٢- إن تنفيذ التوصيات سالفة الذكر سينجح بإذن الله في سد هذا الفراغ الكبير في الساحة الثقافية والحضارية، إضافة إلى أنه سيغلق الباب أمام تيارات الانحراف والفساد الوافدة على العالم الإسلامي من الخارج، وفي الوقت نفسه يتصدى للإرهاب الفكري للحركات الضالة التي تتستر باسم الإسلام، ويقف سدّا منيعا أمام حركات الغلو والتطرف التي تسعى إلى طرح نفسها بديلا يملأ الفراغ في الساحة الفكرية والثقافية.
والموسوعة إذ تقدم البديل الأمثل المتمثل في مكارم أخلاق سيد الخلق محمد ﷺ وما يدعو إليه الدين الحنيف من المحبة والألفة والتسامح والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، تيسر بإذن الله السبيل لمن أراد أن يدعو إلى نبذ العنف ومحاربة الجهل والظلم وخاصة جهل الإنسان لدينه ولنفسه، وظلمه لها أو للآخرين.
٣- إن تواجد هذه البرامج بقوة على الساحة الدولية سيساعد كثيرا في تحسين مستوى الدعوة إلى الإسلام وتحسين صورة الإسلام التي يشوهها المغرضون، حيث إنه يمكن عرض قيم مكارم أخلاق الدين الإسلامي بديلا للانهيار الخلقي الذي تعاني منه الكثير من الشعوب ويمكن طرح هذا الأمر ليس في المحافل الدينية فحسب بل على منابر المؤتمرات المتخصصة في مجالات التعليم والطب النفسي والتربية والدراسات الاجتماعية ولقاءات حوار الحضارات بين الأمم.
٤- إن سرعة نقل المعلومات وإمكانية التقاطها بيسر وسهولة داخل المنازل عبر شبكة المعلومات (الإنترنت) العالمية ستصبح وسيلة فعّالة لوضع برامج العلوم الإسلامية وخاصة ما يتعلق منها بالأخلاق النبوية الكريمة على قدم المساواة مع بقية العلوم الأخرى، وبذلك تتاح فرصة أكبر لكل تواق إلى المعرفة باحث عن الحقيقة كي يصل إلى غايته بيسر وسهولة وبحمد الله وعونه تم تسجيل عنوان لهذه الموسوعة على شبكة الإنترنت بمسمى «محمد رسول الله» ﷺ ، وهذا العنوان المدون في ظهر صفحة مسمى الموسوعة في أول المجلد هو خطوة أولى لتقديم معلومات الموسوعة عالميّا إن شاء الله.
روح الأمل والمستقبل:
أما الثمرة العظمى التي نرجوا قطافها من هذه الموسوعة فهي غرس روح الأمل في مستقبل مشرق يعم العالم الإسلامي، بل العالم كله، إن نحن سرنا على الصراط المستقيم الذي دعانا إليه رسول الله ﷺ وتأسينا بأخلاقه، وإذا كان الله- أخذ ميثاق النبيين بأن يؤمنوا بهذا الرسول وأشهدهم وشهد معهم وينصروه فالأولى بنا الاقتداء بهم، يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «١» .
стр. 37
نصر الله وعد الحق:
لقد وعدنا الله بالنصر المبين إذا نحن نصرناه، باتباع دينه والاهتداء بسنة نبيه ﷺ في تبليغ دعوة الله إلى الخلق وإقامة شريعته، مصداقا لقوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
لقد وعد المولى- البشرية كلها بالفلاح والفوز إن هم نصروا رسوله ﷺ واتبعوا النور الذي أنزل معه، يقول الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢» ، وبذلك يتحقق خروج العالم مرة أخرى من الظلمات إلى النور، من ظلمات الباطل والجهل والانحلال إلى نور الحق والعلم والتمسك بقيم الخلق العظيم.
وطريقنا إلى هذا النصر الموعود كما أوجزه فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين يتمثل في تقوى الله وفي الصدق في كل شيء، والتمسك بالخلق الحميد، ونصرة الله تعالى، يقول فضيلته في إحدى خطبه الجامعة: اصدقوا الله تعالى في عقائدكم وفي نياتكم في أقوالكم وفي أفعالكم، عاملوا الله تعالى كما أمركم أن تعاملوه به، اعبدوه مخلصين له الدين، التزموا شريعته غير مغالين ولا مفرطين، انصروا الله تعالى بالانتصار على أنفسكم الأمارة بالسوء، والتغلب على أهوائكم التي تهوي بكم إلى النار، انصروا الله تعالى بالغيرة لدينه وحمايته والذود عنه، فإن الله يقول: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٣» .
فيا أمة القرآن، يا أمة محمد ﷺ ، يا أمة التوحيد والإيمان، إن هذه الآيات الكريمة وهذه الوعود المؤكدة الصادقة كلام ربكم العليم القدير، القوي العزيز، ولقد صدق الله وعده، وأنجز نصره، وهزم الأحزاب وحده، لقد كان ذلك حينما كانت الأمة الإسلامية قائمة بالشرط المشروط عليها للنصر تؤمن بالله ورسوله وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالنصر من عند الله- لأنها تؤمن بأن لله وحده عاقبة الأمور، لا ترهب الأعداء ولا تخاف من قواهم المادية، وإنما تقابل عددهم بشجاعة عددهم بما هو أقوى وأعتى، وأفكارهم وتصرفاتهم الماكرة بما هو أدهى وأنكى، ممتثلين بذلك أمر الله- :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ «٤» . معتمدين في ذلك على الله- : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «٥» .
مؤمنين بقول من بيده ملكوت السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ
стр. 38
يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «١» ، «٢» .
شكر وتقدير:
نتقدم بخالص الشكر والتقدير لصاحب الفضيلة الدكتور الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين عضو هيئة الإفتاء- الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الذي تفضل بقراءة هذه الموسوعة وهي في صورتها الأولية وقدم لها في كلمة وافية عن الإسلام ومكارم الأخلاق والدعوة قال فيها: «ولا شك أنه جهد كبير وعمل واسع، يستدعي بذل الوسع، والحرص على الاستقصاء، ولذلك استغرق الجمع والبذل والكتابة فيها وقتا طويلا رغم توافر الجهود، وكثرة الباحثين، حتى أنتجوا هذا العمل المشكور الذي يرجى نفعه إن شاء الله للمبتدئ والمحتذي، والراعي والرعية، والفرد والمجتمع، فلقد أراحو طالب المشكور الذي يرجى نفعه إن شاء الله للمبتدئ والمحتذي، والراعي والرعية، والفرد والمجتمع، فلقد أراحو طالب الاستفادة من كثرة العناء في البحث والتنقيب في أمهات كتب الأحكام، وكتب الفضائل وكتب الآداب، وكتب الأوامر والنواهي والزواجر ونحوها، وأحالوا القارأ إلى الأماكن التي توسع مؤلفوها في تلك المسائل بإيراد النقول والآثار والعلل والأحكام والمنافع والمضار، فنوصي طالب العلم بالحرص على اقتناء مثل هذه الموسوعة الطيبة المباركة، ومراجعتها عند الحاجة والاستفادة منها، وشغل أوقات الفراغ بمطالعة ما تيسر من الأبواب والمسائل، فهي مرجع أساسي للدعاة والمصلحين، والخطباء والوعاظ، والمفتين والقضاة واللغويين وغيرهم، فلفضيلته منا ومن بقية العاملين بالموسوعة خالص الشكر والتقدير والامتنان على ما قدمه من اهتمام ورعاية حفظه الله ورعاه.
كما أننا نتقدم بالشكر وافرا وجزيلا لمعالي الدكتور الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، لما تفضل به معاليه من اطلاع على الموسوعة وإشادته بأهمية الدعوة إلى الإسلام ومكارم الأخلاق في تقريظه لهذه الموسوعة التي قال فيها: «إن هذه الموسوعة عمل علمي مبارك، وجهد موفق في سبيل الفضيلة تأصيلا وتطبيقا» . وقال معاليه: «والناظر في هذه الموسوعة، يدرك لأول وهلة، أنها من أوليات ما تحتاج إليه الدعوة إلى الله، فهي تيسر خلق الإسلام وهديه أمام المسلم، وتظهر جانبا هامّا مما ورد في القرآن الكريم من العلوم والمعارف، وهو جانب الأخلاق، الذي جعله الرسول صلوات الله عليه وسلامه من أوليات رسالته وأهداف بعثته» . فجزاه الله عنا خير الجزاء، وجعل ذلك الاهتمام بالموسوعة في ميزان حسناته، ووفقه دائما إلى ما فيه صالح الإسلام والمسلمين.
كما نتقدم بخالص الشكر والامنتان للأساتذة الأفاضل رؤساء اللجان وأعضائها جميعا ومن شارك في إعداد هذه الموسوعة بدون استثناء على ما بذلوه من إخلاص وجهد ووقت في سبيل إنجاز هذا العمل، وخاصة فضيلة الدكتور الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام وعميد كلية الشريعة بجامعة أم
стр. 39
القرى سابقا، إذ تبنى فضيلته هذه الموسوعة وأشرف عليها منذ كانت فكرة حتى صارت عملا علميّا متكامل الأركان وثيق البنيان، وندعو الله العلي القدير له بمزيد من الصحة والتوفيق والنجاح في خدمة الإسلام والمسلمين.
كما نشكر الأستاذين الفاضلين أ. د. علي خليل مصطفى أبو العينين رئيس لجنة المراجعة والضبط، وأ. د.
عبد الفتاح عبد العليم البركاوي رئيس اللجنة اللغوية على ما بذلاه من جهد مشكور في إعداد هذه الموسوعة وإخراجها على النحو اللائق، كما نشكر الأخ الكريم أ. د. حسام الدين قوام الدين حسن السامرائي على جهوده في إعداد السيرة النبوية، ونتقدم بالشكر أيضا إلى الأخ الفاضل الأستاذ فؤاد محمد نور أبو الخير الذي تابع هذا العمل منذ اللحظات الأولى، كما نشكر أعضاء فريق الحاسب الآلي على ما بذلوه من جهد جبّار لا يعرف الكلل أو الملل في تنضيد وتصحيح الموسوعة، إنهم حقا الجنود المجهولون الذين قضوا الساعات الطوال خلف أجهزة الحاسوب في سبيل إخراج هذه الموسوعة على هذه الصورة المشرقة، ونخص منهم بالذكر الأساتذة: توني نجيب زيدان أحمد، وطارق علي بيومي، وهاني محمد عبد ربه.
أما على المستوى الشخصي فإني أقدم خالص شكري وعظيم تقديري لكافة الإخوة والأصدقاء الذين أمدوني بالتشجيع طيلة هذه السنوات التسع، وأخص في هذا المقام زوجتي وأبنائي الأعزاء الذين صبروا وعانوا كثيرا بسبب غيابي عن المنزل وبقائي أسيرا- لساعات طوال- في مكتبي مع بقية أعضاء فرق العمل بين الورق وأمهات الكتب، فلهم مني أطيب تقدير وخالص الامتنان، وأتوجه إلى العلي القدير بأن يحفظهم ويرعاهم هم وعامة إخواني وأخواتي من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأن يجعلهم جميعا من المقتدين برسول الله ﷺ ومن أصحاب نضرة النعيم في الدنيا والآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح جدة- المملكة العربية السعودية في العشرين من شعبان سنة ١٤١٨ هـ.
الموافق ٢١ من ديسمبر سنة ١٩٩٧ م
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقريظ لمعالي الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المملكة العربية السعودية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين، والعاملين بهديه وسنته، إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإنه منذ ظهرت رسالة الإسلام، وفي حياة النبي ﷺ ، تأسست قواعد الدعوة إلى الله تعالى، وظهرت أصولها، وتنوعت أساليبها، على هدي الوحي الإلهي، في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ .
إن دعوة محمد ﷺ ، كما أرادها الله، هي ختام الوحي الإلهي، الذي بلّغه خاتم الأنبياء إلى البشر، وهي الدعوة التي تخاطب الناس جميعا الأفراد والأمم والشعوب، إلى آخر الدهر.
يقول جلّ شأنه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «١» .
وقد جاءت في القرآن الكريم قواعد الدعوة، وتحددت مناهجها، في مخاطبة العقول والقلوب والنفوس.
يقول تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢» .
وكان الرسول صلوات الله عليه وسلامه في حياته الشريفة، وبالتكريم الإلهي له، قدوة للمسلمين جميعا، وأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
لقد وصفه الله تعالى في جميع أقواله وأفعاله وأحواله بأنه على خلق عظيم، يقول تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣» . وهو الرحمة المهداة إلى البشر وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٤» .
стр. 41
فالدعوة إلى الله رحمة للخلق في أهدافها وغاياتها. وهي تحتاج إلى الرحمة في ترغيب الناس فيها، وتقريبهم منها، ولذلك كانت الرحمة التي أودعها الله في قلب نبيه ورسوله للناس جميعا، أعظم عون للرسول في جمع الناس على الهدى، والاعتصام بحبل الله المتين.
ففي القرآن الكريم: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «١» .
وعلى هذا الهدي الإلهي، في الكتاب والسنة، سار أئمة الدعاة في كل عصر من عصور الإسلام.
وكان انتشار الإسلام في أقطار الأرض كلّها نتيجة جهدهم وثمرة اتباعهم للهدي الإلهي في تبليغ الدعوة، ومخاطبة العقول، وتزكية النفوس.
وكان من أئمة الدعاة إلى الله في مختلف الأزمنة والأمكنة، القراء والفقهاء والعلماء، والصالحون من الناس.
وكان لكل منهم أثر كبير في هداية الخلق، ببيان كلمة الله، وإظهار حكمه وشرعه، وبضرب الأمثلة في حسن الأدب مع الله، والاتباع لما دعا إليه الدين من مكارم الأخلاق في التعامل مع الناس.
