← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت الرجل فَضّة خاتمه كثيرة وفصُّه صغير، فذاك رجل عاقل، وإذا رأيت فضته قليلة وفصه كبير، فذاك رجل عاجز، وإذا رأيت [الكاتب دواته على يساره فليس بكاتب، وإذا رأيت دواته] (١) على يمينه وقلمه على أذنه، فذاك كاتب، أو نحوه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو سعيد: محمد بن الفضل المُذَكِّر قال: سمعت أبا الحسن: محمد بن أحمد بن أيوب البغدادي يقول: حدثنا جعفر بن أحمد الواسطي قال: حدثني أبو جعفر الترمذي، عن البويطي. عن الشافعي قال: ليس من المروءة أن يخبر الرجل بسنه (٢). وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن محمد بن هارون يقول: سمعت أبا الحسن بن سليمان يقول: سمعت محمد بن إسماعيل السلمي يقول: سمعت البويطي يقول: سمعت الشافعي يقول: ليس من المروءة أن يخبر الرجل بسنه. قال لنا (٣) أبو عبد الله الحافظ، فيما قرئ عليه في قول الشافعي، ﵁: في (٤) هذا صيانة كثيرة للمروءة، وهي أن المخبر بسنه لا بدّ من أن يكون بين مصدِّق ومكذِّب، فقائل يقول: نقص من سنه رغبة في الشباب، وآخر يقول: زاد على سنّه طلبا للتَّشَايُخ. ثم إن كان من أهل العلم قيل: متى لقى فلانا ولقى فلانا وهو صغير؟

стр. 807

قال أبو عبد الله: سألني أبو بكر بن جعفر المزكي (١)، وكان من عقلاء الرجال، عن سني فأحببته بقول الشافعي فقال: لقد أحببت بجواب شاف. قلت: وفي مثل هذا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنبأني أبو عمرو بن السّمّاك، شِفَاهاً، أنّ أبا سعيد الجصّاص حدّثه قال: سمعت محمد - يعني ابن عبد الله بن عبد الحكم - يقول: قال [لي] (٢) الشافعي: يا محمد، لا تحدِّث عن حي؛ فإنّ الحي لا يؤمن عليه أن ينسى. قال محمد: وذلك أني سمعت من الشافعي، ﵁، حكاية فحكيتها عنه فَنُمِيَتْ إليه فأنكرها، فاغتم أبي لذلك غمًّا شديداً، وكنا نُجِلّه، فقال: يا بني، لقد حكيت عن الشافعي حكاية فنميت إليه فأنكرها. قال: فقلت له: يا أبه، أنا أذكّره لعله يذْكر. فمضيت إليه فقلت: يا أبا عبد الله، أليس تذكر يوم كذا وكذا وقد سألك سائل عن مسألة في الرضاع فأجبته فتكلمت بكذا وكذا في الإيلاء؟ فوقفته على الكلمة فذكرها. ثم قال لي: يا محمد، لا تحدّث عن حيّ، فإن الحيّ لا يؤمن عنه النسيان. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أنبأنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأَسَدَاباذ، قال: سمعت أبا جعفر الطّحَاوي يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: من كذب على أخيه فقد عَضَهَه (٣). أخبرنا محمد بن الحسين السّلمي قال: حدثنا علي بن عمر بن أحمد بن

стр. 808

مهدي الحافظ، ببغداد، قال: قرأت في كتاب يحيى بن عثمان بن صالح، بمصر، حدثني عبد الله بن عبد الخالق المصري قال: سمعت الشافعي يقول لعبد الحميد بن الوليد بن المغيرة الأشجعي، وأتاه عائدا له في منزله، فقال له الشافعي: قوّى الله قُوَّتَكَ وأَضْعَفَ (١) ضَعْفَك. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «التاريخ» قال: حدثنا طاهر بن محمد ابن عبد الله: أبو عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري قال: قال لنا الربيع بن سليمان: دخلت يوما على الشافعي فقلت له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحتُ ضعيفاً، فقلت: قَوَّى الله ضَعْفَك. فقال [لي:] (٢) يا ربيع، أجاب الله قلبَك ولا أجاب لفظك؛ إنْ قوّى ضَعْفِي علَيَّ قتلني، ولكن قل: قَوَّاكَ اللهُ على ضَعْفِك [وفي رواية في غير هذا الموضع: قال الربيع: والله ما أردت إلا خيراً (٣) فقال الشافعي: أجل، والله يا بني لو تشتمني صراحاً لعلمت أنك لم تُرِد إلا الخير]. قرأت في كتاب العاصمي: سمعت دعلج بن أحمد، بالعراق، يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة يقول: سمعت الربيع يحكي عن الشافعي: أنه كان يكره أن يقول: أعظم الله أجرك - يعني في المصائب - ويقول: إذا قال: أعظم الله أجرك معناه: أكثر الله مصائبك ليعظم أجرك.

стр. 809

قال ابن خزيمة (١): حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا حماد، عن ثابت (٢)، عن «مطرف» قال: لا تقل: أعظم الله أجرك ولكن قل: أجرك الله. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسَّان بن محمد الفقيه قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت حَرْمَلَة بن يحيى يقول: سمعت الشافعي يقول: إن «ابن عجلان» أنكر علي والي المدينة إِسْبَال الإِزار يوم الجمعة على رؤوس الناس، فأمر بحبسه، فدخل «ابن أبي ذئب» على الولي فشفع له وقال: إنّ ابن عجلان أحمق، يراك تأكل الحرام وتلبس الحرام وتفعل كذا فلا ينكره (٣) عليك، ثم ينكر عليك إسبال الإزرار؟! فَخَلَّى سبيلَه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا العباس المصري يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت ابن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: رأيت من عجائب الدنيا ثلاثة: رجل يكتب بشماله فيسبق من يكتب بيمينه، ورجل حبسه القاضي في مُدَّي نوى، ورجل يدور على الجواري يعلِّمهن الغناء، فإذا جاء وقت الصلاة صلى قاعداً. وأخبرنا أبو سعد: سعيد بن محمد بن أحمد الشعيثي قال: حدثنا أبو محمد: جعفر بن محمد بن الحارث قال: أخبرني أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن بحر

стр. 810

المصري قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال (١) الشافعي، ﵁. فذكر هذه الحكاية، غير أنه قال في الثالث: ورأيت شيخا كبيراً يدور على الفتيان يعلمهن الغناء، فإِذا حضرت الصلاة صلّى قاعداً.

