← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

١٤٨- إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) «١» ١٤٩- وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) «٢» ١٥٠- هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) «٣» ١٥١- إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) «٤» الهدى وصفا للبشر إثباتا أو نفيا: ١٥٢- فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) «٥» ١٥٣- وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) «٦» ١٥٤- إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) «٧» ١٥٥- وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) «٨» ١٥٦- أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) «٩»

стр. 4307

١٥٧- وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) «١» ١٥٨- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤) «٢» ١٥٩- وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) «٣» ١٦٠- كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) «٤» ١٦١- أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) «٥» ١٦٢- قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) «٦» ١٦٣- قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) «٧» ١٦٤- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) «٨» ١٦٥- لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) «٩» ١٦٦- قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) «١٠»

стр. 4308

١٦٧- فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) «١» ١٦٨- قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) «٢» ١٦٩- وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) «٣» ١٧٠- وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) «٤» ١٧١- أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) «٥»

стр. 4309

الأحاديث الواردة في (الهدى) ١-* (عن عبد الرّحمن بن عمرو السّلميّ، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممّن نزل فيه وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (التوبة/ ٩٢) فسلّمنا، وقلنا: أتيناك، زائرين، وعائدين، ومقتبسين. قال العرباض: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله كأنّ هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟. فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة وإن عبدا حبشيّا، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديّين الرّاشدين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه- أو صاحبه- يرحمك الله، فإذا قال يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم» ) * «٢» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: أقبل نبيّ الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبيّ الله ﷺ شابّ لا يعرف، قال: فيلقى الرّجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرّجل الّذي بين يديك؟. فيقول: هذا الرّجل يهديني السّبيل، قال فيحسب الحاسب أنّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبيّ الله ﷺ فقال: «اللهمّ اصرعه» ، فصرعه الفرس، ثمّ قامت تحمحم، فقال: يا نبيّ الله، مرني بما شئت. قال: «فقف مكانك، لا تتركنّ أحدا يلحق بنا» . قال: فكان أوّل النّهار جاهدا على نبيّ الله ﷺ ، وكان آخر النّهار مسلحة له «٣» ، فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرّة، ثمّ بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبيّ الله ﷺ وأبي بكر فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبيّ الله ﷺ وأبو بكر وحفّوا دونهما بالسّلاح، فقيل في المدينة: جاء نبيّ الله، جاء نبيّ الله ﷺ ، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبيّ الله. فأقبل يسير حتّى نزل جانب دار أبي أيّوب، فإنّه ليحدّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم «٤» ، فعجل أن يضع الّذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيّ الله ﷺ ثمّ رجع إلى أهله، فقال نبيّ الله ﷺ : «أيّ بيوت أهلنا أقرب؟» . فقال أبو أيّوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي. قال

стр. 4310

فانطلق فهيّأ لنا مقيلا «١» . قال: قوما على بركة الله. فلمّا جاء نبيّ الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنّك رسول الله، وأنّك جئت بحقّ. وقد علمت يهود أنّي سيّدهم وابن سيّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عنّي قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمت، فإنّهم إن يعلموا أنّي قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ. فأرسل نبيّ الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «يا معشر اليهود، ويلكم اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو، إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقّا، وأنّي جئتكم بحقّ، فأسلموا» . قالوا: ما نعلمه- قالوا للنّبيّ ﷺ قالها ثلاث مرار- قال: «فأيّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» . قالوا: ذاك سيّدنا، وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» . قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» . قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «يا ابن سلام! اخرج عليهم» فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو! إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بحقّ. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ * «٢» . ٤-* (عن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا تريحني من ذي الخلصة؟ وكان بيتا في خثعم يسمّى كعبة اليمانيّة. فانطلقت في خمسين ومائة من أحمس- وكانوا أصحاب خيل- فأخبرت النّبيّ ﷺ أنّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتّى رأيت أثر أصابعه في صدري، فقال: «اللهمّ ثبّته، واجعله هاديا مهديّا» . فانطلق إليها فكسرها وحرّقها، فأرسل إلى النّبيّ ﷺ يبشّره، فقال رسول جرير لرسول الله: يا رسول الله، والّذي بعثك بالحقّ، ما جئتك حتّى تركتها كأنّها جمل أجرب. فبارك على خيل أحمس ورجالها مرّات) * «٣» . ٥-* (عن أبي أيّوب- ﵁ أنّ أعرابيّا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر. فأخذ بخطام ناقته «٤» أو بزمامها. ثمّ قال: يا رسول الله أو يا محمّد! أخبرني بما يقرّبني من الجنّة وما يباعدني من النّار؟ قال: فكفّ النّبيّ ﷺ ثمّ نظر في أصحابه. ثمّ قال: «لقد وفّق أو لقد هدي» . قال: كيف قلت؟ قال فأعاد. فقال النّبيّ ﷺ : «تعبد الله لا تشرك به شيئا. وتقيم الصّلاة. وتؤتي الزّكاة. وتصل الرّحم. دع النّاقة» ) * «٥» . ٦-* (عن أبي الأشعث الصّنعانيّ أنّ خطباء قامت بالشّام وفيهم رجال من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقام آخرهم رجل يقال له مرّة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت، وذكر الفتن فقرّبها، فمرّ رجل مقنّع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى، فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفّان، قال:

стр. 4311

فأقبلت عليه بوجهه، فقلت: هذا؟ قال نعم) * «١» . ٧-* (عن عبد الله بن عمر. ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (الأعراف/ ١٢٨) قال: فهداهم الله للإسلام) * «٢» . ٨-* (عن أمّ سلمة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهمّ مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك» . قالت: قلت يا رسول الله! أو أنّ القلوب لتتقلّب؟ قال: «نعم، ما من خلق الله من بني آدم من بشر إلّا أنّ قلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله- أقامه وإن شاء الله أزاغه، فنسأل الله ربّنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لّدنه رحمة إنّه هو الوهّاب» . قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلّمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال: «بلى. قولي: اللهمّ! ربّ محمّد النّبيّ اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن ما أحييتنا» ) * «٣» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله- تعالى- تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنّة، هو الله الّذي لا إله إلّا هو، الرّحمن، الرّحيم، الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارىء، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرّزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرّافع، المعزّ، المذلّ، السّميع، البصير، الحكم، العدل، اللّطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشّكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرّقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشّهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصّمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأوّل، الآخر، الظّاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البرّ، التّوّاب، المنتقم، العفوّ، الرّؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغنيّ، المغني، المانع، الضّارّ، النّافع، النّور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرّشيد، الصّبور» ) * «٤» .

стр. 4312

١٠-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ نبيّ الله ﷺ دخل نخلا لبني النّجّار، فسمع صوتا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟» . قالوا: يا رسول الله، ناس ماتوا في الجاهليّة، فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب النّار، ومن فتنة الدّجّال» قالوا: وممّ ذاك يا رسول الله؟. قال: «إنّ المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرّجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء، غيرها، فينطلق به إلى بيت كان له في النّار فيقال له: هذا بيتك كان لك في النّار ولكنّ الله عصمك ورحمك فأبدلك به بيتا في الجنّة، فيقول: دعوني حتّى أذهب فأبشّر أهلي، فيقال له: اسكن، وإنّ الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرّجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول النّاس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثّقلين» ) * «١» . ١١-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّ نبيّ الله ﷺ قال: «إنّ الهدى الصّالح، والسّمت الصّالح، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النّبوّة» ) * «٢» . ١٢-* (عن رافع بن سنان أنّه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النّبيّ ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال له النّبيّ ﷺ : «اقعد ناحية» . وقال لها: «اقعدي ناحية» قال: وأقعد الصّبيّة بينهما، ثمّ قال: «ادعواها» فمالت الصّبيّة إلى أمّها، فقال النّبيّ ﷺ : «اللهمّ اهدها» . فمالت الصّبيّة إلى أبيها، فأخذها) * «٣» . ١٣-* (عن يزيد بن حيّان. قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم. فلمّا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت، يا زيد خيرا كثيرا. رأيت رسول الله ﷺ . وسمعت حديثه. وغزوت معه. وصلّيت خلفه. لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: يا ابن أخي! والله لقد كبرت سنّي. وقدم عهدي. ونسيت بعض الّذي كنت أعي من رسول الله ﷺ . فما حدّثتكم فاقبلوا. وما لا، فلا تكلّفونيه. ثمّ قال: قام رسول الله ﷺ فينا خطيبا. بماء يدعى خمّا، بين مكّة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر. ثمّ قال: «أمّا بعد. ألا أيّها النّاس، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله.

