الانقياد لتكاليف الله وترك التمرد، والإيمان هو معرفة القلب بأن واجب الوجود لذاته واحد وما سواه محدث تحت تصرفه وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله تعالى فَقالُوا مجيبين له ﵇: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ولا نلتفت إلى أحد سواه، ثم دعوا ربهم قائلين رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) أي لا تجعلنا مفتونين لهم أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) أي خلصنا برحمتك من أيدي فرعون وقومه ومن سوء جوارهم وشؤم مصاحبتهم وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً أي اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي مصلى وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ في بيوتكم إن موسى ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم لئلا يظهروا على الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة على هذه الحالة وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) بالنصر في الدنيا وبالجنة في العقبى وخصّ الله تعالى موسى بالبشارة، لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تبع له. وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ أي أشراف قومه زِينَةً أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها. وَأَمْوالًا كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ دعا عليهم بلفظ الأمر. والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ.
قال ابن عباس: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا وجعل سكرهم حجارة وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اجعلها قاسية ومربوطة حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان فَلا يُؤْمِنُوا جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على «ليضلوا» حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) وإذا دعا موسى عليهم بهذا الدعاء لما علم أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم. قالَ الله لموسى وهارون: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فموسى كان يدعو هارون كان يؤمن والتأمين دعاء، وحصول المدعو به بعد أربعين سنة لأن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة فَاسْتَقِيما أي فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) بعادات الله تعالى في تعليق الأمور بالمصالح والحكم، أي ولا تسلكا طريق الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال، والاستعجال وعدم الوثوق بوعد الله يصدران من الجهال. وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي جعلناهم مجاوزين بحر السويس بأن جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط.
قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه على يوسف وهم اثنان وتسعون، وخرج بنوه مع
стр. 492
موسى من مصر وهم ستمائة ألف، وذلك لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر فخرجوا، وقد كان فرعون غافلا عن ذلك، فلما سمع بخروجهم خرج بجنوده في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى: أين المخلص والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق، فقطعه موسى وبنو إسرائيل، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم، وكان معه ثمانية آلاف حصان على لون حصانه سوى سائر الألوان، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى وميكائيل يسوقهم حتى لا يشذ منهم أحد، فدنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون من أمره شيئا فنزل البحر وتبعه جنوده حتى إذا اكتملوا جميعا في البحر وهمّ أولهم بالخروج انطبق البحر عليهم فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً أي مفرطين في محبة قتلهم ومجاوزين الحد حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي بأن الشأن لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) أي الذين أسلموا نفوسهم لله
فقال له جبريل: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) أي آلآن تؤمن وتتوب وقد صنعت التوبة في وقتها، وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، وقد كنت من الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان، ولم يقبل ذلك من فرعون لأنه إنما آمن عند نزول العذاب وإنما أقر بعزة الربوبية ووحدانية الله تعالى ولم يقر بنبوة موسى ولأن ذلك الإقرار كان مبينا على محض التقليد وهو كان دهريا منكرا لوجود الصانع، وإنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها.
وقرئ «ننجيك» بالحاء أي نلقيك بناحية الساحل لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل إذ قالوا: ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم ولما حصل في قلوبهم من الرعب من أجله فأمر البحر فألقاه على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، وقرئ «لمن خلفك» فعلا ماضيا أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم نكالا من الطغيان، وقرئ «لمن خلفك» بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته فإن إفراده تعالى إياك بالإلقاء إلى الساحل لإبطال دعوى ألوهيتك لأن الإله لا يموت وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) أي لا يتفكرون فيها وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي أسكناهم بعد ما أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر بلاد البركة والخصب، وأورثهم الله جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي اللذائذ فَمَا اخْتَلَفُوا في أمر دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي حتى قرءوا التوراة فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ
(٩٣) فيميز المحق من المبطل، والصديق من الزنديق فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ أي القرآن مِنْ رَبِّكَ في خبر الأولين فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) أي
стр. 493
الشاكين وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) أنفسا وأعمالا وهذا كله خطاب للنبي ظاهر، أو المراد به غيره ممن عنده شك، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه يوجه الخطاب على ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم. وقيل: هذا الخطاب ليس مع الرسول ﷺ وذلك أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره، الشاكون فيه فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته وهم عبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي ثبت عليهم حكمه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) أبدا إذ لا كذب في كلامه وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ أي ولو جاءتهم الدلالة التي لا حصر لها لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) كدأب آل فرعون وأشباههم فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.
قال أبو مالك صاحب ابن عباس: كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر «لولا» فمعناه هلا إلا حرفين فلولا كانت قرية آمنت فمعناه فما كانت قرية آمنت فلولا كان من القرون من قبلكم فمعناه فما كان من القرون وتقدير الآية فما كان أهل قرية آمنوا فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس لما آمنوا أول ما رأوا أمارة العذاب صرفنا عنهم العذاب في الحياة الدنيا وَمَتَّعْناهُمْ بمتاع الدنيا بعد صرف العذاب عنهم إِلى حِينٍ (٩٨) أي إلى وقت انقضاء آجالهم.
روي أن يونس ﵇ بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة وكان يونس قال لهم: إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود هائل فظهر منه دخان شديد، وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة، وسوّد سطوحهم، فخرجوا إلى الصحراء، وفرقوا بين النساء وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات، وكثرت التضرعات، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم، وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة. وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وخرج يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا فقيل له: ارجع إلى قومك. قال:
وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا وكان كل من كذب ولا بينة له قتل فانصرف عنهم مغاضبا فالتقمه الحوت وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أي مجتمعين على الإيمان لا
стр. 494
يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ على ما لم يشأ الله منهم حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) أي لا قدرة لك على التصرف في أحد وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما يتأتى لنفس واحدة أن يقع بها إيمان في وقت ما إلا بإرادة الله وبإقداره عليه وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ أي الكفر عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) أي الذين لا يستعملون عقولهم بالنظر في الدلائل والمضارع بمعنى الماضي وهو معطوف على مقدر، والتقدير فأذن الله لبعضهم في الإيمان وجعل الكفر لبعض آخر
قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قل يا أشرف الخلق مخاطبا لأهل مكة: تفكروا أيّ شيء بديع في السموات والأرض من عجائب صنع الله الدالة على وحدته وكمال قدرته وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) وما تنفع الدلائل السماوية والأرضية والرسل المنذرون عن قوم لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه. فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أي فما ينتظر المشركون إلا عذابا مثل عذاب الأمم الماضية من الكفار قُلْ فَانْتَظِرُوا نزول العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) لذلك ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا أي أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلة إليهم وَالَّذِينَ آمَنُوا لأن العذاب لا ينزل إلا على الكفار كَذلِكَ أي مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومن آمن بهم حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) بك يا أشرف الخلق من كل شدة وعذاب وجب ذلك علينا وجوبا بحسب الوعد والحكم لا بحسب الاستحقاق، لأن العبد لا يستحق على خالقه شيئا قُلْ لجمهور المشركين: يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الذي أدعوكم إليه، أي إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ في وقت من الأوقات وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ يقبض أرواحكم ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) بما دل عليه العقل ونطق به الوحي وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي وأمرت بتوجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين وبالاستقامة في الدين بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح وباستقبال القبلة في الصلاة حَنِيفاً أي مائلا إلى الدين ميلا كليا معرضا عمّا سواه إعراضا كليا فقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان. وقوله:
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) أي وأمرت بأن لا ألتفت إلى غير ذلك الدين فمن عرف مولاه والتفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك الالتفات شركا هذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي لا تعبد من غير الله ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فلا نافع إلا الله ولا ضار إلا الله، ولا حكم إلا لله، ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله وهذه الجملة عطف على جملة الأمر وهي أقم فتكون داخلة في صلة أن المصدرية فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) أي لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الواضعين للشيء في غير موضعه وطلب الشبع من الأكل،
стр. 495
والري من الشرب لا يقدح في الإخلاص لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله لذلك لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى الله إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الله فحينئذ يرى ما سوى الله عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده تعالى وفيض إحسانه عاليا على الكل وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ أي إن يصبك بضر كمرض وفقر فَلا كاشِفَ لَهُ أي فلا رافع لذلك الضر إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ أي وإن يرد أن يصيبك بخير فلا دافع لعطيته الذي أرادك به ولم يستثن الله تعالى مع الإرادة، لأن إرادة الله تعالى قديمة لا تتغير بخلاف مس الضر فإنه صفة فعل.
قال الرازي: وتقديم الإنسان في اللفظ وهو المشار إليه بالخطاب دليل على أن المقصود هو الإنسان أما سائر الخيرات فهي مخلوقة لأجله يُصِيبُ بِهِ أي يخص بالفضل الواسع المنتظم لما أرادك به من الخير مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ممن كان أهلا لذلك وَهُوَ الْغَفُورُ أي البالغ الستر للذنوب الرَّحِيمُ (١٠٧) أي البالغ في الإكرام قُلْ مخاطبا لأولئك الكفرة لأجل أن تنقطع معذرتهم يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام فَمَنِ اهْتَدى بالإيمان به فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي فمنفعة اهتدائه لها خاصة وَمَنْ ضَلَّ بالإعراض عنه فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي فوبال الضلال مقصور على نفسه وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير فلا يجب على السعي في إيصالكم إلى الثواب وفي تخليصكم من العذاب وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ أي يؤمر لك في القرآن من تبليغ الرسالة وَاصْبِرْ على ما يطرأ عليك من مشاق التبليغ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بالأمر بالقتال وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) فحكم بالجهاد وبالجزية على أهل الكتاب وأنشد بعضهم في الصبر شعرا فقال:
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر
стр. 496
سورة هود
مكية، مائة وثلاث وعشرون آية، ألف وتسعمائة وسبع وأربعون كلمة، سبعة آلاف وثمانمائة وتسعة عشر حرفا
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي نظمت نظما رصيفا متقنا ثُمَّ فُصِّلَتْ أي جعلت فصولا من دلائل التوحيد والنبوة، والأحكام، والمواعظ، والقصص مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) صفة ثانية لكتاب أو صلة للفعلين كأنه تعالى يقول: أحكمت آياته من عند حكيم أي واضع الشيء بالحكمة وفصلت آياته من عند خبير أي عالم بكيفيات الأمور أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ف «أن» تفسيرية لفصلت فإنها في معنى القول إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ أي من جهة الحكيم الخبير نَذِيرٌ بعذابه إن عبدتم غير الله تعالى وَبَشِيرٌ (٢) بثوابه إن تمحضتم في عبادته وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ معطوف على أن لا تعبدوا ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي اطلبوا من ربكم ستر ما سلف منكم من الشرك ثم أقبلوا إليه بالطاعة والإخلاص يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي يعشكم عيشا مرضيا إلى وقت مقدر عند الله تعالى وهو آخر أعماركم فمن أخلص لله في القول والعمل عاش في أمن من العذاب وراحة مما يخشاه، ومن اشتغل بمحبة الله كان انقطاعه عن الخلق أكمل وسروره أتم لأنه آمن من زوال محبوبه ومن كان مشتغلا بحب غير الله كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وَيُؤْتِ أي يعط في الدنيا وفي الآخرة كُلَّ ذِي فَضْلٍ في الإسلام والطاعة فَضْلَهُ أي ثوابه وَإِنْ تَوَلَّوْا أي تعرضوا عمّا ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ بموجب الشفقة عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) هو يوم القيامة إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ثم البعث للجزاء وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) فيقدر على تعذيبكم بأفانين العذاب أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ أي تنبه أن الكفار يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى حين يغطون رؤوسهم بثيابهم للاستخفاء.
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق وأصحابه من منافقي مكة وكان رجلا حلو المنطق، حسن المنظر، يظهر لرسول الله ﷺ ويضمر في قلبه العداوة يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ
стр. 497
في قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) أي إنّه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدرهم فلا فائدة لهم في استخفائهم وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها أي غذاؤها اللائق بها.
