يقبل الشركة الْقَهَّارُ (٦٥) لخلقه، رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي خالقهما، الْعَزِيزُ أي الغالب فلا يغلب في أمر من الأمور، الْغَفَّارُ (٦٦) لمن تاب قُلْ هُوَ، أي ما أنبأتكم به نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) وارد من الله تعالى أَنْتُمْ عَنْهُ أي عن ذلك النبأ مُعْرِضُونَ (٦٨) ، أي تاركون له. وهذه الجملة صفة ثانية ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) ، أي ما كان لي من علم بكلام الملائكة وقت اختصامهم في أمر آدم ﵇، إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) أي ما يوحى إلي حال الملائكة إلّا كوني نذيرا مبينا، أي أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلّا بالوحي وإنما أوحى الله إلي هذه القصة لأنذركم بها، ولتصير هذه القصة حاضة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد،
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي آدم مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي جمعت أجزاء بدنه وصورته بالصورة الإنسانية، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي أفضت عليه الروح، وهي عرض صار البدن بوجودها حيا وهي جوهر يسري في البدن سريان الضوء في الفضاء، وسريان النار في الفحم، فَقَعُوا لَهُ أي اسقطوا له ساجِدِينَ (٧٢) تحية له وتكريما، فخلقه إنسانا فسواه فجعل الروح فيه، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) أي فسجد الملائكة كلهم بطريق المعية لآدم بحيث لم يبق منهم أحد إلّا سجد له، ولم يتأخر في ذلك السجود أحد منهم عن أحد، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ أي تعظم عن السجود لآدم، وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) أي وصار إبليس من الكافرين بإبائه عن أمر الله بعد أن كان مسلما عابدا فإنه عبد الله ثمانين ألف عام.
قالَ الله له: يا إِبْلِيسُ أي يا خبيث ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي لما خلقته بقدرتي، وإرادتي من غير توسط أب وأم، أَسْتَكْبَرْتَ أي أتكبرت عن السجود لآدم من غير استحقاق، أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) أي من المستحقين للتفوق؟ قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) والنار أفضل من الطين، لأن النار تأكل الطين فلذلك لم أسجد له. قالَ الله له: فَاخْرُجْ مِنْها أي من الخلقة التي كنت عليها فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعد ما كان حسنا وأظلم بعد ما كان نورانيا، فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) أي مطرود من كل خير وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي أي سخطي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) أي يوم الحساب. قالَ إبليس:
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) من القبور، أي إذا جعلتني رجيما فلا تمتني إلى يوم يبعث آدم وذريته من القبور للجزاء بعد فنائهم، وأراد الخبيث بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم وأن لا يذوق الموت.
قالَ الله: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) الذي قدره الله وعينه لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول. قالَ إبليس:
فَبِعِزَّتِكَ أي فاقسم بعزتك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) ، أي لأضلن ذرية آدم عن دينك بتزيين المعاصي لهم إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) أي المعصومين من الغواية، أو المخلصين قلوبهم وأعمالهم لله. قالَ الله: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) .
стр. 982
قرأ عاصم وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، أي فأنا الحق، أو فالحق قسمي ولا أقول إلّا الحق. وقرأ الباقون بنصبهما أي فبالحق أي أقسم بالحق. وقرئ بجرهما على أن الثاني حكاية لفظ المقسم به على أن معنى الحق نقيض الباطل.
وقرئ بجر الأول على إضمار حرف القسم ونصب الثاني على المفعولية لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ، ومن جنسك من الشياطين، وَمِمَّنْ تَبِعَكَ في الغواية مِنْهُمْ أي من ذرية آدم أَجْمَعِينَ (٨٥) تأكيدا للكاف و «ما» عطف عليه. قُلْ يا أشرف الرسل: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على هذه الدعوة مِنْ أَجْرٍ أي دنيوي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) أي الحاملين للمشقة في الشريعة على الناس، أي إن هذا الذي أدعوكم إليه دين لا يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة، بل هو دين يشهد العقل بصحته، فإني أدعوكم أولا إلى الإقرار بوجود الله، ثم أدعوكم ثانيا إلى تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق به تعالى، ثم أدعوكم ثالثا إلى الإقرار بكونه تعالى موصوفا بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة، ثم أدعوكم رابعا إلى الإقرار بكونه تعالى منزها عن الشركاء، ثم أدعوكم خامسا إلى الامتناع عن عبادة الأوثان، ثم أدعوكم سادسا إلى تعظيم الملائكة والأنبياء، ثم أدعوكم سابعا إلى الإقرار بالبعث والقيامة، ثم أدعوكم ثامنا إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة.
فهذه الأصول الثمانية هي الأصول المعتبرة في دين الله تعالى، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعوا الخلق إليها، بل كل عقل سليم يشهد بصحتها وبعدها عن الفساد. وهو المراد من قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) أي ما هذا القرآن إلا عظة من الله تعالى للثقلين كافة، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) أي إنكم إن أصررتم على الجهل والتقليد، وأبيتم قبول هذه البينات التي ذكرناها في القرآن فستعلمون بعد الموت أنكم كنتم مصيبين في إعراضكم عنه أو مخطئين.
стр. 983
سورة الزمر
ويقال لها سورة الغرف مكية، إلّا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ والأخرى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية، خمس وسبعون آية، ألف ومائة واثنتان وتسعون كلمة، أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية أحرف
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) ، أي هذه السورة تنزيل الكتاب من الله إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ملتبسا بكل ما فيه حق لا ريب فيه موجب للعمل به حتما، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) ، أي فاعبده تعالى ممحضا له الدين من شوائب الشرك والرياء.
وقرأ ابن أبي عبلة برفع الدين على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ أي ألا هو الذي يجب أن يخص بإخلاص الطاعة له لأنه المنفرد بصفات الألوهية وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، والموصول مبتدأ وهو عبارة عن المشركين وخبره محذوف، والوقف على «زلفى» كاف، كما قاله أبو عمرو. وقيل: تام أي والمشركون الذي عبدوا من غير الله أربابا ملائكة وعيسى وعزيرا، والأصنام، والشمس، والقمر، والنجوم يقولون: ما نعبدهم إلّا ليقربونا إلى الله في المنزلة، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
وقرئ «ما نعبدكم إلّا لتقربونا» حكاية لما خاطبوا له آلهتهم، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي أي لا يوفق للاهتداء إلى الحق مَنْ هُوَ كاذِبٌ في وصفهم لغير الله بأنهم آلهة مستحقة للعبادة كَفَّارٌ (٣) لاعتقادهم في غير الله بالإلهية ولكفرانهم نعمة المنعم، وهو الله تعالى فإن العبادة نهاية التعظيم، وهي لا تليق إلّا بمن يصدر عنه غاية الإنعام لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً من الملائكة والآدميين كما قالت اليهود والنصارى، وبنو مليح لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذ كل موجود سواه مخلوق له، لكن اتخاذ الولد من خلقه باطل لاستحالة كون المخلوق من جنس الخالق، ولأن كونه منه يستلزم حدوث الخالق، وهو ممتنع عقلا ونقلا سُبْحانَهُ أي تنزيها له عن اتخاذ الولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) ، أي إن كون الله إلها واجب الوجود لذاته يوجب
стр. 984
كونه واحدا في حقيقته وكونه واحدا في حقيقته يمنع من ثبوت الولد فثبت أن كونه واحدا يمنع من ثبوت الولد، ثم إن كونه تعالى قهار يمنع من ثبوت الولد له فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت ويحتاج إلى من يقوم مقامه، لأنه يكون مقهورا بالموت، أما الذي يكون قاهرا لا يموت كان الولد في حقه محالا. وقوله: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي ملتبسة بالصواب مشتملة على الحكم والمصالح يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ، أي يغشى كل واحد منهما الآخر ويزيد كل واحد منهما بقدر ما ينقص الآخر، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي جعلهما منقادين لأمره تعالى، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي كل منهما يجري في فلكه لمنتهى دورته، أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) أي إن خلق هذه الإجرام العظيمة دليل على كمال القدرة فهو يوجب الخوف والرهبة إلّا أنه تعالى غفار، فكونه تعالى غفارا دليل على كثرة رحمته فهي توجب الرجاء والرغبة، خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلقها وهي نفس آدم وحدها، ثُمَّ جَعَلَ مِنْها أي من تلك النفس، زَوْجَها حواء خلقها من ضلع من أضلاعه القصرى وَأَنْزَلَ لَكُمْ أي أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء، كالأمطار وأشعة الكواكب مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أي أفراد من الإبل، اثنين ذكر وأنثى. ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين، يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، أي حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ البطن والرحم والمشيمة، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أي ذلكم الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله المربي لكم، بالخلق والرزق، فهو المستحق لعبادتكم، لَهُ الْمُلْكُ في الدنيا والآخرة ليس لغيره شركة في ذلك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، أي لا معبود للخلق أجمعين إلّا الله، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) أي فكيف تصرفون عن عبادة الله تعالى مع وفور دواعيها إلى عبادة غيره تعالى من غير داع إليها، إِنْ تَكْفُرُوا به تعالى فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، أي فاعلموا أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة، أو ليدفع عن نفسه مضرة، لأن الله تعالى غني عن إيمانكم وشرككم، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ أي وإن كان لا ينفعه تعالى إيمان ولا يضره كفر، إلّا أنه لا يرضى بالكفر وَإِنْ تَشْكُرُوا بأن تقروا باللسان بحصول النعمة، وتعتقدوا صدور النعمة من الله تعالى، وتعملوا الصالحات بجوارحكم يَرْضَهُ لَكُمْ أي يرضى الشكر لأجل منفعتكم، لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين لا لانتفاعه تعالى به.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر، وعاصم، وحمزة بضم الهاء مختلسة.
وقرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات ساكنة الهاء للتخفيف. وقرأ نافع في بعض الروايات وابن عامر والكسائي، وابن ذكوان، والدوري مضمومة الهاء مشبعة. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، فكل مأخوذ بذنبه. وهذا بيان
стр. 985
لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره أصلا ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ بالبعث بعد الموت. فأهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان وأن يعرف ما يضره وما ينفعه وأن يعرف أحواله بعد الموت فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أي يجازيكم بأعمال الكفر والإيمان في الدنيا ثوابا وعقابا. وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف.
وقال ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
«١» . وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ، أي الكافر كعتبة بن ربيعة وأبي جهل ضُرٌّ في جسمه، أو ماله، أو أهله، أو ولده دَعا رَبَّهُ أي استجار به مُنِيباً إِلَيْهِ أي مقبلا إليه بالنداء في إزالة ذلك الضر، ولم يؤمل فيه سواه، ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ أي أعطاه نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، أي ترك دعاء ربه الذي يتضرع إليه من قبل إعطاء النعمة، كأنه لم يفزع إليه ونسي أن لا إله سواه، فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله تعالى كما قال تعالى: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً أي أعدالا في العبادة لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بعد لام العاقبة، أي ليثبت على الضلال عن دين الإسلام والباقون بضمها أي ليضل غيره عنه. قُلْ للكافر: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أي عش في كفرك في هذه الدنيا بقية عمرك وهذا الأمر زجر عن الكفر وتعريف لقلة تمتعه في الدنيا. إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أي من المعذبين في النار على الدوام، وفي هذا إقناط للكافر من النجاة أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ.
وقرأ نافع وابن كثير وحمزة «أمن» بتخفيف الميم والهمزة «إما» للاستفهام التقريري ومقابله محذوف تقديره «أمن» هو قائم بما يجب عليه من الطاعة في ساعات الليل حالتي السراء والضراء، كمن جعل لله أندادا ودعا عند مساس الضر فقط، أو للنداء، أي يا من هو قائم في ساعات الليل قل: كيت وكيت أنت من أهل الجنة. وقرأ الباقون بتشديد الميم ف «أم» داخلة على «من» الموصولة وهي إما متصلة ومعادلها محذوف تقديره الكافر خير، أم من هو قائم بأداء وظائف العبادات. أو منفصلة تقدر ب «بل» والهمزة، أي بل أمن هو مطيع لله كالكافر المقول له تمتع بكفرك ساجِداً وَقائِماً حال من ضمير قانت.
