← Тафсир

Тафсир · id 22750

أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البحث اللغوي: أ- في النحو: قوله: (إحسانا) نصب على المصدرية، وناصبه فعل مضمر من لفظه تقديره: وأحسنوا إحسانا. ب- في المفردات: إحساناً: من أحسن وهو أعم أعمال الخير، قال الراغب ﵀: الإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله، والإحسان أن يعطَي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له.

стр. 37

الإيضاح قال تعالِى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ المعنى أن مما وصىّ الله به عباده الإحسان إلى الوالدين إحساناً تاماً، لا يدخرون فيه وسعاً، والأمر بالإحسان إلى الوالدين جاء في أكثر من آية منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ الآية وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ٢ الآية وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ٣ الآية وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ ٤ الآية. ولا ريب أن هذا التوكيد المستمر يدل على أن الإحسان إلَى الوالدين من أوجب الواجبات في الشريعة الإسلامية وهل جزاء الإحسان الإحسان، وهو يستلزم ترك الإساءة وإن قلت وتضاءلت، فيكون النهي عن العقوق لازمَاً بالأولى، فإنه من المحرم ومن أكبر الكبائر عند الله قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبر بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" ٥ لذا أكد الكتاب والسنة على الإِحسان إلى الوالدين. قال العلماء: إن (أحسن) يتعدى (بالباء، وبإلي) فيقال: أحسن به، وأحسن إليه، والأول أبلغ ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ولم يقل وأحسن إلى الوالدين، فالإحسان بالوالدين وذي القربى أليق، لأن من أحسنت به هو من يتصل به برك وحسن معاملتَك ويلتصق به مباشرة على مقربة منك وعدم انفصال عنك. أما من أحسنت إليه، فهو الذي تسدي إليه برك، ولو على بعد أو بالواسطة، إذ هو شيء يساق إليه سوقاً، وقالوا: إن هذه التعدية لم ترد إلا في تعبيرين في مقامين: ١- التعبير بالفعل حكاية عن يوسف ﵇ وهو قوله لأبيه وإخوته: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ٦. ٢- التعبير بالمصدر المفيد للتوكيد والمبالغة في مقام الإِحسان بالوالدين جاء ذلك في

стр. 38

أربع سور البقرة والنساء وقد عطف فيهما ذوى القربى على الوالدين بالتبع قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى﴾ ١ الآية وفي النساء قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ الآية. وفي الأنعام التي نحن بصدد الكلام عنها، وفي الأحقاف٣ هذا لبيان اهتمام الكتاب العزيز بشأن الوالدين وإلا لولم يرد فيه إلا قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ دون توكيد لكفى في الدلالة على عظم عناية الشرع بأمر الوالدين بما تدلى عليه الصيغة والتعدية، فكيف وقد قرنه بعبادته، وجعله ثانيهما في الوصايا، وأكده في سورة الإسراء٤، كما قرن شكرهما بشكره في سورة لقمان٥ والأمر بالإحسان إلى الوالدين عام يشمل الأبوين المسلمين، والكافرين إلا إن أمرا بمعصية فلا طاعة لهما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ٦ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ ٧ الآية. فالآيتان ظاهرتان في عدم طاعة الوالدين في معصية الله وهما آمرتان ببر الوالدين ولو كانا كافرين، يوضح هذا سبب نزول الآيات قال الواحدي٨ رحمه الله تعالى: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁، وذاك أنه لما أسلم قالت له أمه حمنة: "يا سعد بلغن أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح٩ والريح، ولا آكل ولا أشرب، حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى ما كنت عليه". وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد ﵁، وصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب، ولم تستظل بظل، حتى خشي عليها، فأتى سعد النبي ﷺ وشكا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي في لقمان والأحقاف١٠، وساق الواحدي ﵀ القصة بسنده ١١ من طريق أبي

стр. 39

يعلى١ قال حدثنا أبو خيثمة. وهو زهير بن حرب شيخ الإمام مسلم الذي أخرج القصة أيضا عنه بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: نزلت هذه الآية في ... القصة ٢. وجاء في رواية أن سعدا ﵁ قال لأمه: "لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، قال فمكثت يوماً وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها، قال فلما رأيت ذلك قلت: تعلمي والله يا أمه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني هذا لشيء، إن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت"٣. هذه القصة الثابتة في سبب نزول الآية تؤكد أن طاعة الوالدين الكافرين واجبة في المعروف قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ذكر سبب النزول: "اقتضت الآية الوصية بالوالدين، والأمر بطاعتهما، ولو كانا كافرين، إلا إذا أمرا بالشرك- أو بمعصية- فتجب معصيتهما في ذلك، ففي الآية بيان ما أجمل في غيرها" ٤، وقد جاء في كتاب الله ما قد يفهم منه معارضة لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ لاسيما إذا كان الوالدان كافرين، وذلك قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٥ الآية فالنص على الآباء في الآية مشعر بوجوب عدم الموادة للأبوين الكافرين، قال الشيخ محمد الأمين ﵀ جواباً عن هذا الأمر: "الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه لا معارضة بين الآيتين، ووجه الجمع بينهما أن المصاحبة بالمعروف أعم من الموادة، لأن الإنسان يمكنه إسداء المعروف لمن يوده ومن لا يوده، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم، فكأن الله حذر من الوادة المشعرة بالمحبة والموالاة بالباطن لجميع الكفار، يدخل في ذلك الآباء وغيرهم، وأمر الإنسان بأن لا يفعل لوالديه إلا المعروف، وفعل المعروف لا يستلزم المودة، لأن المودة من أَفعال القلوب، لا من أفعال أن الجوارح، ومما يدل لذلك إذنه ﷺ لأسماء أن تصل أمها وهي كافرة٦، وقال بعض العلماء: إن قصتها سبب لنزول قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ " ٧ الآية.