روي أن موسى ﵇ تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة، ثم ضرب بعصاه فانشقت وخرجت صخرة ثانية، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة، وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها ورفع الله الحجاب عن سمع موسى ﵇ فسمع الدودة تقول سبحان من يراني وسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها أي مكانها في الأرض قبل الموت وبعده وَمُسْتَوْدَعَها أي موضعها قبل الاستقرار من صلب أو رحم بيضة كُلٌّ من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها وأحوالها فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) أي ثابت في علم الله ومذكور في اللوح المحفوظ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي خلق السموات في يومين، والأرض في يومين، وما عليها من أنواع الحيوانات والنبات وغير ذلك في يومين وَكانَ عَرْشُهُ قبل خلقهما عَلَى الْماءِ
قال ﷺ : «كان الله وما كان معه شيء، ثم كان عرشه على الماء»
«١» أي والعرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه وذلك يدل على كمال قدرته تعالى لِيَبْلُوَكُمْ أي خلق السموات والأرض وما فيهما ورتب فيها جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معايشكم وأودع فيهما ما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يختبركم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فإن لكل من القلب والقالب عملا مخصوصا به وَلَئِنْ قُلْتَ يا أشرف الخلق لأهل مكة إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ أي محيون مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أي ما هذا القول إلا خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الاعتقاد لكم والدخول تحت طاعتكم.
وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» أي كاذب وحينئذ فاسم الإشارة عائد على النبي أو القرآن وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الذي هددهم الرسول الله ﷺ به إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ أي إلى انقراض جماعة من الناس بعد هذا التهديد بالقول لَيَقُولُنَّ بطريق الاستعجال استهزاء ما يَحْبِسُهُ
стр. 498
أي أيّ شيء يمنع العذاب من المجيء إلينا أَلا أي تنبهوا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ أي العذاب لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ أي فلا يرفع رافع أبدا عذاب الآخرة ولا يدفع عنهم دافع عذاب الدنيا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) أي أحاط بهم ذلك العذاب وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً أي أعطيناه نعمة كغنى وصحة ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ أي قاطع رجاءه من عود أمثالها لقلة صبره وعدم ثقته بالله كَفُورٌ (٩) أي عظيم الكفران لما سلف من النعم وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ كصحة بعد سقم وفرج بعد شدة لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي أي المصائب التي تحزنني إِنَّهُ لَفَرِحٌ أي بطر بالنعم مغتر بها فَخُورٌ (١٠) على الناس بما أوتي من النعم مشغول بذلك عن الشكر
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا عند البلاء استسلاما لقضاء الله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ عند الراحة والخير شكرا على ذلك أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ عظيمة لذنوبهم وإن جمت وَأَجْرٌ أي ثواب كَبِيرٌ (١١) لأعمالهم الحسنة فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ فلعل للزجر وللتبعيد أي لا تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك من البينات الدالة على حقيقة نبوتك ولا يضق صدرك بتلاوته عليهم في أثناء الدعوة والمحاجة كراهة أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي على محمد كَنْزٌ أي مال كثير مخزون يدل على صدقه أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يصدقه.
والمعنى لا تترك التبليغ ولا يضق صدرك به بسبب قول القوم لك إن كنت صادقا في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وبأنك عزيز عنده مع إنك فقير فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكدر والعناء وإن كنت صادقا فهلا أنزل عليك ملكا يشهد لك بالرسالة فتزول الشبهة في أمرك فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق فنزل قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ فلا تبال بما صدر عنهم من الرد والقبول وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أي حفيظ فتوكل عليه في جميع أمورك فإنه فاعل بهم ما يليق بحالهم أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي بل أيقولون افترى محمد القرآن من تلقاء نفسه وليس من عند الله قُلْ لهم إرخاء للعنان: إن كان الأمر كما تقولون فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ أي القرآن في البلاغة وحسن النظم مُفْتَرَياتٍ من عند أنفسكم فإنكم أقدر ذلك مني لأنكم عرب فصحاء ممارسون للأشعار، ومزاولون أنواع النظم والنثر وَادْعُوا للمعاونة في المعارضة مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من الأصنام والكهنة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) في ادعاء كون القرآن مفترى على الله فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا أي من تدعونهم من دون الله لَكُمْ أيها الكفار في الإعانة على المعارضة فَاعْلَمُوا يا معشر الكفار أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ أي إن الذي أنزل ملتبس بعلم الله أي هو من عند الله إذ لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه ثبت أنه من عند الله وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي واعلموا أنه لا شريك له في الألوهية ولا يقدر على ما يقدر هو عليه أحد، أي لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقا وثبت كون محمد ﷺ صادقا في دعوى الرسالة وفي خبره أنه لا إله إلا الله فَهَل
стр. 499
أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
(١٤) أي فهل أنتم داخلون في الإسلام. والمعنى فإن لم يستجب لكم آلهتكم وسائر من إليهم تجأرون في ملماتكم إلى المعاونة فاعلموا أن القرآن خارج عن دائرة قدرة البشر وأنه منزل من خالق القوى والقدر، واعلموا أيضا أن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة في الألوهية فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام هذه الحجة القاطعة مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها بعمل الخير من العبادات وإيصال المنفعة إلى الحيوانات نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها أي نوصل إليهم ثمرات أعمالهم في الحياة الدنيا كاملة وَهُمْ فِيها أي في الحياة الدنيا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أي لا ينقصون نقصا كليا ولا يحرمون من ذلك حرمانا كليا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد ونحو ذلك أُولئِكَ أي المريدون لزينة الدنيا الموفون فيها ثمرات أعمالهم الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ بسبب هذه الأعمال الفاسدة المقرونة بالرياء.
روي أن رسول الله ﷺ قال: «تعوذوا بالله من جب الحزن» قيل: وما جب الحزن؟ قال:
«واد في جهنم يلقى فيه القراء والمراؤون»
«١» .
وقال ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه»
«٢» . وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وهذا إن تعلق بحبط، فالضمير عائد على «الآخرة» ، أي وظهر في الآخرة حبط ما صنعوه من الأعمال وإن تعلق «بصنعوا» فالضمير يعود على الحياة الدنيا أي وحبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) فباطل إما خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر، أو عطف على الخبر وما بعده فاعل له، ويرجح هذا قراءة زيد بن على وبطل ما كانوا يعملون على صيغة الماضي معطوف على حبط أي ظهر بطلان عملهم في نفسه في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية.
وقرئ «وباطلا» ما كانوا يعملون على أن ما إبهامية أو في معنى المصدر أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أي أفمن كان على برهان من ربه عرف به صحة الدين الحق ويتبع ذلك البرهان شاهد من ربه وهو القرآن ويتبع ذلك البرهان من قبل مجيء الشاهد الذي هو القرآن شاهد آخر وهو كتاب موسى حال كونه مقتدى به في الدين وسببا لحصول الرحمة لأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها في أنهم ليس لهم في الآخرة إلا النار، لا بل بين الفريقين تباين بين فالحاصل أنه اجتمع في تثبيت صحة هذا الدين أمور ثلاثة:
стр. 500
أولها: دلالة الدلائل العقلية اليقينية على صحته.
وثانيها: شهادة القرآن بصحته.
وثالثها: شهادة التوراة بصحته فعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه فلا يبقى في صحته شك أُولئِكَ أي الموصوفون بالصفات الحميدة يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن كعبد الله بن سلام وغيره ممن اتصف بتلك الصفات وهذا الفريق ليس له في الآخرة إلا الجنة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالقرآن مِنَ الْأَحْزابِ أي أصناف الكفار فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أي مكان وعده وهي التي فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب.
روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النّبيّ ﷺ قال: «لا يسمع ابن يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» .
قال أبو موسى: فقلت في نفسي: إن النّبيّ ﷺ لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن فوجدت الله تعالى يقول: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ من أن مصير من كفر بالقرآن النار أن هذا الوعد هو الثابت ممن يريبك في دينك ودنياك والخطاب للنبي. والمراد غيره وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) بذلك إما لاختلال أفكارهم وإما لعنادهم وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن نسب إيه ما لا يليق به كقولهم في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله أُولئِكَ الموصوفون بالافتراء على الله تعالى يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عرضا تظهر به فضيحتهم أي يساقون إلى الأماكن المعدة للحساب والسؤال وَيَقُولُ الْأَشْهادُ من الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم في الدنيا والأنبياء عند العرض هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ بالافتراء عليه ثم لما أخبر الله تعالى عن حالهم في القيامة أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) بالتزام الكفر والضلال أي إنهم في الحال الملعونون من عند الله الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الذين يمنعون من الدين الحق كل من يقدرون على منعه بإلقاء الشبهات وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي يطلبون سبيل الله زيغا بتعويج الدلائل المستقيمة وَهُمْ أي والحال أنهم بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أي بالبعث بعد الموت جاحدون أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي لا يمكنهم أن يفلتوا بأنفسهم من عذاب الله بالهرب من الأرض مع سعتها إن أراد الله تعذيبهم وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي أنصار يدفعون عذاب الله عنهم أي إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب بالفرار ونحوه، ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع العذاب عنهم كما زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله بل لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة كما قال تعالى: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ أي فيعذبون في الآخرة على ضلالهم في أنفسهم وعلى إضلالهم غيرهم، وهذا غير خارج عن قوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام: ١٦٠] .
стр. 501
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالتشديد ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) وهذا تعليل لمضاعفة العذاب أي لأنهم كانوا عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
أي فإنهم اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله تعالى وهذا أعظم وجوه الخسران وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
(٢١) من شفاعة الأصنام لهم فلم يبق معهم غير الندامة لا جَرَمَ أي لا بد أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) بذهاب الجنة وما فيها أي أنهم أخسر من كل خاسر لأنهم أظلم من كل ظالم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أي إن الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، وأتوا بالأعمال الصالحات، واطمأنت قلوبهم عند أداء الأعمال إلى ذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى، واطمأنت إلى صدق وعد الله بالثواب على تلك الأعمال وخافت قلوبهم من أن يكونوا أتوا بتلك الأعمال مع وجود الإخلال ومن أن لا تكون مقبولة أُولئِكَ المنعوتون بتلك النعوت الجميلة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) أي دائمون مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ أي صفة الكافر كصفة شخص متصف بالعمى والصمم فلا يهتدى لمقصوده، وصفة المؤمن كصفة شخص متصف بالبصر والسمع فاهتدى لمطلوبه هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أي صفة وحالا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) أي أتشكون في عدم الاستواء ولا تتعظون بأمثال القرآن فتؤمنوا وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ للعصاة من العقاب مُبِينٌ (٢٥) أي بين النذارة، فأبين لكم طريق الخلاص من العذاب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «أني» بفتح الهمزة أي متلبسا بالإنذار. والباقون بالكسر على معنى فقال: إني لكم. أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بدل من «أني لكم» إلخ. على قراءة الفتح ومجرور بالباء المقدرة التي للتعدية المتعلقة بأرسلنا إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) في الدنيا أو في الآخرة فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي الأشراف منهم ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا أي ما نعلمك إلا آدميا مثلنا ليس فيك مزية تخصك بوجوب الطاعة علينا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا أي أخساؤنا كالحجامين والنساجين والأساكفة بادِيَ الرَّأْيِ.
قرأ أبو عمرو ونصر عن الكسائي «بادئ» بالهمزة. والباقون بالياء ونصبه على الظرفية أي في ابتداء حدوث الرأي ولو احتاطوا في الكفر ما اتبعوك أو في ظاهر رأي العين وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي لا نرى لك ولمن تبعوك بعد الاتباع فضلا علينا لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) أي بل نظنك يا نوح في دعوى النبوة، ونظن أصحابك كاذبين في تصديق نبوتك قالَ أي نوح: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على برهان عقلي في معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ أي نبوة ومعجزة دالة على النبوة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أي وصار ذلك البرهان مشكوكا في عقولكم.