стр. 4313

واستمسكوا به» فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه. ثمّ قال: «وأهل بيتي. أذكّركم الله في أهل بيتي. أذكّركم الله في أهل بيتي. أذكّركم الله في أهل بيتي» . فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصّدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عبّاس. قال: كلّ هؤلاء حرم الصّدقة؟ قال: نعم) * «١» . ١٤-* (عن عثمان بن أبي العاص وامرأة من قيس أنّهما سمعا النّبيّ ﷺ قال أحدهما: سمعته يقول: «اللهمّ اغفر لي ذنبي خطئي وعمدي» . قال الآخر: سمعته يقول: «اللهمّ أستهديك لأرشد أمري، وأعوذ بك من شرّ نفسي» ) * «٢» . ١٥-* (عن عليّ- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السّنّ ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: «إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء» . قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد) * «٣» . ١٦-* (عن سعد- ﵁ قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ . فقال: علّمني كلاما أقوله. قال: «قل: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا سبحان الله ربّ العالمين، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العزيز الحكيم» قال: فهؤلاء لربّي. فما لي؟ قال: «قل: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني» ) * «٤» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «حين أسري بي لقيت موسى ﵇، (فنعته النّبيّ ﷺ فإذا رجل (حسبته قال) مضطرب «٥» . رجل الرّأس. كأنّه من رجال شنوءة. قال، ولقيت عيسى (فنعته النّبيّ ﷺ فإذا ربعة «٦» أحمر كأنّما خرج من ديماس» . (يعني الحمّام) «٧» قال، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيّهما شئت. فأخذت اللّبن فشربته. فقال: هديت الفطرة- أو أصبت الفطرة- أما إنّك لو أخذت الخمر غوت أمّتك) * «٨» . ١٨-* (عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافدا

стр. 4314

إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق «١» قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتّى قدمنا على رسول الله ﷺ لانسلاخ رجب فأتينا رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة «٢» فقام فى النّاس خطيبا فقال: «أيّها النّاس، ألا إنّي خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيّام، ألا لأسمعنّكم، ألا فهل من امرىء بعثه قومه» فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ : «ألا ثمّ لعلّه أن يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضّلال ألا إنّي مسئول: هل بلّغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس النّاس وقمت أنا وصاحبي حتّى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره «٣» قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهزّ رأسه وعلم أنّي أبتغي لسقطه فقال «ضنّ ربّك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلّا الله» وأشار بيده قلت: وما هي؟ قال: «علم المنيّة، قد علم منيّة أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المنيّ حين يكون فى الرّحم، قد علمه ولا تعلمون، وعلم ما في غد، وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين «٤» . فيظلّ يضحك قد علم أنّ غيركم إلى قرب، قال لقيط: لن نعدم من ربّ يضحك خيرا، وعلم يوم السّاعة، قلت يا رسول الله! علّمنا ممّا تعلّم النّاس وما تعلم، فأنا من قبيل لا يصدّقون تصديقنا أحد من مذحج الّتي تربو علينا وخثعم الّتي توالينا وعشيرتنا الّتي نحن منها قال: تلبثون ما لبثتم ثمّ يتوفّى نبيّكم ﷺ ، ثمّ تلبثون ما لبثتم ثمّ تبعث الصّائحة لعمر إلهك، ما تدع على ظهرها من شيء إلّا مات والملائكة الّذين مع ربّك- فأصبح ربّك- يطيف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربّك السّماء بهضب «٥» من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميّت إلّا شقّت القبر عنه حتّى تجعله من عند رأسه فيستوي جالسا، فيقول ربّك: مهيم «٦» لما كان فيه، يقول: يا ربّ أمس اليوم «٧» ولعهده الحياة يحسبه حديثا بأهله، فقلت: يا رسول الله! كيف يجمعنا بعد ما تمزّقنا الرّياح والبلى والسّباع؟ قال: «أنبّئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة «٨» بالية فقلت لا تحيا أبدا، ثمّ أرسل ربّك- عليها السّمآء فلم تلبث عليك إلّا أيّام حتّى أشرفت عليها وهي شرية «٩»

стр. 4315

واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فيخرجون من الأصواء «١» ومن مصارعهم فتنظرون إليه وينظر إليكم» قال: قلت: يا رسول الله! وكيف نحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟ قال: أنبّئك بمثل ذلك في آلاء الله «٢» الشّمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارّون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارّون في رؤيتهما» . قلت: يا رسول الله! فما يفعل بنا ربّنا إذا لقيناه؟ قال: «تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربّك- بيده غرفة من الماء فينضح «٣» قبيلكم بها، فلعمر إلهك ما تخطىء وجه أحدكم منها قطرة، فأمّا المسلم فتدع وجهه مثل الرّيطة «٤» البيضاء، وأمّا الكافر فتخطمه مثل الحميم الأسود «٥» ألا ثمّ ينصرف نبيّكم ﷺ ويفترق على أثره الصّالحون فيسلكون جسرا من النّار فيطأ أحدكم الجمر فيقول حسّ «٦» ، يقول ربّك أو أنّه: ألا فتطّلعون على حوض الرّسول ﷺ على أظمأ والله ناهلة عليها قطّ ما رأيتها فلعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلّا وضع عليها قدح يطهّره من الطّوف «٧» والبول والأذى، وتحبس الشّمس والقمر ولا ترون منهما واحدا، قال: قلت: يا رسول الله! فبم نبصر؟ قال: «بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك قبل طلوع الشّمس في يوم أشرقت الأرض واجهت به الجبال» قال: قلت: يا رسول الله فبم نجزى من سيّئاتنا وحسناتنا؟ قال: «الحسنة بعشر أمثالها والسّيّئة بمثلها إلّا أن يعفو» قال: قلت: يا رسول الله! أمّا الجنّة أمّا النّار قال: «لعمر إلهك إنّ للنّار لسبعة أبواب، ما منهنّ بابان إلّا يسير الرّاكب بينهما سبعين عاما، وإنّ للجنّة لثمانية أبواب، ما منهما بابان إلّا يسير الرّاكب بينهما سبعين عاما» قلت: يا رسول الله! فعلام نطّلع من الجنّة؟ قال: «على أنهار من عسل مصفّى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن «٨» ، وبفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهّرة» قلت: يا رسول الله! ولنا فيها أزواج أو منهنّ مصلحات؟ قال: «الصّالحات للصّالحين، تلذّونهنّ مثل لذّاتكم في الدّنيا، ويلذذن بكم غير أن لا توالد» قال لقيط: فقلت: أقضي ما نحن بالغون ومنتهون

стр. 4316

إليه؟ فلم يجبه النّبيّ ﷺ قلت: يا رسول الله! (على) «١» ما أبايعك؟ قال فبسط النّبيّ ﷺ يده وقال: «على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره» قال: قلت: وإنّ لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض النّبيّ ﷺ يده، وظنّ أنّي مشرط شيئا لا يعطينيه، قال: قلت: نحلّ منها حيث شئنا ولا يجني امرؤ إلّا على نفسه، فبسط يده، وقال: «ذلك لك تحلّ حيث شئت ولا يجني عليك إلّا نفسك» قال: فانصرفنا عنه، ثمّ قال: «إنّ هذين لعمر إلهك من أتقى النّاس في الأولى والآخرة» فقال له كعب ابن الخدريّة أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: «بنو المنتفق أهل ذلك» قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت يا رسول الله هل لأحد ممّن مضى من خير في جاهليّتهم؟ قال: قال رجل من عرض قريش، «والله إنّ أباك المنتفق لفي النّار» قال فلكأنّه وقع حرّ بين جلدي ووجهي ولحمى ممّا قال لأبي على رؤوس النّاس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله! فإذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ قال: وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامريّ أو قرشيّ من مشرك فقل: أرسلني إليك محمّد فأبشّرك بما يسوؤك، تجرّ على وجهك وبطنك في النّار» قال: قلت: يا رسول الله! ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلّا إيّاه، وكانوا يحسبونه أنّهم مصلحون قال: «ذلك لأنّ الله بعث في آخر كلّ سبع أمم- يعني نبيّا- فمن عصى نبيّه كان من الضّالّين، ومن أطاع نبيّه كان من المهتدين) * «٢» . ١٩-* (عن أسماء- ﵂ قالت: خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ . فدخلت على عائشة وهي تصلّي. فقلت: ما شأن النّاس يصلّون؟ فأشارت برأسها إلى السّمآء. فقلت: آية؟ قالت: نعم. فأطال رسول الله ﷺ القيام جدّا. حتّى تجلّاني الغشي «٣» . فأخذت قربة من ماء إلى جنبي. فجعلت أصبّ على رأسي- أو على وجهي- من الماء. قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلّت الشّمس. فخطب رسول الله ﷺ النّاس. فحمد الله وأثنى عليه. ثمّ قال: «أمّا بعد. ما من شيء لم أكن رأيته إلّا قد رأيته في مقامي هذا. حتّى الجنّة والنّار. وإنّه قد أوحي إليّ أنّكم تفتنون في القبور قريبا أو مثل فتنة المسيح الدّجّال. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرّجل؟ فأمّا المؤمن أو الموقن. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: هو محمّد، هو رسول الله، جاءنا بالبيّنات

