يقدمونه على الأهل والمال.
وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق"١.
رابعا: وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن، يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
وفي هذا الحديث أخبر ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. والمتأمل في هذه الأمور الثلاثة يرى أنها تتبع كمال محبة العبد لله٢ لأن محبة الله تكمل بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ذلك لأن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
ودفع ضدها: بأن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهة الإلقاء في النار٣. والشاهد من الحديث معنا قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". فمن المعلوم أن كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان
стр. 282
شيء من تلك المحبة، غير أن الناس يتفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى وهم الذين جعلوا محبة الله ورسوله مقدمة على ما سواهما. ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات.
ومنهم من هو بين هذين الأمرين.
فالحظ الأوفى هو بتحقيق هذه المرتبة من المحبة وهي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". وذلك بأن يتوجه بكليته نحو هذه الغاية فيحب ما أحب الله ورسوله ويكره ما كرهه الله ورسوله، فيمتثل للأوامر ويجتنب النواهي ولا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاة النبي ﷺ ، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان.
وأما قوله: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" ففيه دلالة واضحة على أن حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول ﷺ ، فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما.
وفي الحديث "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ١.
ومتى كان حب المرء وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول
стр. 283
صلى الله عليه وسلم من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها١.
خامسا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟، قال: "وما أعددت للساعة؟ "، قال: حب الله ورسوله. قال: "فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ : "فإنك مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم"٢.
سادسا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" ٣.
سابعا: وعن ابن عباس ﵄ قال. قال رسول الله ﷺ : "أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي" ٤.
стр. 284
ثامنا: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه".
قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها١ رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها ... " الحديث٢.
وعن سهل بن سعد٣ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر:
"لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". قال: فبات الناس يدوكون٤ ليلتهم: أيهم يعطاها؟، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية...." الحديث٥.
стр. 285
المطلب الثالث: ما جاء عن الصحابة في شأن محبته ﷺ .
إن مما لا ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه ﷺ كان أتم وأوفر، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ﷺ ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم فبالتالي كان حبهم له ﷺ أشد وأكبر.
وإن المتأمل لما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من كلام في هذا الخصوص يلمس صدق تلك المحبة وعظمها في نفوسهم.
فعن عمرو بن العاص١ ﵁ قال: "وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه"٢.
وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟، قال: "كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ"٣.
وقد سأل أبو سفيان بن حرب - وهو على الشرك حينذاك - زيد بن الدثنة٤
стр. 286
رضي الله عنه حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقلتوه - وكان قد أسر يوم الرجيع -١ أنشدك الله يازيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟، قال: "والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي".
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا٢.
وعن الشعبي قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبكاك؟ "، قال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك.
فلم يخبره النبي ﷺ بشيء فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ٣، فقال له النبي ﷺ : " أبشر" ٤.
стр. 287
وقال سعد بن معاذ١ ﵁ للنبي ﷺ يوم بدر: "يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كان الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك"، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد جاض٣ أهل المدينة جيضة وقالوا: قتل محمد، حتى كثرت الصوارخ٤ في ناحية المدينة. فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت٥ بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولا فلما مرت على أحدهم قالت: من هذا؟، قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك. تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟،
стр. 288
يقولون: أمامك حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب١.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك٢ جلل"٣.
ولقد حكم الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم فقالوا: "هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك"٤.
وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له ﷺ واسمع إلى قول قيس بن صرمة الأنصاري٥ إذ يقول:
стр. 289
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واتقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتأسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله أصبح هاديا١
стр. 290
الفصل الثاني: علامات محبته ﷺ والثواب المترتب عليها
المبحث الأول: علامات محبته ﷺ
المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته ﷺ
...
تمهيد:
سن الشارع الكريم علامات ودلائل لمحبة النبي ﷺ ، شرعت ليتسنى من خلالها معرفة من يصدق في دعوى محبته للمصطفى ﷺ ، فكل دعوى لابد لها من برهان، يدل على صدقها قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
ومن أجل ذلك فإن على كل مسلم أن يكون على علم بتلك الدلائل والعلامات، وأن يعمل بها ويحققها، وأن لا يرغب عنها أو يستبدل بها أمورا أخرى مبتدعة لم يرد فيها دليل من الشرع.
فبتلك العلامات والدلائل تظهر حقيقة المحبة، فمتى ما كان التحقيق لتلك العلامات أكبر كانت درجة المحبة أرفع وأعظم والعكس بالعكس.
ولذلك تجد أن الصادق في محبته للنبي ﷺ هو الذي تظهر عليه تلك العلامات والدلائل وتراه يسعى جاهدا إلى تحقيقها حتى ينال بذلك منزلة عظيمة من منازل الإيمان.
