سورة التغابن
مدنية. أو مكية، ثماني عشرة آية، مائتان وإحدى وأربعون كلمة، ألف وسبعون حرفا
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينزهه تعالى جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه تنزيها مستمرا، لَهُ الْمُلْكُ فهو متصرف في ملكه، وَلَهُ الْحَمْدُ على أهل السموات والأرض، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أمر الدنيا والآخرة قَدِيرٌ (١) ، لأن نسبة الكل إلى قدرته تعالى سواء، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ، أي فبعضكم مختار للكفر كاسب له وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، أي وبعض منكم مختار للإيمان كاسب له.
وقال عطاء والزجاج: أي فمنكم جاحد بأنه تعالى خلقه وهو من أهل الطبائع والدهرية، ومنكم مصدق بأنه تعالى خلقه، والمعنى: أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فانظروا النظر الصحيح، وكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين فما فعلتم ذلك بل تفرقتم فرقا، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) من الكفر والإيمان فيجازيكم على ذلك، خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة وَصَوَّرَكُمْ في الأرحام فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ فمن نظر في قد الإنسان ومناسبته بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة، وقد وجد فيه القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) أي المرجع يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الأمور الكلية والجزئية والأحوال الجلية والخفية، وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) أي بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس. أَلَمْ يَأْتِكُمْ أيها الكفرة نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبلكم، كقوم نوح ومن بعدهم فَذاقُوا من غير مهلة وَبالَ أَمْرِهِمْ أي شدة أمرهم في الدنيا، وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ أي العذاب في الدنيا والآخرة بِأَنَّهُ أي الشأن كانَتْ أي القصة تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الظاهرات، فأنكروا أن يكون الرسول بشرا ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا بالرسل، وَتَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي أظهر الله
стр. 1192
تعالى غناه عن إيمانهم وطاعتهم حيث أهلكهم ولم يلجئهم إلى ذلك وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن عبادتهم من الأزل حَمِيدٌ (٦) ، أي مستحق للحمد بذاته وإن لم يحمده أحد زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا أي أنهم لن يبعثوا بعد موتهم أبدا، قُلْ يا أشرف الخلق لهم: بَلى تبعثون وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ أي لتحاسبن ولتجزون على أعمالكم، وَذلِكَ أي البعث والجزاء عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) لثبوت قدرته التامة فلا يصرفه صارف، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي إذا كان الأمر كذلك، فآمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وهو القرآن، فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات، وذلك لئلا ينزل بك ما نزل بالكفار الماضية من العقوبة، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) فمجاز لكم عليه يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ أي لأجل ما في يوم القيامة من الحساب والجزاء. وسمي بالجمع لأن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين من أهل السموات وأهل الأرض، و «يوم» ظرف ل «لتنبؤن» . وقرئ «نجمعكم» بنون العظمة ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ أي يوم ظهور غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان، وفي الحديث «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكر، أو ما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة» . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ مع ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة وغير ذلك. وَيَعْمَلْ صالِحاً إلى أن يموت في إيمانه يُكَفِّرْ، أي الله عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ أي تكفير السيئات وإدخال الجنات الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) الذي لا فوز وراءه.
وقرأ نافع وابن عامر «نكفر عنه» و «ندخله» بالنون فيهما. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بوحدانية الله وبقدرته وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي بالقرآن، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) النار
ما أَصابَ أحدا مِنْ مُصِيبَةٍ دينية أو دنيوية في بدن وأهل ومال، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتقديره وإرادته و «من مصيبة» فاعل بزيادة من قيل: وسبب نزول هذه الآية أن الكتاب قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بأن يرى المصيبة من الله يَهْدِ قَلْبَهُ عند المصيبة للتسليم لأمر الله فيسترجع.
وقرئ «يهد قلبه» على البناء للمفعول ورفع «قلبه» . وقرئ بنصبه على نهج سفه نفسه وقرئ «يهدأ» بالهمزة على وزن يقطع ويخضع، أي يسكن فيسلم لقضاء الله تعالى ويصبر على المصيبة، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) فيعلم اطمئنان القلب عند المصيبة، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي هونوا المصائب على أنفسكم، واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى ومن الرسول فيما دعاكم إليه، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) أي فإن أعرضتم عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا التبليغ الظاهر، وقد فعل ذلك. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي الله المستحق للمعبودية لا مستحقا للمعبودية يصح أن يوجد إلا هو وجملة «لا إله إلا
стр. 1193
هو» خبر لاسم الجلالة، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) في كل باب لأنه لا مقصود إلا هو، فإن المؤمن لا يعتمد إلا عليه ولا يتقوى إلا به. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) .
قال عطاء بن يسار: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، فأراد أن يغزو، فبكوا إليه، ورققوه وقالوا له: إلى من تدعنا؟ فرق عليهم وأقام في البلد وترك الغزو، وسئل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم وقالوا لهم: صبرنا على إسلامكم فلا صبر لنا على فراقكم، فأطاعوهم، وتركوا الهجرة، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا المهاجرين الأولين قد تفقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا
أزواجهم وأولادهم وإن لحقوا بهم في دار الهجرة لم ينفقوا عليهم ولم يصيبوهم بخير، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم وَتَصْفَحُوا بترك التثريب والتعيير وَتَغْفِرُوا بإخفائها بعد ما هاجروا من مكة إلى المدينة فإن الله يعاملكم بمثل ما عملتم، وهذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإسلام فإنهم من الكفار، أما أزواجهم وأولادهم المؤمنون فلا يكونون عدوا لهم نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي بلاء وشغل عن الآخرة إذ منعوكم عن الهجرة والجهاد فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى، اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
(١٥) لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته على محبة الأموال والأولاد فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي ابذلوا في تقوى الله غاية طاقتكم. وهذا مثل قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] فإنه لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعونه فوق الطاقة، وَاسْمَعُوا مواعظه وَأَطِيعُوا أوامره، وَأَنْفِقُوا مما رزقكم في الوجوه التي أمركم خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، أي وأتوا خيرا لأنفسكم وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) أي من يكفه الله بخل نفسه فيفعل في ماله جميع ما أمر به مطمئنا إليه حتى ترتفع عن قلبه الأخطار، فأولئك هم الفائزون بكل مرام إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ أي إن تنفقوا في طاعة الله تعالى من حلال بطيب نفس متقربين إليه يجزكم بالضعف إلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقرئ «يضعفه» بتشديد العين. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما فرط منكم من بعض الذنوب ببركة الإنفاق وَاللَّهُ شَكُورٌ يشكر اليسير ويجزي الجزيل من صدقاتكم، حَلِيمٌ (١٧) لا يعجل بالعقوبة على من يمن بصدقته، أو يمتنع من التصدق عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لا يخفى عليه شيء من الخشية والمن الْعَزِيزُ، أي الذي لا يعجزه شيء، الْحَكِيمُ (١٨) أي الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فالعزيز يدل على القدرة، والحكيم يدل على الحكمة.
стр. 1194
سورة الطلاق
مدنية، ثنتا عشرة آية، مائتان وتسع وأربعون كلمة، ألف ومائة وسبعون حرفا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي إذا أردتم تطليق النساء فطلقوهن مستقبلات لزمان- عدتهن وهو الطهر- وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي احفظوا القروء للعدة لتعرفوا زمان الرجعة، والنفقة، والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة ونحو ذلك من الفوائد وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ في الإضرار بهن لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ أي من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن وَلا يَخْرُجْنَ ولو بإذن منكم لأن في العدة حقا لله تعالى فلا يسقط بتراضيهما، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي إلا في حال كونهن آتيات بزنا ظاهر، أو مشهود عليه بأربعة شهود فيخرجن لإقامة الحد عليهن، ثم يرددن إلى منزلهن كما قاله ابن مسعود، أو إلا في حال أن يبذون على الأزواج أو على أهلهم فيحل لهم حينئذ إخراجهن لسوء خلقهن كما قاله ابن عباس ويؤيده قراءة إلا أن يفحش عليكم.
وقال ابن عمر: الفاحشة: خروجهن قبل انقضاء العدة. وقرأ ابن كثير وأبو بكر «مبينة» بفتح الياء التحتية. والباقون بكسرها وَتِلْكَ أي الأحكام حُدُودُ اللَّهِ وهي الموانع عن المجاوزة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي من يتجاوز الحدود فقد ضر نفسه لأنه وضعها في غير موضعها لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) أي فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله يحدث في قلبك بعد ذلك التعدي أمرا يقتضي الرجعة بأن يبدل الله ببغض المرأة محبة، وبالإعراض عنها إقبالا إليها، فإن العدة إذا لم تكن مضبوطة أو انتقلت المرأة من منزل زوجها أشكل أمر الرجعة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي قاربن انقضاء أجل العدة فأنتم بالخيار فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي إن شئتم فراجعوهن بحسن معاشرة وإنفاق لائق أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي وإن شئتم فاتركوهن من غير مراجعة بإيفاء بالحق واتقاء الضرار، وهو أن يراجعها في آخر العدة، ثم يطلقها تطويلا للعدة وتعذيبا لها، وَأَشْهِدُوا يا أيها الأزواج ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ عند التطليق وعند الرجعة قطعا للنزاع، فهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة وهو عند الشافعي واجب في
стр. 1195
الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي أدوا الشهادة التي تحملتموها عند الحكام يا أيها الشهود لوجه الله تعالى ذلِكُمْ أي الإشهاد وإقامة الشهادة يُوعَظُ بِهِ أي يؤمر به، مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقال: نزلت الآيات من أول السورة إلى هاهنا في شأن النبي ﷺ حين طلق حفصة، وفي ستة نفر من أصحابه طلقوا نساءهم غير طواهر، فنهاهم الله عن ذلك، لأنه لغير السنة، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي يصبر على المصيبة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) من الشدة.
وقرأ النبي ﷺ هذه الآية
فقال: «مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة»
. نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له يسمى سالما، فأتى النبي ﷺ فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال: «اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» ، ففعل ذلك
، فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه سالم ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها فذلك قوله تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أي من وجه لا يخطر بباله وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي ومن يثق بالله فيما ناله فهو كافيه في جميع أموره، إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ.
وقرأ حفص بالإضافة أي منفذ أمره. والباقون بالتنوين ونصب أمره أي يبلغ مراده في جميع خلقه. وقرئ برفع أمره أي نافذ تدبيره. وقرأ المفضل «بالغا» أمره على أن قوله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ خبران و «بالغا» حال من اسم الجلالة قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ من الشدة والرخاء قَدْراً (٣) أي أجلا ينتهي إليه.
وروي أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لم تحض فنزل وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ لكبرهم، وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين إِنِ ارْتَبْتُمْ أي إن أشكل عليكم حملهن في العدة، أو إن جهلتم بمقدار عدتهن فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ فقام رجل فقال: يا رسول الله فما عدة الصغير التي لم تحض فنزل، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ لصغرهن هن بمنزلة الكبيرة التي قد يئست، وهذه معطوفة على «واللائي يئسن» عطف المفردات فقام رجل آخر وقال: وما عدة الحوامل يا رسول الله فنزل وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أي والحبالى منتهى عدتهن وأجل انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن لخبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوما، فأمر رسول الله ﷺ أن تتزوج فإباحة النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر دليل على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن فلا تنقضي العدة بوضع بعض حملهن. وقرئ أحمالهن، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في شأن أحكامه يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) أي ييسر الله عليه في أمره ويوفقه للعمل الصالح.