وهذا الجانب الأخير كان له أعظم الأثر في انتشار الإسلام بين الأمم، فإن المسلم حين يظهر بين الناس بأخلاق الإسلام وهديه، يكون قوله وفعله الذي يتأسى فيه بالرسول ﷺ ، من أعظم الوسائل في الدعوة إلى الله، ومن ثم يكون الاقتناع والاتباع.
إن إكمال مكارم الأخلاق يعد من أعظم المهمات، وأهم الغايات في رسالة الإسلام.
يقول ﵊: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» «٢» .
* وأخلاق الرسول ﷺ هي الأخلاق التي بينها ربنا جل وعز، ودعانا إلى اتباعها في القرآن الكريم، وقد أدركت ذلك، وشهدته رؤية عين، أقرب الناس إلى الرسول ﷺ ، في أقواله وأفعاله وأحواله، أم المؤمنين عائشة- ﵂ فلم تجد وصفا يبين عظمة أخلاق الرسول ﷺ ، إلا بنسبة هذه الأخلاق إلى الوحي الإلهي، في كماله وجلاله. فقالت: «كان خلقه القرآن» «٣» .
* ولذلك، فإن الخير كل الخير في أن تكون أخلاق الرسول ﷺ في عظمتها وشمولها، معروفة للمسلمين جميعا، ليكون الاتباع، ولتظهر الأسوة الحسنة، في حياته الشريفة، التي أرادها الله لنا مثلا في حياة الإنسان، وتعامله مع الناس على هدى الإسلام.
стр. 42
وهذا الجانب من جوانب الدعوة، له أهميته البالغة في هذا العصر بالذات، وفي كثير من البلاد الإسلامية.
* إن الموسوعة التي بين أيدينا، «نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ » تتناول جانبا هامّا من جوانب الدعوة إلى الله تعالى، وإرشاد الخلق إلى ما فيه سعادة الدارين، وهي موسوعة تربوية تتعهد النفوس بالإصلاح والتزكية على الأساس الخلقي القويم، من الخلق النبوي الكريم، وتضع أمام المسلمين على اختلاف الشرائح العمرية والثقافية نموذجا حيّا للخلق الإسلامي، من الهدي القرآني، ومن السنة النبوية، قولا وفعلا وحالا.
وقد اجتهد واضعو هذه الموسوعة، في جمع فضائل الرسول ﷺ ، كما وردت في المنقول الصحيح في عشرات الكتب والمراجع، لا سيما كتب السيرة والسنة النبوية، كما ورد فيها ما نهى عنه الله ورسوله، من مذموم الأقوال والأفعال والأحوال.
* وقد سلك واضعو الموسوعة، في تبويبها وترتيبها بحسب موضوعاتها، طريقة تحقق الفائدة واليسر معا.
فرتبوا الصفات والسجايا والفضائل، ترتيبا هجائيّا، ولا شك أن ذلك اقتضى منهم جهدا علميّا كبيرا، يظهر في سلامة هذا الترتيب ودقته، الذي تظهر فيه القيم الإسلامية الكبرى، وما يندرج تحتها من أفعال الرسول وصفاته وسجاياه ﷺ ، مما يعد تعليما وإرشادا للمسلمين، وأسوة حسنة لهم في كل ما يأتونه، وما يتجنبونه من أقوال وأفعال وأحوال.
كما تقدم هذه الموسوعة زادا علميّا لكثير من المسلمين، وتيسر البحث والمعرفة في هذا المجال على المتخصصين في الدراسات الإسلامية.
وتنفع الأئمة في المساجد والوعاظ، في حلقات الوعظ والإرشاد، بما اشتملت عليه من معرفة الفروق الدقيقة بين صفات وأفعال تستحب من المسلم، ربما تبدو متماثلة مع ما بينها من فروق دقيقة أوضحتها الموسوعة، كالفرق بين
стр. 43
الاستعاذة والاستعانة والاستغاثة، والفرق بين الابتهال والدعاء، والفرق بين التفكر والتدبر والتذكر، وبين الحنان والعطف، وغير ذلك مما عرضت له الموسوعة، ببيان معناه لغة أو اصطلاحا، وبيان ما يتفرع منه إلى أنواع كالأدب، وجمعت الموسوعة، هذه الصفات والسجايا من الأصلين العظيمين، القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ ، وأضافت إليهما ما ورد من آثار بشأنها، فردت كل صفة وسجية وفضيلة إلى أصلها القرآني، أو مثلها الأعلى في التطبيق النبوي.
* والناظر في هذه الموسوعة، يدرك لأول وهلة، أنها من أوليات ما تحتاج إليه الدعوة إلى الله، فهي تيسر خلق الإسلام وهديه أمام المسلم، وتظهر جانبا هامّا مما ورد في القرآن الكريم من العلوم والمعارف، وهو جانب الأخلاق، الذي جعله الرسول صلوات الله عليه وسلامه من أوليات رسالته وأهداف بعثته.
وبهذا يظهر تميز الأمة الإسلامية ببنائها الأخلاقي. هذا البناء الذي يعتبر جانبا جوهريّا وهامّا من الدين، ومنهجا إسلاميّا كاملا في السلوك.
* إن هذه الموسوعة، عمل علمي مبارك، وجهد موفق في سبيل الفضيلة، تأصيلا وتطبيقا، فجزى الله القائمين عليها خيرا، ونفع بعملهم هذا المسلمين.
وإنه لمن دواعي سروري واغتباطي، أن أكتب كلمة عن هذه الموسوعة، بناء على طلب الأخ عبد الرحمن محمد بن ملوح، المدير العام لدار الوسيلة للنشر والتوزيع، شاكرا له ولجميع العاملين فيها، والمشرفين عل إعداد الموسوعة، وفي مقدمتهم معالى الأخ الفاضل الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد، إمام الحرم المكي وخطيبه، جهدهم الكبير.
أسأل الله أن يجزل مثوبتهم، ويكتب عملهم في سجل حسناتهم.
стр. 44
إنه عمل يستحق الشكر والتقدير والثناء على كل من تعاون فيه.
أسأل الله أن ينفع بهذه الموسوعة أبناء المسلمين، وأن يجعل القدوة والأسوة الحسنة في حياة الرسول ﷺ قريبة منهم، ومثلا أعلى لهم، يظهر ذلك في تعاملهم مع بعضهم، ومع الناس كافة، وهي الغاية التي يسعى إليها الدعاة إلى الله تعالى في كل زمان ومكان. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية
стр. 45
تقريظ فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
عضو هيئة الإفتاء- الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا وأرسل الرسل إلى الخلق مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في إلهيته وأفعاله وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هدى الله به الأمة من الضلال وأرشدهم به من الغواية وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن سار على نهجه واتبع هداه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد ... فإن ربنا جل وعلا لما أوجد هذا الكون بما فيه من عجائب المخلوقات كان من بين من خلقه نوع الإنسان الذي ميزه بالعقل والإدراك وفضله على كثير من خلقه كما قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا «١» وكان من آثار هذا التكريم والتفضيل أن خصهم بالتكليف فأمرهم بعبادته وطاعته ونهاهم عن معصيته ومخالفته، وأرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب لبيان شرائعه التي كلف بها عباده وشرح لهم دينه الذي فرض عليهم اعتناقه، وختم أولئك الرسل بنبينا محمد بن عبد الله الهاشمي النبي الأمي ﷺ وجعل شريعته خاتمة الشرائع، وكان من لوازم ختم النبوة به أن عمم رسالته إلى الأحمر والأسود والعربي والعجمي والجن والإنس والقاصي والداني ومن آثار ذلك أن جعل دينه صالحا ومناسبا في كل زمان ومكان، وقد ضمن الله تعالى لهذه الشريعة الظهور، ولأهلها التمكين والنصر والغلبة بجميع أنواعها قال الله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً «٢» ولقد صدق الله وعده- وهو لا يخلف الميعاد- فأظهر المؤمنين الصادقين في صدر هذه الأمة ونصرهم على أعدائهم، ومكن لهم في البلاد حتى انتشر هذا الدين وظهر وغلب على سائر الأديان، ونصر الله أهله وقواهم به قال تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٣» وقال تعالى إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
«٤» فجند الله هم أهل شريعته ودينه. ولهم الغلبة بالسيف والسنان، وبالحجة واللسان، وذلك أن ربهم معهم يؤيدهم ويقويهم إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ «٥» ثم إنه تعالى تضمن لأهل هذه الشريعة الحياة السعيدة الطيبة والراحة والطمأنينة وسرور القلب ونعيمه في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، فقال تعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٦» والواقع أكبر دليل
стр. 46
وشاهد على تحقق ذلك، فإن أهل الإسلام كلما سلمت عقائدهم وصلحت أعمالهم وأحوالهم وابتعدوا عن الكفر والشرك والمعاصي وتبرءوا من الكفار وأعمالهم وأخلصوا دينهم لله تعالى فإنهم يحيون في هذه الدنيا في أعظم الراحة والسرور ويغتبطون بدينهم ويقتنعون بما رزقهم الله، وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ويرضون ويسلمون لقضائه وقدره، ذلك أن هذه الشريعة الإسلامية فيها الهدى والرشاد ودين الحق الذي تضمنته رسالة هذا النبي الكريم قال الله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* «١» والهدى هو البيان والدلالة والإرشاد بمعنى أن من اتبعه كان مهتديا سائرا على النهج القويم والصراط المستقيم الذي لا يزيغ من سلكه على حد قوله تعالى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى «٢» وذلك يدل بوضوح أنه مشتمل على كل ما تمس إليه حاجة البشر مما يتعلق بعباداتهم وقرباتهم وبمعاملاتهم وشئون حياتهم، وذلك من وصف هذه الرسالة بالهدى ودين الحق فإن الحق ضد الباطل، وهذا وصف مطابق للواقع لأن كل ما جاء به هذا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام حق وصدق بعيد كل البعد عن اللهو والباطل والفساد بل مشتمل على كل قول يدحض أي باطل ويدمغه كما في قول الله تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ «٣» فلا بد أن هذا الدين الحق قد اشتمل على كل خير ودل الأمة على ما هو الأصلح لهم في معاشهم ومعادهم وأوضح لهم المنهاج القويم الذي يؤدي بمن سلكه إلى النجاة في الدنيا والآخرة.
وقد وصف الله كتابه المنزل على هذا النبي الكريم بأنه هدى وشفاء قال الله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٤» وهذه الأوصاف الشريفة الرفيعة تقتضي أنه مشتمل على كل خير وأن الشريعة التي اشتمل على بيانها واضحة المنهاج كاملة في أهدافها ومقاصدها وحاجاتها، كما تقتضي من كل المخاطبين اعتناقه وتقبل كل تعاليمه والسير على نهجه وشدة التمسك به رغم ما قد يحصل من عوائق أو ضيق حال أو أذى أو تعذيب في سبيل هذه الشريعة الغراء وذلك ما عمل به الرعيل الأول وصدر هذه الأمة حتى ظفروا بالمطلوب وحصلوا على خيري الدنيا والآخرة.