ومن أهم تلك العلامات ما يلي:
стр. 291
المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته ﷺ .
فاتباع النبي ﷺ والاقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء آثاره واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في العسر واليسر والمنشط والمكره، هو أول علامات محبته ﷺ ، فالصادق في حب النبي ﷺ هو من تظهر عليه هذه العلامة فيكون متبعا للرسول صلى
ظاهرا وباطنا ومؤثرا لموافقته في مراده بحيث يكون فعله وقوله تبعا لما جاء به النبي ﷺ .
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غوش لأحد فافعل"، ثم قال لي: "يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة"١.
فالمحب للرسول ﷺ هو من حرص على التمسك بسنته وإحيائها وذلك باستعمال السنة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي في الأقوال والأفعال، وتقديم ذلك على هوى النفس وملذاتها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ ٢.
стр. 292
فإحياء السنة واتباع المصطفى دليل محبته كما هو دليل محبة الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ فهذه الآية نزلت عندما ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية.
وعلى هذا فإن محبة الله ورسوله تقتضي فعل المحبوبات وترك المكروهات، ولا يتصور أن يكون الشخص محبا لله ورسوله وهو معرض عن اتباع سنة المصطفى ﷺ .
ومن أجل ذلك فإن الناس يتفاضلون في درجات محبتهم تفاضلا عظيما، فمن كان منهم أعظم نصيبا في اتباع الرسول ﷺ والاقتداء بسنته فهو أعظم درجة عند الله، ومن نقصت درجة اتباعه فلا شك أن ذلك سيؤثر على المحبة ويضعف درجتها.
وهذا لا يعني أن المخالفة لشيء من السنة ينافي المحبة منافاة كلية، فالمخالفة إذا لم تصل إلى درجة الكفر فهي تنقص من المحبة ولكن لا تخرج صاحبها عن دائرتها والدليل على ذلك قوله ﷺ للرجل الذي لعن شارب الخمر وقال ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله". فدل الحديث على أن وقوع المخالفة حتى وإن كانت كبيرة من الكبائر لا يعني ذلك انتفاء وجود محبة الله ورسوله في ذلك الشخص المخالف. والواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ورسوله ﷺ محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه.
стр. 293
فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا.
والواجب عليه كذلك أن يكره ما كرهه الله ورسوله كراهة توجب الكف عما حرم عليه منه.
فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كره تنزيها كان ذلك فضلا١.
"فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة"٢.
стр. 294
المطلب الثاني: من علامات محبته الإكثار من ذكره ﷺ .
ومن علامات محبته ﷺ الإكثار من ذكره ﷺ ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ودوام الذكر سبب لدوام المحبة وزيادتها ونمائها.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في ضمن تعداده للفوائد والثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ : "أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه. وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه"١.
والمقصود بالذكر هنا الذكر المشروع وعلى رأسه الصلاة والسلام عليه ﷺ امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢.
وامتثالا لقوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" الحديث٣.
стр. 295
وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: "ما شئت". قلت: الربع؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قال: أجعل لك صلاتي كلها. قال: "إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك"١.
قال ابن القيم: "سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية ﵁ عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي ﷺ : "هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها: أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى الله بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وكفر له ذنبه هذا معنى كلامه"٢.
стр. 296
والشاهد من الحديث أن من محبته ﷺ مداومة الصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما هو أهل له من الأوصاف والخصال الحميدة التي وصف بها ﷺ . وفي الحديث الآخر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ١.
فذكره شُرع لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه ﷺ وهذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته ﷺ لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه٢.
ويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه وما وهبه الله من الصفات والأخلاق والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك، ليزدادوا إيمانا ومحبة له ﷺ ولكي يتأسوا به. ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا وشعرًا مادام أن ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم.
стр. 297
نصوص القرآن والسنة، كأن يتجاوز به حدود بشريته فيصرف له شيء من الأمور الخاصة بالله كما فعل بعض الغلاة في أشعارهم ومدائحهم للنبي ﷺ .
وكذلك فإن من الأمور المنهي عنها الذكر المقترن بالغناء وأدوات اللهو والطرب والرقص، وهذا الذكر البدعي هو الذي عليه حال أرباب الطرق والتصوف، وقد وافقهم على ذلك كثير من عوام الناس ظنا منهم أن فعل مثل هذه الأمور هو الطريق إلى تحقيق محبة النبي ﷺ وهو في حقيقة فعله يعد محادة لله ورسوله فقد تبرأ ﷺ ممن أحدث في الدين حيث قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الباب الرابع بإذن الله.