وقال عطاء: يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة ذلِكَ أي الذي ذكر من الأحكام أَمْرُ
стр. 1196
اللَّهِ، أي فرائضه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ أي بينه لكم في القرآن، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ بطاعته ويعمل بما جاء به محمد ﷺ ، يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة فإن الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) في الآخرة بالمضاعفة، أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ أي أسكنوا المعتدات مسكنا من بعض مكان سكناكم على قدر طاقتكم ووجدكم بضم الواو باتفاق القراء السبعة. وقرئ بفتح الواو وكسرها. وَلا تُضآرُّوهُنَّ في السكنى والنفقة لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ بهما حتى تلجئوهن إلى الخروج من المسكن أو إلى تفتدي الرجعية نفسها منكم، وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ أي وإن كن المطلقات حبالى، فَأَنْفِقُوا أيها الأزواج عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فيخرجن من العدة. وهذا بيان حكم المطلقة البائنة، أما الحوامل المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن، وأما الرجعية فإنها تستحق النفقة، وإن لم تكن حاملا ومذهب مالك والشافعي أنه ليس للمبتوتة إلا السكنى، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها
فقال لها رسول الله: «لا سكنى لك ولا نفقة» ،
وأما عند الحنفية فلكل مطلقة حق النفقة والسكنى لأن
عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول في شأن المطلقة: «لها النفقة والسكنى»
، ولأن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين المبتوتة وغيرها، ولو كان جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ولم يقولوا به، ونحن معشر الشافعية نقول: إن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل، فأثبت لها النفقة ليعلم أن غيرها بطريق الأولى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أولادكم منهن بعد انقضاء علقة النكاح، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على ذلك الإرضاع ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه للرجل استئجار امرأته للرضاع إذا كان الولد منها ما لم تبن، ويجوز عند الشافعي مطلقا وفي هذه الآية دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والتربية على الزوجات، وفيها دليل على أن اللبن ملك لها وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي تشاوروا بتراضي الأب والأم، ولا يكن من الأب مماكسة، ولا من الأم معاسرة، ولا من الرجل تقصير في حق المرأة ونفقتها ولا من المرأة في حق الولد ورضاعه، وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ كأن أبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضع الولد مجانا فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) ، أي فسترضع الولد لوالده امرأة أخرى فليس له إكراهها على إرضاعه بل يستأجر الأب للصبي مرضعا غير أمه لِيُنْفِقْ على المرضعات المطلقات وعلى خلافها، ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ أي ذو غني على قدر غناه وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، أي ومن ضيق عليه معيشته فلينفق على الزوجة والولد الصغير على قدر ما أعطاه الله من المال وإن قل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها أي إلا بقدر ما أعطاها من الرزق جل أو قل فإنه تعالى لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) أي بعد ضيق سعة وبعد شدة رخاء عاجلا أو آجلا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ أي وكم من أهل قرية أبوا عن قبول أمر
стр. 1197
ربهم وعن إجابة أمر رسله، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً أي فحاسبناهم في الآخرة على أعمالها بالمناقشة في كل نقير وقطمير، وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) أي وعذبناهم عذابا عظيما وهو عذاب نار جهنم، فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها أي فذاقوا عقوبة كفرهم، وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أي وكان عاقبة عتوها هلاكا بعذاب الدنيا وعذاب النار،
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ في الآخرة عَذاباً شَدِيداً لونا بعد لون فَاتَّقُوا اللَّهَ عن أن تكفروا به وبرسوله يا أُولِي الْأَلْبابِ أي يا ذوي العقول من الناس، الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا والوقف على «ذكرا» تام إن نصب «رسولا» بالإغراء أي عليكم رسولا، أو بفعل مقدر، أي وأرسل رسولا فحينئذ فالذكر هو القرآن والرسول هو النبي ﷺ ، ولا وقف على «ذكرا» إن جعل «رسولا» بدلا منه فحينئذ فالذكر الرسول هو جبريل ﵇، سمي بالذكر لأنه مذكور في السموات أو في الأمم، أو لشرفه، ويؤيده قراءة رسول بالرفع، أي هو رسول يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ أي القرآن مُبَيِّناتٍ.
وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء، لأن الآيات تبين الأحكام من الأمر والنهي والحلال والحرام. والباقون بالفتح لأن الله تعالى أوضح الآيات وبين أنها من عنده، لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم، وقوله تعالى: لِيُخْرِجَ إما متعلق بأنزل والضمير فيه راجع إلى اسم الجلالة، أو ب «يتلو» فالضمير فيه راجع للرسول، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً فيما بينه وبين ربه يُدْخِلْهُ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بالنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) .
قال الزجاج: أي قد رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها وقيل: قدر رزقه الله طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة، وجملة «قد أحسن الله» إلخ حال ثانية من مفعول «يدخله» . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ بعضها فوق بعض مثل القبة، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ أي في العدد لكنها منبسطة، والعامة بنصب مثلهن عطفا على سبع سموات. وقرأ عاصم في رواية برفعه على الابتداء وخبره من الأرض.
روى البخاري وغيره أن كعبا حلف بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها»
«١» . يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أي ينفذ تصرفه فيهن، ويجري قضاؤه بينهن.
стр. 1198
قال عطاء: أي يتنزل الوحي إلى الخلق في كل أرض، وفي كل سماء، وقال مقاتل: يتنزل الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت بعض، وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلا. وقرئ «ينزل الأمر بينهن» ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات والأرض أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية، لا يعجزه شيء عما أراده وقوله تعالى: لِتَعْلَمُوا متعلق ب «خلق» أو ب «يتنزل» ، وقرئ «ليعلموا» بالياء وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ من الكليات والجزئيات عِلْماً (١٢) لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، فتبارك الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1199
سورة التحريم
وتسمى سورة النبي ﷺ . مدينة، ثنتا عشرة آية، مائتان وتسع وأربعون كلمة، ألف وستون حرفا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أي لم تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله تعالى لك من ملك اليمين أو من العسل.
روي أنه ﷺ خلا بمارية في يوم حفصة وعلمت بذلك عائشة فقال لها: «اكتمي علي فقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي» ، فأخبرت بذلك عائشة وكانتا متصادقين فطلق حفصة، واعتزل نساءه، ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية.
وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله طلقك، فنزل جبريل ﵇ وقال له ﷺ : راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة وهذا قول الحسن ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس ورواية البزار من حديث ابن عباس، ورواية الطبراني من حديث هريرة، ورواية الضياء من حديث عمرو الذي في الصحيحين أن الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه هو شرب العسل، فقد روي أنه ﷺ شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وهو صمغ حلو له رائحة كريهة، فحرم العسل على نفسه فنزلت هذه الآية تَبْتَغِي أي تطلب بتحريم مارية أو العسل، مَرْضاتَ أَزْواجِكَ عائشة وحفصة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك هذه الزلة رَحِيمٌ (١) قد رحمك في تلك اليمين. وقد نقل جماعة من المفسرين: أن النبي ﷺ حلف أن لا يطأ جاريته، فذكر الله له ما أوجب من كفارة اليمين، وأيضا أن أبا حنيفة يرى تحريم الحلال يمينا في كل شيء، فإذا حرم شخص طعاما فقد حلف على أكله أو أمة، فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها، إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وإن نوى عددا كأن نوى ثنتين أو ثلاثا، فكما نوى، وإن قال: كل حلال علي حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا، ولكن سببا في الكفارة في النساء فقط وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أي أوجب الله عليكم كفارة ككفارة أيمانكم أو قد بيّن الله
стр. 1200
لكم تحليل أيمانكم بالكفارة، فإذا كفر الحالف صار كمن لم يحلف. وقرئ كفارة أيمانكم، وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ أي حافظكم وناصركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم الْحَكِيمُ (٢) أي المتقن في أفعاله وأحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا ما تقتضيه الحكمة، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً أي واذكر إذ أخبر النبي حفصة في السر بكلام استكتمها ذلك.
قال ابن عباس: لما رأى النبي ﷺ الغيرة في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين، تحريم مارية على نفسه والبشارة بأن الخلافة بعده ﷺ في أبي بكر وأبيها عمر، فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ.
قرأ الجمهور بتشديد الراء، أي فلما أخبرت حفصة بسر النبي ﷺ عائشة ظنا منها أنه لا حرج عليها في ذلك، وأطلع الله نبيه على ما أخبرت حفصة عائشة بين النبي لحفصة بعض ما قالت لعائشة من خلافة أبي بكر وعمر وعاتبها على ذلك خوفا من أن ينشر في الناس، فربما أثار حسد بعض المنافقين.
وروي أنه ﷺ قال لها: «ويلك ألم أقل لك اكتمي علي!» قالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خصّ الله تعالى بها أبي
. وقرأ الكسائي بالتخفيف أي جازى على ذلك البعض بأن طلق حفصة مجازاة على بعض ما فعلت، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أي وسكت عن بعض من تحريم مارية القبطية على نفسه، ولم يلم حفصة على ذكر ذلك حياء وحسن عشرة، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ أي فلما أخبر النبي حفصة بما قالت لعائشة قالَتْ أي حفصة: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا أي من أخبرك بأني أفشيت السر لعائشة، وقد ظننت أن عائشة هي التي أخبرته.
قالَ أي النبي ﷺ : نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) بقولك لعائشة وبقولي لك. إِنْ تَتُوبا يا حفصة ويا عائشة من إيذائكما رسول الله ﷺ إِلَى اللَّهِ تاب الله عليكما فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، إذ قد مالت قلوبهما عن الحق وأحبت ما كرهه النبي ﷺ وهو اجتنابه جاريته. وقرئ «فقد زاغت» . وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أي وإن تتعاونا أنتما على النبي ﷺ بالإيذاء لم يضره ذلك التعاون منكما، فإن الله ناصره، وجبريل رئيس الكروبيين وأبو بكر وعمر، كما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس وبه قال عكرمة ومقاتل، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد نصر من ذكر ظَهِيرٌ (٤) أي أعوان له ﷺ فقوله: جِبْرِيلُ عطف على محل اسم «إن» قبل دخولها وكذا «وصالح المؤمنين» ، ف «مولاه» خبر عن الكل فيقدر بعد كل واحد منهما، ويجوز أن يكون الكلام عند قوله تعالى:
مَوْلاهُ ويكون «جبريل» مبتدأ وما بعده عطف عليه، و «ظهير» خبرا لجميع. وقرأ الكوفيون «تظاهرا» بتخفيف الظاء وإسقاط إحدى التاءين. والباقون بتشديدها. وقرئ على الأصل أي بالتاءين، وقرئ «تظهرا» . عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال. والباقون وهم أهل الكوفة بسكونها.
стр. 1201
وقال ابن عرفة: و «عسى» هنا للتخويف لا للوجوب، وجملة «عسى» واسمها وخبرها جواب الشرط أي إن طلقكن فعسى ربه أن يبدله مُسْلِماتٍ أي مقرات بالألسن، مُؤْمِناتٍ أي مصدقات بالقلوب بتوحيد الله تعالى، قانِتاتٍ أي مطيعات لله ولأزواجهن.