стр. 47
لقد بين الله تعالى في هذا القرآن أصول الدين وأشار إلى مسائله وقال في حقه وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «١» فعموم قوله تعالى تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ يصدق على أصول الأحكام وأسس العقائد وقواعد الدين وهذا هو السر في وصف الدين بالكمال قال الله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٢» وهذه الآية نزلت في حجة الوداع في آخر حياة النبي ﷺ فقد تضمنت أن هذا الدين قد كمله الله وأتمه وأكمل الشرائع والأدلة وسائر الأحكام فقد بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ما يلزم العباد من الطاعات والقربات التي هي حقوق الله عليهم فبين لهم أولا أنه ربهم ومالكهم، ولفت أنظارهم إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من الآيات وعجائب المخلوقات التي فطر الله جميع الخلق على الاعتراف بأنها صنعه وإبداعه كقوله أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً «٣» . وقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها «٤» الآيات ... إلخ وقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ «٥» ونحو ذلك، ثم بين لهم حيث أقروا بأن ما في الكون كله لله، فهو الخالق المنفرد بإيجاد المخلوقات أنه وحده
стр. 48
المستحق لأن يفرد بالعبادة، فلا يجعل له شريك في الدعاء أو الرجاء أو التوكل أو الخضوع والركوع والسجود أو غيرها من أنواع العبادة، بل على الخلق أن يخصوه بكل أنواع التذلل والإخبات، وأن ينيبوا إليه ويعظموه حق التعظيم، لأنه ربهم وهم ملكه وعبيده وهو المنعم عليهم المتفضل عليهم بجزيل الإنعام، فمتى صدوا عنه وأعرضوا عن عبادته فقد كفروا بربهم وبدلوا نعمة الله كفرا وصرفوا لغيره خالص حقه، لذلك دعا الله العباد إلى عبادته وحده لا شريك له، وكرر الأمر بذلك وأبدى وأعاد في ذلك وضرب لهم الأمثلة، وبكّت أولئك المشركين وبين حال ما عبدوه من دون الله وأنها مخلوقة مثلهم ولا تملك لأنفسها شيئا فضلا عن عابديها كما وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال التي تتضمن إحاطته بالمخلوقات، وعلمه بالأول والآخر وسمعه وبصره المحيط بالقاصي والداني، وكل وصف يقتضي عظمته وكبرياءه وقر به من العباد، ووصف نفسه بالأولية والبقاء والدوام والفضل والإنعام ونحو ذلك مما يستلزم خضوع العباد له، وإنابتهم إليه وإخلاص الدين له، ولما كانت العبادة مجملة لا دخل للعقل في معرفة مفرداتها وأمثلتها تضمن شرع الله ورسالة رسوله بيانها وإيضاح أنواعها فبين لهم العبادات البدنية كالصلاة والصوم والحج والجهاد والاعتكاف في المساجد ونحوها وشرح لهم جميع متعلقاتها وأركانها وشروطها وصفاتها التي تكون بها مجزئة تبرأ بها الذمة وتسلم من العهدة، كما بين لهم النوافل منها، ورغبهم في الإكثار من القربات التي يترتب عليها جزيل الثواب، وهكذا حثهم على العبادات القولية؛ فأمرهم بذكره ودعائه تضرعا وخفية، وبتلاوة كتابه، وبالدعوة إلى دينه، كما أمر بأداء العبادات المالية، فأخبرهم بما يجب عليهم في أموالهم من زكاة ونذر وصدقة ونفقة، وبما لهم من الثواب إذا تبرعوا له بشيء من أموالهم فأنفقوه في سبيله، وهكذا أوضح لهم سائر القربات التي هي حقه على العباد، وبها يتحقق وصفهم بالعبودية له وحده. ولم يقتصر على هذا القدر من البيان بل تطرق إلى أمورهم المالية الأخرى، وأوضح لهم وجوه المكاسب ومداخل الأموال، وما يحل منها وما لا يحل وحرم عليهم الكثير من المعاملات التي تحتوى على ضرر بالغير، من مكر ورشوة وربا وغش وسرقة ونهب وغصب إلخ ... وأباح لهم سائر المكاسب التي لا شبهة في حلها وهكذا تطرق إلى بقية الأحكام المالية فأوضح ما يحل منها وما لا يحل ولم يقف البيان الشرعي عند هذا الحد، بل بين الله في رسالة رسوله ﷺ أحكام العقود التي لها صلة بالغير من المسلمين أو غيرهم كعقد الذمة والأمان والصلح والمعاهدات. وعقد النكاح وملك اليمين وما يتصل بذلك للحاجة الضرورية في هذه الحياة إلى أمثال ذلك، وهكذا أيضا شرع الحدود والعقوبات البدنية والمالية لما لها من الآثار الملموسة في استتباب الأمن واستقرار الحياة، فلما كان من طبع الإنسان- إلا من عصم الله- الميل إلى الشهوات والملذات ولو محرمة أو إلى الأشر والبطر أو إلى الظلم والاعتداء أو إلى السلب والنهب والسرقة والاختلاس ونحو ذلك فلو ترك هؤلاء وميولهم لاختل الأمن وعدمت الطمأنينة في الحياة وانتشرت الفوضى، وأصبح الضعيف نهبة للقوي، وسيطر الظلمة الطغاة على البلاد والعباد، وأعلنوا كفرهم وبغيهم وفجورهم، بدون خوف أو مبالاة، فكان من حكمة الرب جل وعلا أن شرع من الزواجر والعقوبات ما يقمع أهل الشرور والمعاصي، فمن ارتد عن دينه وكفر بعد إسلامه لم يقر على ذلك بل حده القتل بكل حال إن لم يتب عن ردته، ومن تعاطى السحر أو الشعوذة أو عمل الكهانة ونحو ذلك شرع قتله قبل أن يستشري فساده في البلاد مما ينافي حكمة الرب تعالى، ومن بغى على إمام المسلمين وخرج عن طاعته وفارق جماعة المسلمين لزم قتاله بعد الدعوة
стр. 49
والمراجعة وبيان أنه إن مات كذلك مات ميتة جاهلية، كما أمر بالصلح بين الطائفتين المقتتلتين وقتال الباغية منهما حتى تفيء إلى أمر الله، وأخبر أنهم مع هذا التقاتل لم يخرجوا عن الأخوة الإيمانية، وهكذا كتب القصاص كما في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى «١» كما كتبه على أهل التوراة في النفس فما دونها، قال تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ «٢» وبين الحكمة والمصلحة في شرعية ذلك كما في قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ «٣» فأخبر أن في شرعية القصاص حفظ النفوس حيث إن القاتل متى تذكر أنه سيقتل أحجم وارتدع عن القتل فتقل هذه الجريمة ويحصل الأمن على الحياة، وهذا هو السر أيضا في شرعية الجزاء الرادع للمحاربين لله ورسوله الذين يسعون في الأرض فسادا وهم الذين يقطعون الطريق ويعترضون سابلة المسلمين في الأسفار لأخذ الأموال أو هتك الأعراض ونيل الشهوات المحظورة شرعا قال الله تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ «٤» وكل ذلك للحفاظ على أرواح الأبرياء والإبقاء على نفوسهم ليهنئوا بالعيش وتقر أعينهم في هذه الحياة ويبعد عنهم كل ما يكدر صفو عيشهم وأمنهم واستقرارهم، فمن ثم يتفرغون للعلم والعمل والتفقه فيما يلزمهم لربهم من الحقوق والعبادات وليقوموا بالواجبات فيما بينهم. وهكذا أيضا تضمنت الشريعة الإسلامية الزجر الشديد عن جرائم الذنوب وكبائر الفواحش كالزنا وشرب الخمر وقذف الأبرياء المحصنين وسرقة الأموال ونحو ذلك فإن جريمة الزنا فاحشة كبرى وفعلة شنعاء تستبشعها النفوس الأبية، وتنفر منها الطباع السليمة الرفيعة، لما فيها من انتهاك الحرمات، وإفساد الفرش واختلاط الأنساب وتفكك الأسر ويسبب ميل الزوجة عن زوجها إلى الأخدان الخائنين في السر، والتقصير في حق الزوج وفي إصلاح بيتها وتربية أطفالها ورعايتها لمن استرعاها الله من أهل بيتها ونحو ذلك من الفساد، ومثل ذلك وأعظم يقع في حق الزوج متى وقع في تعاطي هذه الفاحشة النكراء، فلا جرم أن كانت عقوبة الزنا في هذه الشريعة أعظم من غيرها حيث شرع رجم الزاني أو الزانية مع الإحصان بالحجارة حتى الموت ليتم الزجر والقمع لتلك النفوس المريضة بالشهوة البهيمية، وخص المحصن بالرجم حيث إنه قد كفر النعمة وعدل عن الحلال وتعاطى الحرام برغم ما فيه من إفساد فرش الناس وتعريض زوجته للعهر والميل إلى فعل هذه الفاحشة مع غيره ونحو ذلك من المفاسد بخلاف غير المحصن فإن عقوبته الجلد والتغريب وهي دون الرجم بالحجارة لخفة ذنبه بالنسبة للمحصن لقوة الغلمة والشهوة التي قد تغلبه فيضعف إيمانه وتصديقه بالوعيد عن قمعها فتعرض نفسه الأمارة بالسوء فيقع في هذه الجريمة، وهكذا أيضا عاقب الذين يرمون المحصنات عقوبة شديدة في الدنيا والآخرة فقال وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
стр. 50
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «١» وهذه عقوبات عاجلة وقال تعالى عن عقوبتهم الآجلة إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» الآيات، ذلك أن مقترفي هذا الفعل والذنب الكبير يقدحون في الأنساب وينتهكون الأعراض البريئة، وينشرون لأولئك الأبرياء سمعة سيئة تقشعر منها الجلود، وتنكس منها الرءوس حياء وخجلا مع بعدهم عن تلك الجرائم المزعومة ونزاهتهم عن اقترافها فكانت عقوبة من قذفهم بها الجلد ورد الشهادة، والحكم عليهم بالفسق الذي هو الخروج عن العدالة والطاعة مع استحقاقهم للعن وهو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله، وللعذاب العظيم في الدار الآخرة، ونحو ذلك مما يكون زاجرا لهم عن الكذب والافتراء على المؤمنين والاستهتار والهتك للأعراض فيأمن الناس ويطمئنون في حياتهم وتتم بينهم المودة والإخاء وتزول العداوة والشحناء، مما يكون سببا للتقاطع والتدابر والتهاجر الذي جاء الشرع بالنهي عنه وتحريمه، لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة من اختلال الأمن، ووقوع الفتن، وتسلط الأعداء ونحو ذلك، وكما شرع تعالى عقوبة وحدّا مانعا لمن تعاطى شرب المسكرات بعد أن أوضح تحريم الخمر وما فيها من المفاسد فقرنها بالأنصاب وهي الأصنام وأخبر بأنها رجس أي نجس وقذر حسّي أو معنوي وأنها من عمل الشيطان فهو الذي يزينها ويدعو إلى الوقوع فيها ويوقع بسببها بين المسلمين العداوة والبغضاء ويصدهم بتعاطيها عن ذكر الله وعن الصلاة رغم ما فيها من إزالة العقل الذي هو ميزة الإنسان وفضيلته، فبزواله يكون دون البهائم والسفهاء، ويتصرف تصرف المجانين والمعتوهين، فيهلك الحرث والنسل ويضر بالأنفس والأموال والأهل والأولاد، وما إلى ذلك من المفاسد الكبرى التي تنتج عن تعاطي المسكرات والمخدرات، ولا يقتصر ضررها على الجاني وحده؛ بل يلحق بالمجتمع أجمع إلا ما شاء الله، فلا جرم أن جرّمه، جاء في السّنة جلد شارب الخمر بما يزجره كأربعين جلدة أو ثمانين إن لم ينزجر بالأربعين، بل ثبت في السنة الأمر بقتله إذا أدمن ذلك ولم ينزجر بتكرار الجلد؛ ففي هذه العقوبات والوعيد الشديد عليها ما يكفي في الكفّ عنها وما يحفظ للعقول سلامتها ويبقي بذلك على سلامة التفكير؛ ويكفل للأمة أمنها ورخاءها وسلامتها من الأضرار والشرور الوخيمة والإبقاء على عقول البشر لتصرف تفكيرها فيما يعود عليها وعلى غيرها بكامل الخير والمصلحة وذلك أكبر مثال على كمال هذه الشريعة وتضمنها لمصالح العباد، وهكذا أيضا شرع عقوبة السارق بقوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٣» ذلك أن السارق يهتك الأستار والحروز ويكسر الأقفال ويتسلق الحيطان، ويصعب التحصن والتحرز من شره وضرره، فكانت عقوبته قطع يده، تلك اليد الآثمة المتعدية الظالمة حيث إن جنايته تتوقف على العمل باليد غالبا فكان بقاء هذا العضو المعتدي مما ينشر الوباء ويخل بالأمن والاطمئنان على الأموال المحترمة التي لها وقع في النفوس فأخذها عدوانا وظلما مما يوقع الخوف والقلق في القلوب؛ فشرع إزالة هذا العضو الذي ينشر الوباء والمرض العضال بين الناس، وكما اشتمل الشرع على هذه العقوبات والزواجر التي يحصل بتطبيقها كمال الأمن ورخاء العيش، فقد شرع عقوبات أخرى غير مقدرة بعدد أو نوع تسمى تعزيرا وتأديبا يعاقب بها من اقترف ذنبا أو ارتكب كبيرة لا حد فيها، مما يتعلق بالأديان أو الأبدان أو الأموال، وتتفاوت تلك العقوبات بتفاوت الجرائم والمجرمين، وكل هذه العقوبات- مقدرة أو غير مقدرة- تتضح فيها حكمة
стр. 51
الشرع الشريف ويتضح لكل ذي قلب سليم أنه دين سماوي جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وإلغاء المفاسد وتقليلها. كما أنه أيضا تعرض لشرح الآداب والأخلاق الرفيعة وحثّ على الاتصاف بالسمات الشريفة التى فطرت القلوب على استحسانها وحب من تخلق بها والنفور من أضدادها ومقت أهلها وبغضهم والبعد عنهم، فإن الله تعالى فطر الخلق على استحسان السمات الطيبة التي وجدت أو بعضها قبل الإسلام كأغلب خصال الفطرة التي ذكرها النبي ﷺ بقوله: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة وانتقاص الماء ... إلخ» «١» وفي الباب أحاديث كثيرة بهذا المعنى وهذه الخصال يستسيغها العقل السليم ويشهد بملاءمتها له لذلك يحافظ العقلاء على تطبيقها، وإنما يخالفها من انتكست فطرته فاستقبح الحسن واستلذ القبيح فلا عبرة بهذا الضرب من الناس ولو كثروا أو زعموا المعرفة والإدراك، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وبالجملة فإن احتواء الشريعة الإسلامية على هذه الخصال يفيد كمالها وانتظامها لكل ما يستحسن عقلا وشرعا ولكل ما تتوقف عليه الحياة الطيبة في هذه الدار، كما أن الشريعة لم تتوقف على تبيين العبادات والقربات كما قد يظن ذلك الكثير من الناس؛ بل تعرضت لإيضاح الأمور العادية وأوضحت الصفة الكاملة لاستعمالها، ففي باب الأكل تعرض الشرع لبيان الهيئة المحمودة في ذلك؛ فنهي عن الاتكاء حال الأكل كفعل من يريد الامتلاء من الطعام، وشرع الأكل باليمين تفاؤلا باليمن والبركة، وبالغ في النهي عن الأكل بالشمال تشبها بالشيطان وأعوانه، كما جاء بالأكل بثلاثة أصابع إلا لضرورة. فإن الأكل باليد كلها قد يوجب ترادف الطعام على مجراه فربما أفسده وسبب الموت فجأة، وذلك من باب رعاية نعم الله وإحسان جوارها، وهكذا شرع أن يأكل كل فرد مما يليه ونهى عن الأكل من وسط الصحفة، وعلل ذلك بأن البركة تنزل وسط الطعام، كما أمر بالاجتماع على الطعام وذكر اسم الله عليه وحمده بعد الشبع، ونحو ذلك مما فيه تذكير بعظيم منة الله في تيسيره لأسباب ذلك، ومما يسبب مع الصدق حلول البركة فيه حالا ومآلا، وهكذا جاء بآداب الشّرب المتضمنة لجمّ فوائده والمستحسنة عقلا وشرعا، فنهى عن التنفس في الشراب والنفخ في الطعام كراهة أن يصحبه شيء من الريق فيقذره على غيره، وأمر بالتنفس ثلاثا خارج الإناء، وبمص الشرب دون العب بقوة، وعلل ذلك بأنه أهنأ وأبرأ وتعرض للأواني التي لا يباح استعمالها في الأكل والشرب كآنية الذهب والفضة وتوعد متعاطيها أشد الوعيد لما فيها من الفخر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء، وهكذا شرع للأمة آداب التخلي «٢» وإن كانت مما يحتشم من ذكره، ومن الأشياء التي تلزم الإنسان بحكم العادة ولكن لها آداب وأحكام تدخل بها في عموم الشريعة الإسلامية، وكذا آداب اللبس والخلع فجاء باستحباب لبس البياض من الثياب وأباح غيرها إلا ما استثنى، وأحب لباس القمص ولبس غيره من الأزر والأردية والسراويلات ونحوها، ونهى عن الخيلاء والإسبال في الثياب وبالغ في الوعيد على أهل الخيلاء والترفع على الناس، وأحب أن يرى الله آثار نعمته على عبده في اللباس ونحوه، ونهى عن المشي في نعل واحدة، وحث على التيامن في لباس الثوب والنعل ونحو ذلك وحرم أنواعا من اللباس كالحرير لما فيها من الإسراف والتبذير، وتعجل الطيبات في الدنيا،
стр. 52
وكذلك تدخل الشرع في آداب النوم والجلوس والمشي والسفر وفصل أحكام ذلك وأدخل الجميع في جملة الشريعة الإسلامية. هذا وإن مما يدل على كمال هذه الشريعة اشتمالها على الحث والترغيب في الأخلاق الشريفة والآداب الرفيعة وتنفيره عن أضدادها. فقد رغب في الصدق مع الله ومع عباده فهو السمة العالية التي يحبها كل عاقل من مسلم وكافر ويثق الجمهور بأهل الصدق ويحسنون معاملتهم ومعاشرتهم، كما جاء بالزجر عن الكذب وجعله من سمات أهل النفاق الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وهكذا أمر بالصبر على أداء العبادات وإن ثقلت على بعض النفوس، وأفاد أن الأجر على قدر النّصب، ونهى عن إعطاء النفس ما تميل إليه بمجرد طبعها من الإخلاد إلى الراحة والكسل، وحثّ على قمع النفوس عن تعاطى المحرمات شرعا وبيّن أن صبر النفس عن ميلها إليها فيه ثواب كبير لمن جاهد نفسه وصبر عن تناول ما حرم ربه عليه، كما أن ربنا تعالى جعلنا في هذه الدار عرضة للأخطار والمصائب ابتلاء منه واختبارا ليظهر من يرضى ويسلم ويصبر على أقدار الله، ممن يجزع وتضعف نفسه عن تحمل الصبر والاحتساب، فوعد الصابرين بالأجر الكبير والثواب العظيم بخلاف من جزع ودعا بالويل والثبور فإنه مع فوات أجر المصيبة لا يفيده جزعه ولا يرد فائتا.