стр. 40

انتهى كلامه رحمه الله١. وهو كلام جيد يزول به ما قد يعكر فهم البعض.. وأقول: من العلماء الذين أشار إليهم ﵀، الواحدي فإنه أخرج بسنده٢من طريق أبي يعلى- أنه قال- حدثنا إبراهيم بن الحجاج٣، حدثنا عبد الله بن المبارك٤، عن مصعب بن ثابت٥، عن عامر بن عبد الله بن الزبير٦، عن أبيه٧ قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر٨ بهدايا، ضباب، وسمن، وأقط، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، فسألت لها عائشة النبي ﷺ عن ذلك فقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية. فأدخلتها منزلها، وقبلت هداياها٩. وإذا كانت لكتاب الله عناية بالوالدين فإن السنة المحمدية لم تغفل أمرهما، فقد كان نبي الرحمة ﷺ يؤكد على طاعة الوالدين وبرهما، تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، فمن الأول ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سألت النبي ﷺ ، أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني" ١٠. ويلاحظ أن رسول الله ﷺ قدّم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله الذي هو من أكبر الحقوق العامة على الإنسان لأن حق الوالدين حق خاص ولذلك قال ﷺ لرجل قال له: "أجاهد؟ قال: لك أبَوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد" ١١. ومن الثاني قوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه" ١٢. وما ذكر في الحديث فرد من أفراد العقوق، وإن كان التسبب في لعن الوالدين من

стр. 41

الكبائر فالتصريح بلعنهما أشد. وقد فرقت السنة بين حق الأب والأم قال أبو هريرة ﵁: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من: قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك" ١. نقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر. قال: "وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٢ فسوى بينهما في الوصاية وخصَ الأم بالأمور الثلاثة". قال القرطبي: "المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الحب عند المزاحمة"٣. وقال عياض: "وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برهما سواء. ونقله بعضهم عن مالك. والصواب الأول"٤ قال الحافظ ابن حجر: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية- أي أنهما في البر سواء- لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر٥، وفيه نظر والمنقول عن مالك ليس صريحاً في ذلك، فقد ذكره ابن بطال قال: "سئل مالك، طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال: أطع أباك ولا تعص أمك". قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء كذا قال، وليست الدلالة على ذلك بواضحة٦. هذا جزء مما ذكره الحافظ في هذا الموضوع ومن يرغب في الاستيعاب فعليه بمراجعة المصدر وليعلم أن السنة تزخر بالحث على بر الوالدين، ليس في حياتهما فحسب بل بعد موتهما، قال أبو أسيد الساعدي ﵁: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ

стр. 42

عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما" ١. وكما أن الكتاب العزيز ربط شكر الوالدين بشكر الله ، كما تقدم بيانه، كذلك السنة النبوية ربطت رضى الوالدين برضى الله ، وسخطهما بسخطه قال الترمذي ﵀: حدثنا أبو حفص عمر بن عل٢، حدثنا خالد بن الحارث٣، حدثنا شعبة٤، عن يعلي بن عطاء٥، عن أبيه٦، عن عبد الله بن عمرو٧، عن النبي ﷺ قال: "رضى الرب من رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد" ٨. وقد أكثرت السنة من التنويه بشأن الوالدين وعظم حقهما، وكان رسول الله ﷺ يؤكد ذلك في كل مناسبة. ولاشك أن من قصر في حق والديه لا يرجى منه خير للإسلام، ولا للمجتمع، ولا للأمة، جعلنا الله هداة مهتدين، ورزقنا بر الوالدين، والسير على نهج خير المرسلين.

стр. 43

الأحكام يؤخذ مما تقدم: ١- وجوب طاعة الوالدين، وبرهما، وصيانتهما. ٢- تحريم عقوق الوالدين، والإساء إليهما. ٣- أن حقهما أعظم الحقوق بعد حق الله . ٤- تحريم طاعتهما فيما حرم الله .

стр. 44

الوصية الثالثة المناسبة ... الوصية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ . المناسبة: لعل المناسبة واضحة من السياق وأن الله لما قرر في كتابه العزيز واجب الابن

стр. 45

تجاه الوالدين أردف بالوصية بالأبناء وبيان ما لهم من الحقوق كما أوضح ما عليهم من الواجبات، وهذا تحقيق للموازنة بين الحقوق والواجبات.

стр. 46

البحث اللغوي: المفردات: الإملاق. فسرت هذه الكلمة بمعان عدة. ا- أن المراد بالإملاق الفقر. قاله ابن عباس١. ٢- الإنفاق. وقد سألت امرأة ابن عباس، "أأنفق من مالي ما شئت؟ " قال: "نعم أملقي من مالك ما شئت"٢. وذكر ابن عطية أن هذا ذكر عن علي رضي الله عنه٣. ٣- الإفساد٤. ٤- وقيل الجوع بلغة لخم. وقيل الإسراف. وفعل أملق يكون قاصراً ومتعدياً، يقال: أملق الرجل فهو مملق، إذا افتقر. فهذا اللازم، وأملق الدهر ما عنده. وهذا المتعدي٥.