وقيل: قائمات بالليل للصلاة تائِباتٍ من الذنوب، عابِداتٍ أي كثيرات العبادات متذللات لأمر الرسول ﵇، سائِحاتٍ أي صائمات كما قاله ابن عباس، أو مهاجرات كما قاله الحسن. وقرئ «سيحات» . ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) فالثيب: تمدح من جهة أنها أكثر تجربة وعقلا، وأسرع حبلا غالبا، والبكر: تمدح من جهة أنها أطهر وأطيب وأكثر مداعبة غالبا، وسميت الثيب ثيبا، لأنها ثابت أي رجعت إلى بيت أبويها، وسميت العذراء بكرا لأنها على أول حالتها التي خلقت بها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً أي علموا أنفسكم ونساءكم وأولادكم الخير، وأدبوهم بأن تأمروهم بالخير وتنهوهم عن الشر تقوهم بذلك نارا، وقرئ «وأهلوكم» عطفا على «واو قوا» فيكون أنفسكم عبارة عن أنفس الكل، أي قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم نارا، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي حطبها الكفار وحجارة الكبريت. وقرئ «وقودها» بضم الواو عَلَيْها، أي النار مَلائِكَةٌ تسعة عشر وهم الزبانية، غِلاظٌ أي غلاظ القلوب لا يرحمون، إذا استرحموا خلقوا من الغضب وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شِدادٌ أي شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ بدل اشتمال من الله، أي لا يعصون أمره، أو منصوب على نزع الخافض. أي فيما أمرهم به من عذاب أهل النار، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) أي يؤدون ما يؤمرون به من غير توان ويقولون للكفار عند ادخالهم النار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إذ الاعتذار هو التوبة، وهي غير مقبولة بعد الدخول في النار فلا ينفعكم الاعتذار، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) ، أي جزاء أعمالكم، أي إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً أي بالغة في النصح بأن يتوبوا عن القبائح نادمين عليها غاية الندامة، لا يعودون إليها، وقرأ شعبة بضم النون وهو مصدر، أي ذات نصوح أو تنصح نصوحا، أو توبوا لينصح أنفسكم. والباقون بفتحها فهو صفة مشبهة، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي أن يغفر لكم ذنوبكم بالتوبة وَيُدْخِلَكُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ظرف «ليدخلكم» ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي صاحبوه في وصف الإيمان، والموصول إما معطوف على النبي وإما مبتدأ خبره جملة قوله تعالى: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ عند المشي على الصراط، وَبِأَيْمانِهِمْ أي ويسعى عنن إيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون التاب بإيمانهم وفيه نور يَقُولُونَ أي المنافقين خائفين من أن يطفأ نورهم رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا أي أبق لنا نورنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) . وقيل: الذين يمرون على الصراط حبوا وزحفا هم
стр. 1202
الذين يقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والسنان وَالْمُنْفِقِينَ بالحجة واللسان، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي واشدد على كلا الفريقين فيما تجاهدهما من القتال والمحاجة، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) مصيرهم ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي جعل الله مثلا لحال هؤلاء الكفار، امْرَأَتَ نُوحٍ والهة وَامْرَأَتَ لُوطٍ والعة «١» كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما بالكفر، كما قاله عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط. وعن ابن عباس كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة من قومه وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فلم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما عند الله تعالى عن زوجتيهما لما عصتا من عذاب الله شيئا، وذلك تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة، وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) أي وتقول لهما خزنة النار: ادخلا النار مع الداخلين في النار
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ أي جعل الله حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان، واسمها آسية بنت مزاحم آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه، وتلقف العصا، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان، فإنه أوتدها بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة فقالت: رب نجني من فرعون، فرقى بروحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، إِذْ قالَتْ- ظرف ل «مثلا» -: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أي رب ابن لي بيتا قريبا من رحمتك، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ أي من نفسه الخبيثة، وَعَمَلِهِ السيئ، وهو شركه أو جماعه، كما قاله ابن عباس، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) أي من القبط التابعين له في الظلم، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الفواحش فإنها قذفت بالزنا فَنَفَخْنا فِيهِ أي في فرجها، كما قاله البقاعي. وقرئ فيها أي في مريم. وقال الرازي: وقوله تعالى فيه أي في عيسى ومن قرأ فيها في نفس عيسى، مِنْ رُوحِنا أي من روح خلقناه بلا توسط أصلا. والمعنى: أوصلنا إلى فرجها الريح الخارج من نفس جبريل لما نفخ في جيب قميصها، فوصل إليه، فحملت بعيسى، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي بالصحف المنزلة على إدريس وغيره. قال مقاتل: أي بعيسى ويدل عليه قراءة الحسن بكلمة ربها بالإفراد وقرئ «بكلمة الله» . وَكُتُبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحفص بصيغة الجمع أي بالكتب الأربعة، والباقون و «كتابه» بالإفراد أي وبكتابه المنزل عليه وهو الإنجيل، وقوله تعالى:
وَصَدَّقَتْ بالتخفيف والتشديد على أن مريم جعلت الكلمات والكتب صادقة بمعنى وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) أي من القوم المطيعين لله في الشدة والرخاء.
стр. 1203
وقال عطاء: من المصلين، وهم رهطها، لأنهم أهل بيت صالحين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى، وضرب هذه الأمثال مشتمل على فوائد: منها: التنبيه على الثواب العظيم والعذاب الأليم. ومنها: العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح.
ومنها: أن الرجل وإن كان في غاية الصلاح فلا يأمن المرأة ولا يأمن نفسه. ومنها: العلم بأن إحصان المرأة مفيد غاية الإفادة. ومنها: التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب.
стр. 1204
سورة الملك
وتسمى الواقية والمنجية، لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر. وعن ابن عباس أنه كان يسميها المجادلة، لأنها تجادل عن قارئها في القبر، وتدعى في التوراة المانعة، مكية، ثلاثون آية، ثلاثمائة وخمس وثلاثون كلمة، ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر حرفا
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أي تنزه الذي في قدرته سائر الكائنات عن أن يكون جسما أو في مكان غير ذلك من صفات الحوادث، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء قَدِيرٌ (١) يتصرف فيه حسب ما تقتضيه مشيئته يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ فالموت صفة وجودية مضادة للحياة. والمراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده. وروى الكلبي عن ابن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار، ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي اه.
وهذا كلام وارد على منهاج التمثيل والتصوير. لِيَبْلُوَكُمْ وهو متعلق بخلق، أي خلق موتكم وحياتكم ليعاملكم معاملة من يختبركم، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أخلص عملا وأصوبه كما قاله الفضيل ابن عياض اه.
وقال قتادة: أي أيكم أحسن عقلا، أي أتمكم عقلا، وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا.
وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركا لها. وقال السدي: أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن استعدادا وأشد خوفا وحذرا. وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل، الْغَفُورُ (٢) لمن تاب من أهل الإساءة الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض، والسماء الدنيا محيطة بالأرض إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب، والثانية محيطة بالسماء الدنيا، وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل، ما تَرى أيها المخاطب فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ للسموات ولغيرها مِنْ تَفاوُتٍ، أي من عدم تناسب.
стр. 1205
قرأ حمزة والكسائي «من تفوت» بتشديد الواو، فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي رد بصرك إلى السماء هَلْ تَرى فيها مِنْ فُطُورٍ (٣) ، أي شقوق وعيوب، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي ارجع البصر إلى السماء رجعة بعد رجعة وإن كثرت يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً، أي بعيدا من إصابة ما التمسه من العيب، وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) أي كليل لكثرة المراجعة، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي القربي من الناس بِمَصابِيحَ أي بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السرج، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ أي جعلنا الكواكب رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المقتبسة من نار الكواكب، إذا أرادوا استراق السمع، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ في الآخرة عَذابَ السَّعِيرِ (٥) بعد الإحراق في الدنيا بالشهب، وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ من الشياطين وغيرهم، عَذابُ جَهَنَّمَ.
وقرئ بالنصب على أنه عطف على عذاب السعير، كما أن «للذين» عطف على «لهم» ، فهو عطف المفرد على المفرد وعلى هذا، فالوقف على «السعير» جائز. وإن قرئ عذاب جهنم بالرفع كما هو قراءة الجمهور فالوقف على «السعير» تام، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) جهنم إِذا أُلْقُوا أي الكفار فِيها سَمِعُوا لَها أي لجهنم شَهِيقاً أي صوتا كصوت الحمار، وَهِيَ تَفُورُ (٧) أي والحال أن جهنم تغلي بهم غليان المرجل بما فيه، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي تقرب جهنم تتفرق من شدة الغضب على الكفار.
وقرئ شاذا «تتميز» على الأصل، كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي جماعة من الكفرة سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها بطريق التوبيخ والتقريع، أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا؟ قالُوا اعترافا منهم بعدل الله وإقرارا بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا ذلك النذير في كونه نذيرا من جهة الله تعالى وَقُلْنا في حق ما تلاه من الآيات: ما نَزَّلَ اللَّهُ على أحد مِنْ شَيْءٍ أي من كتاب، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) أي ما أنتم أيها النذر- في ادعاء أنه تعالى نزّل عليكم آيات- إلا في ضلال كبير أي بعيد عن الصواب، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الخزنة للكفار. والمعنى: ما أنتم أيها الكفار إلا في ضلال كبير في الدنيا، وهو الشرك بالله، وفي هلاك عظيم في العذاب. وَقالُوا للخزنة: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) أي لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل من كان متفكرا لما كنا اليوم مع أهل الوقود في النار،
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أي أقروا بتكذيبهم الرسل وبكفرهم بآيات الله، فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) وهو منصوب إما على المفعول به أي ألزمهم الله سحقا، أي بعدا من رحمته أو على المصدر والتقدير: سحقهم الله سحقا أي باعدهم الله من رحمته مباعدة.
وقرأ الكسائي بضم الحاء إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي حال كونهم في الخلوة حيث لا يراهم الناس، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) في الجنة وَأَسِرُّوا أيها الناس قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) ، أي عليم بالقلوب وأحوالها، فاحذروا من المعاصي سرا
стр. 1206
كما تحترزون عنها جهرا، فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى.
قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله، فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد، فأنزل الله هذه الآية أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي ألا يعلم السر والجهر من أوجد جميع الأشياء، فمن خلق شيئا لا بد وأن يكون عالما بمخلوقه وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) ، أي والحال أنه تعالى الفاعل للأشياء اللطيفة، العالم ببواطن الأمور هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي لينة يسهل عليكم السلوك فيها، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أي فاسلكوا في جوانبها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أي كلوا مما خلقه الله رزقا لكم في الأرض، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أي المرجع بعد البعث، فبالغوا في شكر نعمه، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ف «أن يخسف» بدل اشتمال من «من» ، أي أتأمنون يا أهل مكة من قد أقررتم بأنه في السماء، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء، وهو متعال عن المكان أن يغور بكم الأرض بعد ما جعلها لكم لينة، فَإِذا هِيَ أي الأرض تَمُورُ (١٦) أي تضطرب وتتقلب، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أي بل أأمنتم أيها المكذبون من تزعمون أنه في السماء، وهو منزه عن المكان أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي ريحا فيها حجارة، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) أي فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أي إنكاري وتغييري عليكم أليس وجدوا العذاب حقا، أَوَلَمْ يَرَوْا أي أغفلوا ولم ينظروا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها وَيَقْبِضْنَ أي يضممنها إذا ضربن بها جنوبهن حينا فحينا ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو عند البسط والقبض إِلَّا الرَّحْمنُ أي الواسع رحمته كل شيء، وهذه الجملة مستأنفة، فالوقف على يقبضن تام كالوقف هنا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) فيكون الله رائيا لنفسه ولجميع الموجودات، أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ أي بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ف «أم» بمعنى بل و «من» اسم استفهام مبتدأ خبره اسم الإشارة. وقرأ طلحة بتخفيف الميم هنا وتشديده، ثم والمعنى: أهذا الذي هو جند لكم أم الذي يرزقكم، يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أي ما الكافرون إلا في غرور من الشيطان، فهو يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، أعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بمالهم وجندهم. وثانيهما: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات وقد أبطل الله عليهم الأول بقوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ الآية.