стр. 4317

والهدى. فأجبنا وأطعنا. ثلاث مرار. فيقال له: نم. قد كنّا نعلم إنّك لتؤمن به. فنم صالحا. وأمّا المنافق أو المرتاب (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: لا أدري سمعت النّاس يقولون شيئا فقلت) * «١» . ٢٠-* (عن أمّ سلمة- ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقّ بصره «٢» . فأغمضه. ثمّ قال: «إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر» فضجّ ناس من أهله. فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلّا بخير. فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون» ثمّ قال: «اللهمّ اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديّين، واخلفه في عقبه في الغابرين «٣» . واغفر لنا وله يا ربّ العالمين. وافسح له في قبره. ونوّر له فيه) * «٤» . ٢١-* (عن البراء- ﵁ قال: لمّا كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتّى وارى عنّى التّراب جلدة بطنه وكان كثير الشّعر- فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التّراب يقول: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا قال ثمّ يمدّ صوته بآخرها) » «٥» . ٢٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: زوّجني أبي امرأة من قريش، فلمّا دخلت عليّ جعلت لا أنحاش لها «٦» ممّا بي من القوّة على العبادة من الصّوم والصّلاة فجاء عمرو بن العاص إلى كنّته «٧» حتّى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرّجال، أو كخير البعولة من رجل لم يفتّش لنا كنفا، ولم يعرف لنا فراشا، فأقبل عليّ فعذمني «٨» وعضّني بلسانه! فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها «٩» وفعلت وفعلت!! ثمّ انطلق إلى النّبيّ ﷺ فشكاني فأرسل إليّ النّبيّ ﷺ فأتيته، فقال لي: أتصوم النّهار؟ قلت: نعم، قال: وتقوم اللّيل؟ قلت: نعم، قال: لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأمسّ النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» قال: «اقرأ القرآن في كلّ شهر» قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشرة أيّام» قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل يرفعني حتّى قال: صم يوما وأفطر يوما فإنّه أفضل الصّيام وهو صيام أخي داود ﷺ قال حصين في حديثه: ثمّ قال ﷺ : فإنّ لكلّ

стр. 4318

عابد شرّة «١» ولكلّ شرّة فترة «٢» ، فإمّا إلى سنّة، وإمّا إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو حيث ضعف وكبر، يصوم الأيّام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ليتقوّى بذلك، ثمّ يفطر بعد تلك الأيّام، قال: وكان يقرأ في كلّ حزبه «٣» كذلك، يزيد أحيانا وينقص أحيانا، غير أنّه يوفي العدد إمّا في سبع وإمّا في ثلاث، قال: ثمّ كان يقول بعد ذلك: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ ممّا عدل به أو عدل، لكنّي فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره) * «٤» . ٢٣-* (عن فضالة بن عبيد- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع» ) * «٥» . ٢٤-* (قال أبو هريرة- ﵁: قدم طفيل بن عمرو الدّوسيّ وأصحابه على النّبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنّ دوسا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس. قال: «اللهمّ اهد دوسا وائت بهم» ) * «٦» . ٢٥-* (عن عليّ- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «قل: اللهمّ اهدني وسدّدني، واذكر بالهدى هدايتك الطّريق. والسّداد، سداد السّهم) * «٧» . ٢٦-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتّى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ، ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد «٨» ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» . ثمّ يقول: «أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا «٩» فإليّ وعليّ» ) * «١٠» . ٢٧-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: كان اليهود يتعاطسون «١١» عند النّبيّ ﷺ ، يرجون أن يقول لهم: «يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله،

стр. 4319

ويصلح بالكم» ) * «١» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ أهل النّار يرى مقعده من الجنّة فيقول: لو أنّ الله هداني فيكون عليهم حسرة، قال: وكلّ أهل الجنّة يرى مقعده من النّار فيقول: لولا أنّ الله هداني. قال: فيكون له شكرا» ) * «٢» . ٢٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله، إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» . فخرجت مستبشرا بدعوة النّبيّ ﷺ ، فلمّا جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف «٣» فسمعت أمّي خشف قدميّ «٤» ، فقالت: مكانك! يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء «٥» . قال فاغتسلت ولبست درعها «٦» ، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثمّ قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين. وحبّب إليهم المؤمنين» . فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلّا أحبّني) * «٧» . ٣٠-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «أين عليّ ابن أبي طالب؟» . فقالوا: هو، يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: «فأرسلوا إليه» . فأتى به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ. حتّى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الرّاية. فقال عليّ: يا رسول الله! أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟. فقال: «انفذ على رسلك. حتّى تنزل بساحتهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» ) * «٨» . ٣١-* (عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه ﵄ قال لمّا حضرت أبا طالب الوفاة،

стр. 4320

جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة. فقال رسول الله ﷺ : «يا عمّ قل: لا إله إلّا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله» . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟. فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتّى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملّة عبد المطّلب. وأبى أن يقول: لا إله إلّا الله. فقال رسول الله ﷺ : «أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (التوبة/ ١١٣) . وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص/ ٥٦) * «١» . ٣٢-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: لمّا كان يوم بدر، قال: نظر النّبيّ ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النّبيّ ﷺ القبلة، ثمّ مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثمّ قال: «اللهمّ! أين ما وعدتني؟، اللهمّ! أنجز ما وعدتني، اللهمّ! إنّك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا» ، قال: فما زال يستغيث ربّه- ويدعوه حتّى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر- ﵁ فأخذ رداءه فردّه، ثمّ التزمه من ورائه ثمّ قال: يا نبيّ الله، كفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (الأنفال/ ٩) فلمّا كان يومئذ والتقوا، فهزم الله- المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعليّا وعمر- ﵃، فقال أبو بكر- ﵁: يا نبيّ الله! هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، فإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول الله ﷺ : «ما ترى يا بن الخطّاب؟» . قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر- ﵁ ولكنّي أرى أن تمكّنني من فلان، قريبا لعمر، فأضرب عنقه، وتمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتّى يعلم الله أنّه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم، وقادتهم، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر- ﵁، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلمّا أن كان من الغد، قال عمر- ﵁: غدوت إلى النّبيّ ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر- ﵁، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال: فقال النّبيّ ﷺ : «الّذي عرض عليّ أصحابك من الفداء،

стр. 4321

لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشّجرة» ، لشجرة قريبة، وأنزل الله- : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ (الأنفال/ ٦٧) من الفداء، ثمّ أحلّ لهم الغنائم، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النّبيّ ﷺ عن النّبيّ ﷺ ، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة «١» على رأسه، وسال الدّم على وجهه، وأنزل الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها الآية (آل عمران/ ١٦٥) ، بأخذكم الفداء» ) * «٢» . ٣٣-* (عن أبي الحوراء السّعديّ، قال: قلت للحسن بن عليّ: ما تذكر من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر أنّي أخذت تمرة من تمر الصّدقة، فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله ﷺ بلعابها فألقاها في التّمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التّمرة؟ قال: «إنّا لا نأكل الصّدقة» قال: وكان يقول «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصّدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة. قال: وكان يعلّمنا هذا الدّعاء: «اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنّه لا يذلّ من واليت» ، وربّما قال «تباركت ربّنا وتعاليت» ) * «٣» . ٣٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ وما رآهم. انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ «٤» ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب، فرجعت الشّياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، قالوا: ما ذاك إلّا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها «٥» ، فانظروا ما هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السّماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النّفر الّذين أخذوا نحو تهامة (وهو بنخل «٦» ، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر) فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا حال بيننا وبين خبر السّماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ

стр. 4322

نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (الجن/ ١، ٢) فأنزل الله- على نبيّه محمّد ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (الجن/ ١)) * «١» . ٣٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «ما كان من نبيّ إلّا وقد كان له حواريّون يهتدون بهديه «٢» ويستنّون بسنّته» ) * «٣» . ٣٦-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها النّاس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان «٤» لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه «٥» في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الّذي أرسلت به» . قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيّلت «٦» الماء قاع يعلوه الماء، والصّفصف المستوي من الأرض» ) * «٧» . ٣٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» ) * «٨» . ٣٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سنّ سنّة ضلال فاتّبع عليها كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ومن سنّ سنّة هدى فاتّبع عليها كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» ) * «٩» . ٣٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في حديث أبي سفيان مع هرقل، قال: ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ الّذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، من محمّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم: سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين «١٠» ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران/ ٦٤) . قال أبو سفيان: فلمّا قال

стр. 4323

ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصّخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، وقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة «١» ، إنّه يخافه ملك بني الأصفر «٢» ، فما زلت موقنا أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام) * «٣» . ٤٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالنّاس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنّصارى بعد غد» ) * «٤» . ٤١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، فيما روى عن الله ﵎ أنّه قال: «يا عبادي! إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما. فلا تظالموا. يا عبادي! كلّكم ضالّ إلّا من هديته. فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلّكم جائع إلّا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلّكم عار إلّا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنّكم تخطئون باللّيل والنّهار، وأنا أغفر الذّنوب جميعا. فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم. ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم. وإنسكم وجنّكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي! لو أنّ أوّلكم وآخركم. وإنسكم وجنّكم. قاموا في صعيد واحد فسألوني. فأعطيت كلّ إنسان مسألته ما نقص ذلك ممّا عندي إلّا كما ينقص المخيط «٥» إذا أدخل البحر. يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم. ثمّ أوفّيكم إيّاها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه) * «٦» . ٤٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنّة» ، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنّة، ثمّ يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام، ثمّ يجاهد في سبيل الله فيستشهد» ) * «٧» .

стр. 4324

الأحاديث الواردة في (الهدى) معنى ٤٣-* (عن أنس- ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفّقه لعمل صالح قبل الموت» ) * «١» . ٤٤-* (عن عديّ بن حاتم أنّ رجلا خطب عند النّبيّ ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب أنت» . قال: قل: ومن يعص الله ورسوله» «٢» . قال ابن نمير: فقد غوى) * «٣» . ٤٥-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إنّكم تسيرون عشيّتكم وليلتكم. وتأتون الماء، إن شاء الله، غدا فانطلق النّاس لا يلوى أحد على أحد «٤» قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتّى ابهارّ اللّيل «٥» وأنا إلى جنبه. قال فنعس «٦» رسول الله ﷺ . فمال عن راحلته. فأتيته فدعمته «٧» . من غير أن أوقظه. حتّى اعتدل على راحلته. قال: ثمّ سار حتّى تهوّر اللّيل «٨» مال عن راحلته. قال: فدعمته من غير أن أوقظه. حتّى اعتدل على راحلته. قال: ثمّ سار حتّى إذا كان من آخر السّحر مال ميلة. هي أشدّ من الميلتين الأوليين. حتّى كاد ينجفل «٩» . فأتيته فدعمته. فرفع رأسه فقال: «من هذا؟» . قلت: أبو قتادة. قال: «متى كان هذا مسيرك منّي؟» . قلت: ما زال هذا مسيرى منذ اللّيلة. قال: «حفظك الله بما حفظت به نبيّه «١٠» » ثمّ قال: «هل ترانا نخفى على النّاس؟» . ثمّ قال: «هل ترى من أحد؟» . قلت: هذا راكب. ثمّ قلت: هذا راكب آخر. حتّى اجتمعنا فكنّا سبعة ركب «١١» . قال: فمال رسول الله ﷺ عن الطّريق. فوضع رأسه. ثمّ قال: «احفظوا علينا صلاتنا. فكان أوّل من استيقظ رسول الله ﷺ والشّمس في ظهره. قال: فقمنا فزعين. ثمّ قال: «اركبوا» . فركبنا. فسرنا. حتّى إذا ارتفعت الشّمس نزل. ثمّ دعا بميضأة «١٢» كانت معي فيها شيء من

стр. 4325

ماء. قال: فتوضّأ منها وضوءا دون وضوء «١» . قال: وبقي فيها شيء من ماء. ثمّ قال لأبي قتادة: «احفظ علينا ميضأتك. فسيكون لها نبأ» . ثمّ أذّن بلال بالصّلاة. فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين. ثمّ صلّى الغداة فصنع كما كان يصنع كلّ يوم. قال: وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه. قال فجعل بعضنا يهمس إلى بعض «٢» : ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثمّ قال: «أما لكم فيّ أسوة «٣» ؟» . ثمّ قال: «أما إنّه ليس في النّوم تفريط «٤» . إنّما التّفريط على من لم يصلّ الصّلاة حتّى يجيء وقت الصّلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلّها عند وقتها» . ثمّ قال: «ما ترون النّاس صنعوا؟» . قال: ثمّ قال «٥» : «أصبح النّاس فقدوا نبيّهم» . فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم. لم يكن ليخلّفكم. وقال النّاس: إنّ رسول الله ﷺ بين أيديكم. فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا. قال: فانتهينا إلى النّاس حين امتدّ النّهار وحمي كلّ شيء. وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا. عطشنا. فقال: «لا هلك عليكم «٦» » . ثمّ قال: «أطلقوا لي غمري «٧» » . قال: ودعا بالميضأة. فجعل رسول الله ﷺ يصبّ وأبو قتادة يسقيهم. فلم يعد أن رأى النّاس ماء في الميضأة تكابّوا عليها «٨» . فقال رسول الله ﷺ : «أحسنوا الملأ «٩» . كلّكم سيروى» . قال ففعلوا. فجعل رسول الله ﷺ يصبّ وأسقيهم حتّى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ . قال ثمّ صبّ رسول الله ﷺ فقال لي: «اشرب» . فقلت: لا أشرب حتّى تشرب يا رسول الله قال: «إنّ ساقي القوم آخرهم شربا» . قال فشربت. وشرب رسول الله ﷺ . قال فأتى النّاس الماء جامّين رواء «١٠» . قال فقال عبد الله بن

стр. 4326

رباح: إنّي لأحدّث هذا الحديث في مسجد الجامع «١» . إذ قال عمران بن حصين: انظر أيّها الفتى كيف تحدّث. فإنّي أحد الرّكب تلك اللّيلة» . قال قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممّن أنت؟، قلت: من الأنصار. قال: حدّث فأنتم أعلم بحديثكم. قال: فحدّثت القوم. فقال عمران: لقد شهدت تلك اللّيلة وما شعرت أنّ أحدا حفظه كما حفظته «٢» » ) * «٣» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الهدى) ٤٦-* (عن عبد الله- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، أنّه كان يقول: «اللهمّ إنّي أسألك الهدى والتّقى والعفاف «٤» والغنى «٥» ) * «٦» . ٤٧-* (عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، قال: سألت عائشة أمّ المؤمنين: بأيّ شيء كان نبيّ الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من اللّيل؟ قالت: كان إذا قام من اللّيل افتتح صلاته: «اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السّماوات والأرض، عالم الغيب والشّهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ) * «٧» . ٤٨-* (عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأيّ شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام اللّيل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبّر عشرا، وحمد الله عشرا، وسبّح عشرا، وهلّل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: «اللهمّ اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني» . ويتعوّذ من ضيق المقام يوم القيامة، قال أبو داود: ورواه خالد بن معدان عن ربيعة الجرشيّ عن عائشة، نحوه) * «٨» . ٤٩-* (عن السّائب، قال صلّى بنا عمّار بن ياسر صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم: لقد خفّفت أو أوجزت الصّلاة، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، فلمّا

