نجد، وتشاوروا في أمر رسول الله ﷺ فقال عمرو بن هشام: قيدوه وسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء. فقال إبليس: لا مصلحة فيه لأنه يغضب له قومه فنسفك فيه الدماء. فقال أبو البحتري بن هشام: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم، فقال إبليس: لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم، وقال أبو جهل: الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلا فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية. فقال إبليس: هذا هو الرأي الصواب. فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له في الهجرة إلى المدينة،
وأمر عليا أن يبيت في مضجعه وقال له: تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وهم المشركون بالولوج عليه ﷺ فصاحت امرأة من الدار فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب أن يتحدثوا عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا سر حرمتنا، وباتوا مترصدين على الباب، ثم خرج رسول الله ﷺ من الباب وأخذ تعالى أبصارهم عنه فأخذ قبضة من تراب ونثره على رؤوسهم كلهم ومضى هو وأبو بكر إلى الغار، فلما أصبحوا ساروا إلى مضجعه ﷺ فأبصروا عليا فقالوا له: وأين صاحبك؟ فقال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخله لم تنسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثا من الليالي ثم قدم المدينة
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن قالُوا قَدْ سَمِعْنا ما قال محمد ﷺ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) أي ما هذا القرآن إلا ما كتب الأولون من القصص.
روي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة بلدة بقرى الكوفة تاجرا، واشترى أحاديث كليلة ودمنة وكان يقعد مع المستهزئين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين، كالفرس والروم وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين وإسناد القول إلى الكل مع أن القائل هو النضر لما أنه كان رئيسهم وقاضيهم وهو الذي يقولون بقوله ويأخذون برأيه. وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا أي الذي يقوله محمد ﷺ هُوَ الْحَقَّ بالنصب خبر كان ودخلت هو للفصل مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ عقوبة على إنكارنا أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) غير الحجارة قاله النضر استهزاء وقد أسره المقداد يوم بدر فقتله النّبيّ ﷺ ، أو قاله أبو جهل وقد ذبحه ابن مسعود يوم بدر وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أي لا يفعل الله بهؤلاء الكفار عذاب الاستئصال ما دام سيدنا محمد ﷺ حاضرا معهم تعظيما له، وأيضا إن عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها كما كان في حق هود وصالح ولوط وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) أي وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون لأنه ﷺ لما خرج من مكة بقي فيها من لم يستطع الهجرة من مكة من المسلمين وَما
стр. 422
لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
أي ولا مانع من إهلاك الله لهم بعد ما خرجت من بينهم وحالهم يمنعونك والمسلمين عن الطواف ببيت الله يوم الحديبية وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ أي والحال أنهم ما كانوا أولياء المسجد وهذا رد لقولهم: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي ما أولياء المسجد إلا الذين يتحرزون عن المنكرات كما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، ومن كانت هذه حاله لم يكن وليا للمسجد الحرام بل هم أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) أنه لا ولاية لهم عليه وَما كانَ صَلاتُهُمْ أي عبادتهم عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً أي صفيرا وَتَصْدِيَةً أي تصفيقا أي ما كان شيء مما يعدونه عبادة إلا هذين الفعلين.
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون بإحدى اليدين بالأخرى فَذُوقُوا الْعَذابَ أي عذاب السيف يوم بدر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) بالقرآن وبمحمد ﷺ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه.
قال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش أبي جهل وأصحابه يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت في أبي سفيان وكان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب وأنفق فيهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا، وأخرج ابن إسحاق عن مشايخه أنها نزلت في أبي سفيان ومن كان له في العير من قريش تجارة فَسَيُنْفِقُونَها أي أموالهم ثُمَّ تَكُونُ أي الأموال عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً
أي ندامة لفواتها وفوات قصدهم من نصرتهم على محمد ثُمَّ يُغْلَبُونَ آخر الأمر وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي أصروا على الكفر أبو جهل وأصحابه إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) أي يساقون يوم القيامة لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ أي ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين و «اللام» متعلقة ب «يحشرون» أو ب «يغلبون» ، أو المعنى ليميز الله نفقة الكافر على عداوة محمد من نفقة المؤمن في جهاد الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول ﷺ .
وقرأ حمزة والكسائي: ليميز بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ أي ويجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فَيَرْكُمَهُ أي فيجمعه جَمِيعاً لفرط ازدحامهم فَيَجْعَلَهُ أي يطرحه فِي جَهَنَّمَ. وقيل: المعنى يضم الله تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها أُولئِكَ أي
стр. 423
الذين كفروا هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) أي الكاملون في الغبن قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان وأصحابه أي قل يا أشرف الخلق لأجلهم: إِنْ يَنْتَهُوا عن الكفر وعداوة الرسول ﷺ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من الذنوب
قال ﷺ : «الإسلام يجب ما قبله»
«١» وَإِنْ يَعُودُوا إلى الكفر ومعاداة النّبيّ ﷺ أي وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ويرجعوا للكفر وقتال النبي ننتقم منهم بالعذاب فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) أي لأنه قد سبقت سيرة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتدمير كما جرى على أهل بدر وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أي قاتلوا كفار أهل مكة لئلا توجد فتنة فقد خرج المسلمون إلى الحبشة وتآمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم حين بايعت الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وليكون الدين كله لله في أرض مكة وما حولها لا يعبد غيره فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) أي عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم وَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوبة والإيمان فَاعْلَمُوا يا معشر المؤمنين أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي حافظكم ورافع البلاء عنكم نِعْمَ الْمَوْلى أي الولي بالحفظ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) لا يغلب من نصره وكل من كان في حماية الله تعالى كان آمنا من الآفات مصونا عن المخوّفات، والمعنى وإن تولوا عن الإيمان فلا تخشوا بأسهم لأن الله مولاكم
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أي واعلموا يا معشر المؤمنين أن الذي أصبتموه كائنا من شيء قليلا كان أو كثيرا، فواجب أن لله خمسه بمعنى أنه تعالى أمر بقسمته على هؤلاء الخمسة فذكر الله للتعظيم. وقوله: إن لله خمسه خبر مبتدأ محذوف أي فكون خمسه لله واجب وهذه الجملة خبر ل «أن» وَلِلرَّسُولِ أما بعد وفاته فيصرف سهمه إلى مصالح المسلمين عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: سهمه ساقط بسبب موته.
وقال مالك: مفوض إلى رأي الإمام وَلِذِي الْقُرْبى أي ولقرابة النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم من أغنيائهم وفقرائهم يقسم الخمس بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وَالْيَتامى أي الذين مات آباؤهم وهم فقراء غير يتامى بني عبد المطلب وَالْمَساكِينِ أي ذوي الحاجة من المسلمين وَابْنِ السَّبِيلِ أي المحتاج في سفره ولا معصية بسفره إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ من الآيات والملائكة والفتح يَوْمَ الْفُرْقانِ أي يوم بدر سمي به لفرقه بين الحق والباطل، وهو منصوب ب «أنزلنا» أو ب «آمنتم» يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي الفريقان من المسلمين والكافرين وهو بدل من يوم الفرقان أو منصوب بالفرقان. والمعنى إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزّل على محمد يوم بدر فاعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا أطماعكم عنه واقنعوا بالأخماس الأربعة وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) يقدر
стр. 424
على نصر القليل على الكثير إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وهو بدل ثان من يوم الفرقان أي إذ أنتم كائنون في شط الوادي القربى من المدينة وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي والمشركون في شفير الوادي البعدي منها وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان وأصحابه كائنون بمكان أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أنتم وأهل مكة على القتال لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لخالف بعضكم بعضا في الميعاد هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم وَلكِنْ جمع الله بينكم على هذه الحال بغير ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليمضي أمرا كان مفعولا في علمه وهو النصرة والغنيمة للنبي وأصحابه والهزيمة والقتل لأبي جهل وأصحابه ويكون استيلاء المؤمنين على المشركين معجزة دالة على صدق الرسول ﷺ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وهو بدل من ليقضي أي ليموت من مات عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن بينة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لدعائكم عَلِيمٌ (٤٢) بحاجتكم وضعفكم فأصلح مهمكم إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قبل يوم بدر قَلِيلًا مع كثرتهم فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبي حق، فصار بذلك تشجيعا للمؤمنين وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي ولو أراك الله المشركين كثيرا لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لجبنوا وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي لاختلفتم في أمر القتال ولتفرقت آراؤكم في الفرار والثبات وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) أي بالخطرات التي تقع في القلوب من الصبر والجزع والجراءة والجبن ولذلك دبر ما دبر وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا أي وإذ يبصركم أيها المؤمنون إياهم قليلا حتى قال ابن مسعود لمن في جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، وهم في نفس الأمر ألف تصديقا لرؤيا الرسول ﷺ ولتزداد جراءة المؤمنين عليهم وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حتى قال أبو جهل: إنما أصحاب محمد أكلة جزور، أي قليل يشبعهم جزور واحد، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، وقلل الله عدد المؤمنين في أعين المشركين قبل التحام الحرب لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر فيصير ذلك سببا لانكسارهم، فلما التحم القتال أرى الكفار المسلمين مثلي الكفار، وكانوا ألفا فرأوا المسلمين قدر ألفين ليهابوا، وتضعف قلوبهم لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليصير سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) بالبناء للمفعول أي ترد وللفاعل أي تصير ويصرف الله الأمور كلها كيفما يريد ولا تجري على ما يظنه العبيد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أي إذا حاربتم جماعة من الكفرة فجدوا في المحاربة ولا تنهزموا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً بالقلب واللسان في أثناء القتال ومن الذكر ما يقع حال القتال من التكبير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) أي تفوزون بمرامكم من النصرة والمثوبة وَأَطِيعُوا اللَّهَ
стр. 425
وَرَسُولَهُ
في أمر القتال وغيره وَلا تَنازَعُوا أي لا تختلفوا في أمر الحرب فَتَفْشَلُوا أي فتجبنوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي شدتكم وَاصْبِرُوا على شدائد الحرب إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) بالنصرة والكلاءة وَلا تَكُونُوا في الاستكبار والفخر كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ مكة لحماية العير بَطَراً أي شديد المرح وَرِئاءَ النَّاسِ أي ولثناء الناس عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أن قريشا خرجوا من مكة لحفظ الغير، فلما بلغوا جحفة أتاهم رسول أبي سفيان وقال: ارجعوا إلى مكة فقد سلمت عيركم. فأبوا إلا إظهار آثار الجلادة، وأيضا لما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني إلى أبي جهل وهو صديق له بهدايا مع ابن له، فلما أتاه قال: إن أبي يقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أمددنك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت. فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله خيرا إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فو الله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فو الله إن بنا على الناس لقوة، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان، وتنحر الجزور في بدر فيقنى الناس علينا بالشجاعة والسماحة وقد بدلهم الله شرب الخمور بشرب كأس
الموت، وبدّل ضرب الجواري على نحو الدفوف بنوح النائحات، وبدّل نحر الجزور بنحر رقابهم حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون.