ورد عليهم الثاني بقوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أي بل من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم بل لو كان الرزق موجودا سهل التناول، فوضع الآكل لقمة في فيه، فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد لعجز أهل السموات والأرض عن أن يسوغوا تلك اللقمة، بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أي بل تمادوا في أباء عن الحق
стр. 1207
وشراد عن الإيمان، ثم ضرب الله مثلا للمشرك والموحد فقال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) ، أي أفمن يمشي في مكان غير مستو فيعثر كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصد، أم من يمشي معتدلا على طريق مستو لا عوج فيه ولا انحراف سالما من العثور والخرور؟ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أي أوجدكم إيجادا بديعا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا به الآيات القرآنية، وَالْأَبْصارَ لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية، وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا بها فيما تسمعونه من الآيات التنزيلية، وفيما تشاهدونه من الآيات التكوينية، قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) لأن شكر نعمة الله تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، وأنتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل إلى غير طلب مرضاته، فأنتم ما شكرتم نعمته ألبتة قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ، أي خلقكم وكثركم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) في الآخرة للجزاء، وَيَقُولُونَ أي كفار مكة من فرط عنادهم، مَتى هذَا الْوَعْدُ أي الحشر الموعود إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) أي إن كنتم صادقين بما تخبرونه من مجيء الساعة والحشر فبينوا وقته، قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجيئه عِنْدَ اللَّهِ لا يطلع عليه غيره، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) أنذركم وقوع الموعود، فإن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع، فالعلم الأول كاف في الإنذار، العلم الثاني ليس إلا الله، فَلَمَّا رَأَوْهُ أي العذاب بعد الحشر زُلْفَةً أي ذا قرب سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اسودت وجوههم، وعلتها الكآبة، وصارت كوجه من يقاد إلى القتل، وَقِيلَ أي قال لهم الخزنة توبيخا: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه استهزاء، أو هذا الذي كنتم تدعون أنه باطل لا يأتيكم.
وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب، وأبو زيد، وأبو بكر، وابن أبي عبلة، ونافع في راوية الأصمعي بسكون الدال من الدعاء وهي مؤيدة للقول بأن تدعون مثقلة من الدعاء في قراءة العامة. وقيل: من الدعوى. قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ، أي إن أماتني الله وَمَنْ مَعِيَ من المؤمنين أَوْ رَحِمَنا بتأخير آجالنا، فأيّ راحة لكم في ذلك، وأي منفعة لكم فيه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك حين خوّفهم النبي بعذاب الله، فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) أي من الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم أتظنون أن الأصنام تجيركم، فإذا علمتم أن لا مجير لكم منه سواء متنا أو بقينا فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث، قُلْ هُوَ أي الذي أدعوكم إلى عبادته الرَّحْمنُ أي معطي النعم كلها آمَنَّا بِهِ ولم نكفر به كما كفرتم، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لا على غيره كما فعلتم حيث توكلتم على رجالكم وأموالكم وهو لا يقبل دعاءكم، لأنكم أهل الكفر، فَسَتَعْلَمُونَ عند معاينة العذاب في الآخرة مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) أي ظاهر، أنحن أم أنتم.
стр. 1208
وقرأ الكسائي «فسيعلمون» بالياء التحتانية. قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي إن صار ماؤكم ذاهبا في الأرض بالكلية أو بحيث لا تناله الدلاء، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) أي ظاهر، سهل المأخذ تراه العيون فلا بدلهم، وأن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله فقل لهم حينئذ: فلم تجعلون من لا يقدر على شيء أصلا شريكا له في المعبودية؟ وكان ماؤهم من بئر زمزم، وبئر ميمون. ويستحب أن يقول القارئ عقب مَعِينٍ: الله رب العالمين، كما ورد في الحديث.
стр. 1209
سورة القلم
وتسمى سورة ن، مكية، اثنتان وخمسون آية، ثلاثمائة كلمة، ألف ومائتان وستة وخمسون حرفا
ن أقسم الله بالنون، وهي السمكة التي تحمل الأرضين على ظهرها، واسمها:
ليواش، وهي في الماء تحت الأرض السفلى وتحتها الثور، واسمه: يهموت وتحته الصخرة، وتحتها الثرى، ولا يعلم ما تحته إلا الله تعالى وهذا مروي عن ابن عباس. وقيل: إنه تعالى أقسم بالحوت الذي احتبس يونس ﵇ في بطنه، وقيل: إنه تعالى أقسم بالحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه. والقول الثاني: وهو مروي أيضا عن ابن عباس أن النون هو الدواة، وعلى هذا أقسم الله تعالى بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة»
«١» . وَالْقَلَمِ أقسم الله بالقلم وهو قلم من نور، طوله كما بين السماء والأرض، وَما يَسْطُرُونَ (١) أي وما كتب الملائكة في صحفهم يكتبون فيها المقادير التي تنفع في العالم، ينتسخون ذلك من اللوح المحفوظ، ما أَنْتَ يا أكرم الخلق بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) أي أنت بريء من الجنون ملتبسا بنعمة الله التي هي النبوة والرئاسة العامة.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ غاب عن خديجة إلى حراء، فطلبته، فلم تجده، فإذا به وجهه متغير فقالت له: ما لك؟ فذكر نزول جبريل ﵇ وأنه قال له: اقرأ باسم ربك، قال ﷺ : «ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ، ثم توضأت، ثم صلى وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة يا محمد» فلما ذكر النبي ﷺ ذلك لخديجة ذهبت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، فسألته فقال: أرسلي إلي محمدا، فأرسلته، فأتاه فقال: هل أمرك جبريل أن تدعو إلى الله أحد فقال: لا، فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا، ثم مات
стр. 1210
قبل دعاء الرسول، فلما دعا ﷺ كفار قريش إلى الله قالوا: إنه لمجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون،
وَإِنَّ لَكَ يا أكرم الخلق على ما تحملت من أثقال الرسالة ومن ألوان الشدائد من جهة قومك لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) أي غير مقطوع، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) كانت نفسه ﷺ شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة عن عائشة قالت:
ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال:
لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي في شيء فعلته: لم فعلت؟ ولا في شيء لم أفعله: هلا فعلت. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) أي فستعلم يا محمد ويعلم المشركون يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل، أو فسترى يا محمد ويرون في الدنيا أنك تصير معظما في القلوب وأنهم يصيرون ذليلين، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) والباء إما زائدة أي أيكم الذي فتن بالجنون، أو بمعنى في أي الفريقين المجنون، أفي فرقة الإسلام، أم في فرقة الكفار ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة في «أيكم» . وقيل: إن المفتون مصدر جاء على مفعول والتقدير: بأيكم الفتون؟ أي الجنون. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله تعالى المؤدي إلى سعادة الدارين، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) أي وهو أعلم بالعقلاء وهو المهتدون إلى سبيله، الفائزون بكل مطلوب، الناجون عن كل محذور، فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وهم رؤساء أهل مكة الذين دعوه ﷺ إلى دين آبائهم، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) أي تمنوا إن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك وإن يتركوا بعض ما لا ترضى به فتلين لهم ويلينون لك، و «لو» مصدرية، أي ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك، وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ أي كثير الحلف في الحق والباطل، مَهِينٍ (١٠) أي ضعيف في دين الله، حقير في التدبير والتمييز،
مُعْتَدٍ
أي ظلوم أَثِيمٍ (١٢) ، أي مبالغ في الإثم، عُتُلٍّ أي شديد الخصومة أو واسع البطن بَعْدَ ذلِكَ، أي مع تلك المثالب زَنِيمٍ (١٣) ، أي دعي ملصق بالقوم وليس منهم، والظرف متعلق «بزنيم» .
قيل: هو الوليد ادعاه المغيرة بعد ثماني عشرة سنة من ولادته ونسبه لنفسه بعد أن كان لا يعرف له أب، ولما نزلت هذه الآية قال لأمه: إن محمدا وصفني بتسع صفات أعرفها غير التاسع منها، فإن لم تصدقيني الخبر ضربت عنقك. فقالت له: إن أباك أي المغيرة عنين، فخفت على المال، فمكنت الراعي من نفسي، وكان للوليد عشرة من البنين، وكان يقول لهم ولأقاربه: لئن تبع دين محمد أحد منكم لا أنفعه بشيء أبدا، فمنعهم من الإسلام، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا وألفا، ولا يعطي المسكين درهما واحدا. وهذه الآية عند أكثر المفسرين نزلت في
стр. 1211
الوليد بن المغيرة، وعند ابن عباس في أبي جهل، وعند مجاهد في الأسود بن عبد يغوث، وعند السدي في الأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده في زهرة. أَنْ كانَ أي لأجل أن كان هذا الموصوف، ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) ، وهذا إما متعلق بما قبله أي لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ الآية، لكثرة ماله وأولاده أو بما دل عليه ما بعده، أي إنه كفر بآياتنا، لأن كان ذا مال وبنين وفي قراءة سبعية «أأ» بهمزتين مفتوحتين أي ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه أو ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، وكان مال الوليد بن المغيرة نحو تسعة آلاف مثقال من فضة وبنوه عشرة، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) ، أي هي أحاديث الأولين في كذبهم، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) أي سنجعل له في الآخرة علامة على أنفه، يعرف بها أهل القيامة أنه كان في عداوة الرسول وفي إنكار الدين الحق. كما قاله قتادة.
قال ابن عباس: أي سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش. وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال، إِنَّا بَلَوْناهُمْ أي أهل مكة بالقحط بدعوة محمد ﷺ عليهم بعد يوم بدر سبع سنين كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أي أهل البساتين كانت بصروان.
روي أن واحدا من ثقيف وكان مسلما كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء، وكان يجعل من كل ما فيها عند الحصاد نصيبا وافرا للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه وقالوا:
عيالنا كثير والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطي المساكين مثل ما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم، وكانوا بعد عيسى ابن مريم بزمن يسير، إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) أي حين حلفوا بالله ليقطعن ثمر نخليهم في وقت الصباح، وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) أي لا يقولون: إن شاء الله أو ولا يستثنون حصة المساكين كما كان يفعله أبوهم، فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) ، أي فطرقها في الليل طارق من عذاب الله.
قال الكلبي: أرسل الله عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) أي فصارت البساتين بالاحتراق شبيهة بالبستان الذي صرمت ثماره بحيث لم يبق منها شيء، أو صارت كالليل في اسودادها، أو كالنهار في ابيضاضها من فرط اليبس
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) أي فنادى بعضهم بعضا عند طلوع الفجر، أي اذهبوا إلى الثمار والزروع والأعناب، فاصرموها إن كنتم قاصدين للصرم ولا تخبروا المساكين، فَانْطَلَقُوا إلى البساتين وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) ، أي والحال أنهم يتسارون فيما بينهم كلاما خفيا أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) ، و «أن» مفسرة أي لا تدخلوا مسكينا في البساتين. وقرأ ابن مسعود بطرح «أن» على إضمار القول. والمعنى: «يتخافتون» يقولون: لا تمكنوا المسكين من الدخول في البساتين حتى يدخل وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) أي وصاروا قاصدين إلى بساتينهم قادرين على صرامها، ومنع منفعتها على المساكين في ظنهم، أو أرادوا أن يحرموا المساكين وهم
стр. 1212
ظنوا أنهم قد أخطئوا الطريق فقالوا: إنا لضالون طريق بستاننا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا:
لسنا ضالين بل نحن محرومون منفعة جنتنا بشؤم عزمنا على البخل، ومنع الفقراء، ويحتمل أنهم لما رأوا جنتهم محترقة قالوا: إنا لضالون في الاعتقاد حيث كنا نعتقد كوننا قادرين على الانتفاع بها، وحيث كنا عازمين على منع الفقراء بل الأمر انقلب علينا فصرنا محرومين، قالَ أَوْسَطُهُمْ أي أفضلهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) أي هلا تذكرون الله تعالى وتتوبون إليه من خبث نيتكم حيث عزمتم على منع الزكاة؟ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا عن أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه، إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) بالإقسام على جذ الجنة في الصباح ومنع المساكين وترك الاستثناء. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) أي يلوم بعضهم بعضا يقول واحد منهم: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت الذي خوفتنا بالفقر ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) أي يا هلاكنا هذا وقت منادمتك لنا إنا كنا متجاوزين حد الله بمنعنا المساكين، عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها أي أن يعطينا خيرا من جنتنا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالذنوب.
وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) أي طالبون منه الخير، راجون عفوه وروي أنهم قالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا، فتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، فأبدلهم الله تعالى من ليلتهم ما هو خير منها، فإن الله أمر جبريل ﵇ أن يقتلع تلك الجنة المحترقة، فيجعلها بزعر من أرض الشام، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها.
وقال ابن مسعود ﵁: إن القوم أخلصوا، وعرف الله منهم الصدق، فأبدلهم الله جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا واحدا كم كبره. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم، كَذلِكَ الْعَذابُ أي مثل الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة في صروان عذاب الدنيا لمن منع حق الله من ماله، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ لمن لا يتوب أَكْبَرُ من عذاب الله في الدنيا، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) أنه أكبر لاحترزوا عما يؤديهم إليه، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) ، أي جنات ليس لهم فيها إلا التنعم الخالص، لا يشويه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل فأقصى أمركم أن تساوونا فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) أي أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين أي مساوين لهم في العطاء، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أي أيّ شيء يحصل لكم يا أهل مكة، وأيّ حال يدعوكم إلى هذا الحكم هل هو صادر عن اختلال فكر أو اعوجاج
стр. 1213
رأي، أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أي بل ألكم كتاب نازل من السماء فيه تقرأون أن لكم في ذلك الكتاب ما تشتهون في الآخرة. وقرأ طلحة والضحاك «أن لكم» بفتح الهمزة، وهو منصوب ب «تدرسون» إلا أن في اسمها زيادة لام التأكيد، أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا أي أم لكم عهود مؤكدة بالأيمان، بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ والجار والمجرور إما متعلق ببالغة، أي أيمان تبلغ ذلك اليوم، وإما بالمقدر أي ثابتة لكم إلى يوم القيامة، ويكون معنى بالغة مؤكدة. وقرأ زيد بن علي والحسن «بالغة» بالنصب على الحال من «أيمان» ، أو من الضمير في الظرف، إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) وهذا جواب القسم، لأن المعنى أقسمنا لكم أيمانا موثقة أن لكم ما تحكمون به لأنفسكم في الآخرة، وهو أن تسووا بين المسلمين والكافرين، سَلْهُمْ يا أشرف الرسل:
أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم الخارج عن العقول زَعِيمٌ (٤٠) أي قائم
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أي أو هل لهم ناس يساعدونهم على صحة ذلك القول فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ أي بمن يشاركونهم في ذلك القول ويكفلونه لهم بصحته، إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) في دعواهم ويقال: المعنى: أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء الله يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب والخلاص من العقاب، فليأتوا بآلهتهم إن كانوا صادقون
أن لهم ما قالوا، يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي يوم يشتد الأمر.
قال أبو سعيد الضرير: أي يوم يكشف عن أصل الأمر أي تظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها بحيث تصير عيانا. وقرئ «تكشف» بالتاء الفوقية على البناء للفاعل، أو المفعول والفعل للحال، أو للساعة أي يوم تشتد الحال، أو الساعة عن أمر. وقرئ «تكشف» بالتاء المضمومة وكسر الشين، أي يوم تدخل الحال في الكشف عن أمر كانوا في عمى منه في الدنيا.
وقرئ «نكشف» بالنون وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ توبيخا على تركهم إياه في الدنيا بعد ما قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) السجود، تبقى أصلابهم فقارة واحدة مثل حصون الحديد، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ حال من واو «يدعون» ، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي تلحقهم ذلة شديدة بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم، وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي إلى الصلوات بالأذان والإقامة في الدنيا دعوة تكليف، وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) أي أصحاء قادرون على الصلاة فلا يجيبون الداعي، وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة في الجماعة فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ أي خل يا أشرف الخلق بيني وبينهم فإني أكفيك أمرهم، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أي سننزلهم إلى العذاب درجة فدرجة، مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) أي كلما أذنبوا ذنبا جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار، وَأُمْلِي لَهُمْ أي أمهلهم ليزدادوا إثما إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أي إن ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه، قوي لا يدفعه شيء ولا يطلع عليه أحد أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً أي أم تلتمس من أهل مكة أجرا دنيويا على الإيمان، فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أي فهم لأجل ذلك مكلفون حملا ثقيلا من غرامة مالية يعطونكها، فيعرضون عنك أَمْ عِنْدَهُمُ
стр. 1214
الْغَيْبُ
أي أم عندهم علم ما غاب عنهم، كأنه حضر في عقولهم فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) على الله، أي يحكمون عليه بما شاءوا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ أي ولا يكن حالك يا أشرف الخلق كحال يونس ﵇ من الضجر والمغاضبة فتبتلي ببلائه، إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) إذ نادى في بطن الحوت بقوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وهو مملوء غما- كما قاله ابن عباس ومجاهد- أو كربا- كما قاله عطاء وأبو مالك- والفرق بين الغم والكرب أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس، لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) أي لولا هذه النعمة التي هي توفيقه للتوبة وقبولها منه لطرح بالأرض الخالية من الأشجار مع وصف المذمومية. وقرئ «رحمة من ربه» . وقرأ ابن هرمز والحسن «تداركه» بتشديد الدال. وقرأ ابن عباس وابن مسعود «تداركته» ، فَاجْتَباهُ رَبُّهُ أي رد عليه الوحي بعد أن انقطع عنه وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) أي الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل فعلا يكون تركه أولى.
روي أن هذه الآية نزلت في أحد حين حل برسول الله ما حل، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف.
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ أي أنهم من شدة عداوتهم لك ينظرون إليك شزرا، بحيث يكادون يزلون قدمك فيرمونك. وقرئ في السبعة «ليزلقونك» بضم الياء وفتحها. وقرئ «ليزهقونك» .
روي أنه كان في بني أسد عيانون فأراد بعضهم أن يعين رسول الله، فنزلت هذه الآية. لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أي وقت سماعهم بالقرآن، وَيَقُولُونَ لغاية حيرتهم في أمره ﷺ إِنَّهُ أي محمدا لَمَجْنُونٌ (٥١) فأجابهم الله تعالى بقوله: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) ، أي وما هذا القرآن الذي يزعمون أنه دلالة جنونه ﷺ إلا عظة للجن والإنس.
стр. 1215
سورة الحاقة
مكية، إحدى وخمسون آية، مائتان وست وخمسون كلمة، ألف وأربعمائة وثمانون حرفا
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) أي أيّ شيء هي وَما أَدْراكَ أي وأيّ شيء أعلمك مَا الْحَاقَّةُ (٣) أي إنك لا علم لك يا أشرف الخلق بكنهها، ومدى عظمها، والحاقة هي الساعة الثابتة الوقوع، الواجبة المجيء، أو التي تحق فيها الأمور، أي تعرف على الحقيقة، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) أي بالحالة التي تقرع قلوب الناس بالإفزاع وهي القيامة، وقوارعها انفطار السماء، وانشقاقها، ودك الأرض، ونسف الجبال، وطمس النجوم وانكدارها، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) أي بالصيحة المجاوزة للحد في القوة، وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ، أي باردة عاتِيَةٍ (٦) ، أي مجاوزة للحد في شدة عصفها، سَخَّرَها أي سلطها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، أي متتابعة من صبيحة أربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر، فكان آخرها هو اليوم الأخير منه، فَتَرَى الْقَوْمَ أي قوم هود إن كنت حاضرا وقتئذ فِيها أي في مهاب الريح صَرْعى، أي موتى مجندلين على الأرض، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) أي كأنهم أصول نخل ساقطة بالية، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) ؟ قال قوم: أي لم يبق من نسل أولئك القوم أحد.
وقال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام، أحياء في عقاب الله من الريح، فلما أمسوا اليوم الثاني ماتوا، فاحتملتهم الريح، فألقتهم في البحر، فذلك قوله تعالى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ. وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قرأه أبو عمرو والكسائي بكسر القاف وفتح الباء، أي ومن عنده من أتباعه وجنوده، ويؤيده قراءة ابن مسعود، وأبيّ وأبي موسى «ومن تلقاءه» . وقرأ أبي أيضا ومن معه، والباقون بفتح القاف وسكون الباء أي من تقدمه من الأمم. وَالْمُؤْتَفِكاتُ أي أهل القريات الخمسة المنقلبات قوم لوط، وهي صنعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسذوم بِالْخاطِئَةِ (٩) أي بالخطإ، كتكذيب البعث، وكاللواط والصفع والضراط، وغير ذلك من أنواع المعاصي، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ موسى ولوطا وغيرهما، فَأَخَذَهُمْ أي الله تعالى أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) ، أي زائدة في
стр. 1216
الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ أي ارتفع الماء وزاد أعلى جبل خمسة عشر ذراعا، وذلك في زمن نوح حَمَلْناكُمْ في أصلاب آبائكم فِي الْجارِيَةِ (١١) أي في سفينة نوح ﵇، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً
أي لنجعل هذه القصة التي هي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة لكم، تتعظون بها وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
(١٢) ، أي ليحفظها قلب حافظ ويقال: تسمع هذا الأمر أذن سامعة، فتنتفع بما سمعت.
وقرأ نافع بسكون الذال وقرأ العامة «وتعيها» بكسر العين. وروي عن ابن كثير ساكنة العين، وذلك مثل «ويتقه» في قراءة من سكن القاف، فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وهي نفخة البعث. وقرأ أبو السماك بنصب «نفخة واحدة» على المصدر وبإسناد الفعل إلى الجار والمجرور وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي وبعد خروج الناس من قبورهم رفعت الأرض والجبال من أماكنها إما بالزلزلة أو بريح، أو بملك من الملائكة، أو بقدرة الله من غير سبب فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) . أي ضربت إحدى الجملتين بالأخرى ضربة واحدة، فتفتت وصارت كثيبا مهيلا فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) أي قامت القيامة الكبرى. وهذا جواب «إذا» ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ لنزول الملائكة، فَهِيَ أي السماء يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) أي ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة شديدة، وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها أي والملائكة واقفون على أطراف السماء التي لم تسقط، فهؤلاء من جملة المستثنى ممن يموتون في الصعقة الأولى.
وقيل: إنهم يقفون لحظة على أطراف السماء ثم يموتون، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ أي حال كون العرش فوق الملائكة الواقفين على جوانب السماء يَوْمَئِذٍ أي يوم وقعت الواقعة، ثَمانِيَةٌ (١٧) من الأملاك
وفي الحديث أنه ﷺ قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله تعالى بأربعة أخرى، فكانوا ثمانية على صورة الأوعال»
«١» ، أي تيوس الجبل.
وفي حديث آخر: «لكل ملك منهم وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس»
. قال بعضهم: واسم أحدهم روقيل ولبنان.