стр. 4327

قام تبعه رجل من القوم هو أبيّ غير أنّه كنى عن نفسه، فسأله عن الدّعاء ثمّ جاء فأخبر به القوم: اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهمّ وأسألك خشيتك في الغيب والشّهادة، وأسألك كلمة الحقّ في الرّضا والغضب وأسألك القصد في الفقر والغني، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك، والشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّة ولا فتنة مضلّة، اللهمّ زيّنّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) * «١» . ٥٠-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: ما صلّيت وراء نبيّكم ﷺ ، إلّا سمعته يقول حين انصرف: «اللهمّ اغفر لي خطئي وعمدي، اللهمّ اهدني لصالح الأعمال والأخلاق، إنّه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيّئها إلّا أنت» ) * «٢» . ٥١-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة قال: «وجّهت وجهي «٣» للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا «٤» وما أنا من المشركين «٥» . إنّ صلاتي ونسكي «٦» ومحياي ومماتي «٧» لله ربّ العالمين «٨» لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت. أنت ربّي وأنا عبدك. ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا. إنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق «٩»

стр. 4328

لا يهدي لأحسنها إلّا أنت. واصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت. لبّيك «١» وسعديك «٢» والخير كلّه في يديك. والشّرّ ليس إليك. أنا بك وإليك «٣» . تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك» . وإذا ركع قال: «اللهمّ لك ركعت. وبك آمنت. ولك أسلمت. خشع لك سمعي وبصري. ومخّي وعظمي وعصبي» . وإذا رفع قال: «اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السّماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» . وإذا سجد قال: «اللهمّ لك سجدت وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للّذي خلقه وصوّره، وشقّ سمعه وبصره. تبارك الله أحسن الخالقين» . ثمّ يكون من آخر ما يقول بين التّشهّد والتّسليم: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت. وما أسرفت. وما أنت أعلم به منّي. أنت المقدّم وأنت المؤخّر لا إله إلّا أنت» ) * «٤» . ٥٢-* (عن جابر- ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله أخرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم. قال: «اللهمّ اهد ثقيفا» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الهدى) ١-* (عن عبد الله- ﵁، قال: من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث ينادى بهنّ. فإنّ الله شرع لنبيّكم ﷺ سنن الهدى وإنّهنّ من سنن الهدى لو أنّكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيّكم. ولو تركتم سنّة نبيّكم لضللتم. وما من رجل يتطهّر فيحسن الطّهور ثمّ يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلّا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطّ عنه بها سيّئة. ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلّا منافق، معلوم النّفاق، ولقد كان الرّجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين حتّى يقام في الصّفّ» ) * «٦» . ٢-* (وقال ابن مسعود أيضا: «كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس «٧» البيوت، وسرج اللّيل، جدد القلوب، خلقان الثّياب، تعرفون في السّماء وتخفون على أهل الأرض» ) * «٨» . ٣-* (وقال: لا يكن أحدكم إمّعة، قالوا وما الإمّعة؟ قال: يقول: «أنا مع النّاس، إن اهتدوا

стр. 4329

اهتديت وإن ضلّوا ضللت، ألا ليوطّننّ أحدكم نفسه على أنّه إن كفر النّاس لا يكفر» ) * «١» . ٤-* (وقال أيضا: «امشوا إلى المسجد، فإنّه من الهدى وسنّة محمّد ﷺ » ) * «٢» . ٥-* (عن أبي أمامة بن سهل، قال: «كنّا مع عثمان وهو محصور في الدّار، فدخل مدخلا كان إذا دخله يسمع كلامه من على البلاط، قال: فدخل ذلك المدخل، وخرج إلينا، فقال: إنّهم يتوعّدوني بالقتل آنفا، قال: قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: وبم يقتلونني؟ إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحلّ دم امرىء مسلم إلّا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها. فو الله ما أحببت أنّ لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا زنيت في جاهليّة ولا في إسلام قطّ، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلونني؟» ) * «٣» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ في قصصه يذكر النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ أخا لكم لا يقول الرّفث يعني بذلك ابن رواحة قال: فينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى، فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ) * «٤» . ٧-* (عن حذيفة- ﵁ قال: «إنّ أشبه النّاس دلّا وسمتا وهديا برسول الله ﷺ لابن أمّ عبد، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا» ) * «٥» . ٨-* (عن أنس بن مالك أنّه سمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله ﷺ ، تشهّد قبل أبي بكر فقال: «أمّا بعد فاختار الله لرسوله ﷺ الّذي عنده على الّذي عندكم، وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا، وإنّما هدى الله به رسوله) * «٦» . ٩-* (قال ابن الجوزيّ: «والله ما ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد فإنّه سبحانه إذا أراد شخصا ربّاه من طفولته وهداه إلى الصّواب ودلّه على الرّشاد، وحبّب إليه ما يصلح، وصحبه من يصلح، وبغّض إليه ضدّ ذلك» ) * «٧» . ١٠-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «والعبد مضطرّ دائما إلى أن يهديه الله الصّراط المستقيم، فهو مضطرّ إلى مقصود هذا الدّعاء، فإنّه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى السّعادة إلّا بهذه الهداية، وهذا الهدى لا يحصل إلّا بهدى الله» ) * «٨» .

стр. 4330

١١-* (قال ابن القيّم- ﵀: «الهداية تجرّ الهداية، والضّلال يجرّ الضّلال، فأعمال البرّ تثمر الهدى، وكلّما ازددت منها ازداد الهدى، وأعمال الفجور بالضّدّ، وذلك أنّ الله سبحانه يحبّ أعمال البرّ فيجازي عليها بالهدى والفلاح، ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضّلال والشّقاء» ) * «١» . ١٢-* (وقال أيضا: «إنّ العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدّق بأخباره، كان ذلك سببا لهداية أخرى تحصل له على التّفصيل، فإنّ الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً (مريم/ ٧٦) » ) * «٢» . ١٣-* (وقال أيضا: «فالهدى والفضل والنّعمة والرّحمة متلازمات لا ينفكّ بعضها عن بعض» ) * «٣» . ١٤-* (وقال أيضا: «أكمل الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وكان موفّيا كلّ واحد منهما أي الإسلام والإحسان حقّه» ) * «٤» . من فوائد (الهدى) (١) ينير قلب المؤمن بنور العلم والإيمان. (٢) من أكبر نعم الله على العبد أن يهديه الله سبيل الرّشاد. (٣) الهدى هديان: هدى الله الّذي لا يقدر عليه مخلوق. وهدى الدّلالة ما يستفاد من الرّسل وأتباعهم. (٤) أساس الهدى التّوحيد فمن أخلص العبادة لله وحده كان من المهتدين. (٥) إنّ النّبيّ ﷺ كان كثيرا ما يبتهل إلى الله- بالدّعاء لأقوام وأفراد يسأله الهداية لهم. (٦) الهدى كلّ الهدى في كتاب الله- وسنّة رسول الله ﷺ . (٧) طريق موصّل إلى رضوان الله وجنّته. (٨) المهتدي قريب من ربّه قريب من إخوانه. (٩) نشر الهدى في المجتمعات يزيد في الطّاعات ويبعد عن المعاصي.

стр. 4331

[حرف الواو] الورع الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ٣١/ ٢٢ الورع لغة: مصدر قولهم: ورع يرع وهو مأخوذ من مادّة (ور ع) الّتي تدلّ على الكفّ والانقباض، قال ابن فارس: ومنه (أي من هذا المعنى) الورع: العفّة، وهي الكفّ عمّا لا ينبغي، والورع (أيضا) الرّجل الجبان، والفعل منه ورع يورع ورعا إذا كان جبانا، وورّعته وأورعته: كففته «١» . وقال الجوهريّ: قال ابن السّكّيت وأصحابنا (الكوفيّون) يذهبون بالورع إلى الجبان وليس كذلك، وإنّما الورع: الصّغير الضّعيف الّذي لا غناء عنده، ويقال من ذلك: إنّما مال فلان أوراع: أي صغار، والورع (بكسر الرّاء) : الرّجل التّقيّ، وتورّع من كذا أي تحرّج. وقال الفيروزاباديّ: الورع التّقوى، وقد ورع كورث، ووجل، ووضع، وكرم «٢» أي تحرّج. وقال ابن منظور: الورع: التّحرّج، والورع: بكسر الرّاء: الرّجل التّقيّ المتحرّج. والورع في الأصل: الكفّ عن المحارم والتّحرّج منها، ثمّ استعير للكفّ عن المباح والحلال وقال الأصمعيّ: الرّعة الهدى وحسن الهيئة. يقال: قوم حسنة رعتهم أي شأنهم وأمرهم وأدبهم وأصله من الورع، وهو الكفّ عن القبيح «٣» . واصطلاحا: قال المناويّ: قيل (في تعريفه) : الورع ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النّفس على الأشقّ. وقيل: النّظر في المطعم واللّباس، وترك ما به بأس، وقيل: تجنّب الشّبهات، ومراقبة الخطرات «٤» . وقال الكفويّ: الورع: الاجتناب عن الشّبهات سواء كان تحصيلا أو غير تحصيل؛ إذ قد يفعل المرء فعلا تورّعا، وقد يتركه تورّعا أيضا، ويستعمل بمعنى التّقوى، وهو الكفّ عن المحرّمات القطعيّة «٥» . وقال الرّاغب: الورع عبارة عن ترك التّسرّع إلى