стр. 811

باب ما يستدل به على سخاوة الشافعي، ﵀، وحسن جوده، وحسن عهده، وما يؤثر عنه في السخاء * * * أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت «الحُمَيْدي» يقول: قدم الشافعي، ﵁، من «صنعاء» إلى «مكة» بعشرة آلاف دينار في منديل، فضرب خباءه في موضع خارجا من مكة، فكان الناس يأتونه فما برح حتى ذهبت كلها (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا محمد: عبد الله بن محمد ابن علي يقول: سمعت أبا نعيم الفقيه يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول. فذكره بمثله. وبهذا الإسناد قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال الشافعي: يا ربيع، أعطه الأربعة دنانير واعتذر لي منه (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو بكر: محمد بن أحمد بن بالويه الجلاب قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا الربيع. فذكره بمثله إلا أنه قال: واعذرني.

стр. 812

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد قال: حدثنا أبو علي: الحسن بن حبيب بن عبد الملك، بدمشق، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعي راكبَ حمارٍ فمر على سوق الحذَّائين، فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذائين، فأخذ السوط ومسحه بكُمِّه وناوله إياه، فقال الشافعي لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى. قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة (١). أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت قَعْنَب بن أحمد بن عمرو (٢) بن محمد بن مُجَاشِع يقول: سمعت محمد بن أحمد بن وَرْدَان يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنا مع الشافعي، ﵁، وقد خرج من مسجد مصر فانقطع شِسْع نعله، فأصلح له رجل شِسْعَه (٣) ودفعه إليه فقال: يا ربيع، معك من نفقتنا شيء؟ قلت: نعم. قال: كم؟ قلت: سبعة دنانير. قال: ادفعها إليه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأنا علي بن محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمرو بن سواد السرحِي قال: كان الشافعي، ﵀، أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام. فقال لي (٤) الشافعي: أفلست من دهري ثلاث إفلاسات؛ فكنت أبيع قليلي

стр. 813

وكثيري حتى حليّ ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قط (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد ح وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال: كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمرّ بنا، فإن وجدني وإلا قال: قولوا لمحمد إذا جاء يأتي المنزل؛ فإني لست أتغدى حتى يجيء. فربما جئته فإذا قعدت معه على الغداء قال: يا جارية، اضربي لنا فالوذج. فلا تزال المائدة بين يديه حتى تفرغ منه ويتغدى (٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: سمعت أبا العباس بن سريج يحكى عن أبي بكر بن الجنيد عن أبي ثور قال: كان الشافعي من أجود الناس وأسخاهم كفا: كان يشتري الجارية الصَنَاع (٣) التي تطبخ وتعمل الحلوى، ويشترط عليها أن لا يقربها؛ لأنه كان عليلا لم يمكنه أن يقرب النساء في وقته ذلك؛ لباصور كان به، وكان يقول لنا: تشهَّوْا ما أحببتم؛ فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون. قال: فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي اليوم كذا وكذا. فكنا نحن الذين نأمرها، وهو مسرور بذلك (٤). أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:

стр. 814

كان الشافعي، ﵀، من أسخى الناس. قال: وكنت آكل مع الشافعي تمراً مُلَوَّزاً من هذه الجِرَار، فجاء رجل فقعد وأكل، وكان يجلس إليه، فلما فرغ من الأكل قال الرجل للشافعي: ما تقول في أكل الفجاءة؟ قال: فلوى الشافعي عنقه إليّ وقال: هلا كان سؤاله قبل أن يأكل؟ وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان قال: حدثنا أبو جعفر - يعني محمد بن عبد الرحمن - قال: حدثنا الحسن - يعني ابن الأشعث - قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: جاءنا الشافعي إلى منزلنا قال: فقال لي: اركب دابتي هذه قال: فركبتها قال: فقال لي: أقبل بها وأدبر، ففعلت فقال: إني أراك بها لَبِقاً فخذها فهي لك. قال: وكان من أسخى الناس. ثم ذكر قصة التمر (١). أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: تزوجت، فسألني الشافعي: كم أصدقتها؟ قلت: ثلاثين (٢) دينارا. فقال: كم أعطيتها؟ فقلت: ستة دنانير. فصعد داره وأرسل إلي صرة فيها أربعة وعشرون دينارا (٣). أخبرنا محمد بن الحسين قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أحمد بن علي بن سعيد البزاز يقول: سمعت إبراهيم بن خالد: أبا ثور يقول: أراد الشافعي الخروج إلى مكة. ح. وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد

стр. 815

الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، حدثني أبو سليمان (١)، حدثني أبو ثور قال: أراد الشافعي الرجوع إلى مكة ومعه مال قال: فقلت له: - وكان قلَّما يُمسك شيئا؛ من سماحته - ينبغي أن تشتري بهذا المال ضَيعة تكون لك ولولدك من بعدك. قال: فخرج ثم قدم علينا، فسأَلته عن ذلك المال فقال: ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها؛ أكثرها قد (٢) وُقفت، ولكن قد بنيت بمنى مَضْرباً يكون لأصحابنا إذا حجّوا ينزلون فيه (٣). [(٤ لفظ حديث أبي عبد الله، وليس في رواية السلمي: وقد وُقفت ٤)]. أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني (٥) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي قال: سمعت محمد ابن أحمد بن بنت الشافعي يقول: سمعت عمي يقول: باع الشافعي ضيعة له بمائة ألف فقسمها بمكة فبينا هو كذلك إذ أقبل أعرابي من بني عذرة فسلم عليه فقال له: يا فتى، بيني وبينك حرمة متأكدة. فقال له الشافعي: وما ذاك؟ قال: رأيتك مع أبيك ولك ذؤابة تشتري أضحية يوم النحر. فالتفت إليّ البائع فقال (٦): خاب الفتى. قال: فقال الشافعي: هذه حرمة متأكدة، وقال له: ادخل، وخذ النطع وما عليه. فدخل، فأخذ النطع وما عليه.