وقال ابن عباس: هم ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى يَوْمَئِذٍ أي يوم قامت القيامة تُعْرَضُونَ على الله، أي تسئلون وتحاسبون.
وروي أن في يوم القيامة ثلاث عرضات: عرض للحساب والمعاذير، وعرض للخصومات والقصاص، وعرض لتطاير الكتب وقراءتها. لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) أي لا يخفى يوم القيامة ما كان مخفيا منكم في الدنيا فإنه تظهر أحوال المؤمنين فيتكامل بذلك سرورهم،
стр. 1217
وتظهر أحوال أهل العذاب، فيظهر بذلك حزنهم وفضيحتهم. وقرأ حمزة والكسائي «لا يخفى» بالياء التحتية فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ كأبي سلمة بن عبد الأسد. فَيَقُولُ لأصحابه تبجحا وابتهاجا: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) أي خذوا كتابي وانظروا ما فيه من الثواب والكرامة، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) أي إني في الدنيا تيقنت أني ألقى حسابي في الآخرة ولم أنكر البعث.
وروى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه، فتكتب حسناته في ظهر كفه، وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فينظر فيه فيرى حسناته فيفرح، ثم يقول: هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت عند النظرة الأولى أني ملاق حسابيه على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم»
. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) أي منسوبة إلى الرضا فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) في المكان والدرجة قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) أي ثمارها قريبة يتناولها القاعد يقول الله لهم: كُلُوا من الثمار وَاشْرَبُوا من الأنهار هَنِيئاً، أي بلا تعب في تحصيل الأكل والشراب وبلا داء في تناولهما بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) ، أي بمقابلة ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية وهي أيام الدنيا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ كالأسود بن عبد الأسد فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) ، أي لم أعط كتابي هذا الذي ذكرني قبائح أفعالي حتى لا أقع في هذه الخجالة، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) أي أيّ شيء حسابي من ذكر العمل وذكر الجزاء، يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) أي ليت هذه الحالة كانت موتة انتهيت إليها، أو ليت الموتة التي مت بها في الدنيا كانت قطعة لأمري فلم أبعث بعدها ولم ألق ما ألقى، ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) ، و «ما» إما نافية و «مالية» كلمة واحدة، أي ما دفع عني من عذاب الله مالي الذي جمعته في الدنيا أو استفهامية، و «ما ليه» كلمتان. أي أيّ شيء نفعني مما كان لي من المال والأتباع هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) أي ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا أو ذهب ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيرا ذليلا، فيقول الله تعالى يومئذ لخزنة النار: خُذُوهُ أيتها الزبانية فَغُلُّوهُ (٣٠) أي شدوه بالأغلال، فيبتدر إليه مائة ألف ملك وتجمع يده إلى عنقه ورجله إلى وراء قفاه إلى ناصيته،
ثُمَّ الْجَحِيمَ أي النار العظمى صَلُّوهُ (٣١) أي شووه، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها أي قدرها بذراع الملك سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) أي أدخلوه.
قال ابن عباس: تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه، ثم يجعل في عنقه سائرها. وقال نوف البكالي: كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد مما بين مكة والكوفة، إِنَّهُ كانَ في الدنيا لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) ، أي ولا يحث على بذل طعام المسكين. وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الباقي! فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) أي فليس له في ذلك الوقت في مجمع القيامة قريب يدفع عنه ويحزن عليه، وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) .
стр. 1218
قال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار إذا عذبوا من القيح والدم والصديد، لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ (٣٧) أي المتعمدون للذنوب وهم المشركون. وقرأ الزهري، والعتكي، وطلحة، والحسن «الخاطيون» بياء مضمومة بدل الهمزة. وقرأ نافع- في رواية- وشيبة بطاء مضمومة بدون همز، أي الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) ، و «لا» مزيدة أو أصلية رد لإنكارهم البعث، أي أقسم بما تبصرون يا أهل مكة من شيء، كالسماء والأرض، والشمس والقمر، ومحمد ﷺ ، وما لا تبصرون من شيء، كالجنة والنار، والعرش، والكرسي وجبريل ﵇، فالأشياء لا تخرج من قسمين مبصر وغير مبصر. فالأقسام يعم جميع الأشياء على الشمول، إِنَّهُ أي القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) على الله وهو النبي محمد ﷺ ، وإنما نسب القرآن هنا لرسول الله سيدنا محمد ﷺ لأنه الذي أظهره للخلق، ودعا الناس إلى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته، ونسب في سورة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: ١] إلى سيدنا جبريل ﵇، لأنه الذي أنزله من السموات إلى الأرض وهو كلام الله تعالى بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، وهو الذي رتبه، ولذا قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن القرآن قول الله نزل به جبريل على رسول كريم محمد ﷺ
وَما هُوَ أي القرآن بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) أي ليس هذا القرآن قولا من رجل شاعر، لأنه مباين لصنوف الشعر إلا أنكم لا تقصدون الإيمان به، فلذلك تعرضون عن التدبر ولو قصدتم الإيمان لعلمتم كذب قولكم أنه شعر، ٣ وليس بقول رجل كاهن، لأنه وارد بشتم الشياطين، إلا أنكم لا تتذكرون اشتماله على سب الشياطين، فلذلك تقولون: إنه من باب الكهانة و «ما» مزيدة لتأكيد معنى القلة وانتصب قليلا على أنه نعت لمصدر محذوف، أي تؤمنون إيمانا قليلا وتذكرون تذكرا قليلا فإنهم قد يؤمنون في قلوبهم ويتذكرون بها، إلا أنهم يرجعون عن ذلك سريعا، ولا يتمون الاستدلال كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ [المدثر: ١٨] وقال في آخر الأمران: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: ٢٤] ، وإما نافية فينتفي إيمانهم وتذكرهم ألبتة، أي لا يؤمنون أصلا بأن القرآن من الله ولا يتذكرون أصلا كيفية نظم القرآن.
قال مقاتل: وسبب نزول هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمدا ساحر.
وقال أبو جهل: شاعر.
وقال عقبة: كاهن. فرد الله تعالى عليهم بذلك. وقرأ ابن كثير وكذا ابن عامر على خلاف عن ابن ذكوان بالياء التحتية في «يؤمنون» ، و «يذكرون» وخفف ذال «تذكرون» حمزة والكسائي وحفص. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) أي بل هو تنزيل من موجدهم على محمد على وجه التنجيم.
وقرأ أبو السماك «تنزيلا» أي نزل تنزيلا، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) أي ولو نسب محمد إلينا قولا لم نقله، لأخذنا يمينه، ثم لضربنا رقبته، فإن الوتين
стр. 1219
هو عرق متصل بالرأس من القلب، وهذا تمثيل بما يفعله الملوك بمن يكذب عليهم، والمراد أنه لو كذب علينا لأمتناه ويقال: لو نسب محمد إلينا قولا لم نأذن له في قوله لسلبنا عنه القوة، ثم لقطعنا نياط قلبه بضرب عنقه، ويقال: لو افترى محمد علينا قولا من الكذب لأخذناه بقوة منا.
وقال مقاتل: لانتقمنا منه بالحق فاليمين بمعنى الحق كقوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي من قبل الحق. وقرئ «ولو تقول» على البناء للمفعول فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) أي فليس منكم أيها الناس أحد يمنعنا عن محمدا وعن عقابه، وَإِنَّهُ أي القرآن لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) لأنهم المنتفعون به، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ أيها الناس مُكَذِّبِينَ (٤٩) بالقرآن بسبب حب الدنيا فنجازيهم على تكذيبهم، وَإِنَّهُ أي القرآن لَحَسْرَةٌ أي ندامة عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين يوم القيامة، وكذا
في دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين.
قال مقاتل: أي وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم،
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) أي وإن القرآن لحق يقين إنه كلامي نزل به جبريل على رسول كريم. ويقال: وإن الحسرة على الكافرين يوم القيامة حق يقين، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) أي اذكر توحيد ربك العظيم تنزيها له عن الرضا بنسبة ما هو بريء منه وشكرا على ما جعلك أهلا لإيحائه إليك.
стр. 1220
سورة المعارج
وتسمى سورة سأل سائل، مكية، أربع وأربعون آية، مائتان وست عشرة كلمة، ثمانمائة وأحد وستون حرفا
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ أي طلب طالب عذابا هو واقع بالكافرين في الدنيا والآخرة ليس لذلك العذاب من يدفعه عنهم من جهة الله تعالى، لأنه إذا أوجبت الحكمة وقوعه امتنع أن لا يفعله الله.
قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث حيث قال إنكارا واستهزاء: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فقتل يوم بدر صبرا هو وعقبة ابن أبي معيط. وقال الربيع: هو أبو جهل حيث قال: أسقط علينا كسفا من السماء. وقيل: وهو الحارث بن النعمان الفهري وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله ﷺ في علي ﵁: «من كنت مولاه فعلي مولاه» «١» ، قال: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء، فما لبث حتى رماه الله تعالى بحجر، فوقع على دماغه، فخرج من دبره، فمات من ساعته، فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن وقتادة: لما بعث الله محمدا وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون بعضهم لبعض: سلوا محمد لمن هذا العذاب، وبمن يقع؟ فأخبره الله عنهم بقوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ أي عن عذاب، فعلى هذا فقوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ حكاية لسؤالهم المعتاد على طريقه قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف: ١٨٧] وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [يس: ٤٨] .
قال أبو السعود: ولعل هذا القول أقرب وقرأ نافع وابن عامر «سال» بألف محضة. وقرأ ابن عباس: «سال سيل بعذاب واقع للكافرين» أي اندفع عليهم واد من أودية جهنم بعذاب واقع،
стр. 1221
وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد. وقرأ أبي «على الكافرين» . ذِي الْمَعارِجِ (٣) أي ذي السموات فهو خالقها كما قاله ابن عباس، وسميت معارج، لأن الملائكة يعرجون فيها.
وقال قتادة أي ذي الفواضل والنعم وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة. وقيل: أي ذي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ وهو جبريل إِلَيْهِ أي إلى انتهاء موضع كرامته تعالى وهو الموضع الذي لا يجري لأحد سواه تعالى فيه حكم. وقيل:
إلى عرشه.
وقرأ الكسائي «يعرج» بالياء التحتية فِي يَوْمٍ من أيامكم كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) من سني الدنيا أي يقطعون في يوم ما يقطعه الإنسان إلى خمسين ألف سنة لو فرض ذلك. وقال وهب: ما بين أسفل العالم إلى أعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى.
وقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة. وقوله تعالى: فِي يَوْمٍ متعلق بتعرج كما عليه الأكثرون.
وقال مقاتل: هو متعلق ب «واقع» وقيل: متعلق ب «سال» بغير همزة وهو الذي من السيلان، وعلى هذا فالمراد بذلك اليوم يوم القيامة، والمراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم يستقر أهل النار في دركات النيران. قال بعضهم:
وهذه المدة واقعة في الآخرة لكن على سبيل التقدير، والمعنى: لو اشتغل بتلك الحكومة والمحاسبة أعقل الخلق وأذكاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة، ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحساب في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا (٥) أي فاصبر صبرا بلا جزع على استهزاء النضر وأمثاله بك، وعلى تكذيب الوحي، وعلى تعنت كفار مكة في السؤال عليك، فهذا متعلق بقوله تعالى: سَأَلَ ومن قرأ «سال» بألف محضة فمعناه جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر، فقد جاء وقت الانتقام، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) أي إن الكفار يستبعدون اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة من الإمكان على جهة الإحالة، ونعلمه قريبا من الإمكان هينا في قدرتنا غير متعذر علينا، ويقال: إن كفار مكة يعتقدون العذاب غير واقع يوم القيامة، ونعلمه واقعا لا بد من وقوعه، وهذا تعليل للأمر بالصبر، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) أي تصير السماء كدردي الزيت، وهذا الظرف متعلق ب «ليس له دافع» أو بما في معناه كيقع، أي يقع العذاب يوم تكون إلخ، أو متعلق ب «قريبا» إذا كان الضمير في نراه للعذاب، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) أي تصير الجبال كالصوف المصبوغ ألوانا، وإنما وقع التشبيه به، لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش
стр. 1222
إذا طيرته الريح، وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) أي لا يسأل قريب قريبه عن أحواله كيف حالك، ولا يكلمه، لأن لكل أحد ما يشغله عن هذا الكلام، أو لا يسأل حميم عن حميمه ليتعرف شأنه من جهته فلا يقال: لحميم أين حميمك؟
يُبَصَّرُونَهُمْ أي يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه وهو مع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه.