стр. 4332

تناول أعراض الدّنيا «١» . وقيل ترك ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس. وقيل هو: ترك الشّبهات وهو الورع المندوب، ويطلق على ترك المحرّمات «٢» . وقال ابن تيمية: هو الورع عمّا قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه وما يشكّ في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله، وكذلك الاحتيال بفعل ما يشكّ في وجوبه لكن على هذا الوجه «٣» . وقال ابن القيّم: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة «٤» . كمال الورع: قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشرّ الشّرّين، ويعلم أنّ الشّريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلّا فمن لم يوازن ما في الفعل والتّرك من المصلحة الشّرعيّة، والمفسدة الشّرعيّة فقد يدع واجبات ويفعل محرّمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظّلمة ويرى ذلك ورعا، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمّة الّذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة العباد وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيّة، ويرى ترك قبول سماع هذا الحقّ الّذي يجب سماعه من الورع «٥» . الورع عن الحرام والمكروهات لا عن الواجبات والمستحبات: قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى- بعد كلام ذكر فيه الفرق بين الزّهد والورع: وبهذا يتبيّن أنّ الواجبات والمستحبّات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأمّا المحرّمات والمكروهات فيصلح فيها الزّهد والورع «٦» . ولذا يقول الجرجانيّ: هو اجتناب الشّبهات خوفا من الوقوع في المحرّمات. وقيل: هو ملازمة الأعمال الجميلة «٧» . أنواع الورع ودرجاته: قسّم الرّاغب الأصفهانيّ الورع إلى ثلاث مراتب: ١- واجب: وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للنّاس كافّة. ٢- مندوب: وهو الوقوف عن الشّبهات، وذلك للأواسط. ٣- فضيلة: وهو الكفّ عن كثير من المباحات والاقتصار على أقلّ الضّرورات، وذلك للنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين «٨» . وقال الشّيخ أبو إسماعيل الهرويّ- ﵀

стр. 4333

تعالى-: الورع على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: تجنّب القبائح لصدق النّفس، وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان. الدّرجة الثّانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به، إبقاء على الصّيانة، والتّقوى، وصعودا عن الدّناءة، وتخلّصا عن اقتحام الحدود. الدّرجة الثّالثة: التّورّع عن كلّ داعية تدعو إلى شتات الوقت والتّعلّق بالتّفرّق «١» . مظاهر الورع: للورع مظاهر عديدة تختلف باختلاف أعضاء الإنسان الّتي يتصوّر استخدامها في أغراض الدّنيا، كما تختلف باختلاف العلاقات الإنسانيّة الّتي قد تتعارض فيها الرّغبات، وتختلف المصالح، ولله درّ ابن أبي الدّنيا الّذي قسّم الورع إلى أبواب بحسب ذلك كلّه، فعقد أبوابا كبارا حشد فيها أحاديث وآثارا. وقد جاءت على النّحو التّالي: ١- باب الورع في النّظر. ٢- باب الورع في السّمع. ٣- باب الورع في الشّمّ. ٤- باب الورع في اللّسان. ٥- باب الورع في البطش. ٦- باب الورع في البطن. ٧- باب الورع في الفرج. ٨- باب الورع في السّعي. ٩- باب الورع في الشّراء والبيع «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: التقوى- حسن الخلق- الزهد- مجاهدة النفس- المروءة- النزاهة- الرضا- الرهبة- الرغبة والترغيب- الخشوع- محاسبة النفس- الخشية- الخوف. وفي ضد ذلك: انظر صفات: انتهاك الحرمات التطفيف- الطمع- الغلول- العصيان- الغفلة- الفجور- الفسوق] .

стр. 4334

الأحاديث الواردة في (الورع) ١-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» ) * «١» . ٢-* (عن جابر- ﵁ قال: ذكر رجل عند النّبيّ ﷺ بعبادة واجتهاد، وذكر عنده آخر برعة. فقال النّبيّ ﷺ : «لا تعدل بالرّعة «٢» » ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (الورع) معنى ٣-* (عن وابصة بن معبد صاحب النّبيّ ﷺ قال: جئت إلى رسول الله ﷺ أسأله عن البرّ والإثم فقال: «جئت تسأل عن البرّ والإثم» فقلت: والّذي بعثك بالحقّ ما جئتك أسألك عن غيره، فقال: «البرّ ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه النّاس» ) * «٤» . ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّها النّاس، اتّقوا الله وأجملوا في الطّلب، فإنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتّقوا الله وأجملوا في الطّلب. خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم» ) * «٥» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة فيها ذهب. فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذّهب. وقال الّذي له الأرض: إنّما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال: أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدّقا» ) * «٦» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : «أنّ رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل بأن يسلفه ألف دينار، فدفعها إليه، فخرج في

стр. 4335

البحر فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار فرمى بها في البحر، فخرج الرّجل الّذي كان أسلفه، فإذا بالخشبة، فأخذها لأهله حطبا، فذكر الحديث فلمّا نشرها وجد المال» ) * «١» . ٧-* (عن أبي قتادة وأبي الدّهماء- ﵄ قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: نعم. سمعته يقول: «إنّك لن تدع شيئا لله- إلّا أبدلك الله به ما هو خير لك منه» وفي رواية: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلّمني ممّا علّمه الله- ﵎ وقال: «إنّك لن تدع شيئا اتّقاء لله- إلّا أعطاك الله خيرا منه» ) * «٢» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄. أنّ رسول الله ﷺ : قال: «أربع إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدّنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة» ) * «٣» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أيّها النّاس، إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. (المؤمنون/ ٥١) ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (البقرة/ ١٧٢) . ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السّماء. يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك؟» «٤» ) * «٥» . ١٠-* (عن عقبة بن الحارث- ﵁ أنّه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إنّي قد أرضعت عقبة والّتي تزوّج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنّك أرضعتني، ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره) * «٦» . ١١-* (عن الحسن بن عليّ- ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصّدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة» ) * «٧» . ١٢-* (عن النّوّاس بن سمعان الأنصاريّ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البرّ

стр. 4336

والإثم؟. فقال: «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» ) * «١» . ١٣-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا إنّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» ) * «٢» . ١٤-* (عن طريف أبي تميمة قال: شهدت صفوان وجندبا وأصحابه وهو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا؟ قال سمعته يقول: «من سمّع سمّع الله به يوم القيامة» قال: «ومن شاقّ شقّ الله عليه يوم القيامة» فقالوا: أوصنا. فقال: إنّ أوّل ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع ألّا يأكل إلّا طيّبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنّة بملء كفّ من دم هراقة «٣» فليفعل» ) * «٤» . ١٥-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء» فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «أناس صالحون، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم» ، قال: وكنّا عند رسول الله ﷺ يوما آخر حين طلعت الشّمس فقال رسول الله ﷺ : «سيأتي أناس من أمّتي يوم القيامة نورهم كضوء الشّمس» . قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ فقال: «فقراء المهاجرين، والّذين تتّقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره، يحشرون من أقطار الأرض» ) * «٥» . ١٦-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ النّاس أفضل؟ قال: «كلّ مخموم القلب «٦» صدوق اللّسان» . قالوا: صدوق اللّسان نعرفه؛ فما مخموم القلب؟ قال: «هو التّقيّ النّقيّ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد» ) * «٧» . ١٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : «طلب الحلال واجب على كلّ مسلم» ) * «٨» . ١٨-* (عن أبي قتادة الأنصاريّ- رضي الله