стр. 298
المطلب الثالث: من علامات محبته ﷺ تمني رؤيته والشوق إلى لقائه .
ومن علامات محبته ﷺ محبة رؤيته والشوق إلى لقائه وتمني ذلك ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل. وهذه العلامة نص عليها قوله ﷺ : "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" ١. فهو ﷺ وصف أهل هذه العلامة من أمته التي ستأتي من بعده بأنهم من أشد الناس محبة له ﷺ ، وهذه الأمنية قدرها حق قدرها أهل الإيمان الذين ترسخت في قلوبهم محبة النبي ﷺ حتى إنهم من شدة محبتهم له ﷺ أن جالت في خواطرهم وأحاسيسهم هذه الأمنية العظيمة حتى إن الواحد منهم لا يبالي أن يدفع ثمنا لهذه الأمنية العزيزة على نفسه ما عنده من الأهل والمال ليرى النبي ﷺ ، ولسان حالهم ومقالهم يقول مع ذلك كله ما أعظم الأمنية وما أرخص الثمن.
فهذه علامة من علامات محبته يتصف بها أهل الإيمان الصادق الراسخ الذين آمنوا بوجوب تقديم محبة رسول الله ﷺ على محبة الولد والوالد والناس أجمعين بل على كل أمر من أمور الدنيا ومظاهرها فيا لها من نفوس سمت وسما بها إيمانها لمثل هذا المطلب وهذه الأمنية العزيزة على قلب كل مؤمن عرف قدر النبي ﷺ وحقه وعظيم منزلته.
فجدير بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي ﷺ لها بأنها أشد القلوب محبة له
стр. 299
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لإن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله" ١.
ولقد كانت هذه السمة وهي الشوق إلى لقاء النبي ﷺ ورؤيته موجودة في الصحابة رضوان الله عليهم ويشهد لذلك ما جاء في حديث الأشعريين أنهم عند قدومهم إلى المدينة كانوا يرتجزون فيقولون:
غدا نلقى الأحبة ... محمد وحزبه٢
وروي أن بلالا ﵁ لما حضرته الوفاة، نادت امرأته واحزناه. فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه٣.
وقد روي مثل ذلك عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين٤.
стр. 300
المطلب الرابع: من علامات محبته ﷺ النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين عامتهم .
فمن علامات محبته ﷺ : المناصحة لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
قال القرطبي٢: "قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا﴾ النصح: إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح ... ونصح الشيء: إذا خلص ونصح له القول: أي أخلصه له"٣.
وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع. ويقال: نصحته، ونصحت له٤.
قال الخطابي: "النصاحة: إخلاص العمل. والناصح: الخالص من كل شيء، ويقال: نصحت العسل إذا صفيتها"٥.
стр. 301
وعن تميم الداري١ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ٢. فقوله ﷺ : "إن الدين النصيحة" يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل المشهور وسمى ذلك كله دينا. فالنصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا٣.
قال الإمام محمد بن نصر المروزي٤: "قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة: هو عناية القلب للمنصوح له من كان.
وهي على وجهين: أحدهما: فرض. والآخر: نافلة.
فالنصيحة المفترضة لله: هي شدة العناية من الناصح، باتباع محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرم الله.
وأما النصيحة التي هي نافلة: فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض له أمران: أحدهما: لنفسه، والآخر: لربه. فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه. فهذه جملة تفسير النصيحة له الفرض منه والنافلة. فالفرض منها: مجانبة نهيه، وإقامة فرضه بجميع جوارحه، ما كان مطيعا له.
стр. 302
فإن عجز عن القيام بفرضه لآفة حلت به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾ ١ فسماهم محسنين بنصيحتهم لله بقلوبهم، لما منعوا من الجهاد بأنفسهم.
وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات، ولا يرفع عنه النصح لله لو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل شيء بشيء من جوارحه بلسان وغيره غير أن عقله ثابت، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وكذلك النصح لله ولرسوله فيما أوجبه على الناس من أمر ربه.
ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى معصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله.
وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض: فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في الناصح فضلا عن غيره، لأن الناصح إذا اجتهد لمن ينصحه لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته. فكذلك الناصح لربه ومن تنفل لله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله غير محقق للنصح بالكمال"٢
قال القاضي عياض: "نصيحة الله تعالى: صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما لا يجوز عليه، والرغبة في محابه والبعد عن
стр. 303
مساخطه، والإخلاص في عبادته١.
وقال الخطابي: " معنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته"٢.
وقال أبو عمرو بن الصلاح٣: "النصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصفه الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه"٤.