стр. 816

ورواه أبو الحسن العاصمي، عن محمد بن عبد الله الرازي، عن إسحاق بن محمد الأنصاري، عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه ويحتمل أن تكون الحكاية عند هذا الرازي من الوجهين جميعا. أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن موسى قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا الساجي قال: حدثني عبد الله بن أحمد المروزي قال: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي وجاءه سائل فقال: إني رجل من أمري كيت وكيت فأمر لي بشيء، وما كان يملك يومئذ إلا ديناراً، فأعطاه إياه فقال له بعض جلسائه: هذا لو أعطيته درهما أو درهمين كان كثيرا، فقال: إني أستحي أن يطلب رجل مني شيئاً ومعي مقدرة فلا أعطيه. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني نصر بن محمد العدل قال: وجدت في كتابي عن إبراهيم بن محمد قال: كنت في مجلس أحمد بن يوسف التغلبي، صاحب أبي عبيد: القاسم بن سلام، فجرى ذكر الشافعي وأخلاقه وفقهه وسماحته فقالوا: ما شبهناه إلا بأبيات. أنشدها (١) حفص بن عمر الأزدي المقري لبعض الأعراب: إن زرت ساحته ترجو سماحته ... بلّتك راحته بالجود والديم أخلاقُه كرم وقوله نعم ... يقولها بفم بَحْبَحْت فاحِتَكمِ (٢) ما ضرّ زائرَه يرجو أناملَه ... إن كان ذا رحمٍ أو غير ذي رحم

стр. 817

[الجود غرّتُه والمجد غايته ... يقولها بفم قد لج في نعمِ] (١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا محمد بن روح، حدثنا الزبير بن سليمان القرشي، عن الشافعي قال: خرج «هَرْثَمَة» فأقرأني سلام أمير المؤمنين: هارون. قال (٢): وقد أمر لك بخمسة آلاف دينار. قال: فَحُمل إليه المال، فدعا بحجَّام فأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارا. ثم أخذ رقاعا وصر من تلك (٣) الدنانير صُرَراً ففرقها في القرشيين الذين هم بالحضرة من أهل مكة حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار (٤). وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين العاصمي، ﵀، المجموع لمناقب الشافعي، ﵁: سمعت أبا بكر: أحمد بن الحسن الفقيه الشافعي يحكي عن أبي القاسم الطالبي، عن الشافعي، ﵀، أنه أدخل إلى الرشيد (٥) فقال له: يا أخا شافع، شَقَقْتَ العصا، وخرجت مع العلوية علينا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أأدع ابن عمي من يقول إني ابن عمه، وأصير إلى قوم يقولون إني عبدهم. قال: فأطلق عنه ووصله بثمانين ألف درهم (٦) قال: فخرج فرأى حجَّاما فطمَّ شعره فوصله بثمانين دينار فعاتبه على ذلك الرشيد، فأنشأ يقول:

стр. 818

موللو تنازعني كفى إلى خُلُق ... يرزى لقلت لها أَلْقيهِ أَوْ بِينِي خِيْمِي كريمٌ ونفسي لا تحدّثُني ... أنّ الإله بلا رزْقِ يُخَلِّيني هذا وما زال مالي من أذى طمعٍ ... ومن ملامة أهل اللَّوم يُغريني بل بما اشتريت بمالي قط محمدةً ... إلا تيقَّنْت أنِّي غيرُ مغْبون ولا دُعِيتُ إلى مجدٍ ومكْرُمةٍ ... إلا أجبتُ: أَلَا مَنْ ينَادِيني (١)؟! لبَّيك يا كرمي لبيكَ ثانيةً ... لبيكَ ثالثةً من حيثُ تَدْعوني وقرأت في موضع آخر البيت الأول والله لو كرهَت كَفِّي مُسَاعدتي ... لقُلْتُ لِلْكَفِّ بِينى إذْ كَرِهْتِيني (٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «التاريخ» قال: سمعت محمد بن عبد الأعلى يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن الرَّقِّي يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول: ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن أحمد بن عبد الأعلى المقري يقول: سمعت أحمد بن أحمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: السخاء والكرم يغطي عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا تلحقه بدعة (٣). وقرأته في كتاب زكريا بن يحيى الساجي عن محمد بن إسماعيل قال:

стр. 819

سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت الشافعي يقول: فذكره غير أنه قال: غطى عيوب الدنيا والآخرة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب الطوسي قال: حدثنا محمد بن المنذر الهروي قال: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: السخاء في اليمن. ورواه أيضا ابن عبد الحكم عن الشافعي، ﵁. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا محمد بن يحيى الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: قال لنا الشافعي: نزلنا بامرأة من اليمن فجعلت تخرج إلينا الشيء بعد الشيء «وقلَّله» (١) فقلنا لها: إن معنا أشياء. قالت: فما تريدون بهذا؟ أتنزلون عندنا وتأكلون طعامكم؟ والله لا كان هذا، والله لئن فعلتم هذا لترون متاعكم مطرحا في الصحراء. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا سعيد: أحمد بن محمد ابن رميح الحافظ يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: ح. وأخبرنا محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت جدي إسماعيل بن نجيد (٢) يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت وفاء بن سهل الكندي يقول: سمعت الشافعي يقول: أمْلَقْتُ بمكة حتى لم يبق لي شيء، فقلت: إلى من

стр. 820

أصير؟ ففكّرت فيمن يقوم بي من قريش وغيرهم، ثم قلت: ما أجد لي خيرا من أن أصير إلى اليمن. قال: فتجهزت وخرجت إليها، فأتيت صنعاء فسألت عن رجل من أهل اليمن ممن يُؤْثَر، فوصف لي رجل وسمى لي موضعه، فخرجت نحوه حتى أتيت منزله، فإذا برجل قاعد وإذا بجماعة وإذا له دار ضيافة، فعدل بي إلى دار الضيافة فدخلت مع الضيفان، ثم أنه أقبل إلينا، فأرسل إليّ رسولا فسألني من أنا فأخبرته بنسبي، فحوّلني من ذلك الموضع إلى موضع وراءه فأقمت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء أكثر من أن يجيء (١) فيسلم، ثم ينصرف. قال: فلما كان اليوم الرابع سألني: أضيف أنا أم زائر؟ فقلت (٢): زائر. فحوَّلني من ذلك المكان إلى مجلس وغيره، فكان يأتيني في كل وقت، ويؤانسنى وأؤانسه، فلما طال مكثي عنده أتاني، فقال لي: لعلك تريد الرجوع فقلت إلى أهلك؟: أي والله، لقد اشتقت إلى منزلي، فلم أعلم حتى أتاني بدنانير كثيرة وطرائف، وخرجت وخرج معي حتى جاز موضعا من مواضعهم فودّعني ثم رجع إلى منزله، فأقبلت إلى منزلي بما أجازني، وأعطاني، فأقمت دهرا أتمناه أن يوافيني بمكة فكنت أسأل عنه كل حين من يقدَمُ من تلك الناحية، حتى قدم رجل من مِخْلافِه (٣) فسألته عنه، فأخبرني بقدومه، فأتيته وسلمت عليه، ثم إني صرت إلى منزلي فأمرتهم فأصلحوا لي المنزل وما يحتاج إليه وبحرت (٤) بيتا واسطوانة، ثم أتيته فسألته أن يصير إلى منزلي، فكأنه تلكَّأَ، فلم أزل به (٥) حتى صار معي إلى المنزل، فلما صرنا إلى المنزل جلس في الاسطوانة ولم يدخل البيت، فلم