وقرئ بالرفع على أنه خبر بعد خبر، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي يخاف عذاب الآخرة وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، أي جنة ربه فينجو مما يخافه، ويفوز بما يرجوه. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ توحيد الله وأمره ونهيه وهو أبو بكر وأصحابه، وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذلك- وهو أبو جهل وأصحابه- ويجوز أن يراد هذا سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون
стр. 986
والعاصون، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) أي إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الصافية، ولا يعرف التفاوت الحاصل بين العلماء والجهال إلّا أصحاب
القلوب النيرة. وقيل لبعض العلماء: إنكم تقولون: العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم، لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه. قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي قل لهم ربكم يقول: أطيعوا ربكم في الصغير والكبير من الأمور لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، والجار والمجرور إما صلة لأحسنوا والمعنى للذين عملوا الأعمال الحسنة في هذه الدنيا على وجه الإخلاص حسنة عظيمة في الآخرة، وهي الجنة. وإما صلة لحسنة. والمعنى: الذين أحسنوا في هذه الدنيا أمن وصحة وكفاية وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ، أي فإن لم يتمكنوا من صرف الهمم إلى الإحسان في بلادهم فقل لهم: فإن أرض الله واسعة فلتهاجروا من تلك البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا طاعة إلى طاعتهم، لأنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) ، أي بغير نهاية بهنداز ونحوه.
قُلْ يا أشرف الرسل لكفار قريش- حيث قالوا للنبي ﷺ : ما حملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا أنتظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك، يعبدون اللات والعزى، فتأخذ بها-: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) أي العبادة عن شوائب الشرك والرياء وغير ذلك، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) أي وأمرت بأن أكون أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها، فإني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعا فيه، وأكثرهم مداومة عليه، والعبادة لها ركنان: عمل القلب، وعمل الجوارح. فعمل القلب: هو الإخلاص، وعمل الجوارح: هو الإسلام. وهذا فائدة إتيان الأمر مرتين، ثم بيّن الله أن هذا الأمر للوجوب فقال: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) ومعنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) ، أي لا أعبد أحدا سوى الله. والأول إخبار بأنه ﷺ مأمور من جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة وإخلاص القلب له تعالى. وهذا إخبار بأنه ﷺ أمر أن لا يعبد أحدا غير الله، وإخبار بامتثاله ﷺ بالأمر على أبلغ وجه، فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ أن تعبدوه مِنْ دُونِهِ تعالى. وفي هذا دلالة على شدة الغضب عليهم. قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي حين يدخلون النار حيث أوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها، أَلا أي تنبهوا لهذه الخسرة العظيمة، ذلِكَ أي الأمر العظيم هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) ، فلا خسران وراءه، فكل خسران يصير في مقابلته كلا خسران،
стр. 987
لَهُمْ أي لهؤلاء الخاسرين مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ أي قطع كبار مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، أي فراش من النار. والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب، وإنما سمي ما تحتهم بالظلل، لأن التي تكون تحتهم تكون ظللا لآخرين تحتهم، لأن النار دركات وأيضا إن الظلة التحتانية تشابه الفوقانية في الحرارة والإحراق ذلِكَ العذاب هو الذي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ المؤمنين ليخلصوا في الطاعة، يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) أي يا أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أي الشيطان أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي أقبلوا إليه بالطاعات لَهُمُ الْبُشْرى بنوع من الخير عند قرب الموت، وعند الوضع في القبر، وعند الخروج منه، وعند الوقوف في عرصة القيامة وعلى باب الجنة. وقوله تعالى: أَنْ يَعْبُدُوها بدل الاشتمال. والمعنى: والذين تركوا عبادة الشيطان إلخ، فإن عبادة غير الله تعالى عبادة للشيطان إذ هو الآمر بها، فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
وعن ابن عباس أن المراد من هذا الرجل يجلس مع القوم، ويسمع الحديث في ذلك المجلس محاسن ومساوئ، فيحدث بأحسن ما سمع، ويترك ما سواه.
وقرأ السوسي «عبادي» بياء مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف. والباقون بغير الياء.
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ للصواب ولمحاسن الأمور وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أي هم ذوو العقول السليمة عن منازعة الهوى، أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) أي أفمن ثبت عليه كلمة العذاب أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلال بدعائك له إلى الإيمان فتنقذه من النار. وهذا تنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار. وكان النبي ﷺ يحرص على إيمان قوم، وقد سبقت لهم من الله الشقاوة، فنزلت هذه الآية.
قال ابن عباس: نزلت في حق أبي لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان. لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بأن أطاعوه لَهُمْ غُرَفٌ أي منازل في الجنة رفيعة مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ أي من فوق تلك المنازل منازل أرفع منها مَبْنِيَّةٌ أي قوية كبناء المنازل المبنية على الأرض في الأحكام بخلاف منازل الدنيا، فالفوقاني فضيلته الارتفاع ونقصانه السخافة، والتحتاني فضيلته القوة ونقصانه التسفل. أما منازل الجنة فهي مستجمعة للفضائل، فهي مرتفعة قوية وقوله تعالى: لكِنِ إضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى، وليست للاستدراك تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تجري من تحت تلك الغرف الفوقانية والتحتانية الأنهار المختلفة من غير تفاوت بين العلو والسفل وَعْدَ اللَّهِ أي وعدهم الله بذلك وعدا، وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة أن الله لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أي وعده للمؤمنين. وفي الآية دقيقة شريفة وهي أنه تعالى لم يذكر في آيات الوعيد ألبتة مثل هذا التأكيد، وذلك يدل على أن جانب الوعد من جانب الوعيد. أما قوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٢٩] ليس تصريحا بجانب الوعيد بل هو كلام
стр. 988
عام يتناول الوعد والوعيد، فثبت أن ترجيح الوعد حق خلافا للمعتزلة.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ؟ أي ألم تعلم أن الله أنزل من السماء مطرا إلى بعض المواضع، ثم يقسمه فيدخله في مجاري في خلال الأرض كالعروق في الأجساد. ويقال:
فيدخل ذلك المطر في خلال الأرض حال كونه مياها نابعة في الأرض، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ أي ينبت بالمطر زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي أصنافه من بر وشعير وسمسم وغيرها، وصفاته من طعوم وألوان خضرة، وحمرة، وصفرة، وبياض وغير ذلك. ثُمَّ يَهِيجُ أي يتم جفافه فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته.
وقرئ مصفارا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً أي منكسرة إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكور من الأفعال الخمسة لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) ، أي لتذكيرا عظيما لأصحاب العقول الصافية يتذكرون بذلك أن حال الحياة الدنيا في سرعة الانصرام كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام، فلا يغترون ببهجتها، ويجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء وإجرائه في عيون الأرض قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف في الجنة، أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ! أي أكل الناس سواء فمن جعله مستعدا للإسلام فهو على هداية من ربه ف «من» شرطية وخبرها ما بعدها. وقيل: اسم موصول مبتدأ خبره محذوف والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى فهو على لطف إلهي فائض عليه كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته! فَوَيْلٌ، أي عذاب وخسران لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أي من أجل ذكر الله، فإذا سمعوه نفروا وازدادوا قسوة، ولما نزل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: ١٢]
وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر، فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى قوله تعالى:
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: ١٤] قال كل واحد من القوم فتبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله ﷺ : «اكتب فهكذا أنزلت» «١» . فازداد عمر إيمانا على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفرا على كفر.
وقرئ «عن ذكر الله» ، أي عن قبول ذكر الله أُولئِكَ أي الذين قست قلوبهم فِي ضَلالٍ أي بعد عن الحق مُبِينٍ (٢٢) ، أي ظاهر كونه ضلالا لكل أحد قيل: نزلت هذه الآية في حمزة وعلي ﵄، وأبي لهب وولده. وقيل: في عمار بن ياسر، وأبي جهل وأصحابه. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ بحسب لفظه لفصاحته وجزالته وبحسب معناه لاشتماله
стр. 989
على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل، ولأن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا، كِتاباً مُتَشابِهاً أي يشبه بعضه بعضا- كما قاله ابن عباس- فإن كل ما فيه من الآيات يقوي بعضها بعضا. والمقصود منها بأسرها الدعوى إلى الدين وتقرير عظمة الله، مَثانِيَ فإنه أكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين: آية الرحمة والعذاب، وآية الوعد والوعيد، وآية الأمر والنهي، وآية القصص والأحكام وغير ذلك. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فإن الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة فههنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج عنه، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عنه مما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود، وإذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون الله تعالى فردا أحدا، وثبت أن كل متحيز منقسم فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله، و «عدي» و «تلين» ب «إلى» ، لأن تقدير الكلام: تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله، وهو لا يحسن بالإدراك ويقال: إنهم إذا سمعوا القرآن وذكر آيات العذاب أصابتهم خشية أو ذكر آيات الرحمة اطمأنت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وإنما قال الله إلى ذكر الله، ولم يقل إلى ذكر رحمة الله، لأن المحب المحق الذي في الدرجة العالية هو من أحب الله لا لشيء سواه، وأما من أحب الله لأجل رحمته، فهو ما أحب الله وإنما أحب شيئا غيره ذلِكَ أي الكتاب الذي هو أحسن الحديث هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وهو الذي شرح صدره لقبول هذه الهداية، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي ومن جعل الله قلبه قاسيا مظلما بليد الفهم، منافيا لقبول هذه الهداية فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) ، يخلصه من ورطة الضلال.
وقرأ ابن كثير بإثبات الياء في الوقف. أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) ! والهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على جملة مقدر، و «من» اسم موصول مبتدأ وخبره محذوف. وقيل: معطوف على «يتقي» . وتقدير الكلام: أكل الناس سواء فمن يجعل وجهه قائما مقام الدرقة يقي به وجهه العذاب الشديد يوم القيامة وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا عذاب ما كنتم تكسبونه في الدنيا، كمن هو آمن من العذاب! قيل: يلقى الكافر في النار مغلوبة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبل العظيم فتشتعل النار فيها وهي في عنقه فحرها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه وعنقه. قيل: نزلت هذه الآية في حق أبي جهل وأصحابه. كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي قبل قومك من الأمم السالفة، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ المقدر لكل أمة منهم مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) ، أي من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها، فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ أي الذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، أي فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أعظم من ذلك الذي وقع، لَوْ كانُوا
стр. 990
يَعْلَمُونَ
(٢٦) عذاب الآخرة ما كذبوا رسلهم، ولكن لا علم لهم أصلا، وَلَقَدْ ضَرَبْنا بيّنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي وجه يحتاج إليه الناظر في أمور دينه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) ، أي كي يتعظوا به قُرْآناً عَرَبِيًّا، أي أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي بريئا عن التناقض.
وقيل: أي غير مخالف لسائر الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور بالتوحيد. وقال السدي:
أي غير مخلوق. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) أي لكي يتقوا بالقرآن عما نهاهم الله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا ف «مثلا» . مفعول ثان ل «ضرب» و «رجلا» مفعوله الأول. فِيهِ شُرَكاءُ أي سادات مُتَشاكِسُونَ أي متخالفون، سيئة أخلاقهم وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ، أي ورجلا خالصا لسيد واحد.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالما» بالألف وكسر اللام. والباقون بفتح السين واللام بغير الألف.