وهكذا جاء الإسلام أيضا بإباحة متع الدنيا مع الاقتصاد في ذلك، مما يدل على كماله وتدخله في شئون الناس ومعاملاتهم لبيان الهيئة الرفيعة من أنواع اكتساب المال وإنفاقه، فحثّ على الحرف والصناعات واكتساب المال من وجوهه المباحة للتعفف عن سؤال الناس، وإظهار الفاقة أمامهم مما يضعف النفس ويسقط الهيبة. كما حثّ على القناعة بما رزق الله العبد من ضيق أو سعة، وأخبر بأن الغنى غنى النفس وأن ما أخذ بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذ بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وأوضح أن اليد العليا خير من اليد السفلى، ونحو ذلك من الشيم الرفيعة التي تبعث في النفوس الرضا عن الله في ما وهبه للعبد من سعة أو ضيق ويكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده فلا يستكثر ما قدمه لأخيه وأعطاه لفقير، أو محتاج أو وهبه لابن سبيل، أو في سبيل الله حيث أيقن بأن ربه يحب منه ذلك وأنه يخلفه له بخير منه عاجلا أو آجلا، فهان عليه ما بذله لله من صدقة وصلة رحم وقرى ضيف ووقف على جهة بر ونحو ذلك من صفات أهل الكرم والسخاء، والجود بما في اليد ثقة بالله وطواعية له بل إنه قد يواسي بما في يده أو يؤثر على نفسه كما وصف الله تعالى حال الأنصار وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، ولكنه جاء مع ذلك بالحث على الاقتصاد وشدد في ذم المسرفين وأهل التبذير وإفساد المال وإنفاقه في الباطل أو فيما لا فائدة فيه وأخبر بأن المبذرين إخوان الشياطين، والمراد البذل في الحرام أو ما هو ضار قادح في الدين أو التعدي في الإنفاق في الشهوات والملذات فوق الحاجة مما يتضمن الإتلاف للأموال في غير طريقها. وهكذا جاء الشرع الشريف مرغّبا في حسن المعاملة مع الأفراد والجماعات؛ فحثّ على اختيار الرفقاء الصالحين، ونفر من قرناء السوء، ورغب في زيارة الإخوان والأنس بهم، وأخبر بأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من صاحب العزلة؛ فإن الأول ينفع الناس ويرشدهم ويتحمل ما ناله في ذات الله من إساءة وضرر، كما أن القصد الأعلى من هذا الاختلاط نصحهم عموما، وهدايتهم إلى سبل السلام، ودلالتهم على كل ما يعود عليهم بمصلحة في دينهم ودنياهم، وإعانتهم على البر والتقوى، وأمرهم بكل معروف ونهيهم عن المنكرات شرعا وعرفا، وهكذا جاءت الشريعة بالشفقة على الخلق ورحمتهم وأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإذا
стр. 53
اشتكى رأسه اشتكى كله وشبهوا بالبنيان يشد بعضه بعضا، وكان من آثار ذلك قضاء حوائجهم وتفريج كرباتهم، وكل ما فيه جلب الراحة والطمأنينة لهم، مع الحرص على إزالة الوهن، والتقاطع الذي يحصل بينهم لتصفو القلوب وتحصل لهم راحة النفس في هذه الحياة، وحث على بر من له زيادة حق لقرابة أو جوار فأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار وصدق المؤاخاة والشفقة على الأولاد وما يتبع هذا البر والإحسان من نفقة ومواساة وإيثار وطاعة وخدمة بقدر المستطاع، كما حذر أشد التحذير من الإساءة إلى الوالدين وعصيانهما، وقطيعة الرحم، بل أخبر بأن من وصل الرحم وصله الله ومن قطعها قطعه الله، كما أمر الإنسان بالصبر على ما يناله من جفوة أقاربه وإساءتهم، وأخبر بأن حق الأبوين لا يسقط ببقائهما على الكفر، فأمر بصحبتهما بالمعروف، ولكنه نهى عن التنزل على رغبتهما في الرجوع إلى الشرك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وجعل العقوق في المرتبة التي تلي الشرك بالله وألحق به من يتسبب في جلب الشتم والمسبة لأبويه، وأخبر بأن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم، وحذر من التهاجر بين المسلمين لأجل الحظوظ الدنيوية، لما ينتج عنه من تفرق الكلمة واختلال الأمن وفقدان الثقة بين المسلمين.
ولما كان هناك غالبا أفراد في المجتمع يستحقون زيادة عطف وإحسان لأسباب خاصة. فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث على برهم ورحمتهم والشفقة عليهم، وحثّهم أنفسهم على الرضا والاستسلام بما قدره الله لهم، وما أصابهم من نقص وعاهة كما ورد في الحديث «إن أهل الجنة كل ضعيف متضعف» «١» وأن عامة من دخل الجنة هم المساكين وقال «٢» ﷺ : «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» «٣» وحث على كفالة اليتيم ورعايته والرفق به وعلى مراعاة المساكين والمستضعفين والتفطن لأحوالهم والصدقة عليهم وتخفيف ما يجدونه من ضيق وشدة وهمّ وحزن وجعل الجزاء من جنس العمل في ذلك. ففي الحديث «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» «٤» ، ونهى الله نبيه ﷺ عن طرد المستضعفين من مجلسه وأمره بالصبر معهم في قوله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ «٥» ، ولما رأى بعض الصحابة- رضوان الله عليهم- أن له فضلا على من دونه قال له النبي ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» «٦» ، وكل هذه الخصال من شعائر الإسلام.
ومما يدل على كمال الإسلام واشتماله على كل مصلحة وخير ونفع للأفراد والجماعات، أن الشرع الشريف حث على الشيم والأخلاق النبيلة التي تعترف العقول بمعرفتها وتشهد بحسنها وحسن آثارها وما لها من الأثر الفعال في النفوس مما يوافق مقصد الشريعة، وكما أمر بالتواضع ولين الجانب سيما مع الضعفاء والخاملين والمساكين، ونهى عن ضد ذلك من التكبر والتجبر واحتقار المسلمين وازدرائهم، ومن الإعجاب بالنفس والترفع على الخلق، وفسر الكبر
стр. 54
بأنه بطر الحق وغمط الناس، فإن الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، كما في قوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «١» ، وكما في الحديث «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد» «٢» بل أخبر بأن التواضع لعباد الله سبب للرفعة وعلو الرتبة عند الله وعند الناس وقال «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» «٣» . فهذه إشارة إلى كمال الشريعة وإلى ما اشتملت عليه من الخصال الحميدة والأخلاق والآداب الرفيعة التي تسمو بمن تخلّق بها إلى أرفع المنازل وما حذرت منه هذه الشريعة من الأخلاق الدنيئة الذميمة، التي تدنس الأعراض وتوقع في العار والشنار، ولقد أكثر العلماء قديما وحديثا من الكتابة حول خصال الإيمان والدين التي تجب أو تستحب، وسموها آدابا شرعية وخصالا دينية، وأدخلوا في ذلك العادات القديمة التي أقرها الإسلام أو أثنى على فعلها كالجود والكرم والصدق والوفاء والبر والصلة والسلام والتحية والتراحم والتعاطف والتزاور ونحوها، وقد توسع في ذلك ابن عقيل الحنبلى في كتابه المسمى بالفنون، حيث جمع فيه ما أدركه من فنون العلم بجميع أنواعه ولكنه لم يوجد كاملا، وقد ألف الكثير من الأئمة في الأخلاق والآداب، وشعب الإيمان، وهكذا كتبوا في الخصال المذمومة وكبائر الذنوب وأنواع المعاصي والمحرمات، وكل من ألف في ذلك فإنما كتب ما يناسبه ولكل مجتهد نصيب. ولا شك أن شريعة الإسلام قد تضمنت كل ما تمس إليه الحاجة البشرية، وأن جميع الخصال التي تهدف إليها يعرف عند التأمل ملاءمتها ومناسبتها، ولذلك يحتاج إلى الاستقصاء في جمع أنواع العبادة، وما ورد الأمر به من القربات، وما نهى عنه مما يخالف أهداف تلك الخصال، وذكر أدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، مع ذكر معانيها ونتائجها مما يفيد المسلم وطالب الحق علما وسعة اطلاع.