واعلم أن النعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فإن صرفها إلى مرضاته تعالى وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر، وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمغالبة بالكثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ويمنعون الناس من الدخول في دين الله، وهذا معطوف على «بطرا» ، وإنما ذكر البطر والرياء بصيغة الاسم، والصد بصيغة الفعل لأن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على المفاخرة والرياء، وأما صدّهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى سيدنا محمد النبوة وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) أي واللَّه أعلم بما في دواخل القلوب وهذا كالتهديد عن التصنع فإن الإنسان بما أظهر من نفسه أن الحامل له إلى ذلك الفعل طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر في الحقيقة كذلك وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي واذكر وقت تزيين الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وخروجهم من مكة فإن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة، وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ومعه راية وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي لا غالب عليكم اليوم من بني كنانة ومن محمد ﷺ وأصحابه وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أي حافظكم من مضرتهم فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي التقى الجمعان جمع المؤمنين وجمع الكافرين بحيث رأت كل واحدة الأخرى، ورأى إبليس نزول الملائكة من السماء نَكَصَ عَلى
стр. 426
عَقِبَيْهِ
أي رجع إلى خلفه هاربا وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ فكان إبليس في صف المشركين وهو آخذ بيد الحارث بن هشام فقال له الحارث: إلى أين تترك نصرتنا في هذه الحالة؟ قال إبليس: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وأرى جبريل بين يدي النّبيّ ﷺ وفي يده اللجام يقود الفرس ولم تروه، ودفع إبليس في صدر الحارث وإِنِّي أَخافُ اللَّهَ أن يهلكني بتسليط الملائكة عليّ.
وقيل: لما رأى إبليس الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فقال ما قال إشفاقا على نفسه وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) قاله الشيطان بسطا لعذره، وحينئذ فهو تعليل أو مستأنف من محض كلامه تعالى تهديدا لإبليس إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم قوم من الأوس والخزرج وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وهم قوم من قريش أسلموا ولم يقو إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا منهم: عتبة بن ربيعة، وقيس بن الوليد، وأبو قيس الفاكه، والحارث بن زمعة، وعدي بن أمية، والعاص بن منبه، والعامل في «إذ زيّن» أو اذكر مقدرا غَرَّ هؤُلاءِ أي محمدا وأصحابه دِينُهُمْ فإنهم خرجوا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقال هؤلاء: لما خرج قريش لحرب رسول الله ﷺ نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، فلما خرجوا مع قريش ورأوا قلة المسلمين وكثرة الكفّار رجعوا للكفر وقالوا ذلك القول، وقتلوا جميعا مع المشركين يوم بدر ولم يحضر منافق في بدر مع النّبيّ ﷺ إلا واحد وهو عبد الله بن أبي وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) أي ومن يعول على إحسان الله ويثق بفضله ويسلم أمره إلى الله فإن الله حافظه وناصره، لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ أي ولو رأيت يا أشرف الخلق الكفرة حين يتوفاهم الملائكة في بدر يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ويقولون لهم: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) أي النار لأنه كان مع الملائكة مقامع، وكلما ضربوا بها التهبت النار منها في الأجزاء. وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا لا يكاد يوصف.
ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بسبب ما عملت أيديكم من الكفر والمعاصي وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من جهتهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي عادة كفار قريش فيما فعلوه من الكفر، وما فعل بهم من العذاب كعادة آل فرعون وقوم ونوح وعاد وأضرابهم من الكفر والعناد في ذلك كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي أنكروا الدلائل الإلهية، وهذه الجملة تفسير لدأب كفار قريش فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي بسبب ذنوبهم إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ بالأخذ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) أي إذا عاقب ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ أي تعذيب الكفرة بما قدمت أيديهم بسبب أن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعم بها عليهم- كالعقل وإزالة الموانع- حتى يغيروا أحوالهم، فإذا صرفوا تلك النعمة إلى الفسق
стр. 427
والكفر فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم فاستحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) أي وبسبب أنه تعال يسمع ويعلم جميع ما يأتون وما يذرون كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييرا كائنا كتغيير الأمم الماضية كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي كذب آل فرعون ومن قبلهم بأنه تعالى رباهم وأنعم عليهم فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم كما كذب أهل مكة ذلك فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالحجارة، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالمسخ كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) أي وكل من الفرق المكذبة كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والمعصية، ولأنبيائهم بالتكذيب، ولسائر الناس بالإيذاء والإيحاش، فالله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم. اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم، فلا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) أي إن شر الخلق في حكم الله وعلمه الذين أصروا على الكفر فهم لا يرجى منهم إيمان الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أي من مرات المعاهدة.
قال ابن عباس: هم قريظة، فإن رسول الله ﷺ كان عاهد يهود بني قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم مرة ثانية فنقضوا العهد أيضا، وساعدوا معهم على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم على محاربة رسول الله ﷺ . وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) عن نقض العهد فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) أي إن تظفرن بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد في أثناء الحرب فافعل بهم فعلا من القتل والتعذيب يفرق بسببهم من خلفهم من أهل مكة واليمن أي إذا فعلت بقريظة العقوبة فرقت شمل قريش إذ يخافون منك أن تفعل بهم مثل ما فعلت بحلفائهم- وهم قريظة- فأمر رسول الله ﷺ أن يفرقهم في ذلك الوقت تفريقا عنيفا موجبا للاضطراب وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أي وإن تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد بأمارات ظاهرة فاطرح إليهم عهدهم على طريق ظاهر مستو، بأن تعلمهم قبل حربك إياهم أنك قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهّم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) في العهود. والحاصل إن ظهرت الخيانة بأمارات ظاهرة من غير أمر مستفيض وجب على الإمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم الحرب، وذلك كما في قريظة فإنهم عاهدوا النّبيّ ﷺ ، ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم عليه ﷺ : وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد
стр. 428
وإعلامهم بالحرب بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النّبيّ ﷺ وصل إليهم جيش النّبيّ ﷺ بمر الظهران وذلك على أربع فراسخ من مكة وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا.
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بالياء التحتية، أي ولا يحسبنّ الذين كفروا من قريش أنفسهم فاتوا من عذابنا بهر بهم يوم بدر. وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على مخاطبة النبي ﷺ أي ولا تحسبن يا أشرف الخلق الذين كفروا الذين خلصوا منك في بدر فائتين من عذابنا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) أي إنهم بهذا الفرار لا يعجزون الله من الانتقام منهم إما بالقتل في الدنيا، وإما بعذاب النار في الآخرة. وقرأ ابن عامر «أنهم» بفتح الهمزة على التعليل وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِباطِ الْخَيْلِ
. قيل: إنه لما اتفق لأصحاب النّبيّ ﷺ في قصة بدر أنهم قصدوا الكفار بلا آلة أمرهم الله تعالى أن لا يعودوا لمثله فقال: وَأَعِدُّوا إلخ أي هيئوا لحرب الكفار ما استطعتم من كل ما يتقوى به في الحرب من كل ما هو آلة للجهاد ومن الخيل المربوط سواء كان من الفحول أو من الإناث.
وروي أنه كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات تُرْهِبُونَ بِهِ أي بذلك الإعداد. وقرئ تخزون عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وهم كفار مكة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي من غير كفار مكة من الكفرة لا تَعْلَمُونَهُمُ على ما هم عليه من العداوة. أي فإن تكثير آلات الجهاد كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء، سواء كانوا مسلمين أو كفارا اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ لا غيره. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ قل أو جل فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي لا يضيع الله في الآخرة أجره ويعجل عوضه في الدنيا وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) أي لا تنقصون من الأجر
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها أي وإن مال الكفار للصلح بوقوع الرهبة في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد فاقبله. وقرأ أبو بكر عن عاصم «للسلم» بكسر السين.
وقرئ «فاجنح» بضم النون. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فوّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عونا لك على السلام، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد إِنَّهُ تعالى: هُوَ السَّمِيعُ لما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع، الْعَلِيمُ (٦١) بنياتهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم في نحرهم وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي وإن يريدوا الكفار بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم فاعلم أن الله كافيك من شرورهم وناصرك عليهم هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ أي قواك ببصره في سائر أيامك وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) من المهاجرين والأنصار وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ أي إن النّبيّ ﷺ بعث إلى
стр. 429
قوم تكبرهم شديد حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثاره ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا.
وأيضا كانت الخصومة بين الأوس والخزرج شديدة، والمحاربة دائمة، ثم زالت الضغائن وحصلت الألفة- فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى- وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد ﷺ . إِنَّهُ تعالى عَزِيزٌ أي قاهر يقلب القلوب من العداوة إلى الصداقة حَكِيمٌ (٦٣) أي يفعل ما يفعله مطابقا للمصلحة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) أي كفاك الله وكفى أتباعك ناصرا. أو المعنى كفاك الله والمؤمنون. وهذه الآية نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال، فالمراد بالمؤمنين هنا أهل غزوة بدر وهم المهاجرون والأنصار.
وقيل: نزلت في إسلام عمر بن الخطاب. قال سعيد بن جبير: أسلم مع النّبيّ ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر ﵁ فنزلت هذه الآية، فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله ﷺ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي بالغ في حثّهم عليه إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ أي إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وإنما وجب هذا الحكم عند حصول هذه الشروط: منها: أن يكون المؤمن شديد الأعضاء قويا جلدا. ومنها: أن يكون قوي القلب شديد البأس، شجاعا غير جبان. ومنها: أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيزا إلى فئة، فعند حصول هذه الشروط وجب على الواحد أن يثبت للعشرة بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) متعلق بيغلبوا في الموضعين أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون امتثالا لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لمرضاته، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية، وإثارة العدوان. وهم يعتمدون على قوتهم، والمسلمون يستعينون بربهم بالتضرع ومن كان كذلك كان النصر أليق به الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً في البدن أو في معرفة القتال لا في الدين فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادته. وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة فلم يثبت ذلك الحكم. وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة، فقد أنكر أبو مسلم الأصفهاني النسخ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) أي إن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم، وإن لم يقدروا على مصابرتهم، فالحكم المذكور هناك زائل، وهذا يدل على صحة مذهب أبي مسلم ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى من الكفار حتى يقوى ويغلب بل اللائق قتلهم تُرِيدُونَ أيها المؤمنون عَرَضَ الدُّنْيا أي متاع الدنيا الذي هو الفداء وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي إنما يرضى الله ما يفضي إلى
стр. 430
السعادات الأخروية المصونة عن الزوال وَاللَّهُ عَزِيزٌ يغلب أولياءه على أعدائه حَكِيمٌ (٦٧) يعلم ما يليق بكل حال كما أمر بالأثخان، ونهى عن أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بين أخذ الفداء وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) أي لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء عذاب شديد فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم حال كونه حلالا مستلذا.