стр. 821

أزل به، وأطلب إليه حتى دخل المنزل، وأُتينا بطعام (١) فأكل وأكلنا معه، وكنا قد هيأنا طعاما كثيرا، فلما أكل وفرغ وتوضْأ التفت إليّ وقال لي: كأنك إنما أردت أن ترينا متاعك وطعامك وأثوابك يابن أخي، لو صيرت هذا في أعناق الرجال لكان أعظم لقدرك، وأسنى لذكرك. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا علي بن عيسى المدائني قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: إني علي عيد وليس عندي نفقة، فقال لي أهلي: عودت قوما أن تصلهم فلو استسلفت شيئا؟ فاستسلفت سبعين دينارا، فتركت عشرين ديناراً للنفقة، وفرَّقت الباقي، فبينا أنا على ذلك إذ أتاني رجل من قريش يشتكي إليّ الحاجة، فأخبرته خبري. فقلت له: خذ ما تحب. فقال: ما حاجتي (٢) إلا أكثر من هذه الدنانير. فقلت له: خذها، وبتُّ، وما معي دينار ولا درهم، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول البَرْمَكِي: جعفر بن يحيى، فقال: أجب. فأجبته فقال: ما شأنك في هذه الليلة؟ يهتف لي هاتف يقول: الشافعي، الشافعي، كلما دخلت في النوم. أخبرني بأمرك، فأخبرته فأعطاني خمسمائة دينار وقال: أزيدك؟ فأعطاني خمسمائة أخرى فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار (٣). ورواه أيضا زكريا الساجي عن ابن بنت الشافعي عن الأخضر بن عبد الله الصُّدَائي عن الربيع بن سليمان إلا أنه قال: قال رسول الفضل بن يحيى أو البرمكي: جعفر بن يحيى. أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي الحسن قال: أخبرنا الحسن بن رشيق،

стр. 822

إجازة، قال: حدثنا أحمد بن سلامة الطحاوي ومحمد بن الربيع قالا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: مرَّ رجل من النجار بالزُّهْري وهو في قريته، والرجل يريد الحج، فابتاع الزهري منه بزًّا بأربعمائة دينار إلى أن يرجع من حجَّه، فما برح الرجل حتى فرَّقه عن آخره، فرأى الزهري الكراهة في وجه الرجل لذلك، فلما فرغ الرجل (١) من حجه مرّ بالزهري يتقاضاه، فأمر له الزهري (٢) بثلاثين ديناراً ينفقها في سفره، ودفع إليه الدنانير، ثم قال له الزهري: كأني رأيتك (٣) قد ساء ظنك يومئذ. قال الرجل: أجل! قال الزهري: والله لم أفعل ذلك إلا للتجارة: أُعْطِي القليل فأُعْطَى الكثير. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو الحسن: علي بن محمد بن علي بن الحسين الهروي - قدم علينا حاجّاً - قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن محمد ابن مخلد يقول: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي أن رجاء بن حَيْوَة عاتب «ابن شهاب» في الإسراف وكان يدَّان فقال: لا آمن (٤) أن يحبس هؤلاء القوم أيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانتك قال: فوعده أن يقصر. فمرّ به بعد ذلك وقد وضع الطعام، ونصب موائد العسل، فوقف به رجاء وقال: يا أبا بكر، هذا الذي افترقنا عليه؟ فقال له ابن شهاب: اترك (٥)؛ فإن السّخِيّ لا تؤدّبُه التجارب.

стр. 823

قال أبو عبد الله: محمد بن العباس: أنشدني الحسين بن أبي عبد الله الكاتب في هذا المعنى: له سَحَائِبُ جودٍ في أنامله ... أمطارها الفضة البيضاء والذهبُ يقول في العسر: إنْ أيْسَرْتُ ثانيةً ... أقصرت عن بعض ما أُعْطِي وما أهبُ حتى إذا عاد أيامُ اليسار له ... رأيت أمواله في الناس تُنْتَهَبُ لفظ حكاية الهروي. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الرحمن بن الحسن العاصمي - شفاها - أن زكريا بن يحيى حدثهم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: سمعت الحسين بن علي يقول: قال الشافعي، ﵁: لا أزال أحب «حماد بن أبي سليمان» (١) لشيء بلغني عنه: بلغني أنه كان راكبا على حمار، فحرّكه الحمار فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل عليه ليسَوِّي (٢) زره [فقال - يعني الخياط -: والله لا نزلت فقام الخياط إليه ليسوي زره] (٣) فأدخل يده في جيبه فأخرج إليه صُرَّةً فيها دنانير فناولها الخياط، ثم اعتذر إليه من قلتها.

стр. 824

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا سعيد بن أحمد القضاعي قال: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: دخل رجل على أبي جعفر المنصور فقال له: يا أمير المؤمنين، تفضل عليّ تفضلا قرشيا ولا تصنعنّ صُنْعاً حجازيًّا (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، وغيرهما، قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: وقف أعرابي على عبد الملك بن مروان، فسلم عليه ثم قال: أي يرحمك الله، إنه قد مرت بنا سنون ثلاث: أما إحداها فأهلكت المواشي. وأما الثانية فَاَنْضَت اللحم. وأما الثالثة فخلصت إلى العظم. وعندك مال: فإن يكن لله فأعط عباد الله. وإن يكن لك فتصدق علينا، إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ. قال: فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: لو أن الناس يحسنون يسألون هكذا ما حرمنا أحدا (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، وأبو عبد الرحمن السلمي، قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: وقف أعرابي على قوم فقال: أي يرحمكم الله، إني رجل من أبناء السبيل [وأَنْضَاء طريق وفُلَّال سنة] (٣) فرحم الله أمرأً