стр. 502
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «فعميت» بضم العين وتشديد الميم. والباقون بفتح العين وتخفيف الميم أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) أي فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفة ذلك البرهان وأنتم منكرون له. والمعنى أنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضيلة على سائر الناس أخبروني إن امتزت عنكم بحيازة فضيلة من ربي وهي دليل العقل وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفي عليكم دليل العقل ولم تنالوه، ولم تعلموا حيازتي لها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها، والحال أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهام لطلب الإقرار وحاصل الكلام أنهم لما قالوا وما نرى لكم علينا من فضل ذكر نوح ﵇ أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهور المقصود وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلا عظيما وأنا لا أقدر على إعطاءكم الإلهام والمعرفة في تلك الحجة وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الله وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي قال نوح ﵇: أنا لا أطلب منكم على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا وغنيا، وما أجري على هذه الطاعة إلا على رب العالمين، وإن ظننتم أني إنما اشتغلت بهذا التبليغ لأجل أخذ أموالكم فهذا الظن منكم خطأ، وإنما أسعى في طلب الدين لا في طلب الدنيا وهذا يوجب فضلي عليكم، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا بقولكم لي: امنع واطرد هؤلاء الأسافلة عنك ونحن نتبعك فإنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله تعالى فإن طردتهم استخصموني في الآخرة عنده فأعاقب على طردهم وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) إن منزلة المؤمنين عند الله تعالى أعلى وإن طردهم يوجب غضب الله تعالى وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي بدفع نزول سخطه عني إِنْ طَرَدْتُهُمْ فإن الطرد ظلم موجب للسخط قطعا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) أي أتأمرونني بطردهم فلا تتعظون بما أقول لكم
وَلا أَقُولُ لَكُمْ حين أدعي النبوة عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ أي رزقه وأمواله وهذا رد لقولهم: وما نرى لكم علينا من فضل كالمال وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي ولا أقول:
إني أعلم الغيب حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد، وهذا رد لقولهم: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم وفي الباطن لم يتبعوك فقال نوح لهم: إني إنما أعول على الظاهر لا أعلم الغيب فأحكم به وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ رد لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا فكأن نوحا قال: أنا لم أدّع الملكية حتى تقولوا ذلك. أي إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي والحال أني لا أدعي شيئا من ذلك ولا الذي أدعيه يتعلق بشيء منها، وإنما يتعلق بالفضائل النفسية التي بها تتفاوت مقادير البشر وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ أي ولا أقول كما تقولون في حق الذين تحتقرهم أعينكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً أي هداية
стр. 503
وأجرا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ أي بما في قلوبهم من الإيمان إِنِّي إِذاً أي إذا قلت ذلك لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) لنفسي ولهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله أعطاهم خيري الدارين قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا أي فأتيت بأنواع الجدال فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) فيما تقول قالَ أي نوح إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ أي إن الإتيان بالعذاب الذي تستعجلونه أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله تعالى إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) أي بمانعين من العذاب بالهرب أو بالمدافعة كما تدفعونني في الكلام وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أي إن كان الله يريد أن يضلكم عن الهدى فإن أردت أن أحذركم من عذاب الله وأدعوكم إلى التوحيد لا ينفعكم دعائي إلى التوحيد وتحذيري إياكم من عذاب الله. هُوَ رَبُّكُمْ أي مالك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وَإِلَيْهِ تعالى تُرْجَعُونَ (٣٤) بعد الموت فيجازيكم على أعمالكم أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي بل أيقول قوم نوح: إن نوحا افترى بما أتانا به من عند نفسه مسندا إلى الله تعالى. قُلْ يا نوح: إِنِ افْتَرَيْتُهُ أي إن اختلقت الوحي الذي بلغته إليكم من تلقاء نفسي فَعَلَيَّ إِجْرامِي أي فعلي عقاب اكتسابي للذنب وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) أي من عقاب كسبكم الذنب بإسناد الافتراء إليّ وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) أي فلا تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد انتهى أفعالهم وحان وقت الانتقام منهم وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا أي اصنع السفينة ملتبسا بإبصارنا لك وتعهدنا بتعليمك كيفية صنعها وَوَحْيِنا أي وبأمرنا لك وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تدعني باستدفاع العذاب عنهم، أو المعنى لا تراجعني في نجاة الذين كفروا: ابنك كنعان وامرأتك واعلة «١» إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) أي محكوم عليهم بالإغراق بالطوفان وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ أي أقبل نوح يصنعها وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ القار وكل ما يحتاج إليه في عملها.
وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين فكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعا، وكانت من خشب الساج. وجعل لها ثلاث بطون،
стр. 504
فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه البطن الأعلى، وحمل ما يحتاج إليه من الزاد وغيره. وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ أي طبقة من كبرائهم سَخِرُوا مِنْهُ أي كانوا يتضاحكون لعمله السفينة ويقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجارا، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدا. وكانوا يقولون: ليس هاهنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) اليوم منا.
أي إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب في الدنيا، ويهينه وهو عذاب الغرق من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) أي وأينا ينزل عليه عذاب النار الدائم في الآخرة حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا الموعود به وَفارَ التَّنُّورُ أي نبع الماء من تنور الخبز وارتفع بشدة كما تفور القدر بغليانها.
روي أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء أخبرته امرأته فركب وقيل: كان التنور لآدم وكانت حواء تقمر فيه فصار إلى نوح وكان من حجارة وهو في الكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة في المسجد قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
وقرأ حفص «من كل» بالتنوين أي من كل شيء زوجين اثنين كل منهما زوج للآخر.
على قراءة غيره إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بأنه من المغرقين بسبب ظلمهم في قوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: ٣٧] الآية. والمراد به: ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين فحمل في السفينة زوجته المؤمنة وأولادها الثلاثة مع نسائهم سام وحام ويافث. فسام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك. وَمَنْ آمَنَ عطف على زوجين أو على اثنين أي واحمل من آمن من غير أهلك وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) .
وعن ابن عباس قال: كان في سفينة نوح ثمانون. إنسانا نصفهم رجال ونصفهم نساء.
وقال مقاتل: في ناحية الموصل قرية يقال لها: قرية الثمانين سميت بذلك لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها فسميت بهذا الاسم
وَقالَ أي نوح ﵊ لمن معه من المؤمنين ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ أي اركبوا في السفينة ذاكرين اسم الله مَجْراها وَمُرْساها أي
стр. 505
وقت جريها وإرسائها قيل: كان نوح ﵇ إذا أراد أن يجريها يقول: بسم الله فتجري وإذا أراد أن يرسيها يقول بسم الله فترسو إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) أي لولا مغفرته تعالى ورحمته إياكم لما نجاكم لأنكم لا تنفكون عن أنواع الزلات وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ في عظمه وارتفاعه وذلك يدل على وجود الرياح الشديدة في ذلك الوقت.
قال علماء السير: أرسل الله تعالى المطر أربعين يوما وليلة وخرج الماء من الأرض وارتفع الماء على أعلا جبل وأطوله أربعون ذراعا حتى أغرق كل شيء وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان قبل سير السفينة وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقومه بحيث لم يتناوله الخطاب باركبوا يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) أي في المكان وهو وجه الأرض خارج السفينة لا في الدين لأن نوحا ﵇ يحذر ابنه عن الهلكة لا ينهى عن الكفر في ذلك الوقت قالَ سَآوِي أي ألتجئ إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ لارتفاعه قالَ أي نوح: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي عذابه إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي إلا الله الراحم والتقدير لا فرار من الله إلا إلى الله. وهذا تأويل في غاية الحسن. وقيل: لا مكان يعصم من عذاب الله إلا مكان من رحمة الله وهو السفينة. وقيل: لا ذا عصمة إلا من ﵀ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ أي حال الموج بين نوح وابنه كنعان فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) أي فصار كنعان من المهلكين بالطوفان وَقِيلَ أي قال الله يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ أي أنشفي ما على وجهك من ماء الطوفان وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أي أمسكي عن إرسال المطر وَغِيضَ الْماءُ أي ونقص ما بين السماء والأرض من الماء وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أتم الأمر من هلاك قوم نوح وَاسْتَوَتْ أي استقرت الفلك عَلَى الْجُودِيِّ أي على جبل بالجزيرة قريب من الموصل يقال له: الجودي وكان ذلك الجبل منخفضا.
روي أنه ﵇ ركب في الفلك في عاشر رجب، ومرت بالبيت الحرام فطافت به سبعا ونزل عن الفلك عاشر المحرم فصام ذلك اليوم وأمر من معه بصيامه شكر الله تعالى، وبنوا قرية بقرب ذلك الجبل فسموها قرية الثمانين فهي أول قرية عمّرت على الأرض بعد الطوفان وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) أي قال نوح وأصحابه بعدوا بعدا من رحمة الله للقوم المشركين بحيث لا يرجى عودهم وهذا الكلام جار مجرى الدعاء عليهم، لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي كنعان مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني إنجاءهم في ضمن قولك واحمل أهلك وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ أي إن كل وعد تعده لا يتطرق إليه خلف وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) أي لأنك أعدل الحاكمين وهذا دعاء سيدنا نوح ﵇ في غاية التلطف وهو مثل دعاء سيدنا أيوب عليه
стр. 506
السلام أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين قالَ أي الله تعالى: يا نُوحُ إِنَّهُ أي هذا الابن الذي سألتني نجاته لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذي وعدتك أن أنجيهم معك إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي لأن هذا الابن ذو عمل غير مرضي.