وقرئ «يبصرونهم» أي يرونهم ولا يعرفونهم اشتغالا بأنفسهم، يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، أي يتمنى المشرك أن يفدي نفسه من عذاب يوم القيامة بأولاده وزوجته وأخيه، وأقاربه الأقربين الذين فصل عنهم، وينتهي إليهم التي تضمه في النسب وتحميه في النوائب ومن في الأرض جميعا من الخلائق وقرأ نافع والكسائي «يومئذ» بفتح الميم على البناء لإضافة يوم إلى مبني. والباقون بكسرها على الإعراب على الأصل في الأسماء. وقرئ «من عذاب يومئذ» بتنوين «عذاب» ونصب «يومئذ» ب «عذاب» لأنه في معنى تعذيب، ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) معطوف على يفتدي، أي يتمنى الكافر أن يفتدي نفسه بهذه الأشياء ثم أن ينجيه ذلك الافتداء، كَلَّا وهذا هنا إما بمعنى حقا، فحينئذ كان الوقف على «ينجيه» وهو وقف تام. وإما بمعنى لا فحينئذ كان الوقف على «كلا» وهو وقف تام، وهذا أولى، ولا يجمع بينهما في الوقف بل الوقف في أحدهما فقط أي لا ينفعه ذلك الافتداء ولا ينجيه من العذاب، إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) .
وقرأ حفص بالنصب على الاختصاص، أو على حال مؤكدة، والكناية عائدة على النار لدلالة لفظ العذاب عليها، وقرأ الباقون بالرفع فتجعل الكناية حرف عماد و «لظى» اسم «إن» و «نزاعة» خبرها، كأنه قيل: إن لظى نزاعة، أو تجعل ضمير القصة وهو اسم إن و «لظى» مبتدأ و «نزاعة» خبرا، والجملة خبر عن «إن» والتقدير: أن القصة لظى نزاعة للشوى أي قلاعة للأعضاء التي في أطراف الجسد، ثم تعود كما كانت وهكذا أبدا فلا تترك لحما ولا جلدا إلا أحرقته تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ عن الطاعة وَتَوَلَّى (١٧) عن الإيمان وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) أي جمع المال فجعله في وعاء ولم يؤد حقوقه، أي إن النار تدعوهم بلسان الحال أو أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول
صريحا: إلي يا كافر إلي يا منافق، ثم تلتقطهم الحب فقوله تعالى: أدبر وتولى، إشارة إلى الإعراض عن معرفة الله تعالى وطاعته وقوله: وَجَمَعَ إشارة إلى الحرص وقوله: فَأَوْعى إشارة إلى طول الأمل وهذه مجامع آفات الدين. إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) أي جبل جبلة هو فيها قلة الصبر وشدة الحرص إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) ، أي إذا أصابه الفقر والمرض ونحوهما صار جازعا شاكيا،
وإذا أصابه السعة والصحة صار مانع المعروف شحيحا بماله، غير ملتفت إلى الناس، وإنما ذم الله الإنسان على ذلك، لأنه قاصر النظر عن الأحوال الجسمانية العاجلة، فالواجب عليه أن يكون مشغولا بأحوال
стр. 1223
الآخرة، فإذا وقف في مرض أو فقر كان راضيا به لعلمه أنه فعل الله تعالى، وإذا وجد المال والصحة صرفهما إلى طلب السعادات الأخروية، إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) بأن لا يتركوها في وقت من الأوقات ولا يشغلهم عنا شاغل، وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) أي نصيب معين يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على الناس، لِلسَّائِلِ أي الذي يسأل وَالْمَحْرُومِ (٢٥) أي الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا، فيحرم، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) حيث يتعبون أنفسهم في الطاعات البدنية والمالية طمعا في التوبة الأخروية، فيستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزاء، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) أي خائفون على أنفسهم مع مالهم من الأعمال الفاضلة استعظاما لجنابه تعالى واستقصارا لأعمالهم الحسنة. إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) فلا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه تعالى وإن بالغ في الطاعة، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي الأربع أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الولائد بغير عدد، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) بالاستمتاع بهن
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ أي فمن، طلب لنفسه وراء ما ذكر من الأزواج والمملوكات، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) أي المجاوزون للحدود، فدخل في هذا حرمة وطء الذكور والبهائم والزنا، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ أي لما ائتمنوا عليه من أمر الدين والدنيا، وَعَهْدِهِمْ فيما بينهم وبين ربهم أو فيما بينهم وبين الناس راعُونَ (٣٢) ، أي حافظون بالوفاء.
وقرأ ابن كثير «لأمانتهم» بالإفراد. وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) . وقرأ حفص بألف بعد الدال على الجمع. والباقون على التوحيد، أي يقومون بالشهادات بالحق عند الحكام ولا يكتمونها، وهذا الشهادات من جملة الأمانات إلا أنه تعالى خصها من بينها إظهارا لفضلها، لأن في إقامتها إحياء الحقوق، وفي تركها تضييعها.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: والمراد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أي يهتمون بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه أُولئِكَ أي الموصوفون بتلك الصفات الثمانية فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) بالثواب والتحف فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) أي أيّ شيء ثبت لكفار مكة مسرعين جهتك، مادي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) ، أي مجتمعين فهذه الأربعة أحوال من الموصول.
روي أن المشركين كانوا يحتفون حول النبي ﷺ حلقا حلقا وفرقا فرقا يستمعون منه ويستهزئون بكلامه ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد: فلندخلنها قبلهم فنزلت هذه الآية، أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كما يدخلها المسلمون كَلَّا أي لا يكون ما طمعوا فيه أصلا، لأن ذلك تمن فارغ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) وهو النطفة المذرة فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم؟ ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم فكيف يليق دخولهم الجنة لو
стр. 1224
لم يتصفوا بالإيمان والمعرفة؟ فَلا أُقْسِمُ، أي إذا كان الأمر كما ذكر من أنا خلقناهم مما يعلمون فأقسم بِرَبِّ الْمَشارِقِ أي مشارق الشتاء والصيف، وَالْمَغارِبِ أي مغارب الشتاء والصيف فلمشرق الشتاء والصيف مائة وثمانون منزلا، وكذلك للمغربين
إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ، أي بطريق الإهلاك ولم يحصل ذلك وإنما هدد الله تعالى القوم بهذا لكي يؤمنوا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) أي بعاجزين على أن نبدل خيرا منهم، وليس تأخير عقابهم لعجز بل لحكمة داعية إليه، فَذَرْهُمْ أي اتركهم فيما هم فيه من الأباطيل يَخُوضُوا في باطلهم، وَيَلْعَبُوا في دنياهم، أو يهزئوا في كفرهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) وهو يوم البعث عند النفخة الثانية، يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور بدل من يومهم بدل كل من كل. وقرئ «يخرجون» على البناء للمفعول سِراعاً إلى جهة صوت الداعي كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ. وقرأه ابن عامر وحفص بضم النون والصاد وهي التي تنصب فتعبد من دون الله تعالى، والباقون بفتح النون وإسكان الصاد، وهي رواية وقرأ أبو عمران الجوني ومجاهد بفتحتين أي منصوب كالعلم. وقرأ الحسن وقتادة بضمة فسكون وهو الصنم المنصوب للعبادة يُوفِضُونَ (٤٣) أي يسرعون خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ فلا يرفعونها ولا يرون خيرا تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي يعلوهم سواد الوجوه، ذلِكَ أي وقوع الأحوال الهائلة الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) في الدنيا إن لهم فيه العذاب، وهذا هو العذاب الذي سألوا عنه.
стр. 1225
سورة نوح
مكية، ثمان وعشرون آية، مائتان وأربع وعشرون كلمة، تسعمائة وتسعمائة وعشرون حرفا
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وكانوا جميع أهل الأرض أهل عصره أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ وأن حرف مصدري والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: «أنذر» أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، ويجوز أن تكون مفسرة. وقرأ ابن مسعود «أنذر» بغير «أن» على إرادة القول والتقدير: أنا أرسلناه وقلنا له: أنذر، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة، فلما جاءهم قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أي موضح لحقيقة الأمر بلغة تعلمونها، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح، والأمر بالتقوى، ويتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، وَأَطِيعُونِ (٣) فالأمر بطاعة نوح يتناول أداء جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية فالإسلام يجبه، وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى أمد قدره الله تعالى لهم بشرط الإيمان أي إن الله قضى على قوم نوح مثلا إن آمنوا عمرهم الله ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم الله على رأس تسعمائة سنة، إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي إن ما قدر الله لكم على تقدير بقائكم على الكفر إِذا جاءَ وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر لا يُؤَخَّرُ فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه، لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) شيئا لسارعتم إلى ما أمرتكم به، فلما أيس نوح منهم بعد ما دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمنوا ولم يقبلوا نصيحته. قالَ أي نوح: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى الإيمان والطاعة لَيْلًا وَنَهاراً (٥) أي دائما، من غير فتور فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً (٦) مما دعوتهم إليه وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى الإيمان والتوبة لِتَغْفِرَ لَهُمْ بسببهما، جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ أي سدوا مسامعهم لكيلا يسمعوا دعوتي وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا صوتي ولا يروني، وَأَصَرُّوا على الكفر والمعاصي وَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان والتوبة اسْتِكْباراً (٧) عظيما بالغا إلى النهاية القصوى، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ إلى التوحيد والتوبة جِهاراً (٨) أي بأعلى صوتي، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ
стр. 1226
إِسْراراً
(٩) ، فمراتب دعوة نوح ﵇ ثلاثة فبدأ بالمناصحة في السر، فجازوه بالأمور الأربعة، ثم ثنى بالمجاهرة، وهي أشد من الإسرار، ثم جمع بين الإعلان والإسرار والجمع بينهما أغلظ من الإفراد فَقُلْتُ لهم: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ بالتوبة عن الكفر والمعاصي إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) في حق كل من استغفره
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) أي مطرا دائما، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ، أي يعطكم أموالا إبلا وبقرا وغنما وبنين ذكورا وإناثا، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ أي بساتين وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) تجري لمنافعكم. قيل: لما كذبوا نوحا ﵇ حبس الله عنهم المطر أربعين سنة، وقطع نسل دوابهم ونسائهم أربعين سنة وأهلك جناتهم،
وأيبس أنهارهم قبل ذلك بأربعين سنة فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا أن يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما كانوا فيه ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) أي أيّ سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه بالإيمان به والطاعة له وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) ، أي والحال أن الله خلقكم على حالات شتى نطفا، ثم علقا ثم مضغا ثم خلقكم عظاما ولحما، ثم أنشأكم خلقا آخر وهو إلقاء الروح فيه ويقال: والحال أنه تعالى خلقكم أصنافا مختلفين يخالف بعضكم بعضا، أَلَمْ تَرَوْا أي ألم تخبروا يا كفار مكة كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) أي متوازية بعضها فوق بعض مثل القبة، ملتزقة أطرافها، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً أي منورا لوجه الأرض في ظلمة الليل ونسبته للكل مع أنه في السماء الدنيا، لأن كل واحدة من سبع سموات شفافة لا يحجب ما وراءها، فيرى الكل كأنها سماء واحدة، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) يزيل الظلمة ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى أبصاره. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) أي أنبتكم من الأرض، فنبتم نباتا عجيبا، والمعنى: والله أنشأكم منها فنشأتم نشأة عجيبة، فإنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهي متولدة من الأغذية المتولدة من النبات، المتولد من الأرض ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها بالدفن عند موتكم، وَيُخْرِجُكُمْ منها عند البعث والحشر، إِخْراجاً (١٨) محققا لا ريب فيه، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً (٢٠) أي لتأخذوا فيها طرقا واسعة.