стр. 47

الإيضاح: قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ الآية. أوصى الرب عباده بعدم الإقدام على قتل الأولاد، ذكوراً كانوا أم إناثاً، لأن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى على حد سَواء، وقد كان قتل الأولاد من أعمال الجاهلية ولاسيما البنات فحرم الله ذلك لأي سبب كان قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١ فالجاهليون كانوا يفعلون ذلك لأسباب عدة منها: أ- الفقر الواقع والحالّ بالوالدين. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ يفيد هذا المعنى أي من أجل فقر حالّ بكم، ولذلك قدم رزق الوالدين على الأولاد، لأنهم تابعون لآبائهم في الرزق الحالّ٢

стр. 48

٢- الفقر المتوقع مستقبلاً يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ ١ وهنا قدم رزق الأولاد على الآباء لتعلق رزقهم بالمستقبل وكثيراًَ ما يكون الآباء عاجزين عن الكسب، يحتاجون إلى أن ينفق عليهم فقدم رزق الأولاد في مقام الخوف والخشية من عدم الكسب وقلة الرزق٢. ٣- الخوف من العار، وهذا خاص بالبنات. فقد كانوا يئدون البنات حماية للشرف، وبعداً عن السُّبة، لكنها وسيلة قاسية وظالمة، والغاية في الإسلام لا تبرز الوسيلة. ٤- التدين، فقد ينحر الجاهلي ولده تقرباً إلى الآلهة. وقد يستدل له بأن عبد المطلب نذر حين لقي من قريش ما لقي لئن ولد له عشرة أولاد لينحرن أحدهم، لكن ذكر ابن هشام أمرين يدفعان نهوض الاستدلال: ١- أن ابن هشام ﵀ قال: فيما زعموا والله أعلم. هذه إشارة إلى عدم ثبوت القصة من وجه يعتمد عليه. ٢- إن النذر كان لله ولم يكن للآلهة كما ورد في القصة٣. وسواء ثبتت هذه الأسباب أولم تثبت فقد حرم الله قتل الأولاد، في كتابه العزيز، وأكدت السنة النبوية المطهرة ذلك التحريم، وحذرت من ذلك العمل الجاهلي أشد التحذير، وقد شرط الله في بيعة النساء عدم قتل الأولاد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ٤ الآية ومما جاء في السنة الحديث المتفق عليه واللفظ للبخاري أن رسول الله ﷺ قال: "سألت أو سئل رسول الله ﷺ ، أي الذنب عند الله أكبر؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" الحديث٥ وفي آخره، قال: ونزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ٦ تصديقاً لرسول الله ﷺ . وإن فيما ذكرنا غنية لطالب الحق المستفيد، وفيه عون بإذن الله للباحث المستزيد.

стр. 49

من الأحكام ا- الوصية تدل على تحريم قتل الأولاد. ٢- يفهم منها وجوب الاعتماد على الله في طلب الرزق. ٣- قال القرطبي ﵀: وقد يستدل بهذا من يمنع العزل، لأن الوأد يرفع الموجود، والنسل، والعزل: منع أصل النسل، فتشابها، إلا أن قتل النفوس أعظم وزرا، وأقبح فعلاً، ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" ١ الكراهية لا التحريم٢ والعزل: هو أن يفرغ الرجل ماءه خارج الرحم٣. وقد اختلف العلماء في حكم العزل٤. ١- الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏ يقولون بجواز العزل عن الحرة بإذنها، ويعزل عن الأمة بغير إذنها. واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدريَ وحديث جابر ﵄ وما في معناهما٥. ٢- الإمام الشافعي ﵀ ذهب إلى جواز العزل مطلقا، وبدون إذن. ٣- ذهب ابن حزم إلى تحريم العزل مطلقاً مستدلاً بحديث جذامة بنت وهب عند مسلم٦. والراجح الجمع بين هذه الأقوال. يحمل المنع على كراهة التنزيه، والجواز على عدم التحريم ولا يعني الجواز عدم وجود الكراهة٧.

стр. 50

الوصية الرابعة المناسبة ... الوصية الرابعة قوله تعالى ﴿ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن﴾

стр. 51

المناسبة: إن المتأمل للوصايا الثلاث الأول يجد فيها عناية وتأكيداً على الطهارة المعنوية، ففي الوصية الأولى أوصى الله بطهارة القلب من عبادة غيره، ومن كل شائبة تعكر صفو العقيدة مهما قل شأنها، وفي الوصية الثانية أوصى بطهارة الجوارح من الإساءة إلى الوالدين، وأمر بكبح كل جارحة بالإحسان الزائد على العدل، وفي الوصية الثالثَة أمر بطهارة الجوارح أيضا من صفة ذميمة، مارسها الجاهليون، فأكد الشرع على تحريمها، وأعلن قبحها، فالطهارة الأولى فيها حماية للفرد، والثانية والثالثة فيهما حماية للأسرة، وجاءت الوصية الرابعة شاملة لحماية الفرد والأسرة والمجتمع، فالطهارة المعنوية قاعدة يقوم عليها صلاح الفرد والأسرة والمجتمع ومرتكزها إفراد الله بالعبادة.