روي أنهم أمسكوا عن الغنائم في بدر ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت هذه الآية. وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره ونهيه في المستقبل إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) في الحالة الماضية من استباحة الفداء قبل ورود الإذن من الله تعالى فيه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى.
قرأ أبو عمرو «من الأسارى» بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف، وبالإمالة، أي من الذين أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أي إيمانا وعزما على طاعة الله ورسوله في جميع التكاليف وتوبة عن الكفر وجميع المعاصي يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما سلف منكم قبل الإيمان وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن آمن وتاب من كفره ومعاصيه رَحِيمٌ (٧٠) بأهل طاعته.
روي أن العباس كان أسيرا يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لمن خرجوا من مكة إلى بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر، وأخذ ذلك العشرون منه فقال العباس: كنت مسلما إلا أنهم أكرموني فقال ﷺ : «إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا» . قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب عليّ فقال ﷺ : «أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا» . قال العباس: وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس:
يا محمد تتركني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله ﷺ : «أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حادث فهذا المال لك ولعبد الله، ولعبيد الله، والفضل، وقثم» . وما يدريك يا ابن أخي؟ قال ﷺ :
«أخبرني به ربي» «١» . قال العباس: أنا أشهد أنك صادق وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في
стр. 431
أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب وأمر ابني أخيه عقيلا ونوفل بن الحارث فأسلما، قال العباس: فأبدلني الله خيرا مما أخذ مني، ولي الآن عشرون عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألفا وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
وروي أنه قدم على رسول الله ﷺ مال البحرين ثمانون ألفا، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة
وَإِنْ يُرِيدُوا أي الأسرى خِيانَتَكَ أي بنقض العهد، فاعلم أنه سيمكّنك منهم فإنه ﷺ كلما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته ﷺ ، وإلى معاهدة المشركين بالعون عليه ﷺ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ أي من قَبْلُ هذا بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي أقدر المؤمنين عليهم قتلا وأسرا في بدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي ببواطنهم حَكِيمٌ (٧١) يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد والقرآن وَهاجَرُوا من مكة إلى المدينة حبا لله تعالى ولرسوله وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ بأن صرفوها إلى السلاح وأنفقوها على المحاويج وَأَنْفُسِهِمْ بمباشرة القتال، وبالخوض في المهالك فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله وَالَّذِينَ آوَوْا أي أنزلوا المهاجرين منازلهم وَنَصَرُوا لهم على أعدائهم يوم بدر أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي يكونون يدا واحدة على الأعداء ويكون حب كل واحد للآخر جاريا مجرى حبه لنفسه وَالَّذِينَ آمَنُوا بمحمد والقرآن وَلَمْ يُهاجِرُوا من مكة إلى المدينة ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ أي من تعظيمهم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا فلو هاجروا لحصل الإكرام والإجلال.
وقرأ حمزة «من ولايتهم» بكسر الواو. والباقون بالفتح وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي إن قطع التعظيم بين تلك الطائفة ليس كما في حق الكفار بل هؤلاء لو استعانوكم في الدين على المشركين فواجب عليكم أن تعاونوهم عليهم إلا على قوم منهم بينكم معاهدة فإنه لا يجوز لكم نقض عهدهم بنصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) فلا تخالفوا أمره كي لا يحل بكم عقابه وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في النصرة فإن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد ﷺ تعاونوا على إيذائه ومحاربته والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد ﷺ صارت هذه الجهة سببا لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض. وتلك العداوة لمحض الحسد لا لأجل الدين، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) أي إن لم تفعلوا ما أمرتكم به من التواصل
стр. 432
بين المسلمين ومن قطع المحبة بينهم وبين الكفار تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة فإن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار، وأن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فالله تعالى ذكرهم أولا لتبيين حكمهم وهو إكرام بعضهم بعضا، ثم ذكرهم ها هنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وأثنى عليهم من ثلاثة أوجه وهي: وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين لأن من لم يكن محقا في دينه لم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين لَهُمْ مَغْفِرَةٌ تامة عن جميع الذنوب والتبعات وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) ثواب حسن في الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي بعد الهجرة الأولى وهؤلاء هم التابعون بإحسان وَهاجَرُوا من مكة إلى المدينة بعد المهاجرين الأولين وَجاهَدُوا مَعَكُمْ في بعض مغازيكم فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار في السر والعلانية وَأُولُوا الْأَرْحامِ أي ذوو القرابات بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ آخر منهم في التوارث من الأجانب فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكم الله الذي بينه في كتابه بالسهام المذكورة في سورة النساء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) فالعالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب.
стр. 433
سورة التوبة
مدنية، وقد قيل: إلا الآيتين آخرها فإنهما مكيتان، مائة وتسع وعشرون آية، ألفان وخمسمائة وست كلمات، أحد عشر ألفا ومائة وخمسة عشر حرفا. والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة. قاله القشيري
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) أي هذه براءة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين، فإن الله قد أذن في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله ﷺ وعاهدهم. ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك. وقيل: اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أي سيروا أيها المشركون كيف شئتم آمنين من القتل والقتال في هذه المدة من يوم النحر.
روي أن رسول الله ﷺ أراد أن يحج سنة تسع فقيل له: المشركون يحضرون ويطوفون بالبيت عراة فقال: «لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه أربعين آية من صدر براءة، ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة الله وذمة رسول الله ﷺ من كل شرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فسار أبو بكر أميرا على الحاج، وعلي ابن أبي طالب يؤذن ببراءة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس وحدّثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على معاهدهم التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب ﵁ فأذّن في الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم أول سورة براءة وقال علي: بعثت بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في الحج. فقال المشركون لعلي عند ذلك: أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء
стр. 434
ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف. ثم حج رسول الله ﷺ سنة عشر حجة الوداع
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي واعلموا يا معشر الكفار أن هذا الإمهال ليس لعجز بل للطف ليتوب من تاب، أي اعلموا أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات وتحصيل الأسباب فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) أي مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ أي وهذا إعلام صادر من الله ورسوله، واصل إلى الناس يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وهو يوم العيد، لأن فيه تمام معظم أفعال الحج، ولأن الإعلام كان فيه، أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الناقضين للعهد وَرَسُولِهِ بالرفع باتفاق السبعة فهو معطوف على الضمير المستتر في برىء فَإِنْ تُبْتُمْ من الشرك فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي فالتوب خير لكم في الدارين لا شر وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن المتاب من الشرك فَاعْلَمُوا يا معشر المشركين أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي غير فائتين من عذاب الله فإن الله قادر على إنزال أشد العذاب بهم وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) أي أخبرهم بالقتل بعد أربعة أشهر، فالبشارة على سبيل الاستهزاء كما يقال: إكرامهم الشتم وتحيتهم الضرب إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من شروط الميثاق ولم يضروكم قط.
وقرئ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم شيئا من النقض وَلَمْ يُظاهِرُوا أي لم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من أعدائكم فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إلى وقت أجلهم تسعة.
أشهر والمعنى لا تمهلوا الناكثين للعهد فوق أربعة أشهر لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين، وهم بنو ضمرة، حي من كنانة أمر الله رسوله ﷺ بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر فإنهم ما غدروا من هذين الوجهين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) عن نقض العهد فإن مراعاة حقوق العهد من باب التقوى، وأن التسوية بين الوافي والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أي فإذا خرج الأشهر التي حرم الله القتل والقتال فيها وهي من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين خاصة حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره وَخُذُوهُمْ أي وأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ أي امنعوهم من إتيان المسجد الحرام، ومن التقلب في البلاد وَاقْعُدُوا لَهُمْ أي لأجلهم خاصة كُلَّ مَرْصَدٍ أي في كل ممر يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد فَإِنْ تابُوا من الشرك آمنوا بالله وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي أقروا بالصلوات الخمس وَآتَوُا الزَّكاةَ أي أقروا بأداء الزكاة فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي فاتركوهم ولا تتعرضوا بشيء مما ذكر إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) لمن تاب من الكفر والغدر وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
أي وإن
стр. 435
سألك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم أن تؤمنه بعد انقضاء مدة السياحة فأمنه حتى يسمع قراءتك لكلام الله ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه.
ونقل عن ابن عباس أنه قال: إن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب: إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل؟ فقال علي: لا، فإن الله تعالى قال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي ثم أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم ذلِكَ أي إعطاء الأمان بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) أي بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه، فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى معهم معذرة أصلا كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ أي لا ينبغي أن يبقى للمشركين عهد عند الله وعند رسوله وهم ينقضون العهد. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي لكن الذين عاهدتم من المشركين عند قرب أرض الحرم يوم الحديبية وهم المستثنون من قبل هذا الاستثناء فقد استثنوا في قوله تعالى سابقا: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً إلخ- وهم بنو كنانة وبنو ضمرة- فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي فأيّ زمان استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله. أو المعنى فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) عن نقض العهد وقد استقام ﷺ على عهدهم حتى نقضوه بإعانتهم بني بكر وهم كنانة حلفاؤهم على خزاعة حلفائه ﷺ .
روي أنه عدت بنو بكر على بني خزاعة في حال غيبة رسول الله ﷺ وعاونتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله ﷺ فأنشده:
لا همّ إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيك ألا تلدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ذمامك المؤكدا
هم بيتونا بالحطيم هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
فقال ﷺ : «لا نصرت إن لم أنصركم»
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي وحالهم أنهم إن يقدروا عليكم لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ أي لا يحفظوا فيكم إِلًّا أي قرابة وَلا ذِمَّةً أي عهدا.
والمعنى كيف لا تقتلوهم وهم إن يغلبوكم لا يحفظوا في شأنكم قرابة ولا ضمانا بل يؤذوكم ما استطاعوا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ أي تنكر قلوبهم ما يفيد كلامهم، أي فإنهم يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طيبا والذي في قلوبهم بخلاف ذلك فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) أي ناقضون للعهد مذمومون عند جميع الناس وفي جميع
стр. 436
الأديان اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي تركوا آيات الله الآمرة بالاستقامة في كل أمر وأخذوا بدلها شيئا يسيرا من الدنيا لأجل تحصيل الشهوات، وذلك أن أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النّبيّ ﷺ وحملتهم تلك الأكلة على نقض العهد فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ أي عن دينه أو عن سبيل البيت الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) أي ساءهم الذي كانوا يعملونه ما مضى من صدهم عن سبيل الله وما معه لا يَرْقُبُونَ أي لا يحفظون فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا أي قرابة وَلا ذِمَّةً كرر ذلك مع إبدال الضمير ب «مؤمن» ، لأن الأول وقع جوابا لقوله تعالى: وَإِنْ يَظْهَرُوا، والثاني وقع خبرا عن تقبيح حالهم، أو هذا خاص بالذين اشتروا والذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم وأشباههم من اليهود وغيرهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) أي المجاوزون في الظلم والشرارة
فَإِنْ تابُوا من مساوي أعمالهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي أقروا بحكمهما وعزموا على إقامتهما فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فعاملوهم معاملة الإخوان وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) أي نبين الآيات لقوم يعلمون ما فيها من الأحكام وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ أي عهودهم التي بينكم وبينهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أي لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أي عابوا دينكم بالتكذيب وتقبيح الأحكام فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي قاتلوا الكفار بأسرهم فإنهم صاروا بذلك ذوي تقدم في الكفر، أحقاء بالقتل والقتال إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أي إنهم لا عهود لهم على الحقيقة لأنهم لا يعدون نقضها محذورا وهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان وإن أجروها على ألسنتهم.
وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة أي لا تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا، فيكون «الإيمان» مصدرا بمعنى إعطاء الأمان، فهو ضد الإخافة لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم سببا في انتهائهم عمّا هم عليه من الكفر والطعن في دينكم والمعاونة عليكم أَلا أي هلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ بعد عهد الحديبية بإعانة بني بكر على خزاعة وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ أي بإخراجه من مكة لكن لم يخرجوه بل خرج باختياره بإذن الله في الهجرة، أو من المدينة لقصد قتله وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بالقتال يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه، أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النّبيّ ﷺ لأن إعانة بني بكر عليهم بالسلاح قتال معهم، فالإعانة على القتال تسمى قتالا.
أَتَخْشَوْنَهُمْ أي أتخافون أيها المؤمنون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) . ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه وأن لا يخشى أحدا سواه قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ بالقتل تارة، والأسر،
стр. 437
أخرى واغتنام الأموال ثالثا وَيُخْزِهِمْ حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ أي يجعلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين فإنكم تنتفعون بهذا النصر وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) ممن لم يشهد القتال وهم خزاعة: بطون من اليمن، وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه،
فقال: «أبشروا فإن الفرج قريب»
وكان شفاء صدورهم من زحمة الانتظار فإنه الموت الأحمر وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ من بني بكر فإن من طال تأذيه من خصمه، ثمّ مكّنه الله منه على أحسن الوجوه كان سروره أعظم وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ من بعض أهل مكة كأبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو فهم أسلموا يوم فتح مكة وحسن إسلامهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بكل ما يفعل في ملكه حَكِيمٌ (١٥) أي مصيب في أفعاله وأحكامه أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً أي بل أحسبتم أن يترككم الله بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه. والحال أنه لم يصدر الجهاد عنكم خاليا عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين. والمقصود من هذه الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العتاب إلا عند حصول أمرين:
الأول: أن يصدر الجهاد عنهم.
الثاني: أن يأتي بالجهاد مع الإخلاص. فإن المجاهد قد يجاهد وباطنه خلاف ظاهره، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين المخلصين، أي وهو الذي يطلع الكافر على الأسرار الخفية. والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط بل الغرض أن يؤتى به انقياد الأمر الله تعالى وحكمه ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) من موالاة المشركين وغيرها فيجازيكم عليه فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أي ما صحّ للمشركين أن يعمروا المسجد الحرام بدخوله والقعود
فيه وخدمته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «مسجد الله» على الواحد. والباقون «مساجد» على الجمع وإنما جمع المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، ثم شهادتهم على أنفسهم بالكفر أنهم أقروا بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد ﷺ وإن أبوا أن يقولوا نحن كفار أُولئِكَ الذين يدعون عمارة المسجد الحرام وما يضاهيها من أعمال البر مع ما بهم من الكفر حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت هباء منثورا وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) لكفرهم.
стр. 438
قال ابن عباس ﵄: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ علي عليه القول فقال العباس: تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا! فقال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم، نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة- أي نخدمها- ونسقي الحجيج، ونفك العاني- أي الأسير- فنزلت هذه الآية إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ أي إنما يصح أن يعمر المساجد عمارة يعتد بها مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ لأن المساجد موضع يعبدون الله فيه، فمن لم يكن مؤمنا بالله لا يبني موضعا يعبد الله فيه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأن الاشتغال بعبادة الله لا تفيد إلا في القيامة فمن أنكر القيامة لم يعبد، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى وَأَقامَ الصَّلاةَ فإن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات وَآتَى الزَّكاةَ وإنما اعتبر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد، لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد بذلك المسجد، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ في باب الدين بأن لا يختار علي رضا الله تعالى رضا غيره فَعَسى أُولئِكَ المنعوتون بتلك النعوت الجميلة أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) إلى مطالبهم من الجنة وما فيها
وعن النّبيّ ﷺ قال: «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» .
وعنه ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»
«١» أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله يوم بدر أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام في الفضيلة وعلو الدرجة كمن آمن بالله إلخ. ويقوي هذا التأويل قراءة عبد الله بن الزبير سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام.
قال ابن عباس: إن عليا لما أغلظ الكلام على العباس قال العباس: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية لا يَسْتَوُونَ أي الفريقان عِنْدَ اللَّهِ في الفضل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم رضوا بالكفر الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ أي الذين جمعوا بين هذه الصفات الثلاثة أعلى رتبة وأكثر كرامة عند الله ممن لم يجمع بينها وَأُولئِكَ المنعوتون بتلك النعوت الفاضلة هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) بسعادة الدنيا والآخرة
يُبَشِّرُهُمْ أي هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ أي بمنفعة
стр. 439
خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم من قبل الله تعالى وذلك هو حد الثواب وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ أي منافع خالصة عن المكدرات مُقِيمٌ (٢١) أي دائمة غير منقطعة خالِدِينَ فِيها أي الجنات أَبَداً أي لا يخرجون منها إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث، وبدأ بالرحمة التي هي النجاة من النيران في مقابلة الإيمان وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة ترك الأوطان، ثم ثلث بالجنات التي هي المنافع العظيمة في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، وإنّما خصوا بالأجر العظيم لأن إيمانهم أعظم الإيمان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ أي بطانة تفشون إليهم أسراركم إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ أي اختاروه عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ في الدين فَأُولئِكَ المتولون هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) أي فهو مشرك مثلهم لأنه رضي بشركهم والرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا بالفسق فسق.
قيل: إن الله تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين قالوا: كيف تمكن المقاطعة التامة بين الرجل وابنه وأمه وأخيه؟ فذكر الله تعالى أن الانقطاع عن الآباء والأولاد والإخوان واجب بسبب الكفر قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أي أهلكم الأدنون الذين تعاشرونهم.
وقرأ أبو بكر عن عاصم «وعشيراتكم» بالجمع وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها أي اكتسبتموها وَتِجارَةٌ أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح تَخْشَوْنَ كَسادَها أي عدم رواجها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أي منازل تعجبكم الإقامة فيها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بالحب الاختياري وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ أي طاعته فَتَرَبَّصُوا نزلت هذه الآية لما قال جماعة من المؤمنين: يا رسول الله كيف يمكن البراءة منهم بالكلية، وإن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، وذهاب تجارتنا، وهلاك أموالنا، وخراب ديارنا؟ فبين الله تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله فتربصوا بما تحبون حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وهي عقوبة عاجلة أو آجلة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وهي مشاهد الحروب كوقعات بدر وقريظة، والنضير والحديبية، وخيبر، وفتح مكة وَيَوْمَ حُنَيْنٍ أي واذكروا يوم قتالكم هوازن في حنين. فهوازن قبيلة حليمة السعدية، وحنين واد بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا، وذلك لما فتح رسول الله ﷺ مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج في شوال في تلك السنة وهي سنة ثمان متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
стр. 440
كَثْرَتُكُمْ
وهم اثنا عشر ألفا: عشرة من المهاجرين والأنصار الذين فتحوا مكة، وألفان من الطلقاء وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا- وهم أسلموا بعد فتحها في هذه المدة اليسيرة بين هوازن وثقيف- وأربعة آلاف ومعهم أمداد سائر العرب. فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأنصاري: لن تغلب اليوم من قلة أي من أجلها افتخارا بكثرتهم أي نحن كثيرون فلا نغلب، فأحزنت هذه الكلمة رسول الله ﷺ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً أي فلم تعطكم تلك الكثرة ما تدفعون به حاجتكم شيئا من الدفع، أي فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي إنكم لشدة الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) أي منهزمين من الله.
وقال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه ﷺ إلا عمه العباس وهو آخذ بلجام بغلته، وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وهو آخذ بركابه، وهو ﷺ يركض بغلته الشهباء نحو الكفار لا يبالي وهو يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» ثم قال للعباس: «ناد المهاجرين والأنصار» . وكان العباس رجلا صيتا، فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا، وأخذ رسول الله ﷺ بيده كفا من الحصى فرماهم بها وقال: «شاهت الوجوه» فما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب
فذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي رحمته التي يحصل بها سكون وثبات وأمن عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
واعلم أنه لما شق الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، وعن الأموال والمساكن على القلوب مشقة عظيمة ذكر الله تعالى ما يدل على أن من ترك
الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا وضرب الله تعالى لهذا مثلا وذلك أن عسكر رسول الله ﷺ في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم في حال الانهزام لمّا تضرعوا إلى الله قوّاهم به حتى هزموا عسكر الكفار. وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا أتاه الدين والدنيا على أحسن الوجوه فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن لأجل مصلحة الدين، ووعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم على أحسن الوجوه. وَأَنْزَلَ من السماء جُنُوداً لَمْ تَرَوْها أي بأبصارهم. وهم الملائكة عليهم البياض على خيول بلق لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة في قلوبهم وإلقاء الرعب في قلوب المشركين وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر
стр. 441
وهم قوم مالك بن عوف الدهماني، وقوم كنانة بن عبد ياليل الثقفي وَذلِكَ التعذيب جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) في الدنيا لكفرهم ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي ما جرى عليهم من الخذلان عَلى مَنْ يَشاءُ أن يتوب عليه منهم أي يوفقه للإسلام وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ (٢٧) لمن آمن وعمل صالحا.