стр. 825

أَعْطَى من سَعَةٍ، وواسى من كَفَاف. قال: فأعطاه رجل ديناراً فقال: آجرك الله من غير أن يبْتليك. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت محمد بن المسيّب الأَرْغيَاني يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: دفع إليَّ الشافعي دراهم لأشتري له (١) حَمَلاً، وأمرني أن أشوي ذلك قال: فنسيت واشتريت سمكتين وشويتهما، فأتيته بهما فنظر فقال: يا أبا محمد، كُلْهُماَ فقد اشتهيتَهما (٢). ورواه أبو بشر الدُّولاَبِي، عن الربيع قال: فقلت: هكذا قضى فقال: يا ربيع، اليوم تأكل شهوتك، وغدا [تأكل شهوتنا] (٣). أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله قال: أخبرني عبد الله بن محمد الحَيّاني قال: حدثنا محمد - يعني ابن عبد الرحمن الأصبهاني - قال: حدثنا إبراهيم بن مَتّوية قال: حدثنا أبو عبد الله،: أو عبيد الله: أحمد بن عبد الرحمن قال: خرج للشافعي يوما غلام أسود ومعه ساجة قد حملها للبيع فَبَصُر بِهِ، فأمر به، فدعى، فقال: إلى أين؟ ما هذا الذي معك؟ قال: فما تريد؟ فكرر عليه فقال: يا مولاي، لم تفتي الناس بشيء لا تأخذ به؟ أليس تزعم أن البينة على المدعي، واليمين

стр. 826

على من أنكر؟ أعني المدعى عليه - فإن كان لك في الخشبة دعوى فثبِّت. فضحك الشافعي وقال: اذهب كيف شئت (١). أخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن العباس يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن حمدان الطَّرَائفي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقي الله تعالى فاصطنعها إلى من يتقي العار. قرأت في كتاب العاصمي عن الزبير بن عبد الواحد، عن القزويني، عن الربيع قال: كان الشافعي، ﵁، إذا سأله إنسان أن يصله بشيء يَحْمَارُّ وَجْهُهُ حياءً من السائل، ويبادر بإعطائه ما سأله. ولقد سأله إنسان يوما وهو راكب شيئا فتغيَّر لونه وقال: أين تكون حتى أبعث إليك بحاجتك؟ فلما رجع إلى منزله بعث إليه بما سأله. قال الربيع: قد سمعنا بالأسخياء. قد كان عندنا قوم من الأسخياء بمصر، وأهل الفضل رأيناهم ما رأينا مثل الشافعي، ولا سمعنا أحداً في زمانه كان مثلَه [(٢ قال الربيع: وكان الشافعي يقول: أهل اليمن فيهم السخاء ٢)]. قال الربيع: قال الحميدي: فأين سخاء أهل اليمن من سخاء الشافعي ﵁؟ أولئك سخاؤهم من فَضْلٍ معهم والشافعي يسخو (٣) بكلِّ ماله.

стр. 827

وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن إبراهيم بن زياد، عن البويطي قال: قدم علينا الشافعي مصر، وكانت «زبيدة» ترسل إليه برزم الوشى والثياب فيقسمها الشافعي بين الناس (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: رأيت الشافعي يوم أضحى واقفا على درجة له (٢) يأمر الذَّابِحَ بذبح أضحيته ويسمي الله ويكبّر (٣).

стр. 828

باب ما يستدل به على شهادة أئمة المسلمين وعلمائهم للشافعي، ﵁، بالتقدم في العلم، واعترافهم له به، وحسن ثنائهم عليه، وجميل دعائهم له * * * فمنهم: أبو عبد الله: مالك بن أنس الأصبحي: إمام أهل الحرمين، رحمة الله عليه. أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد ابن يعقوب الأموي قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: أنا قرأتُ على مالك فكان يعجبه قراءتي. قال أبي: لأنه كان فصيحا. وذكرنا في باب رحلته إلى مالك: أنه لما سمع مالك كلام الشافعي نظر إليه ساعة - وكانت لمالك فراسة - فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: يا محمد، اتق الله، واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن. فقال: نعم وكرامة. وحين قرأ عليه «الموطأ» ظاهرا - كلما أراد أن يقطع أعجبه حُسن قراءته وإعرابه فيقول: يا فتى: زد. حتى قرأه عليه في أيام يسيرة. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: قرأت في كتاب بعض فقهائنا بنيسابور: حدثنا العباس بن عبد الله الحيري قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن جرير الطبري قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:

стр. 829

كان الشافعي جالسا يوما بين يدي مالك بن أنس، فجاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، إني رجل أبيع القُمْرِيّ، وإني بعت يومي هذا قُمْرِيًّا. فلما كان العشي أتاني صاحب القمري فقال: إن قمريّك لا يصيح، فتشاجرت أنا وهو إلى أن حلفت بالطلاق أن قمريّ ما يهدأ من الصياح. فقال مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، فانصرف الرجل مغموما، فقام إليه الشافعي - وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة - فقال: أعد مسألتك - رحمك الله - فأعاد عليه فقال: أيّما أكثر: صياح قمريك أم سكوته؟ قال: فقال: صياحه. قال: امض فلا شيء عليك. ورجع الشافعي إلى الحلقة، ورجع (١) الرجل إلى مالك، لِصيته (٢) في البلاد، وكبر اسمه فقال: يا أبا عبد الله، انظر لي في مسألتي يكن لك فيها أجزل الثواب. فقال: ما أعرف لمسألتك جوابا غير ما أخبرتك. قال: فإن في حلقتك من أفتاني (٣) بأن لا شيء عليك. قال: مَنْ المفتي لك، رحمك الله؟ قال: هذا الغلام، وأومأ إلى الشافعي، فَزَبَرَهُ مالك وأخْجَله وقال: يا غلام:، بلغني عنك غير فتواي، فمن أين لك هذا؟ قال: لأني سألته (٤): أيّما أكثر صياح قمريك أم سكوته؟ فأخبرني بصياحه. فقال مالك: وهذا أعظم، أيّ شيء في سكوته وصياحه مما يكون مخرجا للفتوى؟ قال: لأنك حدثتني - يعني عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: أنها أتت النبي، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا جَهْم ومعاوية خطباني، فأيّهما أتزوج؟ فقال النبي، ﷺ : أما «معاوية» فصعلوك لا مال له، واما «أبو جهم» فرجل لا يضع