وقرئ «سلما» بفتح السين وكسرها مع سكون اللام. وقرئ «ورجل سالم» بالرفع على الابتداء، أي وهناك رجل سالم لرجل هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أي صفة، أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما. والمعنى اضرب يا أشرف الرسل لقومك مثلا وقل: ما تقولون في رجل مملوك قد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع، فكل واحد منهم يدّعي أنه عبده، فهم يتجاذبون في حوائجهم، وهو متحيّر في أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج في مهم إليهم، فكل واحد منهم يرده إلى الآخر فهو يبقى متحيرا لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه، وأيهم يعينه في حاجاته فهو بهذا السبب يلقى منهم التعب العظيم، وفي رجل آخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص وذلك السيد يعينه على حاجاته، فإن أطاعه عرف له وإن أخطأ صفح عن خطأه فأيّ هذين العبدين أحسن حالا وأحمد شأنا، وأقل تعبا وهذا مثل ضربه الله الكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي يعبد الله وحده. الْحَمْدُ لِلَّهِ أي لما بطل القول بإثبات الشركاء وثبت أنه لا إله إلّا الله الواحد الأحد ثبت أن الحمد له لا لغيره، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) أن الحمد له تعالى لا لغيره وأن المستحق للعبادة هو الله لا غيره، ويقال: لا يعلمون أمثال القرآن إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ أي كفار مكة مَيِّتُونَ (٣٠) أي إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء في أعداد الموتى
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) أي تتكلمون أنتم ورؤساء الكفار بالحجة. والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا أشرف الرسل بهذا، فإنك ستموت وهم سيموتون أيضا، ثم تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى، والعادل الحق يحكم بينكم، فيوصل إلى كل واحد ما هو حقه وحينئذ يتميز الحق من الباطل، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أي لا أحد أظلم ممن أثبتوا لله ولدا.
стр. 991
وشركاء. و «كذب» بتخفيف الذال، وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ أي بالأمر الذي هو نفس الصدق وهو ما جاء النبي ﷺ : من لا إله إلّا الله والقرآن وغير ذلك. إِذْ جاءَهُ أي في أول مجيء ذلك الأمر من غير تدبر فيه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) ، أي لهؤلاء الذين افتروا على الله وسارعوا إلى تكذيب الصدق من أول الأمر، وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ أي بعين الحق وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) ، أي المنعوتون بالتقوى، والموصول عبارة عن رسول الله ﷺ والذي صدّق بنفس الصدق هو أبو بكر. وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب، وجماعة من المفسرين.
وقيل: المراد من الموصول كل من جاء بالصدق، وهم الأنبياء والذي صدق به الأتباع، ويؤيد هذا القول قراءة ابن مسعود ﵁، والذي جاءوا بالصدق وصدقوا به.
وقرئ «وصدق به» بتخفيف الدال، أي صدق الرسول بذلك الصدق الذي هو بمعنى القرآن الناس، ولم يكذبهم بأن أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف.
وقيل: صار الرسول صادقا بسبب الصدق الذي هو القرآن، لأنه معجزة، وهي تصديق من الله تعالى، فيصير المدعي للرسالة صادقا بسبب تلك المعجزة.
وقرئ وصدق به على البناء للمفعول، أي صدق الرسول بالقرآن، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي لهم كل ما يشاءونه من جلب المنافع ودفع المضار في الآخرة لا في الجنة فقط لما أن بعض ما يشاءونه من تكفير السيئات والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة، إنما يقع قبل دخول الجنة، ذلِكَ أي حصول ما يشاءونه جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) أي الذين أحسنوا أعمالهم لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا أي أقبح أعمالهم دفعا لمضارهم وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أي بإحسانهم، إعطاء لمنافعهم. والمراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء ﵈ فيما أتوا فإن الله يكفر عنهم أسوأ أعمالهم- وهو الكفر السابق على ذلك الإيمان- ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب. وقوله تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ بمتعلق بقوله تعالى: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ، باعتبار فحواه حيث كان إخبارا بما سيثبت لهم فيما سيأتي، وهو في معنى الوعد كأنه قيل وعدهم الله جميع ما يشاءونه من زوال المضار وحصول المسار، ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا إلخ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وهو محمد ﷺ كما قال السدي- ويقال: هو خالد بن الوليد مما يريدون به.
وقرأ حمزة والكسائي «عباده» ، وهم الأنبياء ﵈، فإن قومهم قصدوهم بسوء لقوله تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر: ٥] ودخول همزة الإنكار على
كلمة النفي تفيد معنى إثبات الكفاية، أي هو كاف عبده وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ تعالى، وهم اللات والعزى ومناة أي إن قريشا يقولون لك: يا محمد لا تشتمها ولا تعبها فتخبلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 992
وروي أنه ﷺ بعث خالدا إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها. لا تدركها أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها، فهشم أنفها، فنزلت هذه الآية وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه حتى غفل عن كفاية الله لعبده محمد وخوفه بما لا ينفع ولا يضر فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) ، أي مرشدا إلى دينه وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ عن دينه، أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ أي غالب على أمره ذِي انْتِقامٍ (٣٧) من أعدائه لأوليائه. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي كفار مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ خلقهما لوضوح الدليل على تفرده تعالى بكونه خالقا لهما. قُلْ تبكيتا لهم: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ! أي إذا لم يكن خالق سوى الله تعالى وقد أقررتم بأن خالق العالم العلوي والسفلي هو الله تعالى، فأخبروني بأن ما تعبدون من غير الله وهي اللات والعزى ومناة، إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ أي بلاء هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أي رافعات بلائه تعالى عني، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ أي بنفع هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ، أي مانعات نعمته عني حتى تأمروني بعبادتها وتخوفوني معرتها وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ متعد لاثنين: أولهما: «ما تدعون» . والثاني: الجملة الاستفهامية.
وقرأ أبو عمرو بتنوين «كاشفات» و «ممسكات» ونصب «ضره» و «رحمته» . وروي أنه ﷺ لما سألهم قالوا: لا، أي لا تكشف ولا تمسك فنزل قوله تعالى: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) . أي قل لهم: إذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافية، وكان الاعتماد عليه كافيا، فثقتي في جميع أموري من إصابة الخير، ودفع الشر بالله تعالى، وبه تعالى يثق الواثقون لا على غيره أصلا، لعلمهم بأن كل ما سواه تعالى تحت ملكوته تعالى. قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على حالتكم، وهي الكفر والعناد.
وقرأ شعبة «مكاناتكم» بالجمع. وهو مروي عن عاصم أيضا إِنِّي عامِلٌ على حالتي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي يهلكه في الدنيا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) ، أي ومن ينزل عليه عذاب دائم هو عذاب النار، و «من» موصولة مفعول «تعلمون» ، والأمر للتهديد أي أنتم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة، فاجتهدوا في أنواع كيدكم، فإني عامل في تقرير ديني، فسوف تعلمون أن الخزي في الدنيا بالجوع والسيف، والعذاب الدائم في الآخرة يصيبني أو يصيبكم.
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ أي لنفع الناس ولاهتدائهم به، بِالْحَقِّ أي مقرونا بالحق، وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله، فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أي فمن عمل بما فيه فنفعه يعود إلى نفسه، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي ومن لم يعمل بما فيه فضير ضلاله يعود إلى نفسه، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) أي إنك لست مأمورا بأن تجبرهم على الإيمان والهدى، وما وظيفتك إلّا البلاغ، فالهداية والضلال لا يحصلان إلّا من الله تعالى، ومن عرف هذه الحقيقة فقد عرف سر الله في القدر ومن عرف سر الله في القدر هانت
стр. 993
عليه المصائب. اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي الله يقبض الأرواح من الأبدان حين موت أجسادها بخلق الموت، وإزالة الحس بالكلية، ويقبض الأرواح التي لم تمت حين تنام بإزالة الإدراك وخلق الغفلة في محل الإدراك، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ فلا يردها إلى البدن.
وقرأ حمزة والكسائي «قضى» على البناء للمفعول ورفع الموت، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى أي يزيل الحابس عن النائمة، فتعود عند التيقظ كما كانت إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو وقت النفخة الثانية في الممسوكة، ووقت الموت في المرسلة، فالجار والمجرور متعلق بكل من «يمسك» و «يرسل» .
قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.
وقال علي ﵁: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها فهي الرؤيا الكاذبة، لأنها من إلقاء الشيطان. إِنَّ فِي ذلِكَ أي التوفي على الوجهين والإمساك في أحدهما والإرسال في الآخر لَآياتٍ عجيبة دالة على كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول رحمته، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) في كيفية تعلق الأرواح بالأبدان، وقبضها عنها تارة بالكلية كما عند الموت، وحبسها عن التصرف تارة أخرى كما عند النوم، وإزالة حبسها عنه حينا بعد حين إلى انقضاء آجالها، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أي إن الكفار قالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله تعالى، فأجاب الله تعالى بقوله: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ تشفع لهم عنده تعالى قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) أي قل لهم أيشفعون في حال كونهم لا يملكون شيئا من الأشياء، وفي حال كونهم لا يعقلونه؟ قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في تلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لهم، فهذه الأصنام لا تملك شيئا ولا تعقله، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها ولا يملك أحد من العلماء وغيرهم شيئا؟ ولا يقدر أحد على الشفاعة إلّا بإذن الله؟! فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله لأنه الذي يأذن في الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له ملكها، وما فيهما من المخلوقات، لا يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه تعالى ورضاه، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) يوم القيامة فيفعل يومئذ ما يريد وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ
стр. 994
وَحْدَهُ دون الآلهة اشْمَأَزَّتْ أي انقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، أي بالبعث بعد الموت حتى يظهر أثر ذلك الانقباض في أديم الوجه، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي فرادى، أو مع ذكر الله إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) حتى يظهر أثر ذلك السرور في بشرة الوجه. قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أي يا عالم ما غاب عن العباد وما علموه، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ من أمر الدين.
وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة ﵂ بم كان يفتتح رسول الله ﷺ صلاته بالليل؟ قالت: كان يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»
«١» .
أي فما دفع عنهم ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا، ويجمعون منه شيئا من عذاب الله،
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي بل أصابهم جزاء أعمالهم من العذاب، وَالَّذِينَ ظَلَمُوا بالعتو مِنْ هؤُلاءِ أي من مشركي قومك سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي عقوبات ما عملوا كما أصاب الأمم، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أي هم لا يعجزونني في الدنيا
стр. 995
والآخرة. أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، أي أقالوا ذلك ولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء، وإن كان لا قوة له ويضيق الرزق لمن يشاء، وإن كان قويا شديد الحيلة، وليس ذلك لأجل الطبائع والأنجم لأن الساعة التي ولد فيها السلطان قد ولد فيها أنواع الناس، وأنوع الحيوانات، وأنواع النباتات، وحدوث هذه الأشياء الكثيرة في الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة دليل على أن المؤثر فيه هو الله تعالى وحده دون الطوالع قال الشاعر:
فلا السعد يقضي به المشتري ... ولا النحس يقضي علينا زحل
ولكنه حكم رب السما ... وقاضي القضاة تعالى وجل
إِنَّ فِي ذلِكَ أي البسط والتضييق لَآياتٍ دالة على أن الحوادث كلها من الله تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) إذ هم المستدلون بها على مدلولاتها. قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، أي أفرطوا في الجناية عليها بالمعاصي.
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي بسكون الياء وسقوطها في الوصل. والباقون بفتحها وكلهم يقفون بإثبات الياء إلا في بعض روايات أبي بكر عن عاصم، فإنه يقف بغير ياء. لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لا تيأسوا من مغفرة الله وتفضله، أي واقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن الكمال، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، أي بالتوبة إذا صحت توبته، ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فيه، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته. فالتوبة واجبة في كل واحد وخوف العقاب قائم. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) لمن تاب من الكفر وآمن بالله.
قيل: إن هذه الآية نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟ وعن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى ليس شيء من حسناتنا إلّا وهي مقبولة حتى نزلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقيل لنا:
الكبائر والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئا خفنا عليه، ومن لم يصب منها شيئا رجونا له. فأنزل الله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ، أي أقبلوا إلى ربكم بالتوبة من الكفر، وَأَسْلِمُوا لَهُ أي أطيعوا الله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ إن لم تتوبوا، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) أي لا تمنعون من عذاب الله- نزلت هذه الآية في وحشي وأصحابه- وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً.
