← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

أجافه «١» رويدا. فجعلت درعي في رأسي «٢» ، واختمرت «٣» وتقنّعت إزاري «٤» . ثمّ انطلقت على إثره. حتىّ جاء البقيع فقام. فأطال القيام. ثمّ رفع يديه ثلاث مرّات. ثمّ انحرف فانحرفت. فأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت «٥» . فسبقته فدخلت. فليس إلّا أن اضطجعت فدخل. فقال: «مالك؟ يا عائش! حشيا رابية «٦» » قالت: قلت لا شيء. قال: «لتخبريني «٧» أو ليخبرنّي اللّطيف الخبير» قالت: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي! فأخبرته. قال: «فأنت السّواد «٨» الّذي رأيت أمامي؟» . قلت: نعم. فلهدني «٩» في صدري لهدة أوجعتني. ثمّ قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟» قالت: مهما يكتم النّاس يعلمه الله. نعم قال: «فإنّ جبريل أتاني حين رأيت. فناداني. فأخفاه منك. فأجبته. فأخفيته منك. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك. وظننت أن قد رقدت. فكرهت أن أوقظك. وخشيت أن تستوحشي فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» . قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قولي: السّلام على أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين. وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون» ) * «١٠» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدّنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلّا ذكر الله، وما والاه، أو عالما أو متعلّما» ) «١١» . ١٤-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلّم له كتاب يهود. قال: «إنّي والله ما آمن يهود على كتاب» . قال: فما مرّ بي نصف شهر حتّى تعلّمته له. قال: «فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم» ) * «١٢» .

стр. 3677

١٥-* (عن العلاء بن خارجة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإنّ صلة الرّحم محبّة للأهل، مثراة للمال، ومنسأة للأجل» ) * «١» . ١٦-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين. الرّجل تكون له الأمة فيعلّمها فيحسن تعليمها ويؤدّبها فيحسن تأديبها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الّذي كان مؤمنا ثمّ آمن بالنّبيّ ﷺ فله أجران، والعبد الّذي يؤدّي حقّ الله وينصح لسيّده» ) * «٢» . ١٧-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاخر: حدّثنا: «أنّ الأمانة «٣» نزلت في جذر قلوب الرّجال، ثمّ علموا من القرآن ثمّ علموا من السّنّة. وحدّثنا عن رفعها. قال: «ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت «٤» ثمّ ينام النّومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل «٥» ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط «٦» . فتراه منتبرا «٧» وليس فيه شيء، ويصبح النّاس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدّي الأمانة، فيقال: إنّ في بني فلان رجلا أمينا. ويقال للرّجل ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيّكم بايعت «٨» . لئن كان مسلما ردّه عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيّا ردّه عليّ ساعيه، وأمّا اليوم فما كنت أبايع إلّا فلانا وفلانا) * «٩» . ١٨-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصّفّة. فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان «١٠» أو إلى العقيق «١١» فيأتي منه بناقتين كوماوين «١٢» في غير إثم ولا قطع رحم؟» فقلنا: يا رسول الله نحبّ ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله- خير له من ناقتين. وثلاث خير له من ثلاث. وأربع خير له من أربع. ومن

стр. 3678

أعدادهنّ من الإبل» ) * «١» . ١٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: خسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ .. الحديث وفيه: ثمّ قال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبّروا، وصلّوا، وتصدّقوا. ثمّ قال: يا أمّة محمّد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ) * «٢» . ٢٠-* (عن عثمان بن عفّان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» ) * «٣» . ٢١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله علما نافعا، وتعوّذوا بالله من علم لا ينفع» ) * «٤» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوني» . فهابوه أن يسألوه. فجاء رجل فجلس عند ركبتيه. فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان «قال: صدقت. قال يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كلّه» . قال: صدقت. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟. قال: «أن تخشى الله كأنّك تراه. فإنّك إن لا تكن تراه فإنّه يراك» . قال: صدقت. قال: يا رسول الله، متى تقوم السّاعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل، وسأحدّثك عن أشراطها. إذا رأيت المرأة تلد ربّها فذاك من أشراطها. وإذا رأيت الحفاة العراة الصّمّ البكم «٥» ملوك الأرض فذاك من أشراطها. وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها. في خمس من الغيب لا يعلمهنّ إلّا الله» . ثمّ قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لقمان/ ٤٣) . قال: ثمّ قام الرّجل. فقال رسول الله ﷺ : «ردّوه عليّ» . فالتمس فلم يجدوه. فقال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل أراد أن تعلّموا إذ لم تسألوا» ) * «٦» . ٢٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: صنع النّبيّ ﷺ شيئا ترخّص فيه وتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ

стр. 3679

قال: «ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه؟ فو الله إنّي أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» ) * «١» . ٢٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهر واللّؤلؤ» ) * «٢» . ٢٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم علمان. علم في القلب، فذاك العلم النّافع، وعلم على اللّسان، فذاك حجّة الله على ابن آدم» ) * «٣» . ٢٦-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال في خطبته «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم، ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا، حلال «٤» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم «٥» . وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٦» عن دينهم. وحرّمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «٧» ، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب «٨» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «٩» . وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «١٠» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ، إذا يثلغوا رأسي «١١» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك.

стр. 3680

واغزهم نغزك «١» . وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق. ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربي، ومسلم. وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «٢» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «٣» أهلا ولا مالا. والخائن الّذي لا يخفى له طمع «٤» ، وإن دقّ إلّا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . (وذكر البخل أو الكذب «٥» ) والشّنظير «٦» الفحّاش، ولم يذكر أبو غسّان في حديثه «وأنفق فسننفق عليك» ) * «٧» . ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كلّ حال» ) * «٨» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان من دعاء النّبيّ ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع» ) * «٩» . ٢٩-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: لو استخلفت معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- فسألني عنه ربّي ، ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيّك ﷺ يقول: «إنّ العلماء إذا حضروا ربّهم- كان معاذ بين أيديهم رتوة «١٠» بحجر» ) * «١١» . ٣٠-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن فقال: اللهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك: ماض فيّ حكمك، عدل فيّ

стр. 3681

قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي. إ أذهب الله همّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا. قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلّمها؟ فقال: «بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلّمها» ) * «١» . ٣١-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة «٢» قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب «٣» أمسكت الماء فنفع الله بها النّاس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان «٤» لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا. ولم يقبل هدى الله الّذي أرسلت به. قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيّلت «٥» الماء قاع يعلوه الماء، والصّفصف: المستوي من الأرض» ) * «٦» . ٣٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله- لا يتعلّمه إلّا ليصيب به عرضا من الدّنيا لم يجد عرف الجنّة «٧» يوم القيامة» ) * «٨» . ٣٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «من جاء مسجدي هذا، لم يأته إلّا لخير يتعلّمه أو يعلّمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرّجل ينظر إلى متاع غيره» ) * «٩» . ٣٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم ثمّ كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» ) * «١٠» . ٣٥-* (عن عثمان بن عفّان- رضي الله

стр. 3682

عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلّا الله دخل الجنّة» ) * «١» . ٣٦-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أباذرّ، لأن تغدو فتعلّم «٢» آية من كتاب الله خير لك من أن تصلّي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلّم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلّي ألف ركعة» ) * «٣» . ٣٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه» ) * «٤» . ٣٨-* (عن أنس- ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «منهومان لا يشبعان، منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع» ) * «٥» . ٣٩-* (عن ابن الدّيلميّ قال أتيت أبيّ بن كعب- ﵁ فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدّثني بشيء لعلّ الله أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أنّ الله عذّب أهل سماواته وأهل أرضه عذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتّى تؤمن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متّ على غير هذا لدخلت النّار. قال: ثمّ أتيت عبد الله ابن مسعود، فقال مثل ذلك، قال: ثمّ أتيت حذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك، قال: ثمّ أتيت زيد بن ثابت، فحدّثني عن النّبيّ ﷺ مثل ذلك» ) * «٦» . ٤٠-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: لا أقول لكم إلّا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها، اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن

стр. 3683

قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» ) * «١» . ٤١-* (عن أبي برزة الأسلميّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟» ) * «٢» . ٤٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السّفهاء، ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنّار النّار» ) * «٣» . ٤٣-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر؟ أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر! أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قال: فضرب في صدري وقال ليهنك العلم «٤» أبا المنذر» ) * «٥» . ٤٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا، ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حجرة «٦» إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتّى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا، قد احمرّ وجهه يرميهم بالتّراب، ويقول: «مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض. إنّ القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه» ) * «٧» . ٤٥-* (عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر- ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ) * «٨» .