وقرأ الكسائي ويعقوب «عمل» على صيغة الفعل و «غير» بالنصب أي لأنه عمل عملا غير مرضي وهو الشرك فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي إذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب مني مطلبا لا تعلم يقينا أن حصوله صواب وموافق للحكمة إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) أي إني أنهاك عن أن تكون من الجاهلين بالسؤال. سمي سؤاله ﵇ جهلا لأنّ حب الولد شغله عن تذكر استثناء من سبق عليه القول منهم بالإهلاك قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي أعوذ بك من أن أطلب منك من بعد هذا مطلوبا أعلم أن حصوله مقتضى الحكمة وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي جهلي وإقدامي على سؤال ما ليس لي به علم وَتَرْحَمْنِي بقبول توبتي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) أعمالا وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح ﵇ سوى إقدامه على سؤال ما لم يؤذن له فيه وهذا ليس بذنب ولا معصية وإنما لجأ إلى الله تعالى وسأله المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين قِيلَ أي قال الله: يا نُوحُ اهْبِطْ أي انزل من السفينة بِسَلامٍ أي ملتبسا بأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ أي خيرات نامية عليك وهذا بشارة من الله تعالى بالسلامة من التهديد وبنيل الحاجات من المأكول والمشروب وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي وعلى أمم مؤمنة ناشئة من الذين معك إلى يوم القيامة وَأُمَمٌ كافرة متناسلة مِمَّنْ مَعَكَ أي وعلى أمم مؤمنة ناشئة من الذين معك إلى القيامة وَأُمَمٌ كافرة متناسلة ممن معك سَنُمَتِّعُهُمْ مدة في الدنيا ثُمَّ في الآخرة يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) فقوله وأمم مبتدأ وجملة قوله سنمتعهم خبر تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي تلك التفاصيل التي بيناها من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق نُوحِيها أي تلك الأخبار إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ بطريق التفصيل مِنْ قَبْلِ هذا أي من قبل إيحائنا إليك بنزول القرآن فَاصْبِرْ على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح على أذى أولئك الكفار إِنَّ الْعاقِبَةَ أي آخر الأمر بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) كما عرفته في نوح وقومه ولك فيه أسوة حسنة وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ أي ولقد أرسلنا إلى عاد واحدا منهم في النسب نبيهم هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بالرفع صفة للمحل وبالجر على قراءة الكسائي صفة للفظ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) أي كاذبون في قولكم: إن الأصنام تستحق العبادة
يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على إرشادكم إلى التوحيد أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أي خلقني أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ من بعد التوحيد بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعودوا لمثله يُرْسِلِ السَّماءَ أي المطر عَلَيْكُمْ مِدْراراً أي كثير السيلان وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ بالمال والولد والشدة
стр. 507
في الأعضاء قيل: حبس الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت نساؤهم ثلاثين سنة ولم تلد وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) أي ولا تعرضوا عمّا أدعوكم إليه مصرين على آثامكم قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ أي بمعجزة وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا أي بتاركي عبادتها عَنْ قَوْلِكَ أي لأجل قولك وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) أي بمصدقين بالرسالة إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ أي ما نقول في شأنك إلا قولنا: أصابك بعض آلهتنا بجنون لأنك شتمتها ومنعت عن عبادتها قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ على وَاشْهَدُوا أنتم على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ أي من إشراككم آلهة من دون الله فَكِيدُونِي جَمِيعاً أي فاعملوا في هلاكي أنتم وآلهتكم جميعا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) أي لا تؤجلوني إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ أي إني فوضت أمري إلى الله مالكي ومالككم ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته وهو منقاد لقضائه وقدره إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) أي إنه تعالى وإن كان قادرا على عباده لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ أي فإن تعرضوا عن الإيمان والتوبة لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ لأني قد أبلغتكم وصرتم محجوجين من الله تعالى لأنكم أصررتم على التكذيب وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يخلق ربي بعدكم من هو خير منكم وأطوع وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً أي لا ينقص هلاككم من ملك الله شيئا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) فيحفظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا الدنيوي وهو السموم التي تدخل من أنوفهم وتخرج من أدبارهم فترفعهم في الجو وتصرعهم على الأرض على وجوههم فتتقطع أعضاؤهم نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ عظيمة
كائنة مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وهو العذاب الأخروي وَتِلْكَ القبيلة عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي دلالة المعجزات على صدق هود وَعَصَوْا رُسُلَهُ وجمع الرسول مع أنه لم يرسل إليهم غير هود لبيان أن عصيانهم له ﵇ عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ أي مرتفع متمرد عَنِيدٍ (٥٩) أي منازع معارض. أي واتبع السفلة أمر رؤسائهم الدعاة إلى الضلال وإلى تكذيب الرسل وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي جعل الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير مصاحبا لهم وملازما في الدنيا والآخرة أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي كفروا بربهم أَلا بُعْداً لِعادٍ وهذا دعاء عليهم بالهلاك وتحقيرهم قَوْمِ هُودٍ (٦٠) عطف على بيان لعاد وهذه عاد القديمة إرم ذات العماد واحترز به عن عاد الثانية
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً وثمود اسم أبي القبيلة وبين صالح وبينه خمسة أجداد، وبين صالح وهود مائة سنة وعاش صالح مائتي سنة وثمانين سنة قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فإن الإنسان مخلوق من المني وهو متولد من الدم، وهم متولد من الأغذية، وهي إما حيوانية وإما
стр. 508
نباتية فانتهاء الحيوانية إلى النبات وهو متولد من الأرض فثبت أن الله تعالى أنشأ الإنسان من الأرض وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها أي جعلكم سكان الأرض وصيّركم عامرين لها أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة أعماركم ثم تتركونها لغيركم فَاسْتَغْفِرُوهُ أي آمنوا بالله وحده ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ من عبادة غيره إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ بالعلم والسمع والرحمة مُجِيبٌ (٦١) دعاء المحتاجين بفضله ورحمته قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أي قبل نهيك إيانا عن عبادة الأوثان لما كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد فإنك كنت تعطف على فقرائنا، وتعين ضعفاءنا، وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأحباب ومن أنصار ديننا فكيف أظهرت العداوة ثم قالوا متعجبين تعجبا شديدا: أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أي ما عبدوه من الأوثان وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد وترك عبادة الأوثان مُرِيبٍ (٦٢) أي موقع في اضطراب القلوب وانتفاء الطمأنينة قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ كُنْتُ في الحقيقة عَلى بَيِّنَةٍ أي بصيرة وبرهان مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً أي نبوة فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي من ينجيني من عذابه إِنْ عَصَيْتُهُ أي بالمساهلة في تبليغ الرسالة وفي المجاراة معكم فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) أي فما تزيدونني بما تقولون غير بصيرة في خسارتكم أي وما زادني قولكم إلا قولي لكم إنكم لخاسرون وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي معجزة دالة على صدق نبوتي فإن الله خلقها من الصخرة في جوف الجبل حاملا من غير ذكر على تلك الصورة دفعة واحدة وقد حصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم فَذَرُوها أي فاتركوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ أي ترع نباتها وتشرب ماءها فليس عليكم كلفة في مؤنتها وكانت هي تنفعهم ولا تضرهم لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي لا تضربوها ولا تطردوها، ولا تقربوها بشيء من السوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) أي عاجل لا يتراخى عن مسكم بالسوء إلا يسيرا وهو ثلاثة أيام فَعَقَرُوها أي فقتلها قدار بن سالف ومصدع بن زهر وقيل: زينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار فضربها قدار بأمرهم في رجليها فأوقعها، فذبحوها وقسموا لحمها على ألف وخمسمائة دار. فَقالَ لهم صالح بعد قتلهم لها: تَمَتَّعُوا أي عيشوا فِي دارِكُمْ أي في بلادكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ من العقر الأربعاء والخميس والجمعة، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع يوم السبت وإنما أقاموا ثلاثة أيام، لأن الفصيل رغى ثلاثة وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها، ولما عقروا الناقة أنذرهم صالح بنزول العذاب ورغبهم في الإيمان فقالوا: يا صالح وما علامة العذاب؟ فقال: تصير وجوهكم في اليوم الأول: مصفرة، وفي الثاني: محمرة، وفي الثالث: مسودة، وفي الرابع: يأتيكم العذاب صبيحته ذلِكَ أي نزول العذاب عقب ثلاثة أيام وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أي ونجينا صالحا والذين آمنوا معه من العذاب النازل بقومه الكافرين ومن
стр. 509
الخزي الذي لزمهم وبقي العيب منسوبا إليهم، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله.
وقرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون هنا، وفي المعارج «يومئذ» بفتح الميم لإضافة «يوم» إلى «إذ» ، وهو مبني فيكون مبنيا. والباقون بكسر الميم فيهما لإضافة «يوم» إلى الجملة من المبتدأ والخبر، فلما قطع المضاف إليه عن «إذ» نوّن ليدل التنوين على ذلك، ثم كسرت الذال لسكونها وسكون التنوين ولم يلزم من إضافة يوم إلى المبني أن يكون مبنيا لأن هذه الإضافة غير لازمة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) فإنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه وهذا التمييز لا يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذابا، وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحانا. وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ مع الزلزلة أي صيحة جبريل فقد صاح عليهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فماتوا جميعا فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) ميتين لا يتحركون ولا يضطربون عند ابتداء نزول العذاب ساقطين على وجوههم كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أي كأنهم لم يقيموا في بلادهم فإنهم صاروا رمادا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) قوم صالح من رحمة الله وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل بِالْبُشْرى أي متلبسين بالبشارة له بالولد من سارة قالُوا سَلاماً أي سلمنا عليك سلاما قالَ سَلامٌ أي قال إبراهيم: أمري سلام أي لست مريدا غير السلامة.
وقرأ حمزة والكسائي هنا «وفي الذاريات» بكسر السين وسكون اللام فَما لَبِثَ أي إبراهيم أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ أي في المجيء بولد بقرة حَنِيذٍ (٦٩) أي مشوي على حجارة محماة في حفرة في الأرض فوضعه بين أيديهم فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ أي العجل نَكِرَهُمْ أي أنكرهم وَأَوْجَسَ أي أدرك مِنْهُمْ خِيفَةً وظن أنهم لصوص حيث لم يأكلوا من طعامه فلما علموا خوفه قالُوا لا تَخَفْ منا يا إبراهيم إِنَّا أُرْسِلْنا بالعذاب إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وهو ابن هاران أخي إبراهيم
وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ تخدم الأضياف وتسمع مقالتهم وإبراهيم ﵇ جالس معهم فَضَحِكَتْ أي ففرحت سارة بزوال الخوف عنها وعن إبراهيم وبحصول البشارة بحصول الولد، وبهلاك أهل الفساد.
وقال مجاهد وعكرمة: أي حاضت سارة عند فرحها بالسلامة من الخوف فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ على ألسنة رسلنا وإنما نسبت البشارة لسارة دون سيدنا إبراهيم ﵇، لأنها كانت أشوق إلى الولد منه لأنها كانت لم يأتها ولد قط بخلافه فقد أتاه
стр. 510
إسماعيل قبل إسحاق بثلاث عشرة سنة وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قرأه ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب، أي ووهبنا يعقوب من بعد إسحاق. والباقون بالرفع على الابتداء. أي ومن بعد إسحاق يعقوب مولود. قالَتْ يا وَيْلَتى هي كلمة تقال للتعجب عند أمر عظيم. أي يا ذلي احضر فهذا أوان حضورك أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ بنت ثمان وتسعين سنة وَهذا بَعْلِي أي زوجي شَيْخاً ابن مائة وعشرين سنة إِنَّ هذا أي حصول الولد من هرمين مثلنا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) بالنسبة إلى سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده ومقصودها استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعاد قدرته تعالى على ذلك قالُوا أي الملائكة لسارة: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من قدرة الله رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي يا أهل بيت إبراهيم، أي رحمة الله الواسعة لكل شيء وخيراته الفائضة منه بواسطة تلك الرحمة لازمة لكم لا تفارقكم، فإذا رأيتم أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية فكيف يليق به التعجب إِنَّهُ حَمِيدٌ أي فاعل ما يستوجب الحمد وموصل العبد المطيع إلى مراده مَجِيدٌ (٧٣) أي كريم لا يمنع الطالب عن مطلوبه فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) أي فلما زال عن إبراهيم الخوف وحصل له السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد جادل رسلنا في شأن قوم لوط حيث قال للملائكة حين قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ العشرة قالوا:
لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إن فيها لوطا. قالوا:
نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أي غير عجول على كل من أساء إليه فلذلك طلب تأخير العذاب عنهم رجاء إقدامهم على الإيمان والتوبة عن المعاصي أَوَّاهٌ أي كثير التضرع إلى الله عند وصول الشدائد إلى الغير مُنِيبٌ (٧٥) أي رجاع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم قالت الملائكة لإبراهيم: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي اترك هذا الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بإيصال هذا العذاب إليهم وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) أي غير مصروف عنهم ولا
مدفوع بجدال ولا دعاء ولا غيرهما وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا أي هؤلاء الملائكة لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أي حزن بسببهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي صدرا لأنهم انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط ﵉ ودخلوا عليه في صور شبان مرد حسان الوجوه، فخاف أن يقصدهم قومه وأن يعجز عن مدافعتهم وبين القريتين أربع فراسخ وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) أي شديد علي، فلما دخلت الملائكة دار لوط ﵇ ولم يعلم بذلك أحد خرجت امرأته الكافرة فأخبرت قومها وقالت: دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوها ولا أنظف ثيابا، ولا أطيب رائحة منهم. وَجاءَهُ أي لوطا وهو في بيته مع أضيافه قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ أي يسوق بعضهم بعضا إِلَيْهِ لطلب الفاحشة من أضيافه وَمِنْ قَبْلُ أي والحال من قبل مجيء هؤلاء الملائكة إلى لوط كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ وهي إتيان الرجال في
стр. 511
أدبارهم أي فهم معتادون لذلك فلا حياء عندهم. قالَ أي لوط: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أي فتزوجوهن. والمراد بالجمع ما فوق الواحد لما صحت الرواية أن لسيدنا لوط ﵇ بنتين فقط وهما زنتا وزعوراء.