روي أن ناسا منهم جاءوا رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. فقال ﷺ : «إن عندي ما ترون إن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم» . قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، وهي مفاخر آبائه من الذراري والنساء. فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده أسير وطابت نفسه أن يرده فشأنه- أي فيلزم شأنه- ومن لا، فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه» قالوا: قد رضينا وسلمنا. فقال ﷺ : «إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا»
«١» ، فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفا، ومن الغنم ما لا يحصى عددا، ومن الأسرى ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم وكان فيها غير ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي ذوو نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ أي جميع الحرم بَعْدَ عامِهِمْ هذا وهي السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة ولما امتنع المشركون من دخول الحرم وكانوا يتّجرون ويأتون مكة بالطعام، وكانت معايش أهل مكة من التجارات فخافوا الفقر وضيق العيش وذكروا ذلك لرسول الله ﷺ أنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي فقرا بسبب منع الكفار فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي عطائه من وجه آخر إِنْ شاءَ فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا أغزر بها خيرهم وأكثر ميرهم، وأسلم أهل جدة، وحنين، وصنعاء، وتبالة وجرش فحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة مما كانوا يخافون إلى مبايعة الكفار، فأغناهم بالفيء والجزية إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم وبمصالحكم حَكِيمٌ (٢٨) فلا يعطى ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب لما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ١] إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين فقال: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فاليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه. والنصارى يعتقدون الحلول، وهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد، ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، وهم يكذبون أكثر الأنبياء
стр. 442
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرّفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر النّبيّ ﷺ بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي حتى يقبلوا أن يعطوا ما يعطى المعاهد على عهده عَنْ يَدٍ أي عن غني فلا تجب الجزية على الفقير العاجز، أو عن إنعام عليهم لأن ترك أرواحهم عليهم بقبول الجزية منهم نعمة عظيمة وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) أي أذلاء منقادون لحكم الإسلام. وَقالَتِ الْيَهُودُ سلام بن مشكم ونعمان بن قيس، ومالك بن الصيف أو فنحاص بن عازوراء: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وسبب هذا القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇ فأضاعوا التوراة، وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت الذي فيه التوراة، وأنساهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فتضرع عزير إلى الله تعالى ودعاه أن يرد إليه التوراة، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى إذ نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت التوراة إليه فأعلم قومه وقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة وردها عليّ فتعلموا منه عن ظهر لسانه، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزيز على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا: ما جمع الله التوراة في صدر عزيز وهو غلام إلا لأنه ابنه وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
روي أن أتباع عيسى كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى ﵇ إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال بولص لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة، فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم إنه أتى إلى النصارى فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولص قد نوديت من السماء: إنه ليست لك توبة حتى تتنصر وقد تبت، فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة في بيت فيها ولم يخرج منه حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال: قد نوديت: إن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عهد إلى أربعة رجال: اسم واحد نسطور، والآخر يعقوب، والآخر ملكان، والآخر من أهل الروم، فعلّم نسطور أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاثة، وعلّم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان وأنه ابن الله، وعلّم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال عيسى، وعلم رجلا آخر من الروم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله، ثم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له: أنت خليفتي فادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غدا
стр. 443
أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه فتفرقوا ودعوا الناس إلى مذاهبهم واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله ذلِكَ أي ما صدر عنهم قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ أي مجردا عن برهان وهو فارغ من معنى معتبر يُضاهِؤُنَ أي يشبهون في الشناعة قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبلهم أي يشابه قول اليهود والنصارى قول المشركين: الملائكة بنات الله. وقول أهل مكة: اللات والعزى ومناة بنات الله. كما قالت اليهود: عزير ابن الله. وكذلك قال بعض النصارى: المسيح ابن الله، وقال بعضهم: شريكه، وقال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم بالإهلاك أو تعجب من شناعة قولهم: أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) أي كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله ولدا، وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأن الله تعالى لا يتعجب من شيء
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي اتخذ اليهود علماءهم من ولد هارون، واتخذ النصارى علماءهم من أصحاب الصوامع أربابا من دون الله بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه أو بالسجود لهم وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أي اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابن الله وَما أُمِرُوا أي والحال أن هؤلاء الكفار ما أمروا في التوراة والإنجيل إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً عظيم الشأن هو الله تعالى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لا لها سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) أي تنزه الله تعالى عن أن يكون له شريك في التكليف وفي كونه معبودا ومسجودا له وفي وجوب نهاية التعظيم والإجلال يُرِيدُونَ أي رؤساء اليهود والنصارى أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ أي دلائل الله المنيرة الدالة على وحدانيته وتنزهه عن الشركاء والأولاد، أي يريدون أن يردوا القرآن فيما نطق به من التوحيد والتنزه عن الشركاء والأولاد ومن الشرائع من أمر الحل والحرمة بِأَفْواهِهِمْ أي بأقوالهم الباطلة وَيَأْبَى اللَّهُ أي لا يريد إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دين الإسلام وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) وجواب «لو»
محذوف، أي ولو كره الكافرون تمام نوره لأتمه ولم يبال بكراهتهم. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا ﷺ بِالْهُدى أي ملتبسا بالقرآن وَدِينِ الْحَقِّ أي دين الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعلي الله دين الإسلام على الأديان كلها وهو أن لا يعبد الله طلا به فإن المسلمين قد قهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد حصل وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام غالبا على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام وَلَوْ
стр. 444
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) ذلك الإظهار والوصف بالشرك بعد الوصف بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر بالله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ أي علماء اليهود وَالرُّهْبانِ أي علماء النصارى لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ أي ليأخذون الأموال من سفلتهم بطريق الرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي لأنهم يمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في ذلك في الزمان في المسلك المقرر في التوراة والإنجيل، وفي زمان محمد ﷺ كانوا يبالغون في المنع عن متابعته ﷺ في منهجه الصحيح بجميع وجوه المكر والخداع وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أي يجمعونهما وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي ولا يخرجون من حملة كل واحد منهما سواء كانت آنية أو دنانير ودراهم ما وجب إخراجه عن تلك الجملة من الزكاة والكفارات ونفقة الحج والجمعة، ومما يجب إخراجه في الدين والحقوق ونفقة الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) أي فأخبرهم يا أشرف الخلق بعذاب أليم هو مذكور في قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ أي يوم توقد على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة نار ذات حرّ شديد في نار جهنم فَتُكْوى بِها أي فتحرق بتلك الأموال جِباهُهُمْ أي جهة أمامهم كلها وَجُنُوبُهُمْ من اليمين واليسار وَظُهُورُهُمْ يقال لهم:
هذا أي الكي ما كَنَزْتُمْ أي جزاء ما جمعتم من الأموال لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) أي فذوقوا جزاء ما كنتم تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ القمرية التي تؤدى فيها الزكاة وعليها يدور فلك الأحكام الشرعية عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه اثْنا عَشَرَ شَهْراً وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، والسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام وربع يوم، فبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل آخر فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف فِي كِتابِ اللَّهِ أي في اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وهذه الظروف الثلاثة أبدل البعض من البعض، والتقدير أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات، أي منذ خلق الله الإحرام والأزمنة أي إن ذلك العدد ثابت في علم الله وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم مِنْها أي من تلك الشهور الاثني عشر أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ هي ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم ورجب ذلِكَ أي عدة الشهور الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الحساب الصحيح فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أي في الأربعة الحرم أَنْفُسَكُمْ بإتيان المعاصي فإنه أعظم وزرا كإتيانها في الحرم.
وقال ابن عباس: فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم، وذلك منع الإنسان عن إتيان الفساد في جميع العمر وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أي قاتلوا
стр. 445
المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم في جميع الأشهر كما إنهم يقاتلونكم على هذه الصفة وكونوا عباد الله متوفقين في مقاتلة الأعداء وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) أي مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات واجتناب المحرمات إِنَّمَا النَّسِيءُ أي إنما تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ لأن ضم هذا العمل إلى الأنواع المتقدمة من الكفر زيادة في الكفر يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
قرأ حفص وحمزة والكسائي «يضل» بالبناء للمفعول. والباقون بفتح الياء على البناء للفاعل. وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم ويعقوب من العشرة بضم الياء وكسر الضاد. والمعنى حينئذ يضل بهذا التأخير الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم يُحِلُّونَهُ عاماً أي يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً أي ويحرمون التأخير عاما آخر، وهو العام الذي يتركون المحرم على تحريمه. وسبب هذا التأخير أن العرب كانت تعظم الأشهر الأربعة وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل ﵉ وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة والحروب فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية وقالوا: إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لهلكنا وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم لِيُواطِؤُا أي ليوافقوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ من الأشهر الأربعة فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ بخصوصه.
قال ابن عباس ﵄: إنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى.
قال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة وكان يقوم ويخطب في الموسم ويقول: إن صفر العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة، وإن قال: حلال، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأغاروا. وقيل: هو جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية كان يقول على جمل في الموسم بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم في العام القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه وقيل: هو رجل من كنانة يقال له: القلمس قال قائلهم:
ومنا ناسئ الشهر قلمس وعن ابن عباس ﵄: أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ. قال ابن عباس: أي زين الشيطان لهم هذا العمل حتى حسبوا هذا
стр. 446
القبيح حسنا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) أي لا يرشدهم إلى دينه لما سبق لهم في الأزل أنهم من أهل النار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أي أيّ شيء ثبت لكم من الأعذار حال كونكم متثاقلين ومشتهين الإقامة في أرضكم في وقت قول الرسول لكم: أخرجوا إلى الغزو في طاعة الله.
روي أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة ويقال لها: غزوة العسر وغزوة الفاضحة، وكانت في رجب في السنة التاسعة من الهجرة بعد رجوعه ﷺ من الطائف إلى المدينة، وسببها ما بلغ رسول الله ﷺ من أن هرقل جمع أهل الروم وأهل الشام وإنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فأمر ﷺ أصحابه بالجهاد وبعث إلى مكة وقبائل العرب وحضّ أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله، وهي آخر غزواته فجهز عثمان عشرة آلاف، وأنفق عليها عشرة آلاف دينار غير الإبل والخيل وهي: تسعمائة بعير ومائة فرس، وغير الزاد وما يتعلق بذلك، وأول من جاء بالنفقة: أبو بكر فجاء بجميع ماله أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء ابن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس بمال كثير، وكذا طلحة والأغنياء. وبعثت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن. فلما تجهز رسول الله ﷺ بالناس وهم ثلاثون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس خلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وتخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه من المنافقين بعد أن خرجوا إلى ثنية الوداع وكان من تخلف عشر قبائل وإنما تباطأ الناس في خروجهم للقتال لشدة الزمان في قحط وضيق عيش، ولبعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات ولشدة الحر في ذلك الوقت، ولمهابة عسكر الروم، ولإدراك الثمار في المدينة في ذلك الوقت فاقتضى اجتماع هذه الأسباب تثاقل الناس عن ذلك الغزو أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا وغرورها مِنَ الْآخِرَةِ أي بدل نعيم الآخرة فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في مقابلة نعيم الآخرة إلا قليل لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة
كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل السرور القليل سفه إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله عَذاباً أَلِيماً أي إن لم تخرجوا إلى ما طلب الخروج منكم إليه يهلككم الله بسبب فظيع هائل كقحط ونحوه وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يأتي بعد إهلاككم بدلكم بقوم مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا كأهل اليمن وأبناء فارس وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً أي لا يضر الله جلوسكم شيئا لأنه غني عن العالمين أو لا يضر الرسول تثاقلكم في نصرة دينه أصلا، لأن الله عصمه من الناس وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) فيقدر على نصر نبيه ودينه ولو من غير واسطة إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي إن لم تنصروا محمدا فسينصره الله الذي قد نصره حين لم يكن معه إلا
стр. 447
رجل واحد إذ جعله كفار مكة مثل المضطر إلى الخروج حيث أذن له ﷺ في الخروج حين هموا بقتله حال كونه أحد اثنين، والآخر أبو بكر الصديق إذ هما في غار جبل ثور إذ
يقول محمد ﷺ لأبي بكر الصديق: «لا تحزن إن الله معيننا»
«١» وكان الصديق قد حزن على رسول الله ﷺ لا على نفسه فقال له: يا رسول الله إذا مت أنا فأنا رجل واحد وإذا مت أنت هلكت الأمة والدين.