стр. 4337

عنه- قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ بالقاحة «١» ، ومنّا المحرم ومنّا غير المحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش- يعني وقع سوطه- فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، إنّا محرمون، فتناولته فأخذته، ثمّ أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته «٢» فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا. وقال بعضهم: لا تأكلوا. فأتيت النّبيّ ﷺ وهو أمامنا، فسألته فقال: «كلوه حلال» ) * «٣» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حبله ثمّ يغدو- أحسبه قال- إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدّق خير له من أن يسأل النّاس» ) * «٤» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ : «قال ليس المسكين الّذي يطوف على النّاس تردّه اللّقمة واللّقمتان والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدّق عليه ولا يقوم فيسأل النّاس» ) * «٥» . ٢١-* (عن عديّ بن عميرة الكنديّ- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا «٦» فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة» قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار. كأنّي أنظر إليه، فقال: يا رسول الله! اقبل عنّي عملك. قال: «وما لك؟» . قال: سمعتك تقول: كذا وكذا. قال: «وأنا أقوله الآن. من استعملناه منكم على عمل فليجىء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ. وما نهي عنه انتهى» ) * «٧» ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ) * «٨» . ٢٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يأخذ عنّي هؤلاء الكلمات فيعمل بهنّ أو يعلّم من يعمل بهنّ؟» . فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعدّ خمسا وقال: «اتّق المحارم تكن أعبد النّاس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى النّاس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضّحك، فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب» ) * «٩» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁

стр. 4338

قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده، لأنّ يأخذ أحدكم حبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب ثمّ يأتي به يحمله على ظهره، فيبيعه فيأكل خير له من أن يسأل النّاس، ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه خير له من أن يجعل في فيه ما حرّم الله عليه» ) * «١» . ٢٥-* (عن عطيّة السّعديّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس» ) * «٢» . ٢٦-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ حين قال لها أهل الإفك ... الحديث، وفي آخره: «وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلّا خيرا. قالت: وهي الّتي كانت تساميني «٣» فعصمها الله بالورع» ) * «٤» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الورع) ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ الحسن بن عليّ- ﵄ أخذ تمرة من تمر الصّدقة فجعلها في فيه، فقال له النّبيّ ﷺ بالفارسيّة: «كخ، كخ «٥» . أما تعرف أنّا لا نأكل الصّدقة» ) * «٦» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إنّي لأنقلب إلى أهلي فأجد التّمرة ساقطة على فراشي ثمّ أرفعها لآكلها، ثمّ أخشى أن تكون صدقة فألقيها» ) * «٧» . ٢٩-* (عن نافع مولى ابن عمر: أنّ ابن عمر سمع صوت زمّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطّريق وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتّى قلت: لا، فوضع يديه وأعاد راحلتة إلى الطّريق، وقال: رأيت رسول الله ﷺ وسمع صوت زمّارة راع فصنع مثل هذا» ) * «٨» . ٣٠-* (عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال

стр. 4339

نعم. كثيرا، كان لا يقوم من مصلّاه الّذي يصلّي فيه الصّبح حتّى تطلع الشّمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهليّة فيضحكون، ويتبسّم ﷺ » ) * «١» . ٣١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ مستجمعا قطّ ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «٢» ، إنّما كان يتبسّم» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الورع) ١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهّنت لإنسان في الجاهليّة، وما أحسن الكهانة إلّا أنّي خدعته، فأعطاني بذلك، فهذا الّذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه» ) * «٤» . ٢-* (عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر ابن الخطّاب- ﵁ قبل أن يصاب بأيّام بالمدينة، ... وفيه: فقالوا: «أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر. أو الرّهط- الّذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. فسمّى عليّا وعثمان والزّبير وطلحة وسعدا وعبد الرّحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء» ) * «٥» . ٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه كان فرض للمهاجرين الأوّلين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة. فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنّما هاجر به أبواه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه» ) * «٦» . ٤-* (عن ثعلبة بن أبي مالك- ﵁ قال: إنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ قسم مروطا بين نساء من نساء أهل المدينة فبقي منها مرط جيّد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين! أعط هذا بنت رسول الله ﷺ الّتي عندك- يريدون أمّ كلثوم بنت عليّ- فقال عمر: أمّ سليط أحقّ به (وأمّ سليط من نساء الأنصار ممّن بايع رسول الله ﷺ . قال عمر: فإنّها كانت تزفر «٧» لنا القرب يوم أحد» ) * «٨» . ٥-* (عن معاذ بن عبد الرّحمن بن عثمان التّيميّ عن أبيه. قال: كنّا مع طلحة بن عبيد الله ونحن

стр. 4340

حرم فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنّا من أكل، ومنّا من تورّع. فلمّا استيقظ طلحة وفّق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ * «١» . ٦-* (قال طاوس- رحمه الله تعالى-: «مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشّهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا- شيء سمّاه- وثمرها الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له» ) * «٢» . ٧-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «أفضل العلم الورع والتوّكّل» ) * «٣» . ٨-* (وقال- رحمه الله تعالى: «الفقيه الورع الزّاهد المقيم على سنّة محمّد ﷺ ، الّذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهزأ بمن فوقه، ولا يأخذ على علم علّمه الله- حطاما» ) * «٤» . ٩-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه» ) «٥» . ١٠-* (وقال أيضا: «ما في الأرض شيء أحبّه للنّاس من قيام اللّيل، فقال له قائل: فأين الورع؟ قال: به به «٦» ذلك ملاك الأمر» ) * «٧» . ١١-* (وقال- رحمه الله تعالى- لغلام: «ما ملاك الدّين؟» قال: الورع. قال: «فما آفته؟» قال: الطّمع. فعجب الحسن منه» ) * «٨» . ١٢-* (قال خرشة بن الحرّ- ﵁: شهد رجل عند عمر بن الخطّاب- ﵁ بشهادة، فقال له: لست أعرفك، ولا يضرّك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأيّ شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، قال: فهو جارك الأدنى الّذي تعرفه ليله ونهاره ومدخله ومخرجه، قال: لا. قال: فمعاملك بالدّينار والدّرهم اللّذين بهما يستدلّ على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السّفر الّذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه، ثمّ قال للرّجل: ائت بمن يعرفك» ) * «٩» . ١٣-* (قال الأوزاعيّ: «كنّا نمزح ونضحك فلّما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التّبسّم» ) * «١٠» . ١٤-* (قال سفيان الثّوريّ- رحمه الله تعالى-: عليك بالورع يخفّف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشّك باليقين يسلم لك دينك» ، وعن قتيبة بن سعيد قال: «لولا سفيان

стр. 4341

الثّوريّ لمات الورع» ) * «١» . ١٥-* (قال صالح المرّيّ- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: التّورّع في الفتن كعبادة النّبيّين في الرّخاء» ) * «٢» . ١٦-* (قال حبيب- يعني ابن أبي ثابت رحمه الله تعالى-: «لا يعجبكم كثرة صلاة امرىء ولا صيامه، ولكن انظروا إلى ورعه، فإن كان ورعا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد لله حقّا» ) * «٣» . ١٧-* (قال الضّحّاك بن عثمان- رحمه الله تعالى-: «أدركت النّاس وهم يتعلّمون الورع، وهم اليوم يتعلّمون الكلام» ) * «٤» . ١٨-* (قال محمّد بن واسع- رحمه الله تعالى: «يكفي من الدّعاء مع الورع اليسير منه» ) * «٥» . ١٩-* (قال أبو حامد الغزاليّ- رحمه الله تعالى: «لن يعدم المتورّع عن الحرام فتوحا من الحلال» ) * «٦» . ٢٠-* (قال إبراهيم النّخعيّ- رحمه الله تعالى: «إنّما أهلك النّاس فضول الكلام وفضول المال» ) * «٧» . ٢١-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: «زينة العلم الورع والحلم» ) * «٨» . ٢٢-* (قال أبو محمّد بن أبي زيد- إمام المالكيّة في زمانه-: «جماع آداب الخير وأزمّته تتفرّع من أربعة أحاديث: قول النّبيّ ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ، وقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وقوله للّذي اختصر له في الوصيّة: «لا تغضب» وقوله: «المؤمن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» ) * «٩» . من فوائد (الورع) (١) الورع من أعلى مراتب الإيمان، وأفضل درجات الإحسان. (٢) يحقّق للمؤمن راحة البال، وطمأنينة النّفس. (٣) الكّفّ عن الحرام والبعد عمّا لا ينبغي. (٤) إشاعته في المجتمع يجعله مجتمعا صالحا نظيفا. (٥) الورع يحبّه الله- ويحبّه الخلق. (٦) الورع يستجاب دعاؤه.