стр. 996
وقال الحسن معناه: والتزموا إطاعة الله واجتنبوا معصية الله فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه ذكر القبيح ليتجنب عنه، والأدون لئلا يرغب فيه. والأحسن ليتبع وليتقوّى به. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) بمجيئه لتتأهبوا له، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ مفعول لأجله، أي أنيبوا إلخ كراهة أن تقول نفس: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي يا ندامتا على تفريطي في حق الله وأمره وطاعته، وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أي والحال إني كنت لمن المستهزئين بدين الله وأهله، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي أي بيّن لي الإيمان لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أي من الموحدين أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي رجعة إلى دار الدنيا، فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) في العقيدة والعمل. فيقول الله تعالى ردا على ذلك: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي أي وهي القرآن، مرشدة لك فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ أي تكبرت عن الإيمان بها وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) . فبيّن الله تعالى أن الحجة عليهم لله لا أن الحجة لهم على الله.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه تعالى كاتخاذه تعالى الولد. وكقولهم: إن الله تعالى حرم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وبأن وصفوا الأصنام بالآلهة. وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ سوادا مخالفا لسائر أنواع السواد وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) ؟ أي منزل للمتكبرين عن الإيمان والطاعة.
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ.
وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «بمفازاتهم» بالجمع، أي ينجي الله الذين بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه تعالى من منزل المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة، فكما وقاهم الله في الدنيا من المخالفات حماهم في الآخرة من العقوبات، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي العذاب، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) على فائت، لأنه لا يفوت لهم شيء أصلا.
وقيل: المعنى أن النجاة في القيامة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات، ثم فسرت تلك النجاة بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ إلخ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من خير وشر وإيمان وكفر بمباشرة الكاسب لأسبابها، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) أي إن الأشياء كلها موكولة إليه تعالى، فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، فيتولى التصرف فيها كيفما يشاء لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي له تعالى مفاتيحها لا يتمكن من التصرف فيها غيره.
وقيل: سأل عثمان رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلّا الله، والله أكبر، سبحان الله، وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده
стр. 997
الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير»
«١» . والمعنى أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد بيده وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلم بها من المتقين أصابه. وقال قتادة ومقاتل: له مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: له خزائن المطر والنبات. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي الناطقة بكونه تعالى خالقا للأشياء كلها وكونه مالكا مقاليد السموات والأرض بأسرها، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) خسرانا لا خسار وراءه.
قُلْ يا أشرف الخلق لأهل مكة- حيث قالوا له: أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك-: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) ؟! أي بعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده تعالى أعبد غيره تعالى بأمركم. و «غير الله» منصوب ب «أعبد» ، و «تأمروني» اعتراض. وقيل: «أن أعبد» معمول ل «تأمروني» على إضمار «أن» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وجاز تقديم معمول صلة «أن» على الموصول ب «أن» المحذوفة، والأصل: أتأمروني بأن أعبد غير الله ويؤيد هذا القول قراءة «أعبد» بالنصب. وقرأ نافع «تأمروني» بنون واحدة مخففة مع فتح الياء، وهي نون الرفع كسرت للمناسبة. وابن كثير بنون مشددة وفتح الياء وابن عامر بنونين ساكنة الياء والباقون بنون واحدة مشددة وسكون الياء. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ من الرسل ﵈: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) . وهذه قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] ، ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ. وهذا رد لما أمروه ﷺ به من الإسلام ببعض آلهتهم كأنه ﷺ قال: إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلّا غير الله، وكأنه
تعالى قال: فلا تعبد إلّا الله. وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) لله على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلّا عبادة الإله القادر العليم الحكيم، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله تعالى، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي وما عظموا الله حق تعظيمه، أي تعظيما لائقا به تعالى بل أنزلوه عن قدره ومنزلته، إذ زعموا أن له شركاء، وأنه لا يقدر على إحياء الموتى. والحال أن الأرض جميعا مقدورته تعالى يوم القيامة والسموات مطويات بقدرته تعالى، أو ما عرفوا الله حق معرفته حيث وصفوه بما لا يليق بشئونه الجليلة، حيث قالوا: يد الله مغلولة. وقالوا: إن الله فقير يطلب منا القرض إلخ، ومقصود هذه الآية إشارة إلى أن المتولي لإبقاء السموات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة، وذلك يدل على قدرته التامة على الإيجاد والإعدام، فإذا حاول تخريب الأرض يزيلها، فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها، وذلك يدل على كمال الاستغناء.
стр. 998
وقرئ «قبضة» بالنصب على الظرف، أي في ملكه تعالى وقدرته. وقرئ «مطويات» بالنصب على الحال و «السموات» معطوفة على الأرض. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) أي إن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول في وصف عظمته، تنزه عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية وأن يكون تعالى عاجزا ومحتاجا إلى شيء، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ نفخة الموت فَصَعِقَ أي مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.
قال كعب الأحبار: هم اثنا عشر جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت، وحملة العرش، وهم ثمانية. ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أي الصور بعد أربعين سنة نفخة أُخْرى - وهي نفخة البعث- تمطر السماء كنطف الرجال، فَإِذا هُمْ قِيامٌ من قبورهم يَنْظُرُونَ (٦٨) ، أي يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين، و «ينظرون» حال من ضمير «قيام» وقرئ «قياما» بالنصب على الحال من ضمير «ينظرون» ، فهو حينئذ خبر المبتدأ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها أي وأضاءت الأرض الجديدة التي يوجدها الله في ذلك الوقت لتحشر الناس فيها بعدل ربها، وَوُضِعَ الْكِتابُ أي صحائف الأعمال وهي ديوان الحفظة في أيدي العمال، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ، أي الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد ﷺ ومن الملائكة الحفظة، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين العباد بِالْحَقِّ أي بالعدل، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ، أي وفيت كل نفس برة وفاجرة جزاء ما عملته من خير وشر، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) ولا حاجة به تعالى إلى كتاب ولا إلى شاهد ومع ذلك تشهد الكتب والشهود إلزاما للحجة.
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ بالعنف والدفع، زُمَراً أي أفواجا متفرقة بعضها عقب بعض على حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة، حَتَّى إِذا جاؤُها أي جهنم فُتِحَتْ أَبْوابُها أي طرقها لهم ولم تكن قبل ذلك مفتوحة، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها- وهم الزبانية- تقريعا وتوبيخا: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من جنسكم؟ وقرئ «نذر منكم» ؟ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ من القرآن وغيره، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، أي لقاء وقتكم هذا هو وقت دخولهم النار؟ قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) أي بلى قد أتونا وتلوا علينا وأنذرونا، ولكن ثبتت علينا كلمة العذاب، ومن وجبت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب؟ قِيلَ ادْخُلُوا أي ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا لهم: ادخلوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي مقدرا خلودكم فيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) أي على الأنبياء جهنم، أي أنهم دخلوا النار، لأنهم تعظموا عن الإيمان بالرسل ولم يقبلوا قولهم، ولم يلتفتوا إلى دلائلهم. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ مساق إعزاز وتشريف للإسراع بهم إلى دار الكرامة، ولأن بعضهم قالوا: لا ندخلها حتى يدخلها
стр. 999
أحبائي وأصدقائي، ولأن بعضهم استغرقوا في مشاهدة مواقف الجلال والجمال، وهي مانعة لهم عن الرغبة في الجنة وكلهم راكبون فتساق مراكبهم زُمَراً، أي متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل وعلو الطبقة حَتَّى إِذا جاؤُها أي الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها- «الواو» للحال- أي وقد فتحت أبوابها قبل وصولهم إليها، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها على باب الجنان: سَلامٌ عَلَيْكُمْ من كل الآفات طِبْتُمْ، أي صلحتم لسكناها، لأنكم نظفتم من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطايا، فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وجواب «إذا» محذوف تقديره: اطمأنوا وسعدوا. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ في قوله تعالى: لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ، أي أورثنا الله أرض الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي ينزل كل واحد في أي مكان أراده من جنته الواسعة، فهو يتخير في منازل قسمه فلا يختار أحد مكان غيره مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) الجنة. وهذا من كلام الله تعالى وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي محدقين بالعرش، أي كما أن دار ثواب المتقين هي الجنة، فكذلك دار ثواب الملائكة هو جوانب العرش وأطرافه، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ فثوابهم هو عين ذلك التحميد والتسبيح، وأعظم درجات الثواب استغراق قلوب العباد في درجات التنزيه ومنازل التقديس، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي إن الملائكة على مراتب متفاوتة فلكل واحد منهم في درجات المعرفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) ، أي قال الملائكة:
الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق، وهم ما حمدوه تعالى لأجل ذلك القضاء بل حمدوه تعالى بصفته تعالى الواجبة له، وهي كونه تعالى ربا للعالمين، فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم، وإنما حمد الإنعام ويقال: إن هذا من بقية شرح ثواب المؤمنين فيقال: في التقرير كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد والتمجيد، فكذلك حرفة الملائكة الاشتغال بالتحميد والتسبيح، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة، فالمؤمنون والملائكة يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتمجيده وتسبيحه، فكان ذلك سببا لمزيد التذاذهم. وقال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين البشر بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي إنهم يقدمون التسبيح، فالتسبيح عبارة عن إقرارهم بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به وهو صفات الجلال والتحميد عبارة عن إقرارهم بكونه تعالى موصوفا بصفات الإكرام، ثم إن الله تعالى لم يبين ذلك القائل. والمقصود من هذا الإبهام التنبيه على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة ذي الجلال والكبرياء ليس إلّا أن يقولوا الحمد لله رب العالمين.
стр. 1000
سورة المؤمن
وتسمى صورة الطول وسورة غافر، مكية، خمس وثمانون آية، ألف ومائة وتسع وتسعون كلمة، أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ أي هذه السورة المسماة ب «حم» تنزيل الكتاب، مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ أي الذي لا يوجد له مثل الْعَلِيمِ (٢) بوجوه المصالح والمفاسد، غافِرِ الذَّنْبِ أي غافر للذنوب الكبار، قبل التوبة ممن قال: لا إله إلّا الله، وَقابِلِ التَّوْبِ لمن تاب من الشرك شَدِيدِ الْعِقابِ لمن مات على الشرك ذِي الطَّوْلِ أي ذي الفضل على من آمن به بترك العقاب المستحق، وذي الغنى على من لم يؤمن به لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فيجب الإقبال الكلي على طاعته في أوامره ونواهيه، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) أي مرجع من آمن به ومن لم يؤمن به، ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ بالجدال الباطل، إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بها وهو أن يقال في حق القرآن: إنه سحر، أو إنه شعر، أو إنه قول الكهنة، أو إنه أساطير الأولين، أو إنما يعلمه بشر أو أشباه ذلك مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة.
قال ﷺ : «إن جدالا في القرآن كفر»
. «١»
وقال: «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر»
. فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) أي لا ينبغي أن تغتر بأني أتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتصرفون في البلاد للتجارات وطلب المعاش، وإني سآخذهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل قومك قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ أي الأمم المتفرقة مِنْ بَعْدِهِمْ، أي من بعد قوم نوح كقوم عاد وثمود، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي وعزمت كل أمة من هؤلاء المكذبين أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويهلكوه، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ أي خاصموا رسلهم بإيراد الشبهات لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ، أي ليزيلوا بإيراد تلك الشبهات الصدق فَأَخَذْتُهُمْ بسبب ذلك فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) ، أي عقابي إياهم أليس كان مهلكا مهيبا في السماع؟ وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ
стр. 1001
النَّارِ (٦) ، أي كما ثبت حكمه تعالى بالتعذيب على أولئك الأمم الكاذبة على رسلهم، ثبت على الذين كفروا وتحزبوا عليك كونهم مستحقي أشد العقوبات التي هي عذاب النار. فقوله تعالى:
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ في محل رفع بدل من قوله تعالى: كَلِمَةُ رَبِّكَ أو في محل نصب بحذف لام التعليل، أي لأنهم ملازمو النار أبدا.
وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» بالجمع. الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية، أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وَمَنْ حَوْلَهُ وهم الكروبيون وهم سادات الملائكة، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.
قال شهر بن حوشب: وحملة العرش يوم القيامة ثمانية: فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على علمك وحلمك. وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك اهـ. ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكابرهم.
روي في الحديث: «أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة»
«١» . وَيُؤْمِنُونَ بِهِ. وهذا تنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حوله يشاهدونه ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح، لأن الإقرار بوجود شيء حاضر معاين لا يوجب الثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل المدح والتعظيم علم أنهم آمنوا به من غير أن يشاهدوه تعالى حاضرا هناك، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا شفقة على خلق الله، وقد ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدما على الشفقة لخلق الله، فالتسبيح مشعر بالتعظيم لله والدعاء للمؤمنين مشعر بالشفقة عليهم. وقيل: هذا الاستغفار في مقابلة قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: ٣٠] . فلما صدر هذا منهم أولا تداركوه بالاستغفار لمن تكلموا فيهم، وهو كالتنبيه لغيرهم على أنه يجب على من تكلم في أحد بشيء يكرهه أن يستغفر له، وعلى من آذى غيره أن يجبره بإيصال نفع إليه. رَبَّنا وهذا معمول لقول مضمر في محل نصب على الحال من فاعل «يستغفرون» أي قائلين رَبَّنا إلخ. وهذا دليل على أن السنة في الدعاء أن يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يدعو عقبه فإن الملائكة لما زعموا على الدعاء للمؤمنين بدءوا
стр. 1002
بالثناء فقالوا ربنا: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، أي وسعت رحمتك وعلمك، فكل موجود نال من رحمة الله نصيبا، لأن وجود الممكن بإيجاده تعالى، فذلك رحمة فلا موجود غير الله إلّا وقد وصل إليه نصيب من رحمة الله، وعلمه تعالى محيط بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الكفر، وإن أصروا على الفسق بأن تقسط العقاب عنهم، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ في الشريعة وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) أي ادفع عنهم عذاب النار رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ إياها.
وقرئ «جنة عدن» وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ و «من» معطوف على مفعول «أدخل» ، أي وأدخل معهم في الجنة من آمن من هؤلاء الطوائف الثلاثة ليتضاعف ابتهاجهم.
قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي أين زوجتي أين ولدي؟ فيقال له: إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم فيقال: أدخلوهم الجنة فإذا اجتمع بأهله في الجنة كان أكمل في سروره ولذته.
وقرأ ابن أبي عبلة «صلح» بضم اللام. وقرأ عيسى «وذريتهم» بالإفراد إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ، أي القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة الْحَكِيمُ (٨) أي الذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه الحكمة، وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أي ادفع عنهم العقوبات عند موقف القيامة، وعند الحساب والسؤال أو صنهم في الدنيا عن العقائد الفاسدة. والأعمال الفاسدة وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ أي ومن تدفع عنه العقوبات، أو من تصنه في الدنيا عن المعاصي، فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي عصمته وعظمته، وَذلِكَ أي الرحمة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع، وبأعمال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه عظمته. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) . أي إن الذين كفروا يناديهم خزنة جهنم لإنكار الله لكم في الدنيا حين تدعون من جهة الأنبياء إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر اتباعا لأنفسكم الأمارة بالسوء، أو اقتداء بأخلائكم المضلين أكبر من إنكاركم أنفسكم الأمارة بالسوء الآن، أو من إنكار بعضهم بعضا اليوم، وذلك أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على تكذيب هذه الأشياء في الدنيا، أو أن الأتباع يشتد مقتهم الآن للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء يشتد إنكارهم للأتباع الآن أيضا، و «إذ» ظرف ل «المقت» الأول. وقيل: يناديهم المتقون في الآخرة من مكان بعيد وهم في النار، وإذ تدعون تعليل لما بين الظرف والسبب. والمعنى: لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقتكم أنفسكم الآن لما كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون.
قالُوا أي الكفار: رَبَّنا
стр. 1003
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
أي إماتتين، مرة بقبض أرواحنا، ومرة بعد ما سألنا منكر ونكير في القبور. وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ أي إحياءتين، مرة عند سؤال منكر ونكير في القبور، ومرة عند البعث. وهذا أنسب بحالهم فإن مقصودهم تعديد أوقات البلاء، وهي أربعة: الموتة الأولى، والحيلة في القبر.
والموتة الثانية، والحياة في القيامة فهذه الأربعة أوقات المحنة. فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء، فلهذا السبب لم يذكروها، فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا أي بشركنا وجحدونا بالبعث، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ؟ أي فهل إلى خروج من النار ورجوع إلى الدنيا لنصلح أعمالنا من سبيل، أي طريق فأجاب الله تعالى لهم بقوله: ذلِكُمْ أي العذاب في النار والمقت بِأَنَّهُ أي بسبب أن الشأن إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ أي إذا عبد الله منفردا كفرتم بتوحيده، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا أي إن يجعل له شريك تصدقوا بالإشراك. ويقال: ذلكم، أي عدم سبيل خروج لكم إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى وإيمانكم بالإشراك به فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) فالله أعلى كل شيء وأكبر كل شيء بحسب القدرة والإلهية، وذلك حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ، أي علامات وحدانيته وقدرته وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً أي سبب رزق وهو المطر، فالله تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار الآيات وراعي مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء. فالآيات لحياة
الأديان والأرزاق لحياة الأبدان، وعند حصولهما يكمل الأنعام.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وَما يَتَذَكَّرُ، أي وما يتعظ بتلك الآيات الباهرة إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) ، أي إلا من يقبل على الله بالكلية ويعرض عن غير الله فَادْعُوا اللَّهَ، أي فاعبدوا الله أيها المؤمنون، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك ومن الالتفات إلى غير الله، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) إخلاص العبادة منكم، رَفِيعُ الدَّرَجاتِ أي الله العظيم الصفات فهو تعالى أرفع الموجودات في جميع صفات الجلال والكمال، لأنه واجب الوجود لذاته، وهو أول وآخر لكل ما سواه، وليس له أول وآخر، وهو عالم بجميع الذوات والصفات، والكليات والجزئيات، وهو غني عن كل ما سواه، وهو واحد يمتنع أن يحصل له ضد وند، وشريك ونظير.
وقرئ «رفيع الدرجات» بالنصب على المدح. ذُو الْعَرْشِ أي مالكه ومدبره وخالقه، وهذان خبران آخران ل «هو» . يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ أي ينزل الوحي الجاري من القلوب منزلة الروح من الأجساد هو أمره تعالى، عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) ، والفاعل يعود إلى «من يشاء» وهو الملقى عليه.
وقرئ لتنذر على أن الفاعل هو الروح، لأنها قد تؤنث وهذا الفعل ينصب مفعولين محذوفين، أي لينذر من يختاره الله الناس العذاب يوم القيامة أو إن المفعول الثاني هو يوم التلاق
стр. 1004
بدليل قراءة لينذر يوم التلاق على البناء للمفعول، ورفع «يوم» وسمي يوم القيامة بيوم التلاق، لأن الأرواح متلاقية للأجساد، ولأن الخلائق يتلاقون فيه، فيقف بعضهم على حال بعض، ولأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، ولأن كل أحد يصل إلى جزاء عمله ويلتقي فيه العابدون والمعبودون ويلتقي فيه الظالم والمظلوم، يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي خارجون عن بواطن القبور، وظاهرون لا يسترهم شيء من جبل وغيره، وليس عليهم ثياب، وتظهر أعمالهم وتنكشف أسرارهم، لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ فيعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلا منهم بحسبه إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشر، وينادي مناد: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فيجيبه أهل المحشر: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) ، أي الذي قهر الخلق بالموت، فالمؤمنون يقولونه تلذذا بهذا الكلام حيث نالوا المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على وجه التحسر والندامة على ما فاتهم في الدنيا، الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ برة أو فاجرة، بِما كَسَبَتْ من خير أو شر لا ظُلْمَ الْيَوْمَ بنقص ثواب، أو زيادة عذاب، أي يقال لهم: إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده الْيَوْمَ تُجْزى إلخ. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) ، إذ لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسب الخلائق قاطبة في أقرب زمان وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ، ف «إذ» بدل من يوم الآزفة، أي وأنذرهم يوم القرب من العذاب، ومشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع قلوبهم من أماكنها، فتلتصق بحلوقهم من شدة الخوف، كاظِمِينَ أي مغمومين يتردد الغيظ في أجوافهم، فلا يمكنهم أن ينطقوا ويبينوا خوفهم، ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي قريب مشفق، وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) أي ولا شفيع مقبول شفاعته، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ أي استراق النظر إلى ما لا يحل، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) أي مضمرات القلوب، وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ إذا علم المذنب أن الله لا يحكم إلّا بالحق في كل ما دق وجل، كان خوف المذنب من الله في الغاية القصوى. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ أي والذين يعبدونهم من دون الله تعالى من الأوثان، لا يصنعون شيئا من الشفاعة يوم القيامة، ولا يأمرون بخير في الدنيا، فإن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام، فلذلك بيّن الله تعالى أنه لا فائدة فيها ألبتة بهذه الآية.
وقرأ نافع وهشام «تدعون» بتاء الخطاب إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ويبصر سجودهم لهم ولا يسمع منهم ثناءهم على الله، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي أغفلوا ولم يسافروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم المكذبة لرسلهم كانُوا هُمْ أي الذين مضوا من الكفار أَشَدَّ مِنْهُمْ أي من هؤلاء الحاضرين من الكفار قُوَّةً، أي قدرة على التصرفات.
стр. 1005
وقرأ ابن عامر وحده «منكم» بكاف وَآثاراً فِي الْأَرْضِ أي قصورا للسكنى وحصونا للقتال ومصانع للمياه فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، أي أهلكهم الله بسبب تكذيبهم الرسل بضروب الهلاك وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ، أي لم يجدوا من يمنعهم من الله ومن يخلصهم من عذاب الله.
وقرأ ابن كثير بالياء في الوقف. ذلِكَ العذاب في الدنيا بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالأحكام الظاهرة، وبالمعجزات الباهرة، فَكَفَرُوا بذلك، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أخذا وبيلا، إِنَّهُ قَوِيٌّ بأخذه شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) لمن عاقبه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا، وهي معجزاته وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) ، أي حجة مبينة إِلى فِرْعَوْنَ- ملك مصر- وَهامانَ- وزير فرعون- وَقارُونَ- ابن عم موسى- فَقالُوا لموسى فيما أظهره من المعجزات: هذا ساحِرٌ وفيما ادعاه من رسالة رب العالمين: هذا كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، أي بتلك المعجزات الباهرة مِنْ عِنْدِنا قالُوا أي- فرعون وأتباعه- اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ، أي لا تقتلوا بناتهم للخدمة. وهذا القتل غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى ﵇، لأن فرعون قد كف عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل، لئلا ينشئوا على دين موسى، فيقوى بهم، زعما منه أن القتل يمنع الناس من الإيمان وظنا منهم أن موسى هو الذي حكم المنجمون والكهنة بزوال ملكهم على يده. وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) ، أي بطلان. لأن الله تعالى شغلهم عن ذلك القتل بما أنزل إليهم من أنواع العذاب: كالضفادع، والقمل، والدم، والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله تعالى، ولأن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا. وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وغرض فرعون من هذا الكلام إخفاء خوفه لأن أحدا ما منع فرعون من قتل موسى، وقد كان فرعون استيقن أن موسى نبي وأن ما جاء به آيات باهرة، وما هو بسحر، ولكن كان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك، ويخاف من أنه لو حاول قتله لظهرت منه معجزات قاهرة تمنعه من قتله، فيفتضح، وكان من دهائه ووقاحته قال هذا تمويها لقومه: أنه إذا امتنع من قتله رعاية لقلوبهم ربما ظنوا أن موسى كان محقا، وعجزوا عن جوابه، فقتلوه إيهاما أنهم هم الكافّون له عن قتله ولولاهم لقتله وما كان الذي يكفه إلّا ما في نفسه من الفزع الهائل. وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الذي يزعم أنه أرسله إلي حتى يخلصه مني. وهذا على سبيل الاستهزاء في إظهار عدم المبالاة بدعائه، إِنِّي أَخافُ إن لم أقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ الذي أنتم عليه من عبادة فرعون والأصنام، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) من قتل أبنائكم واستخدام نسائكم.
