Полный текст (573 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وفي شعبان من هذه السنة اشتد الأمر بفخر الملك بن عمار بطرابلس من حصار الافرنج وتطاول أيامه وتمادي الترقب لوصول الانجاد وتمادي تأخر الاسعاد فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير ارتق بن عبد الرزاق أحد أمراء دمشق إليه ليتحدث معه بما في نفسه فأجابه إلى ذلك واستأذن ظهير الدين في ذلك فأذن له وتوجه نحوه وقد كان فخر الملك خرج من طرابلس في البر في تقدير خمسمائة فارس وراجل ومعه هدايا وتحف أعدها للسلطان عند مضيه إليه إلى بغداد فلما وصل ارتق إليه واجتمع معه تقررت الحال بينهما على وصوله إلى دمشق في صحبته فوصل إليها وأنزل في مرج باب الحديد بظاهرها وبالغ ظهير الدين في اكرامه وتناهى في احترامه وحمل إليه أمراء العسكرية ومقدموه من الخيل والبغال والجمال وغير ذلك ما أمكنهم حمله واتحافه به. وكان فخر الملك المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ابن عمه ووجوه أصحابه وغلمانه وأطلق لهم واجب ستة أشهر واستحلفهم وتوثق منهم. فأظهر عمه الخلاف له والعصيان عليه ونادى بشعار الأفضل بن أمير الجيوش بمصر فلما عرف فخر الملك ما بدا منه كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمل إلى حصن الخوابي ففعل ذلك وتوجه فخر الملك إلى بغداد ومعه تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك. وقد كان أتابك عرف إن جماعةً ممن يحسده في باب السلطان ويقع فيه بالسعاية ويقصده بالأذية وإفساد الحال عند السلطان فأصحب ولده المذكور من الهدايا والتحف من الخيول والثياب وغير ذلك مما يحسن انفاذ مثله واستوزر له أبا النجم هبة الله بن محمد بن بديع الذي كان مستوفياً للسلطان الشهيد تاج الدولة وجعله مدبراً لأمره وسفيراً بينه وبين من أنفذ إليه وتوجه في الثامن من شهر رمضان سنة ٥٠١
стр. 282
فلما وصلا إلى بغداد لقي فخر الملك من السلطان من الاكرام والاحترام ما زاد على أمله وتقدم إلى جماعة من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته وانجاده على طرد محاصري بلده والايقاع بهم والابعاد لهم وقرر مع العسكر المجرد معه الالمام بالموصل وانتزاعها من يدي جاولي سقاوه ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس فجرى ما تقدم به الشرح من ذلك وطال مقام فخر الملك طولاً ضجر معه وعاد إلى دمشق في نصف المحرم سنة ٥٠٢ فأما تاج الملوك بن ظهير الدين فجرى أمره فيما نفذ لأجله على غاية مراده ونهاية محابه وصادف من السلطان في حق أبيه وحقه ما سره وعاد منكفئاً إلى دمشق بعد ما شرف به من الخلع السنية الأمامية السلطانية ووصل إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة. وأقام فخر الملك بن عمار في دمشق بعد وصوله إليها أياماً وتوجه منها مع خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى خيله فدخلها وأطاعه أهلها. وأنفذ أهل طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه انفاذ وال يصل إليهم في البحر ومعه الغلة والميرة في المراكب لتسلم إليه البلد فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب والياً من قبل الأفضل ومعه الغلة فلما وصل إليها وحصل فيها قبض على جماعة أهل فخر الملك بن عمار وأصحابه وذخائره وألاته وأثاثه وحمل الجميع إلى مصر في البحر وفي هذه السنة أسرى ظهير الدين أتابك في عسكره إلى طبرية وفرق عسكره فرقتين نفذ إحداهما إلى أرض فلسطين والأخرى غاربها على طبرية فخرج إليه صاحبها في رجاله المعروف بجرفاس وهو من مقدمي الافرنج المشهورين بالفروسية والشجاعة والبسالة وشدة المراس يجري مجرى الملك بغدوين في التقدم على الافرنج فالتقاه وأحاطت خيل الأتراك
стр. 283
به وبأصحابه فقتل أكثرهم وأسر هو وجماعة معه وحملوا إلى دمشق فأنفذ بعضهم هدية إلى السلطان وقتل جرفاس ومن كان معه في الأسر من أصحابه بعد أن بذلوا في إطلاقهم جملةً من المال فلم يقبلها. وفيها تقدم السلطان غياث الدنيا والدين محمد عند وصوله إلى بغداد برفع المكوس وإبطال رسمها عن التجار والمسافرين في جميع بلاده وحظر تناول اليسير منها فلما عاد إلى أصفهان منها طمع في التجار وأخذ منهم المكس على سبيل الخلاف لما أمر فلما عاد إلى بغداد وانتهى الأمر إليه أنكر ما جرى في مخالفة أمره ووكد الأمر في إبطال ذلك وحذر من المخالفة له في سائر البلاد
وفيها وردت الأخبار من بغداد بوقوع النار في الجانب الشرقي منها فأحرقت ما يزيد على خمسمائة دار وافتقر أهلها. وفيها تناصرت أخبار الباطنية بقلعة آلموت والحصون المجاورة لها في إيغالهم في الفساد وإفاظة النفوس بالعدوان والإلحاد فأنهض السلطان وزيره أحمد بن نظام الملك خواجه بزرك ومعه جاولي سقاوه في عسكر كثيف فأظفره الله بهم ونصره عليهم وقتل منهم مقتلةً عظيمةً وخرب منازلهم وقلاعهم
стр. 284
وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره المخذول من الافرنج نحو ثغر صيدا فنزل عليه في البحر والبر ونصب البرج الخشب عليه ووصل الاصطول المصري للدفع عنه والحماية له فظهروا على مراكب الجنوية وعسكر البر واتصل بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا والذب عنها فرحلوا عنها عائدين إلى أماكنهم
سنة اثنتين وخمسمائة
فيها أنفذ صاحب عرقة إلى ظهير الدين أتابك رسوله يلتمس منه المعونة على دفع الافرنج عنها وإنفاذ من يتسلمها فندب بعض ثقاته فتسلمها وأقام والياً بها منتظراً وصول العسكر إليها والوفاء بما وعد به من الخلع عليه والاحسان إليه فحدث في الوقت من الثلوج والأمطار ما عاق المسير إليها وقل القوت بها وانقطعت الميرة عنها فبادر الافرنج بالنزول عليها وتوجه ظهير الدين عند ذاك إليها فصادفهم قد أحاطوا بها ولم يتمكن من دفعهم عنها. وعاد إلى حصن الأكمة ونزل عليه وقاتله فلما
стр. 285
عرف الافرنج ذلك نهضوا إليه في تقدير ثلاثمائة فارس لانجاد من بالأكمة فوصلوا إليهم ليلاً فقويت نفوسهم واقتضى رأي أتابك الرحيل عنها بحكم من صار فيها منهم فرحل كالمنهزم وطمع فيه وتتبع العسكر فغنم من الخيل والكراع غنيمة كبيرة وتفرق العسكر في الشجر والجبال ووصلوا إلى حمص على أقبح صفة وأشنع صورة من غير لقاء ولا محاربة وعاد الافرنج إلى عرقة وعدم القوت فيها فملكوها بالأمان وفيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة الله بن محمد بن بديع الأصفهاني الذي كان مستوفياً للسلطان تاج الدولة وكان قد وزر بعده لولده الملك رضوان بحلب وبقي في الوزارة مدة في أوائل سنة ٥٠٢ وأفسد قلب ظهير الدين أتابك عليه مع ما كان في قلبه في الأيام التاجية فأمر بالقبض عليه واعتقاله في القلعة وحمل كل ما كان في داره وقبض أملاكه وأقام أياماً في الاعتقال ثم أمر بخنقه فخنق ورمي في جب بالقلعة ثم أخرج ودفن في المقابر وفي شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل الذي كان نازلاً على طرابلس من بلاد الافرنج في جملة ستين مركباً في البحر مشحونةً بالافرنج والجنويين فنزل على طرابلس ووقع بينه وبين السرداني ابن أخت صنجيل مشاجرة ووصل طنكري صاحب انطاكية إليه لمعونته للسرداني ووصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس في عسكره فأصلح بينهم. وعاد السرداني إلى عرقة ووجد بعض الافرنج في زرعها فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله ولما بلغ الخبر ريمند بن صنجيل وجه من تسلم عرقة من أصحابه.