стр. 830

عصاه عن عاتقه. (١) وقد علم النبي، ﷺ ، أن أبا جَهْم يأكل وينام ويستريح، فقال لها: لا يضع سوطه على المجاز، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته. فلما أن سألتُه: أيّما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فأخبرني بصياحه. فقسته على قول النبي، ﷺ : «لا يضع سوطه» وعلمت أن النبي، ﷺ ، خاطب العرب على قدر عقولهم، وجعلوا أكثر الفعلين كمداومته. قال: فتعجب مالك بن أنس من قوله، ولم يقدح فيه بشيء فضرب مسلم بن خالد الزّنجي بين كَتِفي الشافعي وقال: أفتِ فقد والله آن لك أن تفتي. قلت: كان قد وقع غلط في هذه الحكاية في إسناد الحديث فقال: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، في قصة فاطمة بنت قيس. والصحيح ما ذكرناه. ورواه الشافعي في مواضع من كتبه على الصحة (٢). * * * ومنهم: أبو محمد: سفيان بن عُيَيْنَة الهِلَالي،، رحمة الله عليه. حدثنا أبو محمد: عبد الله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني، قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد بن محمد بن زياد قال: حدثنا تميم بن عبد الله: أبو محمد، قال: سمعت سويد (٣) بن سعيد يقول:

стр. 831

كنا عند سفيان بن عُيَيْنَة بمكة، فجاء الشافعي فسلّم وجلس، فروى ابن عيينة حديثا رقيقا فغشى على الشافعي فقيل: يا أبا محمد، مات محمد بن إدريس وقال ابن عيينة: إن كان مات محمد فقد مات أفضل زمانه (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا عباس ابن الحسين (٢) قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا عمرو بن سفيان بن محمد الثّغري (٣) قال: سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن إدريس الشافعي جالسا عند ابن عُيَيْنَة، وكان إذا جلس عنده جلس متربعا كجلسة القضاة، فقال رجل لابن عيينة: إنّ هاهنا قوما (٤) يرون كذا - - بُعَرِّضُ بالشافعي ومالك - فقال ابن عُيَيْنَةَ: ما أُحِبُّ أن يأتيني من يقول بهذا القول: فقال الشافعي لابن عيينة: يا أبا محمد، ليس هذا من صنعتك؛ إنما صنعتك الحديث، وإنما هذا لأهل النظر. فسكت سفيان، وطأطأ رأسه، فما رأيت ابن عيينة بعد ذلك إلا معظِّماً له ومكرما. وقرأت في كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي روايته عن أحمد ابن محمد ابن بنت الشافعي قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفُتْيا يُسأَل عنها التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الفتى.

стр. 832

أخبر أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد القاضي قال: حدثنا أبو جعفر - يعني الحافظ - قال: حدثنا أحمد بن روح قال: (١) حدثنا زكريا. فذكره مختصرا. وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد قال: أخبرني القزويني: محمد بن عبد الله قال: سمعت محمد بن يعقوب بن الفرجي يقول: إن علي بن المديني قال (٢): كان الشافعي لي صديقا، وكان سبب معرفتي إياه عند ابن عيينة، وكان ابن عيينة يجله ويعظمه. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الفضل: الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت أبا أحمد: محمد بن روح الأُسْتواي يقول: سمعت عبدان الأهوازي الحافظ يذكر عن بعض شيوخه، عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: كنا في مجلس ابن عيينة وعنده الشافعي، فحدث ابن عيينة عن الزهري، عن علي بن الحسين: أن النبي، ﷺ ، مرَّ به رجل ومعه امرأته صفية فقال: تعال، هذه امرأتي صفية. الحديث (٣) قال: قال ابن عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال الشافعي: إن كان القوم اتهموا النبي، ﷺ ، كانوا بتهمتهم إياه كفارا لكن النبي، ﷺ ، أدب من بعده فقال:

стр. 833

إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا لكيلا يظن بكم الظن السوء فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرا، ما يجيئنا منك إلا كلُّ ما نحب (١). ورواه زكريا بن يحي السّاجي، عن عبد الله بن أحمد الأهْوَازي، وهو عبدان، عن أحمد بن عمرو - يعني ابن أبي عاصم - قال: سمعت إبراهيم بن محمد الشافعي، وقد مضى رجوع سفيان إلى قوله في تفسير حديث أقروا الطير. وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن عبد الله بن جعفر، عن أبي بكر: محمد بن إدريس كاتب الحميدي [قال: سمعت الحميدي] (٢) يقول: مرض الشافعي فعاده ابن عيينة ثلاث مرات. * * * ومنهم مع ابن عيينة جماعة من فقهاء مكة: مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وغيرهم، ﵏. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز - إجازة - قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن عبد الله القزويني - قاضي مصر - أظنه عن الربيع (بن خالد) (٣) قال: أخبرني أبو يعقوب البويطي، عن الحميدي قال: كان سفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وعبد المجيد

стр. 834

ابن عبد العزيز، وشيوخ أهل مكة يصفون الشافعي ويعرفونه من صغره مقدَّماً عندهم (١) بالذكاء والعقل والصيانة، ويقولون: لم نعرف له صبوة (٢). وقرأته في كتاب العاصمي عن الزبير وقال في إسناده: حدثنا الربيع. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت أبا إسحاق: إبراهيم [(٣ بن محمد بن يحيى يقول: سمعت أبا نعيم الفقيه يقول: سمعت الربيع ٣)] بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعي: قد والله آن لك أن تفتي - وهو ابن خمس عشرة سنة (٤). * * * ومنهم [أبو سعيد:] (٥) يحيى بن سعيد بن فَرّوخ القطان: إمام أهل العلم بالحديث في زمانه، ﵀. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن بعد الواحد قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت الحارث بن سريج النَّقَّال (٦) يقول: [(٥ سمعت يحيى بن سعيد يقول (٧)]: أنا أدعو الله للشافعي أخصه (٨) وحكاه أيضا داود بن علي الأصبهاني عن الحارث، وقد ذكرنا فيما تقدم قوله حين عرض عليه كتاب «الرسالة» للشافعي، ﵁: ما رأيت أعقل