стр. 1006
وقرأ نافع وأبو عمرو «وأن يظهر» بالواو الجامعة بين أمرين. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «أو يظهر» بفتح الياء والهاء ورفع «الفساد» فالقراءات السبعية أربعة: ثنتان مع «أو» وهما: نصب «الفساد» ورفعه. وثنتان مع «الواو» . كذلك، وقرئ «يظهر» بتشديد الظاء والهاء أي يتتابع وَقالَ مُوسى لقومه حين سمع ما يقوله اللعين من حديث قتله إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) ، وموسى ﵇ ولم يأت في دفع شر فرعون إلّا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله، فصانه الله عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية، والمسلم إذا قال عند القراءة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن، فكذلك إذا قال المسلم: أعوذ بالله عند توجه الآفات والمخافات، فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات من شياطين الإنس. وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وكان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا، أو غريبا موحدا، أو اسمه حزقيل أو شمعان، يَكْتُمُ إِيمانَهُ من فرعون وملئه خوفا على نفسه مائة سنة، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أي أتقصدون قتل رجل لأجل أن يقول: ربي الله وحده من غير تأمل في أمره، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الظاهرات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ! أي وإن كان هذا الرجل كاذبا كان ضرر كذبه عائدا عليه فاتركوه، وَإِنْ يَكُ صادِقاً وقد كذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب في الدنيا. فكان الأولى على كلا التقديرين إبقاءه حيا. والحاصل أن المقصود بيان أنه لا حاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) . وهذا كلام ذو وجهين أي لو كان موسى مسرفا كذابا لما هداه الله تعالى إلى الأحكام، ولما قواه بعلامات النبوة. وإن كان كذلك
أهلكه الله فلا حاجة لكم إلى قتله. وهذا إشارة إلى علو شأن موسى على طريق الرمز، وإلى التعريض لفرعون بأن الله لا يهديه منهاج النجاة، لأنه مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في جرأته على ادّعاء الإلهية، والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه، بل يهدم أمره، ولما أقام مؤمن آل فرعون أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على
قتل موسى خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي عالين الناس في أرض مصر فلا يقاومكم أحد في هذا الوجه، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا، أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لعذاب الله بقتل موسى فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام. قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة، ولا أسر عنكم غير ما أظهره. ولقد كذب فرعون حيث كان مضمرا للخوف الشديد، ولكنه كان يتجلد ولولاه لما استشار أحد أبدا وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) أي ما أدعوكم بهذا الرأي إلّا إلى طريق الصواب والصلاح.
стр. 1007
وقرئ بتشديد الشين للمبالغة وَقالَ الَّذِي آمَنَ رادا لهذا الكلام على فرعون، مخاطبا لقومه: يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) أي مثل أيام الأمم الماضية المتفرّقة فكل أمة كان لها يوم معين في البلاء،
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كقوط لوط، أي مثل جزاء دأبهم من الكفر، وإيذاء الرسل. والحاصل أن حزقيل خوّفهم بهلاك معجل في الدنيا، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) أي أن تدمير الله أولئك الأحزاب كان عدلا منه تعالى، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك العلة قائمة هاهنا فوجب حصول الحكم هاهنا وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) ، أي يوم القيامة فإن أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، ويناديهم أصحاب الأعراف وينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور فيقولون: يا ويلنا وينادى باللعنة عليهم وينادى بالسعادة والشقاوة: ألا إن فلان ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا.
وقرأ ابن عباس «يوم التناد» بتشديد الدال، أي يوم فرار بعضهم من بعض يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، أي منصرفين عن الموقف، لأنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا فبينما هم يموج بعضهم في بعض إذ سمعوا مناديا أقبلوا إلى الحساب فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي ما لكم مانع من عذاب الله. والجملة حال أخرى من «ضمير تولون» وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه، فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) أي مرشد، وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب ﵉ مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى، فإن وفاة يوسف قبل مولد موسى بأربع وستين سنة، وفرعون أدرك يوسف بن يعقوب وكان عمره أربعمائة سنة وأربعين سنة.
وقيل: إن يوسف هذا هو يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب، أرسله الله تعالى إلى القبط. فأقام فيهم عشرين سنة نبيا- وهذا من تمام وعظ حزقيل- بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحة فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ يوسف من الدين حَتَّى إِذا هَلَكَ، أي مات يوسف قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد موت يوسف رَسُولًا وهذا تكذيب لرسالة من هو بعده مضموما إلى تكذيب رسالته، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) أي مثل هذا الإضلال يضل الله من هو متغال في عصيانه شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الانهماك في التقليد، الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أي حجة أَتاهُمْ من الله كَبُرَ مَقْتاً أي عظم بغضا والوقف على «مرتاب» صالح، وعلى «أتاهم» كاف. وهذا إذا جعل «الذين» بدلا من «من» فهو في محل نصب، أو بدلا من مسرف فهو في محل رفع، وعلى هذا فهذا من كلام الرجل المؤمن أيضا، وإن جعل الذين مبتدأ خبره كبر كان الوقف على «مرتاب» تاما، ولا يوقف على «أتاهم» لتأخر الخبر عنه، وعلى هذا فهذا ابتداء كلام الله تعالى، وفاعل «كبر» ضمير يعود
стр. 1008
إلى «من» على الاحتمال الأول، وإلى «الجدال» على الاحتمال الثاني، أي كبر من ذكر أو كبر جدالهم بغير حجة، بل بالبناء على التقليد أو بالبناء على الشكوك الخسيسة مقتا، عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فمقت الله إظهار خزيهم وإحلال العذاب بهم، ومقت المؤمنين لهم كراهتهم أشد الكراهة، كَذلِكَ أي مثل ذلك الطبع يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ عن الإيمان جَبَّارٍ (٣٥) عن قبول الحق.
قرأ ابن عامر وأبو عمرو، وقتيبة عن الكسائي بتنوين «قلب» . والباقون بغير تنوين على الإضافة، ويشهد لهذه القراءة قراءة عبد الله «على قلب كل متكبر» وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً أي بناء عاليا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) ، أي أصعد الطرق أَسْبابَ السَّماواتِ، أي طرقها الموصلة إليها فَأَطَّلِعَ أي أنظر إِلى إِلهِ مُوسى.
وقرأ حفص عن عاصم «أطلع» بالنصب على أنه جواب الأمر، أو منصوب على التوهم كما قاله أبو حيان، لأن خبر «لعل» قد يجيء مقرونا بأن، أو على أنه جواب الترجي. والباقون بالرفع عطفا على «أبلغ» . والمقصود: أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع، كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحسن ممتنعا، فحينئذ لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً فيما يدعيه من الرسالة، وَكَذلِكَ أي مثل ذلك التزيين زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ فانهمك فيه انهماكا لا يكف عنه بحال وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالبناء للمفعول أي صرف فرعون عن الحق. والباقون بالبناء للفاعل أي منع فرعون الناس عن الطريق الموصلة إلى الله. وقرئ «وصد» بكسر الصاد على نقل حركة الدال إليه. وقرئ «وصد» بالرفع على أنه معطوف على «سوء عمله» . وقرئ «وصدوا» أي هو وقومه. وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (٣٧) ، أي وما صنع فرعون في إبطال آيات موسى إلا في هلاك. وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزقيل يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ فيما دعوتكم إليه، أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) أي أدلكم على سبيل يؤدي سالكه إلى الخير، وفي هذا تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الضلال. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ، أي منفعة قليلة لسرعة زوالها، فهي كمتاع البيت لا يبقى. وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) ، أي الثبات، فلا تحول عنها مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، في الدنيا فَلا يُجْزى في الآخرة إِلَّا مِثْلَها أي إلا ما يقابلها في الاستحقاق، فالكافر يعتقد في كفره كونه طاعة، فكان عقابه في النار مؤبدا، لأنه على عزم أن يبقى مصرا على ذلك الاعتقاد أبدا بخلاف الفاسق، فإن عقابه منقطع فإنه يعتقد في فسقه كونه خيانة، فيكون على عزم أن لا يبقى مصرا عليه. وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ الذين عملوا ذلك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فالآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الصالحات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة.
стр. 1009
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة «يدخلون» بالبناء للمفعول يُرْزَقُونَ فِيها أي الجنة بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) أي بلا هنداز في الكثرة والسعة.
بدلا منه، وإن جعل خبر مبتدأ محذوف. فالوقف على «سوء العذاب» حسن، وكذا إن قرئ «النار» منصوبا على الاختصاص، أو نحوه، وإن جعل «النار» مبتدأ وخبره ما بعده فالوقف على «العذاب» تام، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) .
قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح الهمزة، وكسر الخاء، أي ويوم القيامة يقول الله لخزنة جهنم أدخلوا آل فرعون في أشد العذاب. والباقون بهمزة الوصل وضم الخاء، والمعنى: ويوم القيامة يقال لهؤلاء الكفار: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب وهو عذاب جهنم.
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي واذكر يا أشرف الخلق لقومك وقت تخاصم بعضهم بعضا في
стр. 1010
النار، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ أي السفلة من الكفار لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، أي للقادة الذين تعظموا عن الإيمان: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي أتباعا في دينكم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) ، أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا جزءا من العذاب. والمقصود من هذا الكلام: المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة للسفلة: إِنَّا كُلٌّ فِيها أي نحن وأنتم واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنكم لدفعته عن أنفسنا ف «كل» مبتدأ و «فيها» خبره والجملة خبران.