وأما النصيحة لكتاب الله: فقال عنها محمد بن نصر المروزي: " وأما النصيحة لكتاب الله: فشدة حبه، وتعظيم قدره - إذ هو كلام الخالق - وشدة الرغبة في فهمه، ثم شدة العناية في تدبره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم له بعد ما يفهمه.
وكذلك الناصح من القلب، يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عني بفهمه، ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه.
فكذلك الناصح لكتاب الله يُعنى بفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد، ويديم دراسته بالمحبة له والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه"٥.
стр. 304
وقال القاضي عياض: "والنصيحة لكتابه الإيمان به، والعمل بما فيه وتحسين تلاوته، والتخشع عنده، والتعظيم له، وتفهمه، والتفقه فيه، والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين"١.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: " والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه، وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه"٢.
وقال النووي٣: "وأما النصيحة لكتابه : فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخضوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنها تأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته"٤.
وأما النصيحة لرسول الله ﷺ : فقال الإمام أحمد: "من مفروضات القلوب النصيحة للرسول ﷺ "٥
стр. 305
وقال محمد بن نصر المروزي: " وأما النصيحة للرسول ﷺ في حياته: فبذل المجهود في طاعته، ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عن من يدين بخلاف سنته والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها. وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو هجرة، أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبه به في زيه ولباسه "١.
وقال القاضي عياض "قال أبو بكر الآجري وغيره: النصح له يقتضي نصحين: نصحًا في حياته، ونصحًا بعد مماته.
ففي حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه، معاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه كما قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٣.
وأما نصيحة المسلمين له بعد وفاته: فالتزام التوقير والإجلال، وشدة المحبة له والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، ومحبة آل بيته وأصحابه، ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها، وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته، والبحث عن تعريف أخلاقه وسيره وآدابه، والصبر على ذلك٤.
стр. 306
وقال أبو عمرو بن الصلاح: "والنصيحة لرسوله ﷺ الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته وإحياء سنته وانتشار علومه ونشرها، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه ومحبة آله وأصحابه ونحوذلك "١.
وقال النووي: "أما النصيحة لرسول الله ﷺ : فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قرئتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك"٢.
وقال القرطبي: "والنصيحة لرسول الله ﷺ : التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته وتعظيمه، وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة "٣.
وأما النصح لأئمة المسلمين: فقال عنه محمد بن نصر المروزي "فحب
стр. 307
صلاحهم ورشادهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله، والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله "١.
وقال القاضي عياض: "وأما النصح لأئمة المسلمين: فطاعتهم في الحق، ومعونتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم إياه على أحسن وجه، وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين، وترك الخروج عليهم وتضريب الناس وإفساد قلوبهم عليهم"٢.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: "والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك"٣.
وقال القرطبي: " والنصح للأئمة المسلمين ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوا من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم "٤.
وقال النووي: " قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين
стр. 308
من أصحاب الولايات، وهذا هو المشهور"١.
وأما النصيحة لعامة المسلمين: فيقول عنها محمد بن نصر المروزي: "وأما النصيحة للمسلمين: فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه -كرخص أسعارهم- وإن كان في ذلك ربح ما يبيع من تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة يحب صلاحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم"٢.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: "والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه وما شابه ذلك"٣.
وقال القاضي عياض: "والنصح لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل وتنبيه غافلهم، وتبصير جاهلهم ورفد محتاجهم، وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع إليهم"٤.
وقال القرطبي: "والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادهم وحب
стр. 309
الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم. وفي الحديث الصحيح "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١ ٢.
وعن جرير بن عبد الله٣ قال: "بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فلقنني "فيما استطعت والنصح لكل مسلم"٤.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "حق المؤمن على المؤمن ست". قيل: وما هن يا رسول الله؟
قال: " إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" ٥.
стр. 310
المطلب الخامس: من علامات محبته ﷺ تعلم القرآن الكريم
من علامات محبته ﷺ تعلم القرآن الكريم الناطق بشريعته، والمداومة على تلاوته، وفهم معانيه، وكذلك تعلم سنته ﷺ وتعليمها ومحبة أهلها.
قال القاضي عياض: "ومنها -أي من علامات محبته- أن يحب القرآن الذي أتى به ﷺ ، وهدى به واهتدى، تخلق به حتى قالت عائشة ﵂: "إن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن"١.
وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه "٢.
وعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٣.
وقال ﷺ : "كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة" ٤.
وقال ﷺ : "كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل" ٥
стр. 311
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله"١
وقد سبق عند ذكر النصيحة "لكتاب الله" ذكر أقوال العلماء فيما يجب على المسلم تجاه كتاب الله فليرجع إليه.