وقال السدي: اسم الكبرى ريا، والصغرى رغوثا وكان في ملته يجوز تزوج الكافر بالمسلمة، أو قال ذلك على سبيل الدفع لا على سبيل التحقيق وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم، لا لعدم جواز تزويج المسلمات من الكفار فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي لا تخجلوني في أضيافي لأن مضيف الضيف يلزمه الخجل من كل فعل قبيح يصل إلى الضيف أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) يهتدي إلى الحق ويرعوي عن الباطل، ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ يا لوط ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي شهوة أي إنك قد علمت أن لا سبيل إلى المناكحة بيننا وبينك وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) من إتيان الذكران قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) أي لو قويت على دفعكم بنفسي أو رجعت إلى عشيرة قوية لبالغت في دفعكم. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن من قومه نسب بل كان غريبا فيهم لأنه كان أولا بالعراق مع إبراهيم فلما هاجرا إلى الشام أرسله الله تعالى إلى أهل سذوم- وهي قرية عند حمص- أو المعنى لو قويت على الدفع لدفعتكم بل أعتصم بعناية الله تعالى
قالُوا أي هؤلاء الملائكة: يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بضرر فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ودخلوا فضرب جبريل ﵇ بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما سحرة فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي فاخرج مع أهلك في نصف الليل لتستبقوا العذاب الذي موعده الصبح وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع أي لا يتأخر منكم أحد إلا امرأتك واعلة المنافقة. والباقون بالنصب. والمعنى لا ينظر أحد إلى ورائه منك ومن أهلك إلا امرأتك وإنما نهوا عن الالتفات ليسرعوا في السير فإن من يلتفت إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفة وهذه القراءة تقتضي كون لوط غير مأمور بالإسراء بها وقراءة الرفع تقتضي كونه مأمورا بذلك إِنَّهُ مُصِيبُها أي امرأتك ما أَصابَهُمْ من العذاب إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أي إن وقت عذابهم وهلاكهم الصبح لأنه وقت الراحة فحلول العذاب حينئذ أفظع وهذا تعليل للنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) وهذا تأكيد للتعليل فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواضع العذاب فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي وقت عذابنا وهو الصبح جَعَلْنا عالِيَها أي عالي قرى قوم لوط وهي خمس مدائن فيها أربعمائة ألف ألف سافِلَها.
стр. 512
روي أن جبريل ﵇ أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصياح الديوك ولم تنكفئ لهم جرة ولم ينكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. وَأَمْطَرْنا عَلَيْها أي على أهل تلك القرى الخارجين عنها في الأسفار وغيرها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ أي من طين متحجر مَنْضُودٍ (٨٢) أي كان بعض الحجارة فوق بعض في النزول مُسَوَّمَةً أي مخططة بالسواد والحمرة والبياض. أي كان عليها علامة تتميز بها عن حجارة الأرض عِنْدَ رَبِّكَ أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) أي ما هذه الحجارة من كل ظالم ببعيد فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها أي فإن الظالمين حقيق بأن تمطر عليهم وَإِلى مَدْيَنَ أي وأرسلنا إلى أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ أَخاهُمْ في النسب شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ولا تشركوا به شيئا ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي لا تنقصوا حقوق الناس بالكيل والوزن إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ أي ملتبسين بسعة تغنيكم عن النقص وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم توفوا بالكيل والوزن عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) أي يحيط بكم ولا ينفلت منكم أحد وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي أتموهما بِالْقِسْطِ أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ بسبب عدم اعتدالهما أَشْياءَهُمْ أي أموالهم التي يشترونها بهما وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) أي ولا تعلموا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة إفساد مصالح أنفسكم بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ أي المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق التطفيف إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين لي في مقالتي لكم.
وقرئ «تقية الله» بالفوقية أي تقواه تعالى عن المعاصي. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) أي أحفظكم من القبائح ولست بحافظ عليكم نعم الله إذ لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت النعم عنكم قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا وقوله: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ معطوف على «ما يعبد» ، و «أو» بمعنى الواو. والمعنى هلا صلاتك تأمرك بتكليفك إيانا ترك عبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان، وترك فعلنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص.
روي أن شعيبا كان كثير الصلاة في الليل والنهار، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك السخرية إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) أي كنت عندنا مشهورا بأنك حليم رشيد فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي علم وهداية ودين ونبوة وَرَزَقَنِي مِنْهُ أي من عنده بإعانته بلا كد مني
стр. 513
رِزْقاً حَسَناً أي مالا حلالا. فهل يجوز لي مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه، وأن أخالفه في أمره ونهيه؟ وهذا الجواب مطابق لقولهم لسيدنا شعيب إنك لأنت الحليم الرشيد فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا؟ فكأن شعيبا قال: إن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره! ومعنى الآية على هذا الوجه يا قوم أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالا حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره وأوافقكم فيما تأتون وما تذرون وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ أي ليس مرادي أن أمنعكم عن التطفيف وأن أفعله إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي مدة استطاعتي للإصلاح لا أقصر فيه. والمعنى أنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الخصومة حتى إنكم أقررتم بأني حليم رشيد فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلاح بقدر طاقتي وذلك هو الإبلاغ والإنذار. وَما تَوْفِيقِي أي ما قدرتي على تنفيذ كل الأعمال الصالحة إِلَّا بِاللَّهِ أي إلا بمعونته وهدايته عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي عليه تعالى اعتمدت في جميع أموري وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) أي عليه أقبل وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أي لا تكسبنكم معاداتكم لي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الريح العقيم أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من الصيحة والرجفة وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) أي وما خبر إهلاك قوم لوط بالخسف منكم ببعيد فإن لم تعتبروا بمن قبلكم من الأمم المعدودة فاعتبروا بهم فإن بلادهم قريبة من مدين وإهلاكهم أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ عن عبادة الأوثان ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ عن النجس إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ أي عظيم الرحمة للتائبين وَدُودٌ (٩٠) أي محب لهم
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ أي ما نفهم مرادك وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا إلى محاورته سبيلا سوى المنع عن طريق الحق كما هو ديدن المفحم المحجوج وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا أي فيما بيننا ضَعِيفاً أي لا تقدر على منع القوم عن نفسك إن أرادوا بك سوءا وَلَوْلا رَهْطُكَ أي لولا حرمة قومك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لَرَجَمْناكَ
أي لقتلناك بالحجارة أو لشتمناك وطردناك وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) أي معظم فيسهل علينا قتلك وإيذاؤك وإنما نمتنع من ذلك لرعاية حرمة عشيرتك لموافقتهم لنا في الدين لا لقوة شوكتهم. قالَ لهم: يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ والمعنى حفظكم إياي رعاية الأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي فالله تعالى أولى أن يتبع أمره وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي جعلتم الله شيئا منبوذا خلف ظهرك منسيا لا يعبأ به إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال السيئة مُحِيطٌ (٩٢) أي عالم فلا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم عليها وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على غاية استطاعتكم من إيصال الشرور إلى إِنِّي عامِلٌ بقدر ما آتاني الله
стр. 514
تعالى من القدرة سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ أي سوف تعرفون الشقي الذي يأتيه عذاب يهلكه والذي هو كاذب في ادعاء القوة والقدرة على رجم شعيب ﵇ وفي نسبته إلى الضعف وَارْتَقِبُوا أي انتظروا عاقبة ما أقول إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) أي منتظر وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ من ذلك العذاب بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي بسبب مرحمة كائنة منا لهم وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل والزلزلة أيضا فأهلكوا بهما فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) أي ميتين ملازمين لأماكنهم كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أي كأنهم لم يقيموا في ديارهم أحياء مترددين أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ أي هلاكا لقوم شعيب كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) أي كما هلكت قوم صالح أي فإنهما أهلكا بنوع من العذاب وهو الصيحة إلا أن هؤلاء صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وهذا في أهل قرية شعيب وأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة وهو نار نزلت من السماء أحرقتهم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) أي ولقد أرسلنا موسى بالتوراة مع ما فيها من الأحكام وأيدناه بمعجزات قاهرة دالة على صدق نبوته ورسالته إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي جماعته فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ أي أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) أي بمرشد إلى خير فإنه كان دهريا نافيا للصانع والمعاد، وكان يقول: لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم يَقْدُمُ قَوْمَهُ أي يقود قومه جميعا، يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ أي إن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال وفي دخول البحر والغرق في الدنيا، فكذلك يتقدمهم يوم القيامة في دخول النار والحرق وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) أي بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد، إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك وَأُتْبِعُوا أي الملأ الذين تبعوا أمر فرعون فِي هذِهِ أي في الدنيا لَعْنَةً من الأمم بعدهم إلى يوم القيامة وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أيضا من أهل الموقف قاطبة بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) أي بئس العون المعان عونهم، أي بئس اللعنة الأولى المعان باللعنة الثانية عونهم وهي اللعنة في الدارين، وسميت اللعنة عونا لأنها إذا تبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن رحمة الله وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال وسميت رفدا أي عونا لهذا المعنى على التهكم وسميت معانا لأنها أرفدت في الآخرة بلعنة أخرى ليكونا هاديين إلى طريق الجحيم وَالْعادِياتِ أي الذي ذكرناه في هذه السورة من القصص السبعة مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ أي ذلك بعض أخبار القرى المهلكة بجناية أهلها مقصوص عليك لتخبر به قومك لعلهم يعتبرون وإلا فينزل بهم مثل ما نزل بالقرى المهلكة مِنْها أي القرى قائِمٌ أي أثر باق وَمنها حَصِيدٌ (١٠٠) أي ذاهب الأثر فشبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما محي منها بالزرع المحصود
وَما ظَلَمْناهُمْ بالعذاب والإهلاك وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي فما نفعتهم أصنامهم الذين يعبدونها في شيء
стр. 515
ألبتة، ولا دفعت شيئا من عذاب الله عنهم حين جاءهم وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) أي وما زادت الأصنام عابديها غير إهلاك فإن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار، ثم زال عنهم بسبب ذلك الاعتقاد منافع الدنيا والآخرة، وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران.
وقرئ «آلهتهم اللاتي» بالجمع، و «يدعون» بالبناء للمجهول وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وقرأ عاصم والجحدري «إذ أخذ» بألف واحدة. وَهِيَ ظالِمَةٌ أي ومثل ذلك الأخذ المذكور أخذ ربك أهل القرى إذا أخذهم وهم ظالمون أنفسهم بالكفر أي إن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) أي وجيع صعب على المأخوذ لا يرجى منه الخلاص إِنَّ فِي ذلِكَ أي القصص السبعة لَآيَةً أي لموعظة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ فينتفع بسماع هذه القصص ويعلم أن القادر على إنزال عذاب الدنيا قادر على إنزال عذاب الآخرة فإن في هذه القصص عذاب الدارين وقد حصل عذاب الدنيا ذلِكَ أي يوم الآخرة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ أي يجمع في ذلك اليوم الأولون والآخرون للمحاسبة والجزاء وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) أي يحضر فيه أهل السماء وأهل الأرض وَما نُؤَخِّرُهُ أي ذلك اليوم إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) أي إلا لأجل انقضاء وقت محدود وهو مدة الدنيا يَوْمَ يَأْتِ أي حين يأتي ذلك اليوم المؤخر لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي الله تعالى في التكلم فالمأذون في الكلام هو الجوابات الصحيحة والممنوع عنه هو ذكر الأعذار الباطلة فَمِنْهُمْ أي من أهل الموقف شَقِيٌّ أي من مات على الكفر وإن تقدم منه إيمان وَسَعِيدٌ (١٠٥) أي من مات على الإيمان وإن تقدم منه كفر. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ أي فمستقرون فيها لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أي صوت شديد وَشَهِيقٌ (١٠٦) أي صوت ضعيف خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وإلا في المعنى بمعنى واو العطف، والاستثناء منقطع بقدر بلكن أو بسوى. فالمعنى دائمين في النار مثل دوام السموات والأرض منذ خلقت إلى أن تفنى، وزيادة على هذه المدة وهي ما شاء مما لا نهاية له إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) من غير اعتراض وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أي مثل دوام السموات والأرض منذ خلقتا سوى ما شاء ربك زائدا على ذلك وهو لا منتهى له عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) أي غير مقطوع وعطاء نصب على المصدرية أي يعطيهم عطاء وهذا ظاهر في أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة وما ذكر من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبدا هو ما دلت عليه الآيات والأخبار، وأطبق عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا ولا ظلم على الله في ذلك لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا فعوقب دائما فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا.