روي أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ فأمره الله تعالى أن يخرج أول الليل إلى الغار، وخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر ﷺ عليا أن يضطجع على فراشه ليمنع السواد من طلبه حتى يبلغ إلى ما أمر الله به، فلما وصل إلى الغار دخل أبو بكر فيه أولا يلتمس ما فيه فقال له النّبيّ ﷺ : «ما لك؟» فقال: بأبي أنت وأمي، الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفا على رسول الله ﷺ فقال ﷺ : «لا تحزن إن الله معنا بنصره»
«٢» . فجعل يمسح الدموع عن خده.
وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت نسجت عليه فقال ﷺ : «اللهم أعم أبصارهم»
«٣» فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي أمنته التي تسكن عندها القلوب عَلَيْهِ أي على صاحبه ﷺ أبي بكر الصدّيق وَأَيَّدَهُ أي أعانه ﷺ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين وهذه الجملة معطوفة على جملة «نصره الله» وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى أي جعل الله يوم بدر كلمة الشرك سافلة حقيرة وَكَلِمَةُ اللَّهِ أي قوله لا إله إلا الله هِيَ الْعُلْيا أي الغالبة الظاهرة وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي قاهر غالب حَكِيمٌ (٤٠) أي لا يفعل إلا الصواب
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا أي اخرجوا مع نبيكم إلى غزوة تبوك خفافا في الخروج لنشاطكم له وثقالا عنه لمشقته عليكم وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي جاهدوا في طاعة الله بما أمكن لكم إما بكليهما أو بأحدهما ذلِكُمْ أي الجهاد خَيْرٌ لَكُمْ أي خير عظيم في نفسه لكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) أن الجهاد خير فبادروا إليه لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ أي لو كان ما دعوا إليه متاعا قريب المنال سهل المأخذ وسفرا متوسطا بين
стр. 448
القريب والبعيد لاتبعوك في الخروج إلى تبوك طمعا في تلك المنافع وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي المسافة التي تقطع بمشقة فتخلفوا عن الجهاد بسبب إنهم كانوا يستعظمون غزو الروم فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة وَسَيَحْلِفُونَ أي المتخلفون عن الغزو عند رجوعك من تبوك وهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير وأصحابهم قائلين بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا بالزاد والراحلة لَخَرَجْنا مَعَكُمْ إلى غزوة تبوك يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بسبب الحلف الكاذب فإن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ولهذا
قال ﷺ : «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع»
. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) في أيمانهم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يا أشرف الخلق ما وقع منك من ترك الأولى والأكمل لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ أي لأي سبب أذنت لهم في التخلف حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في اعتذارهم بعدم الاستطاعة من جهة المال أو من جهة البدن وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) .
في ذلك قال ابن عباس: لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت سورة براءة لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي ليس من عادة المؤمنين الخلص أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النّبيّ ﷺ في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) الذين يسارعون إلى طاعته إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي إنما يستأذنك يا أشرف الخلق في التخلف عن الجهاد من غير عذر المنافقون فإنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ أي شكت قلوبهم في الدين فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) أي فهم حال كونهم في شكهم المستقر في قلوبهم يتحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ إلى الغزو معك لَأَعَدُّوا لَهُ أي للخروج عُدَّةً أي أهبة من الزاد والراحلة والسلاح وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ أي ولكن لم يرض الله نهوضهم للخروج معك فَثَبَّطَهُمْ أي حبسهم بالكسل وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) أي تخلفوا مع المتخلفين والقائل الشيطان بوسوسته أو بعضهم لبعض، أو هو أمر النّبيّ بذلك أمر توبيخ أو ألقاه الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم فلا قول بالفعل لا من الله ولا من النّبيّ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ أي معكم ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا أي فسادا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ أي ولساروا على الإبل وسطكم ولأسرعوا بينكم بالنمائم يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي يطلبون لكم ما تفتنون به بإلقاء الرعب في قلوبكم وبإفساد نياتكم وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي فيكم قوم ضعفة يسمعون للمنافقين وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لأنفسهم بسبب نفاقهم ولغيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيره في وجوه الآفات لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أي من
стр. 449
قبل واقعة تبوك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حيث انصرف مع أصحابه عن النّبيّ ﷺ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي اجتهدوا في الحيلة عليك وفي إبطال أمرك حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي استمر هؤلاء المنافقون على إثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء النصر الإلهي وكثر المؤمنون وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي غلب دينه بظهور الأسباب التي تقوي شرع محمد ﷺ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) أي والحال أنهم كارهون لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أي ومن المنافقين وهو الجد بن قيس من يقول للنبيّ ﷺ : ائذن لي في القعود في المدينة ولا توقعني في الإثم بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم.
وروي أن النّبيّ ﷺ لما تجهز إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس: «يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر» - أي في جهاد ملوك الروم- فقال الجد: يا رسول الله قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر وإني أخشى إن رأيتهن لا أصبر عنهن ولكني أعينك بمال فاتركني
أَلا أي تنبهوا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي إنهم في عين الفتنة وقعوا فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف وهم خائفون من نزول آيات في
بيان نفاقهم وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) أي جامعة لهم يوم القيامة من كل جانب. وقيل: إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال، فكأنهم في وسطها لأنهم كانوا محرومين عن كل السعادات وإنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين، وقصد الرسول بكل سوء. وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي. وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم وأولادهم وأموالهم. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ أي إن تصبك في بعض الغزوات حسنة من ظفر أو غنيمة أو انقياد بعض ملوك الأطراف يحزنهم ذلك وَإِنْ تُصِبْكَ في بعض الغزوات مُصِيبَةٌ أي شدة وإن صغرت يَقُولُوا متبجحين برأيهم: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا أي حذرنا بالاعتزال عن المسلمين والتخلف عنهم والمداراة مع الكفرة مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه المصيبة وَيَتَوَلَّوْا عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) بما أصابك من المصيبة وبسلامتهم منها.
قُلْ يا أشرف الخلق للمنافقين بيانا لبطلان اعتقادهم:
لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا أي لن يصيبنا خير ولا شر ولا رخاء، ولا شدة ولا خوف، ولا أمن إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله فإذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم، وإن صرنا غالبين صرنا مستحقين للثواب في الآخرة وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا هُوَ أي الله مَوْلانا يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء فإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعا من المصائب فإنه يجب الرضا بها وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) أي فالواجب على المؤمن أن يفوّض أمره إلى الله وأن يرضى بفعله تعالى وأن يطمع من فضله تعالى ورحمته.
قُلْ يا أشرف الخلق للمنافقين: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي ما تنتظرون
стр. 450
بنا إلا إحدى الحالتين الشريفتين، النصر أو الشهادة، وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو فإن صار مغلوبا مقتولا بالاسم الحسن في الدنيا وهي الرجولية والشوكة وبالثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة وإن صار غالبا فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل وفي الآخرة بالثواب العظيم وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى الحالتين الخسيستين إما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ كأن ينزل عليكم صاعقة من السماء كما نزلت على عاد وثمود أَوْ بعذاب بِأَيْدِينا وهو القتل على الكفر، أي إن المنافق إذا قعد في بيته كان مذموما منسوبا إلى الجبن، وضعف القلب والرضا بأمر يشاركه فيه النسوان والصبيان والعاجزون، ثم يكون أبدا خائفا على نفسه وولده وماله، وإن أذن الله في قتله وقع في القتل والأسر والنهب مع الذل وإن مات انتقل إلى العذاب الدائم في الآخرة فَتَرَبَّصُوا بنا إحدى الحالتين الشريفتين إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين قُلْ يا أشرف الخلق لهذا المنافق وأمثاله وهذه الآية نزلت في الجد بن قيس حين قال للنّبيّ ﷺ : ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به أَنْفِقُوا أموالكم طَوْعاً أي من غير إلزام من الله ورسوله أَوْ كَرْهاً أي إلزاما منهما.
وسمي الإلزام إكراها لأن إلزام المنافقين بالإنفاق كان شاقا عليهم كالإكراه.
وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي النساء والأحقاف «كرها» بضم الكاف. وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه. والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ والأمر هنا بمعنى الخير أي نفقتكم غير مقبولة سواء كانت طوعا أو كرها إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) أي منافقين فإنهم كافرون في الباطن وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى أي لا يأتونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم متثاقلين فإن هذا المنافق إن كان في جماعة صلى، وإن كان وحده لم يصل لأنه يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفا من مذمة الناس وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) أي لا رغبة لهم فإنهم لا ينفقون لغرض الطاعة بل رعاية للمصلحة الظاهرة حتى إنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرما بينهم فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ والمراد بهذا الخطاب جميع المؤمنين. والمعنى ولا تعجبوا بأموال المنافقين وأولادهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها أي بالأموال والأولاد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وسبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الغم والخوف بسبب المصائب الواقعة فيهما، وهم اعتقدوا أنه لا سعادة إلا في هذه الخيرات العاجلة، فالمال والولد عذاب على المنافق في الدنيا دون المؤمن لأنه علم أنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) أي يريد الله أن
стр. 451
تخرج أرواحهم والحال أنهم كافرون فيكون عذابهم في الآخرة أشد العذاب وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي يحلف المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم إنهم على دينكم وَما هُمْ مِنْكُمْ أي ليسوا على دينكم وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) أي يخافون القتل فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي حرزا يلجئون إليه تحصنا منكم من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة أَوْ مَغاراتٍ أي كهوفا في الجبل يخفون فيها أنفسهم أَوْ مُدَّخَلًا أي سربا تحت الأرض كالآبار يندسون فيه لَوَلَّوْا أي لصرفوا وجوههم إِلَيْهِ أي إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة التي هي شر الأمكنة وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء لشدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين وَمِنْهُمْ أي المنافقين أبي الأحوص وأصحابه مَنْ يَلْمِزُكَ أي من يعيبك سرا فِي الصَّدَقاتِ قالوا لم يقسم بيننا بالسوية والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت هذه الآية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها أي الصدقات قدر ما يريدون في الكثرة رَضُوا بالقسمة وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها قدر ما يريدون إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) أي يفاجئون السخط فإن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الصدقات وطابت نفوسهم وإن قل وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كفانا ذلك سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ أي سيغنينا الله من فضله برزقه فيعطينا رسول الله ﷺ أكثر مما أعطانا اليوم إِنَّا إِلَى اللَّهِ أي إلى طاعته وإحسانه راغِبُونَ (٥٩) لكان ذلك أعود عليهم.