стр. 286
ونزل الافرنج بجموعهم وحشدهم على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الأحاديث عشر من ذي الحجة من السنة وأسندوا أبرجهم إلى السور فلما شاهد الجند والمقاتلة أهل البلد سقط في أيديهم وأيقنوا بالهلاك وذلت نفوسهم لاشتمال اليأس من تأخر وصول الاصطول المصري في البحر والميرة والنجدة وقد كانت غلة الاصطول أزيحت وسير الريح ترده لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي فشد الافرنج القتال عليها وهجموها من الأبراج فملكوها بالسيف في يوم الاثني لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر دار علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر. وسلم الوالي بها وجماعة من جنده كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها فلما ملكت أطلقوا ووصلوا إلى دمشق بعد أيام من فتحها وعوقب أهلها واستصفيت أموالها واستثيرت ذخائرهم من مكامنها ونزل بهم أشد البلاء ومؤلم العذاب
وتقرر بين الافرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلاث من البلد وما نهب منه والثلاثان لريمند بن صنجيل وأفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به. وكان طنكري لما لم ينل ما أراد من نصرة السرداني قد عاد ونزل بانياس وافتتحها وأمن أهلها في شوال من السنة ونزل على ثغر جبيل وفيه فخر الملك ابن عمار والقوت فيه نزر قليل فلهم يزل مضايقاً له ولأهله إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة فراسلهم وبذل لهم الأمان فأجابوه إلى ذلك فتسلمه بالأمان وخرج منه فخر الملك ابن عمار سالماً وقد وعده بإحسان النظر والاقطاع.
стр. 287
ووصل عقيب ذلك الاصطول المصري ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس وتقويتها بالغلة الكثيرة والرجال والمال لمدة سنة مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل وأهله ووصل إلى صور في يوم الثامن من فتح طرابلس وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها. وأقام بالساحل مدة وفرقت الغلة في جهاتها وتمسك به أهل صور وصيدا وبيروت وشكوا أحوالهم وضعفها عن محاربة الافرنج ولم يمكن الاصطول المقام فأقلع عائداً عند استقامة الريح إلى مصر وفي شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها والمضايقة لأهلها عدة شهور بعد أن عدم القوت بها واشتد الجوع بأهلها. وفيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد الافرنج عائداً إلى مملكته في خلق كثير ونزل بالقرب من قسطنطينة وخرج ملكها إليه ومعه خلق كثير من التركمان المجاورين له فاقتتلوا أياماً وطلب الروم تفسخهم بكل نوع إلى أن تفرقوا وتبددوا في البلاد وأصلح بيمند أمره مع الملك ودخل عليه ووطىء بساطه ومن معه وكفى الله وله الحمد أمرهم وصرف عن الاسلام شرهم وفي هذه السنة توفي الأمير ابق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق بمرض طال به وكثر المه بسببه إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة ٥٠٢ وفيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة والموادعة فاستقر الأمر بينهما على أن يكون السواد وجبل عوف أثلاثاً
стр. 288
للأتراك الثلاث وللافرنج والفلاحين الثلاثان فانعقد الأمر على هذه القضية وكتب الشرط على هذه المبنية. وكان فخر الملك بن عمار لما ملك الافرنج جبيل خرج منها وتوجه إلى شيزر فأكرمه صاحبها سلطان ابن علي بن المقلد بن منقذ الكتاني واحترمه وجماعته وعرض عليه المقام عنده فلم يفعل وتوجه إلى دمشق عائداً إلى ظهير الدين أتابك فأكرمه وأنزله في دار وأقطعه الزبداني وأعمالها في المحرم سنة ٥٠٣
سنة ثلاث وخمسمائة
لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها وتدبير أعمالها وتقرير أحوالها نهضوا إلى وفنية وعرف ظهير الدين ذاك من قصدهم فنهض في العسكر نحوها لحمايتها وخيم بازائهم بحمص فلم يتمكن الافرنج من منازلتها ومضايقتها وترددت بينه وبينهم مراسلات ومخاطبات أفضت إلى أن أجاب كل واحد من الفريقين إلى تقرير الموادعة على الأعمال والمسالمة واستقر الأمر في ذلك على أن يكون للافرنج الثلاث من استغلال البقاع ويسلم إليهم حصن المنيطرة وحصن ابن عكار ويكفوا عن العيث والفساد في الأعمال والأطراف وأن يكون حصن مصياث وحصن الطوفان وحصن الأكراد داخلاً في شرط الموادعة ويحمل أهلها عنها
стр. 289
مالاً معيناً في كل سنة إلى الافرنج فأقاموا على ذلك مدةً يسيرةً فلم يلبثوا على ما تقرر وعادوا إلى رسمهم في الفساد والعناد وفيها توفي الشريف القاضي المكين فخر الملك أبو الفضل اسمعيل بن ابرهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس والعشرين من صفر منها بدمشق ﵀
وفي جمادى الأولى من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان ركن الدنيا والدين محمد بن ملك شاه إلى بغداد وانفاذ كتبه إلى سائر البلاد معلماً فيها بما هو عليه من قوة العزم على قصد الجهاد والأمر لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو إلى حين ترد العساكر إلى الشام وينضاف إليها ويدبر أمرها لأنه كان تابع كتبه بالاستصراخ والاستنجاد على الكفرة الأضداد فعرضت عوائق عن ذاك عاقت وموانع عن المراد صدت وطالت مدة الانتظار وتزايد طمع الكفار بتأخر العساكر السلطانية فحملت ظهير الدين أتابك الحمية الاسلامية والعزيمة التركية على التأهب للمسير بنفسه إلى بغداد لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية والمواقف السلطانية الغياثية والمثول بها والشكوى لما نزل بالمسلمين في الأعمال إليها من تملك البلاد وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال وحديثهم بينهم بالطمع في الامتداد إلى تملك الأعمال الجزرية والعراقية. وتأهب للمسير واستصحب معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس وخواص أصحابه وما أمكنه من الخيول العربية السبق وطرف مصر من أجناس اللباس وما يصلح لتلك الجهات من التحف والهدايا من كل فن له قيمة وافرة وتوجه في البرية على طريق السماوة فاستناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري ووصاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة في الذب والحماية واحسان السيرة في الرعية والمغالطة للافرنج والثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود.