قالَ نُوحٌ مناجيا له تعالى: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم به من التوحيد والتوبة، وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً (٢١) وهم رؤساؤهم الذين يدعونهم إلى الكفر. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «ولده» بفتح الواو واللام. والباقون بضم الواو وإسكان اللام وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) معطوف على صلة من أي واتبعوا من مكروا إلخ، أي كأن الرؤساء قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح، لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيه شيئا، لأنه فقير فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح أو قالوا لأتباعهم هذه الأصنام آلهة لكم، وكانت آلهة لآبائكم فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك. وهذه
стр. 1227
الإشارة صارفة لهم عن الدين وقرأ العامة كبارا بضم الكاف وتشديد. الباء وقرأ عيسى وأبو السماك وابن محيصن بالضم والتخفيف. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن أيضا بكسر الكاف وتخفيف الباء. وَقالُوا أي الرؤساء للسفلة معطوف على الصلة أيضا، أي واتبعوا من قالوا:
لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ أي لا تتركوا عبادتها إلى عبادة رب نوح، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) أي ولا تتركن عبادة هؤلاء. وقرأ نافع «ودا» بضم الواو والباقون بفتحها وقرأ العامة «يغوث ويعوق» بغير تنوين للعلمية والوزن، أو للعلمية والعجمة. وقرأهما الأعمش مصروفين للتناسب أو على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقا ولعل هذه الأسماء الخمسة أسماء أولاد آدم، فلما ماتوا قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم ففعلوا فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم حتى بعث الله نوحا ﵇، ولهذا السبب نهى الرسول عن زيارة القبور أولا، ثم أذن فيها وقال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن زيارتها تذكرة، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً معطوف على صلة من أي واتبعوا من قد أضلوا خلقا كثيرا وهم الرؤساء، أو الأصنام أجريت مجرى الآدميين كقوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ.
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أي المشركين إِلَّا ضَلالًا (٢٤) أي عذابا أو ضلالا في أمر دنياهم، وهذا معطوف على قوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي على حكاية كلام نوح بعد «قال» ، وبعد «الواو» النائبة عنه، قالوا: وليست من كلام نوح لئلا يعطف الإنشاء على الإخبار لكن الظاهر أن المراد بالأخبار طلب للنصرة عليهم، فيجوز أن تكون الواو من كلام نوح، أي قال نوح: رب إنهم عصوني وقد عجزت وأيست عنهم فانصرني عليهم وقال: لا تزد الظالمين إلا ضلالا، مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا و «ما» صلة و «من» تعليلية أي من أجل خطيئاتهم وبسببها أغرقوا بالطوفان لا بسبب آخر، وقرأ أبو عمرو «خطاياهم» . وقرأ ابن مسعود «من خطيئاتهم ما أغرقوا» فأخّر كلمة «ما» فعلى هذه القراءة ف «ما» مع ما بعده في تقدير المصدر. وقرئ «خطياتهم» بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها. وقرئ «خطيئتهم» بالتوحيد على إرادة الجنس، أو إرادة الكفر فقط والخطيئات والخطايا كلاهما جمع خطيئة إلا أن الأول جمع سلامة، والثاني جميع تكسير فَأُدْخِلُوا ناراً في القبر فإن عذاب القبر عقب الإغراق وإن كانوا في الماء، لأن الفاء تدل على أن إدخالهم في النار حصل عقب الإغراق فلا يمكن حمل النار على عذاب جهنم في الآخرة.
قال الضحاك: إنهم كانوا في حالة واحدة يغرقون من جانب ويحرقون في الماء من جانب بقدرة الله تعالى، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) . وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما قدرت هي على دفع عذاب الله تعالى عنهم. وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) أي أحدا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ عن دينك من آمن بك ومن أراد أن
стр. 1228
يؤمن بك، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) أي إلا من سيفجر ويكفر، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ أي أبوي لمك وشمخا بنت أنوش، فإنهما كانا مؤمنين وأخرج ابن أبي حاتم أن المراد: والده وجده، فاسم أبيه لمك واسم جده متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام بعدها خاء معجمة. وقرأ الحسن بن علي ﵄، ويحيى ابن يعمر والنخعي ولولدي، أي ابني سام وحام. وقرأ ابن جبير والجحدري ولوالدي بكسر الدال، أي أبي فيحتمل أن يريد ﵇ أباه الأقرب الذي ولده وأن يريد جميع من ولده، من لدن آدم إلى من ولده وكان بينه وبين آدم عشرة آباء ولم يكن منهم كافر كما قاله عطاء، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ أي منزلي، أو مسجدي أو سفينتي. وقيل: لمن دخل دخولا مع تصديق القلب مُؤْمِناً خرجت بهذا القيد امرأته وابنه كنعان، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الذين يكونون من بعدي إلى يوم القيامة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ أي الكافرين إِلَّا تَباراً (٢٨) أي إلّا هلاكا فاستجاب الله دعاءه ﵇ فأهلكهم بالكلية.
стр. 1229
سورة الجن
وتسمى قل أوحى، مكية، ثمان وعشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة، ثمانمائة وسبعون حرفا
قُلْ يا أشرف الخلق: أُوحِيَ إِلَيَّ وقرأ أبو عمرو في رواية يونس وهارون وحي بضم الواو بغير ألف. وقرئ «أحي» بالهمزة من غير واو، أي أنزل إلى جبريل فأخبرني أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، أي أن الشأن استمع القرآن تسعة نفر من جن نصيبين باليمن، فَقالُوا بعد ما آمنوا ورجعوا إلى قومهم: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً أي كتابا مقروءا عَجَباً (١) ، أي خارجا عن عادة أمثاله من الكتب الإلهية مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي إلى الصواب وهو لا إله إلا الله، فَآمَنَّا بِهِ أي بذلك القرآن، أو بالرشد الذي في القرآن- وهو التوحيد- وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به وذكر الحسن أن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين، وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي وأن الحديث ارتفع عظمة ربنا، أي عظم سلطانه، أو ارتفع غناه، أي وصفه بالاستغناء عن الزوجة والولد، أو تعالى حقيقته عن جميع جهات التعلق بالغير. وقرئ «جد ربنا» بكسر الجيم أي تعالى صدق ربوبيته عن اتخاذ الصاحبة والولد. وقرئ «جدا ربنا» بنصب «جدا» على التمييز مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) .
هذه الجملة مفسرة لما قبلها وبعضهم جعل «ما» مصدرية متعلقة بتعالى، فحينئذ تكون «لا» زائدة، أي تعالى صفة ربنا ما اتخذ زوجة وولدا كما نسبه الكفار، وَأَنَّهُ أي الحديث كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا أي جاهل منا وهو إبليس عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) أي قولا مجاوزا للحد بعيدا عن الصدق وهو وصفة تعالى بإثبات الشريك والصاحبة والولد، وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) أي كنا نظن أنه لن يكذب على الله تعالى أحد أبدا، ولذلك اتبعنا قوله. وهذا اعتذار منهم تقليدهم لسفيههم إبليس، وَأَنَّهُ أي الحديث كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ في الجاهلية يَعُوذُونَ أي يلتجئون بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) أي ظلما وذلك أنهم إذا سافروا سفرا، أو اصطادوا صيدا، أو
نزلوا واديا خافوا من الجن لأنها تعبث بهم في بعض الأحيان فقالوا: نعوذ
стр. 1230
بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيأمنون بذلك ولا يرون إلا خيرا فتزيد الجن والإنس إضلالهم حتى استعاذوا بهم، وَأَنَّهُمْ أي الإنس ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيها الجن أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) بعد الموت أو أنه لن يبعث الله أحدا للرسالة على ما هو مذهب البراهمة، وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وأنا قبل أن آمنا طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها فصادفناها قد ملئت من جهة الحراس الأقوياء، وهم الملائكة الذين يمنعون من الاستماع ومن شعل منقضة من نار الكواكب، وَأَنَّا كُنَّا قبل مبعث محمد نَقْعُدُ مِنْها أي السماء مَقْعَدِ خالية من الحرس لِلسَّمْعِ أي لأجل الاستماع، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ أي بعد مبعث محمد في مقعد من المقاعد يَجِدْ لَهُ أي لأجله شِهاباً رَصَداً (٩) أي شهابا قد أرصد له ليرجم به، وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) أي وأنا لا نعلم أشر أريد بمن في الأرض حين منعنا عن الاستماع، أم أراد بهم ربهم خيرا، أي ولما سمعوا قراءة النبي ﷺ علموا أنهم منعوا من صعود السماء حراسة للوحي،
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ أي المتقون، وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي ومنا قوم غير صالحين كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) . أي كنا قبل هذا ذوي مذاهب مختلفة.
قال السدي: الجن أمثالكم فيهم مرجئة، وقدرية، وروافض، وخوارج وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ أي وأنا علمنا الآن أن الشأن لن نعجز الله أينما كنا من أقطار الأرض، وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) أي هاربين من الأرض إلى السماء، فليس لنا مهرب إلا في قبضته، وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى أي القرآن من النبي ﷺ آمَنَّا بِهِ أي بالقرآن، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) ، أي فمن يؤمن بربه فهو لا يخاف نقصا في جزاء حسناته، ولا ظلما بزيادة جزاء سيئاته، وهذا دليل على أن من حق من آمن بالله تعالى أن يجتنب المظالم. وقرأ الأعمش «فلا يخف» ، وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ أي وأنا بعد سماع القرآن مختلفون، فمنا المخلصون في صفة الإسلام، ومنا المائلون عن طريق الحق، فَمَنْ أَسْلَمَ أي أخلص بالتوحيد فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) أي وقصدوا طريق صواب، أَمَّا الْقاسِطُونَ
أي المائلون عن سنن الإسلام، كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
(١٥) . والجن وإن خلقوا من النار توقد نار جهنم بهم، كما توقد بكفرة الإنس فإن النار القوية تأكل النار الضعيفة. وقيل: هاهنا آخر كلام الجن، وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا و «أن» مخففة من الثقيلة، والجملة معطوفة على أنه استمع والمعنى وأوحى إلى أن الحديث لو استقام الجن والإنس عَلَى الطَّرِيقَةِ أي على ملة الإسلام لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) أي ولوسعنا عليهم الرزق. وقرأ الأعمش بضم واو لو تشبيها بواو الضمير، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي في ذلك الماء الذي هو كناية عن العيش الواسع فإن من آمن بالله فأنعم الله عليه كان ذلك الإنعام اختبارا حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا؟ وهل ينفق تلك النعم في طلب مراضي الله أو في مراضي الشيطان؟ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أي عن طاعته وعن كتاب ربه القرآن يَسْلُكْهُ عَذاباً