هذا وقد اطلعت على مقدمة هذه الموسوعة الكبيرة التي احتوت على ما أمكن جمعه من أنواع القربات وأسماء العبادات، وأسماء ما يضادها وما ينهى عنه، وأعجبت كثيرا حيث استوعبت ما أمكن إيراده من خصال الخير والأخلاق والقربات، وكل ما ورد له ذكر في الشريعة من تلك الأسماء التي استعملها الرسول ﷺ بوحي من ربه، وبين المراد بها وفائدتها وأثرها، وحيث رتبت على الحروف ترتيبا محكما لا خلل فيه ولا خطأ، وبدأ بالتعريف لكل خصلة بذكر معناها اللغوي والشرعي، وبيان ما يدخل فيها شرعا وما تتضمنه، ثم بذكر الآيات التي وردت فيها لفظا أو معنى، وكذا ذكر الأحاديث المرفوعة مع تخريجها بدقة واستيفاء، مع ذكر مواضع تلك الأدلة ومراجعها، وهكذا ذكر الآثار الواردة في مدح تلك الخصلة وفائدة العمل بها أو تركها ومضرة المخالفة فيها وما إلى ذلك مما يجده القارئ في هذه الموسوعة، ولا شك أنه جهد كبير وعمل واسع، يستدعي بذل الوسع، والحرص على الاستقصاء، ولذلك استغرق الجمع والبذل والكتابة فيها وقتا طويلا رغم توافر الجهود، وكثرة الباحثين، حتى أنتجوا هذا العمل المشكور الذي يرجى نفعه إن شاء الله للمبتدئ والمحتذي، والراعي والرعية، والفرد والمجتمع، حيث يجد الطالب فيها بغيته، ويعثر على مطلبه بأيسر الوسائل وفي أسرع وقت، فيستفيد في نفسه ويتزود من العلم النافع ما يكون زادا له في دار الدنيا ويوم
стр. 55
المعاد، فإن بحث عن العبادات والقربات وجد طلبته، فيجد في باب العقيدة الإيمان والإخلاص والاعتصام والإسلام والإحسان والتوكل والخوف ونحوها، ويجد أنواع التوحيد كالدعاء والرجاء والاستعانة والإنابة، والتوبة والاستغفار وما أشبهها، ويجد من الأعمال الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وما يلحق بها، وهكذا ما يتعلق بحقوق العباد كالبر والصلة والصدق والسخاء وأشباه ذلك، وهكذا إن أحبّ معرفة المحرمات والمنكرات كالشرك والقتل والزنا والسرقة والكذب والربا والإلحاد والبغي والكبر وما يلحق بها، فجزى الله من فكر في جمع هذه الموسوعة أحسن الجزاء، فلقد أراحوا طالب الاستفادة من كثرة العناء في البحث والتنقيب في أمهات كتب الأحكام، وكتب الفضائل وكتب الآداب، وكتب الأوامر والنواهي والزواجر ونحوها، وأحالوا القارأ إلى الأماكن التي توسع مؤلفوها في تلك المسائل بإيراد النقول والآثار والعلل والأحكام والمنافع والمضار، فنوصي طالب العلم بالحرص على اقتناء مثل هذه الموسوعة الطيبة المباركة، ومراجعتها عند الحاجة والاستفادة منها، وشغل أوقات الفراغ بمطالعة ما تيسر من الأبواب والمسائل، فهي مرجع أساسي للدعاة والمصلحين، والخطباء والوعاظ، والمفتين والقضاة واللغويين وغيرهم، ولا شك أن الفائدة كبيرة حيث يتزود هؤلاء من الآيات القرآنية التي تتعلق بذلك الموضع ولو بالمعنى، وكذا الأحاديث النبوية والآثار والنقول والفوائد فالمطالع لتلك المسائل لا بد أن يكون لديه حصيلة وافرة يظهر أثرها في أعماله وأقواله، ويتعدى ذلك إلى ولده وجليسه، ويزداد دائما علما وفهما، ومع ذلك فلا بد من حسن المقصد، وإصلاح النية في القراءة والاستفادة والإرشاد والتعليم، فبذلك تكون الجهود مفيدة والأعمال مقبولة، هذا وإني أشكر الأخ عبد الرحمن بن محمد بن ملوح الذي أتاح الفرصة لكتابة هذه الصفحات في مقدمة هذه الموسوعة مع اعترافي بالقصور والضعف في الإنتاج، ولكن ذلك من باب المساهمة في فعل الخير، وأعرف باطلاعي على هذه الموسوعة ما وصل إليه الأخ عبد الرحمن ومن ساعده في إبراز هذا الجهد، وما هو متمتع به من الفكر والإدراك، والغوص على درر المعاني وإبراز المعلومات، ومعالجة الأمور التي تمس إليها الحاجة، ويحصل منها النفع العام للصغير والكبير والذكر والأنثى، في زمن كثرت فيه العوائق وانشغل الأبوان بشئون الحياة، وأكب الجهال والعوام على الملهيات والخرافات واستصعبوا نيل المعلومات، وإخراج المسائل، وتحصيل الفوائد، ولعل في شغلهم بهذه العلوم النافعة ما يكون منبها لهم إلى الرجوع قليلا حتى يعرفوا ويتصورا ما بذله الأولون من جهود جبارة في رصد العلوم وتدوينها، وتقريبها وتهذيبها وأنهم حازوا قصب السبق، فيقبلوا على العلم والاستفادة، ويتبعوا العلم بالعمل الصالح، فهو الثمرة والنتيجة المطلوبة، والله الموفق والمعين، ونسأله سبحانه أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا، ويرزقنا جميعا الفهم عنه والإخلاص له في الأقوال والأعمال، ونسأله أن يمكن لنا ديننا الذي ارتضاه لنا ويصلح أحوال المسلمين، ويولي عليهم خيارهم، ويعز الإسلام والمسلمين، ويذل الكفر وأهله إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
١٠/ ١١/ ١٤١٦
هـ.
كتبه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
стр. 56
تقديم فضيلة الشيخ الدكتور/ صالح بن عبد الله بن حميد
إمام وخطيب المسجد الحرام وعميد كلية الشريعة بجامعة أم القرى سابقا المنهج العلمي للموسوعة الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، أرسله على حين فترة من الرسل وحاجة من البشر، بعثه بالدلائل الواضحة والحجج القاطعة والبراهين الساطعة. أيقظ به العقول من سباتها وصرف به النفوس عن أهوائها فكان ﷺ بإذن ربه مصدر خير ومبعث نور وشمس هداية، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ودعا إلى الحق، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه حيّا وميتا أفضل صلاة وأطيب سلام وأزكى بركة. نشر الله محبته ورفع في أعلى عليين درجته وصلى ورضي على آله وأصحابه وورثة هديه من العلماء العاملين والدعاة المصلحين الذين فقهوا دين الله وأدركوا مراميه وفهموا مقاصده واستنوا بهديه وعملوا بأحكامه ودعوا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وبذلوا أنفسهم ونفيسهم فهدى الله بهم العباد وفتح على أيديهم البلاد.
أما بعد فإن أولى ما اختاره الإنسان لنفسه بعد إيمانه بربه أن يكون مرتاضا بمكارم الأخلاق ومحاسنها متجافيا عن سيئها متنزها عن سفسافها آخذا في جميع الأحوال بالفضائل، عادلا في كل أفعاله عن طرق الرذائل، يجعل مقصده اكتساب كل شيمة سليمة من المعايب، ويصرف همته إلى اقتناء كل خيم «١» كريم خالص من الشوائب، يبذل جهده في تجنب كل خصلة رديئة ويستفرغ وسعه في اطراح كل خلة ذميمة، فيحوز الكمال بتهذيب خلائقه، ويكتسي حلل الجمال بدماثة شمائله.
وإن المبتديء في تطلب هذه المرتبة والراغب في بلوغ هذه المنزلة ربما خفيت عليه الخلال المستحسنة التي يعنيه تحريها وقد تلتبس عليه الصفات المستقبحة التي غرضه توقيها.
ويزداد الغموض ويغلظ اللبس في هذه العصور المتأخرة التي تعيش الأمم في أغلبها حياة مادية مظلمة يتنكرون فيها للدين ويسخرون من القيم، ابتلوا فيه بما ينهك الروح ويرهق الأعصاب، إيغال في التقدم المادي مظلم وحضارة عند العقلاء حمقاء، انفلت فيها زمام العقل والخلق، وطغت في جنباتها ظلمات الإلحاد وانطفأ في
стр. 57
أرجائها نور الإيمان وانحسرت القيم الخلقية فلم يعد لها في موازين الناس حساب.
من المؤسف حقّا أن تكون هذه هي الصورة في أغلب مجتمعات اليوم وشعوبه إلا ما رحم ربنا.
ولكن الإسلام دين الله الحق- قرآنا وسنة- قد جعل لمهمة تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس واكتساب الفضائل مكانة كبرى ورتبة عليا ومقاما ساميا.
ولا بد في هذه المقدمة من وقفات مع الإسلام ونبي الإسلام، نوضح فيها هذا المقصد من خلال النظرة القرآنية ومقاصد البعثة المحمدية.
إن من حق قرآننا علينا أن نتدبر معانيه وأن نفهم مقاصده. ففيه ما يدل على هذه الأخلاق وتهذيبها ويرشد إلى الآداب الإسلامية واكتسابها، فهي أمور محكمة وآداب لكل خير جامعة.
ذلك أن القرآن هو كتاب الله الخالد ومعجزة رسوله الباقية ونعمته السابغة وحجته الدامغة وهو ينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر وبحر لا يدرك غوره ولا تنفد درره ولا تفنى عجائبه ولا تقلع عن الغيث المدرار سحائبه ولا تنقضي آياته. أنزله ربنا لنقرأه تدبرا ونتأمله تبصرا ونسعد به تذكرا ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه وكلما ازدادت البصائر فيه تأملا زادها هداية وتبصرا. أنزله ربنا وصرّفه وعدا ووعيدا وأمرا ونهيا وترغيبا وترهيبا وتشريفا وسياسة وحكمة وعلما ورحمة وعدلا واشتمل على أصول العقائد وقواعد الأحكام ودعائم الأخلاق.
وهذه إشارة لنموذج قرآني من حشد الوصايا الأخلاقية حثّا على المحمود وتنفيرا من المذموم انتظمت في سورة واحدة وسياق متتابع، يقول سبحانه: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً* وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً* وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً* إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً* وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً* وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا* وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً* وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا* وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا* وَلا تَقْفُ ما
стр. 58
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا* وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً* ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً «١» .
إن المتأمل في هذه الآيات القرآنية يدرك غاية القرآن وتركيزه الشديد على بناء الشخصية الإسلامية على أساس من القيم الأخلاقية الرفيعة تركيزا يبتديء من تصحيح العقائد وتطهير النفوس من درن الشرك والجاهلية والتحلي بالعلم الصحيح وتنظيم العلائق الاجتماعية والهداية إلى السداد من القول والعمل.
وهكذا يتجلى القرآن العظيم إرشادا لمحجة وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة وإرشادا من غي وبصيرة من عمى وحثّا على تقى وحياة للقلب وغذاء للروح ودواء وشفاء وعصمة ونجاة.
نعم إن إدامة النظر وإطالة التدبر في هذا القرآن العظيم تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغايتهما وثمراتهما ومآل أهلهما وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه. هذا عن القرآن.
أما نبي الإسلام محمد ﷺ فمن المعلوم كل العلم أن أي حياة فاضلة لابد لها من رائد كما أن الأحياء الأتقياء لا غنى لهم عن أسوة وقائد. ومن غير رسول الله ﷺ رائد للحياة وقائد للأحياء؟ إنه الموجه إلى الخير الهادي إلى البر الداعي إلى أكرم طريق، هو الرائد الأمين والمبلغ المبين والبشير النذير والسراج المنير، جاء بالدين الحق والإسلام الخاتم والشريعة الخالدة لتنظيم أمر الحياة والأحياء انتظاما كاملا ولضبط العلائق فيما بينهم أفرادا وجماعات وحكاما ومحكومين.
إن الدين الذي جاء به محمد ﷺ عقيدة استعلاء من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن إحساس العزة من غير كبر وعلو الهمة من غير بطر وروح الثقة في غير اغترار وشعورا بالأمان والاطمئنان من غير تواكل.
دين يشعر أتباعه بالمسئولية الملقاة على عواتقهم وتبعة الأمانة في الاستقامة على الحق والدعوة إليه في المشارق والمغارب.
لقد جاء محمد ﷺ بدين الإسلام من عند ربه الذي رضيه وأكمله وأتم به نعمته الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٢» .
وبكماله وتمامه بلغه ﷺ إلى الأحمر والأسود وعلمه أصحابه لتلاميذهم من التابعين في أرجاء الأرض وأقطارها قرنا فقرنا فتلقاه العربي والأعجمي والقريب والبعيد فعرفوا فيه نظام الحياة المتكامل الجامع بين العدل
стр. 59
والرحمة والحق والقوة وعلى دعائمه قامت أعظم قواعد الأخلاق ومباديء السلوك وفي مثل هذا يقول رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» «١» .
إن الناظر والدارس لهذا الدين يرى ذلك الفيض الغامر وذلك التراث الثر من التربية والتعليم والإصلاح والتقويم في توجيه واسع وشامل في القول والعمل والفرد والجماعة حتى تحقق وصف الله في نبيه ﷺ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.
ولقد طال الأمر على المسلمين واشتد مكر أعدائهم فصار كثير منهم إلى حال من المسخ والتشويه والضعف والهوان في رقعة من الأرض ذات اتساع جغرافي وتكاثر سكاني لكنهم يجهلون كثيرا من حقائق الإسلام عقيدة وشريعة وأدبا وخلقا، يعيشون في أمشاج من الأساطير والخيالات وضعوها لأنفسهم بجهالاتهم وبعدهم عن المصدر الحق، وقد يكون منها ما وضعه أعداؤهم من أجل المباعدة بينهم وبين الصحيح من الدين. فاستمرءوا الذل والضعف واستوبئوا «٢» العزة والقوة ونزلوا عن كرامتهم وشموخهم الإسلامي ليقتاتوا بقوت متعفن من بقايا موائد الحضارة المادية. وهذا ما حاق بهم في أوطانهم فاستعبدتهم أمم لا تذكر معهم في حساب العد والإحصاء.
وعند النظر والمقارنة بين الواقع والمثال، الواقع المر والمثال النموذجي الأسوة ولأن المصدر باق محفوظ بحفظ الله. فقد توجهت همة بعض الأفاضل والغيورين للقيام بعمل لعله أن يكون من اللبنات الصالحة التي يقوم عليها إعادة بناء الأمة على المنهج الحق. إنه عمل موسوعي في منهج الأخلاق نظرا وتطبيقا. عمل يرجى أن تنعكس نتائجه على ذوي الشأن من المربين والمتعلمين.
عمل حرص على أن يتخذ من رسول الله ﷺ الأسوة والقدوة، فالمسلمون منذ أن أظلهم الله بظل الإسلام قد شغفوا بجمع كل ما يتصل بنبيهم محمد ﷺ ومكارم أخلاقه وشمائله ثم مضوا يتدارسون هذا الذي جمعوه يفيضون فيه ويستلهمون منه.
وإن متغيرات الحياة وطرائق التفكير المستجدة وتكاثر قنوات المعلومات والمعارف جعلت من العزيز والشاق أن يستفيد طالب الاستفادة من خضم هذا الفيض الغامر. ليخرج بدراسة جامعة منظمة تتسق مع متغيرات العصر وتنظيماته العلمية.
إنها دراسة موسوعية قصد بها توثيق الاتصال بحياة الحبيب المصطفى محمد ﷺ في سيرته والارتباط بمكارم أخلاقه وتجمع له الشتات المتوزع في شتى المصادر والمراجع.
إنها دراسة شاملة تعني ببيان محمود الأخلاق ومذمومها وتشحذ الهمم نحو سمو أخلاقي يحقق أهدافا
стр. 60
سامية لعل فيها طريقا للنجاة ومسلكا للخير والسعادة والعزة والقوة.
عمل علمي يرجى أن يسترشد به من كانت له همة سنية تسمو به إلى مباراة أهل الفضل ونفس أبية تنبو به عن مساواة أهل الدناءة والنقص.