стр. 290
فلما سار وحصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البرية وافى الخبر بما شاع من المرجفين ببغداد من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لامراء عين عليهم ووقعت الاشارة في ذلك إليهم فأحدث هذا الخبر وحشةً أوجبت عوده من طريقه واعتمد على فخر الملك بن عمار ومن عول عليه من ثقاته في الاتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف والهدايا والمناب عنه في انهاء ما دعاه إلى العود من طريقه. فوص فخر الملك إلى بغداد بما صحبه فصادف من الابتهاج بمقدمه والتأسف على عود أتابك ولم يصل ويشاهد ما زاد على الأمل وظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا حقيقة له وتواصلت الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس وشرح الصدور والاعتذار من إشاعة المحال وأكاذيب الأخبار. وقد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي المياه قد اتصل به أن كمشتكين الخادم التاجي الوالي ببعلبك قد أرسل الافرنج بالتماس المصافاة منهم وبعثهم على شن الغارات على الأطراف وأنه قد سير أخاه بايتكين الخادم التاجي إلى السلطان للتوصل بالمحال إلى افساد الحال فحين سمع ظهير الدين هذا الخبر ونفوذه ندب جماعةً من العسكر وقرر معهم المصير إلى المسالك والطرقات التي لا بد من عبوره فيها لمسلكه وحمله إليه فلم يقف لبايتكين المذكور على خبر. وسار ظهير الدين في العسكر من طريقه وكتب إلى ولده تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك والنزول عليها فسارع إلى امتثال أمره وسار إليها ونزل عليها على غفلة من أهلها غرة ممن بها ثم أرسل الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة وتسليم الموضع إليه ويحذره من الاستمرار على المخالفة والعصيان ويخوفه الاقامة على ما يفضي إلى سفك الدماء وبالغ في الأعذار له والانذار فلم يجب إلى المراد والايثار وأصر على الخلف والانكار. ووافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر ومن جمعه من الرجالة وزحف إلى بعلبك مقابلاً لها
стр. 291
ونصب عليها المنجيق وشرع في عمل آلة الحرب والنقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها وترامى إليه من أحداث أهلها وأجنادها جماعة أحسن إليهم وخلع عليهم وزحف إلى سورها وقاتل من عليه فقتل جماعةً منهم فحين شاهدوا الجد في القتال والصبر على النزال جنحوا إلى الدخول في الطاعة والتمس الخادم الاقالة وبذل تسليم البلد والحصن على شرط اشترطه واقطاع عينه وطلب بعض المقدمين للحديث معه والتوفق لنفسه فنفذ إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة فتقررت الحال على ما اقترحه وسلم البلد والحصن الذي هو غاية في المنعة والحصانة ومن العجائب والقلاع المشهورة وخرج إليه وجرى على عادته الجميلة في الصفح عمن أساء إليه وأظهر العصيان عليه وعوضه عن بعلبك حصن صرخد وهو مشهور بالحصانة والمنعة أيضاً وعاد إليه ما كان قبض عنه من ملك واقطاع وعاد إلى دمشق. وسلم ظهير الدين أتابك بعلبك إلى
ولده تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يوماً وتسلمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٠٣ وأمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكاً كانت قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل عليه الثناء وعاد منكفياً إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنةه تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يوماً وتسلمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٠٣ وأمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكاً كانت قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل
стр. 292
عليه الثناء وعاد منكفياً إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنة وورد الخبر بوفاة الأمير ابرهيم ينال صاحب آمد وكان قبيح السيرة فيها مذكوراً بالظلم في أهلها وكان جماعة من أهلها قد خلوا عنها لأجله المستمر عليهم واساءته إليهم فسرت النفوس بفقده وأمل من بعده الصلاح وقام مقامه ولده فكان أصلح منه سريرةً وأحسن طريقةً وفي هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية في حشده ولفيفه المخذول إلى الثغور الشامية فملك طرسوس وما والاها وأخرج صاحب ملك الروم منها وعاد إلى أنطاكية ثم خرج إلى شيزر وقرر عليها عشرة آلاف دينار مقاطعةً تحمل إليه بعد أن عاث في عملها ونزل على حصن الأكراد فتسلمه من أهله وتوجه إلى عرقة وكان الملك بغدوين وابن صنجيل قد نزلا على ثغر بيروت براً وبحراً فعاد طنكري إلى أنطاكية وسار جوسلين صاحب تل باشر إلى ثغر بيروت لمعاونة النازلين عليه من الافرنج ويستنجد بهم على عسكر الأمير مودود النازلين على الرها. وشرع الافرنج في عمل البرج ونصبه على سور بيروت فحين نجز وزحفوا به كسر بحجارة المناجيق وأفسد فشرعوا في عمل غيره وعمل ابن صنجيل برجاً آخر ووصل في الوقت من اصطول مصر في البحر تسعة عشر مركباً حربية فظهروا على مراكب الافرنج وملكوا بعضها ودخلوا بالميرة إلى بيروت فقويت بها نفوس من فيها من الرعية. وأنفذ الملك بغدوين إلى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم فوصل منها إلى بيروت أربعون مركباً مشحنةً بالمقاتلة فزحف الافرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال ونصبوا
стр. 293
على السور برجين اشتدوا في القتال فقتل مقدم الاصطول المصري وخلق كثير من المسلمين ولم ير الافرنج من ما تقدم وتأخر أشد من حرب هذا. وانخذل الناس في البلد وأيقنوا بالهلاك فهجم الافرنج على البلد آخر نهار هذا اليوم فملكوه بالسيف قهراً وغلبةً وهرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من أصحابه وحمل إلى الافرنج فقتل ومن كان معه وغنموا ما كان استصحبه من المال ونهب البلد وسبي من كان فيه وأسر واستصفين أموالهم وذخائرهم. ووصل عقيب ذلك من مصر ثلاثمائة فارس نجدةً لبيروت فحين حصلوا بالاردن خرجت عليهم فرقة من الافرنج يسيرة العدد فانهزموا منهم إلى الجبال فهلك منهم جماعة. فلما تقرر أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الافرنج ونزل على ثغر صيدا وراسل أهله يلتمس منهم تسليمه فاستمهلوه مدة عينوها فأجابهم إلى المهلة بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار تحمل إليه مقاطعةً وكانت قبل ذلك ألفي دينار ورحل عنها إلى بيت المقدس للحج وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد كنجة وما قاربها وأكثروا العيث والفساد في نواحيها وانتهى الخبر بذلك إلى السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه فانهض اليوم عسكراً وافر العدد فأوقع بهم وشردهم وعن الفساد والعيث أبعدهم بالفتك فيهم وطردهم ودوخ بلادهم وأخرب أعمالهم فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم وقامت الهيبة باهلاكهم وعاد العسكر السلطاني ظافراً غانماً
стр. 294
وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم كافر نزل على من صادفوه في الأعمال ووصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال وأعاثوا فيها واتصل الخبر بالسلطان المعظم أبي الحرث سنجر بن ملك شاه سلطان خراسان فانهض إليهم أميراً كبيراً من مقدمي عساكر خراسان في عدد دثر من الأتراك فظفر بهم وكسرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً عائدين خاسرين مفلولين وفي ثامن من ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة وأقام إلى آخر ذي الحجة ثم غاب. وفيها كاتب السلطان غياث الدنيا والدين الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية وميافارقين وشرف الدين مودود صاحب الموصل يأمرهما بالمسير في العساكر إلى جهاد الافرنج وحماية بلاد الموصل فجمعا واحتشدا ونهضا ونزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف إليهما وخلق كثير من المتطوعة ووصل إليهما أيضاً الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق في خلق كثير من التركمان واجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الافرنج. واتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها ومضايقتها إلى أن يسهل الله افتتاحها بحكم حصانتها ومنعتها. فرحلوا بأسرهم ونزلوا عليها في العشر الثاني من شوال وأحاطوا بها من جهاتها كالنطاق ومنعوا الداخل والخارج بالمسير إليها وكان القوت بها قليلاً فأشرف من بها على الهلاك وغلا بها السعر وطالت مدة الحصر لها والتضييق عليها. وحين عرف الافرنج صورة هذه الحال شرعوا في الجمع والاحتشاد والتأهب للذب عنها والاستعداد واتفقت الكلمة بينهم على
стр. 295