стр. 52

المباحث النحوية ... البحث اللغوي: أ- النحو: (ما ظهر) منصوب على البدل من الفواحش. (ما بطن) عطف عليه. ب- المفردات: الفواحش: جمع فاحشة. وكل شيء جاوز حده فهو فاحش١. والفحشاء والفاحشة، ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال٢. والفاحشة، الزنا. وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عنه٣. وقد جاء في معنى الفواحش في هذه الآية خمسة أقوال: ١- أن ما ظهر: هو نكاح المحرمات والخمر، وما بطن الزنا. قاله سعيد بن جبير ومجاهد. ٢- وقال الضحاك: ما ظهر الخمر، وما بطن الزنا. ٣- وقال ابن عباس والحسن والسدي: إن الفواحش الزنا، وما ظهر منه الإعلان به، وما بطن الإستسرار به. ٤- قال قتادة إنه عام في الفواحش، وظاهرها علانيتها، وباطنها سرها٤. ٥- ذكر الماوردي في تفسير هذه الآية أن ما ظهر، أفعال الجوارح، وما بطن اعتقاد

стр. 53

القلوب١. والأولى حمل الآية على العموم في هذا، وأنها كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢ ولا فرق بين الآثام الظاهرة والباطنة لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ٣. أي سواء كان ظاهراً أو باطناًَ، فالجزاء واقع لا محالة، مَا لم تقع التوبة، أو يحظ العبد بعفو ربه وكرمه٤ اللهم ارحمنا ووفقنا لصالح الأعمال، وقنا سيئها، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته.

стр. 54

الإيضاح: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ . إن المتأمل لهذا النهي يجد أنه وقع بين نهين: النهي الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ . والنهي الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ وهو نهي عن القتل مطلقاً. وقد حاول بعض المفسرين أن يجد علة لذلك، لأننا إذا اعتبرنا المراد بالفواحش الزنا، فإنها بهذا المعنى جناية عظيمة وهي جناية على النسل، وقتل جميع الحقوق المرتبة عليه، فكأن ذلك في حكم قتل الأولاد، وأولاد الزنا في حكم الأموات لاسيما في الحقوق المتعلقة بالنسل، وإذا كان قول النبي ﷺ في العزل: "ذلك الوأد الخفي" منفراً عن هذه الصفة فلا ريب أن عقوبة الزاني ربما تكون مضاعفة بهذا الاعتبار والله أعلم. وهذا المعنى تلمسه بعض المفسرين٥. أما إذا اعتبرنا العموم وهو ما نراه في هذا الموضوع فلا تظهر علة للتوسط المذكور وإنما هي محرمات أوصى الله عباده باجتنابها، وإذا كانت الفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأعمال. ولاشك أن تجاوز ما حرم الله من الفواحش وأعظمها الشرك بالله. والخطر كامن في تجاوز الحدود وانتهاك الحرمات أعاذنا الله من ذلك. ولعل التحذير من الاقتراب من الفواحش مبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها، ومعلوم أن الاقتراب من الشهوة المحرمة يدعوا إلى اقترافها ومباشرة ما نهى الله عنه، وكم من إنسان ضعفت نفسه أمام شهوته، وحام حول الحمى فوقع فيه.

стр. 55

ومعنى الآية الكريمة: أن ما وصى الله به عباده عدم الاقتراب من الأعمال المؤدية إلى ما حرم الله والابتعاد عن الخصال السيئة التي منها الزنا، واللواط، وقذف المحصنات، ونكاح أزواج الآباء، وكل ما سماه الله فاحشة، وجب الابتعاد عنه، فهو مما ثبتت شدة قبحه شرعاً وعقلاً، وقد كان الجاهليون يستقبحون الزنا، ويعدونه أكبر العار، ولاسيما إذا وقع من الحراير١، وكان وقوعه منهن نادرا، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شرفهم الله بالشرع المحمدي أولى بالعفة والنزاهة، بيد أن ذلك لم يحدث في الجاهلية علناً إلا في الإماء والجواري، فقد كانت المجاهرة منهن، في حوانيت ومواخير تمتاز بأعلام حمر، فيختلف إليَها الأرذلون منهم، أما الأشراف فلا يعلنون ذلك وقد يتخذون الأخدان سراً، قال الإمام الطبري ﵀: حدثني المثنى٢ قال: ثنا عبد الله بن صالح٣، ثنى معاوية٤، عن على بن أبي طلحة٥، عن ابن عباسِ قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساًَ في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية"٦. قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ يفهم من هذا القول الكريم أن العبد لابد أن يراقب الله ويحذر المحرمات في جميع أحواله وهذا معنى التقوى في قول رسول الله ﷺ لابن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" الحديث٧ وأصرح من هذا ما أخرجه الدارمي حيث قال: حدثنا أبو نعيم٨، ثنا سفيان٩، عن حبيب بن أبي ثابت١٠، عن ميمون بن أبي شبيب١١، عن أبي ذر قال: قال رسول الله

стр. 56

صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيث ما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ١. وهذه الأحاديث وما في معناها مع الآية الكريمة تؤكد ارتباط النفس بمراقبة الله واستصحاب التقوى في السر والعلانية وهي الصفة المنجية كما أخبر بذلك أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية" الحديث٢. ويكمن الخطر في حالة انفصال المراقبة عن النفس في وقت ما، فمثلاً إذا احترز الإنسان عن المعصية في الظاهر، ولم يحترز عنها في الباطن، علم أن الاحتراز في الظاهر ليس لأجل الله ، فليست فيه طاعة ولا عبودية لله، وإنما كان الاحتراز خوفاً من مذمّة الناس وذلك باطل، لأن من كانت مذمة الناس عنده أعظم وقعاً على نفسه من عقاب الله فإنه يخشى عليه من الكفر، وأي حظر أعظم من أن يعرض الإنسان نفسه لهذا الذنب العظيم، وأي نقمة أشد من سخط الله، نعوذ بالله من التهلكة ونعوذ بالله من سخطه ونقمته. أما من ترك المعصية ظاهراً وباطناً، فذلك دليل على أنه إنما تركها تعظيماً لحدود الله أن ينتهكها، وتنفيذاً لأمر الله بالاجتناب في كل حال، وتحقيقًا لعبوديته لله . وخوفًا من عقابه٣. ولئن كان كتاب الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فكذلك سنة رسول الله ﷺ فقد أخرج الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش" الحديث٤. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ويكفي ورود هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وفي أصحِ الكتب بعد كتاب الله. فحق على كل مسلم بالغ عاقل رشيد أن يجتنب ما حرم الله ظاهراً وباطناً، ويعلم أنه سيقف بين يدي الله ويسأل عن هذه الوصية.

