؤد لما أوجبه الله من حق لنبينا محمد ﷺ وكلا الطرفين صاحب حال مذموم غير محمود. فلما كان عامة أصحاب هذين الطرفين إنما أوقعهم فيما هم فيه، جهلهم بمعرفة تلك الحقوق على الوجه المطلوب شرعا. ولما كانت هذه الحقوق هي من جملة هذا الدين الذي تعبدنا الله به، فكان لا بد فيها من توفر شرطي القبول: أ- الإخلاص. ٢- الصواب (الاتباع) . كما قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ١ فقد أحببت أن أوضح تلك الحقوق النبوية وفق ما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، عسى أن يكون في هذا البيان والتوضيح تعليم للجاهل، وتذكير للغافل، وتحذير وردع للمبتدع، ومدارسة للعارف.

стр. 10

فأسأل الله التوفيق والرشاد وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه ﷺ والسير على هديه والتأسي به، وأن يشرح لذلك صدورنا وينير قلوبنا إنه جواد كريم وعلى كل شيء قدير.

стр. 11

الباب الأول: وجوب الإيمان بالنبي ﷺ وطاعته واتباع سنته الفصل الأول: وجوب الإيمان بالنبي ﷺ المبحث الأول: تعريف الإيمان وبيان معنى شهادة أن محمدا رسول الله المطلب الأول: تعريف الإيمان عموما ... المطلب الأول: تعريف الإيمان عموما. أ- المعنى اللغوي لكلمة "آمن": الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن أ- ويرى جمع من أهل اللغة أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري١: "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق"٢. واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٣ فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا٤. ٢- أما علماء السلف٥ فيقولون إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما: أ- بمعنى صدق به وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ﴾ الآية٦ أي صدق الرسول٧. ب- وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ، وقوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ ٨.

стр. 12

وقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: "إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار١ والطمأنينة أيضا"٢ واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية: أولا: إن الترداف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي الإيمان ... التصديق - إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك. - إن كلمة آمن تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة - إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب - إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم. ... - أما كلمة "صدق" فلا تتعدى باللام فلا يقال "صدق له" إنما يقال "صدق به" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه. - أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة. - أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت - أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.

стр. 13

وبهذا يتبين عدم الترداف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط١ كما أن الكفر ليس التكذيب فقط. ثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر. فالخبر: يستوجب تصديق الخبر. والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به. فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو "الطمأنينة والإقرار" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر. ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢ فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمرالله له بالسجود لآدم. لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط. وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل

стр. 14

إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون. ومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته- وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره- فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو "الجهل" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبزا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. "وأشهد أن محمدا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.

стр. 15

فبمجموع هاتين الشمهادتين يتم الإقرار. فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين- وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول- ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس"١. ثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ هو التصديق غير مسلم. إذ يرى علماء السلف أن تفسيرها بـ "أقررت" أقرب من تفسيرها بـ " صدقت " وذلك لأن لفظ "آمن" متى عُدّي باللام يكون بمعنى "أقر" وليس بمعنى "صدق"، إذ لا يكون بمعنى صدق الا إذا عُدّي بالباء أوبنفسه. ب- المعنى الشرعي للإيمان: تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان: أ- فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل. ٢- وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية. ٣- وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة ٢. ٤- وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية٣.

стр. 16

قال شيخ الإسلام ابن تيمية١ بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: "وكل هذا صحيح"٢ وعلل ذلك بقوله٣: "فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح". وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان. وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه. وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به. ومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال. كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة٤ الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل٥.

стр. 17

وأما من عرفه بقوله هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ "ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان. وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك١. وأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة "واتباع سنة" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد سئل سهل بن عبد الله التستري٣ عن الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة. لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر. وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق. وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة٤. وأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

стр. 18

وهذا التعربف هو الذي يميز قول السلف في مسمى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق١ ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم. ج- دلالة اسم الإيمان: تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل: أ- مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ "العمل" و"الإسلام". ٢- أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام. فإذا استعمل مطلقا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله ١ الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم: أ- المرجئة بطوائفهم الخمس: ا- الجهمية: وقالوا الإيمان هو معرفة القلب فقط: أى المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله. ٢- الأشاعرة: وقالوا الإيمان هو التصديق فقط أي التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله. ٣- الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة. ٤- الكرامية: قالوا الإيمان قول باللسان فقط. ٥- مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء) قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول الكلابية. وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان. ب- الخوارج: قالوا الإيمان قول واعتقاد وعمل ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفى الآخرة خالد في النار. ج- المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر، واتفقوا معهم في باقي الأمور. انظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣- ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩) .

стр. 19

الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة- من الصحابة والتابعين وتابعيهم- الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات- فرضها ونفلها- في مسماه"١. ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٣. فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس٤ رضي الله

стр. 20

عنهما: أن وفد عبد القيس١ لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس ... " الحديث٢. فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور. وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤. وفول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره " ٥. فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف

стр. 21

الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية٢. وقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل". قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية. "فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس"٣.

стр. 22

خلاصة القول: إن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب. وإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل. وإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام١ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .

стр. 23

المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ "الإيمان بالرسول: هو تصديقه وطاعته واتباع شريعته".١ وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ وعن بيان هذه الأمور مطلوبة عند الإيمان به بالنبي ﷺ . قال العلماء: أ- أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان: أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به صلى الله عليه وسلم٢. ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها: ١- الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم. ٢- الإيمان بكونه خاتم النبين ورسالته خاتمة الرسالات. ٣- الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع. ٤- الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها. ٥- الإيمان بعصمته ﷺ . ٦- الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره كمحبته وتعظيمه ﷺ . وسيأتي تفصيل الأمور الخمسة المتقدمة بأدلتها في المباحث اللاحقة من هذا الفصل بإذن الله تعالى.

стр. 24

أما الحقوق الأخرى الواجبة له فسيأتي تفصيلها في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى. الثاني:" تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد"١. فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ، من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢. قال شارح العقيدة الطحاوية: "يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا هملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية"٣. ب- طاعته واتباع شريعته: إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ . وهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤. فيجب على الخلق اتباع شريعته والالتزام بسنته مع الرضا بما قضاه والتسليم

стр. 25

له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله وأن معصيته معصية لله لأنه هو الواسطة يين الله وبين الثقلين في التبليغ. وسيأتي بيان هذه المسألة في الفصل الثاني من هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " يجب على الخلق الإقرار١ بما جاء به النبي ﷺ فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة"٢.

стр. 26

المطلب الثالث: معنى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ أ- معناها: "معنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"١. وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور. ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد كما سبق وأن ذكرت في لفظ الإسلام والإيمان، أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"٣. ب- شروط الشهادتين: بعد ذكر معنى "شهادة أن محمدا رسول الله " ناسب المقام أن نشير ههنا

стр. 27

إلى شروط هذه الشهادة بشقيها، لأننا في زمان يجهل فيه كثير من الناس هذه الشروط، إذ يعتقد كثير منهم لجهلهم أن التلفظ وحده يكفي لتحقيق الشهادة ويستغنون بهذا عن العمل بالمقتضى المترتب على هذه الشهادة. وتصويبا لهذا الخطأ وإزالة لهذا الجهل أقول: إنه من المعلوم أن العبد لا يدخل في دين الإسلام إلا بعد الإتيان بالشهادتين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله". قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢. ومن المعلوم كذلك أن جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع على لسان رسوله ﷺ ونطيعه فيما جاء به عن ربه ، والدين كله داخل في هذا. ولهاتين الشهادتين شروط لا بد من توفرها فيهما، إذ لا يمكن لقائلهما أن ينتفع بهما إلا بعد اجتماعها فيهما، وهذه الشروط مطلوبة في كلا الشهادتين، وذلك لما بينهما من التلازم، فالعبد لا يدخل في الدين إلا بهما معا. وهي سبعة شروط: الشرط الأول: العلم:

стр. 28

إذ العلم بالشيء شرط عند الشهادة به ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. ومن الأدلة على وجوب العلم بالشهادة قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢، وقول النبي ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٣. والعلم المراد به هنا هو معرفة معنى الشهادتين ومقتضاهما واللوازم المترتبة على ذلك. فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله. ومقتضاها ولازمها: نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله تعالى وإفراده بالعبادة مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به٤. ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: الإقرار والاعتراف للرسول ﷺ أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة٥. ومقتضاها ولازمها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع. الشرط الثاني: اليقين: أي استيقان القلب بالشهادتين، وذلك بأن يعتقدهما اعتقادا جازما لا

стр. 29

يصاحبه شك أو ارتياب، لأن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبه فبشره بالجنة" الحديث٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣. الشرط الثالث: الإخلاص: "وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك"٤. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية٥. وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٦ "أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له". وقال قتادة٧ في قوله ﵎: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ شهادة أن لا

стр. 30

إله إلا الله " ١. وعن عتبان بن مالك٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ٣. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٤. الشرط الرابع: "الصدق فيها المنافي للكذب. وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطىء قلبه لسانه"٥. قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٦، "أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون،

стр. 31

وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة"١. وعن أنس بن مالك٢ ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ٣ رديفه على الرحل- قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ" قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" الحديث٤. الشرط الخامس: المحبة: "لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت علييه ولأهلها والعاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك"٥. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ

стр. 32

اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، ففي الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله ولا خلاف في ذلك بين الأمة وأن ذلك مقدم على كل محبوب٢. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ الآية٣. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ الآية٤. وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٥. الشرط السادس: الانقياد: أي الانقياد والاستسلام ظاهرا وباطنا لأوامر الله وما أنزله من الشرع على لسان نبيه ﷺ

стр. 33

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١ ففي هذه الآية: "يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ، أي في عمله: باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي فقد أخذ موثقا من الله متينا أنه لا يعذبه ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ "٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ٣. والآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً٤﴾ ٥ الشرط السابع: القبول: أي قبول الشهادتين والالتزام بمقتضياتها ولوازمها. قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا

стр. 34

غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١، وقال تعالى في شأن من لم يقبلها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢. وعن أبي موسى الأشعري٣ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية ٤ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب ٥ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ٦ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٧. فهذه هي شروط الشهادتين يجب على المسلم تحقيقها والإتيان بها على الوجه المطلوب حتى يكون من أهلها.

стр. 35

ج- مراتب الشهادة: إذا علم العبد معنى الشهادتين وشروطهما فينبغي له أن يكون على علم بأن للشهادة مراتب يتدرج عليها الشاهد مرتبة بعد مرتبة حتى يتم له تحقيق الشهادة على الوجه المطلوب. ومراتب الشهادة أربع هي١: المرتبة الأولى: العلم والمعرفة والاعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، فلا بد للشاهد أن يعلم ويعرف معنى الشهادتين وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. المرتبة الثانية: تكلمه بالشهادتين وإن لم يُعلِم بها غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. والله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٣ فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم. المرتبة الثالثة: أن يُعلِم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ومرتبة الإعلام والإخبار نوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل. وهذا شأن كل مُعلِم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بالقول وتارة بفعل ومما يدل

стр. 36

على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ الآية١ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه٢. المرتبة الرابعة: أن يلتزم بمضمونها ويأتمر به. ومجرد الشهادة لا يستلزم هذه المرتبة، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ الآية٤. والقرآن كله شاهد بذلك. وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية فقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ فشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع وهي: علمه بذلك، وتكلمه، وإخباره لخلقه، وإلزامهم وأمرهم به٦.

стр. 37

المطلب الرابع: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ إن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ وتبيين شروط الشهادة ومراتبها أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان١ ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ... " الحديث٢. وعن عمر بن الخطاب٣ ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"٤. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانا لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي". ولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:

стр. 38

لما كان الإيمان به ﷺ يعني تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ . القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه. القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ : ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ أو أمانته أو عفته أو صلاح عقله ونحو ذلك. كما يكفر من سب الرسول ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهُجر١ ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه"٢.

стр. 39

فالساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك١ وأهل المدينة وهو مذهب أحمد٢ وفقهاء الحديث وهو المنصوص عن الشافعي٣ نفسه كما حكاه غير واحد"٤. وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٥. وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى) ، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادا أو هازلا فقد كفر.

стр. 40

وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر١ ومحمد بن كعب٢ وزيد ابن أسلم٣ وقتادة- دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف ابن مالك٤: كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يارسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة٥ ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" ما يلتفت إليه،
следующие страницы →