هذه الحال واجتمع طنكري صاحب انطاكية وابن صنجيل صاحب طرابلس والملك بغدوين مقدمو ولاة الأعمال. من الافرنج وتعاهدوا وتعاقدوا على الثبات في الحرب والمصابرة واللباث، فلما استقرت الأحوال بينهم على البينة رحلوا بأسرهم إلى ناحية الرها. واتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك وعرف صورة الحال فيما تقرر بينهم فسار من دمشق في العسكر وخيم على سلمية وعرف إن الافرنج قد قصدوا في طريقهم رفنية وفيها الأمير شمس الخواص واليها وإنهم لما نزلوا عليها ظهر إليهم في خيله وقتل منهم جماعة ووصل إلى المخيم بسلمية واجتمع إليه خلق كثير من الشام ووصل الخبر بحصول الافرنج على الفرات عازمين على قطعه قصد الرها فرحل أتابك في الحال وتوجه إلى ناحية الرقة وقلعة جعبر وقطع الفرات وتلوم هناك إلى أن عرف خبر الافرنج وإنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الاسلامية وطلائعهم في سائر الجهات والمسالك إلى الفرات ولما عرف المسلمون قرب الافرنج منهم اتفقت الآراء فيما بينهم على الافراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات ورحلوا عن الرها في آخر ذي الحجة منها ونزلوا أرض حران على سبيل الخديعة والمكر وكانت حران قد حصلت للأمير مودود وسلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن ارتق. وتوفق المسلمون عن لقاء الافرنج إلى أن يقربوا منهم ويصل إليهم عسكر دمشق وفطن الافرنج لهذا التدبير والاتفاق عليه فخافوا واستشعروا الهلاك والخذلان وأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطئ الفرات وبلغ المسلمين خبرهم فنهضوا في أثرهم وأدركهم سرعات الخيل وقد قطع الفرات بعضهم من مقدميهم فغنم المسلمون سوادهم وأثقالهم وأتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلاً وأسراً وتغريقاً في الفرات وامتلأت الأيدي من الغنائم
стр. 296
والأسلاب والسبي والدواب. ولم يتمكن المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم بحكم اشتغالهم بأمر الرها والعود إليها وكانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف الحال ورتبوا جماعةً من الأرمن لحفظها وحملوا إليها ما صحب العسكر الواصل من الأقوات تقويةً لها وخرج بغدوين الرويس صاحبها عنها وتوجه صحبة الافرنج المنهزمين. وأقام عسكر الاسلام على الفرات أياماً نازلاً بإزائهم ورحل طالباً للعود إلى منازلة الرها وعرف ظهير الدين أتابك خبر عودهم على تلك الصفة فعاد منكفياً إلى عمله لحمايته منهم بعد أن نفد شطراً وافراً من معسكره إلى النازلين على الرها لمعونتهم ووصل إلى دمشق وأقام من كان أنهضه من عسكره إلى الرها إلى أن خلت البلاد منها وأذن لهم في العود إلى أماكنهم بعد اكرامهم والاحسان إليهم
وترددت بين أتابك ظهير الدين وبين الأمير شرف الدين مودود مراسلات أفضت إلى استحكام المودة بينهما واتفاق الكلمة وتأكيد أسباب الألفة فطال مقام عسكر الاسلام على الرها لامتناعها وحصانتها وقل تواصل الميرة إلى المخيم وعدم وجودها فدعتهم الحاجة إلى العود عنها فتفرقوا بعد أن رتبوا من يقيم على حران لحصر الرها. وحدث لنجم الدين ايل غازي ابن ارتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر تجدد بينهما فأجفل من حران إلى ماردين فقبض سكمان على ابن أخيه بلك وحمله معه إلى بلده مقيداً. وبعد تفرق العساكر اسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين الرويس صاحبها وحصل بها والغارات متواصلة على أطرافها. وقد كان الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب لما عرف هزيمة الافرنج خرج إلى أعمال حلب
стр. 297
واستعاد ما كان غلب الافرنج عليه منها وغار على عمل انطاكية وغنم منه غنيمةً وافرة ولما عرف خبر عودهم عاد إلى حلب. ووصل الافرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب وقتلوا وأسروا خلقاً كثيراً وعاد طنكري ونزل على الأثارب وملكها بعد طول حصرها والمضايقة لها وذلك في جمادى الآخرة من السنة وأمن أهلها وخرج منها من أراد الخروج وأقام من أثر المقام واستقرت الموادع بعد ذلك بين الملك فخر الملوك رضوان وبين طنكري على أن يحمل إليه الملك من مال حلب في كل سنة عشرين ألف دينار مقاطعةً وعشرة أرؤس خيلاً وفكاك الأسرى واستقرت على هذه القضية وفيها وصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس إلى ناحية بعلبك وعزم على العيث والافساد في ناحية البقاع وترددت المراسلة بينه وبين ظهير الدين أتابك في هذا المعنى إلى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلاث من استغلالات البقاع للافرنج والثلاثان للمسلمين والفلاحين وكتب بيهما المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة ورحل عائداً إلى عمله وقد فاز بما حصل في يده وأيدي عسكره من غنائم بعلبك والبقاع ووردت الأخبار فيها بوصول بعض ملوك الافرنج في البحر ومعه نيف وستون مركباً مشحونة بالرجال لقصد الحج والغزو في بلاد الاسلام فقصد بيت المقدس وتوجه إليه بغدوين واجتمع معه وتقرر بينهما قصد البلاد الاسلامية. فلما عادا من بيت المقدس نزلا على ثغر صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة ٥٠٤ وضايقوه براً وبحراً. وكان الاسطول المصري مقيماً على ثغر صور ولم يتمكن من انجاد صيدا فعملوا البرج وزحفوا به إليها وهو ملبس بحطب الكرم والبسط وجلود البقر الطرية ليمنع من الحجارة والنفط وكانوا إذا أحكموه على هذه الصورة نقلوه على بكر تركب تحته
стр. 298
في عدة أيام متفرقة فإذا كان يوم الحرب وقرب من السور زحفوا به وفيه الماء والخل لطفي النار وآلة الحرب فلما عاين من بصيدا هذا الأمر ضعفت نفوسهم وأشفقوا من مثل نوبة بيروت فأخرج إليها قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا من بعدوين الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم العسكرية معهم على النفوس والأموال واطلاق من أرد الخروج منها إلى دمشق واستحلفوه على ذلك وتوثقوا منه وخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من أهل البلد وتوجهوا إلى دمشق لعشر بقين من جمادى ... سنة ٥٠٤ وكانت مدة الحصار سبعةً وأربعين يوماً. ورتب بغدوين الأحوال بها والحافظين لها وعاد إلى بيت المقدس ثم عاد بعد مدة يسيرة إلى صيدا فقرر على من أقام بها نيفاً وعشرين ألف دينار فأفقرهم واستغرق أحوالهم وصادر من علم أن له بقية منهم
سنة أربع وخمسمائة
في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من تنيس ودمياط ومصر ببضائع وأموال جمة كانوا قد ضجروا وملوا طول المقام وتعذر مسير الاصطول في البحر وحملوا نفوسهم على الخطر وأقلعوا في البحر فصادفتهم مراكب الافرنج فأخذتهم وحصل في أيديهم من الامتعة والمال ما يزيد على مائة ألف دينار وأسروهم وعاقبوهم واشتروا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها
стр. 299
وأما بغدوين فإنه لما عاد من صيدا قصد عسقلان وغار عليها وكان واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه ويرحل عنه ويكف الأذية عن عسقلان وكان شمس الخلافة أرغب في التجارة من المحاربة ومال إلى الموادعة والمسالمة وإيمان السابلة وقرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة شهور وانتهى الخبر بذلك إلى الافضل صاحب مصر في شوال فأنكر هذه الحال وأسرها في نفسه ولم يبدها لأحد من خاصته وجهز عسكراً كثيفاً إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس الخلافة. فلما قرب من عسقلان وعرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل وجاهر بالعصيان عليه وأخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه من الأفضل لما يعلمه من الأمور التي أنكرها عليه ونقمها منه ومراسلته لبغدوين يلتمس منه المصافاة والمعونة بالرجال والغلال وإن دهمه أمر وحزبه خطب سلم إليه عسقلان فطلب منه العوض عنها. فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من تمام هذا الأمر فكاتبه بما يطيب نفسه وغالطه وأقطعه عسقلان وأقر اقطاعه بمصر عليه وأزال الاعتراض لشيء من ماله في ديار مصر من خيل وتجارة وأثاث وخاف شمس الخلافة من أهل البلد فاستدعى جماعةً من الأرمن فأثبتهم في عسقلان ولم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة ٥٠٤ فأنكر أمره أهل البلد ووثب عليه قوم من كتامة وهو راكب فجرحوه وانهزم إلى داره فتعبوه وأجهزوا عليه ونهبوا داره وماله وتخطفوا بعض دور الشهود والعامة وانتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر إلى البلد فأطاع أمره من به وأنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر وأنهوا جلية حاله فحسن موضع ذلك منه وموقعه وأحسن إلى الواردين بهذه البشرى ثم تقدم بمطالبة القوم القاتلين بما نهبوه من داره واستولوا عليه من ماله ومال أهل البلد
стр. 300
واعتقالهم وقبض جماعة من أهل البلد وحملهم إلى مصر ولما وصلوا اعتقلوا فيها وفي هذه السنة هبت بمصر وأعمالها ريح سوداء وطلع سحاب أسود أخذ بالأنفاس وأظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده والريح تسقي الرمل في مقل الناس ووجوهم حتى يئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار بهول ما عاينوه والخوف مما نزل بهم ولما تجل ذلك السواد عاد إلى الصفرة والريح بحالها ثم انجلت الصفرة وظهرت الناس الكواكب وظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت وخرج الناس من منازلهم وأسواقهم إلى الصحراء وركدت الريح وأقلع السحاب وعاد الناس إلى منازلهم سالمين من الأذى وكانت مدة هذه الشدة منذ صلوة العصر إلى صلاة المغرب وفيها وصل السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه من همذان إلى بغداد في جمادى الأولى منها ووردت الكتب والرسل إليه من الشام بانهاء الحال وما جرى من الافرنج بعد عودهم عن الفرات ونوبة صيدا والأثارب وأعمال حلب. ولما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من أهل حلب وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد فاستغاثوا وأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق الاسلام من الافرنج وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال ومنعوا الناس من الصلاة والخدم والمقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من انفاذ العساكر والانتصار للاسلام من الافرنج والكفار وعادوا في الجمعة الثانية المصير إلى جامع الخليفة وفعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء والضجيج والاستغاثة والنحيب.