стр. 516
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «سعدوا» بضم السين. والباقون بفتحها. فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ أي فلا تك يا أشرف الخلق في شك من حال ما يعبد كفار قريش من الأوثان في أنها لا تنفع لهم ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ أي ليس لهم في عبادة الأصنام مستند إلا تقليد آبائهم فإنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) أي إنا معطو هؤلاء الكفرة ما يخصهم من العذاب ونصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية تاما كما أعطينا آباءهم أنصباءهم من ذلك وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ أي في شأنه. فآمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف قومك في القرآن فلا تحزن فإن ما وقع لك وقع لمن قبلك. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لولا الحكم الأزلي بتأخير العذاب عن أمتك إلى يوم القيامة لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك بإنزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين وَإِنَّهُمْ أي وإن كفار قومك لَفِي شَكٍّ عظيم مِنْهُ أي القرآن مُرِيبٍ (١١٠) أي ظاهر الشك أو موقع في الشك
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم «إن» و «لما» مخففتين، وأبو عمرو والكسائي شددا «إن» وخففا «لما» ، وحمزة وابن عامر وحفص شددوهما، أي وإن كل المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين والله لفريق يوفيهم ربك أجزية أعمالهم، أو المعنى وإن جميعهم والله لَيُوَفِّيَنَّهُمْ الآية.
قالوا: وأحسن ما قيل إن أصل لما لمّا بالتنوين بمعنى جميعا إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) أي إن ربك بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر عالم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده وإن دقت فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أي مثل الاستقامة التي أمرت في العقائد والأعمال والأخلاق فإن الاستقامة في العقائد اجتناب التشبيه والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط وهذا في غاية العسر
وعن بعضهم قال: رأيت النّبيّ ﷺ في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود وأخواتها، فقال: «نعم» فقلت: وبأي آية؟ فقال بقوله تعالى: «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ»
«١» . وَمَنْ تابَ مَعَكَ من الكفر وشاركك في الإيمان ف «من» منصوب على أنه مفعول معه أو مرفوع عطف على الضمير في أمرت وَلا تَطْغَوْا أي لا تتحرفوا عمّا حد لكم بإفراط أو تفريط فإن كلّا طرفي قصد الأمور ذميم إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) فيجازيكم على ذلك وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تميلوا أدنى ميل إلى الذين وجد منهم الظلم فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أي فتصيبكم بسبب ذلك وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي من أنصار ينقذونكم من النار ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) من جهة الله تعالى.
стр. 517
قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم ومشاركتكم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ أي غدوة وعشية فالصبح في الغدوة والظهر والعصر في العشية وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ أي ساعات منه قريبة من النهار وهي المغرب والعشاء إِنَّ الْحَسَناتِ كالصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ أي يكفرنها
وفي الحديث: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»
«١» .
روي أن أبا اليسر بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تشتري تمرا فقلت لها: إن في البيت تمرا أطيب من هذا. فدخلت معي البيت، فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك، وتب ولا تخبر أحدا. فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك، وتب ولا تخبر أحدا. فلم أصبر حتى أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال لي: «أخنت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا» وأطرق رسول الله ﷺ طويلا حتى نزلت هذه الآية فقرأها علي فقال:
«نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت»
«٢» . ذلِكَ أي القرآن ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) أي عظة للمتعظين أو ذلك الحسنات كفارات لذنوب التائبين. وَاصْبِرْ يا أشرف الخلق على مشاق ما أمرت به فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) أي إن الله يوفي الصابرين أجور أعمالهم من غير بخس أصلا فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ والمراد بالتخصيص النفي أي فما كان من القرون الماضية المهلكة بالعذاب جماعة أصحاب جودة في العقل، وفضل ينهون عن الفساد إلا قليلا وهم من أنجيناهم من العذاب نهوا عن الفساد وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي واتبع الذين تركوا النهي عن المنكرات ما أنعموا من الشهوات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وأعرضوا عما وراء ذلك وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) أي كافرين فإن سبب استئصال الأمم المهلكة فشو الظلم وشيوع ترك النهي عن المنكرات مع الكفر وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) أي لا يهلك ربك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين، إذا كانوا مصلحين في المعاملات بينهم، أي إن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك بل إنما ينزل ذلك إذا أساءوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء للناس، وظلم الخلق لفرط مسامحته تعالى في حقوقه ولذلك تقدم حقوق العباد على حقوقه تعالى عند تزاحم الحقوق وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي أهل ملة
стр. 518
واحدة وهي الإسلام بحيث لا يختلف فيه أحد ولكن لم يشأ ذلك وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي ولا يزالون مخالفين لدين الحق إلا قوما قد هداهم الله تعالى بفضله إليه فلم يخالفوه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي وللمذكور من الاختلاف والرحمة خلق الناس كافة فإن الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، ومصيرهم النار. وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين ومصيرهم الجنة. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي ثبت قول ربك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) أي من كفارهما أجمعين وَكُلًّا أي كل نبأ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ أي من أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي ما نقوي به قلبك لتصير على أذى قومك وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك وَجاءَكَ فِي هذِهِ الأنباء المقصوصة عليك الْحَقُّ أي البراهين الدالة على التوحيد والنوبة وَمَوْعِظَةٌ أي تنفير عن الدنيا وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) أي إرشاد لهم إلى الأعمال الصالحة
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بهذا الحق اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي ثابتين على حالتكم وهي الكفر إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) على حالتنا وهي الإيمان. أو المعنى افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر فنحن عاملون على قدرتنا. والمراد بهذا الأمر: التهديد وَانْتَظِرُوا ما يعدكم الشيطان به من الخذلان إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن علمه تعالى نافذ في جميع الكليات والجزئيات والحاضرات والغائبات عن العباد وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة فَاعْبُدْهُ أي فاشتغل بالعبادات الجسدانية والروحانية أما العبادات الجسدانية فأفضل الحركات الصلاة وأكمل السكنات الصيام وأنفع البر الصدقة وأما العبادات الروحانية فهي الفكر والتأمل في عجائب صنع الله في ملكوت السموات والأرض وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أي ثق به تعالى في جميع أمورك فإنه كافيك وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) .
وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب، أي فإنه تعالى لا يضيع طاعات المطيعين، ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقمطير، ويعاتبوا في الصغير والكبير، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 519
سورة يوسف
مكية، مائة وإحدى عشرة آية، ألف وسبعمائة وخمس وتسعون كلمة، سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة أحرف
وعن ابن عباس أنه قال: سألت اليهود النبي ﷺ فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده، وشأن يوسف. فنزلت هذه السورة الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) أي تلك الآيات التي نزلت إليك في هذه السورة المسماة الر هي آيات الكتاب المبين وهو القرآن الذي بين الهدى وقصص الأولين إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي هذا الكتاب الذي فيه قصه يوسف في حال كونه قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) أي لكي تفهموا معانيه في أمر الدين فتعلموا أن قصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ أي بسبب إيحائنا إليك يا أكرم الرسل هذه السورة لما فيه من العبر من أنه لا مانع من قدرة الله تعالى، وأن الحسد سبب للخذلان، وأن الصبر مفتاح الفرج وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أي وإنه أي الشأن كنت من قبل إيحائنا إليك هذه السورة لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط إِذْ قالَ يُوسُفُ منصوب بقال: يا بني، أي قال يعقوب: يا بني وقت قول يوسف له: كيت وكيت أو بدل من أحسن القصص بدل اشتمال لِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ في منام النهار أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) . قال وهب: رأى يوسف
﵇ وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها، فذكر ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال: لا تذكرها لهم فيبغوا لك الغوائل.
روي عن جابر ﵁ أن يهوديا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف ﵇، فسكت النبي ﷺ ، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك فقال ﷺ لليهودي: «إذا أخبرتك بذلك هل تسلم» فقال: نعم، قال: «جريان، والطارق،
стр. 520
والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروخ، والفرغ، ووثاب، وذو الكتفين رآها يوسف ﵇، والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» «١» فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها،
قالَ أي يعقوب ليوسف في السر يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً أي فيفعلوا لأجل هلاكك كيدا خفيا عن فهمك لا تتصدى لمدافعته إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ أي لنبي آدم عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) أي ظاهر العداوة فلا يقصر في إضلال إخوتك وحملهم على الحسد وما لا خير فيه كما فعل بآدم وحواء، وإخوة يوسف الذين يخشى غوائلهم، الأحد عشر هم يهوذا وروبيل وشمعون، ولاوى، وربالون، ويشجر، ودينة فهؤلاء بنو يعقوب من ليا بنت خالته، ودان ونفتالى، وجاد وآشر فهؤلاء بنوه من سريتين زلفة وبلهة، وأما بنيامين فهو شقيق يوسف وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب بعد وفاة أختها ليا، وَكَذلِكَ أي كما اجتباك لهذه الرؤية الدالة على كبر شأنك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا إذ هي أحاديث الملك إن كانت صادقة، وأحاديث النفس والشيطان إن كانت كاذبة، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بسعادات الدنيا والآخرة، أما سعادات الدنيا: فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه، والإجلال في قلوب الخلق وحسن الثناء، وأما سعادات الآخرة: فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أي أولاده كَما أَتَمَّها أي نعمته عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا الوقت إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لأبويك إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) فالله أعلم حيث يجعل رسالته ومقدس عن العبث فلا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وهذا يقتضي حصول النبوة لأولاد يعقوب، وأيضا إن رؤية يوسف إخوته كواكب دليل على مصير أمرهم إلى النبوة، فإن الكواكب يهتدى بأنوارها.
وكانت تأويلها بأحد عشر نفسا لهم فضل يستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب. وأما ما وقع منهم في حق يوسف فهو قبل النبوة، فالعصمة من المعاصي إنما تعتبر وقت النبوة لا قبلها على خلاف في ذلك. لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي في قصتهم آياتٌ أي عبرات لِلسَّائِلِينَ (٧) أي لكل من سأل عن قصتهم وعرفها أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم المنتفعون بها دون من عداهم إِذْ قالُوا أي بعض العشرة لبعضهم لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ الشقيق بنيامين بكسر الباء وفتحها أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي والحال أنّا جماعة قائمون بدفع المفاسد والآفات مشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات، وقائمون بمصالح الأب فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بذلك وبكوننا أكبر سنا. ونقل عن علي ﵁ أنه قرأ و «نحن عصبة» بالنصب. إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ عن رعاية المصالح في الدنيا
стр. 521
مُبِينٍ (٨) أي ظاهر الحال وإنما خصص على يوسف أبوه بالبر لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد، ولأنه وإن كان صغيرا كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى مما كان يصدر عن سائر الأولاد.
قال شمعون: ودان والباقون كانوا راضين إلا من قال: لا تقتلوا إلخ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يحصل اليأس من اجتماعه مع أبيه يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي يقبل عليكم أبوكم بكليته ولا يلتفت إلى غيركم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد يوسف من قتله أو تغريبه في أرض بعيدة قَوْماً صالِحِينَ (٩) أي تائبين إلى الله تعالى من الكبائر ومتفرقين لإصلاح أمور دنياكم وصالحين مع أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي من إخوة يوسف هو يهوذا فإنه أقدمهم في الرأي والفضل وأقربهم إلى يوسف سنا لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ.
وقال قتادة: القائل لإخوته روبيل حتى قال: القتل كبيرة عظيمة وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي في قعره.
وقرأ نافع «غيابات» بالجمع في الموضعين. قال قتادة: الجب هنا هو بئر بيت المقدس. وقال وهب: هو في أرض الأردن. وقال ابن زيد: هو بحيرة طبرية. يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي يرفعه بعض طائفة تسير في الأرض إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) بمشورتي ولم يقطع القول عليهم بل إنما عرض عليهم ذلك تأليفا لقلبهم وحذرا من نسبتهم له إلى الافتيات أو إن كنتم فاعلين ما عزمتم عليه من إزالته من عند أبيه ولا بد فافعلوا هذا القدر أي إلقاءه في البئر. والأولى أن لا تفعلوا شيئا من القتل والتغريب.