وقرئ «كلا» بالنصب على التأكيد لاسم «إن» ، أي إن كلنا واقعون في النار، ثم يقولون:
إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) أي يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم، أو من العذاب فلا معقب لحكمه، فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزية جهنم، وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ من الضعفاء والمستكبرين إذا اشتدت عليهم النار، وقل صبرهم لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، أي للملائكة الموكلين بعذاب أهل النار، ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) أي يخفف عنا شيئا من العذاب في وقت من الأوقات. قالُوا أي الخزنة:
أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ؟ أي ألم تنتبهوا عن هذا، ولم تكن تأتيكم رسلكم في الدنيا على الاستمرار بالحجج الواضحة الدالة على سوء الكفر والمعاصي قالُوا بَلى أي أتونا بها فكذبناهم، قالُوا أي الخزنة استهزاء بهم وإظهارا لخيبتهم: فَادْعُوا أي إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم فإنا لا نجترئ على الدعاء ولا نشفع إلا بالإذن في الشفاعة وإلا لمن كان مؤمنا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) ، أي ضياع. وهذا من كلام الله إخبارا لنبيه، فالوقف على «ادعوا» تام أو من كلام الخزنة- كما قاله الرازي وأبو السعود-
قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بالرسل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بانتقام الكفرة، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) أي يوم يقوم كل من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك، ونبي، ومؤمن بالحجة والاعتذار، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ من الكفر.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «لا تنفع» بالتاء الفوقية. والباقون بالياء التحتية وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي الإهانة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وهو العقاب الشديد. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى أي التوراة والمعجزات، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) ، أي وتركنا عليهم من بعد موسى التوراة هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) أي لأجل الهداية من الضلالة، ولأجل التذكرة لذوي العقول السليمة، فكتب أنبياء الله مشتملة على هذين القسمين، بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة، فَاصْبِرْ يا أكرم الرسل على أذى اليهود والنصارى والمشركين، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فالله ناصرك ومنجز وعده في حقك، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي تب من ترك الأولى، والأفضل في بعض الأحايين، فإنه
стр. 1011
تعالى كافيك في نصرة دينك، وإظهاره على الدين كله، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) ، أي ودم على التسبيح ملتبسا بحمده تعالى. والمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله باللسان، وبأن لا يغفل القلب عنه، إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ، وجملة «إن في صدورهم» إلخ خبر ل «إن» ، وجملة «ما هم» إلخ صفة ل «كبر» ، أي إن الذين يجحدون بآيات الله بغير برهان أتاهم في ذلك من الله تعالى ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق ما هم ببالغي كبره، أي الذين يناصبون الجدال معك بغير حجة إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدورهم، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا بنبوّتك لزمهم أن يكونوا تحت تصرفك، لأن النبوة تحتها كل رئاسة وملك، وهم لا يرضون أن يكونوا في خدمتك وإنما هم يريدون أن تكون تحت يدهم ولا يصلون إلى هذا المراد، بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي فالتجئ إليه تعالى من كيد من يجادلك، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ (٥٦) بأعمالهم، لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، أي فالذي قدر على ابتداء خلق السموات والأرض مع عظمها، قادر على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) أي أن هذا البرهان مع قوته صار بحيث لا يعرفه من ينكرون الحشر والنشر، فظهر أن هؤلاء يجادلون في آيات الله بغير حجة، بل بمجرد الحسد والكبر، وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي لا يستوي الجاهل المقلد المستدل، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ أي ولا يستوي الآتي بالأعمال الصالحة، والآتي بالأعمال الفاسدة. قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) أي أن المجادلين وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنهم ما يتعظون اتعاظا قليلا من أمثال القرآن، فإن الحسد يعمي قلوبهم فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة، وفي الحسد والكبر أنه محض الطاعة.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تتذكرون» على الخطاب. والباقون بالغيبة. إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أي لا شك في مجيئها بإجماع الرسل على الوعد بوقوعها. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الذين ينكرون البعث، لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) بمجيء الساعة، وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي اعبدوني أثبكم وأغفر لكم، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) أي أذلاء.
ويقال: إن الدعاء هو السؤال، أي ادعوني أقبل إليكم، فالدعاء اعتراف بالعبودية والذلة فكأنه قيل: إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية، وكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه، واجتهاده وأقاربه وأصدقائه، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان، أما قلبه فهو معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا ما دعا الله في
стр. 1012
الحقيقة في وقت. أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله، فإنه تحصل الاستجابة وانقطاع القلب بالكلية، عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى.
وقرأ ابن كثير وشعبة «سيدخلون» على صيغة المبني للمفعول.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ باردا مظلما لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي لتستريحوا فيه بالنوم وبالعبادة وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي مضيئا. وهذا إعلام بوجود الإله القادر، فإن الاشتغال بالدعاء لا بدّ وأن يكون مسبوقا بحصول المعرفة، وبأن من أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ كافة باختلاف الليل والنهار، وما يحتويان عليه من المنافع وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) . إما لكونه حريصا على الدنيا محبا للمال والجاه، فإذا فاته وقع في كفران هذه النعم العظيمة، أو لأنها لما دامت واستمرت نسيها الإنسان، أو لاعتقاده أن هذه النعم ليست من الله تعالى، بأن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الدوران لذواتها.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، أي ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وهذه أخبار أربعة عن اسم الإشارة.
صَوَّرَكُمْ
أي أحدث صورتكم على غير نظام واحد، فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلق الله تعالى حيوانا أحسن صورة من الإنسان، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي اللذائذ لا كرزق الدواب، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أي ذلكم الذي نعت بالنعوت الجليلة هو الله المحسن إليكم، فَتَبارَكَ اللَّهُ أي ثبت الله مع كثرة الخيرات رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) أي مالكهم هُوَ الْحَيُّ، أي المنفرد بالحياة الذاتية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله، فَادْعُوهُ أي اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الطاعة من الشرك الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) .
قال الفراء: هو خبره وفيه إضمار الأمر أي فادعوه واحمدوه. وعن ابن عباس ﵄ من قال: لا إله إلا الله فليقل بعدها الحمد لله رب العالمين، أي ولما كان تعالى موصوفا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين. قُلْ لأهل مكة يا أكرم الرسل- حين قالوا لك: ارجع إلى دين آبائك-: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
стр. 1013
اللَّهِ
أي الذين تعبدون من الأوثان لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ أي الدلائل مِنْ رَبِّي، وهي أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) أي أن أنقاد له وأخلص توحيدي له، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ فكل إنسان مخلوق من مني وهو مخلوق من الدم، وهو يتولد من الأغذية، وهي منتهية إلى النباتية، والنبات إنما يكون من التراب والماء، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي دم عبيط ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا ثُمَّ يبقيكم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، أي كمالكم في القوة والعقل، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً.
وقرأ نافع وأبو عمرو، وهشام، وحفص بضم الشين. والباقون بكسرها وقرئ «شيخا» ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ، أي من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد، أو قبله أو قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا يفعل ذلك لتعيشوا، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وهو وقت الموت وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) ، أي ولكي تعقلوا ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل، فإن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما من دلائل الآفاق، وهي: الليل، والنهار، والأرض والسماء.
أو من دلائل الأنفس وهي: التصوير وحسن الصورة، ورزق الطيبات. أو من عمر الإنسان وهو على ثلاث مراتب: كونه طفلا وهو في التزايد شيئا فشيئا وبلوغه كمال النشوء وظهوره في النقص. هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فكما أن الانتقال من صفة إلى صفة أخرى يدل على الإله القادر كذلك الانتقال من الحياة إلى الموت، وبالعكس يدل على الإله القادر. فَإِذا قَضى أَمْراً أي أراد أيّ أمر كان، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) فعبّر الله عن نفاذ قدرته في الكائنات من غير معارض بما إذا قال: كن فيكون. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أي انظر إلى هؤلاء المجادلين في آياته تعالى، الواضحة، الموجبة للإيمان بها أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) أي كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها،
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ أي بالقرآن، وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من سائر الكتب فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ، والوقف هنا تام أو كاف- كما قاله أبو عمرو- و «إذ» بمعنى إذا، وهو ظرف ليعلمون، والسلاسل عطف على الأغلال. والمعنى فسوف يعلمون وقت أن يكون الإغلال والسلاسل في أعناقهم يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ، أي وهم يجرون بتلك السلاسل في الماء المسخن بنار جهنم.
وقرئ «والسلاسل يسحبون» بنصب «السلاسل» على أنه مفعول مقدم ل «يسحبون» بفتح الياء. وقرئ «والسلاسل» بالجر على إضمار الباء كما يدل عليه القراءة به. ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) أي يحرقون، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ بعد أن يعذبوا بأنواع العذاب: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ أي مع الله قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي بل لم نكن نعبد من قبل هذه الإعادة شيئا يضر ولا ينفع، ولا يبصر، ولا يسمع. وهذا اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة أو يقال: بل لم نكن نعبد
стр. 1014
من قبل هذا الوقت شيئا من دون الله. وهذا إنكار لعبادة الصنم كَذلِكَ أي مثل ذلك الإضلال يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) عن طريق الجنة ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ، أي ذلكم العذاب بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية، وعبادة الأصنام، وبكثرة المال والأتباع والصحة، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي السبعة المقسومة لكم خالِدِينَ فِيها أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) عن الحق، جهنم. فَاصْبِرْ على إيذائهم وإيحاشهم بتلك المجادلات. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالنصرة لك، وبإنزال العذاب على أعدائك حَقٌّ أي كائن بلا شك، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي فإن نرك بعض الذي نعد أولئك الكفار من أنواع العذاب، فذلك هو المطلوب أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل إنزال العذاب عليهم، فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام، ويجوز أن يكون هذا جوابا للشرطين. فالمعنى: أن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فيها فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي أنت يا أشرف الرسل كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك، ولم نذكر حال الباقين، وليس فيهم أحد أعطاه الله معجزات إلا وقد جادله قومه فيها، وكذبوه فيها، وجرى عليهم من الهم مثل ما جرى عليك وصبروا، وكان قومهم يقترحون عليهم إظهار المعجزة الزائدة على قدر الحاجة على سبيل التعنت، ثم إن كان الصلاح في إظهارها أظهرناها وإلا لم نظهرها، ولم يكن ذلك قادحا في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة، فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي جاءكم الله بنزول العذاب على الأمم الماضية، قُضِيَ بِالْحَقِّ أي نفذ حكم الله بالعدل، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) ، أي وهلك في وقت مجيء العذاب من يقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل التعنت، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ أي الإبل- كما قاله الزجاج- لِتَرْكَبُوا مِنْها أي الإبل وَمِنْها أي من لحوم الإبل، تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ، كألبانها وأوبارها وجلودها، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ بحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وَعَلَيْها أي الإبل بالهودج في البر، وَعَلَى الْفُلْكِ أي السفن في البحر تُحْمَلُونَ (٨٠) وتسافرون،
يُرِيكُمْ آياتِهِ
أي دلائله الدالة على كمال قدرته ووفور رحمته، أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
(٨١) أي ليس في شيء من هذه الدلائل ما يمكن إنكاره، لأنها كلها ظاهرة باهرة، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي أقعدوا، فلم يسيروا في أقطار الأرض؟ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الماضية المتكبرين؟ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ أي من أهل مكة في العدد- يعرف في الأخبار- وَأَشَدَّ قُوَّةً بالبدن وَآثاراً فِي الْأَرْضِ قد بقيت بعدهم بحصون عظيمة مثل الأهرام الموجودة بمصر فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) ، أي فلم ينفعهم الذي كانوا
стр. 1015
يكسبونه أو فأي شيء نفعهم مكسو بهم، فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ. أي علم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة، أو علمهم بأمور الدنيا وهو علمهم بالطبائع والصنائع يقال أي استهزاء الكفار بالبينات، وبما جاء الرسل به من علم الوحي، إذ لم يأخذوه بالقبول، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) ، أي دار بالكافرين جزاء استهزائهم بالرسل، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي شدة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) أي بالأصنام التي كنا مشركين بها مع الله تعالى لأنا علمنا أنها لا تدفع عنا شيئا من عذاب الله فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، أي فلم يصح أن ينفعهم إيمانهم عند رؤية عذابنا لعدم قبوله حينئذ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ أي سنّ الله ذلك المذكور من التعذيب عند التكذيب، ومن رد الإيمان عند معاينة العذاب أي إن عدم قبول الإيمان حال البأس سنة الله مطردة في كل الأمم، ويجوز أن يكون سنة منصوبا على التحذير، أي احذروا سيرة الله في المكذبين التي قد مضت على عباده، وَخَسِرَ هُنالِكَ أي في تلك المواضع الْكافِرُونَ (٨٥) بالله تعالى.
стр. 1016
سورة السجدة
وتسمى سورة فصلت، وسورة حم السجدة، وسورة المصابيح. مكية، أربع وخمسون آية، سبعمائة وتسعة وتسعون كلمة، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون حرفا
حم (١) أي هذا حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ أي جعلت آيات الكتاب تفاصيل في معادن مختلفة فبعضها: في ذات الله وصفاته، وفي عجائب أفعاله.