стр. 301
ووصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة أخت السلطان زوجة الخليفة إلى بغداد من أصفهان ومعها من التجمل والجواهر والأموال والآلات وأصناف المراكب والدواب والأثاث وأنواع الملابس الفاخرة والخدم والغلمان والجوار والحواشي ما لا يدركه حزر فيحصر ولا عد فيذكر واتفقت هذه الاستغاثة فتكدر ما كان صافياً من الحال والسرور بمقدمها. وأنكر الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ما جرى وعزم على طلب من كان الأصل والسبب ليوقع به المكروه فمنعه السلطان من ذلك وعذر الناس فيما فعلوه وأوعز إلى الأمراء والمقدمين بالعود إلى أعمالهم والتأهب للمسير إلى جهاد أعداء الله الكفار
وفي جمادى الآخرة منها وصل رسول متملك الروم بهدايا وتحف ومراسلات مضمونها البعث على قصد الافرنج والايقاع بهم والاجتماع على طردهم من هذه الأعمال وترك التراخي في أمرهم واستعمال الجد والاجتهاد في الفتك بهم قبل اعضال خطبهم واستفحال شرهم ويقول أنه قد منعهم من العبور إلى بلاد المسلمين وحاربهم فإن طمعوا فيها بحيث تتواصل عساكرهم وامدادهم إلى البلاد الاسلامية احتاج إلى مداراتهم واطلاق عبورهم ومساعدتهم على مقاصدهم واغراضهم للضرورات القائدة إلى ذلك ويبالغ في الحث والتحريض على الاجتماع على حربهم وقلعهم من هذه الديار بالاتفاق عليهم
وفي هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت المقدس الهدنة المستقر بين أتابك وبينه وكتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في عسكره ليجتمع معه في طبرية وجمع وحشد ورحل إلى ناحية بيت المقدس لتقرير أمر كان في نفسه فحدث له في طريقه مرض أقام به أياماً ثم ابل منه وأفاق، وقصده في حشده ناحية البثنية من حوران، وقد اطرح كل
стр. 302
من في الشام، ولم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم. فنهض ظهير الدين أتابك عند معرفته قصده في عسكره ونزل في المنزل المعروف برأس الماء ثم رحل عنه إلى اللجاة ونهض الافرنج في أثره إلى الضمين ففرق أتابك العسكر عليهم من عدة جهات وبث في المعابر والمسالك خيلاً يمنع من حمل المية إليهم وضايقهم مضايقةً ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة والموادعة وترددت المراسلات في ذلك إلى أن استقرت الحال بينهما على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عرف والسواد والجبانية مضافاً إلى ما في يده ومن هذه الأعمال التي يليها في أيدي العرب من آل جراح وكوتب بينهما هذا الشرط ورحل كل منهما منكفئاً إلى عمله في آخر ذي الحجة منها. وقد كان الأمر تقزر مع السلطان غياث الدنيا والدين على انهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد والتقدم إلى الأمراء بالتأهب للمسير إلى الجهاد فتأهبوا لذلك وكان أول من نهض منهم إلى أعمال الافرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره إلى سنجتان فافتتح تل مراده وعدة حصون هناك بالسيف والأمان
стр. 303
ووصل إليه الأمير أحمديل في عسكر كثيف الجمع وكذلك تلاه الأمير قطب الدين سكمان القطبي من بلاد أرمينية وديار بكر فاجتمعوا في أرض حران وكتب إليهم سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر وشروعه في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر وحمل الغلال إليه ويستصرخهم ويبعثهم على الوصول إلى جهته. فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام وقطعوا الفرات في النصف من المحرم سنة ٥٠٥ ونزلوا على تل باشر في التاسع عشر من المحرم وأقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان وكان قد أمر من السلطان بالتقدم عليهم فوصل إليهم في بعض عسكره وبه مرض من علة النقرس وسكمان القطبي أيضاً مريض والآراء بينما مختلفة وقاتل المطوعة والسوقة هذا الحصن ونقبوه فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمديل الكردي يلاطفه بمال وهدية ويبذل له الكون معه والميل إليه وكان أكثر العسكر مع أحمديل وسأله الرحيل عن الحصن وينزل إليه فأجابه إلى ذلك على كراهية من باقي الأمراء واشتد مرض سكمان القطبي وعزم أحمديل على العود طمعاً منه في أن السلطان يقطعه بلاد سكمان وكان قد عقد بينهما وصلة وصهر فعادوا عن تل باشر إلى حلب ونزلوا عليها وعاثوا في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الافرنج في الفساد وتوقعوا خروج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم أو خدمه ينفذها لهم فلم يلتفت إلى أحد منهم وأغلق أبواب حلب وأخذ رهاين أهلها إلى القلعة ورتب الجند وأحداث الباطنية والطائعين لحفظ الأسوار ومنع الحلبيين من الصعود إلى السور وأطلق الحرامية في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر.
стр. 304
وقد كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء وعبورهم الفرات قد كاتبوه بالوصول إليهم ورد التدبير فيما يعتمدون عليه إليه ووصل إليه كتاب السلطان بمثل هذه الحال فاقتضت الصورة وصائب الرأي أن ينهض في العسكر نحوهم للاعتضاد على الجهاد وتقوية النفوس على حماية هذه البلاد من أهل الشرك والالحاد وجمع من أمكنه من رجال حمص وحماة ورفنية وسائر المعاقل الشامية وسار إليهم ووصلهم على ظاهر حلب فتلقوه بالاكرام والمزيد في الاحترام وقويت بوصوله النفوس واشتدت الظهور وسروا بحصوله عندهم سروراً أظهر منهم وشاع عنهم فل ير منهم عزيمةً صادقة في جهاد ولا حماية بلاد
وأما سكمان القطبي فإنا لمرض اشتد به وأشفي منه ففصل عنهم وعاد إلى بلده وورد الخبر بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات. وأما
стр. 305
برسق بن برسق فإنه كان يحمل في المحفة ولا يتمكن من فعل ولا قول. أما أحمديل
стр. 306
فإن عزمه قوي على العود بسبب بلاد سكمان وطمعه في اقتطاعها من السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى الشام فرحلوا في آخر صفر ونزلوا معرة النعمان فأقاموا على ذلك المنهاج الأول وامتار العسكر من عملها ما كفاهم وقصروا عن حملة من العلوفات والأقوات وظهر لظهير الدين من سوء نية المقدمين فيه ما أوحشه منهم ونفر قلبه من المقام بينهم وذكر له أن الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء في العمل عليه والايقاع به فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود وتأكدت المصافاة والمعاهدة بينهما وحمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا لهم والتحف والحصن العربية السبق والاعلاق المصرية وقوبل ذلك منه بالاستكثار له والاستطراف والشكر والاعتراف ووفى له مودود بما بذله وثبت على المودة وجعل أتابك يحرضهم على قصد طرابلس ويعدهم حمل ما يحتاجون إليه من المير من دمشق وعملها وإن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده فلم يفعلوا وتفرقوا أيدي سبا وعاد برسق بن برسق وأحمديل وتبعوا عسكر سكمان القطبي وتخلف منهم الأمير مودود مع أتابك فرحلا عن المعرة ونزلا على العاصي
стр. 307