وإليك- رعاك الله- بعض التفاصيل عن إعداد هذا العمل وطريقة الاستفادة منه ومراحل تنفيذ هذه الموسوعة:
الموسوعة مصطلح معاصر تعني في مدلولها جمع المعارف في فن معين أو فنون متعددة طبقا لخطة إخراج خاصة تنتج حصيلة ضخمة من المعلومات بين يدي القاريء متخصصا أو غير متخصص على حد سواء.
وثمت خطتان غالبتان لتحرير الموسوعات:
إحداهما: تبني أسلوب تجميع المعلومات حسب وحدة الموضوع بحيث تقدم عرضا شاملا له.
ثانيهما: اعتماد الحروف الأبجدية ومن ثمّ تتوزع المعلومات في خانات وجداول ترتبط بنوع الحرف من غير رعاية لوحدة الموضوع الشاملة.
وقد جرت هذه الموسوعة على الطريق الثاني تمشيا مع طبيعة غرض هذه الموسوعة وتحقيقا لغاية الواضعين.
وهي في ذات الوقت أسهل لتناول القاريء لمواد الموسوعة.
وفكرة الموسوعة وليدة نظر الأخ عبد الرحمن بن محمد بن ملوح، الذي عرضها عليّ فتبلورت الفكرة لدينا، وأخذت مسارها العلمي دراسة وبحثا ومنهاجا وتم وضع المنهج الذي سوف يوصف لك لاحقا.
ولقد مرت الموسوعة في فترة إعدادها بمراحل من الطروحات وألوان من الصعوبات جلبت معها اختلافات في وجهات النظر بين الباحثين في بعض مواقع الدراسة وأساليب البحث ومعالم المنهج ولكنها مع الزمن والخبرة انصهرت لتتبلور في المنهج الذي تراه بين يديك. وما كان ذلك إلا بتوفيق الله أولا ثم الإخلاص وحسن القصد مع اجتماع الإرادة على تقديم عمل نافع للناس وخادم للعلم بإذن الله.
لا سيما إذا علمت- حفظك الله- أن مادتها قد تم استعراضها وقراءتها قراءة متأنية وأعيدت صياغتها أكثر من مرة أمام المشرف والباحثين مجتمعين في جلسات منتظمة. ولا يدّعي معدوها أنها بلغت الكمال، فالكمال لله وحده ولكنها لقيت من العناية والدقة والمتابعة ما يؤكد احترام القاريء والباحث، وإن عملا واسعا مثل هذا لا يسلم من نقد ونظر بل من اختلاف الأنظار فيه ولكن المرجو ممن يجد خطأ أو يستحسن فكرة أن يبعث بها مشكورا مثابا لعله يمكن تلافي النقص ومقاربة التسديد في طبعات قادمة، ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا.
стр. 61
الغاية والهدف:
الغاية المقصودة والهدف المتوخى من هذا العمل يتمثل في جملة من العناصر أهمها:
١- الدلالة على معالي الأمور والإرشاد إلى كريم الأخلاق والتوجيه إلى صواب التقدير وحسن التدبير في بناء الإنسان وعمارة الأرض والقيام بمهمة الاستخلاف.
٢- الاستيعاب قدر الإمكان وحسب الطاقة لأصول الأخلاق ومبادئ المكارم بقصد التذكير والتأسى والمراجعة.
٣- إبراز لون من ألوان السيرة المحمدية وإظهار الجانب التطبيقي من خلال المأثور من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وجبلته.
٤- تقريب النصوص والمصادر للمهتمين من العلماء والدعاة والمربين لطريق المنهج الموسوعي حسب ما تقتضيه متطلبات العصر ومتغيراته.
٥- دعوة العقل الإنساني بعامة إلى ميادين الفكر الفسيحة في ظل الحقيقة الإسلامية الشاهدة من خلال قيمها الأخلاقية وفضائلها.
أصول البناء في هذه الموسوعة علما ومنهجا:
استغرق العمل في هذه الموسوعة تسع سنين متواصلة وضمت بين صفحاتها وأعمدتها من الصفات ثلاثمائة وإحدى وستين صفة في محمود الأخلاق ومذمومها.
ولقد كانت خطة العمل في هذه الموسوعة طموحة ودقيقة وهي ثمرة مجهودات متضافرة وعمل دءوب تقبله الله بقبول حسن بمنه. واشتملت الخطة وأصول البناء على الخطوات التالية:
أولا: مقدمة عامة في الأخلاق: تعريفها- أنواعها- أهميتها في الحياة الإنسانية.
ثانيا: العناية بإبراز علاقات الإنسان بربه وبنفسه وبغيره.
ثالثا: إبراز الجوانب الأخلاقية في حياة الرسول ﷺ وقد استدعى ذلك الحديث باختصار عن:
أ- نبذة مختصرة في السيرة النبوية.
ب- إفراد مبحث خاص في فضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
رابعا: إيراد الصفات المحمودة من الأخلاق وضدها من الصفات المذمومة ومحاولة الاستيعاب قدر الطاقة لأصول الألفاظ والمعاني حسبما اقتضتها طبيعة البحث وتوافرت فيه المعلومات، وهذا العنصر هو المقصود الأعظم من هذه الموسوعة.
وقد سلك في كتابة الصفات وصياغتها الخطوات التالية:
١- روعي في الصفات المحمودة والمذمومة ترتبيها على حروف المعجم.
стр. 62
٢- استوعبت الموسوعة في كل صفة من صفاتها: التعريف اللغوي والاصطلاحي والنص القرآني، والحديث النبوي، والآثار سواء ما ورد من ذلك باللفظ أو بالمعنى، وما ورد من أقوال المفسرين ومأثور الحكم شعرا ونثرا مما يتعلق بالصفة وملخص لفوائد الصفات المحمودة ومضار المذمومة منها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر صفة «التقوى» مثلا سوف ترى في مادتها: تعريفا لغويّا حيث تم الرجوع إلى كتب اللغة المعتمدة في هذا الشأن مثل الصحاح للجوهري، وتاج العروس للزبيدي، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والنهاية لابن الأثير، ولسان العرب لابن منظور والمصباح المنير للفيومي، فضلا عن كتب المعاصرين، وأما التعريف الاصطلاحي فيرجع فيه إلى كتب التعريفات مثل تعريفات الجرجاني والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي، إضافة إلى ما في كتب الشروح والأحكام والسلوك، ثم بعد التعريف اللغوي والاصطلاحي أورد الباحثون نقولا تبرز حقيقة التقوى وثمراتها في الدنيا والآخرة ثم بعقب ذلك كله:
- الآيات القرآنية الواردة بلفظ التقوى.
- الأحاديث النبوية الواردة في التقوى لفظا.
- الأحاديث النبوية الواردة في التقوى معنى.
- المثل التطبيقي من حياة الرسول ﷺ في التقوى.
- الآثار من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان والتي تحث على التقوى وتبشر بموعود الله للمتقين.
- فوائد التقوى.
هذا بالنسبة للصفات المحمودة، أما الصفات المذمومة فتصنف وفق التصنيف الأول باستثناء المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ .
٣- روعي الاختصار والتركيز في التعريف اللغوي واشتقاقات الكلمة واستعمالاتها.
٤- روعي عند التعريف لكل صفة ذكر مرادفات هذه الصفة في الهامش وما اشتملت عليه من مباحث- مثال ذلك:
من الصفات المذمومة «صفة سوء المعاملة» ستجد في هامشها (المعاملة، سوء المعاشرة، سوء معاملة البهائم) » .
٥- ذكر في بعض الصفات بعد التعريف اللغوي نقول مهمة تزيد من تعريفها وتوضح المراد منها وتبيّن أقسامها وصلتها بغيرها من المواد.
٦- وضع عناوين جانبية لبعض النقول.
٧- نظرا لأن العمل موسوعي ومقصوده تقريب المادة للقارىء والباحث، فقد حرص معدّو الموسوعة على إيراد النقول كاملة بنصها من مصادرها ولم يتصرفوا فيها إلا بقدر ما يحفظ الانسجام وترابط المعنى.
стр. 63
٨- استوعب معدو الموسوعة جميع الآيات القرآنية التي وردت بلفظ الصفة موضوع البحث ثم اكتفوا بإثبات الآيات التي تغطي جوانب الصفة وتتناسب مع حجمها.
٩- عزو الأحاديث إلى مصادرها من دواوين السنّة المشهورة فما كان منها في الصحيحين أو أحدهما فأمره ظاهر ويكتفي به عن العزو إلى غيرهما ما لم يكن اللفظ المستشهد به عند غيرهما وما كان في غير الصحيحين أو أحدهما فقد اعتمد معدو الموسوعة تصحيحات ذوي الشأن والاختصاص من أهل الصنعة الحديثية، علما بأنه إذا نقل عن بعض أئمة أهل الصنعة الحديثية مثل الحافظ الهيثمي أو الحافظ المنذري قولهم في حديث رجاله ثقات أو رجاله رجال الصحيح فإن ذلك لا يعني بالضرورة الجزم بصحة الحديث.
١٠- صنفت الآيات القرآنية وفقا للمعنى العام الذي تندرج فيه وذلك بالاعتماد على كتب الوجوه والنظائر من ناحية، وكتب التفسير من ناحية أخرى، وقد روعي في كل مجموعة على حدة تسلسل الآيات كما وردت في المصحف الشريف.
١١- رتبت الأحاديث وفقا للمنهج العلمي الذي يراعي الأحاديث الواردة باللفظ أولا ثم الأحاديث الواردة بالمعنى ثانيا، وأخيرا الأحاديث الواردة في المثل التطبيقي.
١٢- قد يرى القاريء أن بعض ما أورد من الأحاديث باللفظ في دلالته على المطلوب بعد، غير أننا أوردناه حرصا على الاستيفاء واحتراما لمشاركة القاريء في الفهم.
١٣- يذكر الحديث الطويل بتمامه عند أول وروده ثم يكتفي بإيراد الشاهد في المواطن الأخرى مع الإحالة إلى الموضوع الأول.
١٤- الصفة إذا تكاثرت فيها النصوص وتشعبت فيها المعاني مما لا يقبل علميّا ولا منهجيّا- استيعاب كل ما ورد فيها فإن الموسوعة اكتفت بإيراد حديث في كل فرع أو شعبة (كالطهارة) مثلا، فإن من موضوعاتها وتفريعاتها «الاستنجاء- الوضوء- الحيض» مما استوعبته كتب الأحكام.
١٥- يلاحظ في الاستدلال في النصوص اللفظية على الصفة أن تكون دالة على المراد مدحا أو ذمّا.
١٦- أوردنا في كل صفة النصوص التي تفيد الترغيب والترهيب والثواب والعقاب والتي تظهر الفضائل وتنهى عن الرذائل.
١٧- بعد ذكر الأحاديث التي وردت باللفظ والمعنى في الصفات المحمودة فقط عقبنا ذلك ببعض الأمثلة التطبيقية من حياة رسول الله ﷺ إن وجدت-.
١٨- بيّنا في الهوامش ما ورد في الحديث أو الأثر من الغريب.
١٩- نقل جميع معلومات الموسوعة بأمانة ودقة حسب الطاقة، ولم يتم التصرف إلا في أضيق الحدود.
٢٠- روعي ترتيب الآثار حسب وفيات من نسبت إليهم.
стр. 64
الخاتمة
وفي الختام وبعد أن استوى هذا العمل على سوقه، لعلك سوف تجد نفسك قارئنا الكريم أمام صورة مشرقة تعكس أصالة ذلك التراث العظيم وتوضح في جلاء أن الشريعة الإسلامية حفلت بقيم خلقية عالية كان لها شأن بعيد وأثر حميد في تربية النفوس وإصلاحها وتقويم الأخلاق وتهذيبها.
لذا كان لزاما على حملة شريعة الإسلام أن يدرسوا الحياة العالمية وأن يعدوا أنفسهم لهذه الدراسة الواسعة العميقة ليتعرفوا على مشكلاتها وأسبابها، وما جد فيها، وعليهم أن يقوموا بالتوجيه الصالح الرشيد بعرض مبادىء الإسلام عرضا جذابا، وحمل رسالة الحق والخير وتأديتها إلى الناس كافة أداءا رغيبا صالحا، يدفع دعوة الإسلام إلى الآفاق الرحبة ويبين سماحتها وسمو مقاصدها، وهذا واجب كل مؤمن بعامة، وواجب العلماء بخاصة، فإذا نهض للقيام بهذا الواجب طائفة فقهت الإسلام وشرائعه. ودارسو الإسلام مطالبون أشد المطالبة بالقيام بعمل جاد قوي حتى تتاح الفرصة من جديد أمام العقل الإسلامي الحائر لفهم الإسلام فهما صحيحا، يعم مشارق الأرض ومغاربها بروح سمح «حنيفي» يقدر الواقع، ويقف معه وجها لوجه يعالجه ولا يتهرب منه.
وكان من أعظم واجبات المسلمين في هذا العصر أن تتضافر جهودهم على إعانة القائمين به حتى تتاح الفرصة لبلوغ أفكارهم غاياتها من قلوب الناس وعقولهم، تحقيقا لإبلاغ الدعوة وأداء لحق الوراثة في هذا التبليغ.