стр. 835

أو أفقه منه (١). أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو بكر: محمد بن المقري قال: أخبرنا أبو القاسم: جعفر بن الحسين الرندي (٢) بأصبهان، حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي من أربعين سنة، وأخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي النعيم الأصبهاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني عمرو بن عثمان المكي، عن الزَّعْفَرَاني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين. هذا هو الصحيح والأول وهم. * * * ومنهم أبو سعيد: عند الرحمن بن مَهْدِي بن حسّان العَنْبَرِي، المقدم في عصره في علم الحديث والفقه. كتب إلى الشافعي، ﵀، ليضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع فنون الأخبار فيه، وصحة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب «الرسالة» قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها (٣). أخبرنا علي بن بشران قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: سمعت جعفر بن أحمد السَّامَاني يقول: سمعت جعفر ابن أخي أبي ثَوْر يقول: سمعت عمي يقول: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي. فذكره غير أنه قال: قبول الأخبار. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: أخبرنا

стр. 836

إبراهيم بن محمود قال: حدثني أبو سليمان قال: حدثني الحارث بن سريج قال: أنا حملت كتاب الرسالة للشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي وجه بها معي إليه. قد ذكرنا فيما تقدم سائر الحكايات عنه وإعجابه (١) بكتاب الرسالة. وقرأت في كتاب زكريا الساجي: حدثني [بشر بن] (٢) مجاهد: أبو العلاء عن أبي عبد الرحمن القطان قال: حضرت عبد الرحمن بن مهدي لما جاءته رسالة الشافعي فقرأها فقال: هذا كلام رجل فَهِم. وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أخبرنا أبو أحمد: عبد الله ابن عَدِي الحافظ قال: سمعت عبدان يقول: سمعت عمرو بن العباس قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: إن الشافعي لا يوّرث من المرتد؟ فقال عبد الرحمن: إن الشافعي شاب مفهم؛ لأن النبي ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين (٣). * * * ومنهم أبو عبد الله: محمد بن الحسن الشَّيْبَاني، ﵀. قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: حدثني محمد بن إسماعيل قال: سمعت مصعب الزبيري يقول: قال لي محمد بن الحسن: إن كان أحد يخالفنا

стр. 837

يوماً فيثبت خلافه علينا فالشافعي. فقيل له: لم؟ قال: لتأتّيه ولتثبُّته في السؤال والاستماع (١). وقد ذكرنا قبل هذا تعظيم كل واحد منهما صاحبه وتوقيره إياه. وحكينا عن أبي يوسف القاضي، ﵀، حين خرج الشافعي من عند الرشيد بعث إليه يُقريه السلام ويقول: صنّف الكتب؛ فإنك أولى (٢) من يصنّف الكتب في زمانك هذا. * * * ومنهم يحيى بن حسان التنيسي، وأيوب بن سُوَيد الرَّمْلِي، رحمهما الله. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حدثنا أبو عبد الله بن مهدي قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: هيّأ ابن هرم للشافعي ولأيوب بن سويد المحدث، فانتخب الشافعي عليه أحاديث، قرأها عليه أيوب بن سويد المحدث وأنا أسمع، فسمعت أيوب بن سويد يقول: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل - يعني الشافعي. وأما يحيى بن حسان فجاء إلى الشافعي بيته حتى قرأ عليه بحضرتي، وسمعت الذي انتخب عليه الشافعي. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن

стр. 838

يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت أيوب بن سويد يقول: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو العباس: الوليد بن بكر المالكي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن علي بن جابر التِّنِّيسي عن شيوخه: أنّ الشافعي لما رود تنِّيس نزل على ابن يحيى بن حسّان، وكان من المياسير، وكان طبّاخُه لا يعيد اللون في الأسبوع إلا مرة، فأمر الشافعي الطباخَ بإعادة لونٍ استطابه، فلما وُضِعَ على المائدة تغيَّرَ يحيى بن حسّان، فقال الشافعي: أنا أمرته بهذا، فَسُرِّي عنه، ثم قال للغلام الطباخ: أنت حر لوجه الله تعالى، شكراً لانبساط أبي عبد الله الشافعي في رحلنا. وفي حديث أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد قال: أخبرني القزويني - وهو محمد بن عبد الله - قاضي أهل مصر، عن الربيع قال: أخبرني البويطي أن يحيى بن حسّان كان يقول: ما رأيت مثل الشافعي. وكان شديد المحبة للشافعي، قدم الفسطاط وقال: إنما جئت للسلام على الشافعي، ﵁ وأرضاه. * * * ومنهم أبو الحسن: علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، أحد أئمة أهل العلم بالحديث. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد (١) قال:

стр. 839

حدثني محمد بن عمرو البصري قال: حدثنا محمد بن عاصم قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن يوسف بن النضر قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن الفرجي قال: سمعت محمد بن علي بن المديني قال: قال أبي: لا تترك للشافعي حرفاً واحداً إلا كتبته؛ فإنّ فيه معرفة. ورواه أبو الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم في كتابه، عن أبي عبد الله بن يوسف هكذا. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرني علي بن عمر الحافظ قال: حدثني أبو بكر: محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد قال: سمعت أبا بكر: أحمد بن عمرو بن جابر يقول: سمعت محمد بن يعقوب بن الفرجي يقول: سمعت علي بن المديني يقول: كتبت عن الشافعي كتاب «الرسالة» وجئت بها إلى أبي، فقال لي أبي: لا تترك عند هذا الرجل شيئا من الأسْفَاط (١) إلا كتبته. ثم جئتُ بها عبد الرحمن بن مهدي فأعجب بها، ثم كتبها الشافعي وأهداها إلى عبد الرحمن بن مهدي. كذا وجدته وكأنه سقط من إسناده ذكر محمد بن علي المديني (٢). * * * ومنهم أبو زكريا: يحيى بن معين البغدادي، إمام أهل العلم بالحديث، ﵀. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر

стр. 840

المعدِّل قال: حدثني محمد بن عمرو البصري قال: حدثنا محمد بن عاصم قال: سمعت حامد بن محمد الحافظ، بمصر، يقول: سمعت أبا يحيى البلخي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول: سألت يحيى بن معين عمن أكتب كتب الشافعي؟ فقال: عن الربيع وذلك قبل خروجي إلى مصر. وهكذا قرأته في كتاب أبي الحسن العاصمي هذا عن أبي أحمد: حامد ابن محمد الحافظ. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن موسى بمصر يقول: سمعت هاشم بن مرثد الطبراني يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: الشافعي صدوق. وكذلك حكاه محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، عن أبي بكر: محمد بن موسى بن عيسى المصري. وكذلك حكاه يحيى بن زكريا المصري، عن هاشم بن مرثد. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن علي [بن طلحة (١)] المروروذي قال: حدثنا محمد (٢) بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدثنا أحمد بن روح البغدادي قال: سمعت الزَّعْفَرَاني يقول: كنت مع يحيى بن معين في جنازة فقلت له:

стр. 841

يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي؟ قال: دعنا لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه من الكذب. * * * ومنهم أبو رجاء: قتيبة بن سعيد البَغْلَاني، ﵀. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني القاسم بن غانم بن حمَّويه قال: سمعت أبا عبد الله البوشنجي قال: سمعت أبا رجاء: قتيبة بن سعيد يقول: الشافعي إمام. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أخبرني أبو سعيد المكي - وهو ابن الأعرابي، إجازة - قال: حدثنا تميم بن عبد الله الرازي قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن! ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقرأت في كتاب زكريا السّاجِي: حدثني أحمد بن مردك الرازي قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: رأيت الشافعي بمكة. فذكر قصة في مناظرته، ثم قال قتيبة: لو وصل إليّ كلامه (١) لكتبته: ما رأت عيناي أكيس منه. * * * ومنهم أبو عبيد: القاسم بن سلاَّم، إمام أهل اللغة مع معرفته بعلوم الشريعة، ﵁. أخبرنا القاضي الإمام أبو عمر: محمد بن الحسين بن محمد البسطامي قال:

стр. 842

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال: سمعت علي بن عبد العزيز البَغَوِي بمكة يقول: سمعت «أبا عبيد: القاسم بن سلام» يقول: ما رأيت رجلا قط أعقل (١) ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل رأيا من الشافعي، ﵁ وأرضاه. وروينا عن علي بن عثمان وحفص الوراق عن أبي عبيد أنه قال: ما رأيت رجلا قطّ أعقل من الشافعي. ورواه زكريا الساجي في كتابه عن أحمد بن العباس (النسائي عنهما) (٢) وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، عن عبد الله بن أحمد الأهْوَازي قال حدثني الحسن بن أسد قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: جاءني «أبو عبيد: القاسم بن سلام» فأخذ مني كتب الشافعي، ﵁. * * * ومنهم أبو عبد الله: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشَّيْبَاني، الإمام المقدم، ﵁. أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد بن الخليل الماليني قال: أخبرنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي الحافظ قال: حدثنا زكريا السّاجِي قال: حدثني داود الأصبهاني قال: سمعت إسحاق بن رَاهَوَيْه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعالى حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله. قال: فجاء، فأقامني على الشافعي.

стр. 843

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد الفقيه قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن علي العمري قال: حدثنا أبو إسماعيل: محمد بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي - وكان من الإسلام بمكان - قال: رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، وأحمد بن حنبل حاضرين. قال أحمد بن حنبل لإسحاق: يا أبا يعقوب، تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله. فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله؟ قال: نعم. فجاء به فأوقفه على الشافعي، ﵁، ثم قال: اسمع ما يقول، فلما تفرّق الناس عنه قال أحمد لإسحاق: كيف رأيت؟ قال: نعم هذا الرجل كما وصفت لكنه أخطأ في خمسة أحصيت عليه، وقد أفتى أكثر من مائتي مسألة أخطأ في خمس. فقال له أحمد بن حنبل: ألا تشكر الله؟ رجل يفتي فيما ذكرت يخطئ في خمس عندك، وهذا رجل حجازي لو أوردت عليه: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - لم يحتج به ما لم يكن عندهم بالحجاز له أصل. ثم ذكر الحكاية في مناظرة الشافعي وإسحاق في سكنى بيوت مكة. وقد ذكرناه في «كتاب المعرفة». وقرأت في كتاب زكريا السّاجِي: حدثني جعفر بن أحمد قال: سمعت محمد ابن جبريل يقول: إن يحيى بن معين قال: لما قدم الشافعي كان أحمد بن حنبل ينهى عنه قال: فاستقبله يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، أنت تنهانا عنه فكيف تتبعه؟ فقال: اسكت، لو (١) لزمت البغلة انتفعت. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر المعدل

стр. 844

قال: وجدت عن أبي القاسم بن منيع: قال لي صالح (١) بن أحمد بن حنبل: ركب الشافعي حماره فجعل أبي يَسارَه، يمشي والشافعي راكب وهو بذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي في ذلك فبعث إليه: إنّك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار كان خيراً لك. هذا أو معناه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال وذكر محمد بن عبيد الله بن صالح بن أحمد بن حنبل. ح. وقرأتُ في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي إسحاق: إبراهيم ابن محمد الرقي قال: حدثنا عبد الواحد بن معبد، عن صالح بن أحمد قال: جاء الشافعي يوما إلى أبي يعوده، وكان عليلا، فوثب إليه أبي فقبّل ما بين عينيه، ثم أجلسه في مكان وجلس بين يديه، فجعل (٢) يسائله ساعة. قال: فلما قام الشافعي ليركب وثب أبي فأخذ بركابه ومشى معه. فبلغ يحيى بن معين، فوجه إلى أبي: يا سبحان الله! اضطرك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي؟ فقال له أبي: وأنت لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت. ثم قال أبي: من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة. قال أبو الحسن: وسمعت دعلج بن أحمد يحكي، عن ابن منيع، عن صالح ابن أحمد، عن أبيه، بهذه الحكاية أو قريبا منها. قال أبو الحسن: حدثني محمد بن عبد الله الرازي قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، عن صالح بن أحمد قال: سمعت أبي في مسألة ذكرها فقال: قد قال بهذه غير واحد من الأئمة منهم الشافعي، ﵀.

стр. 845

وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا عباس بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزَّعْفَرَانِي، قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثني محمد بن مخلد، أو ابن خالد، البغدادي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: قال أحمد بن حنبل: هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، ما بت منذ أربعين سنة - أو قال ثلاثين سنة - إلا وأنا أدعو الله للشافعي وأستغفر له. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، بأسداباذ، قال: سمعت عبيد (١) الله بن محمد بن زياد يقول: سمعت الميموني - يعني عبد الملك ابن عبد الحميد - يقول: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة ممن أدعو الله لهم: أحدهم محمد بن إدريس الشافعي، ﵁. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الحيَّانِي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال: سمعت زكريا بن يحيى السّاجِي يقول: سمعت ابن مجاهد يقول: سمعت أحمد بن الليث يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إني لأدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة، أقول (٢): اللهم اغفر لي ولوالديّ ولمحمد بن إدريس الشافعي (٣)؛ فما كان منهم أتبع لحديث (٤) رسول الله، ﷺ ، منه.
следующие страницы →