стр. 57

الأحكام: من الأحكام المستفادة من هذه الوصية: ١- وجوب الابتعاد عما حرم الله ظاهرا وباطنا. ٢- مراقبة الله في كل حال خير معين على اجتناب المحرمات.

стр. 58

الوصية الخامسة المناسية ... الوصية الخامسة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . المناسبة: قد يتلمس الباحث ما يربط به بين المعاني أو الأوامر أو النواهي، وقد يكون ما يصل إليه أمراً واضحاً يتأيد بالأسلوب والمقام، وقد يكون فيه تكلف وبعد. ولعل الناظر في هذه الوصايا الكريمة يجد أن الله حرم قتل القلوب بعبادة غير الله ، أيَّ نوع كان من أنواع العبادة، وصان بعد ذلك الوالدين وحماهما من جهل الجهلاء، وحماقة السفهاء، فالإساءة إليهما أو إلى أحدهما قتل للراوبط الأسرية، وقضاء على الإحسان الذي أمر الله به، ثم أحكم علاقة الأباء بالأبناء، ورسم حدوداً لا يجوز لأي من الأبوين تجاوزها، وصرح بتحريم قتل الأولاد، لأن قتلهم قتل للمجتمعات، وقضاء على تتابع الأجيال، ويدخل في هذا الفساد ارتكاب الزنا فهو يقتل المجتمعات حساً ومعنى. وتلا ذلك النهي عن قتل النفس عامة، وهذا العموم يوحي بتضمن ما سبق، فإن كل قتلٍ فردي إنما يقع على جنس النفس في عمومه، يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ... ﴾ ١ الآية. فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها، وعلى النفوس البشرية في عمومها، والآية الكريمة دليل على أن الله كفل حرمة النفس ابتداء٢.

стр. 59

المبحث اللغوي ... البحث اللغوي: أ- في النحو: قوله: (إلا بالحق) استثناء مفرع ولعله من أحد ثلاثة أمور: ١- من أعم الأحوال، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا حال ملابستكم الحق، الذي هو أمر الشرع بقتلها. ٢- أومن أعم الأسباب، أي لا تقتلوها بسبب منِ الأسباب إلا بسبب الحق. ٣- أومن أعم المصادر، أي لا تقتلوها قتلاً إلا قتلاًَ كائناً بالحق.

стр. 60

وقد رجح في الفتوحات أن قوله: ﴿إِلا بِالْحَقِّ﴾ مفعول مطلق، أي إلا القتل المتلبس بالحق١. قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الوصايا المتقدمة. والكاف والميم: للخطاب، ولا حظّ لهما من الإعراب. قوله: ﴿النَّفْسَ﴾ أي جنس نفس الإنسان، فالألف واللام لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك الناس حب الدرهم والدنيا. والله يقول: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ ٢ فالمراد الجنس. الضمير في قوله: ﴿وَصَّاكُمْ﴾ محله النصب، لأنه ضمير موضوع لمخاطبة الجمع. وفى وصى ضمير تقديره: هو، فاعل يعود على لفظ الجلالة أي: وصىّ الله تعالى عباده بذلك. ب- المفردات: الحق: واحد الحقوق، هو ضد الباطل٣. تعقلون: من العقل، والمراد في الآية العلم٤ الذي يستفيده الإنسان من التأمل في هذه الوصايا.

стр. 61

الإيضاح: إن المتأمل للآية الكريمة يجد أن قتل النفس المحرمة من جملة الفواحش، وقد أفرده رب العزة فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، وقد أجاب العلماء ﵏ عن هذا منهم الإمام الرازي ﵀ قال: اعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش، إلا أنه أفرده تعالى بالذكر، لفائدتين: ١- أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم، والتفخيم كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٥. ٢- أن الفواحش لا يستثنى منها فلا يقال: لا تقربوا الفواحش إلا بالحق. وهو وارد في القتل فجاء إفراده لفرض الاستثناء أيضا٦ وإذا تدبر الإنسان كتاب الله يجد

стр. 62

بكثرة ورود النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعاً، النهي عن الشرك، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس ولعل في هذا توجيهاً للأنظار إلى أن هذه الأمور الثلاثة تشترك في صفة القتل، فإذا نظرنا إلى جريمة الشرك نجد أنها قتل للقلوب وإماتة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالقلوب التي لا تعيش على التوحيد قلوب ميتة، قد قضي على ما فيها من فطرة يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١ الآية. فليس المراد موت الأجساد بخروج الأرواح منها، بل المراد موت القلوب بخلوها من نور الحق، وبرهان الشرع، والشرع لا يقوم إلا على اعتقاد سليم وبرهان قويم. وجريمة الزنا قتل للجماعة حساً ومعنىً، فالجماعة التي تشيع فيها الفاحش جماعة ميتة معنوياً من حيث عدم وجود الغيرة التي من أعظم الأسباب في حماية المجتمع من هذا الوباء القاتل ولذلك وصف بها النبي ربه فقال: "ما من أحد أغير من الله " ٢ فإذا قتلت الغيرة في الجماعة استشرى الخطر، وعم البلاء، أما قتلها حساً فإن مصيرها إلى الفناء والدمار لا محالة لاندفاعها خلف هذه الشهوة المحرمة حتى بلغت مستوى الدواب بل هم أضل سبيلا. وقد جاء في بلاغات الإمام مالك عن ابن عباس أنه قال: "... ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم المَوت ... "٣ قال ابن عبد البر: "قد رويناه متصلاً عنه، ومثله لا يقال بالرأي"٤. ويؤيد قوله هذا أن ابن ماجة قال: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي٥، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب٦، عن ابن أبي مالك٧ عن أبيه٨ عن عطاء بن أبي رباح٩، عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ... " ١٠ الحديث. وله شاهد من حديث ميمونة أخرجه الإمام أحمد رحمه الله١١. وفي نظري أن هذا الخبر لا يقل