стр. 4342

الوعظ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٢/ ١٢/ ٦ الوعظ لغة: الوعظ مصدر قولهم: وعظ يعظ وهو من مادّة (وع ظ) الّتي تدلّ على التّخويف، والعظة الاسم منه «١» ، وقال الخليل: العظة: الموعظة. يقال: وعظت الرّجل أعظه عظة وموعظة، واتّعظ: تقبّل العظة، وهو تذكيرك إيّاه الخير ونحوه ممّا يرقّ له قلبه. وقال الجوهريّ: الوعظ: النّصح والتّذكير بالعواقب، تقول: وعظته وعظا وعظة فاتّعظ «٢» ، وفي الحديث الشّريف: «يأتي على النّاس زمان يستحلّ فيه الرّبا بالبيع، والقتل بالموعظة» والمعنى في ذلك أن يقتل البريء ليتّعظ به المريب «٣» . وقال ابن منظور: الوعظ والعظة والعظة والموعظة: النّصح والتّذكير بالعواقب، قال ابن سيدة: هو تذكيرك للإنسان بما يليّن قلبه من ثواب وعقاب. وقد وعظه وعظا وعظة، واتّعظ هو: قبل الموعظة، حين يذكر الخبر ونحوه. ويقال: السّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من اتّعظ به غيره «٤» . واصطلاحا: قيل: هو التّذكير بالخبر فيما يرقّ له القلب «٥» . وقال الرّاغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف «٦» . من يصلح للوعظ ؟: ليس كلّ النّاس يصلح لوعظ العامّة وإرشادهم، وإنّما يقتصر ذلك على طائفة من العلماء الّذين أشار إليهم الرّاغب عند ما قال: حقّ الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء ليقدر على الاقتباس عنهم والاستفادة منهم، ومناسبة إلى الدّهماء، حتّى يقدروا بها على الأخذ منه، ومثل ذلك كمثل الوزير للسّلطان، إذ يجب فيه (أي الوزير) أن يكون متخلّقا بأخلاق الملوك، وأن يكون له تواضع السّوقة ليصلح أن يكون واسطة بينه وبينهم، فإذن حقّ الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم، ونسبة إلى العامّة يأخذ من الحكيم ويعطيهم، وذلك كنسبة الغضاريف إلى اللّحم والعظم جميعا، ولولا ذلك لما أمكن للعظم أن يكتسب الغذاء من اللّحم «٧» .

стр. 4343

الحالة التي يجب أن يكون عليها الواعظ: قال الرّاغب: حقّ الواعظ أن يتّعظ ثمّ يعظ، ويبصر ثمّ يبصّر، ويهتدي ثمّ يهدي، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد، ويجب ألا يجرح مقاله بفعاله، وألّا يكذّب لسانه بحاله، فيكون ممّن وصفهم الله تعالى بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.. إلى قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (البقرة/ ٢٠٤، ٢٠٥) ، ونحو ما قال عليّ بن أبي طالب- ﵁: «قصم ظهري رجلان: جاهل متنسّك وعالم متهتّك، فالجاهل يغرّ النّاس بتنسّكه، والعالم ينفّرهم بتهتّكه» والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به، وذلك أنّ عمله يدرك بالبصر، وعلمه يدرك بالبصيرة، وأكثر النّاس هم أصحاب الأبصار دون البصائر، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الّذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الّذي لا يدركه سوى أصحاب البصائر منهم. ومنزلة الواعظ من الموعوظ كمنزلة المداوي، فكما أنّ الطّبيب إذا قال للنّاس: لا تأكلوا هذا، فإنّه سمّ قاتل. ثمّ رأوه آكلا له عدّ سخرية وهزأ، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله. وبهذا النّظر قيل يا طبيب طبّب نفسك. بل قد قال تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف/ ٢ ٣) إلى غير ذلك من الآيات. وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطّبائع بما ليس منتقشا بها، فكما أنّه محال أن ينطبع الطّين بما ليس منتقشا في الطّابع، كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ، فإذا لم يكن الواعظ إلّا ذا قول مجرّد من الفعل لم يتلقّ عنه الموعوظ إلّا القول دون الفعل، وأيضا فإنّ الواعظ يجري من النّاس مجرى الظّلّ من ذي الظّلّ، فكما أنّه محال أن يعوجّ ذو الظّلّ والظّلّ مستقيم، كذلك من المحال أن يعوجّ الواعظ والموعوظ مستقيم. وكذلك النّار والأرض والهواء. فالواعظ إذا كان غاويا جرّ بغيّه غيره إلى نفسه، ولهذا حكى الله تعالى عن الكفّار قولهم: رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا (القصص/ ٦٣) وقال أيضا فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (الصافات/ ٣٢) . فمن ترشّح للوعظ ثمّ فعل فعلا قبيحا اقتدى به غيره فقد جمع بين وزره ووزرهم كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وقال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ (النحل/ ٢٥) الآية. وقد قال- ﵇ «من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» بل قد قال الله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (الأنعام/ ٣١) «١» . تفسير الحكمة والموعظة الحسنة: قال ابن القيّم- ﵀: «وإنّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدّة الافتقار إليها

стр. 4344

والعمى عن عيب الواعظ. وتذكّر الوعد والوعيد. وإنّما يشتدّ افتقار العبد إلى العظة- وهي التّرغيب والتّرهيب- إذا ضعفت إنابته وتذكّره، وإلّا فمتى قويت إنابته وتذكّره: لم تشتدّ حاجته إلى التّذكير والتّرغيب والتّرهيب، ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنّهي. و «العظة» يراد بها أمران: الأمر والنّهي المقرونان بالرّغبة والرّهبة، ونفس الرّغبة والرّهبة. فالمنيب المتذكّر: شديد الحاجة إلى الأمر والنّهي، والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى التّرغيب والتّرهيب. والمعارض المتكبّر: شديد الحاجة إلى المجادلة. فجاءت هذه الثّلاثة في حقّ هؤلاء الثّلاثة في قوله: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل/ ١٢٥) أطلق الحكمة، ولم يقيّدها بوصف الحسنة. إذ كلّها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتيّ. وأمّا «الموعظة» فقيّدها بوصف الإحسان. إذ ليس كلّ موعظة حسنة. وكذلك «الجدال» قد يكون بالّتي هي أحسن. وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته، ولينه وحدّته ورفقه. فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال الّتي هي أحسن. ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به، من الحجج والبراهين، والكلمات الّتي هي أحسن شيء وأبينه، وأدلّه على المقصود. وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق: أنّ الآية تتناول النّوعين. وأمّا العمى عن عيب الواعظ: فإنّه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته. لأنّ النّفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به. وهذا بمنزلة من يصف له الطّبيب دواء لمرض به مثله. والطّبيب معرض عنه غير ملتفت إليه. بل الطّبيب المذكور عندهم: أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به. لأنّه قد يقوم دواء آخر عنده مقام هذا الدّواء. وقد يرى أنّ به قوّة على ترك التّداوي. وقد يقنع بعمل الطّبيعة وغير ذلك، بخلاف هذا الواعظ. فإنّ ما يعظ به طريق معيّن للنّجاة لا يقوم غيرها مقامها. ولا بدّ منها. ولأجل هذه النّفرة قال شعيب- ﵇ لقومه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ (هود/ ٨٨) وقال بعض السّلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنّهي، إذا أمرت بشيء فكن أوّل الفاعلين له، المؤتمرين به. وإذا نهيت عن شيء، فكن أوّل المنتهين عنه. وقد قيل: يا أيّها الرّجل المعلّم غيره ... هلّا لنفسك كان ذا التّعليم؟ تصف الدّواء لذي السّقام وذي الضّنى ... ومن الضّنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

стр. 4345

فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك. وينفع التّعليم. فالعمى عن عيب الواعظ: من شروط تمام الانتفاع بموعظته. وأمّا تذكّر الوعد والوعيد: فإنّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه. ولا تنفع الموعظة إلّا لمن آمن به، وخافه ورجاه. قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ (هود/ ١٠٣) وقال: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى الأعلى/ ١٠) وقال: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (النازعات/ ٤٥) وأصرح من ذلك قوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (ق: ٤٥) فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره: شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر. ممّا يستحيل حصوله بدونه «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإرشاد- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- الإنذار- التذكير- الدعوة إلى الله- الهدى- التبليغ- الكلم الطيب- التقوى. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف- الضلال- الغي والإغواء- التفريط والإفراط- الإعراض] .
следующие страницы →