ولما عرف الافرنج رحيل العساكر وتفرقهم اجتمعوا ونزلوا أفامية بأسرهم بغدوين وطنكري وابن صنجيل بعد التباين والمنافرة والخلف وصاروا يداً واحدة وكلمةً متفقةً على الاسلام وأهله وساروا لقصدهم فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه وجماعته واجتمع مع أتابك ومودود وحرضهما على الجهاد وهون عليهما أمر الافرنج فرحلوا وقطعوا العاصي ونزلوا في قبلي شيزر وصار سوق العسكر في سوق شيزر ونزل عسكر مودود حول شيزر وبالغ ابن منقذ وجماعته في الخدمة والمواصلة بالميرة واصعد أتابك ومودود وخواصهما إلى حصن شيزر وباشر خدمتها بنفسه وأسرته ونزل الافرنج شمالي تل ابن معشر ودبر أمر العسكر أحسن تدبير وثبت الخيل من جميع جهاتهم تطرق حولهم وتجول عليهم وتمنع من الوصول إليهم وضيقوا عليها وجلوهم عن الماء وذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه وجوانبه من قبليه فما يدنوا منه من الافرنج شخص إلا وقد قتل وطمع الأتراك فيهم وسهل أمرهم عليهم وكانت خيل المسلمين مثل خيل الافرنج إلا أن راجلهم أكثر وزحف الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه فهجمت الأتراك عليهم من غربيهم ونهبوا جانباً من عسكرهم وملكوا عدة من خيامهم وأثقالهم وجالوا حولهم فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به ورجعوا منه وذلك في شهر ربيع الأول. واشتد خوف الافرنج من الأتراك وأقاموا ثلاثة أيام لا يظهر أحد منهم ولا يصل إليهم شخص وعاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر فرحل الافرنج إلى أفامية ولم ينزلوا فيها بل تعدوها وتبعهم المسلمون عند معرفة رحيلهم وتخطفوا أطرافهم ومن ظفروا به سائراً على أثارهم وعادوا إلى شيزر ورحلوا إلى حماة واستبشر الناس بعود الافرنج على هذه الحال
стр. 308
سنة خمس وخمسمائة
واستحكمت المودة بين ظهير الدين أتابك وبين الأمير مودود. وفي هذه السنة جمع بغدوين الملك من أمكنه جمعه من الافرنج وقصد ثغر صور فبادر عز الملك واليه وأهل البلد بمراسلة ظهير الدين أتابك بدمشق يستصرخون به ويستنجدونه ويبذلون تسليم البلد إليه ويسئلونه المبادرة والتعجيل بانفاذ عدة وافرة من الأتراك تصل إليهم سرعةً لمعونتهم وتقويتهم وإن تأخرت المعونة عنهم قادتهم الضرورة إلى تسليمه إلى الافرنج ليأسهم من نصرة الأفضل صاحب مصر فبادر أتابك بانفاذ جماعة وافرة من الأتراك بالعدد الكاملة تزيد على المائتين فرساناً رماة أبطالاً فوصلت إليهم وأتت أهل صور رجالة كثيرة من صور وجبل عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة من دمشق وصلوا إليهم وحصلوا عندهم وشرع أتابك في إنفاذه عدة أخرى. فحين عرف بغدوين ما تقرر بين أتابك وأهل صور بادر النزول عليها فيمن جمعه وحشده في اليوم الخامس وعشرين من جمادى الأولى سنة ٥٠٥ وتقدم بقطع الشجر والنخل وبنى بيوت الاقامة عليها وزحف إليها فقاتلها عدة دفعات ويعود خاسراً لم ينل منها غرضاً وقيل أن أهل صور رشقوا في بضع أيام مقاتلتها في يوم واحد بعشرين ألف سهم
وخرج ظهير الدين من دمشق حين عرف نزولهم على صور وخيم ببانياس وبث سراياه ورجالة الحرامية في أعمال الافرنج وأطلق لهم النهب والقتل والسلب والأخراب والحرق طلباً لازعاجهم وترحيلهم عنها فتدخل العدة الثانية إلى صور فلم يتمكن من الدخول. ونهض ظهير الدين إلى الحبيس الذي
стр. 309
في السواد وهو حصن منيع لا يرام فشد القتال عليه وملكه بالسيف قهراً وقتل من كان فيه قسراً وشرع الافرنج في عمل برجي خشب للزحف بهما إلى سور صور وزحف ظهير الدين إليهم عدة دفعات ليشغله بحيث يخرج عسكر صور فيحرق البرجين وعرف الافرنج قصده في ذلك وخندقوا عليهم من جميع الجهات ورتبوا على الخندق الرجال بالسلاح لحفظه وحفظ الأبراج ولم يحفلوا بما يفعل وما يجري على أعمالهم من الغارات عليها والفتك بمن فيها. وهجم الشتاء فلم يضر بالافرنج لأنهم كانوا نزولاً في أرض رملة صلبة والأتراك بالضد من ذلك قد كابدوا من مقامهم شدةً عظيمة ومشقةً مؤلمة إلا إنهم لا يخلون من غارة وفائدة وقطع ميرة عن الافرنج ومادة وأخذ ما يحمل إليهم وقطع الأتراك الجسر الذي كان يعبر عليه إلى صيدا ليقطع المادة أيضاً عنها فعدلوا عند ذلك إلى استدعاء الميرة في البحر من جميع الجهات ففطن ظهير الدين لذلك ونهض في فريق من العسكر إلى ناحية صيدا وغار على ظاهرها فقتل جماعة من البحرية وأحرق تقدير عشرين مركباً على الشط وهو مع ذلك لا يهمل إصدار الكتب إلى أهل صور بتقوية قلوبهم وتحريضهم على استعمال المصابرة للافرنج والجد في قتالهم
وتم عمل البرجين وكباشهما التي تكون فيهما في تقدير خمسة وسبعين يوماً وشرع في تقديمهما والزحف بهما في عاشر شعبان وقربا من سور البلد واشتد القتال عليهما وكان طول البرج الصغير منهما نيفاً وأربعين ذراعاً والكبير يزيد على الخمسين ذراعاً. ولما كان أول شهر رمضان خرج أهل صور من الأبراج بالنفط والحطب والقطران وآلة الحرق فلم يتمكنوا من الوصول إلى شيء منهما فألقوا النار قريباً من البرج الصغير بحيث لم يتمكن الافرنج من دفعها فهبت ريح وألقت النار على البرج الصغير فاحترق بعد المحاربة الشديدة عليه والمكافحة
стр. 310
العظيمة عنه ونهب منه زرديات كثيرة وطوارق وغير ذلك واتصلت النار بالبرج الكبير. واتصل الخبر بالمسلمين بأن الافرنج قد هجروا حربة البلد للاشتغال بحريق البرج وانثنوا عن المقاتلة على الأبراج وشد الافرنج عليهم وكشفوهم عن البرج واطفأوا ما علق به من النار ورتبوا عدة وافرة من أبطالهم لحفظ البرج والمنجنيقات من جميع الجهات وواظبوا الزحف إليها إلى آخر شهر رمضان وقربوا البرج إلى بعض أبراج البلد وطموا الثلاثة الخنادق التي أمامه وعمد أهل البلد إلى تعليق حائط البرج الذي بإزاء برج الافرنج وأطلقوا النار فيه فاحترق التعليق وسقط وجه الحائط في وجه البرج فمنع من تقديمه إلى السور والزحف به وصار الموضع الذي قصدوه قصيراً وأبراج البلد تحكم عليه وبطل تقديمه من ذلك الوجه وكشف الافرنج الردم وجروه إلى برج آخر من أبراج البلد ودفعوه إليه وقربوه من سور البلد وصدموا بالكباش التي فيه السور فزعزعوه ووقع منه شيء من الحجارة وأشرف أهل البلد على الهلاك. فعمد رجل من مقدمي البحرية عارف بالصنعة من أهل طرابلس له فهم ومعرفة بأحوال الحرب إلى عمل كلاليب حديد لمسك الكبش إذا نطح به السور من رأسه ومن جانبه بحبال يجذبها الرجال حتى يكاد البرج الخشب يميل من شدة جذبهم بها فتارةً تكسره الافرنج خوفاً من البرج وتارةً يميل أو يفسد وتارةً ينكسر بصخرتين تلقيان عليه من البلد مشدودة احداهما إلى الاخرى فعملوا عدة
стр. 311
من الكباش وهي تكسر على هذه الصفة واحداً بعد واحد وكان طول كل واحد منها ستين ذراعاً معلقاً في البرج الخشب بحبال في رأس كل واحد من الكباش حديد يزيد وزنه على عشرين رطلاً. فلما طال تجديد الكباش وقربوا البرج من السور عمد هذا الرجل البحري المقدم ذكره إلى خشبة طويلة جافية قوية أقامها في برج البلد الذي بإزاء برج الافرنج وفي رأسها خشبة على شكل الصليب طولها أربعون ذراعاً تدور على بكر بلولب كيف ما أراد متوليها على مثال ما يكون في الصواري البحرية وفي طرف الخشبة التي تدور سهم حديد وفي طرفها الآخر حبال مدارة بها على ما يريد متوليها وكان يرفع فيها جرار الكدر والنجاسة ليشغلهم بطرح ذلك عليهم في البرج عن الكباش. وضاق الأمر بالناس وشغلهم ذلك عن أمورهم وأشغالهم وعمد البحري المذكور إلى سلال العنب والقفاف فيجعل فيها الزيت والقير والسراقة والقلفونية وقشر القصب ويطلق فيها النار فإذا علقت بذلك وقع ذلك في الآلة المذكورة حتى يوازي برج الافرنج فتقع النار في أعلى البرج فيبادروا باطفائها بالخل والماء فيبادر برفع اخرى ومع هذا يرمي أيضاً بالزيت المغلي في قدور صغار على البرج فيعظم الوقيد. فلما كثرت النار وحمل بعضها بعضاً وقويت قهرت الرجلين المتولين لرأس البرج وقتل أحدهما وانهزم الآخر ونزل منه فتمكنت النار من رأسه ونزلت إلى الطبقة الثانية من رأسه ثم إلى الوسطى وعملت في الخشب وقهرت من كان حوله في الطبقات وعجزوا عن اطفائها وهرب كل من فيه وحوله من الافرنج وخرج أهل صور إليه فنهبوا ما فيه وغنموا من السلاح والآلات والعدد ما لا يحده وصف