стр. 63

عن درجة الحسن لغيره وأنه كما قال ابن عبد البر ﵀: "مثله لا يقال بالرأي"، والواقع يؤيده بعد مضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة، يظهر الوباء الذي لم يعهد من قبل، ويهدد العالم الذي فشا فيه الزنا ولا ريب أنه الموت الذي ذكره ابن عباس وهوا لطاعون الذي ذكره ابن عمر من قول رسول الله ﷺ وهو العقاب الذي ذكره الإمام أحمد من حديث ميمونة ﵂، وهو (الإيدز) ١ كما يسميه عالم الحضارة اليوم، فهل آن الأوان لأبناء الإسلام أن يرجعوا إلى حمى الإسلام فيحتموا به من قتل القلوب والمجتمعات. وجاء النهي الثالث يحرم الاعتداء على جنس النفس البشرية يجعل قتلها بغير حق فاحشة عظيمة وكبيرة، يعاقب الله عليها بأشد العقاب، ولذلك أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق اعتمادا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالله يخاطب عباده في هذه الوصية بأن لا تقتلوا النفس التي حرم قتلها بالإسلام، أو عقد الذمة، أو العهد، أو الاستئمان، فيدخل في عموم النفس كل أحد إلا الحربي، ففي هذه الوصية حرم قتل النفس عامة. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ ٢. وأكد على النفس المؤمنة تكريماً لها وتنويها بشأنها وإلا فهي داخلة في العموم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً﴾ ٣ الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ٤. كما نصت السنة المطهرة على تحريم قتل المعاهد، تنويهاً بمبادئ الإسلام، وتربية لأمة الإسلام على حفظ العهود والمواثيق والعهد يشمل الأمرين السابقين، عقد الذمة، والاستَئمان، قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما"٥. وأخرج الترمذي بسنده من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ألا من قتل نفسا معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا". قال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح"٦. وهذا غيض من فيض.

стр. 64

قوله: ﴿إِلا بِالْحَقِّ﴾ . المراد به ما يبيح قتل النفس التي حرم الله قتلها شرعاً. ومنه المذكور في الأسباب الآتية: ١- النفس بالنفس قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ١ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢. ٢- الوقوع في الزنا بعد الإحصان. وقد جاء في كتاب الله مما بقي حكمه ونسخت تلاوته "الشيخ والشيخة فَأرجموهما البتة"٣ يعني إذا زنيا فذاك عقابهما وجاء في الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: " لا يحل دم إمرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" ٤. ٣- المرتد عن الدين، التارك لجماعة المسلمين. كما ورد في الحديث آنفا. ٤- المحاربون لشرع الله الذين يسعون بالفساد في الأرض. ومنهم قطاع الطرق، وما يسمون بالإرهابيين اليوم، والساطون على أعراض الناس، ودمائهم، وأموالهم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ٥ الآية. ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الوصايا الخمس أتبع ذلك اللفظ الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ لما فيه من الشمول للأمر والنهي، ولما فيه من اللطف والرأفة، كل ذلك ليكون القلب أقرب إلى القبول، ثم أتبعه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولعل هنا ليست على بابها، أي لكي تعقلوا فوائد هذه الوصايا في الدين والدنيا. ومن تأمل قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ يجد أن استخدام اسم الإشارة للبعيد له دلالة تنبئ عن عظمة هذه الوصايا وبعد ما ترمي إليه من إصلاح الدين والدنيا، وما فيها من الحكم والأحكام الإلهية التي تضمنت الكمال المطلق في الهداية والتوجيه، وإصلاح الإنسانية في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 65

ولما كانت الوصية الخامسة تنهى عن القتل بغير حق فإنه يحسن الكلام عن القتل وأقسامه. إن الدارس لهذه القضية يجد أن الأكثرين من العلماء يرون القتل أقساماً ثلاثة: ١- العمد ٢- شبه العمد ٣- الخطأ. وممن يرى هذا التقسيم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ ولهما فيه قضاء١ وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، والإمام الشافعي، ِ والإمام أحمد، وأهل العراق، وأصحاب الرأي رحم الله الجميع، ونقل عن الإمام مالك ﵀ أنه أنكر شبه العمد وقال: "ليس في كتاب الله إلا العمد، والخَطأ"، فهو لا يعمل بشبه العمد، وجعله من قسم العمد. وحكى عنه مثل قول الجماعة٢. ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه أبو داود وقال: حدثنا سليمان بن حرب٣ومسدد٤ قالا: حدثنا حماد٥، عن خالد٦، عن القاسم بن ربيعة٧، عن عقبة بن أوس٨، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "... ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها"٩. وهذا الحديث الذي لا يقل عن درجة الحسن نص يصد ما نقل عن الإمام مالك ﵀ من إنكاره شبه العمد، وقد زاد أبو الخطاب قسماًَ رابعاًَ، وسماه (ما أجري مجرى الخطأ) نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله، أو يقع عليه من علو، ومنه القتل بالسبب، كحفر البئر، ونصل السكين، ومنه قتل غير المكلف، فقد أجري مجرى الخطأ، وإن كان عمداً، لكن هذه الصورة التي ذكرها أبو الخطاب ﵀ هي عن الأكثرين من قسم الخطأ، لأن صاحبها ليس من أهل القصد الصحيح، ولذلك أعطوه حكم الخطأ لأنه خطأ في الواقع. ويحسن في هذه العجالة إعطاء فكرة مبسطة عن كل قسم.