стр. 3684

الأحاديث الواردة في (العلم) معنى ٤٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: يقولون: إنّ أبا هريرة قد أكثر، والله الموعد، ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدّثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إنّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم، وإنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق «١» بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله ﷺ يوما «أيّكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثمّ يجمعه إلى صدره، فإنّه لم ينس شيئا سمعه» فبسطت بردة عليّ حتّى فرغ من حديثه. ثمّ جمعتها إلى صدري، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدّثني به. ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدّثت شيئا أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى (البقرة/ ١٥٩- ١٦٠) إلى آخر الايتين «٢» . ٤٧-* (عن الحسن- ﵁ قال بينما عمران بن حصين- ﵄ يحدّث عن سنّة نبيّنا ﷺ إذ قال له رجل: يا أبا نجيد حدّثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرؤن القرآن، أكنت محدّثي عن الصّلاة وما فيها وحدودها؟، أكنت محدّثي عن الزّكاة في الذّهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدت وغبت أنت، ثمّ قال: فرض علينا رسول الله ﷺ في الزّكاة كذا وكذا، وقال الرّجل أحييتني أحياك الله، قال الحسن: فما مات ذلك الرّجل حتّى صار من فقهاء المسلمين» ) * «٣» . ٤٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تجدون النّاس معادن، فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير النّاس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه. وتجدون من شرار النّاس ذا الوجهين. الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» ) * «٤» . ٤٩-* (عن المقدام بن معد يكرب الكنديّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: يوشك الرّجل متّكئا على أريكته يحدّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإنّ ما حرّم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله) * «٥» . ٥٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه

стр. 3685

قال: قيل يا رسول الله، من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة ألايسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد النّاس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلّا الله خالصا من قلبه، أو نفسه» ) * «١» . ٥١-* (عن حميد بن عبد الرّحمن قال: سمعت معاوية- ﵁ خطيبا يقول: سمعت رسول الله ﷺ : يقول «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين، وإنّما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمّة قائمة على أمر الله لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله» ) * «٢» . ٥٢-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ «٣» عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمّة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنّ الدّعوة تحيط من ورائهم» ) * «٤» . ٥٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّ نافع بن عبد الحارث الخزاعيّ لقيه بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكّة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى. قال: إنّه قارىء لكتاب الله- وإنّه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إنّ نبيّكم ﷺ قد قال «إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» ) *» .

стр. 3686

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (العلم) ٥٤-* (عن معاوية بن الحكم السّلميّ ﵁ قال: بينا أنا أصلّي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمّياه! ما شأنكم؟ تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتهم «١» يصمّتونني «٢» ، لكنّي سكتّ. فلمّا صلّى رسول الله ﷺ . فبأبي هو وأمّي! ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه. فو الله ما كهرني «٣» ولا ضربني ولا شتمني. قال: «إنّ هذه الصّلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النّاس، إنّما هو التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله! إنّي حديث عهد بجاهليّة «٤» . وقد جاء الله بالإسلام. وإنّ منّا رجالا يأتون الكهّان. قال: «فلا تأتهم» قال: ومنّا رجال يتطيّرون. قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم. فلا يصدّنّهم» (قال ابن الصّبّاح: فلا يصدّنّكم) » قال: قلت: ومنّا رجال يخطّون. قال: «كان نبيّ من الأنبياء يخطّ «٥» . فمن وافق خطّه فذاك» قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوّانيّة «٦» . فاطّلعت ذات يوم فإذا الذّيب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجل من بني آدم. آسف كما يأسفون «٧» . لكنّي صككتها صكّة «٨» فأتيت رسول الله ﷺ فعظّم ذلك عليّ. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها» فأتيته بها. فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السّماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها. فإنّها مؤمنة» * «٩» . ٥٥-* (عن أبي رفاعة العدويّ- ﵁ قال: انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليّ رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتّى انتهى إليّ فأتي بكرسيّ حسبت قوائمه حديدا. قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلّمني ممّا علّمه الله، ثمّ أتى خطبته فأتمّ آخرها» ) * «١٠» . ٥٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄

стр. 3687

قال: إنّ رسول الله ﷺ ، كان يعلّمهم هذا الدّعاء كما يعلّمهم السّورة من القرآن، يقول: «قولوا: اللهمّ إنّا نعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» ) * «١» . ٥٧-* (عن حطّان بن عبد الله الرّقاشيّ- ﵁ قال: صلّيت مع أبي موسى الأشعريّ صلاة، فلمّا كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقرّت الصّلاة «٢» بالبرّ والزّكاة؟ قال فلمّا قضى أبو موسى الصّلاة وسلّم انصرف فقال: أيّكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرمّ القوم «٣» . ثمّ قال: أيّكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرمّ القوم، فقال: لعلّك يا حطّان قلتها؟ قال: ما قلتها. ولقد رهبت أن تبكعني بها «٤» . فقال رجل من القوم: أنا قلتها. ولم أرد بها إلّا الخير. فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إنّ رسول الله ﷺ خطبنا فبيّن لنا سنّتنا وعلّمنا صلاتنا. فقال «إذا صلّيتم فأقيموا صفوفكم. ثمّ ليؤمّكم أحدكم. فإذا كبّر فكبّروا. وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين. فقولوا: آمين. يجبكم الله «٥» . فإذا كبّر وركع فكبّروا واركعوا. فإنّ الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم» . فقال رسول الله ﷺ : «فتلك بتلك وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهمّ ربّنا لك الحمد. يسمع الله لكم. فإنّ الله ﵎ قال على لسان نبيّه ﷺ : سمع الله لمن حمده. وإذا كبّر وسجد فكبّروا واسجدوا. فإنّ الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم» . فقال رسول الله ﷺ «فتلك بتلك. وإذا كان عند القعدة فليكن من أوّل قول أحدكم: التّحيّات الطّيّبات الصّلوات لله. السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته. السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين. أشهد ألاإله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله» ) * «٦» . ٥٨-* (عن فضالة بن عبيد- ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله ولم يصلّ على النّبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «عجلت أيّها المصلّي، ثمّ علّمهم رسول الله ﷺ . وسمع رسول الله ﷺ رجلا يصلّي فمجّد الله وحمده وصلّى على النّبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ادع تجب، وسل تعط» ) * «٧» . ٥٩-* (عن أبي بكر الصّدّيق- ﵁ أنّه قال لرسول الله ﷺ علّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذّنوب إلّا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك،

стр. 3688

وارحمني، إنّك أنت الغفور الرّحيم» ) * «١» . ٦٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، فيغضب حتّى يعرف الغضب في وجهه، ثمّ يقول: إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» ) * «٢» . ٦١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها كالسّورة من القرآن، إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمّ يقول: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب. اللهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر «٣» خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، وإن كنت تعلم أنّ هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عنّي واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثمّ رضّني به. ويسمّي حاجته» ) * «٤» . ٦٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف» ) * «٥» . ٦٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن «٦» فشربت حتّى إنّي لأرى الرّيّ يخرج في أظفاري ثمّ أعطيت فضلي عمر بن الخطّاب» . قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: «العلم» ) * «٧» . ٦٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ذهب الرّجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلّمنا ممّا علّمك الله. فقال: «اجتمعن يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا» ، فاجتمعن فأتاهنّ رسول الله ﷺ فعلّمهنّ ممّا علّمه الله. ثمّ قال: «ما منكنّ امرأة تقدّم بين يديها من ولدها ثلاثة إلّا كان لها حجابا من النّار» فقالت امرأة منهنّ: يا رسول

стр. 3689

الله، اثنين؟ قال: فأعادتها مرّتين. ثمّ قال: واثنين واثنين واثنين» ) * «١» . ٦٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: علّمني رسول الله ﷺ وكفّي بين كفّيه- التّشهّد. كما يعلّمني السّورة من القرآن: التّحيّات لله والصّلوات والطّيّبات، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته. السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين. أشهد ألاإله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله وهو بين ظهرانينا، فلمّا قبض قلنا: السّلام، يعني على النّبيّ ﷺ » ) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (العلم) ١-* (قال المسيح ﵇: «من تعلّم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السّماء» ) * «٣» . ٢-* (وقال أيضا ﵇: «لا تمنع العلم من أهله فتأثم، ولا تنشره عند غير أهله فتجهل، وكن طبيبا رفيقا يضع دواءه حيث يعلم أنّه ينفع» ) * «٤» . ٣-* (قال لقمان لابنه: «يا بنيّ لا تعلّم «٥» العلم لتباهي به العلماء أو لتماري به السّفهاء، أو ترائي به في المجالس، ولا تترك العلم زهدا فيه ورغبة في الجهالة، يا بنيّ، اختر المجالس على عينك، وإذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنّك إن تكن عالما ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا يعلّموك، ولعلّ الله أن يطّلع عليهم برحمة فيصيبك بها معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنّك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادوك غيّا أو عيّا «٦» ، ولعلّ الله يطّلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم» ) * «٧» . ٤-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «تعلّموا العلم، وعلّموه النّاس وتعلّموا له الوقار والسّكينة وتواضعوا لمن تعلّمتم منه ولمن علّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم» ) *» . ٥-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁ لرجل من أصحابه: يا كميل: «العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النّفقة، والعلم يزكو بالإنفاق» ) * «٩» .