قالُوا لأبيهم إعمالا للحيلة في الوصول إلى مقاصدهم مستفهمين على وجه التعجب لأنه علم منهم السوء، وهذا مبني على مقدمات محذوفة، وذلك أنهم قالوا أولا ليوسف: اخرج معنا، إلى الصحراء إلى مواشينا فنستبق ونصيد، وقالوا له: سل أباك أن يرسلك معنا، فسأله فتوقف يعقوب فقالوا له: يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ أي أيّ شيء ثبت لك لا تجعلنا أمناء عليه مع أنه أخونا وأنك أبونا ونحن بنوك وَالحال وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أي لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه، أي هم أظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف وفي غاية الشفقة عليه أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إلى الصحراء يَرْتَعْ أي نتسع في أكل الفواكه ونحوها وَيَلْعَبْ بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء، وبالإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر لا للهو.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة، والكسائي بمثناة تحتية على إسناد الفعل ليوسف لأنهم سألوا إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا به وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) من أن يناله مكروه قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي ليؤلم قلبي ذهابكم به لأني لا أصبر عنه ساعة وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ لكثرة الذئب في تلك الأرض. وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) لاشتغالكم بالاتساع
стр. 522
في الملاذ وبنحو التناضل قالُوا: لأبيهم. لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي جماعة كثيرة عشرة تكفي الخطوب بآرائنا إِنَّا إِذاً أي إذا لم نقدر على حفظ أخينا لَخاسِرُونَ (١٤) أي لقوم عاجزون وهذا جواب عن عذر يعقوب الثاني وأما عذره الأول فلم يجيبوا عنه لكون غرضهم إيقاعه في الحزن، ولكون حقدهم بسبب ذلك العذر وهو شدة حبه له فتغافلوا عنه فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي فأرسله معهم فلما ذهبوا به وعزموا على جعله في ظلمة البئر فجعلوه فيها.
قال السدي: إن يوسف ﵇ لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة وجعل هذا الأخ يضر به فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول: يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك لأباك فقال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه. فانطلقوا به إلى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا قميصه وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب. فقال لهم: ردوا علي قميصي لأتوارى به. فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا لتؤنسك، ثم دلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي، فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فقام يهوذا فمنعهم من ذلك، وكان يهوذا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال.
وروي أنه ﵇ لما ألقي في الجب قال: يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا.
وروي أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، ودفعه إسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف، فجاءه جبريل فأخرجه من التميمة وألبسه إياه.
وروي أن جبريل قال له: إذا رهبت شيئا فقل: يا صريخ المستصرخين ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك
شيء من أمري. فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في الجب. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ في الجب إزالة لوحشته عن قلبه، وتبشيرا له بما يؤول إليه أمره. وكان ابن سبع عشرة سنة. لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي لتخبرن يا يوسف إخوتك بصنيعهم هذا بك بعد هذا اليوم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) في ذلك الوقت أنك يوسف حتى تخبرهم لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامك. والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصيرون تحت قهره وقدرته. وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) أي لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء في ظلمة الليل متباكين.
وقرئ «عشيا» بالتصغير «لعشي» أي آخر النهار. وقرئ «عشى» بالضم والقصر جمع
стр. 523
أعشى فعند ذلك فزع يعقوب. وقال هل أصابكم في غنمكم شيء قالوا: لا، قال: وأنّى يوسف.
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يسابق بعضنا بعضا في الرمي.
روي أن في قراءة عبد الله «إنا ذهبنا ننتضل» وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا من ثياب وأزواد وغيرهما ليحفظه فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدق لنا في هذه المقالة وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) أي ولو كنا عندك موصوفين بالصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا غير واثق بقولنا: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ أي فوق قميص يوسف بِدَمٍ كَذِبٍ أي بدم ملابس لكذب.
وقرئ «كذبا» على أنه حال من الضمير أي جاءوا كاذبين أو مفعول له. وقرأت عائشة ﵂ «بدم كذب» بالدال المهملة أي كدر أو طري. قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي قال يعقوب: ليس الأمر كما تقولون بل زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون. قيل: لما جاءوا على قميصه بدم جدي وقد ذهلوا عن خرق القميص فلما رأى يعقوب القميص صحيحا قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه، وقال بعضهم: بل قتله اللصوص فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟ وقيل: إنهم أتوه بذئب وقالوا: هذا أكله فقال يعقوب: أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي فأنطقه الله وقال: والله ما أكلت ولدك ولا رأيته قط ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء فقال له يعقوب: فكيف وقعت في أرض كنعان؟ قال: جئت لصلة الرحم قرابة لي فأخذوني وأتوا بي إليك فأطلقه يعقوب. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فصبري صبر جميل أو فصبر جميل أولى من الجزع وهو أن لا يشكو البلاء لأحد غير الله تعالى وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ أي المطلوب منه العون عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) أي على تحمل ما تصفون من هلاك يوسف وكأن الله تعالى قد مضى على يعقوب أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة، والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة والله أعلم. وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي رفقة تسير من جهة مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون في الأرض حتى وقعوا في الأراضي التي فيها الجب- وهي أرض دوثن بين مدين ومصر- فنزلوا عليه فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أي ساقيهم ليطلب لهم الماء وهو من يهيئ الأرشية والدلاء فيتقدم الرفقة إلى الماء يقال له: مالك بن ذعر الخزاعي ابن أخي سيدنا شعيب ﵇ وهو رجل من العرب من أهل مدين فَأَدْلى دَلْوَهُ أي فأرخى دلوه في جب يوسف فتعلق هو فلم يقدر الساقي على نزعه من البئر فنظر فيه فرأى غلاما قد تعلق بالدلو فنادى أصحابه قالَ يا بُشْرى أي يا أصحابي، وقال الأعمش: إنه دعا امرأة اسمها بشرى.
وقال السدي: إنه نادى صاحبه واسمه بشرى كما قرأه حمزة وعاصم والكسائي بغير ياء
стр. 524
المتكلم بعد الألف المقصورة، وقال أبو علي الفارسي: والوجه أن يجعل البشرى اسما للبشارة، فنادى ذلك بشارة لنفسه كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور، ويدل على هذا قراءة الباقين «يا بشراي» بفتح ياء المتكلم بعد الياء على الإضافة قالوا: ماذا لك يا مالك؟ قال: هذا غُلامٌ أحسن ما يكون من الغلمان. فكان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين، والعضدين والساقين، خميص البطن، صغير السرة. وكان إذا تبسم ظهر النور من ضواحكه، وإذا تكلم ظهر من ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه اه. فاجتمعوا عليه فأخرجوه من الجب بعد مكثه فيها ثلاثة أيام وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً أي أخفوه حال كونه متاعا للتجارة، أي كتم الوارد مالك وأصحابه من بقية القوم وذلك لأنهم قالوا: إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه، وإن قلنا: اشتريناه سألونا الشركة فالأصوب أن نقول: إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) أي بما ينشأ من عمل إخوة يوسف ليوسف من إيقاعه في البلاء الشديد وهو سبب لوصوله إلى مصر ولتنقله في أحوال إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فرحم الله به العباد والبلاد وَشَرَوْهُ أي باع يوسف من استخرجوه من البئر بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي حرام دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ فإنهم في ذلك الزمان كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين دينارا وَكانُوا أي البائعون فِيهِ أي في يوسف مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) أي من الذين لا يرغبون لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم فكذلك باعوه من أول مساوم بأوكس الأثمان.
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ أي في مصر من مالك بن ذعر وكان اشتراؤه بعشرين درهما وحلة ونعلين، فالذي اشتراه في مصر هو قطفير خازن الملك الريان بن الوليد، وهو صاحب جنوده، وقد آمن الملك بيوسف ومات في حياة يوسف ﵇ فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى واشترى ذلك الوزير يوسف وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة عشرين سنة. لِامْرَأَتِهِ زليخا. وقال ابن إسحاق: اسمها راعيل بنت رعيائيل: أَكْرِمِي مَثْواهُ أي اجعلي منزله عندك كريما حسنا مرضيا: والمعنى أحسني تعهده عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي يقوم بإصلاح مهماتنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي نتبناه، وكان قطفير لا يأتي النساء وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي وكما نجينا يوسف من القتل والجب وجعلنا في قلب الوزير حنوا عليه تعطيه مكانة أي رتبة عالية في أرض مصر وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير بعض المنامات التي أعظمها رؤيا الملك وصاحبي السجن وهذا عطف على مقدر متعلق بمكنا، أي جعلنا يوسف وجيها بين أهل مصر ومحببا في قلوبهم لينشأ منه ما جرى بينه وبين امرأة العزيز ولنعلمه بعض تأويل الرؤيا وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أي أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في
стр. 525
أرضه وسمائه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (٢١) أن الأمر كله لله وأن قضاء الله غالب فمن تأمل في أحوال الدنيا عرف ذلك وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ما بين الثلاثين والأربعين آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً أي حكمة عملية وحكمة نظرية وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العلمية لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية، ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية. وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية: فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولا، ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية. وطريقة يوسف ﵇ هو الأول لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله تعالى عليه أبواب المكاشفات. وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء العجيب نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) أي كل من يحسن في عمله وعن الحسن من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ أي طلبت زليخا من يوسف أن يجامعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ أي أبواب البيت السبعة، ثم دعته إلى نفسها وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ.
قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان «هيت» بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ ابن كثير «هيت» بضم التاء وفتحها مع فتح الهاء، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر «هئت لك» بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وضم التاء، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء وإن قرئ «هيت» بفتح الهاء والتاء أو ضم التاء فمعناه تعال وبادر أنالك وإن قرأت بكسر الهاء، ثم بالهمزة الساكنة وضم التاء فمعناه تهيأت لك قالَ يوسف: مَعاذَ اللَّهِ أي أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه إِنَّهُ أي الشأن العظيم رَبِّي أي سيدي العزيز أَحْسَنَ مَثْوايَ أي تعهدي حيث أمرك بإكرامي فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بالخيانة في حرمه إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) أي المجازون للإحسان بالإساءة وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها أي قصدت زليخا مخالطة يوسف مع التصميم وقصد مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية وشهوة الشباب لا بقصد
اختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم ولهذا قال بعض أهل الحقائق: الهم قسمان: هم ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا- مثل هم امرأة العزيز- فالعبد مأخوذ به. وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم- مثل هم يوسف ﵇ والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي لولا أن أيقن بحجة ربه الدالة على كمال قبح الزنا وجواب لولا محذوف. أي لولا مشاهدته برهان ربه في شأن الزنا لجرى على موجب ميله الجبلي، لكنه حيث كان البرهان الذي هو الحكم والعلم حاضرا لديه حضور من يراه بالعين فلم يهم أصلا. والحاصل أن هذا البرهان عند المحققين المثبتين لعصمة الأنبياء هو حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب، أو المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق الحميدة وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.
стр. 526
وقيل: إن البرهان هو النبوة المانعة من إتيان الفواحش. وقيل: إنه ﵇ رأى مكتوبا في سقف البيت ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا. وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف فقالوا: إنه رأى يعقوب عاضا على إبهامه أو هتف به هاتف وقال له: لا تعمل عمل السفهاء واسمك في ديوان الأنبياء، أو تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت منيه من أنامله أو رأى كفا من غير ذراع مكتوبا فيه وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [يونس: ٦١] ، الآية.
كَذلِكَ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ أي مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بشهوة وَالْفَحْشاءَ أي الزنا إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) . قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام في جميع القرآن أي الذين أخلصوا دينهم الله تعالى، والباقون بفتح اللام أي الذين اختارهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها أو أخلصهم من كل سوء وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص فإن سبق يوسف فتح الباب للخروج وإن سبقت زليخا أمسكت الباب لمنع الخروج وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي شقت قميص يوسف من خلف بنصفين من وسطه إلى قدميه فغلبها يوسف وخرج وخرجت خلفه وَأَلْفَيا سَيِّدَها أي صادفا زوجها قطفير لَدَى الْبابِ أي البراني.