стр. 66

١- العمد: هو أن يقصد شخص قتل آخر بما يراه قاتلا في العادة كالسيف، والخنجر، والطلقات النارية وغيرها من الأمور القاتلة. وهذا القسم ثبت بكتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ١ الآية. ٢- شبه العمد: هو أن يقصد شخص ضرب آخر بما لا يقتل غالباً، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له فيسرف فيه، ويتجاوز الحد المعقول في ذلك، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير ونحو ذلك. وهذا القسم ثبت بسنة رسول الله ﷺ . فقد ذكرنا آنفاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط، والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" ٢. وقد قضى فيه رسول الله ﷺ فقد أخرج الإمام البَخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على العاقلة"٣. فاعتبره ﷺ شبه عمد إذ أوجب الدية على العاقلة، ولو اعتبره عمداً لما حملت العاقلة الدية، لأنها لا تحمل العمد. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحي بن فارس٤، حدثنا محمد بن بكار بن بلال العاملي٥، أخبرنا محمد- يعنى ابن راشد٦- عن سليمان- يعني ابن موسى٧- عن عمر وبن شعيب٨، عن أبيه٩، عن جده١٠، أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه" ١١. فهذه نصوص من السنة صحيحة تثبت شبه العمد، خلافاًَ لما نقل عن الإمام مالك ﵀. ٣- الخطأ: هو أنٍ يفعل الشخص فعلاً لا يريد به الاعتداء علىِ أحد من البشرِ فيخطئ هدفه ويصيب إنساناً فيقتله، مثاله. أن يرمي صيداً فيصيب إنساناًَ، أو يلقي شيئاًَ

стр. 67

فيقع على مارٍ، أو يقود سيارة فيعترضه شخص فيدهسه ونحو ذلك. والخطأ على قسمين أيضاً: ١- أن يفعل الشخص ما يجوز له فعله مما سبقت الإشارة إليه ونحو، فيؤل ذلك إلى إتلاف إنسان حر، مسلماً كان أو كافراً. ٢- أن يكون في أرض العدو فيقتل من يظنه كافرا. فيصبح المقتول مسلماً. فهذا قسم من الخطأ وإن كانت الصورة صورة عمد لعدم قصد قتل المسلم. وقد ثبت القتل الخطأ بكتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ١ الآية. وهذه التقسيمات مستفادة من المغني والشرح الكبير٢. ٥- الامتناع عن أداء حق واجب الأداء من حقوق الله ومنه الزكاة مثلاً فإن أبا بكر ﵁ لم يتردد في قتال مانعي الزكاة، بل أخذ ذلك بحزم وشدة، أخرج الإمام البخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ ، وكَان أبو بكر رضي الله عنه٣، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه٤: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله". فقال٥: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها، قال عمر ﵁: فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق"٦. وهذا مما سنه أبو بكر ﵁ ووافقه أصحاب رسول الله ﷺ ، وسرعان ما شرح الله صدر عمر ﵁ وعرف أنه الحق، ونحن مأمورون بإتباع الخلفاء الراشدين قال أبو داود ﵀: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد٧ قال: حدثني خالد بن معدان٨ قال: حدثني عبد

стр. 68

الرحمن بن عمرو السلمي١، وحجر بن حجر٢ قالا: أتينا العرباض بن سارية٣، وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ٤ فسلمنا وقلنا: "أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين"، فقال العرباض: "صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون.." فذكر الحديث وفيه "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.." ٥. ٦- قد يجب قتال غير من سلف ذكرهم. وذلك في أحوال كمن قصد قتل رجل، أو أخذ ماله، أو الاعتداء على عرضه، فيجوز قتله على سبيل الدفاع عن النفس والمال والعرض يؤيد هذا ما أخرجه الإمام البخاري بسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد" ٦ وأخرجه الإمام الترمذي وزاد في رواية: "ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"٧. قال النووي ﵀: "فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه"، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع إذا أريد ظلماً، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه. قال ابن بطال: "إنما أدخل البخاري هذه الترجمة في هذه الأبواب ليبين أن للإنسان أن يدفع عن نفسه، وماله ولاشيء عليه، فإنه إذا كان شهيداً إذا قتل في ذلك فلا قود عليه، ولا دية إذا كان هو القاتل"٨. ويؤيد هذه الأقوال ما أخرجه الإمام مسلم بسنده من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: "أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت

стр. 69

شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" ١ قال الترمذي ﵀: "وقد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله"، وقال ابن المبارك: "يقاتل عن ماله ولو درهمين"٢. وإذا كان هذا مقابل المال الذي يمكن تعويضه، فلا ريب أنه آكد مقابل النفس والعرض والدين، فإن النفس إذا تلفت لا يمكن تعويضها، والعرض إذا خدش لا يمكن جبره، والدين فوقهما، ولا يليق بالمسلم أن يستسلم ويكون جباناًَ وفي مقابل أعز ما يملك نفسه ودينه وعرضه. فيكون الصائل المعتدي إذا بلغت مقاومته حد قتله فإنه مباح الدم لا قود فيه ولا دية، وهذا هو الحق إن شاء الله. والحاصل أن الأصل في قتل النفس الحرمة، وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ١ صحيح مسلم ١/١٢٤. ٢ الجامع ٤/ ٢٩.