ونقل أن عيسى ﵇ مرّ بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟
قالوا: الخوف من عقاب الله. فقال: أصبتم. ثم مرّ على قوم آخرين يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟ فقالوا: الرغبة في الثواب. فقال: أصبتم. ومرّ على قوم ثالث مشتغلين بالذكر، فسألهم، فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته فقال: أنتم المحبون المحققون. إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ أي إنما الزكوات مصروفة للفقراء وهم المحتاجون الذين لا يجدون شيئا ولا يسألون الناس وهم أهل صفة مسجد رسول الله ﷺ ، وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس كما قاله ابن عباس، ومن سأل وجد فكان المسكين أقل حاجة وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة لجباية الصدقة وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم وهو قول الشافعي وعبد الله بن عمر وابن زيد.
وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم أصناف:
صنف دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيتألفون ليثبتوا، وآخرون لهم شرف في قومهم يطلب
стр. 452
بتألفهم إسلام نظرائهم وأثبت الشافعي والأصحاب سهم هذين الصنفين وصنف يراد بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفار أو من مانعي الزكاة ويقبضوا زكاتهم، وهذان في معنى الغزاة والعاملين وعلى هذا فيسقط سهم المؤلفة بالكلية لكن يجوز صرفه إليهما كما أفتى به الماوردي وَفِي الرِّقابِ أي وفي فك الرقاب فسهمهم موضوع في المكاتبين ليعتقوا به كما هو مذهب الشافعي والليث بن سعد أو موضوع لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون كما هو مذهب مالك وأحمد وإسحاق.
وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان: نصف للمكاتبين من المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة وَالْغارِمِينَ أي
المديونين في طاعة الله وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ويجوز للغازي أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا كما هو مذهب الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا. ونقل القفال عن بعض الفقهاء: أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن قوله تعالى في سبيل الله عام في الكل وَابْنِ السَّبِيلِ وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة، ويصرف مال الزكاة إلى الأصناف الأربعة:
الأول: حتى يتصرفوا فيه كما شاءوا. وفي الأربعة الأخيرة: لا يصرف المال إليهم بل يصرف المال إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة، ومذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف كما هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير.
وقال الشافعي: لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية كما هو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة والمقصود من هذا التأكيد تحريم إخراج الزكاة عن الأصناف وَاللَّهُ عَلِيمٌ فيعلم بمقادير المصالح حَكِيمٌ (٦٠) لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ.
روي أن جماعة من المنافقين حذام بن خالد وإياس بن قيس، وسماك بن يزيد وعبيد بن مالك، والجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت ذكروا النّبيّ ﷺ بما لا ينبغي من القول ثم قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام يقال له: عامر بن قيس ثم أتى النّبيّ ﷺ وأخبره فدعاهم وسألهم، فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب، وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النّبيّ ﷺ فجعل عامر يدعو ويقول: «اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب» فأنزل الله هذه الآية
ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن أنه ﷺ ليس له ذكاء بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع قُلْ يا أشرف الخلق لهؤلاء المنافقين أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ.
стр. 453
قرأ عاصم في رواية الأعمش، وعبد الرحمن عن أبي بكر عنه «أذن خير» مرفوعين، أي إن كان ﷺ كما تقولون: إنه أذن فأذن يقبل منكم خير لكم من أن يكذبكم. والباقون بالإضافة أي هو أذن خير لا أذن شر، أي يصدقكم بالخير لا بالكذب. ثم بيّن الله كونه ﷺ أذن خير بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ لما قام عنده من الأدلة وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي ويرضى لهم ويصدقهم لما علم فيهم من الخلوص وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي وهو رفق بالذين أظهروا الإيمان منكم حيث لا يكشف أسرارهم.
وقرأ حمزة «ورحمة» بالجر عطفا على خير. وقرأ ابن عامر «ورحمة» بالنصب علة لمحذوف، أي ويأذن لكم رحمة وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بقولهم هو أذن ونحوه لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) في الدنيا والآخرة يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ أي إنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أي والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإرضاء منكم وكان من الواجب أن يرضوهما بالإخلاص والتوبة والمتابعة وإيفاء حقوقه ﷺ في باب الإجلال مشهدا ومغيبا لا بإتيانهم بالأيمان الفاجرة إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) فليرضوا الله ورسوله بالطاعة فإنهما أحق بالإرضاء أَلَمْ يَعْلَمُوا أي أولئك المنافقون جلاس وأصحابه أَنَّهُ أي الشأن مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ أي من يخالف الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ أي فحق أن له نار جهنم أي فيكون نار جهنم له أمر ثابت خالِداً فِيها ذلِكَ أي العذاب الخالد الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) أي الندم الشديد وهي ثمرات نفاقهم يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ أي يخاف المنافقون أن تنزل في شأنهم سورة تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم إذاعة ظاهرة فتنتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال فكأن السورة تخبرهم بها وهم كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يذكر كل شيء ويقول: إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به قُلِ اسْتَهْزِؤُا أي افعلوا الاستهزاء بمحمد والقرآن إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) أي فإن الله مظهر ما تحذرونه من إنزال السورة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
قال الحسن وقتادة: لما سار الرسول إلى تبوك قال المنافقون بينهم: أتراه يظهر على الشام ويأخذ حصونها وقصورها، هيهات هيهات، فعند رجوعه ﷺ دعاهم وقال: أنتم القائلون بكذا وكذا فقالوا: ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وإنما كنا نتحدث ونضحك فيما بيننا قُلْ أَبِاللَّهِ أي بتكاليف الله وَآياتِهِ أي وبالقرآن وبسائر ما يدل على الدين وَرَسُولِهِ محمد ﷺ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي وقد ظهر كفركم للمؤمنين بالطعن في الرسول ﷺ بعد أن كنتم عندهم مسلمين إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً.
стр. 454
قرأ عاصم «نعف» و «نعذب» بالنون مبنيا للفاعل و «طائفة» بالنصب. والباقون «يعف» بالياء و «تعذب» بالتاء بالبناء للمفعول، و «طائفة» بالرفع.
روي أن الطائفتين كانوا ثلاثة فالواحد: طائفة وهو: جهير بن حمير. والاثنان: طائفة وهما وديعة بن جذام، وجد بن قيس. فالذي عفى عنه جهير بن حمير لأنه كان ضحك معهم ولم يستهزئ معهم فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) أي مستمرين على النفاق والاستهزاء فأوجب التعذيب الْمُنافِقُونَ وكانوا ثلاثمائة وَالْمُنافِقاتُ وكن مائة وسبعين بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي متشابهون في صفة النفاق والأفعال الخبيثة يَأْمُرُونَ أي يأمر بعضهم بعضا بِالْمُنْكَرِ أي بالكفر والمعاصي وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ أي عن الإيمان والطاعة وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله نَسُوا اللَّهَ أي تركوا أمر الله فَنَسِيَهُمْ أي فجازاهم بتركهم من رحمته إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) أي الكاملون في الفسق الذي هو الانسلاخ من كل خير وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ أي المجاهرين بالكفر نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فالنار المخلدة من أعظم العقوبات هِيَ حَسْبُهُمْ أي تلك العقوبة كافية ولا شيء أبلغ منها ولا يمكن الزيادة عليها وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أي أهانهم الله بالذم ملحقا بتلك العقوبة وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) غير النار كالزمهرير وكمقاساة تعب النفاق في الدنيا إذ هم دائما في حذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي فعلكم أيها المنافقون كفعل الكفار الذين كانوا قبلكم في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً في الأبدان وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي فتمتعوا مدة بنصيبهم من لذات الدنيا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ أي فأنتم أيها المنافقون استمتعتم بنصيبكم استمتاعا كاستمتاع الكفار الذين من قبلكم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أي وتلبستم بتكذيب الأنبياء في السر وبالمكر والغدر بهم كالتلبس الذي تلبسوا به من تكذيب أنبياء الله والغدر بهم أُولئِكَ الموصوفون بالأفعال الذميمة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي بطلت حسناتهم بسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف، وبسبب الموت في الآخرة بسبب أنهم يعاقبون أشد العقاب وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء فما وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة، وإلا حصول العقاب في الدنيا والآخرة أَلَمْ يَأْتِهِمْ أي
стр. 455
المنافقين نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أي المنقلبات التي جعل الله عالي القرى سافلها أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات فكذبوهم فعجّل الله هلاكهم. والله أهلك قوم نوح بالغرق وعادا- قوم هود- بإرسال الريح العقيم، وثمود- قوم صالح- بإرسال الصيحة والصاعقة، وقوم إبراهيم بالهدم وسلب النعمة عنهم، وبتسليط البعوضة على دماغ نمروذ، وقوم شعيب بالظلة أو بالرجفة، وقوم لوط بالخسف وبجعل عالي أرضهم سافلها وبإمطار الحجارة، وإنما ذكر الله تعالى هذه الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم قريبة من بلاد العرب وهي: الشام، والعراق، واليمن فكانوا يمرون عليها ويعرفون
أخبار أهلها فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بإيصال العذاب إليهم لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) بالكفر وتكذيب الأنبياء
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي الشرك والمعاصي وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي المفروضة بإتمام الأركان والشروط وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ الواجبة عليهم وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في كل أمر ونهي في السر والعلانية أُولئِكَ الموصوفون بهذه الصفات سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ أي يفيض عليهم آثار رحمته، والسين للتوكيد والمبالغة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة حَكِيمٌ (٧١) أي مدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تجري من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً وهي قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وهي أبهى أماكن الجنات وأسناها.
وقال عبد الله بن عمر إن في الجنة قصرا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، وله خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حوراء لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ مما هم فيه إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة.
وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة: «هل رضيتم» فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول: «أنا أعطيكم أفضل من ذلك» . قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» .
وقرأ شعبة «رضوان» بضم الراء. والباقون بالكسر ذلِكَ أي المذكور من الأمور الثلاثة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ أي المجاهرين بالسيف وَالْمُنافِقِينَ أي الساترين كفرهم بظهور الإسلام بإظهار الحجة لا
стр. 456
بالسيف لنطقهم بكلمتي الشهادة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي اشدد على كلا الفريقين بالفعل والقول وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) هي وهذه الجملة مستأنفة لبيان عاقبة أمرهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ بتوافقهم على فتك النّبيّ ﷺ وطعنهم على نبوته وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أي أظهروا الكفر وجاهروا بالحرب بعد أن أظهروا الإسلام وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.
روي أن المنافقين هموا بقتله ﷺ عند رجوعه من تبوك: وهم خمسة عشر رجلا قد اتفقوا على أن يدفعوه ﷺ عن راحلته ليقع في الوادي فيموت، فأخبره الله بما دبروه، فلما وصل إلى العقبة التي بين تبوك والمدينة نادى مناديه بأمره: إن رسول الله يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد غيره، واسلكوا يا معشر الجن بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع فسلك الناس بطن الوادي، وسلك النّبيّ ﷺ العقبة وكان ذلك في ليلة مظلمة فجاء المنافقون وتلثموا وسلكوا العقبة، وكان النبي قد أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام ناقته ويقودها، وأمر حذيفة أن يسوقها من خلفها.