فعند ذلك وقع يأس الافرنج منه وشرعوا في الرحيل عنه وأحرقوا البيوت التي كانوا قد عمروها في المنزل لسكناهم وأحرقوا كثيراً من المراكب
стр. 312
التي كانت لهم على الساحل لأنهم كانوا أخذوا صواريها وأرجلها وآلاتها للأبراج وكانت عدتهم تقدير مائتي مركب كباراً وصغاراً منها تقدير ثلاثين مركباً حربية وحملوا في بعضها ما خف من أثقالهم ورحلوا في العاشر من شوال من السنة وكانت مدة إقامتهم على محاصرة صور أربعة أشهر ونصف شهر وقصدوا عكا وتفرقوا إلى أعمالهم. وخرج أهل صور وغنموا ما ظفروا به منهم وعادت الأتراك المندوبون لاسعادهم إلى دمشق وقد فقد منهم في الحرب نحو عشرين رجلاً وكان لهم فيها الجراية والواجب في كل شهر. ولم يتم على برج من أبراج الافرنج في القديم والحديث مثل ما تم على هذا البرج من إحراقه من رأسه إلى أسفله والذي أعان على هذا هو تساوي البرجين في الارتفاع ولو طال أحدهما على الآخر لهلك أقصرهما. وكان عدد المفقودين من أهل صور أربعمائة نفس ومن الافرنج في الحرب أيضاً على ما حكى الحاكي العارف تقدير ألفي نفس. ولم يف أهل صور بما كانوا بذلوه لظهير الدين أتابك من تسليم البلد إليه ولم يظهر لهم في ذلك قولاً وقال: إنما فعلت ما فعلت لله تعالى وللمسلمين لا لرغبة في مال ولا مملكة. فكثر الدعاء له والشكر بحسن فعله ووعدهم أنه متى دهمهم خطب مثل هذا سارع إليه وبالغ في المعونة عليه وعاد إلى دمشق بعد مكابدة المشقة في مقابلة الافرنج إلى أن فرج الله عن أهل صور. وشرع أهل صور في ترميم ما شعثه الافرنج من سورها وأعادوا الخنادق إلى حالها ورسمها بعد طمتها وحصنوا البلد وتفرق من كان فيه من الرجالة وفي الثاني من شعبان ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل صاحب
стр. 313
طرابلس بعلة لحقته وأقام ابنه في الأمر من بعده وهو طفل صغير كفله أصحابه ودبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية وجعلوه من خيله وأقطعه انطرطوس وصافيثا ومرقية وحصن الأكراد وفي هذه السنة حدث بمصر الوباء المفرط بحيث هلك به خلق كثير يقال تقدير ستين ألف نفس. وفيها ورد الخبر من ناحية العراق بوصول السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن البي كذا إلى بغداد في جمادى الأولى منها وأقام بها مدة ثقل فيها على أهلها وارتفع معها السعر إلى أن رحل عنها فصلحت الحال ورخص السعر. وفيها وردت الأخبار بوصول الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره ونزوله على الرها ورعيه لزرعها في ذي القعدة منها وأقام عليها إلى المحرم سنة ٥٠٦ ورحل عنها إلى سروج ورعى زرعها وهو في غفلة غير متحفظ من عدو يطرق ومسلم يرهق ولم يشعر إلا وجوسلين صاحب تل باشر في خيله من الافرنج ودواب العسكر منتشرة في المرعى هجم عليها من ناحية سروج على حين غفلة من مودود وأصحابه فقتلوا منهم جماعة فاستاقوا أكثر كراعهم وقتل بعض المقدمين واستيقظ من كان من المسلمين غافلاً وتأهبوا للقائه فعاد إلى حصن سروج
стр. 314
وفي هذه السنة انتقل تاج الملوك بوري بن أتابك إلى دار الملك شمس الملوك دقاق في قلعة دمشق في المحرم منها. وفيها ورد الخبر بوفاة قراجه الوالي بحمص بعلة طالت به وكان فيها هلاكه وقد كان مؤثراً للظلم مشاركاً للحرامية وقطاع الطريق وأقيم في مكانه ولده خيرخان بن قراجه تابعاً في الظلم لأفعاله ناسجاً في العدوان والجور على منواله
سنة ست وخمسمائة
فيها اشتد خوف أهل صور من عند الافرنج إلى منازلتهم فأجمعوا أمرهم مع عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها على تسليمها إلى ظهير الدين أتابك بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة ومعاضدته إياهم في تلك الشدة وندبوا رسولاً وثقوا به وسكنوا إليه في الحديث مع ظهير الدين أتابك في هذا الباب ووصل إلى بانياس وواليها الأمير سيف الدولة مسعود فتحدث معه وسار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال بمحضر منه فصادف ظهير الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة لتقرير الحال فيما بينه وبين فخر الملوك رضوان صاحب حلب فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر الأمر إلى حين عود ظهير الدين من حماة فيبادر بغدوين بالنزول على صور ويفوت الغرض المطلوب فيها فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق المصير معه إلى بانياس وانتهاز الفرصة في تسليم صور إليه فأجاب إلى ذلك وتوجه معه إلى بانياس وتم مسعود إلى صور ومعه من يعتمد عليه من العسكر ولم ينتظر وصول أتابك ووصل إليها وحصل بها. وانتهت الحال في ذلك إلى أتابك فانهض فرقةً وافرة من الأتراك إلى صور تقويةً لها فوصلت إليها وحصلت بها واستقر أمر الأتراك فيها وحمل إليها من دمشق ما أنفق فيهم وطيب نفوس أهل البلد وأجروا
стр. 315
على الرسم في إقامة الدعوة والسكة على ما كانت عليه لصاحب مصر ولم يغير لهم رسم وكتب ظهير الدين أتابك إلى الأفضل بمصر يعلمه: أن بغدوين قد جمع وحشد للنزول على صور وأن أهلها استنجدوا بي عليه والتمسوا مني دفعه عنهم فبادرت بانهاض من أثق بشهامته لحمايتها والمراماة دونها إليه وحصلوا فيها ومتى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها ويذب عنها ويحميها بادرت بتسليمها إليه وخروج نوابي منها وأنا أرجو أن لا يهمل أمرها وانفاذ الاسطول بالغلة إليها والتقوية لها. وحين عرف بغدوين هذا الخبر رحل في الحال من بيت المقدس إلى عكا فوجد الأمر قد فات وحصل بها الأتراك فأقام بعكا ووصل إليه من العرب الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه أن القافلة الدمشقية قد رحلت من بصرى إلى ديار مصر وفيها المال العظيم وأنا دليلك إليها وتطلق لي من أسر من أهلي فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة واتفق أن بعض بني هوبر تخطف بعضها وخلصت منهم ووصلت إلى حلة بني ربيعة فمسكوها أياماً وأطلقوها بعد ذلك وخرجت من نقب عازب وبينه وبين بيت المقدس مسافة يومين للفارس فلما حصلت بالوادي أشرفت الافرنج عليها فهرب من كان بها فالذي صعد منها الجبل سلم وأخذ ماله وأخذت العرب أكثر الناس فاشتمل الافرنج على ما فيها من الأمتعة والبضائع وتتبعت العرب من أفلت منهم فأخذوه وحصل لبغدوين منها ما يزيد على خمسين ألف دينار وثلاثمائة أسير وعاد إلى عكا ولم يبق بلد من البلاد إلا وقد أصيب بعض تجاره في هذه القافلة.