ومن علامات محبته ﷺ أن يحب سنته ويقف عند حدودها٢ وهذا ما سبق بيانه في الفصل الثاني من الباب الأول من هذه الرسالة.
стр. 312
المطلب السادس: من علامات محبته ﷺ محبة من أحبهم النبي ﷺ
...
الطلب السادس: من علامات محبته ﷺ محبة من أحبهم النبي ﷺ
إن من علامات محبته ﷺ والتي يجب على المؤمن الأخذ بها، محبته لمن أحب النبي ﷺ ، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين فمن أحب شيئًا أحب من يحبه١.
فإن من محبة الله وطاعته: محبة رسوله وطاعته.
ومن محبة رسوله وطاعته: محبة من حب الرسول، وطاعة من أمر الرسول بطاعته٢.
أ- قال البيهقي: "ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله٣.
وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول صلى الله عليه وسلم٤.
فعن زيد بن أرقم٥ ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى "خما" بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين:
стр. 313
أوليهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". فقيل لزيد: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قيل: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم١.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله لما أنزل عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. سأل الصحابة النبي ﷺ كيف يصلون عليه فقال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " ٣. فالصلاة على النبي ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة٤.
وقال أبو بكر الصديق ﵁: "أرقبوا٥ محمدا ﷺ في أهل بيته"٦.
стр. 314
وعنه أيضا أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي"١.
"فآل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ "٢.
"فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفا وعلوًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا"٣.
"وكذلك علينا احترامهم وإكرامهم والإحسان إليهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا.
ولاسيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين"٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية٥ "وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة٦ هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء".
والأحاديث في فضائلهم ومناقبهم كثيرة جدًا، وهي مبسوطة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها من كتب الحديث.
стр. 315
ب- وكذلك فإن من أصول أهل السنة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ . ويحفظون لهن فضلهن، وحقوقهن. فقد أبانهن الله من نساء العالمين في الفضيلة فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١. وجعلهن أمهات المؤمنين فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٢ ٣.
стр. 316
وجعل حرمة الزوجية بعد وفاة النبي ﷺ باقية ما بقين فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ ١ فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن الصلاة عليهن مع الصلاة على النبي ﷺ .
فعن أبي حميد الساعدي٢ ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" ٣.
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن٤. وكذلك الاستغفار لهن، وذكر مدائحهن، وفضائلهن وحسن الثناء عليهن، وما على الأولاد في أمهاتهم اللاتي ولدنهم وأكثر، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ ، وزيادة فضلهن على غيرهن من نساء هذه الأمة٥.
وأزواج النبي ﷺ هن من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة:
١- خديجة بنت خويلد رضي الله عنها٦.
стр. 317
٢- عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها١.
٣- سودة بنت زمعة رضي الله عنها٢.
٤- حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ وعن أبيها٣.
٥- أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما٤.
١ تزوجها وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل لثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة.
ومن خصائصها ﵂:
стр. 318
٦- أم سلمة رضي الله عنها١.
٧- زينب بنت جحش رضي الله عنها٢.
٨- زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها٣.
٩- جويرية بنت الحارث رضي الله عند٤.
١٠- صفية بنت حيي رضي الله عنها٥.
стр. 319
١١- ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها١.
فهؤلاء جملة من دخل لهن من النساء وهن إحدى عشرة.
ج- ومن محبته ﷺ محبة أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:
قال البيهقي: "ويدخل في جملة حب النبي ﷺ حب أصحابه؟ لأن الله أثنى عليهم ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤.
стр. 320
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١.
فإذا أنزلوا هذه المنزلة استحقوا من جماعة المسلمين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله بمحبتهم لأن الله تعالى إذا رضي عن أحد أحبه وواجب على العبد أن يحب من يحب مولاه٢.
فمن واجب الأمة نحو أصحاب رسول الله ﷺ محبتهم والترضي عنهم والدعاء لهم كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
فهم قوم اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف ونصرته والذب عنه والجهاد معه في سبيل الله ونشر دين الإسلام.
وبعد وفاته كانوا هم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، فقد بلغوا عن رسول الله ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها ونشروا هذا الدين في شتى بقاع الأرض: وجاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وذبوا عن هذا الدين بسنانهم ولسانهم فكان لهم بذلك الأجر العظيم والمنزلة العالية عند ربهم وعند نبيهم وعند المسلمين الموحدين جميعًا.
وكيف لا يكونون كذلك وهم خير قرون هذه الأمة كشهادة النبي ﷺ .