وبعضها: في أحوال التكاليف. وبعضها: في الوعد والوعيد، ودرجات أهل الجنة، ودركات أهل النار. وبعضها: في المواعظ والنصائح. وبعضها: في تهذيب الأخلاق. وبعضها: في قصص الأولين. قُرْآناً عَرَبِيًّا نصب على الاختصاص والمدح، أو على الحالية من «كتاب» ، أو من «آياته» . لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) أي كائنا لقوم عرب ف «اللام» متعلقة بمحذوف صفة ثانية ل «قرآنا» بَشِيراً للمطيعين بالثواب وَنَذِيراً للمجرمين بالعقاب.
وقرأ زيد بن علي برفع الاسمين فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبر هذا الكتاب مع كونهم بلغتهم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) سماع طاعة ولا يلتفتون إليه، فكون الكتاب نازلا من عند الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع، وأجل المطالب، وكونه قرآنا عربيا يدل على أنه في غاية الكشف والبيان، وكونه بشيرا ونذيرا يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات وإعراضهم عنه يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله، ولا ضال إلا من من أضله الله. وَقالُوا أي كفار مكة لرسول الله ﷺ عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن-: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أي أغطية مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد وَفِي آذانِنا وَقْرٌ أي صمم وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، أي ستر غليظ يمنعنا عن مواصلتنا إياك فَاعْمَلْ، أي استمر على دينك وهو التوحيد، إِنَّنا عامِلُونَ (٥) أي مستمرون على ديننا وهو الإشراك قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ، أي قل يا أشرف الخلق: إني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلّا بمجرد أن الله تعالى أوحى إلي دونكم، فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم، فإن شرفكم الله قبلتموه، وإن خذلكم رددتموه. وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي، وذلك الوحي يرجع
стр. 1017
إلى أمرين: العلم والعمل. فالعلم رئيسه معرفة أن الله واحد، وهو المراد من قوله تعالى: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وإذا كان الحق ذلك التوحيد وجب علينا أن نعترف به. وهو المراد من قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ أي استقيموا في أفعالكم متوجهين إلى الإله الواحد، ثم أمر الله تعالى بوظيفة العمل ورئيسه الاستغفار، فلهذا السبب قال: وَاسْتَغْفِرُوهُ لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل المأتي به، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) فالله تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة: الشرك، والامتناع من الزكاة، وإنكار القيامة. فإن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله، وأفضل أبوابه الإقرار بكون الله واحدا، وإذا كان التوحيد أعظم الطاعات كان الشرك أخسها، لأنه ضد التوحيد، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال، لأنه ضد الشفقة على خلق الله. ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه فسر لا يؤتون الزكاة بقوله: أي لا يقولون لا إله إلّا الله فإنها زكاة الأنفس. والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله. وقال الحسن وقتادة: أي لا يعتقدون إعطاء الزكاة واجبا. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) أي غير مقطوع. قيل: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملونه.
ويقال يكتب ثواب أعمالهم بعد الهرم أو الموت إلى يوم القيامة غير منقوض. وقيل: لا يمنون بذلك الأجر. قُلْ يا أشرف الخلق: أَإِنَّكُمْ يا أهل مكة لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ أي لتكفرون بالعظيم الشأن الذي حكم بأن الأرض ستوجد في مقدار يومين، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً. أي نظراء والحال أنه لا يمكن له نظير واحد، أي أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق هذه الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكا له في المعبودية! ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) أي ذلك العظيم الشأن الذي علمت من صفته أنه خالق جميع الموجودات فكيف أثبتم له أنداد من الخشب والحجر؟! وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وهو عطف على «خلق الأرض» ، أي وخلق في الأرض جبالا ثوابت مِنْ فَوْقِها، أي كائنة من فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه وليتفكر أن الجبال أثقال، على أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك، وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلّا الله تعالى، ولو جعل في الأرض رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، وَبارَكَ فِيها أي الأرض بشق الأنهار، وخلق الأشجار والثمار، وأصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي بأن يوجد لأهل الأرض من الأنواع المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة. وقرئ «وقسم فيها أقواتها» . فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي مع اليومين الأولين الذين خلق فيهما الأرض سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) .
стр. 1018
قرئ «سواء» بالحركات الثلاثة: النصب: على مصدر مؤكد لمضمر، هو صفة لأربعة:
أي استوت الأربعة استواء لا يزيد ولا ينقص. والجر: على الوصف، أي مساويات غير مختلفة في المقادير. والرفع: على تقدير هي سواء، ولمن قرأه بالرفع أن يقف على أربعة أيام. وقوله تعالى: لِلسَّائِلِينَ إما متعلق ب «سواء» أي مستويات لمن سأل الرزق، ولمن لم يسأل، أو متعلق بقدر- كما قاله الزجاج- أي وقدر فيها أقواتها في تتمة أربعة أيام، لأجل الطالبين للأقوات المحتاجين إليها، أو متعلق بمحذوف والتقدير: هذا الحصر بيان للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها. في كم يوم خلقت الأرض وما فيها
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، أي ثم قصد إلى خلق السماء، أي ثم دعاه داعي الحكمة إلى خالق السماء بعد خلق الأرض، وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك، وَهِيَ دُخانٌ أي أمر ظلماني، أو دخان مرتفع من الماء. فَقالَ لَها- أي للسماء- وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا إلى الوجود والحصول أي كوننا على وجه معين، وفي وقت مقدر لكل منكما. وهذا عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوجودهما تعلقا فعليا، طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي طائعتين أو كارهتين، أي شئتما ذلك أو أبيتما. قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) أي أتينا أمرك منقادين لا على الكره. وهذا تمثيل لكمال تأثرهما بالذات العلية عن القدرة الربانية.
وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد «آتيا قالتا آتينا» . بالمد في الفعلين، أي وافقا على مرادي منكما. قالتا: توافقنا على ذلك أو أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما. قالتا: أعطينا الطاعة. ويقال: إن الله تعالى قال للسماء والأرض بعد ما فرغ منهما: أعطيا ما فيكما أو جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. أي قال لهما: افعلا ما أمرتكما طوعا وإلّا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، أي أتم السماء حال كونها سبع سموات في يومين. ذكر أهل الأثر أن الله تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين. وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، وأن الذي خلق أولا هو الدخان الذي هو أصل السماء، ثم بعده الأرض، غير مدحوة، ثم خلقت السماء مبسوطة متفاصلة طباقا بعضها فوق بعض، ثم دحيت الأرض، وخلق ما فيها من الأرزاق وغيرها. وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها.
قال مقاتل: أمر في كل سماء بما أراد. وقال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال عطاء عن ابن عباس ﵃: خلق في كل سماء ما فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى ويقال: ولله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص، فمن الملائكة من هو في القيام من أول خلق العالم إلى قيام القيامة، ومنهم ركوع لا ينتصبون، ومنهم سجود لا يرفعون، وذلك الأمر مختص بأهل السماء. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ- وهي
стр. 1019
النبرات التي خلقها في السموات وخصّ كل واحد بضوء معين، وطبيعة معينة، وسر معين، لا يعلمها إلّا الله تعالى- وَحِفْظاً أي وحفظناها من الشياطين الذين يسترقون السمع.
وقيل: إن «حفظا» مفعول له على المعنى كأنه قيل: وخلقنا المصابيح زينة وحفظا، فبعض النجوم زينة السماء لا يتحرك وبعضها يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وبعضها رجوم للشياطين.
ذلِكَ أي هذه التفاصيل تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) لأنها لا تمكن إلّا بقدرة كاملة وعلم محيط، فَإِنْ أَعْرَضُوا عن قبول هذه الحجة القاهرة وأصروا على التقليد، فَقُلْ لهم:
أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
أي خوفتكم عذابا هائلا، كأنه نار معها رعد شديد مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) .
وقرأ ابن الزبير، والنخعي، والسلمي، وابن محيصن: «صعقة» مثل صعقة عاد وثمود، وهي المرة من صيحة العذاب.
روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة فكلمه، ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة، وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي، فأتاه، فقال: يا محمد أنت خيرا أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد الله؟ فلم تشتم آلهتنا وتضللنا، فإن كنت تريد الرئاسة عقدنا اللواء، فكنت رئيسنا وإن كنت أردت الباه زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله ساكت، فلما فرغ عتبة قال ﷺ : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى:
صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» فأمسك عتبة على فيه ﷺ وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: لا نرى عتبة إلّا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب عتبة، وأقسم لا يكلم محمدا أبدا وقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا سحر، ولا كهانة،
ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب، وإنما خص هاتين القبيلتين، لأن قريشا كانوا يمرون على بلادهم، إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ حال من صاعقة عاد، أو ظرف منها منصوب بها، لأنها بمعنى عذاب، فالمعنى صعقة عاد وثمود وقت مجيء رسلهم إليهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي أتوهم من جميع جوانبهم، وأتوهم بجميع وجوه الحيل، فلم يروا منهم إلّا الأعراض، أي جاءتهم الرسل من قبلهم، ومن بعدهم، أي جاءهم هود وصالح داعيين لهم إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل، فكأن جميع الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم بقوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ف «أن» مفسرة بمعنى أي، أو مخففة من الثقيلة، أي بأنه لا تعبدوا أي بأن الحديث قولهم لهم لا تعبدوا إلّا الله، «أو» مصدرية، والجملة بعدها صلتها وصلت بالنهي، كما توصل بالأمر، أي جاءوهم بكونهم نهوهم
стр. 1020
عن الشرك، ويجوز «أن» تكون أن نافية على هذا الوجه أي جاءوهم بأمرهم بالتوحيد ونفي الشرك. قالُوا أي عاد وثمود مخاطبين لهود وصالح: لَوْ شاءَ رَبُّنا أي إرسال الرسل إلى البشر، لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي لأرسلهم بطريق الإنزال فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) أي فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة، فأنتم لستم برسل، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم، وقوله تعالى بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ حكاية لكلامهم على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي فأما قوم هود فتعظموا في الأرض على أهلها بغير استحقاق للتعظيم. وَقالُوا لهود لما هددهم بالعذاب: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ أي نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا ذلك لأن أطولهم كما قال ابن عباس كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا. فقال الله تعالى ردا عليهم: أَوَلَمْ يَرَوْا أي ألم ينظروا ولم يعلموا علما جليا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي قدرة يقدر على إهلاكهم وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) أي إنهم كانوا يعرفون أن الآيات المنزلة على الرسل حق، ولكنهم أنكروها كما ينكر المودع الوديعة، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي باردا شديدا، يحرق ببرده كما تحرق النار بحرها، أو ريحا يصوت في هبوبه.
وعن ابن عباس: أن الله تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي والمراد. أنه مع قلته أهلك الكل وذلك دليل على كمال قدرته تعالى فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ أي مشؤومات. روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء. قال ابن عباس: وما عذب قوم إلّا في يوم الأربعاء.
وقرأ نافع ابن كثير وأبو عمرو «نحسات» بسكون الحاء. والباقون بكسرها لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بسبب أنهم استكبروا فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الذل إليهم. وقرئ «لتذيقهم» بالتاء على إسناد الإذاقة إلى الريح أو إلى الأيام وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أي أشد إهانة مما كان لهم في الدنيا وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) بدفع العذاب عنهم، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى، أي وأما قوم صالح فبيّنا لهم طريق الخير والشر، فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد.
وقرأ الجمهور برفع «ثمود» ممنوعا من الصرف. وقرئ بالنصب بفعل يفسره ما بعده، وقرأه الأعمش وابن وثاب منونا في الحالين والرفع أفصح لوقوع ثمود بعد حرف الابتداء. وقرئ «ثمود» بضم الثاء، فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ أي داهية العذاب الذي يهينهم بشدته، بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) من اختيار الضلالة، وهي شركهم وتكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا من الفريقين وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) الأعمال التي أتى بها قوم عاد وثمود، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، أي واذكر يا أشرف الخلق لقريش المعاندين لك حال الكفار في القيامة يوم يجمع بكره الكفار الأولون والآخرون إلى موقف الحساب والتعبير عنه بالنار الإعلام