ومرة أخرى فإن معدّي الموسوعة وهم يقدمون هذا العمل الحافل بالنقول لإخوانهم القراء ليدركون الصعوبات التي تكتنف مثل هذه الأعمال العلمية الكبيرة ويؤمنون كل الإيمان بأن العصمة لله وحده ويرجون ويؤملون أن يغتفر لهم القراء ما قد يقعون فيه من قصور أو هفوات غير مقصودة ويرحبون كل الترحيب بإبداء الملاحظات والتصويبات، ومهما يكن من شيء فهم يؤملون أنك ستجد هذه الموسوعة الأخلاقية مرتبطة الحلقات متماسكة الأطراف، ولعلها تغنيك في مراجعة هذا التراث العظيم، كما يؤملون أن تكون هذه الموسوعة من العوامل الفعّالة في تذكير المسلمين بما كان لهم من عظمة ومجد فتبعثهم على التمسك بهذا الدين العظيم «دين الإسلام» نصّا وروحا وحتى تتوحد كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
سدد الله الخطا وبارك في الجهود وهدى إلى الصواب من القول والعلم والعمل وكفى بربك هاديا ونصيرا.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه صالح بن عبد الله بن حميد
стр. 65
ثراء في الإيمان ... وثروة في لغة القرآن
مقدمة اللجنة اللغوية بقلم: أ. دكتور عبد الفتاح عبد العليم البركاوي
- أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ... وبعد
فإن أصدق تعبير عن هذه الموسوعة هو ما جاء في العنوان الذي اخترناه لهذا التقديم: ثراء، وثروة، فهي تتضمن ثراء إيمانيّا بما تتضمنه من الآيات والأحاديث والآثار والأحكام الشرعية وآداب السلوك، وهي أيضا ثروة في لغة القرآن بما تتضمنه من شرح للمفردات اللغوية الواردة في عناوين الصفات، أو للكلمات الغريبة الواردة في متون الأحاديث، ذلك فضلا عن توضيح المعاني الاصطلاحية لألفاظ الصفات، والكشف عن الفروق الدقيقة بينها.
لقد جاءت مقدمات الصفات متضمنة بحوثا لغوية موجزة تتعلق بأصول هذه الألفاظ وكيفية اشتقاقها، كما تضمنت وجوه استعمال اللفظ في القرآن الكريم اعتمادا على كتب الوجوه والنظائر من ناحية، وعلى كتب التفسير من ناحية أخرى، وهنا كان للجنة جهد بارز يتجلى في تصنيف الآيات القرآنية وفقا لما جاء في المصدرين معا (كتب التفسير، وكتب الوجوه والنظائر) «١» ، وفيما يتعلق بالتعريفات الاصطلاحية لم تكن المهمة سهلة كما قد يتصور للوهلة الأولى، ذلك أن كثيرا منها لم تتضمنه كتب الاصطلاحات المعروفة، وهنا كان الاعتماد على أقوال المفسرين وشراح الحديث واللغويين في استنباط المعنى الاصطلاحي الذي يبرز في هذه الموسوعة للمرة الأولى، هذا بالإضافة إلى التفرقة الدقيقة بين معاني المصطلحات التي قد يظن أنها مترادفة «٢» أو متطابقة وهي- في الحقيقة- ليست كذلك مثل التدبر والتفكر والتأمل ونحوها، وبذلك أضافت الموسوعة إلى ما كتبه علماء الفروق «٣» إضافات لا يمكن الاستغناء عنها لمن يريد الوقوف على حقائق معاني الأخلاق الإسلامية من ناحية، وعلى دقة اللغة العربية في التعبير من ناحية ثانية، وإذا كانت الأشياء إنما تتميز بأضدادها ويتضح معناها أكثر إذا اقترنت بنظائرها، فقد حرصنا في نهاية كل مقدمة لغوية على أن نشير إلى الصفات المتقاربة التي تدخل مع الصفة المتحدث عنها في نفس الإطار الدلالي وتشكل معها حقلا لغويا واحدا «٤» مما يساعد على الفهم الصحيح لكل صفة على حدة، كما أشرنا أيضا إلى الصفات التي تضاد هذه الصفة
стр. 66
صراحة أو ضمنا، مثال ذلك أن نذكر مع صفة الابتهال صفات: الدعاء- الضراعة- الاستغاثة- الاستخارة- الاستعانة- الاستعاذة على أنها صفات متقاربة، ثم نذكر في ضد ذلك:
الإعراض- الغفلة- اليأس- القنوط على أنها صفات مضادة «١» ، وقد رأينا إتماما للفائدة أن تتضمن الفهارس الفنية فهرسا خاصا لهذه الحقول الدلالية التي تدخل الصفات في أطرها، وأطلقنا عليه فهرس «الإحالايث» نظرا لأنه يساعد قارىء الصفة بإحالته إلى المواطن المشابهة أو المضادة.
إن الجهد اللغوي في هذه الموسوعة قد تضمن أيضا تفسير كثير من آي الذكر الحكيم، كما تناول تفسير الألفاظ والعبارات الغريبة التي وردت في الحديث الشريف، وقد رجعنا في ذلك إلى المتداول من كتب شرح الحديث مثل فتح الباري، وشرح الإمام النووي لصحيح مسلم، وكتب غريب الحديث وخاصة الأمهات منها، ونعنى بذلك غريب الحديث لأبي عبيد (م ٢٢٤ هـ) ، وغريب الحديث لابن قتيبة (م ٢٧٦ هـ) ، وغريب الحديث للخطابي (م ٣٨٨ هـ) ، وأخيرا كنا نرجع إلى الكتب الجامعة في الغريب مثل الفائق في غريب الحديث للزمخشري والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير «٢» .
فصاحة الرسول ﷺ :
لقد كان حديثه ﷺ كما يقول الجاحظ: هو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة الكلام، ولم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى من كلامه ﷺ «٣» .
وقد جاء في صفة رسول الله ﷺ فيما ترويه أم معبد- أنه كان إذا «تكلم سما وعلاه البهاء.. حلو المنطق، فصل، لا نذر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن..» «٤» ، وقد لفتت فصاحته ﷺ أنظار من كانوا مضرب الأمثال في الفصاحة والبيان حتى قال قائلهم وقد سمع المصطفى ﷺ يجري حوارا مع بعض الصحابة: يا رسول الله ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أعرب منك «٥» ، وقد فسّر العلماء ذلك بأنه ﷺ «لم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق» «٦» .
стр. 67
وإذا كان الأمر كذلك فإن لسائل أن يسأل: لماذا كثر الغريب في حديث رسول الله ﷺ ؟
لقد كان «غريب الحديث» بمعنى: الألفاظ أو العبارات الغامضة الواردة في متون الأحاديث من أسبق علوم الحديث ظهورا، وكان السابق إلى التأليف فيه هو الإمام: أبو عبيدة معمر بن المثنى (م ٢١٦ هـ) ، ثم توالى التأليف فيه إلى يوم الناس هذا، وهنا قد يتبادر سؤال إلى الذهن خلاصته: كيف يكثر الغريب في حديث رسول الله ﷺ ؟ مع أن الغرابة عيب يخل بالفصاحة ومع ذلك فقد ثبت أن الرسول الكريم ﷺ هو أفصح العرب قاطبة.
إن مناقشة تفصيلية لهذه القضية لا يتسع لها هذا المجال «١» وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الغرابة أمر نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان، كما يختلف باختلاف المتحدّث إليهم، فما يكون غريبا عند قوم قد لا يكون غريبا عند آخرين، وما يكون غريبا في عصر قد يكون هو- لا غيره- أفصح الفصيح في عصر آخر، وإذا طبقنا هذه المعايير على الحديث النبوي الشريف- وقد طبقناها فعلا- على ما أورده أبو عبيد في كتابه «غريب الحديث» لكانت النتيجة «أنه ﷺ لم يستعمل إلا الواضح المألوف في بيئته، وإلا ما كان مفهوما لمن يتوجّه إليهم بالخطاب، وأن هذا لا ينفي بالطبع أن بعض الألفاظ الحديثية قد قل استعمالها فيما بعد نتيجة لتطور اللغة، كما اتضح أن بعض هذه الألفاظ كانت غامضة المعنى عند غير من يخاطب بها «٢» ، وأن ذلك كان هو السبب في إطلاق وصف الغرابة عليها» «٣» .
لقد تكفل الإمام الخطابي- رحمه الله تعالى- ببيان السبب الذي من أجله كثر غريب حديث رسول الله ﷺ فقال: لقد بعث ﷺ مبلغا ومعلما، فهو لا يزال في كل مقام يقومه وموطن يشهده يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ويشرع في حادثة، ويفتي في نازلة، والأسماع إليه مصغية، والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية، وقد تختلف عنها عباراته، ويتكرر فيها بيانه، ليكون أوقع للسامعين، وأقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها وأقرب بالإسلام عهدا، وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها (كلها) سمعا، ويستوفونها حفظا، ويؤدونها على اختلاف جهاتها، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ، تحتها معنى واحد، وذلك كقوله: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «٤» ، وفي رواية أخرى: «وللعاهر الإثلب» «٥» . قال الخطابي: وقد مر بمسامعي ولم يثبت عندي: «وللعاهر الكثكث» .
стр. 68
وقد يتكلم ﷺ في بعض النوازل وبحضرته أخلاط من الناس، قبائلهم شتى، ولغاتهم مختلفة، ومراتبهم في الحفظ والإتقان غير متساوية، وليس كلهم يتيسّر لضبط اللفظ وحصره، أو يتعمد لحفظه ووعيه، وإنما يستدرك المراد بالفحوى، ويتعلق منه بالمعنى، ثم يؤديه بلغته، ويعبر عنه بلسان قبيلته، فيجتمع في الحديث الواحد اذا انشعبت طرقه عدة ألفاظ مختلفة موجبها شيء واحد، وهذا كما يروى: «أن رجلا كان يهدي إلى رسول الله كل عام راوية خمر، فأهداها عام حرمت، فقال: إنها حرمت، فاستأذنه في بيعها، فقال له: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: فما أصنع بها؟ قال: سنّها في البطحاء، قال: فسنّها» ، وجاء في رواية اخرى: «فهتّها» ، وفي رواية أخرى:
«فبعّها» «١» . والمعنى واحد» «٢» . ويعني هذا أن اختلاف الرواة قد يكون هو المسئول عن غرابة كثير من الألفاظ.
وقال الخطابي أيضا: وبلغني أن أبا عبيد القاسم بن سلام مكث في تصنيف كتابه (غريب الحديث) أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث، والناس إذ ذاك متوافرون، والروضة أنف، والحوض ملآن، ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده، ثم سعى له أبو محمد (ابن قتيبة) سعي الجواد إذا استولى على الأمد «٣» ، فأسأر «٤» القدر الذي جمعناه في كتابنا هذا، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذات عدد لم أتيسر لتفسيرها، تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكل وقت قوم، ولكل نشء علم. قال الله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (الحجر/ ٢١) «٥» .
ولله در الخطابي فقد كان الناس فعلا إذ ذاك (أي في الصدر الأول) يفقهون حديث رسول الله ﷺ ، ثم خلف من بعدهم خلف يحتاجون إلى الكتب الطوال التي تشرح غريب حديث رسول الله ﷺ ، ومن هنا كان حرصنا على أن تتضمن الموسوعة بيانا لهذه الألفاظ وشرحا لها مما يغني القارىء عن الرجوع إلى كتب الغريب وشروح الحديث.
لقد كانت طموحات الشيخ عبد الرحمن بن ملوح أوسع من الرجوع إلى كتب الغريب وشروح الحديث.
لقد كانت طموحات الشيخ عبد الرحمن بن ملوح أوسع من أن تقف عند ما أنجزته اللجنتان الأولى والثانية، فكان يشير علينا بين الحين والآخر لإضافة هذه الصفة أو تلك، وكان يتضح عقب إنجاز هذه الصفات مدى الفائدة العظيمة والخير العميم من إضافتها، وكان من ذلك صفات: الإغاثة- الإنذار- الإنصاف- التبليغ- تكريم الإنسان- التوحيد- عيادة المريض- الفضل- كفالة اليتيم- اللين- معرفة الله الكلم الطيب- المسارعة في الخيرات- النظر والتبصر ... ونحو ذلك من الصفات المأمور بها.
стр. 69
ومن الصفات المنهي عنها: الإحباط- إفشاء السر- الانتقام- التكاثر- التنازع- التناجش- التنصل من المسئولية- التهاون- التبذير- الحقد- الرشوة- الرياء- السخرية- الطغيان- العتو- الغرور- الغش- الغي والإغواء- الفتنة- المجاهرة بالمعصية.
وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يشير إلى إضافات مهمة في صفات عديدة يصعب إحصاؤها نذكر منها:
المساواة، وقد أضيفت إلى صفة العدل، والإحصان (بالزواج) ، وقد أضيفت إلى صفة حفظ الفرج لأن الزواج من وسائل ذلك، والعجب، الذي أضيف إلى الكبر، والمصابرة، التي أضيفت إلى الصبر، والشدة التي أضيفت إلى القوة.
وفيما يتعلق بالفهارس فقد بذلت اللجنة جهدا ندعو الله أن يكون موفقا ومباركا فيه، وسنتحدّث عنه وعن كيفية استخدام هذه الفهارس في مقدمة المجلد الثاني عشر بإذن الله تعالى.
لقد اجتهدنا ما وسعنا الجهد في إبراز تلك الصفات في صورة أقرب ما تكون إلى الكمال البشري، أما الكمال المطلق فهو لله تعالى، نسأله- أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.
ولا يسعني في ختام هذه الكلمة إلّا أن أتقدم بالشكر وافرا وجزيلا لأخي وصديقي الشيخ عبد الرحمن بن محمد ابن ملوح على تلك الجهود المباركة التي بذلها في نشر هذه الموسوعة (ولم تكن تلك الجهود مادّيّة فحسب وإنما كانت أيضا جهودا معنوية وعلمية، حثيثة ورائعة، وأن نتوجه إلى المولى بأن يجزيه على ذلك خير الجزاء وأن يجعله من أصحاب الحياة الطيبة في الدنيا ومن أهل «نضرة النعيم» في الآخرة إنه سبحانه أكرم المسئولين وأجزل المعطين «١» .
سبحانك ربنا لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بقلم: أ. دكتور عبد الفتاح عبد العليم البركاوي أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى مكة المكرمة في العشرين من ربيع الأول ١٤١٨ هـ.