стр. 316
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن موسى البلاساغوني التركي في يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة بدمشق ﵀ وهو معزول عن قضائها ولازم منزله
وفي هذه السنة وصل ابن الملك تكش ابن السلطان البارسلان أخي السلطان العادل ملك شاه إلى حمص هارباً من ابن عمه السلطان غياث الدنيا والدين محمد ولم يمكنه المقام بحمص ولا حماة فتوجه إلى حلب وكان ولد فخر الملوك رضوان صاحب حلب في الدركاه السلطانية فأشفق من المقام بحلب فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية فاستجاره فأجاره وأكرمه وأحسن إليه واجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع طنكري فأقام عنده. وخرج طنكري من أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية كربيل مقدم الأرمن وكان قد هلك طمعاً في تملك بلاده فعرض له مرض في طريقه أوجب عوده إلى أنطاكية فاشتد به المرض فهلك في يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة وقام في الأمر بعده ابن أخيه سرجال فتسلم أنطاكية وأعمالها واستقام له الأمر فيها بعد أن جرى بين الافرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم القسوس وطلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة
стр. 317
فأجابه إلى ذلك ومبلغها عشرون ألف دينار والخيل وطلب مقاطعة شيزر فأجاب صاحبها إليها وهي عشرة آلاف دينار. وتواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال دمشق وانقطعت الطريق وقلت الأقوات بها وغلا السعر فيها وتتابعت كتب ظهير الدين أتابك إلى الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال في هذه الأعمال وبعثه على الوصول إليه للاعتضاد على دفع المردة الاضداد والفوز بفضيلة الجهاد وكان مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا والدين بشناعات من الحال لفقها الحسدة الأعداء أوجبت استيحاشه منه وبعده عنه قيل في جملتها أنه عازم على الخلاف والعصيان وأن يده ويد أتابك قد صارت يداً واحدة وأراؤهما متوافقة وأهواؤهما متطابقة. فما عرف ذلك سير ولده وزوجته إلى باب السلطان بأصفهان للتنصل والاعتذار وإبطال ما رمي إليه من المحال والتبرئ مما افتري عليه وعزي إليه والاستعطاف له والاعلام بأنه جار على ما ألف منه على اخلاص الطاعة والعبودية والمناصحة في الخدمة والاهتمام بالجهاد. ثم جمع عسكره من الأتراك والأكراد ومن أمكنه وتوجه إلى الشام وقطع الفرات في ذي القعدة من السنة. فحين اتصل خبره ببغدوين الملك قلق لذلك وانزعج لخبره. وكان جوسلين صاحب تل باشر قد اختلف هو وخاله بغدوين الرويس صاحب الرها وصار مع بغدوين صاحب بيت المقدس واقطعه طبرية واتفقا على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك يبذل المصافاة والمودة ويرغبه في الموادعة والمسالمة ويسلم إليه حصن ثمانين المجاور لحصن.... وجبل عاملة ويتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في
стр. 318
السواد ونصف السواد ويضمن عن بغدوين الوفاء بذلك والثبات على المودة والمصافاة وترك التعرض لشيء من أعمال دمشق ولا يعرض هو لشيء من أعمال الافرنج. فلم يجب إلى ذلك ونهض من دمشق في العسكر للقاء الأمير مودود والاجتماع به على الجهاد فاجتمعا بمرج سلمية واتفق رأيهما عرى قصد بغدوين وصارا وقد استصحب أتابك جميع العسكر ومن كان بحمص وحماة ورفنية ونزلا يوم عيد النحر بقدس ورحلا منها إلى عين الجر بالبقاع ثم منها إلى وادي التيم ثم نزلا بانياس ونهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية ثمانين فلم يظفر منها بمراد وعادت ووصل إليها بغدوين وقد كان لما ينس من إجابة أتابك إلى الموادعة وأصل الغارات والفساد في الشام إلى أن وصل عسكر السلطان إلى عمله. وبالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود وإعظامه وإكرامه وما حمله إليه وإلى مقدمي عسكره وخواصه من أنواع الملبوس والمأكول والمركوب ثم نهضوا معلمين على النزول على القحوانة ووصل إلى بغدوين سرخالة صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر
стр. 319
الصنبرة ثم يقطعون إلى القحوانة للقاء المسلمين وقد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر والمسلمون لا يعملون بذلك وأنهم قد عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل. فسبق الأتراك إلى نزولهم في القحوانة وقطع بعد عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات والزرع فصادفوا الافرنج قد ضربوا خيامهم وقد تقدم بغدوين المسبق إلى هذا المنزل ونزل صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه
ونشبت الحرب بين المتعلفة وبين الافرنج وصاح الصائح ونفر الناس وقطعوا الجسر وهم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية فوقف أتابك على الجسر وتسرع خلق كثير من العسكر إلى قطع الجسر وقطع الأمير تميراك بن أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر ونشبت الحرب بين الفريقين من غيرتا هب للقاء ولا ضرب خيام ولا استقرار في منزل ولا مجال واختلط الفريقان فمنح الله الكريم له الحمد المسلمين النصر على المشكرين بعد ثلاث كرات فقتل فيها من الافرنج تقدير ألفي رجل من الأعيان ووجوه الأبطال والشجعان وملكوا ما كان نصب من خيامهم والكنيسة المشهورة وأفلت بغدوين بعد ما قبض وأخذ سلاحه وملكت دواب الرجالة وما كان لهم وغرق منهم خلق كثير في البحيرة واختلط الدم والماء وامتنع الناس من الشرب منها أياماً حتى صفت منه وراقت والتجأ من نجا من الافرنج إلى طبرية وأكثرهم جرحى وذلك في يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة ٥٠٧. وبعد انفصال الأمر
стр. 320
وصل باقي الافرنج أصحاب طنكري وابن صنجيل فلأمره على التسرع وفندوا رأيه ونصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية وفي غد يوم الوقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية وأشرفوا على الافرنج بناحية طبرية وعزموا على النزول إليهم والايقاع بهم فخافهم الافرنج وأيقنوا بالهلاك وأقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم وانكفوا إلى معسكرهم وطلع الافرنج إلى الجبل وتحصنوا به لصعوبة مرتقاه وهو من غربي طبرية والماء ممتنع على من يكون فيه فعزم المسلمون على الصعود إليه مواقعتهم واستدعى أتابك العرب الطائيين والكلابيين والخفاجيين فوصلوا في خلق كثير بالمزادات والروايا والابل لحمل الماء وصعدت الطلائع إلى الجبل من شماله وعرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس والراجل. وعلم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله واماراته والعدو قد ذل وانخزل وفل وانخذل وسرايا الاسلام قد بلغت في النهيض إلى أرض بيت المقدس ويافا وأخربت أعمالهم ودوختها واستاقت عواملها ومواشيه وغنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود ودامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر وعقيب هذه النوبة وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة خلاف ما كان قرره وبذله فأنكر ظهير الدين أتابك وشرف الدين مودود ذلك منه وأبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه وإقامة الخطبة له وذلك في أول شهر ربيع الأول سنة ٥٠٧ وسيرا رسولاً إلى السلطان غياث الدنيا والدين إلى مدينة أصفهان بالبشارة بهذا الفتح ومعه جماعة من أسارى الافرنج ورؤسهم وخيولهم وطوارقهم ومضاربهم وأنواع سلاحهم
следующие страницы →