стр. 3690

٦-* (وقال- ﵁: «لا يؤخذ على الجاهل عهد بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهد ببذل العلم للجهّال، لأنّ العلم كان قبل الجهل به» ) * «١» . ٧-* (وقال أيضا- ﵁: «العالم أفضل من الصّائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم من الإسلام ثلمة لا يسدّها إلّا خلف منه» ) * «٢» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «ما من أصحاب النّبيّ ﷺ أحد أكثر حديثا عنه منّي، إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب» ) * «٣» . ٩-* (قال سلمان- ﵁: «علم لا يقال به، ككنز لا ينفق منه» ) * «٤» . ١٠-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «أغد عالما أو متعلّما، ولا تغد بين ذلك» ) * «٥» . ١١-* (وقال أيضا- ﵁: «يا أيّها النّاس تعلّموا، فمن علم فليعمل» ) * «٦» . ١٢-* (وقال أيضا- ﵁: «إنّ من العلم أن يقول الّذي لا يعلم: الله أعلم» ) * «٧» . ١٣-* (وقال- ﵁: «إنّ أحدا لا يولد عالما، والعلم بالتّعلّم» ) * «٨» . ١٤-* (وقال أيضا: «إنّي لأحسب الرّجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها» ) * «٩» . ١٥-* (وعنه- ﵁ قال: جاء رجل، فقال: تركت في المسجد رجلا يفسّر القرآن برأيه، يفسّر هذه الاية: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (الدخان/ ١٠) قال: يأتي النّاس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم. حتّى يأخذهم منه كهيئة الزّكام. فقال عبد الله: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من فقه الرّجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم. إنّما كان هذا؛ أنّ قريشا لمّا استعصت على النّبيّ ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم قحط وجهد. حتّى جعل الرّجل ينظر إلى السّماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدّخان من الجهد. وحتّى أكلوا العظام. فأتى النّبيّ ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، استغفر الله لمضر، فإنّهم قد هلكوا. فقال «لمضر؟ إنّك لجريء» قال: فدعا الله لهم. فأنزل الله- : إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (الدخان/ ١٥) . قال فمطروا. فلمّا أصابتهم الرّفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه. قال فأنزل الله- : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (الدخان/ ١١- ١٢) ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (الدخان/ ١٦)) * «١٠» قال يعني يوم بدر.

стр. 3691

١٦-* (وقال- ﵁: «لا يزال النّاس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أكابرهم، فإذا جاء العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا» ) * «١» . ١٧-* (قال معاذ بن جبل- ﵁: «تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح. والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. لأنّه معالم الحلال والحرام، والأنيس في الوحشة، والصّاحب في الخلوة، والدّليل على السّرّاء والضّرّاء. والزّين عند الأخلاق، والقرب عند الغرباء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخلق قادة يقتدى بهم، وأئمّة في الخلق تقتفى آثارهم. وينتهى إلى رأيهم. وترغب الملائكة في حبّهم بأجنحتها تمسحهم. حتّى كلّ رطب ويابس لهم مستغفر. حتّى حيتان البحر وهوامّه. وسباع البرّ وأنعامه. والسّماء ونجومها. لأنّ العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظّلم. وقوّة الأبدان من الضّعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار، ومجالسة الملوك، والدّرجات العلى في الدّنيا والآخرة، والفكر به يعدل بالصّيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله- وبه يعبد الله- وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام، إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السّعداء، ويحرمه الأشقياء» ) * «٢» . ١٨-* (وقال معاذ بن جبل- ﵁ لمّا حضرته الوفاة: «إنّ العلم والإيمان مكانهما، من التمسهما وجدهما. قال ذلك ثلاث مرّات، والتمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدّرداء، وعند سلمان الفارسيّ، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام. فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه عاشر عشرة في الجنّة» ) * «٣» . ١٩-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «أتدرون ما ذهاب العلم من الأرض؟ قال: قلنا: لا، قال: أن يذهب العلماء» ) * «٤» . ٢٠-* (قال عبد الله بن الشّخّير- ﵁: «فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» ) * «٥» . ٢١-* (قال أبو الدّرداء- ﵁: «إنّما أخشى من ربّي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبّيك ربّي، فيقول لي: ما عملت فيما علمت؟» ) * «٦» . ٢٢-* (وقال- ﵁: «العلم بالتّعلّم، والحلم بالتّحلّم، ومن يتحرّ الخير يعطه، ومن يتوقّ الشّرّ يوقه» ) * «٧» . ٢٣-* (وقال أيضا: «العالم والمتعلّم في

стр. 3692

الأجر سواء، وسائر النّاس همج لا خير فيهم» ) * «١» . ٢٤-* (قال أبو الدّرداء- ﵁: «مثل العلماء في النّاس كمثل النّجوم في السّماء يهتدى بها» ) * «٢» . ٢٥-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده. قال: فما زال بهم العلم حتّى أرادوا به الله وما عنده» ) * «٣» . ٢٦-* (وعنه- رحمه الله تعالى-، قال: «قد كان الرّجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشّعه، وهديه، ولسانه، وبصره، ويديه» ) * «٤» . ٢٧-* (وقال: «أفضل العلم الورع والتّفكّر» ) * «٥» . ٢٨-* (وقال: «الفقيه: العالم في دينه، الزّاهد في دنياه، الدّائم على عبادة ربّه» ) * «٦» . ٢٩-* (وقال أيضا: «العامل على غير علم كالسّالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر ممّا يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضرّوا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضرّوا بالعلم، فإنّ قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتّى خرجوا بأسيافهم على أمّة محمّد ﷺ ، ولو طلبوا العلم لم يدلّهم على ما فعلوا» ) * «٧» . ٣٠-* (قال مجاهد بن جبر- رحمه الله تعالى-: «لا يتعلّم العلم مستح ولا مستكبر» ) * «٨» . ٣١-* (قال عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى-: «ما أوتي شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم» ) * «٩» . ٣٢-* (قال مسروق. رحمه الله تعالى.: «بحسب الرّجل من العلم أن يخشى الله- وبحسب الرّجل من الجهل أن يعجب بعلمه» ) * «١٠» . ٣٣-* (قال عبد الله بن عون- رحمه الله تعالى-: «ثلاث أحبّهنّ لنفسي ولإخواني: هذه السّنّة أن يتعلّموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهّموه ويسألوا النّاس عنه، ويدعوا النّاس إلّا من خير» ) * «١١» . ٣٤-* (كان عمر بن عبد العزيز- ﵀ كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات: يرى مستكينا وهو للهو ماقت «١٢» ... به عن حديث القوم ما هو شاغله وأزعجه علم عن الجهل كلّه ... وما عالم شيئا كمن هو جاهله

стр. 3693

عبوس عن الجهّال حين يراهم ... فليس له منهم خدين «١» يهازله مذكّر ما يبقى من العيش آجلا ... فيشغله عن عاجل العيش آجله» ٣٥-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- في كتابه إلى أبي بكر بن حزم: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم «٣» وذهاب العلماء. ولا تقبل إلّا حديث النّبيّ ﷺ . ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتّى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّا» ) * «٤» . ٣٦-* (قال عون بن عبد الله: قلت لعمر بن عبد العزيز: «يقال إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما، فإن لم تستطع فكن متعلّما، فإن لم تكن متعلّما فأحبّهم، فإن لم تحبّهم فلا تبغضهم. فقال عمر: «سبحان الله لقد جعل الله- له مخرجا» ) * «٥» . ٣٧-* (قال مالك- رحمه الله تعالى-: «المراء في العلم يقسّي القلب، ويورث الضّغن» ) * «٦» . ٣٨-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: «إذا علمت علما فلير عليك أثره وسمته «٧» وسكينته ووقاره وحلمه، وقال: إنّ العلماء لم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن النّاس من يتكلّم كلام شهر في ساعة واحدة» ) * «٨» . ٣٩-* (قال فضيل بن غزوان- رحمه الله تعالى-: «كنّا نجلس أنا وابن شبرمة والحارث العكليّ والمغيرة والقعقاع بن يزيد باللّيل نتذاكر الفقه، فربّما لم نقم حتّى نسمع النّداء لصلاة الفجر» ) * «٩» . ٤٠-* (قال الفضيل بن عياض- رحمه الله تعالى-: «من أوتي علما. لا يزداد فيه خوفا وحزنا وبكاء خليق بأن لا يكون أوتي علما ثمّ قرأ أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (النجم/ ٥٩- ٦٠)) * «١٠» . ٤١-* (وقال: «عالم عامل معلّم يدعى كبيرا في ملكوت السّماوات» ) * «١١» . ٤٢-* (قال ابن وهب: «كنت بين يدي مالك- ﵁ فوضعت ألواحي وقمت أصلّي. فقال: «ما الّذي قمت إليه بأفضل ممّا قمت عنه- يعني قام لصلاة النّافلة-) * «١٢» . ٤٣-* (قال يحيى بن خالد البرمكيّ منشدا:

стр. 3694

تفنّن وخذ من كلّ علم فإنّما ... يفوق امرؤ في كلّ فنّ له علم فأنت عدوّ للّذي أنت جاهل ... به ولعلم أنت تتقنه سلم ) * «١» ٤٤-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: «كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرّجال، فلمّا دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله» ) * «٢» . ٤٥-* (قال الإمام الشّافعيّ- رحمه الله تعالى: «طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة» ) * «٣» . ٤٦-* (عن عبد الله بن المبارك في شأن حمّاد بن زيد: أيّها الطّالب علما ... إيت حمّاد بن زيد تقتبس حلما وعلما ... ثمّ قيّده بقيد «٤» ٤٧-* (قال محمّد بن الفضل السّمرقنديّ الواعظ- رحمه الله تعالى-: «كم من جاهل أدركه العلم فأنقذه، وكم من ناسك عمل عمل الجاهليّة فأوبقه. احضر العلم وإن لم تحضرك النّيّة، فإنّما تطلب بالعلم النّيّة، وإنّ أوّل ما يظهر من العبد لسانه، وأوّل ما يظهر من عقله حلمه» ) * «٥» . ٤٨-* (قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: «النّاس إلى العلم أحوج منهم إلى الطّعام والشّراب. لأنّ الرّجل يحتاج إلى الطّعام والشّراب في اليوم مرّة أو مرّتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه» ) * «٦» . ٤٩-* (قال ذو النّون المصريّ: «كان الرّجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدّنيا وتركا لها، فاليوم يزداد الرّجل بعلمه للدّنيا حبّا وطلبا، وكان الرّجل ينفق ماله على العلم، واليوم يكتسب الرّجل بعلمه مالا، وكان يرى على طالب العلم زيادة صلاح في باطنه وظاهره فاليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظّاهر» ) * «٧» . ٥٠-* (قال عمرو بن الحارث- رحمه الله تعالى-: «إنّ رجلا كتب إلى أخ له: اعلم أنّ الحلم لباس العلم فلا تعرينّ منه» ) * «٨» . ٥١-* (قال أحمد بن سعيد الدّارميّ: «سمعت من عليّ بن المدينيّ كلمة أعجبتني قرأ علينا حديث الغار، ثمّ قال: إنّما نقل إلينا هذه الأحاديث لنستعملها لا لنتعجّب منها» ) * «٩» . ٥٢-* (قال أبو بكر البصريّ: دخلت على سهل بن عبد الله ومعي المحبرة فقال لي: تكتب؟. قلت: نعم. قال: «اكتب فإن استطعت أن تلقى الله- ومعك المحبرة فافعل» ) * «١٠» . ٥٣-* (قال عمرو بن عثمان المكّيّ: «العلم

стр. 3695

قائد، والخوف سائق، والنّفس حرون بين ذلك جموح خدّاعة روّاغة. فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وسقها بتهديد الخوف يتمّ لك ما تريد» ) * «١» . ٥٤-* (قال أبو بكر الاجرّيّ- رحمه الله تعالى-: «العلماء في كلّ حال لهم فضل عظيم، في خروجهم لطلب العلم، وفي مجالستهم لهم فيه فضل، وفي مذاكرة بعضهم لبعض لهم فيه فضل. وفيم تعلّموا العلم لهم فيه فضل، وفيمن علّموه العلم لهم فيه فضل. فقد جمع الله للعلماء الخير من جهات كثيرة نفعنا الله وإيّاهم بالعلم» ) * «٢» . ٥٥-* (وقال أيضا: «لا يكون ناصحا لله تعالى ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم إلّا من بدأ بالنّصيحة لنفسه، واجتهد في طلب العلم والفقه ليعرف به ما يجب عليه، ويعلم عداوة الشّيطان له وكيف الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إليه النّفس حتّى يخالفها بعلم» ) * «٣» . ٥٦-* (قال عليّ بن عبد العزيز القاضي الجرجانيّ. رحمه الله تعالى.: يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّل أحجما أرى النّاس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما أنهنهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيم أو لما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذا فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس لعظّما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما ) * «٤» . ٥٧-* (قال أبو سعيد الخرّاز- رحمه الله تعالى-: «العلم ما استعملك واليقين ما حملك» ) * «٥» ٥٨-* (قال أبو بكر بن دريد- رحمه الله تعالى-: العالم العاقل ابن نفسه ... أغناه جنس علمه عن جنسه

стр. 3696

كن ابن من شئت وكن مؤدّبا ... فإنّما المرء بفضل كيسه وليس من تكرمه لغيره ... مثل الّذي تكرمه لنفسه ) * «١» . ٥٩-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: «استشهد الله- بأهل العلم على أجلّ مشهود به وهو التّوحيد وقرن شهادتهم وشهادة ملائكته. وفي ضمن ذلك تعديلهم فإنّه تعالى لا يستشهد بمجروح» ) * «٢» . ٦٠-* (قال بعضهم: «من طلب العلم لوجه الله لم يزل معانا، ومن طلبه لغير الله لم يزل مهانا» ) * «٣» . ٦١-* (وقال بعضهم: «الجاهل صغير وإن كان شيخا، والعالم كبير وإن كان حدثا واستشهدوا بقول القائل: تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل وإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفّت إليه المحافل ) * «٤» . من فوائد (العلم) (١) به يعرف الله ويعبد ويوحّد. (٢) هو أساس صحّة الاعتقادات والعبادات. (٣) طلب العلم عبادة. (٤) هو طريق الوصول إلى الجنّة. (٥) يكسب صاحبه الخشية لله. (٦) يكسب صاحبه التّواضع للخلق. (٧) ينتفع به صاحبه وينتفع به غيره ممّن علّمه (٨) يبقى أجره بعد انقطاع أجل صاحبه. (٩) يورث صاحبه أعلى المراتب بعد الأنبياء. (١٠) يرفع الوضيع ويعزّ الذّليل ويجبر الكسير. (١١) هو دليل حبّ الخير للاخرين لحرص صاحبه على إخراج النّاس من ظلمات الجهل إلى نور العلم. (١٢) به توصل الأرحام وتؤدّى الحقوق.

стр. 3697

علو الهمة العلو لغة: مصدر قولهم علا يعلو علوّا وهو مأخوذ من مادّة (ع ل و) الّتي تدلّ على السموّ والارتفاع، يقال: تعالى النّهار أي ارتفع، والعلاء الرّفعة، وأمّا العلوّ فالعظمة والتّجبّر، يقولون: علا الملك في الأرض علوّا كبيرا، قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ القصص/ ٤) ، ورجل عالي الكعب أي شريف، ويقال لكلّ شيء يعلو، فإن كان في الرّفعة والشّرف، قيل علي يعلى، ومن قهر أمرا فقد اعتلاه واستعالى عليه وبه، ويقال من علية النّاس أي من أهل الشّرف، وقول الله تعالى إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (المطففين/ ١٨) قالوا إنّما هو ارتفاع بعد ارتفاع إلى مالا حدّ له. وقال الجوهريّ: علا في المكان يعلو علوّا، وعلي في الشّرف يعلى علاء ويقال أيضا علا (بالفتح) يعلى، قال رؤبة (جامعا بين اللّغتين) : لمّا علا كعبك بي عليت الايات/ الأحاديث/ الاثار-/ ٦/ ٣٥ ويقال: فلان من علية النّاس، وهو جمع رجل عليّ أي شريف رفيع مثل صبيّ وصبية، ويقال: علوت الرّجل: غلبته، وعلوته بالسّيف: ضربته، واستعالى الرّجل أي علا، واستعلاه: علاه، واعتلاه مثله، وتعلّى أي علا في مهلة، وأعلاه الله: رفعه، والتّعالي: الارتفاع، وعلا بالأمر: اضطلع به، وعلو كلّ شيء، وعلوه، وعلوه، وعلاوته، وعاليه وعاليته: أرفعه، وعلا الشّيء علوّا فهو عليّ، وعلي وتعلّى وفي حديث ابن عبّاس، فإذا هو يتعلّى عليّ، أي يترفّع، والعلوّ في قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً (القصص/ ٨٣) التّكبّر وقيل الفساد والمعاصي «١» . العلي من أسماء الله تعالى: قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى: العليّ والمتعالي: فالعليّ الّذي ليس فوقه شيء في المرتبة والحكم، فعيل بمعنى فاعل من علا يعلو، والمتعالي: الّذي جلّ عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقيل: جلّ

стр. 3698

عن كلّ وصف وثناء، وهو فاعل من العلوّ، وقد يكون بمعنى العالي «١» . الهمة لغة: الهمّة في اللّغة: مثل الهمّ وكلاهما اسم لما هممت به، قال ابن فارس: والهمّ ما هممت به وكذلك الهمّة، ثمّ تشتقّ من الهمّة الهمام: الملك العظيم الهمّة، ويقال الهمّة أيضا بالفتح وفلان بعيد الهمّة، ويقال لا مهمّة لي (بفتح الهاء) ، ولا همام أي لا أهمّ بذلك ولا أفعله، ويقال: ذهبت أتهمّمه أي أطلبه. وقال ابن منظور: الهمّة: واحدة الهمم. وهمّ بالشّيء يهمّ همّا: نواه وأراده، وعزم عليه. والهمّة والهمّة: ما همّ به من أمر ليفعله. وتقول: إنّه لعظيم الهمّ، وإنّه لصغير الهمّة، وإنّه لبعيد الهمّة. والهمّة بالفتح. والهمام: الملك العظيم الهمّة. والهمام، اسم من أسماء الملك لعظم همّته. وقيل: لأنّه إذا همّ بأمر أمضاه، ولا يردّ عنه بل ينفذ كما أراد، وقيل: الهمام السّيّد الشّجاع السّخيّ» . علو الهمة اصطلاحا: قال المناويّ: عظم (علوّ) الهمّة: عدم المبالاة بسعادة الدّنيا وشقاوتها «٣» . وقال الرّاغب: الكبير الهمّة على الإطلاق هو من لا يرضى بالهمم الحيوانيّة قدر وسعه فلا يصير عبد بطنه وفرجه بل يجتهد أن يتخصّص بمكارم الشّريعة.. والصّغير الهمّة من كان على العكس من ذلك وقال- ﵀: والكبير الهمّة على الإطلاق من يتحرّى الفضائل لا لجاه ولا لثروة ولا للذّة،. ولا لاستشعار نخوة واستعلاء على البريّة، بل يتحرّى مصالح العباد شاكرا بذلك نعمة الله ومتوخّيا به مرضاته غير مكترث بقلّة مصاحبيه فإنّه إذا عظم المطلوب قلّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الإيناس «٤» . وقال الخضر حسين: علوّ الهمّة: هو استصغار ما دون النّهاية من معالي الأمور «٥» . [انظر: صفة الشجاعة] . العلم وعلو الهمة: إنّ معالي الأمور وعرة المسالك، محفوفة بالمكاره، والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطّالب دون أن يقاسي شدائد ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشّدائد إلّا كبير الهمّة ماضي العزيمة. وكان سعيد بن المسيّب يسير اللّيالي لطلب الحديث الواحد، ورحل