стр. 70
الحياة والنفس الإنسانية بقلم: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح
مؤسس ومدير عام دار الوسيلة للنشر والتوزيع
تمهيد:
الحمد لله الذي خلق فسوى وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.. وبعد:
فقد اشتملت هذه الموسوعة على مكارم أخلاق الرسول ﷺ التي تشكل فيما بينها (منظومة أخلاق متكاملة) تصلح بها أمور الإنسان في الدنيا والآخرة، ولما كان الأخذ بمعالي الأخلاق ومكارمها يستلزم- ضرورة- التخلي عن مذمومها من حيث كونهما ضدان لا يجتمعان، كان لا بد من الحرص على إبراز هذه الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الشارع الحكيم، وبذلك تتوفر لقارىء هذه الموسوعة قاعدة علمية شاملة تضم الأمرين جميعا: المأمور به والمنهي عنه في القرآن والسنة، وهنا يتحقق شرط الإلزام الخلقي الأساسي، ألا وهو المعرفة النافية للجهالة «١» .
وبهذه المعرفة تتحدد المعايير الضرورية التي تضبط حركة السلوك الإنساني في هذه الحياة، بيد أن هذه المعرفة وحدها غير كافية، إذ ينبغي على المؤمن أن يربط القول بالعمل، والمعرفة بالسلوك، بحيث لا يكون القول مجرد كلام لا جدوى منه، وتكون المعرفة مجرد إطار نظري لا فائدة منها، ذلك أن اقتران القول بالعمل والمعرفة بالممارسة قاعدة إسلامية أقرها القرآن الكريم في قول الله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٢» .
وقد كانت حياة الرسول ﷺ تجسيدا عمليا لكل ما كان يدعو الناس إليه من مكارم الأخلاق وحميد الصفات فكان ﷺ مثالا يحتذى في عدله ورحمته وبره، وكانت بعثته ﷺ في جوهرها لإتمام هذا الجانب التطبيقي المتمثل في تتميم مكارم الأخلاق، قولا وفعلا، دعوة وممارسة، يقول ﵊: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» «٣» . و «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . وربط ﵊ بين كمال الإيمان وحسن الخلق، فقال: «إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «٤» . ونبه ﵊ على أهمية سلوك الخير وفعله فقال:
«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» «٥» .
تكليف الإنسان وابتلاؤه:
لقد كرم الله الإنسان، فخلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وفضله على كثير ممن خلق، وأعطاه نعمة العقل، وزوده بنور الفطرة، وجعل خلقته قابلة للتكليف، إن فعل الخير أثيب، وإن فعل الشر
стр. 71
عوقب، وهذا هو مقتضى حمل الأمانة التي قبلها الإنسان وأبت السماوات والأرض أن يحملنها، يقول الله تعالى:
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا «١» .
لقد جعل الله للإنسان هذه الحياة الدنيا دارا أولى يحيا فيها ويعمرها، ليستعين بذلك على عبادة ربه طاعة ومحبة وإخلاصا، ثم ابتلاه بالتكاليف (بالأوامر والنواهي) ليمحصه رحمة منه وفضلا، يقول ابن القيم- رحمه الله تعالى-: «ابتلاء الخلق بالأوامر والنواهي، رحمة لهم وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا بها ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم «٢» » .
قد يظن بعض الناس أن ابتلاء الإنسان بالسراء هو إكرام له لا اختبار طاعة «٣» ، ويرى الابتلاء بالضراء هو انتقام هوان أو إهانة، وقد نعى القرآن الكريم على هذا الصنف من الناس ذلك الاعتقاد الباطل ونفاه نفيا حاسما، يقول الله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ «٤» . وقد صحح القرآن الكريم هذا الفهم السيء في الآيات التي تتلو ذلك مباشرة، وأعاد توجيه الأفهام إلى الممارسات الخاطئة الناتجة عن هذا الفهم السيء لحكمة الابتلاء، وهذه الممارسة الخاطئة هي عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين والاستئثار بالمال ولمه وجمعه دون الإنفاق كما أمر الله، فقال تعالى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا* وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا «٥» .
والأمثال في هذا المجال كثيرة في القرآن مثل ما جاء في سور الشمس والبلد والضحى. والحقيقة هي أن الله- يبتلي العباد تارة بالمضار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فتصير المنحة والمحنة جميعا ابتلاء، فالمنحة تقتضي الشكر والمحنة تقتضي الصبر، يقول الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ «٦» . إن هذا الإنسان المكرم لم يخلق عبثا ولن يترك سدى، يقول الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ «٧» ، ويقول عز من قائل: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً «٨» ، ومن ثم فهو محاسب على ما قدمت يداه، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٩» ، وقد أخبرنا المصطفى ﷺ عن حدود هذه المسئولية ومجالاتها عند ما قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» «١٠» .
стр. 72
العلاقة بين الإنسان والحياة:
إذا كانت علاقة الإنسان بخالقه هي العبادة مصداقا لقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «١» ، وعلاقة الإنسان بالكون علاقة تسخير كما في قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ «٢» ، فإن علاقة الإنسان بالحياة هي علاقة ابتلاء وتمحيص، مصداقا لقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ «٣» . وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: أن الله- خلق الموت للبعث والجزاء وخلق الحياة للابتلاء «٤» . أما موضوع هذا الابتلاء فهو حسن العمل الذي لخصه الرسول الكريم ﷺ ، في تفسيره للآية بأنه: الورع عن محارم الله والإسراع في طاعته «٥» . وتدخل فيه مكارم الأخلاق بأوسع معانيها [انظر الكشاف التوضيحي من (١- ٤) و (٤ أ) و (٤ ب) ] .
بين الابتلاء وحسن الخلق:
إن هذا الابتلاء الذي يعني الاختبار والتمحيص هو المحك الأساسي الذي يجسد الصراع الأزلي بين قوى الخير والشر في النفس الإنسانية، فالنفس المطمئنة ألهمت التقوى والطاعة، والنفس الأمارة بالسوء ألهمت الشر والفجور، ذلك أن النفس المطمئنة تأمر بالخير وتحض عليه، والنفس الأمارة بالسوء تأمر بالشر وتحض عليه، يساعدها في ذلك شيطان مريد يستغل ضعف الإنسان ويزين له فتن الشبهات والشهوات، وبين الاثنين توجد النفس اللوامة التي تشكل صمام الوقاية وتقوم بعملية الموازنة والتصحيح، إذ تلوم على فعل المعاصي من ناحية، وعلى عدم الاستكثار من فعل الخيرات من ناحية ثانية. [انظر الكشاف التوضيحي من (١٠) إلى (١٣ أ) ، وكذلك انظر خريطة الابتلاء والنفس الإنسانية بعد صفحة (ع ب) ] .
الأخلاق الكريمة والعبادة:
إن الأخلاق الفاضلة من نحو أعمال القلب والعقل والجوارح واللسان مثل صدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والرفق والرأفة، والدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، كلها داخلة في مفهوم العبادة، وذلك أن العبادة
стр. 73
هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له «١» ، كما قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٢» . وبها أرسل الله جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ* «٣» ، والدين كله داخل في العبادة التي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له «٤» ، ومن هنا تكون فضائل الأخلاق ومكارمها داخلة في إطار الدين وركنا أساسيا من أركانه.
إن هذه الأخلاق الإيمانية- كما أطلق عليها ابن تيمية- هي وجه من الوجوه التي يتفاضل فيها الناس فيما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصه، يقول- رحمه الله تعالى-: من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء، والكبر والعجب، والرحمة للخلق والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية «٥» ، ومصداق هذا قوله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «٦» . [انظر الكشاف التوضيحي (٤ أ) ] .
الإيمان ومكارم الأخلاق:
يقول ابن تيمية- رحمه الله تعالى- ما خلاصته: «إذا كان الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، وأنه لابد فيه من شيئين: الأول تصديق بالقلب وإقراره ومعرفته وهذا هو التوحيد، والآخر عمل القلب وهو التوكل على الله وحده ونحو ذلك من حب الله ورسوله، وحب ما يحب الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، كانت أعمال القلب من الحب والإخلاص والخشية والتوكل ونحوها داخلة في الإيمان بهذا المعنى، وكانت الأخلاق الكريمة داخلة فيه أيضا، وأما البدن فلا يمكن أن يتخلى عن مراد القلب لأنه إذا كان في القلب معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» «٧» .
إن الإيمان بذلك هو مناط تكوين القيم الخلقية والاجتماعية ونحوها، وهو أيضا مصدر الإلزام الخلقي، لأنه هو المسيطر على كل غرائز الإنسان وشهواته، والمتحكم في أحاسيسه ودوافعه [انظر الكشاف التوضيحي (٥- ٩) ] .
العبادة ونور الفطرة:
لقد كان من مظاهر تكريم الإنسان أن زوده الله تعالى بنور الفطرة التي يستطيع بها أن يعرف ربه، ويستدل بها على صراطه المستقيم وذلك من التدبر في آلائه ونعمه، يقول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ
стр. 74
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ «١» ، والفطرة: هي الخلق والهيئة التي في نفس الطفل، وهي معدّة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الحنيف، وهو الذي على الاستعداد له فطر البشر، ولكن تعرضهم العوارض «٢» ، وقيل: المعنى هو أن الله سبحانه خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات فما دامت باقية على ذلك القبول وتلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهو الدين الحق «٣» .
ويقول ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: لقد فطر الله عباده على محبته وعبادته، فإذا تركت هذه الفطرة بلا فساد، كان القلب عارفا بالله محبا له عابدا له وحده «٤» .
إن فساد الفطرة أمر محتمل ووارد سواء أكان من البيئة المحيطة بالإنسان كما قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» «٥» . أو من إغواء الشيطان ووسوسته، وفي هذه الحالة اقتضت رحمة الله تعالى بالإنسان أن يرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين ويحدث صراع عنيف بين الشيطان وما يدعو إليه من ناحية وبين الرسل وما يدعون إليه من التزام الصراط المستقيم من ناحية أخرى، بين الفجور والتقوى [انظر الكشاف التوضيحي (٤ د) و (٤ ج) ] . وسنوضح هذا فيما يلي:
إغواء الشيطان:
بعد أن خلق الله آدم أمر الملائكة بالسجود له، ولكن إبليس أبى واستكبر وخالف أمر ربه، ولم يسجد لآدم حسدا وكبرا، وبعد أن حلّت عليه اللعنة وطرد من رحمة الله توعد آدم وذريته بأن يضلهم ويفتنهم ويقعد لهم على صراط الله المستقيم، يقول الله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «٦» ، وقد أقسم بعزة الله تعالى أن يغوي جميع بني آدم إلا المخلصين، يقول الله تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٧» .
لقد حدد الشيطان الرجيم هدفه وهو إغواء بني آدم وصدهم عن صراط الله المستقيم وصرفهم إلى طرق أخرى يضيع فيها سعيهم وتضل أعمالهم ويكون مصيرهم نار جهنم وبئس المصير.
إرسال الرسل:
وقد كان من تمام رحمة الله تعالى أن بعث رسله مبشرين ومنذرين [انظر الكشاف التوضيحي (٣) ] معهم الكتاب والميزان ليعتدل أمر الناس ويستبينوا طريق الله تعالى من طريق الشيطان، يقول سبحانه: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ «٨» ، وكانت دعوتهم جميعا إلى «صراط الله المستقيم» ،
стр. 75
يقول الله تعالى على لسان هود ﵇: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ «١» ، ثم جاء النبي ﷺ بالرسالة الخاتمة، ودعا إلى ما دعت إليه الرسل من التزام هذا الصراط، ووصفه ربه بقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ «٢» .
إذن فإن الثبات على الصراط المستقيم هو محور الصراع بين الخير والشر، بين ما تدعو إليه الرسل وما يسعى إليه الشيطان الرجيم، فما هذا الصراط؟
الصراط المستقيم:
كما سبق أن ذكرنا فإن هذا «الصراط المستقيم» هو دعوة الرسل جميعا، وهو الهدف الذي يسعى إبليس اللعين أن يقعد لبني آدم عليه فيصدهم عنه، وذكرنا أيضا أن الله- على صراط مستقيم، ومعنى كون الله تعالى على صراط مستقيم أنه سبحانه على طريق مستقيم في قضائه وقدره وأمره ونهيه، يهدي من يشاء إليه بفضله ورحمته، ويصرف عنه من يشاء بعدله وحكمته «٣» .
لقد صور رسول الله ﷺ التزام الصراط المستقيم والخروج عنه، أي ذلك الصراع بين طاعة الرحمن وطاعة الشيطان فيما يرويه ابن مسعود- ﵁ قال: خط رسول الله ﷺ خطا ثم قال: «هذا سبيل الله» ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ، ثم قرأ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ «٤» . فالسبيل المستقيم أو الصراط المستقيم هو ما تدعو له الرسل. وتهدي الناس إليه، أما السبل الأخرى التي ينحرف إليها البعض فليست إلا سبلا شيطانية نشأت بعد أن قعد لهم إبليس على هذا «صراط الله المستقيم» .
أما دعوته ﷺ إلى هذا الصراط المستقيم في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فهي- كما يقول ابن القيم- رحمه الله تعالى: كل علم أو عمل أو حقيقة، أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته، فهو من الصراط المستقيم وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال. فما ثمّ خروج عن هذه الطرق الثلاث: طريق الرسول ﷺ وما جاء به، وطريق أهل الغضب (المغضوب عليهم) ، وهي طريق من عرف الحق وعانده. وطريق أهل الضلال: وهي طريق من أضله الله عنه. ولهذا قال عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله- ﵃ «الصراط المستقيم: هو الإسلام» وقال عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب- ﵄ «هو القرآن» وفيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره، وقال سهل بن عبد الله «طريق السنة والجماعة» وقال بكر بن عبد الله المزني «طريق رسول الله ﷺ » . ولا ريب أن ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه، وإيثاره على غيره، فهو الصراط المستقيم «٥» .