روى كعب ﵁: أنه لما هرب يوسف ﵇ صار فراش القفل يتناثر حتى خرج من الأبواب قالَتْ لزوجها خائفة من التهمة ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً قيل: إن يوسف أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فذكرت كلاما مبهما، ثم خافت أن يقتله العزيز وهي شديدة الحب له فقالت: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) أي ليس جزاؤه إلا السجن أو الضرب الوجيع، وإنما أخرت ذكر الضرب لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب وإنما أرادت أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف، أما الحبس الطويل فلا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ولم يقل هذه ولا تلك لفرط استحيائه- وهو أدب حسن حيث أتى بلفظ الغيبة- ولم يكن يوسف يريد أن يهتك سترها، ولكن لما لطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه فصرّح بالأمر فقال: هي طالبتني للمواتاة وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وهو ابن داية زليخا أو ابن خال لها وكان عمره شهرين أنطقه الله تعالى لبراءة يوسف. وروي أن العزيز اشترى يوسف، بوزنه ذهبا ووزنه فضة، ووزنه لؤلؤا، ووزنه مرجانا، ووزنه مسكا، ووزنه عنبرا فلما ذهب به إلى البيت شغفت به زليخا فقالت لحاضنتها: ما الحيلة؟ فقالت لها: يا سيدتي لو نظر إليك لكان أسرع حبا منك إليه، ولو رأى حسنك وجمالك وصفاء لونك ما قرّ له قرار دونك فقالت: وكيف ذلك؟
فقالت: مكنيني من الأموال، فقالت: خزائني بين يديك فخذي ما شئت لا حساب عليك وأمرت بإحضار أهل البناء والهندسة، وقالت: أريد بيتا يرى الوجه في سقفه وفي حيطانه كما يرى في
стр. 527
المرآة المصقولة فقالوا: نعم، فبنوا لها بيتا سمته القيطون، فلما تم دعت المصور وأمرته بصنع سرير من ذهب مرصّع بالجواهر واليواقيت، وفرشته بالديباج والسندس، وصوّرت صورة يوسف وزليخا متعانقين، ثم زينت زليخا وخرجت إلى يوسف مستعجلة وقالت: يا يوسف أجب سيدتك فإنها تدعوك في بيتها القيطون، وكان سميعا مطيعا، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به فرماه وأسرع لباب البيت فلما وضع قدمه الواحدة أحس قلبه بالشر وأراد الرجوع فأسرعت زليخا إليه وجرته للسرير فغمض عينيه، وأطرق رأسه، وبكى حياء من الله تعالى وراودته عن نفسه فأبى، فقالت له: لم تخالف أمري؟ فقال: خوفا من الله وإكراما لسيدي الذي أحلني محل أولاده، فقالت: أما إلهك فأنا أعطيك جميع الأموال تصدّق بها لربك ليغفر لك هذا الذنب، وأما سيدك فأنا أطعمه السم حتى يهرى لحمه وأكون أنا وأموالي ملكك، فقام وبادر إلى الباب من غير أن يكون بينه وبينها سبب من الأسباب فجذبته مزقت قميصه من خلفه وهو فار، فوافق ذلك الوقت أن العزيز مر بالباب، فنظر العزيز لزليخا فرآها مزينة حاسرة عن وجهها، ونظر إلى يوسف فرآه منكس الرأس، باكي العين. فوقف متحيرا في أمرهما ينظر إليه مرة، وإليها مرة، فقالت له:
إن غلامك هذا يريد أن يخونك في أهلك أي شيء جزاؤه أن يسجن أو عذاب أليم. فقال له العزيز: يا يوسف ما كان هذا جزائي منك أحللتك محل أولادي وتخونني في أهلي! فقال يوسف ﵇: إن لي شاهدا يشهد لي بالبراءة فقال له: أين الشاهد وليس معكما في البيت ثالث؟
فقال: هذا الطفل يشهد لي بالبراءة، فأوحى الله لجبريل أن اهبط على الطفل وشق له لسانه حتى يشهد لعبدي يوسف بالبراءة فعند ذلك تنحنح الطفل وقال: أيها الملك إن عندي في أمرك هذا ما لك فيه فرج ومخرج، انظر إلى قميص الغلام العبراني إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ أي شق من قدام فَصَدَقَتْ أي فقد صدقت المرأة وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) في قوله: هي راودتني وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ أي من خلف فَكَذَبَتْ أي فقد كذبت المرأة في دعواها وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) في قوله: هي راودتني فَلَمَّا رَأى أي زوجها قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها إِنَّهُ أي هذا القذف له في ضمن قولك: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا مِنْ كَيْدِكُنَّ أي من جنس مكركن أيتها النساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) لأن لهن في هذا الباب من الحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي يا يوسف أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها، واكتمه فقد ظهر صدقك ونزاهتك، اسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ الذي صدر عنك أي توبي إلى الله تعالى مما رميت يوسف به وهو بريء منه إِنَّكِ كُنْتِ بسبب ذلك مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩) . في هذا القول الذي لا يليق بمقام الأنبياء وكان العزيز رجلا حليما، فاكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها، وكان قليل الغيرة قال: في البحر أن
стр. 528
تربة مصر تقتضي هذا ولهذا لا ينشأ فيها الأسد ولو دخل فيها ما يبقى، ثم أخبرت زليخا بعض النساء بما حصل لها وأمرتهن بالكتم فلم يكتمن بل أشعن الأمر. وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ أي أشعن الأمر في مصر: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ أي الملك قطفير تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي وقال جماعة من النساء: وكن خمسا وهن امرأة صاحب دواب الملك وامرأة صاحب سجنه، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب مطبخه، وامرأة ساقيه فتحدثن فيما بينهن وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها الكنعاني عن نفسه وهو يمتنع منها قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي قد شق فتاها شغاف قلبها من جهة الحب.
وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين «شغفها» بالعين المهملة أي قد أحرق حبها فتاها حجاب قلبها. والمعنى أن اشتغالها بحبه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا يخطر ببالها إلا هو إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) أي إنا نعلمها في ضلال واضح عن طريق الرشد بسبب حبها إياه
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي قولهن المستدعي لنظرهن إلى وجه يوسف أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي أرادت إظهار عذرها فاتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة من أشرف مدينتها فيهن الخمس المذكورات وَأَعْتَدَتْ أي أحضرت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي وسائد يتكئن عليها، هذا «إن» قرئت مشددة فإن قرئت مخففة فمعناها اترنجة فإنهم كانوا يتكئون على المسانيد عند الطعام والشراب والحديث على عادة المتكبرين ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو
قوله ﷺ : «لا آكل متكئا»
. وَآتَتْ أي أعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً لأجل أكل الفاكهة واللحم لأنهم كانوا لا يأكلون من اللحم إلا ما يقطعون بسكاكينهم وَقالَتِ أي زليخا ليوسف وهي مشغولات بأعمال الخناجر في الطعام: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أي ابرز لهن ومر عليهن فإن يوسف ﵇ ما قدر على مخالفتها خوفا منها فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه وهبنه ودهشن
عند رؤيته من شدة جماله وقيل:
معنى أكبرن أي حضن والهاء إما للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف على حذف اللام، أي حضن له من شدة الشبق وأيضا إن المرأة إذا فزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت ويقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر وذلك إذا حاضت، لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي جرحن أيديهن حتى سال الدم ولم يجدن الألم لفرط دهشتهن وشغل قلوبهن بيوسف وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أي تنزيها لله تعالى من العجز حيث قدر على خلق جميل مثل هذا ما هذا بَشَراً أي ليس يوسف آدميا.
وقرأ ابن مسعود «ما هذا بشر» بالرفع. وقرئ «ما هذا بشرى» أي ما هو بعبد مملوك للبشر حاصل بشراء إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) على الله فإنه قد ثبت في العقول أنه لا شيء أحسن من الملك كما ثبت فيها أن لا شيء أقبح من الشيطان.
стр. 529
وقيل: إن النسوة لما رأين يوسف لم يلتفت إليهن ألبتة، ورأين عليه هيبة النبوة والرسالة وسيما الطهارة قلن: إنا ما رأينا فيه أثرا من آثار الشهوة ولا صفة من الإنسانية فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية قالَتْ أي زليخا لهن: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي فهذا الذي ترينه هو ذلك العبد الكنعاني الذي عيبتنني في الافتتان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو حصلت صورته في خيالكن لتركتن هذه الملامة وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ حسبما سمعتن وقلتن فَاسْتَعْصَمَ أي فامتنع عني بالعفة وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ أي إن لم يفعل يوسف مقتضى أمري إياه من قضاء شهوتي لَيُسْجَنَنَّ أي ليعاقبن بالحبس وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) أي من الذليلين في السجن فقلن ليوسف: أطع مولاتك قالَ أي يوسف مناجيا لربه : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ أي يا رب دخول السجن أحب عندي مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والعذاب الأليم وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ بالتثبيت على العصمة فإن كل واحدة منهن كانت ترغب يوسف على موافقة زليخا وتخوّفه على مخالفتها أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أمل إلى إجابتهن على قضية الطبيعة البشرية وحكم القوة الشهوية وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) أي وأصر من الذين لا يعملون بعلمهم فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ دعاءه الذي في ضمن قوله وإلا تصرف عني إلخ فإن فيه التجاء إلى الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات وطلب النجاة من الشرور على جناب الله تعالى كقول المستغيث أدركني وإلا هلكت فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حسب دعائه وثبته على العصمة والعفة حتى وطّن نفسه على مشقة السجن إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء المتضرعين إليه الْعَلِيمُ (٣٤) للنيات فيجيب ما طاب منه العزم ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ أي ثم ظهر للعزيز وأصحابه المشاركين له في الرأي من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف ﵇ كشهادة الصبي، وقد القميص من دبر وقطع النساء أيديهن سجنه ﵇ قائلين والله لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) أي إلى انقطاع مقالة الناس في المدينة فإن زليخا لما أيست من يوسف بجميع حيلها كي تحمله على موافقة مرادها قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إليهم وإما أن تسجنه، فسجنه وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ أي عبدان لملك مصر الكبير وهو الريان بن الوليد العمليق سمى أحدهما: وهو صاحب شرابه سرهم، وسمى الآخر وهو صاحب مطبخه برهم.
وقيل: اسم الأول: مرطش، والثاني: رأسان، وسبب سجنهما أن جماعة من أهل مصر أرادوا قتل الملك فجعلوا لهما رشوة على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم إلى ذلك، ثم إن الساقي ندم ورجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسمّ الطعام، فلما حضر الخبز بين يدي
стр. 530
الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز: لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشربه فشربه، فلم يضره وقال الخباز: كل من الطعام فأبى فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر بحبسهما فاتفق أنهما دخلا مع يوسف فلما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام قالَ أَحَدُهُما وهو صاحب شراب الملك إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أي إني رأيت نفسي أعصر عنبا وأسقي الملك وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز إِنِّي أَرانِي أي رأيتني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي أخبرنا بتفسير رؤيانا إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) أي من العالمين بتفسير الرؤيا ومن المحسنين إلى أهل السجن فيسليهم ويقول: اصبروا وأبشروا تؤجروا فقالوا: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ فقال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم. فقال له: صاحب السجن يا فتى والله لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت، أي إن الساقي قال لسيدنا يوسف: أيها العالم إني رأيت في المنام كأني في بستان وفيه شجرة عنب فيها ثلاثة أغصان وعليها ثلاثة عناقيد من العنب فجنيتها وكأن كأس الملك في يدي فعصرتها وسقيت الملك فشربه. وقال الخباز: إني رأيت في المنام كأني أخرج من مطبخ الملك وعلى رأسي ثلاث سلال من الخبز فوقع طير على أعلاها وأكل منها ولما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبرها لهما حين سألاه لما علم ما فيها من المكروه لأحدهما فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد لأنه علم أن أحدهما هالك فأراد أن يدخله في الإسلام فبدأ بإظهار المعجزة لهذا السبب قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ أي لا يأتيكما طعام ترزقانه في منزلكما على حسب عادتكما المطردة إلا أخبرتكما بعاقبته فهو يفيد الصحة أو السقم وبلونه وجنسه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما وكيف لا أعلم تعبير رؤياكما وهذا راجع إلى أن يوسف ادعى الإخبار عن الغيب وهو يجري مجرى قول عيسى: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ذلِكُما أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي والإلهام لا على جهة الكهانة والنجوم إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) أي إني امتنعت عن دين قوم لا يؤمنون بالله وبالبعث بعد الموت وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وإنما قال يوسف: ذلك ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عمّا كانا عليه من الشرك والضلال. ما كانَ أي لا يصح لَنا معاشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي أيّ شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا عن أن نشرك به صنما لا يسمع ولا يبصر ذلِكَ أي التوحيد الذي هو ترك الإشراك مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي وَعَلَى النَّاسِ بإرسالنا إليهم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) أي لا يوحدون الله تعالى يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي يا