стр. 3699

أبو أيّوب الأنصاريّ من المدينة إلى عقبة بن عامر، وهو في مصر ليروي عنه حديثا، فقدم مصر ونزل عن راحلته ولم يحلّ راحلته، فسمع منه الحديث وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعا، ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلّا برجال رحلوا إلى الشّرق ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبا، مثل أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجيّ، وأبي بكر بن العربيّ. وخلاصة المقال: تذكير النّبهاء من نشئنا بأن يقبلوا على العلم بهمم كبيرة، صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يبلى الجديدان «١» ، وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك ولا طول مسافة الطّريق، وألسنة مهذّبة لا تقع في لغو أو مهاترة. إنّ عظيم الهمّة يستخفّ بالمرتبة السّفلى أو المرتبة المتوسّطة من معالي الأمور، ولا تهدأ نفسه إلّا حين يضع نفسه في أسمى منزلة وأقصى غاية، ويعبّر عن هذا المعنى النّابغة الجعديّ بقوله: بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا وإذا كان هذا الخلق لا يقع إلّا على معالي الأمور فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النّهاية في زينة هذه الحياة، ويغرقون في التّمتّع بلذّاتها المادّيّة. ومن الخطل في الرّأي أن ينزع الرّجل إلى خصلة شريفة، حتّى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة انصرف عنها جملة، والتحق بالطّائفة الّتي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب، والّذي يوافق الحكمة ويقتضيه حقّ التّعاون في سعادة الجماعة أن يذهب الرّجل في همّه «٢» إلى الغايات البعيدة ثمّ يسعى لها سعيها، ولا يقف دون النّهاية إلّا حيث ينفد جهده، ولا يهتدي للمزيد على ما فعل سبيلا. والناس في الحقيقة أصناف: رجل يشعر بأنّ فيه الكفاية لعظائم الأمور، ويجعل هذه العظائم همّته، وهذا من يسمّى (عظيم الهمّة) أو (عظيم النّفس) ، ورجل فيه الكفاية لعظائم الأمور ولكنّه يبخس نفسه، فيضع همّه في سفساف الأمور وصغائرها، وهذا من يسمّى (صغير الهمّة) أو (صغير النّفس) ، ورجل لا يكفي لعظائم الأمور، ويحسّ بأنّه لا يستطيعها وأنّه لم يخلق لأمثالها فيجعل همّته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الرّجل بصير بنفسه متواضع في سيرته. هؤلاء ثلاثة، ورابعهم لا يكفى للعظائم ولكنّه يتظاهر بأنّه قويّ عليها مخلوق لأن يحمل أثقالها، وهذا من يسمّونه (فخورا) ، وإن شئت فسمّه (متعظّما) .

стр. 3700

من أين ينشأ عظم الهمة ؟: يتربّى عظم الهمّة من طريق الاقتداء، أو من طريق تلقين الحكمة وبيان فضل عظم الهمّة وما يكسب صاحبه من سؤدد وكمال، أو من طريق درس التّاريخ والنّظر في سير أعاظم الرّجال، فإنّا لو أخذنا نبحث عن مفاخر أولئك الّذين يلهج التّاريخ بأسمائهم لوجدنا معظم مفاخرهم قائمة على هذا الخلق الّذي نسمّيه (عظم الهمّة) ، والقرآن يملأ النّفوس بعظم الهمّة، وهذا العظم هو الّذي قذف بأوليائه ذات اليمين وذات الشّمال، فأتوا على عروش كانت ظالمة، ونسفوها من وجه البسيطة نسفا ثمّ رفعوا لواء العدل والحرّيّة، وفجّروا أنهار العلوم تفجيرا، وإذا رأينا من بعض قرّائه همما ضئيلة ونفوسا خاملة فلأنّهم لم يتدبّروا آياته، ولم يتفقّهوا في حكمه. فضل عظم الهمة: قال الماورديّ- ﵀: اعلم أنّ من شواهد الفضل، ودلائل الكرم: المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم. ومن حقوق المروءة وشروطها، ما لا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة، فثبت أنّ مراعاة النّفس إلى أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها، إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ، حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل: سيّد القوم أشقاهم. وقال الشّاعر: وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام والدّاعي إلى استسهال ذلك شيئان: أحدهما: علوّ الهمّة، والثّاني: شرف النّفس. أمّا علوّ الهمّة، فلأنّه باعث على التّقدّم، وداع إلى التّخصيص، أنفة من خمول الضّعة، واستنكارا لمهانة النّقص «١» . يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجّه به إلى النّهايات من معالي الأمور فهو الّذي ينهض بالضّعيف يضطهد أو يزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الّذي يرفع القوم من سقوط، ويبدّلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرّيّة، وبالطّاعة العمياء شجاعة أدبيّة. نعم! يورد هذا الخلق صاحبه موارد التّعب والعناء، ولكن التّعب في سبيل الوصول إلى النّهاية من معالي الأمور يشبه الدّواء المرّ فيسيغه المريض كما يسيغ الشّراب عذبا باردا، وعظيم الهمّة قد يشتدّ حرصه على الشّرف حتّى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار «٢» . قال الشّيخ الخضر حسين- ﵀: وممّا جبل عليه الحرّ الكريم، ألايقنع من شرف الدّنيا والآخرة بشيء ممّا انبسط له، أملا فيما هو أسنى

стр. 3701

منه درجة وأرفع منزلة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز لدكين الرّاجز: إنّ لي نفسا توّاقة، فإذا بلغك أنّي صرت إلى أشرف من منزلتي هذه، فبعين ما أرينّك- قال له ذلك وهو عامل المدينة لسليمان بن عبد الملك- فلمّا صارت إليه الخلافة قدم عليه دكين، فقال له: أنا كما أعلمتك أنّ لي نفسا توّاقة، وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدّنيا، فلمّا بلغتها وجدتها تتوق لأشرف منازل الآخرة. وفي هذا المعنى: والحرّ لا يكتفي من نيل مكرمة ... حتّى يروم الّتي من دونها العطب يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يستدعه رغب لذاك ما سال موسى ربّه أرني ... أنظر إليك وفي تساله عجب يبغي التّزيّد فيما نال من كرم ... وهو النّجيّ لديه الوحي والكتب «١» علو الهمة وكبر الهمة وعظم الهمة: يعبّر عن هذه الصّفة أحيانا بعظم الهمّة وأحيانا بكبر الهمّة، أمّا عكس ذلك فهو «صغر الهمّة» ، ومن هنا فإنّ تعريف عظم الهمّة أو كبر الهمّة هو نفسه تعريف لعلوّ الهمّة. مجالات علوّ الهمّة: ذكر صاحب كتاب (علوّ الهمّة) أنّ لهذا العلوّ مجالات خمس: طلب العلم، العبادة والاستقامة، البحث عن الحقّ، الدّعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، وسنوجز القول في هذه المجالات كما يلي «٢» : المجال الأوّل: طلب العلم: يتمثّل علوّ الهمّة في طلب العلم في: ١- غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة. ٢- عزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل «٣» . ٣- حرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة. ٤- غوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطّريق. ٥- ألسنة مهذّبة لا تقع في لغو ولا مهاترة لأنّها شغلت بالحقّ فأشغلها عن الباطل. لقد كان السّلف الصّالح- رضوان الله عليهم- المثل الأعلى في علوّ الهمّة في طلب العلم، وكان على رأسهم عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس ومحمّد ابن إدريس الشّافعيّ وأحمد بن حنبل، وغيرهم كثير، فعمر بن الخطّاب- ﵁

стр. 3702

كان يتناوب مع جار له من الأنصار النّزول إلى رسول الله ﷺ ، يقول ابن الخطّاب: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وها هو ابن عبّاس- ﵄ يحدّث عن علوّ همّته في طلب العلم فيقول: كان يبلغني الحديث عن الرّجل فاتي بابه وهو قائل «١» ، فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الرّيح عليّ من التّراب فيخرج فيراني فيقول: يابن عمّ رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ هلّا أرسلت إليّ فاتيك؟. فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك. أمّا الشّافعيّ فقد وصف حاله مع العلم بقوله: أسمع بالحرف ممّا لم أسمعه، فتودّ أعضائي أنّ لها أسماعا تتنعّم به ما تنعّمت به الأذنان. وقيل له يوما: كيف حرصك على العلم؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذّته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلّة ولدها ليس لها غيره، أمّا أحمد ابن حنبل فقد حكى عن نفسه «كنت ربّما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمّي بثيابي حتّى يؤذّن النّاس، أو حتّى يصبحوا» . وقال: «لو كان عندي خمسون درهما لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد» «٢» ، وكان من مظاهر علوّ همّتهم في طلب العلم الدّأب على تحصيله في أقلّ وقت ممكن وها هو الفيروز اباديّ صاحب القاموس يقرأ صحيح مسلم على شيخه في ثلاثة أيّام، أمّا الحافظ ابن حجر فقرأ صحيح البخاريّ في أربعين ساعة، وصحيح مسلم في أربعة مجالس عدا جلسة الختم «٣» . ومن هذه المظاهر أيضا الرّحلة في طلب العلم حتّى لقد كان الواحد منهم يرحل مسيرة شهر في حديث واحد «٤» ، وكانوا يتحمّلون الفقر والفاقة دون أن يفتّ ذلك في عضدهم، وكانوا لا يكترثون بذلك تمسّكا بمثوبة الصّبر، وكانوا ينفقون كلّ ما عندهم في سبيل العلم، وها هو يحيى بن معين- رحمه الله تعالى- خلّف له أبوه ألف ألف درهم فأنفقها كلّها على تحصيل الحديث حتّى لم يبق له نعل يلبسه، وكان ذلك عندهم- كما أخبر ابن الجوزيّ- أحلى من العسل. يقول- رحمه الله تعالى- لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصّبا آخذ أرغفة يابسة وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء «٥» . ومن مظاهر ذلك أيضا سهرهم اللّيالي في

стр. 3703

طلب العلم وعدم الخلود إلى راحة النّوم، يقول ابن كثير: كان البخاريّ يستيقظ في اللّيلة الواحدة من نومه، فيوقد السّراج ويكتب الفائدة تمرّ بخاطره، ثمّ يطفىء سراجه، ثمّ يقوم مرّة أخرى وأخرى، حتّى كان يتعدّد منه ذلك قريبا من عشرين مرّة. والحكايات في ذلك أكثر من أن تحصى «١» . أمّا مذاكرة العلم ومدارسته فحدّث عنهم ولا حرج، فمن ذلك ما حكاه القطب اليونينيّ عن الإمام النّوويّ من أنّه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلّا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتّى إنّه في ذهابه في الطّريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظه أو مطالعة، وإنّه بقي على التّحصيل- على هذا الوجه- ستّ سنين، وكان يقرأ في كلّ يوم اثنى عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا، أمّا همّتهم في الحفظ فيكفي دليلا عليها أنّ الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب «٢» . المجال الثّاني: علوّ الهمّة في العبادة والاستقامة: لقد فقه سلفنا الصّالح عن الله أمره، وتدبّروا في حقيقة الدّنيا فاستوحشوا من فتنتها وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وارتفعت همّتهم عن سفاسفها، فلا تراهم إلّا صوّامين قوّامين، وقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشيد بعلوّ همّتهم في التّوبة والاستقامة، وقوّة عزيمتهم في العبادة والإخبات. المجال الثّالث: البحث عن الحقّ: لقد حفل التّاريخ الإسلاميّ بنماذج رائعة من المهتدين الّذين ارتفعت همّتهم في البحث عن الحقيقة الدّينيّة أو البحث عن الدّين الحقّ، وبذلوا في سبيل ذلك النّفس والنّفيس، فصاروا مضرب الأمثال، وحجّة لله على خلقه أنّ من انطلق باحثا عن الحقّ مخلصا لله تعالى فإنّ الله يهديه إليه ويمنّ عليه بأعظم نعمة في الوجود هي نعمة الإسلام «٣» . المجال الرّابع: علوّ الهمّة في الدّعوة إلى الله: من أعظم ما يهتمّ به الدّاعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النّصح لهم والصّبر على مشاقّ الدّعوة حتّى تبلغ الغاية الّتي يريد الله أن تبلغها، وقد كان الرّسل الكرام على رأس قائمة عالي الهمّة في هذا المجال وكان حبيبنا وسيّدنا محمّد ﷺ في ذلك الغاية العظمى، والمثل الأعلى الّذي ينبغي أن يحذو حذوه كلّ داعية إلى الله ، إذ لم يكن همّه هداية قومه من قريش أو من العرب فحسب وإنّما خاطب ملوك العالم ورؤساءه كي يدخلوا في دين الله.

стр. 3704

المجال الخامس: الجهاد في سبيل الله: لا يحتاج مجال لعلوّ الهمّة ما يحتاجه الجهاد في سبيل الله وذلك لأنّه يتطلّب رجالا وصفهم الله بقوله: صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب/ ٢٣) . وقد ضرب المصطفى ﷺ المثل الأعلى في هذا المجال فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ (أي أنّه كان يقاتل في الصّفوف الأماميّة) منه، وكان الصّحابة رضوان الله عليهم مضرب المثل في الشّجاعة اقتداء به ﷺ ، وها هو أبو محجن الثّقفيّ يقاتل الفرس يوم القادسيّة حتّى ظنّ بعضهم أنّه ملك «١» . إنّه ما أحوجنا في هذه الأيّام إلى إحياء هذه الرّوح الوثّابة والهمّة العالية في الجهاد ضدّ أعداء الله وأعدائنا في فلسطين، والشّيشان، والبوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين الّتي يدنّسها الأعداء. القيامة التربوية ل «علوّ الهمّة» : إنّ تربية أطفالنا تحتاج كي تؤتي ثمارها في المستقبل رجالا أشدّاء، وجيلا معافى في بدنه وعقله، وحرّاسا للعقيدة والوطن أن نغرس في هؤلاء الأطفال منذ نعومة أظفارهم هذا الخلق الرّفيع «علوّ الهمّة» . وتعدّ الأسرة- وبخاصّة الوالدين أو من يقوم مقامهما- أهمّ عناصر البيئة تأثيرا في إظهار النّبوغ وزراعة الهمّة العالية في قلوب الأطفال، وهذا ما يفسّر لنا سرّ اتّصال سلسلة النّابغين من أبناء أسر معيّنة- كال تيميّة مثلا- حيث تجتمع الاستعدادات الفطريّة، والقدرات الإبداعيّة مع البيئة المساعدة الّتي تكشف هذه المواهب مبكّرا وتنمّيها وتوجّهها إلى الطّريق الأمثال «٢» ، وها هو الزّبير بن العوّام- ﵁ الّذي عدل به عمر ألفا من الرّجال، يشبّ في كنف أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب عمّة رسول الله ﷺ وأخت أسد الله حمزة، وهؤلاء الكملة العظام، عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزّبير- ﵃ جميعا- كلّهم ثمرات أمّهم ذات النّطاقين أسماء بنت أبي بكر- ﵄ «٣» ، لقد كان لما غرسته هاتان المرأتان أكبر الأثر في علوّ همّة أبنائهما، وقد حفظ التّاريخ قول السّيّدة فاطمة بنت أسد لابنها عقيل بن أبي طالب: أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهبّ شمأل بليل «٤» . فنشأ- ﵁ عالي الهمّة قويّ الشّكيمة لا يخشى في الحقّ لومة لائم، وقد كان

стр. 3705

معاوية- ﵁ يفخر بتربية أمّه له، فيقول إذا نوزع بالفخر: أنا ابن هند. وما كان له ليقول ذلك إلّا إذا كانت قد اشتهرت بحسن التّربية وتنشئة أولادها على جميل الصّفات، وغرست فيهم روح السّيادة وعلوّ الهمّة، قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: إنّي أظنّ أنّ هذا الغلام سيسود قومه. قالت: ثكلته إذن إن لم يسدقومه «١» . وها هو والد الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب في عصر قريب يربّي ابنه على تحمّل المشاقّ ويدرّبه على الإقدام، ويستجيب لطلبه أداء فريضة الحجّ في سنّ مبكّرة فنشأ قويّ الشّكيمة عالي الهمّة واثقا من نفسه، مستعدّا لتحمّل المسئوليّات الكبار، يدلّ على ذلك ما كتبه والد الشّيخ إلى صديق له: تحقّقت أنّه بلغ الاحتلام قبل بلوغه الثّانية عشرة، ورأيته أهلا للصّلاة بالجماعة والائتمام، فقدّمته لمعرفته بالأحكام، وزوّجته بعد البلوغ مباشرة ثمّ طلب منّي الحجّ إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف إلى ذلك المرام، فحجّ وقضى ركن الإسلام «٢» . إنّ تربية الأطفال على علوّ الهمّة لا تنهض به الأسرة وحدها، وإنّما هو واجب المدرسة أيضا، إذ على المعلّم أن يغرس هذه القيامة العظمى في نفوس تلاميذه، وأيضا فإنّ وسائل الإعلام الحديثة- مسموعة أو مرئيّة أو مكتوبة- عليها دور كبير في غرس هذه الهمّة العالية في نفوس مستمعيها أو النّاظرين إليها أو قرّائها، حتّى يخرج من بين هؤلاء من ينهض بالأمّة ويقيلها من العثرات، ومن الوسائل التّربويّة الّتي تساعد في بثّ هذه الرّوح عامل التّشجيع الّذي ينهض به أثرياء الأمّة، فيقيمون المسابقات ويكافئون النّابغين، ولنا في سلفنا الصّالح في هذا المجال أسوة حسنة، يقول الشّاطبيّ في هذه الوسيلة (أي التّشجيع) : إنّها واجب على الكفاية، فإن قام بها البعض سقط الوجوب عن الاخرين وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعا، القادر لأنّه قصّر وغير القادر لأنّه قصّر فيما يستطيعه، وهو التّفتيش عن القادر وحمله على العمل وحثّه وتشجيعه، وإعانته على القيام به، بل وإجباره على ذلك «٣» . وقد كان الخلفاء والأمراء في طليعة المشجّعين لطلبة العلم وتربيتهم على علوّ الهمّة، وها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب يشجّع ابن عبّاس ويدخله عليه مع من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار، يقول ابن عبّاس- ﵄: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من حيث علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال: ما تقولون في

стр. 3706

قول الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح- وذلك علامة أجلك- فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الطموح- القوة- قوة الإرادة- الطاعة- المروءة- النشاط- الشجاعة- الرجولة- النبل- الشرف- المسئولية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: صغر الهمة- التخاذل- الضعف- الكسل- الوهن- التهاون- التنصل من المسئولية- اليأس] .

стр. 3707

الأحاديث الواردة في (علو الهمة) ١-* (عن الحسين بن عليّ- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى يحبّ معالي الأمور، وأشرافها، ويكره سفسافها» «١» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (علو الهمة) معنى ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النّبيّ ﷺ ، فقال «ماذا عندك يا ثمامة؟» «٣» ، فقال: عندي خير. يا محمّد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتّى كان الغد، ثمّ قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» ، فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» ، فقال: عندي ما قلت لك، فقال: «أطلقوا ثمامة» ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد ألاإله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. يا محمّد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟. فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلمّا قدم مكّة قال له قائل: صبوت؟، قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمّد رسول الله ﷺ ، ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها النّبيّ ﷺ * «٤» . ٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجرا؟ فقال النّبيّ ﷺ : على رسلك فإنّي أرجو أن يؤذن لي ... الحديث وفيه: قالت عائشة: بينما نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظّهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبلا متقنّعا. في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدا لك بأبي وأمّي، والله إن جاء به في هذه السّاعة إلّا لأمر. فجاء النّبيّ ﷺ ، فاستأذن فأذن له، فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر:

стр. 3708

«أخرج من عندك» ، قال: إنّما هم أهلك «١» بأبي أنت يا رسول الله، قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج» ، قال: فالصّحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال: «نعم» ... الحديث) *» . ٤-* (قال أبو ذرّ- ﵁ خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمّنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا: إنّك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم «٣» أنيس، فجاء خالنا فنثا «٤» علينا الّذي قيل له، فقلت: أمّا ما مضى من معروفك فقد كدّرته، ولا جماع لك فيما بعد، فقرّبنا صرمتنا «٥» ، فاحتملنا عليها، وتغطّى خالنا ثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتّى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر «٦» أنيس عن صرمتنا وعن مثلها «٧» ، فأتينا الكاهن فخيّر أنيسا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صلّيت يابن أخي، قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: للهّ، قلت: فأين توجّه؟ قال: أتوجّه حيث يوجّهني ربّي، أصلّي عشاء حتّى إذا كان من آخر اللّيل ألقيت كأنّي خفاء «٨» ، حتّى تعلوني الشّمس. فقال أنيس: إنّ لي حاجة بمكّة فاكفني، فانطلق أنيس حتّى أتى مكّة، فراث عليّ «٩» ، ثمّ جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكّة على دينك، يزعم أنّ الله أرسله، قلت: فما يقول النّاس؟، قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشّعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشّعر «١٠» فما يلتئم على لسان أحد بعدي، أنّه شعر، والله! إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون.

стр. 3709

قال: قلت: فاكفني حتّى أذهب فأنظر، قال: فأتيت مكّة، فتضعّفت «١» رجلا منهم، فقلت: أين هذا الّذي تدعونه الصّابأ؟ فأشار إليّ، فقال: الصّابأ «٢» ، فمال عليّ أهل الوادي بكلّ مدرة وعظم، حتّى خررت مغشيّا عليّ، قال: فارتفعت حين ارتفعت، كأنّي نصب أحمر «٣» ، قال: فأتيت زمزم فغسلت عنّي الدّماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم. ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني «٤» ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع «٥» . قال: فبينا أهل مكّة في ليلة قمراء «٦» إضحيان «٧» ، إذ ضرب على أسمختهم «٨» فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين «٩» منهم تدعوان إسافا ونائلة، قال: فأتتا عليّ في طوافهما، فقلت: أنكحا أحدهما الاخرى، قال: فما تناهتا «١٠» عن قولهما، قال: فأتتا عليّ، فقلت: هن مثل الخشبة «١١» غير أنّي لا أكني، فانطلقتا تولولان «١٢» ، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا «١٣» ، قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان، قال: «مالكما؟» ، قالتا: الصّابىء بين الكعبة وأستارها، قال: «ما قال لكما؟» ، قالتا: إنّه قال لنا كلمة تملأ الفم «١٤» ، وجاء رسول الله ﷺ حتّى استلم الحجر،

стр. 3710

وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثمّ صلّى، فلمّا قضى صلاته (قال أبو ذرّ) فكنت أنا أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام، قال: فقلت: السّلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك ورحمة الله» . ثمّ قال: «من أنت؟ «١» » ، قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقدعني «٢» صاحبه، وكان أعلم به منّي، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال: «متى كنت هاهنا؟» ، قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: «فمن كان يطعمك؟» ، قال: قلت: ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. قال: «إنّها مباركة، إنّها طعام طعم «٣» » . فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه اللّيلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطّائف، وكان ذلك أوّل طعام أكلته بها، ثمّ غبرت ما غبرت «٤» ، ثمّ أتيت رسول الله ﷺ فقال: «إنّه قد وجّهت لي أرض «٥» ذات نخل، لا أراها «٦» إلّا يثرب «٧» فهل أنت مبلّغ عنّي قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم» . فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أنّي قد أسلمت وصدّقت، قال: ما بي رغبة عن دينك، فإنّي قد أسلمت وصدّقت، فأتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما «٨» ، فإنّي أسلمت وصدّقت. فاحتملنا «٩» حتّى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمّهم إيماء١» بن رحضة الغفاريّ وكان سيّدهم. وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله إخوتنا، نسلم على الّذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ : «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» ) * «١١» . ٥-* (عن سليمان بن بلال- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما «١٢» ، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد- ﵄: إنّه لابدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنّة

стр. 3711

لاثرتك به، إنّي أرجو الشّهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودّ ... الحديث) * «١» . ٦-* (عن سعد- ﵁ قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقّاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟، قال: إنّي أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج لعلّ الله أن يرزقني الشّهادة، قال: فعرض على رسول الله ﷺ فردّه، فبكى فأجازه، فكان سعد- ﵁ يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (علو الهمة) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: حدّثني سلمان قال: كنت رجلا من أهل فارس من أصبهان، من جيّ، ابن رجل من دهاقينها- وفي حديث ابن إدريس: وكان أبي دهقان «٣» أرضه، وكنت أحبّ الخلق إليه- وفي حديث البكّائيّ: أحبّ عباد الله إليه، فأجلسني في البيت كالجواري، فاجتهدت في الفارسيّة- وفي حديث عليّ بن جابر: في المجوسيّة- فكنت في النّار الّتي توقد فلا تخبو، وكان أبي صاحب ضيعة، وكان له بناء يعالجه- زاد ابن إدريس في حديثه: في داره- فقال لي يوما: يا بنيّ، قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضّيعة، ولا تحتبس فتشغلني عن كلّ ضيعة بهمّي بك، فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النّصارى وهم يصلّون، فملت إليهم وأعجبني أمرهم، وقلت: هذا والله خير من ديننا، فأقمت عندهم حتّى غابت الشّمس، لا أنا أتيت الضّيعة، ولا رجعت إليه، فاستبطأني وبعث رسلا في طلبي، وقد قلت للنّصارى حين أعجبني أمرهم: أين أصل هذا الدّين؟. قالوا: بالشّام. فرجعت إلى والدي، فقال: يا بنيّ، قد بعثت إليك رسلا، فقلت: مررت بقوم يصلّون في كنيسة، فأعجبني ما رأيت من أمرهم، وعلمت أنّ دينهم خير من ديننا، فقال: يا بنيّ دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: كلّا والله، فخافني وقيّدني. فبعثت إلى النّصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم، وسألتهم إعلامي من يريد الشّام، ففعلوا، فألقيت الحديد من رجليّ، وخرجت معهم، حتّى أتيت الشّام، فسألتهم عن عالمهم، فقالوا:

стр. 3712

الأسقفّ، فأتيته فأخبرته، وقلت: أكون معك أخدمك وأصلّي معك؟. قال: أقم، فمكثت مع رجل سوء في دينه، كان يأمرهم بالصّدقة، فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه، حتّى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا «١» ، فتوفّي، فأخبرتهم بخبره فزبروني، فدللتهم على ماله، فصلبوه ولم يغيّبوه ورجموه، وأحلّوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا ورغبة في الآخرة وصلاحا، فألقى الله حبّه في قلبي، حتّى حضرته الوفاة فقلت: أوصني، فذكر رجلا بالموصل، وكنّا على أمر واحد حتّى هلك. فأتيت الموصل، فلقيت الرّجل فأخبرته بخبري، وأنّ فلانا أمرني بإتيانك، فقال: أقم، فوجدته على سبيله وأمره، حتّى حضرته الوفاة، فقلت: أوصني، فقال: ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلّا رجلا بعمّوريّة. فأتيته بعمّوريّة فأخبرته بخبري، فأمرني بالمقام وثاب لي شيء، واتّخذت غنيمة وبقيرات، فحضرته الوفاة فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنّا عليه، ولكن قد أظلّك نبيّ يبعث بدين إبراهيم الحنيفيّة، مهاجره بأرض ذات نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النّبوّة، يأكل الهديّة، ولا يأكل الصّدقة، فإن استطعت فتخلص إليه، فتوفّي. فمرّ بي ركب من العرب، من كلب، فقلت: أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه، وتحملوني إلى بلادكم؟ فحملوني إلى وادي القرى، فباعوني من رجل من اليهود «٢» ، فرأيت النّخل، فعلمت أنّه البلد الّذي وصف لي، فأقمت عند الّذي اشتراني، وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه، وقدم بي المدينة، فعرفتها بصفتها، فأقمت معه أعمل في نخله، وبعث الله نبيّه ﷺ ، وغفلت عن ذلك حتّى قدم المدينة، فنزل في بني عمرو بن عوف فإنّي لفي رأس نخلة إذا أقبل ابن عمّ لصاحبي، فقال: أي فلان، قاتل الله بني قيلة، مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكّة، يزعم أنّه نبيّ، فو الله ما هو إلّا أن سمعتها فأخذني القرّ «٣» ، ورجفت بي النّخلة، حتّى كدت أسقط، ونزلت سريعا، فقلت: ما هذا الخبر؟ فلكمني صاحبي لكمة، وقال: وما أنت وذاك؟ أقبل على شأنك، فأقبلت على عملي حتّى أمسيت، فجمعت شيئا فأتيته به، وهو بقباء عند أصحابه، فقلت: اجتمع عندي أردت «٤» أن أتصدّق به، فبلغني أنّك رجل صالح، ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة، فرأيتكم أحقّ به، فوضعته بين يديه، فكفّ يديه، وقال لأصحابه: كلوا، فقلت: هذه واحدة، ورجعت. وتحوّل إلى المدينة، فجمعت شيئا فأتيته به،

стр. 3713

فقلت: أحببت كرامتك فأهديت لك هديّة، وليست بصدقة، فمدّ يده فأكل، وأكل أصحابه، فقلت: هاتان اثنتان، ورجعت. فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد، وحوله أصحابه فسلّمت، وتحوّلت أنظر إلى الخاتم في ظهره، فعلم ما أردت، فألقى رداءه، فرأيت الخاتم فقبّلته، وبكيت، فأجلسني بين يديه، فحدّثته بشأني كلّه كما حدّثتك يا ابن عبّاس، فأعجبه ذلك، وأحبّ أن يسمعه أصحابه، ففاتني معه بدر وأحد بالرّقّ، فقال لي: كاتب يا سلمان عن نفسك، فلم أزل بصاحبي حتّى كاتبته، على أن أغرس له ثلاثمائة وديّة «١» ، وعلى أربعين وقيّة «٢» من ذهب، فقال رسول الله ﷺ : «أعينوا أخاكم بالنّخل» ، فأعانوني بالخمس والعشر، حتّى اجتمع لي، فقال لي: «فقّر «٣» لها ولا تضع منها شيئا حتّى أضعه بيدي» ، ففعلت، فأعانني أصحابي حتّى فرغت، فأتيته، فكنت آتيه بالنّخلة فيضعها، ويسوّي عليها ترابا، فأنصرف، والّذي بعثه بالحقّ فما ماتت منها واحدة، وبقي الذّهب، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة، من ذهب أصابه من بعض المعادن، فقال: «ادع سلمان المسكين الفارسيّ المكاتب» ، فقال: أدّ هذه، فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه ممّا عليّ؟، وروى أبو الطّفيل، عن سلمان، قال: أعانني رسول الله ﷺ ببيضة من ذهب، فلو وزنت بأحد لكانت أثقل منه) * «٤» . ٢- شجاعة أبي محجن الثّقفيّ- ﵁ (قتاله يوم القادسيّة حتّى ظنّوا أنّه ملك) . * (أخرج عبد الرّزّاق عن ابن سيرين قال: كان أبو محجن الثّقفيّ- ﵁ لا يزال يجلد في الخمر، فلمّا أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلمّا كان يوم القادسيّة رآهم يقتتلون، فكأنّه رأى أنّ المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أمّ ولد سعد أو إلى امرأة سعد يقول لها: إنّ أبا محجن يقول لك: إن خلّيت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحا، ليكوننّ أوّل من يرجع إليك إلّا أن يقتل، وأنشأ يقول: كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا

стр. 3714

إذا قمت عنّاني الحديد وغلّقت ... مصارع دوني قد تصمّ المناديا فذهبت الاخرى، فقالت ذلك لامرأة سعد، فحلّت عنه قيوده، وحمل على فرس كان في الدّار وأعطي سلاحا، ثمّ خرج يركض حتّى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدقّ صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يتعجّب منه ويقول: من ذلك الفارس؟! فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى هزمهم الله، ورجع أبو محجن- ﵁، وردّ السّلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان. فجاء سعد- ﵁ فقالت له امرأته أو أمّ ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها، ويقول: لقينا ولقينا، حتّى بعث الله رجلا على فرس أبلق، لولا أنّي تركت أبا محجن في القيود لظننت أنّها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله إنّه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصّت عليه قصّته، فدعا به وحلّ قيوده. قال أبو محجن- ﵁ أنا والله لا أشربها أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم، قال: فلم يشربها بعد ذلك) * «١» . ٣-* (عن معقل بن يسار أنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ شاور الهرمزان. فقال: ما ترى أبدأ: بفارس، أو بأذربيجان، أم بأصبهان؟. فقال: إنّ فارس وأذربيجان الجناحان، وأصبهان الرّأس، فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الاخر، فإن قطعت الرّأس وقع الجناحان، فابدأ بالرّأس. فدخل عمر- ﵁ المسجد والنّعمان بن مقرّن- ﵁ يصلّي، فقعد إلى جنبه، فلمّا قضى صلاته قال: إنّي أريد أن أستعملك. قال: أمّا جابيا «٢» ، فلا، ولكن غازيا. قال: فأنت غاز. فوجّهه إلى أصبهان- فذكر الحديث- وفيه: فقال المغيرة للنّعمان: يرحمك الله إنّه قد أسرع في النّاس «٣» ، فاحمل. فقال: والله إنّك لذو مناقب «٤» ، لقد شهدت مع رسول الله ﷺ القتال، وكان إذا لم يقاتل أوّل النّهار أخّر القتال حتّى تزول الشّمس، وتهبّ الرّياح، وينزل النّصر، قال: ثمّ قال: إنّي هازّ لوائي ثلاث مرّات: فأمّا الهزّة «٥» الأولى فقضى الرّجل حاجته وتوضّأ، وأمّا الثّانية فنظر رجل في سلاحه، وفي شسعه «٦» فأصلحه، وأمّا الثّالثة فاحملوا ولا يلوينّ أحد على أحد وإن قتل النّعمان فلا يلو «٧» عليه أحد، فإنّي أدعو الله- بدعوة، فعزمت على كلّ

стр. 3715

امرىء منكم لما أمّن عليها: اللهمّ أعط اليوم النّعمان الشّهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم. وهزّ لواءه أوّل مرّة، ثمّ هزّ الثّانية، ثمّ شلّ «١» درعه، ثمّ حمل فكان أوّل صريع، فقال معقل: فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علما، ثمّ ذهبت- وكنّا إذا قتلنا رجلا شغل عنّا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته، فانشقّ بطنه، فهزمهم الله، ثمّ جئت إلى النّعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التّراب، فقال: من أنت؟ قلت: معقل بن يسار. قال: ما فعل النّاس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد للهّ، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه. وعند الطّبريّ أيضا عن زياد بن جبير عن أبيه- ﵄ فذكر الحديث بطوله في وقعة نهاوند، وفيه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النّهار لم يعجل حتّى تحضر الصّلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال فما منعني إلّا ذلك اللهمّ إنّي أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يذلّ به الكفّار، ثمّ اقبضني إليك بعد ذلك على الشّهادة. أمّنوا يرحمكم الله فأمّنّا وبكينا) * «٢» . ٤-* (عن جعفر بن عبد الله بن أسلم الهمدانيّ- ﵁ قال: لمّا كان يوم اليمامة كان أوّل النّاس جرح أبو عقيل الأنيفيّ- ﵁، رمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب في غير مقتل، فأخرج السّهم- ووهن له شقّه الأيسر- لما كان فيه، وهذا أوّل النّهار، وجرّ إلى الرّحل «٣» - فلمّا حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم- وأبو عقيل واهن من جرحه- سمع معن بن عديّ- ﵁ يصيح بالأنصار: الله الله! «٤» والكرّة على عدوّكم، وأعنق معن «٥» يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا، أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا يميّزون. قال عبد الله بن عمر- ﵄: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل، ما فيك قتال؟!، قال: قد نوّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلت: إنّما يقول: يا للأنصار، لا يعني الجرحى!! قال أبو عقيل: أنا رجل من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوا! قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السّيف بيده اليمنى مجرّدا، ثمّ جعل ينادي: يا للأنصار، كرّة كيوم حنين، فاجتمعوا- ﵏ جميعا يقدمون المسلمين دربة دون عدوّهم حتّى أقحموا عدوّهم الحديقة، فاختلطوا
следующие страницы →