стр. 70

الأحكام: قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . قال الرازي ﵀ معللاً سبب ختم الآية بهذا: "لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية (هذه) أمور ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها"١. دلت الوصية الكريمة على تخريم قتل النفس المعصومة بالإسلام أو بعقد الذمة إلا بحق يوجب ذلك. وهذا أمر مجمع عليه بين أمة الإسلام، فإن فعله إنسان متعمداً فسق، وأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم.

стр. 71

رموز مصادر البحث

стр. 72

الوصية السادسة المناسبة ... الوصية السادسة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) . المناسبة: إن الله رب العالمين، فهو سبحانه مربي كل مخلوق وراعيه، بكل ما تعنيه كلمة التربية والرعاية، وإذا كانت رعايته شاملة لجميع مخلوقاته، فإنها في حق بني آدم آكد وأشد، لأنه تعالى اصطفي آدم وذريته، وفضلهم على كثير من المخلوقات، لذلك جاءت عناية الرب باليتيم الصغير الضعيف الذي لا إدراك له، ولا فهم ولا نضوج، تامة وافية بجميع مقاييس الحفظ والرعاية، نعم جاءت عناية الله في الوقت الذي فقد فيه هذا الصغير من يحوطه من البشر ويرعاه، ويدفع عنه نوائب الدهر وقسوة الحياة، فقررت قاعدة اجتماعية عظيمة، طالما حرمها اليتيم في المجتمعات الجاهلية، قاعدة التكافل الاجتماعي، التي ألقت بالمسئولية على كواهل المسلمين الفرد والجماعة في ذلك سواء. هذا من نظام الإسلام الذي تميز بحفظ الحقوق والواجبات لجميع أفراد الجنس البشري، فكم من يتيم ضاع في المجتمع الجاهلي، لا يجد الساعد الذي يحميه، ولا البيت الذي يؤويه، تنهب أمواله، وتنتهك حرماته، لذلك قيل: "أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لهذه الأسباب ولغيرها من المصالح العظيمة أوصى الله بالأيتام، وجعل الأمة الإسلامية ذات مسئوليات محددة تقوم بالحقوق والواجبات على مستوى الفرد والجماعة، وأرسى قواعد التكافل الاجتماعي، ونوه بحماية اليتيم في غير ما آية من كتابه العزيز١.

стр. 73

البحث اللغوي: أ- المفردات: قوله: "ولا تقربوا" من قربت الشيء أقربه إذا دنوت منه قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: من الآية٣٥) وقال١ منها: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٠) . وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (النساء: من الآية٢) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ (النساء: من الآية١٠) .

стр. 74

عزوجل: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ (الاسراء: من الآية٣٢) وتقدم قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥١) كل ما ذكر من هذا الباب. والمراد النهي عن الأسباب الموصلة إلى ما ذكر بغير حق١. اليتيم: أصله الانفراد؛ يقال درة يتيمة، إشارة إلى انقطاع مادتها التي خرجت منها، ويقال: بيت يتيم تشبيهاً بالدرة اليتيمة. فاليتم في الناس فقدان الأب، والحيوان فقدان الأم. ويجمع على أيتام، كشريف وأشراف، وعلى يتامى، كأسارى. وبه نطق الكتاب الحكيم، وعلى يتمة، من قولهم: يتم فهو ياتم وهو غير مسموع من العرب٢. (أشده) : قال الفراء: "واحدها شَدة في القياس، ولم أسمع لها بواحد"، وقال أبو الهيثم: "واحدة الأنعم نعمة، وواحدة الأشد شدة، والشدة؛ القوة والجلادة. وبلوغ الأشد، مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة"، وقيل: "بلغ الرجل الأشد إذا اكتهل، وذكر أنه من نحو سبع عشرة إلى الأربعين، أو ما بين الثلاثين والأربعين"٣. وقد تعددت آراء المفسرين في المراد بالأشد على أقوال٤: ١- أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. ٢- أنة السن ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ٣- أنه أربعون سنة، روي عن عائشة ﵂. ٤- أنه ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير ومقاتل. ٥- أنه خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. ٦- أنه أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. ٧- أنه ثلاثون سنة، قاله السدي. ٨- أنه بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم والشعبي ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك بن أنس.

стр. 75

وذكر الشيخ محمد الأمين ﵀: "أن الأشد يتناول البلوغ ويتناول ما ذكر آنفاً وغيره ومن إطلاقه على الخمسين قول الشاعر: أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذنى١ مداورة٢ الشئون وقال الألوسي ﵀: "وأياً ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع، ومنه قول عنترة: عهدي به شد النهاركأنما ... خضب الليان ورأسه بالعظلم٣ وقول الآخر: تطيف به شد النهار ضعينة٤ ... طويلة أنقاء اليدين سحوق٥ والذي يظهر لي والله أعلم أن المراد بالأشد في شأن اليتيم بلوغ الحلم مع حسن التصرف وهو المبين في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٦.وبلوغ الحلم هو بلوغ النكاح، لكنه مشروط بإيناس الرشد. فكم من كبير غير رشيد ولا يحسن التصرف وهذا ما رجحه الشوكاني ﵀ قال: "والأولى في تحقيق بلوغ الأشد، أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير"٧.واستدل ﵀ بالآية السابقة.
следующие страницы →