فبينما النبي يسير في العقبة إذ زحمه المنافقون فنفرت ناقته حتى سقط بعض متاعه، فصرخ بهم، فولوا مدبرين وعلموا أنه اطلع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي، واختلطوا بالناس، فصار حذيفة يضرب الناقة فقال له النبيّ: «هل عرفت أحدا منهم» . قال: لا، فإنهم كانوا متلثمين والليلة مظلمة. قال: «هل علمت مرادهم؟» قال: لا، قال النبي: «إنهم مكروا وأرادوا أن يسيروا معي في العقبة فيزحمونني عنها وإن الله أخبرني بهم وبمكرهم» «١» فلما أصبح جمعهم وأخبرهم بما مكروا به فحلفوا بالله ما قالوا بتكذيب النبي ونسبه إلى التصنع في ادعاء الرسالة، ولا أرادوا فتكه، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ أي وما أنكروا على رسول الله ﷺ شيئا من الأشياء إلا أغناه الله تعالى إياهم من فضله فإن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النّبيّ ﷺ المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحرزون الغنيمة، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفا فاستغنى، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له ﷺ مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله فعملوا بضد الواجب، فوضعوا موضع شكره ﷺ إن كرهوه وعابوه فَإِنْ يَتُوبُوا من النفاق كما وقع للجلاس بن سويد فإنه تاب وحسنت توبته يَكُ أي التوب خَيْراً لَهُمْ في الدارين وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي يعرضوا عن التوبة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا بقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم، واغتنام أموالهم لأنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب فيحل قتالهم وَالْآخِرَةِ بالنار وغيرها من أفانين العقاب وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مع سعتها مِنْ وَلِيٍّ أي حافظ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) ينقذهم من العذاب
стр. 457
وَمِنْهُمْ أي المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا بإجرامهم على العهد وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) بقلوبهم عن أوامر الله تعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ أي فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم أي فارتدوا عن الإسلام وصاروا منافقين إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ أي إلى يوم موتهم الذين يلقون فيه جزاء عملهم وهو يوم القيامة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ أي بسبب إخلافهم الله الوعد من التصدق والصلاح وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أي وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في وعدهم.
روي أن ثعلبة بن حاطب كان صحيح الإسلام في ابتداء أمره وصار منافقا في آخر أمره وكان ملازما لمسجد رسول الله ﷺ حتى لقب بحمامة المسجد، ثم رآه النّبيّ ﷺ يسرع الخروج من المسجد عقب الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : «ما لك تفعل فعل المنافقين؟» فقال: إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب أجيء به للصلاة، ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فجاء ثعلبة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال ﷺ : «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أم يرزقني مالا فقال له رسول الله: «أما لك في أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا من أوديتها فجعل يصلي الظهر والعصر مع رسول الله، ويصلي في غنمه باقي الصلوات، ثم نمت وكثرت فتباعد من المدينة حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ثم نمت وكثرت حتى تباعد وترك الجمعة فإذا كان يوم الجمعة يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار ثم سأل رسول الله فأخبر بخبره فقال: «يا ويح ثعلبة ثلاثا» فنزل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣] فبعث ﷺ رجلين من بني سليم ومن بني جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة وقال لهما: «مرّا على ثعلبة بن حاطب فخذا صدقاته» فأتياه وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال لهما: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية فلم يدفع الصدقة، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا فأتى رسول الله ﷺ وسأله أن يقبل صدقته فقال: «إن الله منعني من قبول ذلك» فجعل يحثوا التراب على رأسه فقال ﷺ : «قد قلت لك فما أطعتني»
«١» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ ثم أتى أبا بكر بصدقته، فلم يقبلها اقتداء برسول الله ﷺ ، ثم جاء بهما إلى عمر أيام
стр. 458
خلافته فلم يقبلها، فلما ولي عثمان أتاه بها فلم يقبلها، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان وإنما امتنع رسول الله ﷺ من أخذ تلك الصدقة لأن المقصود من
الأخذ غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه لقوله تعالى:
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣] أَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وهو ما تنطوي عليه صدورهم وَنَجْواهُمْ وهو ما يفاوض به بعضهم بعضا فيما بينهم وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) أي ما غاب عن الخلق الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ أي ويطعنون على الذين لا يجدون إلا طاقتهم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ أي ويهزئون بالفريق الأخير بقلة الصدقة سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وهذه الجملة خبر للموصول.
وقال الأصم: أي قبل الله من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع أنه لا يثيبهم عليها فكان ذلك كالسخرية.
وقال ابن عباس: فتح الله لهم في الآخرة بابا إلى الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) . قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ خطبهم ذات يوم وحث على أن يجمعوا الصدقات، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وجاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل عبد الرحمن بن تيحان بصاع من تمر فأمر رسول الله ﷺ بوضعه في الصدقات. فقال المنافقون على وجه الطعن: ما جاءوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاع ليذكر مع سائر الأكابر والله غني من صاعه فأنزل الله تعالى هذه الآية اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
روي أنه لما نزلت الآيات المتقدمة في المنافقين وظهر نفاقهم للمؤمنين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون وقالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فقال رسول الله ﷺ : «سأستغفر لكم» واشتغل بالاستغفار لهم، فنزلت هذه الآية، فترك رسول الله ﷺ الاستغفار
. وهذا الأمر تخيير له ﷺ في الاستغفار وتركه، ومعناه إخبار باستواء الأمرين أي إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم فاستغفارك لهم وعدمه سواء إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين والسبعمائة في التكبير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنها العدد بأسره فإن عدة مراتبه سبعة آحاد، عشرات مئين، آحاد ألوف، عشرات ألوف، مئين ألوف، آحاد ألوف، الألوف والسبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض، والبحار، والأقاليم، والنجوم، والأيام، والأعضاء هو هذا العدد ذلِكَ أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد المبالغة في الاستغفار بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي بسبب كفرهم لا لعدم الاعتداد بالاستغفار وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) أي فإن تجاوزهم عن الحدود مانع من الهداية
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ أي الذين تركهم النّبيّ ﷺ بِمَقْعَدِهِمْ أي في المدينة خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 459
أي مخالفة رسول الله ﷺ حيث سار إلى تبوك للجهاد وأقاموا في المدينة وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإن في المجاهدة إتلاف النفس والمال وَقالُوا لإخوانهم أو للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد، ونهيا عن المعروف لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ أي لا تخرجوا إلى الجهاد في الحر الشديد قُلْ تجهيلا لهم: نارُ جَهَنَّمَ التي ستدخلونها بما فعلتم أَشَدُّ حَرًّا مما تحذرون من الحر المعتاد وتحذرون الناس منه لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) أن بعد هذه الدار دارا أخرى، وأن بعد هذه الحياة الدنيا حياة أخرى فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً وهذا إخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ورد بصيغة الأمر أي إنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم وحزنهم في الآخرة، لأن الدنيا بأسرها قليلة وعقابهم في الآخرة دائم لا ينقطع جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) في الدنيا من النفاق فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ من غزوة تبوك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ أي المنافقين في المدينة فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك فَقُلْ لهم يا أشرف الخلق: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً في سفر من الأسفار وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا من الأعداء إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ عن الغزو أَوَّلَ مَرَّةٍ وهي غزوة تبوك فَاقْعُدُوا عن الجهاد مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) أي النساء والصبيان والرجال العاجزين وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي لا تقف عليه للدفن أو للدعاء فإنه ﷺ كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله في السر مدة حياتهم وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) أي متمردون في الكفر بالكذب والخداع والمكر.
عن ابن عباس ﵄ إنه لما اشتكى عبد الله بن أبي سلول عاده رسول الله ﷺ فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول الله ﷺ يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني، فرده وطلب منه الذي يلي جلده ليكفن فيه فأرسله إليه، فقال عمر ﵁: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟! فقال ﷺ : «إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام» . وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله فإنه رأسهم فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه أسلم منهم يومئذ ألف، فلما مات عبد الله جاء رسول الله ﷺ ابنه- واسمه عبد الله- فإنه كان من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاما، وأكثرهم عبادة، وأشرحهم صدرا، يعرفه ﷺ لعبد الله: «صل عليه وادفنه» «١» . فقال: يا رسول الله إن لم تصل عليه لم يصل عليه مسلم، فقام ﷺ ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه،
стр. 460
فنزلت هذه الآية فامتنع ﷺ من الصلاة عليه وإنما دفع القميص إليه تطييبا لقلب ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإكراما له، لأنه كان من الصالحين، ولأن العباس عم رسول الله ﷺ لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكان رجلا طويلا فكساه عبد الله بن أبي قميصه بأمره ﷺ .
وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ بتمتيعهم بالأموال والأولاد أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا بمكابدتهم الشدائد في شأنها وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن مشتملة على الأمر أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ في التخلف عن الغزو أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ أي ذوو السعة في المال والقدرة على الجهاد بالبدن من رؤساء المنافقين عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قيس وَقالُوا ذَرْنا يا محمد نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) أي من الضعفاء من الناس، والساكنين في البلد بغير عذر رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ أي مع النساء اللاتي يلزمن البيوت وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي منعت من حصول الإيمان فَهُمْ بسبب ذلك لا يَفْقَهُونَ (٨٧) أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي إن تخلف هؤلاء المنافقون عن العزو فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقادا وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ أي منافع الدارين: النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أي المتخلصون من السخط والعذاب أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ أي هيأ لهم في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي مقيمين في الجنة ذلِكَ أي نيل الكرامة العظمى الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) الذي لا فوز وراءه وَجاءَ إليك يا أشرف الخلق الْمُعَذِّرُونَ أي الذين أتوا بأعذار كاذبة وتكلفوا عذرا بباطل مِنَ الْأَعْرابِ أي من بني غفار لِيُؤْذَنَ لَهُمْ بالتخلف عن غزوة تبوك فلم يعذرهم الله وَقَعَدَ عن الجهاد بغير إذن الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في ادعائهم الإيمان وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا إلى الرسول ولم يعتذروا. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي المعذرين لا من أسلم منهم عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ كالشيوخ وَلا عَلَى الْمَرْضى من الشباب وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ في الجهاد من الزاد والراحلة لفقرهم كمزينة وجهينة وبني عذرة حَرَجٌ أي إثم في التخلف عن الجهاد إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي آمنوا بهما وأطاعوا لهما في السر والعلن ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي ليس عليهم طريق إلى ذمهم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) أي وليس على من أتوك يسألوك أن تحملهم إلى غزوة تبوك، ثم خرجوا من عندك يبكون لعدم وجدان ما ينفقون في الجهاد سبيل في لومهم، ولذلك سموا البكائين، وهم سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير،