Полный текст (190 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: محاضرات في النصرانية
(تبحث في الأدوار التي مرَّت عليها عقائد النصاري وفي كتبهم ومجامعهم المقدسة وفرقهم)
المؤلف: الإمام / محمد أبو زهرة ﵀
الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة
الطبعة الثالثة ١٣٨١ هـ - ١٩٦٦ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
افتتاحية الطبعة الثالثة
الحمد لله رب العالمين، الذي بعث رسله ليكونوا حجة على الناس يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئاً، والصلاة والسلام على النبي الأمي محمد ﷺ نبي الرحمة الذي بعث على فترة من الرسل، بعد أن ضلت الأفهام، وحرفت الحقائق وسيطرت الأوهام، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا كالنجوم بين العالمين.
أما بعد ... فهذه محاضراتي في النصرانية أعيد طبعها، بعد أن ألح الكثيرون في طلب الإعادة، إذ تعذر على مريدي قراءتها الحصول عليها، حتى أنها عندما قررت دراستها على طلبة معهد الدراسات الإسلامية لم يجد الدارسون ما يراجعون فيه، فلم يكن بد من أن يعيد المعهد طبعها ليعين الدارسين، ولينتشر تلك الحقائق، من غير تهجم على متدين، ولا مضايقة لغير مسلم، لأن البحث الذي يتبع فيه المنهاج العلمي السليم، لا يصح أن تضيق به الصدور، ولا أن تنزوي عنه العقول. وإذا كانت فيه ثغرات يرأبها النقد المنطقي المستقيم، ويعالجها البحث العلمي القويم من غير عوج في القول، ولا التواء في القصد.
لقد كتبنا تلك المحاضرات بروح المحقق الذي يجمع الحقائق، ويعرضها، وقد تماسك بعضها ببعض، ليتكون من ذلك مجموعة علمية تهدي ولا تضل. وما كنا نجهد التاريخ لنسيره، ولكنا خضعنا له، وهو الذي كان يسيرنا. . وكنا في ذلك كالقاضي العادل خضع للبيانات التي تكون بين يديه، وهي التي تحكم في الحكم الذي نسجله. لا نغير ولا نبدل، ولا ننحرف بها عن النتائج التي تؤدي إليها مقدماتها. فنسير حيث يسير بنا الدليل من غير انحراف ولا تجريف.
وما كانت البيانات التي بين أيدينا من مصادر إسلامية، أو من أعداء المسيحية. بل كانت من كتاب المسيحيين أنفسهم التي سجلوها في
стр. 3
تاريخها، كتبها المتقدمون، ورددها المتأخرون، فهي شهادات من أهلها استنطقناها، فنطقت، واستهديناها، فهدت، واسترشدنا بها فأرشدت، وما ضنت.
وإذا كان من إخواننا وعشرائنا من تململ من محاضراتنا. أو تبرم من مخالفتنا لما يؤمن به، فأنا - علم الله - ما قصدنا بكلامنا إحراجاً ولا إيلاماً، إنما أمانة العلم هي التي جعلتنا لا نقدم لتلاميذنا الذين نلقاهم، والذين لا نلقاهم بالخطاب، بل نلقاهم بالكتاب، إلا ما نعتقد أنه الحق الناصع، وقد وجه إلينا نقد من بعض المخلصين من إخواننا المسيحيين في مقالات متتابعة نشرتها إحدى المجلات المسيحية، فما ضاقت صدورنا، بل ذهبنا إلى الناقد في داره، وطلبنا إليه أن يطلعنا على كل الأعداد التي تشتمل على نقد لنا، لنصحح خطأ وقعنا فيه، أو لنبدل حكماً ما أنصفنا فيه، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ .
ولنا لنحسب أنه ليس من بين إخواننا أقباط مصر من ظلموا، فما كان لنا إلا أن نتقبل النقد بقبول حسن، ونتبعه في كل ما وجه إلينا مستطيبين ذلك، حتى ما كان منه تهجم علينا. فإن المخلص يستمع، ولو كان في كلام مخالفه هجوم، أو تهجم بغير الحق.
وما وجدنا في النقد ما يغير حكماًً، ولقد أرسل إلينا بعض أبنائناً المسحيين رسائل نقد قدرناها، فقراناها، وكان كتابها يخرجون عن حد النقد أو الدفاع إلى ما لا يحسن من قول، فما ضاقت صدورنا، وحاولنا أن ننتفع منها، ولكنا ما وجدنا فيها أيضاً ما يبرر لنا تغيير حكم حكمنا به، وإلى هؤلاء وأولئك نعتذر.
ولا يصح أن يتبرم أحد من إخواننا وأبنائنا من كلام نسوته لطلابنا، معتقدين أنه الحق الذي لا ريب فيه، فلو كان أهل كل دين تضيق صدورهم بالبحث والدرس، لكان حقاً علينا معشر المشتغلين بالدراسات الإسلامية أن تذهب نفوسنا حسرات مما يكتبه بعض علماء أوروبا عن الإسلام، يفترون على حقائقه ولا يدرسونه دراسة موضوعيه، بل يدرسونه دراسة
стр. 4
ذاتية محرفين الكلم عن مواضعه، ومع ذلك ندرس كلامهم، ونضع الصواب منه في موضعه، ونضع الباطل في مكان سحيق، نأخذهم إلى المنطق ولا ننحرف معهم عن قصد السبيل.
وأخيراً نقول لإخواننا أننا نؤمن بالمسيح ﵇، ونؤمن بمحمد ﷺ وسائر النبيين ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ .
محمد أبو زهرة
٢٧ من ذي القعدة سنة ١٣٨١
١٩ من مارس سنة ١٩٦٦
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
افتتاحية الطبعة الثانية
الحمد لله الذي خلق فقدر، وخلق آدم من طين، وعيسى ابن مريم من غير أب ليكون حجة على العالمين. فيثبت أن الخلق بالإرادة لا بالعلية، فتبارك الله أحسن الخالقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وسائر النبيين، المبعوثين رحمة للناس أجمعين.
أما بعد، فقد جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:
ثلاثة لهم أجران: "رجل من أهل الكتب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه. ورجل كانت عنده أمه فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران".
ويقبس من هذا الروح السمح كتبنا كتاب محاضرات في النصرانية، نرجو به مع إحقاق الحق الهداية، لا نهاجم اعتقاداً، ولا نبطل عقيدة، بل ننير السبيل ونضع المصباح أمام الجادة فيسلكها من يريد الرشاد، ومن يرجو السداد، ولكننا في عصر فهم الناس فيه الدين منزعاً جنسياً، ولم يفهموه حقاً اعتقادياً، ولا تهذيباً نفسياً، ولا خلاصاً روحياً، فكان ذلك حاجزا دون أن تصل الهداية إلى القلوب، ولن تشرق النفوس بنور الحق.
وقد كلن الناس في الماضي يوجد من بينهم من يقول ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ أما الآن بالناس جميعاً غلقوا على أنفسهم باب النور باعتبارهم الدين جنسا، والاستمساك به من القومية أو ما يشابهها، فيكون العار على من خالف، وإن كانوا يعلمون أن فيما يعتقدون ما ليس بمفهوم.
وبسبب هذه النزعة الجنسية في التدين ظهر نقد لكتابي هذا من بعض بني وطني غير المسلمين، وكنت (علم الله) مستريحاً لظهوره، فجمعت
стр. 6
النقد، وشكرت الناقد، وتغاضيت عن عبارات نالني بها، لأنها من فلتات القلم، ولقد أخذت أدرس ذلك النقد حرفاً حرفاً، لأصحح به خطأ جرى في الكتاب، أو سوء تفسير فسرناه، أو تخريجاً بعيداً عن المعنى خرجناه.
ولكني وجدت النقد خالياً من ذلك في جملته، بل هو مهاجمة لقصد الكتاب، يثير اعتبار الدين جنسا، ويدفعه التعصب الشديد، ويحاول توهين المكتوب، حتى أنه في سبيل ذلك يعتبر الكرم المقيد بوصف متناقضا، والمعلق على شرط متضاربا، لأن صدر الكلام غير الوصف، ومقدم القضية الشرطية غير تاليها، وإن كان في النقد ما يفيد أنه أثبت أن بعض أخواننا نألم من عبارات جاءت في كتابنا. فغيرناها إن لم يكن في التغيير ما يمس الجوهر، ويفسد المعنى.
وقد كنا بسبب التألم نحجم من إعادة طبع الكتاب، مع الإلحاف من الكثيرين وبعضهم من إخواننا المسيحيين، وأحجمنا عن ذلك نحو ست سنوات، ولكن اشتد الطلب من البلاد الشرقية والمصرية، وزكوا الطلب بأنه لا يليق أن تحول الاعتبارات النفسية دون ظهور ثمرات الفكر، وإن عند إخواننا من سعة الصدر ما يتسع لذلك. وخصوصاً أن الكتاب معروف في أمريكا وأوربا والهند، فقد ترجم إلى الإنجليزية. ولخصته بعض المجلات الأمريكية تلخيصاً كاملاً، وترجم إلى الفرنسية والأردية.
فماذا كانت هذه الأمم المسيحية تطوع بعض المسيحيين فيها بترجمته تسجيلاً للآثار العلمية. وإن خالفوها - فإنه من نقص الحرية الفكرية في مصر أن يضيق صدر بعض أبنائها حرجاً بإعادة طبع كتاب سجله المسيحيون في لغاتهم.
لهذا أقدمت على إعادة طبع الكتاب بعد طول الأحجام، راجياً من المولى جلت قدرته الهداية والتوفيق والسداد، إنه نعم المولى ونعم النصير.
محمد أبو زهرة
٩ من رجب المحرم سنة ١٣٦٨
الموافق ٤ من مايو سنة ١٩٤٩
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
افتتاحية الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى ابن مريم من النبيين الصديقين، ومن عباد الصالحين وأولى العزم من الرسل.
أما بعد. فقد عهد إلي تدريس تاريخ الديانات بقسم الدعوة والإرشاد من كلية أصول الدين فألقيت محاضرات في النصرانية، هذه خلاصتها، وتلك لبابها، ولقد عنيت ببيانها في أدوارها المختلفة متبعاً في بيان المسيحية الحاضرة سلسلة إسنادها المتصلة. فكان أول السلسلة مجمع نيتيه المنعقد سنة ٣٢٥، وتنتهي بعصرنا الحاضر، هذا مبدأ السند وهذا منتهاه، فالسند إذن ينقطع بين المسيح ﵇، والمجمع الأول من المجامع المقدسة، وأن انقطاع السند في هذه الفترة الطويلة سببه الاضطهاد الذي لحق النصارى فيها، حتى كانوا يستخفون ويتعبدون في السر. فلا يعلنون دينهم الذي ارتضوا، ويفرون به فراراً إن كشف أمرهم، قد ينطقون بكلمة الكفر يتقون بها حد السيف أو نار العذاب، وقد اعترف بقطع السند مجادلوهم واختاروا ذلك السبب علة لهذا القطع.
وأنا إزاء العجز أو عدم توافر أسباب العلم ابتدأنا بحثنا في دينهم بكتبهم التي ألزم المسيحيون بها بعد قرار المجامع بالإلزام، ثم تتبعنا في البحث سير المجامع. نسير في مسارها، ونتجه في اتجاهاتها، ولكنا لا نكتفي بدراية قرارات مجمع من المجامع، بل ندرس البواعث التي بعثت إلى انعقاده ونفصل بعض التفصيل الخلاف الذي سبقه، والذي جاء المجمع لحسمه، ثم انتهى إلى تشعيبه وتوسيع زاويته.
وإن عنايتنا بتفصيل البواعث التي أدت إلى انعقاد المجمع الأول، وبيان قراراته، وكيف تأتي جمهور المسيحيين، وخاصة رجال الدين تلك القرارات، قد أزالت الستار عما أكفته غياهب التاريخ في الفترة التي
стр. 8
كانت بين المسيح وهذا المجمع، بل إن تلك العناية جعلتنا نخترق حجب الظلام التاريخي لنصل إلى ضوء نعشو إليه لنعرف حقيقة دعوة المسيح في عصر الاستخفاء أو عصر الاضطهاد، ولقد ساعدنا على الاستفادة بذلك الضوء موازنات تصدينا لها وازنا فيها بين المسيحية الحاضرة وفلسفة الرومان واليونان في تلك الفترة، وما حاولنا أن نفرض ما استنبطنا على القارئ أو نسبقه إلى الاستنباط، بل القينا إليه بالمقدمات، وتركنا له استخراج نتائجها، ليشاركنا فيما وصلنا إليه باقتناعه، ولكيلا نملأ عقله، وهو خال، فينقص تقديره للدليل ويضعف وزنه للبرهان.
ولقد كانت عنايتنا متجهة إلى بيان العقيدة، فجلينا أدوراها، وبينا ما قام حولها من مناقشات وخلافات. وبينا كل فرقة ومنبعثها، والمجمع الذي انبعثت من بعده. وما أحصينا فوقهم عدا، ولا فصلنا آراء كل فرقة تفصيلا، بل عنينا بالفرق الكبرى، وعنينا بتفصيل العقيدة دون سواها.
وعلم الله أني لبست رداء الباحث المنصف ونظرت بالنظر غير المتحيز، وتخليت عن كل شيء سواه، لأصل إلى الحق وصول المجتهد الحر، لا المقلد التابع المأسور بسابق فكره، والمأخوذ بسابق اعتقاده، ولكني انتهيت كما ابتدأت، مؤمناً بالله الواحد الأحد، الذي ليس له والد ولا ولد.
وإني لأهدي كتابي هذا إلى كل مسيحي طالب للحقيقة يسير في مسالكها لا أبغي به غلباً في جدال، ولا سبقاً في نزال، ولكن أبغي به الحق المجرد ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
محمد أبو زهرة
стр. 9
تمهيد
١- عسير على المرء أن يكتب في رأي يخالف رأيه، ويتحرى مع هذه المخالفة أن يصور الرأي، كما يجول بخاطر صاحبه، وينبعث في نفسه، فيبين دوافعه وغاياته، وإذا كان ذلك واضحاً في رأي مخالف برئاي، فكيف تكون الحال إذا كانت المخالفة في عقدية تعتنق، وتتغلغل في أعماق النفس، وتستكن في اطوائها!! إن الطريق حينئذ يكون أو عث، ومسالكه أضيق، لذلك كان الطريق غير معبد أمام الباحث الذي يريد أن يكتب في النصرانية كمنا يعتقد النصارى، ويصورها أمام القارئ كما تجول بخاطر معتنقيها، ويفرض من نفسه ناظراً غير متحيز، يبين العقيدة، كما عي في نفس أصحابها، لا كما ينبغي أن تكون، أو كما يعتقد هو، لأن الباحث خلع نفسه مما تعتنق وتؤمن به. ويجردها تجرداً تاماً مما قد صار منها بمنزلة الملكات، وخالط الإحساس والمشاعر، واستولى على كل مسالك الآراء إليها، وتصوير المسيحية كما يعتقد أصحابها ليس فقط عسيراً على الكاتب غير المسحي، بل إنه عسير على الكتاب المسيحيين أنفسهم، يستوي في ذلك المختصون بالدراسات الدينية وغير المختصين، ولذلك يستعينون في تصويرها، وإدنائها إلى العقول بضرب الأمثال. والتشبيهات الكثيرة، لتأنيس غريبها بالقريب المألوف، والمشاهد المحسوس ولإدخالها في العقل من الباب الذي يألفه ويعرفه، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
٢- ولكن البحث العلمي يتقاضى الباحث الحر المنصف أن يدرس المسيحية إن أراد أن يعلنها كما يعتقد أهلها مجرداً من نزعاته السابقة على الدراسة، غير جاهل لعقيدته سلطاناً على حكمه، حتى لا تسيره في دراسته، وتتحكم في اتجاهاته، لأن ذلك قد يدفعه لأن يتزيد على القوم، والتزيد ليس من شيمة العلماء، أو يدفعه لأن يتناول كلامهم بغير ما يريدون، وذلك لا يجعل العقل يدرك الأمور كما هي في ذاتها، بل يدركها كما انعكست في نفسه، وكما رسمت على قلبه، وقد يباعد ذلك الأمر في ذاته.
стр. 10
ولذلك سنحاول داعين الله - مبتهلين إليه أن يلهمنا التوفيق - دراسة المسيحية، مجردين من أنفسنا ناظراً غير متحيز عليها، لتصورها كما هي، وكما يعتقد أهلها، ولنتمكن من أن نكتبها بروح الإنصاف، ولقد نضطر في سبيل ذلك الإنصاف أن ننقل عبارات كتبهم المقدسة عندهم وغير المقدسة من غير أن نتصرف بأي تصرف، حتى ما يتعلق بالإعراب وأساليب البيان، لكيلا يدفعنا التصرف في التعبير إلى تغيير الفكرة، أو تحريف القول. عن مواضعه. وسنجتهد ما استطعنا في تصوير تفكيرهم الأمثال، إن لم نجد بدا من ذلك.
ولكن من عنايتنا الشديدة بتفهم ما عند القوم، وتعرف غاياته ومراميه لا نترك النقد العلمي النزيه، الذي يستمد قوانينه من بدائه العقول وأحكام المنطق، وخصوصاً ما يتعلق بكتبهم، لأنه إذا كان الإنصاف قد طالبنا بألا نتزيد على ما عندهم، أو نحرفه عن مراده ومرماه، فالإنصاف أيضاً يطالبنا بألا نهمل العقل، وألا خرج بحثنا عن معناه العلمي التاريخي، وصار بحثاً لاهوتيا صرفاً، وذلك ما لا نريد، فلا يصح أن يدفعنا حرصنا على أنصافهم إلى ظلم الحلم والحق والعقل.
стр. 11
المسيحية: كما جاء بها المسيح ﵇
المسيحية في القرآن:
٣- قبل أن نخوض في المسيحية كما هي عند المسيحيين نتكلم في المسيحية التي جاء بها المسيح ﵇، وإنا إذا تصدينا للمسيحية التي جاء بها المسيح نجد التاريخ لا يسعفنا بها، إذ بعد العهد، واضطربت روايات التاريخ بالأحداث التي نزلت بالمسيحيين، ويجوز أن تكون قد عملت بد المحو والإثبات عملها، حتى اختلط الحابل بالنابل. وصار من العسير أن نميز الطيب من الخبيث، والحق من الباطل، والصحيح من غير الصحيح، وأننا معشر المسلمين لا نعرف مصدراً صحيحاً جديراً بالاعتماد والثقة من المسلم غير القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، فهما المصدران المعتمدان للمسلم في هذا، وما نكتب هذا لنلزم به المسيحيين، ولا على أنه هو المعتبر عندهم، ولكن نكتبه، ليتسق البحث، ولنتم السلسلة.
ينص القرآن الكريم على أن عقيدة المسيح هي التوحيد الكامل، التوحيد بكل شعبه، التوحيد في العبادة، فلا يعبد إلا الله، والتوحيد في التكون، فخالق السماء والأرض وما بينهما هو الله وحده لا شريك له، والتوحيد في الذات والصفات فليست ذاته بمركبة، وهي منزهة عن مشابهة الحوادث . فالقرآن الكريم يثبت أن عيسى ما دعا إلا إلى التوحيد الكامل، وهذا ما يقوله اللع تعالى عما يكون من عيسى يوم القيامة من مجاوبة بينه وبين ربه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فهذا نص يفيد بصريحة أن عيسى ما دعا إلا إلى التوحيد، فغير التوحيد إذن دخل النصرانية من بعده، وما كان عيسى إلا رسول لله رب العالمين.
стр. 12
ولقد نزل على السيد المسيح ﵇ كتاب هو الإنجيل، وهو مصدق للتوراة، ومحيى لشريعتها، ومؤيد للصحيح من أحكامها، وهو مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وهو مشتمل على هدى ونور وهو عظة للمتقين، وإنه كان على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل فيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
دعوة المسيح:
٤- ولقد كانت دعوة المسيح ﵇ تقوم على أساس إنه لا توسط بين الخالق والمخلوق، ولا توسط بين العابد والمعبود، فالأخبار والرهبان لم تكن لهم الوساطة بين الله والناس، بل كل مسيحي يتصل بالله في عبادته بنفسه، من غير حاجة إلى توسط كاهن أو قسيس أو غيرهما، وليس شخص - مهما تكن منزلته أو قداسته أو تقواه - وسيطاً بين العبد والرب في عبادته، وتعرف أحكام شرعه مما أنزل الله على موسى من كتاب، وما أثر عنه من وصايا، وما اقترنت به بعثته من أقوال ومواعظ.
ودعوة عيسى ﵇ كما ورد في بعض الآثار، وكما تضافرت عليه أقوال المؤرخين - تقوم على الزهادة والأخذ من أسباب الحياة بأقل قسط يكفي لأن تقوم عليه الحياة، وكان يحث على الإيمان باليوم الآخر، واعتبار الحياة الآخرة الغاية السامية لبني الإنسان في الدنيا، إذ الدنيا ليست إلا طريقاً غايته الآخرة، وابتداء نهايته تلك الحياة الأبدية.
ولماذا كانت دعاية المسيح ﵇ إلى الزهادة في الدنيا، والابتعاد عن أسباب النزاع والعكوف على الحياة الروحية؟ الجواب عن ذلك أن اليهود الذين جاء المسيح مبشراً بهذه الديانة بينهم كان من يغلب عليهم النزعات المادية، وكان منهم من يفهم أن الحياة الدنيا هي غاية بني الإنسان، بل أن التوراة التي بأيديهم اليوم خلت من ذكر اليوم الآخر، ونعيمه أو جحيمه، ومن فرقهم من كان يعتقد أن عقاب الله الذي أوعد به العاصين، وثوابه الذي وعد به المتقين، إنما زمانه في الدنيا لا في الآخرة، وقد قال رينان الفيلسوف الفرنسي في كتابه المسيح: "الفلسفة اليهودية كان من مقتضاها السلطة الفعلية في نفس هذا العالم، فإنه يؤخذ من أقوال
стр. 13
شيوخهم أن الصالحين يعيشون في ذاكرة الله والناس إلى الأبد، وهم يقضون حياتهم قريبين من عين الله، ويكونون معروفين عند الله، أما الأشرار فلا، هذا كان جزاء أولئك، وعقاب هؤلاء، ويزيد الفريسيون على ذلك أن الصالحين ينشرون في هذه الأرض يوم القيامة ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي لينقذ الناس، ويصبحوا ملوك العالم وقضاته، وهكذا يتنعمون بانتصارهم، وانخذال الأشرار أعدائهم، وعلى ذلك تكون مملكتهم في هذا العالم نفسه"! أهـ فجاء المسيح ﵇ مبشرا بالحياة الآخرة، وإنها الغاية السامية لهذا العالم بين أولئك الذين أنكروها، ومن ثم ينكرها بقوله منهم أنكرها بفعله، فكانوا في ذلك الإنكار سواء.
مريم والمسيح في القرآن الكريم:
٥- وإذا كانت شخصية المسيح هب اللب في المسيحية الحاضرة، وأساس الاعتقاد فيها، وجب أن نبينها كما جاءت في القرآن، كما سنبينها كما جاءت في المسيحية، ليستطيع القارئ أن يوازن بين الشخصيتين، ويعرف أيهما أقرب إلى التصور، والعقل يتقبلها بقبول حسن، ولنبدأ بأمه.
يذكر القرآن الكريم مريم أم عيسى ﵇، فيقص خبر الحمل بها وولادتها وتربيتها في سورة آل عمران. فيقول تعالت كلماته: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
هذه هي الأحوال التي اكتنفت الحمل بالبتول مريم، وولادتها، وتربيتها، ويلاحظ القارئ أن العبادة والنسك أظلاها، وهي جنين في بطن أمها إلى أن بلغت مبلغ النساء، واصطفاها الله لأمر جليل خطير، فأمها وهي حامل بها نذرت أن يكون ما في بطنها محرراً خالصاً لخدمة بيت الله
стр. 14
وسدانته، والقيام بشئونه، واستمرت مصممة على الوفاء بنذرها، فلما وضعت، وكان نذرها على فرض الذكورة، كما يبدو من أشارات النصوص القرآنية، جددت العزم على الوفاء بالنذر، وقد وجدت مل تسوغه النفس للتحلل من النذر، فكان ذلك الإصرار عبادة أخرى، إذ وجدت في النفس داعيات التردد، والرجوع والتحلل من الوفاء فكان كفها هذه الداعيات والقضاء عليها عبادة أخرى، ثم انصرفت الفتاة الناشئة منذ طراوة الصبا إلى النسك والعبادة، وقام على تنشئتها وهدايتها وتعليمها نبي من أنبياء الله الصديقين الصالحين، فكلفها زكريا، ووجهها إلى العبادة الصحيحة، وتنزيه القلب من كل أدران الشر والإثم، وكان الله يدر عليها أخلاق الرزق من حيث لا تقدر ور تحتسب، ومن غير جهد ولا عنت، حتى أثار ذلك عجب نبي الله كافلها فكان ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
٦- ولقد كانت تلك التنشئة الطاهرة التي تكونت في ظلها بريئة من دنس الرذيلة - لا يجد الشيطان سبيلاً أو منفذاً ينفذ إلى النفس منها - تمهيداً لأمر جليل قد اصطفاها الله تعالى له دون العالمين، ولذا خاطبتها الملائكة وهي الأرواح الطاهرة باجتباء الله لها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ . ولقد كان ذلك الاصطفاء هو اختيار الله لها لأن تكون أما لمن لم يولد من غير نطفة آدمية. وكان ذلك لكي تكون آية مشهورة، تحمل فيها حف بها من أحوال التراهن التي تقطع ريب المرتاب، وألسنة كل أفاك، وتغير السبيل أمام المؤمنين إذ أن ولادته من غير أب من أم كانت حياتها للنسك والعبادة. والعكوف على التقوى. وتحت ظل نبي من أنبياء الله تعالى لم تزن بريبة قط - يجعل المؤمن يؤمن بآية الله الكبرى في هذا الكون، ولا يجعل شيئاً يقف أمام مريد الهداية من تطنن بالأم أو ريبة فيها، فحياتها كلها من قبل ومن بعد تنفي هذه الريبة، وتبعدها عن موطن الشبهة.
стр. 15
الحمل بالمسيح وولادته:
٧- حملت العذراء البتول مريم بالسيد المسيح ﵇، وهو الأمر الذي اجتباها الله له، واختارها لأجله، ولقد فوجئت به، إذ لم تكن به عليمة، فبينما هي قد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، أرسل الله إليها ملكاً تمثل لها بشراً سوياً ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ ، حملت السيدة مريم البتول بعيسى من غير أب، ثم ولدته. ولم تبين الآثار النبوية مدة الحمل. فلم يرد في الصحاح آثار تبين تلك المدة، ولو كانت مدة الحمل غريبة لذكرت، فليس لنا إذن إلا أن نفرض أن مدة الحمل كانت المدة الغالبة الشائعة بين الناس. وهي مدة تسعة أشهر هلالية.
ولما ولدته وخرجت به على القوم كان ذلك مفاجأة لهم، سواء في ذلك من يعرف نسكها وعبادتها، ومن لا يعرف، لأنها فاجأتهم بأمر غريب، وهي المعروفة بينهم بأنها عذراء ليس لها بعل، فكانت المفاجأة داعية الاتهام، لأنه عند المفاجأة تذهب الروية، ولا يستطيع المرء أن يقابل بين الماضي والحاضر، وخصوصاً أن دليل الاتهام قائم، وقرينته أمر عادي لا مجال للريب فيه عادة، ولكن رحمها من هذه المفاجأة، فجعل دليل البراءة من دليل الاتهام لينقض الاتهام من أصله، ويأتي على قواعده ويفاجئهم بالبراءة وبرهانها الذي لا يأتيه الريب، ليعيد إلى ذاكرتهم ما عرفوه في نسكها وعبادتها، ولذلك نطق الغلام، وهو قريب عهد بالولادة، أشارت إليه ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
٨- نطق السيد المسيح في المهد، ليكون كلامه إعلاماً صريحاً ببراءة أمه وإنه لم يكن إلا عبد الله، ولد من غير أب،
стр. 16
ويروي ابن كثير: "عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً، حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم انطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه، وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ، ولم يذكر في الآثار الصحاح عن النبي ﵊ حال عيسى ﵇ في مرباه ونشأته، وكيف كان منه مما يكون إرهاصاً بنبوته، فليس لنا إلا أن نقول إنه قد تربى بما كان يتربى به أمثاله الذين ينشئون على التقى والمعرفة في بني إسرائيل، ويغلب على الظن أن يدون في ظهر منه وهو غلام، ما يدل على روحانيته، وما يدعو إليه بعد ذلك من حياة روحية، وسط قوم سيطرت عليهم المادة، وغلبت عليهم نزعاتهم، والاتجاه إليها.
الحكمة في كون المسيح ولد من غير أب:
٩- لبد من أن نشير هنا أن ننتقل إلى بعثته ﵇ إلى السبب الذي من أجله ولد عيسى ﵇ من غير أب. فإنه لابد أن يكون ذلك لحكمه يعلمها الله جلت قدرته، وقد أشار إليها سبحانه في قوله تعالت كلماته: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ .
وإنا نتلمس تلك الآية الدالة في ولادة عيسى ﵇ من غير أب، فنجد أنه يبدو أمام أنظارنا أمران جليان: أحدهما. أن ولادة عيسى ﵇ من غير أب تعلن قدرة الله ، وإنه الفاعل المختار المريد، وإنه سبحانه لا يتقيد في تكوينه للأشياء بقانون الأسباب والمسببات التي نرى العالم يسير عليها في نظامه الذي أبدعه الله والذي خلقه، فالأسباب الجارية لا تقيد إرادة الله، لأنه خالقها، وهو مبدعها ومريدها، فإن الأشياء لم تصدر عن الله جلت قدرته، كما يصدر الشيء عن علته، والمسبب عن سببه، من غير أن يكون للعلة إرادة في معلولها، بل كانت بفعله سبحانه وبإرادته التي لا يقيدها شيء مهما يكن شأنه، وخلق عيسى من غير أب هو بلا ريب إعلان لهذه الإرادة الأزلية، بين قوم غلبت عليهم الأسباب المادية، وفي عصر ساده نوع من الفلسفة، أساسها أن خلق الكون كان مصدره الأول، كالعلة عن معلولها، فكان عيسى آية
стр. 17
الله على إنه سبحانه لا يتقيد بالأسباب الكونية، وأن العالم كله بإرادته، ولم يكن سبحانه بمنزلة العلة من المعلول: ﴿تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ .
الأمر الثاني: أن ولادة المسيح ﵇ من غير أب إعلان لعالم الروح بين قوم أنكروها، حتى لقد زعموا أن الإنسان جسم لا روح فيه، وإنه ليس إلا تلك الأعضاء والعناصر التي يتكون منها، فلقد قيل عن اليهود أنهم كانوا لا يعرفون الإنسان إلا جسماً عضوياً، ولا يقرون إنه جسم وروح، فقد قال رينان في سبب الحقد الذي تغلغل في النفس اليهودية: "لو كان الشعب الإسرائيلي يعرف التعاليم اليونانية التي كان من مقتضاها اعتبار الإنسان عنصرين مستقلين: أحدهما الروح، والآخر الجسد، وإنه تعذبت الروح في هذه الحياة لأنها تستريح في الحياة الثانية، لسرى عنه شيء كثير من عذاب النفس، واضطراب الفكر، بسبب ذله وخضوعه، مع ما كان يراه في نفسه من الامتياز الأدبي والديني عن الشعوب التي كانت تذله".
يقرر رينان في هذا أن اليهود ما كانوا يقولون كاليونان أن الإنسان جسم وروح، ولقد يؤيد هذا ما جاء في التوراة التي بأيديهم في تفسير النفس بأنها دم، فقد جاء فيها: "لا تأكلوا دم جسم ما، لأن نفس كل جسد هي دمه"، إذن لم يكن اليهود يعرفون الروح على إنها شيء غير الجسم. فلما جاء عيسى من غير أب. وكان إيجاده بروح من خلق الله، كما قال تعالى ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ كان ذلك الإيجاد الذي لم يكن العامل فيه سوى ملك من الأرواح نفخ في جيب مريم، فكان الإنسان من غير بذرة الإنسان وجرثومته. كان ذلك إعلاناً لعالم الروح بين قوم أنكروها، ولم يعرفوها، فكان هذا قارعة قرعت حسهم ليدركوا الروح، وكان آية معلمة لمن لم يعرف الإنسان إلا إنه جسم لا روح فيه، وهذه آية الله في عيسى وأمه ﵉.
بعثة عيسى ﵇ ومعجزاته:
١٠- بعث عيسى ﵇، ولم يرد في القرآن الكريم، ولا في الآثار الصحاح بيان السن التي بعث عند بلوغها ﵇. ولكن ورد في بعض الآثار إنه بعث في سن الثلاثين، وهي السن التي تذكر الأناجيل
стр. 18
المعتبرة عند النصارى إنه بعث على رأسها، ويصح لنا أن نفرض أنه بعث في هذه السن على هذا الأساس.
بعث عيسى ﵇ يبشر بالروح. وعجز الملاذ التي استغرقت النفوس في تلك الأيام، واستولت عليها، ويبشر بعالم الآخرة، ولقد أيده الله بمعجزات، وأن ولادته نفسها معجزة، كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني، فقد قال ﵀ في ذلك: "كانت له آيات ظاهرة. وبينات زاهرة، مثل أحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، ونفس وجوده وفطرته آية كاملة على صدقه، وذلك حصوله من غير نطفة سابقة، ونعلقه من غير تعليم سابق".
ومعجزاته التي ذكرها القرآن الكريم تتلخص فيلا خمسة أمور، جاء ذكر أربعة منها في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ ... إلى قوله تعالت كلماته: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ .
ويستبين من هذه الآيات الكريمة أربع معجزات:
الأولى: إنه يصور من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، أي أن الله خلق على يديه طيراً من الطين، فالخالق هو الله ، ولكن جرى الخلق على يد عيسى، وينفخ من روحه ﵇ بإذن الله تعالى.
стр. 19
الثانية: إحياؤه ﵇ الموتى بإذن الله جلت قدرته، والمحيي في الحقيقة هو الله العلي القدير، ولكن أجرى الأحياء على يد المسيح ﵇، ليكون ذلك برهان نبوته، ودليل رسالته.
الثالثة: إبراؤه ﵇ الأكمه والأبرص، وهما مرضان تعذر على العالم قديمه وحديثه العثور على دواء لهما، والتمكن من أسباب الشفاء منهما، ولكن عيسى بقدرة الله شفاهما، وبرئ المريضان برقيته، فكان ذلك دليلاً قائماً على رسالته ﵇.
الرابعة: إنزال المائدة من السماء بطلب الحواريين، لتطمئن قلوبهم، وليعلموا أن قد صدقهم.
وهناك خمسة ذكرت في سورة آل عمران، وهي أنباؤه ﵇ بأمور غائبة عن حسه، ولم يعاينها، فقد كان ينبئ صحابته وتلاميذه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وقد ذكر الله تعالى في قوله في قوله تعالى حاكياًً عنه ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
الحكمة من كون معجزاته ﵇ من ذلك النوع:
١١- هذه معجزات عيسى ﵇، وهنا يتساءل القارئ: لماذا كانت معجزاته ﵇ من ذلك النوع؟ يجيب عن ذلك ابن كثير في كتابه البداية والنهاية بقوله: "كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزاته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرة أذكياء، فبعث بآيات بهرت الأبصار، وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه. وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره إلا ممن أيده الله، وأجرى الخارق على يديه تصديقاً له أسلموا سراعا، ولم يتلعثموا: وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن طبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وإني لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوا حالاً من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن قيم الميت من قبره، وغير هذا مما يعلم كل أحد إنه معجزة دالة على صدق من قامت به، وعلى قدرة من أرسله،
стр. 20
وهكذا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فلفظه معجزة تحدى به الأنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدمون لا في الحال، ولا في الاستقبال، فلم يفعلوا، ولن يفعلوا، وما ذلك إلا لأنه كلام الخالق ، والله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ما نراه حكمة صحيحة:
١٢- من هذا الكلام يستفاد أن معجزة المسيح كانت من نوع إبراء المرضى الذين يتعذر شفاؤهم وإحياء الموتى، لأن القوم كانوا على علم بالطب الطبيعي وكانوا فلاسفة في ذلك، فجاءت المعجزة من جنس ما يعرفون، ليكون عجزهم حجة عليهم، وعلى غيرهم ممن هم دونهم في الطب، ولكن رينان الفيلسوف المؤرخ الفرنسي يقرر أن اليهود ما كانوا على علم بالطب الطبيعي فيقول: "كانت صناعة الطب في المشرق في ذلك الزمان كما هي اليوم، فإن اليهود في فلسطين كانوا يجهلون هذه الصناعة التي وضعها اليونان منذ خمسة قرون قبل ذلك التاريخ، وكان قد ظهر قبل ذلك بأربعة قرون ونصف كتاب لأبقراط أبي الطب موضوعه العلة المقدسة يعني الهستريا، وفيه وصف هذه العلة، وذكر دوائها، إلا أن اليهود في فلسطين كانا يجهلون صدور هذا الكتاب، وكان في اليهودية في ذلك الزمان كثيرون من المجانين، وربما كان ذلك ناشئاً من شدة الحماسة الدينية.
فاليهود الذين بعث المسيح بين ظهرانيهم لم يكونوا على علم إذن بالطب، أو الطب الطبيعي على رأي ذلك الفيلسوف المؤرخ.
وفي الحق أن الذي نراه تعليلاً مستقيماً لكون معجزات السيد المسيح ﵇ جاءت على ذلك النحو هو مناسبة ذلك النوع لأهل زمانه، لا لأنهم أطباء، فناسبهم لن يكون المعجزة مما يتصل بالشفاء والأدواء، بل لأن أهل زمانه كان قد سادهم إنكار الروح في أقوال بعضهم، وأفعال جميعهم، فجاء ﵇ بمعجزة هي في ذاتها أمر خارق للعادة،
стр. 21
مصدق لما يأتي به الرسول وهي في الوقت ذاته إعلان صادق للروح، وبرهان قاطع على وجودها، فهذا طين مصور على شكل طير، ثم ينفخ فيه فيكون حياً، ما ذاك إلا لأن شيئاً غير الجسم وبيس من جنسه فاض عليه، فكانت معه الحياة، وهذا ميت قد أكله البلى، وأخذت أشلاؤه في التحلل، وأوشكت أن تصر رميماً، أو صارت, يناديه المسيح ﵇، فإذا هو حي يجيب نداء من ناداه، وما ذاك إلا لأن روحاً غير الجسم الذي غيره البلى حلت فيه بذلك النداء، ففاضت عليه الحياة، وهكذا. فكانت معجزة عيسى ﵇ من جنس دعايته، وتناسب أخص رسالته، وهو الدعوة إلى تربية الروح، والإيمان بالبعث والنشور، وأن هناك حياة أخرى يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، إن خبرا فخبر، وإن شرا فشر. وهل ترى أن معجزة إحياء الموتى تسمح لمنكر الآخرة بالاستمرار في إنكاره أو تسمح لجاحد البعث والنشور أن يستمر في جحوده. وقد أسلفنا لك القول أن اليهود كان يسود تفكيرهم عدم الاعتراف بوجود الآخرة. وعدم الإيمان باليوم الآخر. إن لم يكن بالقول فبالعمل. فكان إحياء الموتى صوتاً قوياً يحملهم على الإيمان حملاً. ولكنهم كانوا بآيات الله يجحدون.
تلقي اليهود لدعوته:
١٣- بعث عيسى ﵇ بتلك البينات، وأيد رسالته بتلك المعجزات وإنها باهرة تخرس الألسنة، وتقطع الطريق على منكري رسالته. لو كان الدليل وحده هو الذي يهدي النفوس الضالة، والقلوب الشاردة، ولكن القوم الذين بعث فيهم كانوا غلاظ الرقاب، قساة القلوب فكانت مهمته شاقة، إذ حاول هدايتهم، لأن منهم من علم الديانة رسوماً وتقاليد يتجهون إلى الأشكال والمظاهر منها. دون الاتجاه إلى لبها وغايتها. حتى لقد كان منهم من يحجم عن عمل الخير في يوم السبت زاعماً إنه داخل في عموم النهي عن العمل فيه، فإذا جاء المسيح داعياً إلى أن ينظروا إلى إصلاح القلب، يدل الأخذ بالمظاهر والأشكال فإنه لا شك يصدم هؤلاء فيما يألفون وفيما وجدوا سابقيهم.
واليهود قوم عكفوا على المادة، واستغرقتهم، واستولت على أهوائهم ومشاعرهم حتى لقد كان نساكهم وسدنة الهياكل عندهم، وقد
стр. 22
فاتهم العمل على كسب المال من أبوابه الدنيوية - يجمعون المال من نذور الهياكل. والقرابين التي يتقرب بها الناس. ويحرصون على ذلك أشد الحرص. فكانوا يأخذون القرابين من أشد الناس حاجة وأفقرهم. فجاء المسيح وندد بهذا.
ولقد أتخذ بنو إسرائيل من تدينهم المزعوم بدين موسى والأنبياء من بعده - وزعمهم أن لهم منزلة دينية لا يساميهم فيها أحد - اتخذوا من هذا ما يصح أن يسمى أرستقراطية دينية؟ فزعموا أن لهم المكانة السامية. ولغيرهم المنزل الدون، ولو اعتنقوا الديانة اليهودية، وآمنوا برسالة موسى. فكانت هناك طائفة يقال لها السامرة، وكان الإسرائيليون يعاملون آحادها، كأنهم المنبوذون. فلما جاء عيسى ﵇. وسوى بين بني البشر في دعايته أنكروا عليه ذلك وناصبوه العداء.
ولقد كانوا يجعلون لأحبارهم وعلماء الدين فيهم المنزلة السامية والمكانة العالية دون الناس. فجاء المسيح وجعل الناس جميعاً سواء أمام ملكوت الله.
مناوأة اليهود له:
١٤- لكل هذا تقدم اليهود لمناوأة المسيح. وقليل منهم من اعتنق دينه وآمن به. وأخذوا يعملون على منع الناس من سماع دعايته. فلما أعيتهم الحيلة. ورأوا أن الضعاف والفقراء يجيبون نداءه، ويلتفون حوله مقتنعين بقوله - أخذوا يكيدون له. ويوسوسون للحكام بشأنه، ويحرضون الرومان عليه، ولكن الرومان ما كانوا يلتفتون إلى المسائل الدينية. والخلافات المذهبية بين اليهود، بل تركوا هذه الأمور لهم يسوونها فيما بينهم، واليهود يريدون أن يغروا الرومان بعيسى كيفما كان الثمن. فبثوا حوله العيون يرصدونه، ويتسقطون قوله بشأن الحكومة والحكام. عساهم يجدون كلمة له يتعلقون بها وينقلون بها للحاكم الروماني، فلم يجدوا لأن المسيح ما كان يدعو إلا إلى إصلاح الجانب النفسي الخلقي ولم يكن قد اتجه إلى إصلاح الحكومة بعد. ولما ضاقت بهم الحيلة كذبوا عليه، وانتهى الأمر إلى أن تمكنوا من حمل الحاكم الروماني على أن يصدر الأمر بالقبض عليه، والحكم عليه بالإعدام صلباً.
стр. 23
نهاية المسيح في الدنيا:
١٥- وهنا نجد القرآن الكريم يقرر أن الله لم يمكنهم من رقبته، بل نجاه الله من أيديهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ، وبعض الآثار تقول أن الله ألقى شبهه على يهوذا، ويهوذا هنا هو يهوذا الاسخريوطي الذي تقول الأناجيل عنه إنه هو الذي دس عليه، ليرشد القابضين إليه، إذ كانوا لا يعرفونه، وقد كان أحد تلاميذه المختارين في زعمهم.
ولقد وافق هذا إنجيل برنابا موافقة تامة، ففيه: "ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع - سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأذريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد ... ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ نياما، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيهاً بيسوع حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن استيقظ أخذ يفتش لينظر أين المعلم، لذلك تعجبنا، وأجبنا أنت يا سيدي معلمنا، انسيتنا الآن ... إلخ".
والأناجيل المعتبرة عند المسيحيين لم تختلف في شيء كاختلافهم في قصة الصلب، فلكل رواية بشأنها.
المسيح بعد نجاته:
١٦- لم يصلب المسيح بنص القرآن، ولكن شبه على القوم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وإذا كان المسيح ﵇ لم يصلب، فما هي حاله بعد ذلك؟ اختلف في هذا الشأن مفسرو القرآن، عجلهم على أن الله رفعه بجسمه وروحه إليه، وأخذوا
стр. 24
بظاهر قوله تعالى في مقابل القتل، بل رفعه الله إليه، وببعض آثار قد وردت في ذلك، وفريق آخر من المفسرين، وهم الأقل عدداً، قالوا: إنه عاش حتى توفاه الله تعالى كما يتوفى أنبياءه، ورفع روحه إليه كما ترفع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء، وأخذوا في ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ومن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ولكل من المختلفين وجهة هو موليها، ولا نريد أن ندخل في تفصيل حجج الفريقين وترجيح أحداهما على الأخرى، فلذلك موضع ليس هذا مقامه.
١٧- ويزعم بعض الناس أن المسيح ﵇ قد هاجر إلى الهند، وإنه عاش فيها. حتى استوفى أجله، ومات هناك، وله قبر، ولقد جاء في تفسير المنار ما نصه: "وجد في بلدة سرى نكرا مقبرة فيها مقام عظيم يقال إنه مقام نبي جاء بلاد كثير من زهاء ألف وتسعمائة سنة، ويسمى يوز آسف ويقال أن اسمه الأصلي عيسى، وإنه نبي من بني إسرائيل، وإنه ابن ملك، وأن هذه الأقوال مما يتناقله أهل تلك الديار عن سلفهم، وتذكر في كتبهم، وإن دعاة النصرانية الذين رأوا ذلك المكان لم يسعهم إلا أن قالوا أن ذلك القبر لأحد تلاميذ المسيح أو رسله" هذا ما جاء في تفسير المنار، وقد ذكر أن نقله عن غلام أحمد القديانى الهندي، وهو راو يشك في صدقه.
هذا. وإن القرآن الكريم لم يبين ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه، فلنترك المسألة: ونكتفي باعتقادنا اعتقادا جازماً أن المسيح لم يصلب، ولكن شبه لهم.
موازنة بين المسيح في القرآن الكريم والمسيح في المسيحية الحاضرة:
١٨- ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وتلك ديانته كما جاء بها، ودعا إليها، فما الذي عرض لها من بعده، وما الذي أدخل عليها بعد أن رفع إلى ربه؟ ... أول ما أدخل على هذه الديانة
стр. 25
هو ما يتعلق بشخص المسيح ﵇، ولنسارع في بيان اعتقادهم في المسيح بإيجاز، ثم بعد ذلك نبين الأدوار التاريخية التي مرت بتاريخ المسيحيين. ومحاولين ما استطعنا أن نبين مصادر هذه الاعتقادات التي تتعلق بالمسيح، ثم بقوانينهم الكنسية.
يعتقد المسيحيون أن الله أوصى آدم بألا يأكل من الشجرة، فأكل منها بإغواء إبليس، فاستحق هو وذريته العذاب، ولكن الله رحمة منه بعبادة جسد كلمته، وهي ابنه الأزلي تجسداً ظاهراً، ورضي بموته على الصليب، وهو غير مستحق لذلك، لكي يكون ذلك فداء الخطيئة الأولى، ولم يكن في استطاعة أحد أن يقوم بذلك الفداء سوى ابن الله وابن الإنسان معاً، وكان ذلك الابن، وهذا الفداء هو المسيح عيسى ولد مريم العذراء.
أرسل الله إليها ملاكه جبريل، وبشرها بأن المسيح مخلص الدنيا يولد منها، وإن الروح القدس يحل فيها، فتلد الكلمة الأزلية، وتصر والدة الإله. وقد ولد ببيت لحم، إذ كان قد ذهب إليها يوسف النجار خطيب مريم الذي لم يتركها بعد أن حملت: لرؤيا رآها في منامه تمنعه من ذلك، لأن بيت لحم بلده، فذهب إليها ومعه مريم ليقيد اسمه في الإحصاء العام الذي أمر به الرومان.
ولد المسيح في خان قد نزل فيه يوسف ومريم، ولفقرهما لم يجدا مأوى لهما في الخان سوى مكان الدواب. ولقد قمطته وأضجعته في مذود البقر.
وفي ليلة ميلاده ظهر ملاك لجماعة من الرعاة كانوا يحرسون قطعانهم فيلا الحقول المجاورة لبيت لحم، فرأوا بفتة جمهورا من الملائكة مسبحين قائلين "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" فترك الرعاة القطعان، وذهبوا إلى المكان الذي دلهم عليه الملائكة، فرأوا الطفل في المذود،.... وهو يمجدون الله، ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوا، كما قيل لهم.
وقد ختن المسيح لما مرت ثمانية أيام من وقت ولادته، وسمى يسوع. أي المخلص في زعمهم كما سكاه الملاك عند التبشير به.
стр. 26
ولقد حدث بعد ولادته بأيام أن وفد إلى أورشليم جماعة من حكماء المجوس وعلمائهم، قالوا إنه لاح لهم في السماء نجم عرفوا من مرآه بما أوتوا من علمهم وما عندهم من آثار ونبوات إنه نجم مولود جديد هو ملك اليهود المنبأ به فعزموا على الرحيل إليه، ليسجدوا له، وحملوا معهم هدايا من الذهب واللبان والمر. وكانوا في مسيرهم يسيرون والنجم الذي رأوه يهديهم إلى الطريق هم ومن معهم من خدم، حتى جاءوا إلى المدينة، وسألوا عن مكان الملك المولود، فلما علم هيرودس ملك اليهود بأمرهم دعاهم إليه، واستطلع طلعهم، وتعرف أمرهم فقصوا عليه قصصهم وما ابتعثهم إلى الضرب في الأرض. والمجيء إلى أورشليم، فسرى إلى نفسه الخوف على ملكه من هذا الوليد، ثم دعا إليه كهنة اليهود وكتبتهم، وسألهم أين يولد المسيح، فقالوا: في بيت لحم اليهودية حسب النبوءات قتال المجوس. اذهبوا إلى بيت لحم، ومتى وجدتم الصبي فأخبروني لأسجد له، قال ذلك، وأخفى في نفسه أمراً لم يبده، فذهبوا والنجم يتقدمهم، ووجدوا الصبي يسوع وأمه، فسجدوا له، وقدموا هداياهم، وفي هذا الوقت ظهر ملاك الرب في الحلم ليوسف، وقال له قم وخذ الصبي وأمه، وأهرب إلى مصر، لأن هيرودس يطلب الصبي ليقتله، ففعل كما أمر، وخرجت الأسرة المقدسة إلى مصر وسافر المجوس إلى بلادهم من غير أن يعرجوا على هيرودس لأنهم نهوا عن العودة إليه بوحي أوحى إليهم في حلم، فأخذه الغيظ، واندفع فأمر بقتل جميع أطفال بيت لحم والبلاد التي تجاوره ممن لا يتجاوز سنة سنتين. زاعماً أن يسوع لابد أن يكون أحدهم.
رحلت الأسرة المقدسة إلى مصر ونزلوا حيث يوجد الدير المحرق، كما يعتقدون، وبعد أن قاموا بضعة أشهر واعتزموا الرحيل، لأن ملك الرب ظهر ليوسف في الحلم، وقال له: قم وخذ الصبي وأمه وعد إلى اليهودية، لأن هيرودوس الذي كان يطلب نفس الصبي قد مات، فقاموا واتجهوا إلى فلسطين، ومروا في طريقهم بالمطرية، واستظلوا بشجرة هناك تسمى شجرة العذراء. وفي بعض الآثار إنه لما دخلت مريم وابنها يوسف أرض مصر، انكفأت أصنامها وتحطمت، وكان ذلك إتماماً لنبوة أشعياء القائلة، "هو ذا الرب راكب على سحابة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها" سفر أشعياء - ١٩: ١.
стр. 27
ولما عادوا إلى فلسطين أقاموا في الناصرة. ولما بلغ يسوع الثلاثين من عمره عمد في نهر الأردن، عمده يوحنا المعمدان، ثم صام أربعين يوماً، ولما شرع في التبشير ظهر له الشيطان يجربه. وقال له: أعطيك هذه الدنيا إن خررت وسجدت لي: فأجابه يسوع وقال: أذهب يا شيطان. ثم تركه إبليس. وإذا ملائكة قد جاءت وصارت تخدمه، وبعد هذه التجربة صار في طريق التبشير. فلازمه حواريوه الاثنا عشر، واختار معهم سبعين أرسلهم مثنى مثنى إلى قرى اليهود والجليل للتبشير. ثم أقام ثلاث سنوات يبشر، ويأتي بالمعجزات المثبتة لألوهيته في زعمهم، يشفى المريض ويفتح أعين العميان، ويخرج الأرواح النجسة ... وينهر الرياح إذا ثارت، والبحر إذا اصطخب بالأذى، وقذف بالزبد، فيهدآن.
ولما رأى اليهود أن الأمر يكاد يفلت من أيديهم تشاوروا لكي يصطادوه، وتآمروا عليه، وشكوه ظلماً، وكذبوا عليه، ثم أمسكوا به وأسلموه إلى بيلاطس حاكم فلسطين من قبل الرومان. فقضى عليه بالموت صلباً، فصلب في زعمهم ودفن. وبعد أن مكث في القبر ثلاثة أيام قام في الفصح، ومكث أربعين يوماً أرتفع بعدها إلى السماء أمام تلاميذه الذين عينهم لنشر ديانته، إذ قال لهم: "أذهبوا إلى العالم، وكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، وعمدوهم باسم الأب والابن وروح القدس".
стр. 28
المسيحية بعد المسيح
ما نزل بالمسيحيين من اضطهاد:
١٩- هذا هو المسيح كما جاء في كتبهم وتعاليمهم، ولا نريد أن نخوض في بيان خلافاتهم حوله، ولا بيان اختلافهم في تفسير هذه العقيدة، ولا في تفصيل مجملها قبل أن نبين ما نزل بالمسيحيين بعد المسيح، ولكنا سارعنا إلى بيان اعتقادهم الذي استقروا عليه في السميح ليوازن القارئ بين ما جاء في القرآن الكريم، وما جاء في أناجيلهم وتعاليمهم.
ونعود بعد ذلك إلى ما يوجبه البحث العلمي، وهو تتبع العقيدة في نموها، وفي استقامتها أو انحرافها بعد صاحبها، وتمهيداًً لذلك نبين ما نزل بالمسيحيين بعده، لكي يستبين القارئ مقدار السند بين الديانة. وصاحبها مع هذه الأحداث، وليعرف الفلسفة التي عاصرت المسيحية ومقدار اتصالهما
اتفقت المصادر شرقية وغربية، دينية وغير دينية: على أن المسيحيين نزل بهم بعد المسيح بلايا وكوارث، جعلتهم يستخفون بديانتهم، ويفرون بها أحياناً ويصمدون للمضطهدين مستشهدين أحياناً أخرى، وهم في كلتا الحالين لا شوكة لهم، ولا قوة تحميهم، وتحمي ديانتهم وكتبهم، وإنه في وسط هذه الاضطهادات يذكرون إنه دونت أناجيلهم الأربعة التي يؤمنون بها، ودونت رسائلهم!!
وأول اضطهد نزل بالمسيحيين كان في عهد المسيح، وانتهى بالخاتمة التي بيناها، ولقد نزلت من بعده الشدائد بالمسيحيين بما يتفق مع هذا الابتداء. فلقد جاء قيصران بعد طيباروس الذي عاصر المسيح، كانا شديدين على تلاميذه، وقتلا منهم قتلا ذريعاً، وفي زمن ثانيهما دون متى إنجيله بالعبرية، وترجمه يوحنا صاحب الإنجيل إلى اليونانية، على رواية ابن البطريق كما سنتبين، ولم يكن الاضطهاد في عهد هذين القيصرين من الرومان فقط، بل كان من اليهود أيضاً، وإذا هم أمكن: وتنقيبهم عن
стр. 29
العقيدة أدخل. لأنهم من الشعب ومخالطوهم ومعاشروهم، فهم بداخلهم أعرف.
وأشد ما نزل من أذى كان في عهد شيرون (سنة ٦٤م) وتراجان سنة ١٠٦م وديسيون (٢٤٩ - ٢٥١م) ودقلديانوس (سنة ٢٨٠م) ، فنيرون هاج الشر عليهم، وأنزل البلاء والعذاب بهم. واتهمهم بأنهم الذين أحرقوا روما، فأخذهم بجريرتها. وكانت السنوات الأربع الأخيرة عذاباً أليماً لهم. فقد تفنن هو وأشياعه في هذا العذاب، حتى لقد كانوا يضعون بعضهم في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، وصلبوا بعضهم، وألبسوا بعضهم ثياباً مطلية بالقار، وجعلوها مشاعل يستضاء بها، وكان هو نفسه يسير في ضوء تلك المشاعل الإنسانية.
وفي عصر نيرون هذا دون إنجيل مرقس سنة ٦١ على رواية، وكان بمصر وقد كتبه عنه بطرس وهو برومة وكتب أيضاً لوقا إنجيله في عهد هذا القيصر، وفي ابتداء هذا الإنجيل بنص على إنه يراسل به تاوفيلس، ليؤكد له صحة الكلام، وتاوفيلس هذا رجل من عظماء الروم وأشرافهم، وفي عصر هذا القيصر أو بعده دون يوحنا إنجيله.
وفي عهد تراجان نزلت بهم آلم، لأنهم قد جرت عادتهم بالصلاة في الخفاء وهربا من الاضطهاد، وقد آمر تراجان بمنع الاجتماعات السرية، فأنزل بهم الذل والعذاب لذلك، ولأنهم مسيحيون لا يدينون بدين القيصر.
جاء في كتاب تاريخ الحضارة "لقد كتب بلين - وكان والياً في آسيا - إلى الإمبراطور تراجان كتاباً يدل على الطريقة التي كان بها المسيحيون، قال" جريت مع من اتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الآتية وهو إني اسألهم إذا كانوا مسيحيين فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثاً مهدداً بالقتل، فإن أصروا أنفذت عقوبة الإعدام فيهم، مقتنعاً بأن غلطهم الشنيع، وعنادهم الشديد، يستحقان هذه العقوبة، وقد وجهت التهمة إلى كثيرين بكتب لم تذيل بأسماء أصحابها، فأنكروا إنهم نصارى، وكرروا الصلاة على الأرباب الذين ذكرت أسماءهم أمامهم، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمداً مع تماثيل الأرباب، بل إنهم شتموا المسيح، ويقال إن من الصعب إكراه النصارى الحقيقيين، ومنهم من اعترفوا بأنهم نصارى،
стр. 30
ولكنهم كانوا يثبتون بأن جريمتهم في إنهم اجتمعوا في بعض الأيام قبل طلوع الشمس على عبادة المسيح على إنه رب، وعلى إنشاد الأناشيد إكراماً له، وتعاهدوا بينهم لا على ارتكاب جرم، بل على ألا يسرقوا، ولا يقتلوا، ولا يزنوا، وأن يوفوا بعهدهم، ورأيت من الضروري لمعرفة الحقيقة أن أ'ذب امرأتين ذكروا إنهما خادمتا الكنيسة، بيد إني لم أقف على شيء سوى خرافة سخيفة مبالغ فيها".
وهذا الكتاب كاشف كل الكشف عما كان يحدث للنصارى في عهد ذلك القيصر من اضطهاد وتعذيب، وتنقيب عن القلب وخبيئة النفس.
ولم ينقطع الاضطهاد بعد موت تراجان، بل استمر، وإن أخذت الرأفة بعض القياصرة، خلف من بعده خلف ينزلون عذاباً مرا يزيل أثر كل رحمة سابقة كانت نسبية حتى جاء ديسيوس فأنزل بهم من البلاء ما تقشعر من هوله الأبدان، ولنترك القلم لبطريرك الإسكندرية، يصف بعض ما عاين من ديسيوس بعد أن ذاق بعض الرحمة من سابقه، فهو يقول: "لم نكد نتنفس الصعداء، حتى حلق بنا الخوف، وحفنا الخطر، عندما بدل ذلك الملك الذي كان أرق جانباً، وأقل شراً من غيره، وجاء مكانه ملك آخر، ربما لا يجلس على كرسي المملكة حتى يوجه أنظاره نحونا فيعمل على اضطهادنا. وقد تحقق حدسنا، عندما أصدر أمراً شديد الوملاة، فعم الخوف الجميع، وفر بعضهم وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة، مهما يكن ذكاؤه، وكل مسيحي يرشد عنه يؤتى به على عجل ويقدم إلى هيكل الأوثان، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم، وعقاب من يرفض تقديم الذبيحة أن يكون هو الذبيحة, بعد أن يجتهدوا في حمله بالترهيب.... ومن ضعاف الإيمان من أنكر مسيحيته, واقتدى به البعض، ومنهم تمسك بأذيال الفرار، أو من زج به في غيابات السجون".
وهكذا يقص ذلك القسيس ما نزل بهم مما انتهى به الأمر إلى فراره هو، وقد كتب يعتذر عن ذلك إلى بعض من أبلوا بلاء حسناً، ولم يلوذوا بالفرار.
стр. 31
ولم يكن البلاء مقصوراً على مصر، بل كان يتتبع المسيحيين في الدولة الرومانية حيثما ثقفوا، وأينما كانوا.
ولي بعد ديسيوس من أوقع البلاء وأنزله بالمسيحيين، ولكن كان أشد هؤلاء وأبلغهم أذى وأنكأهم بطشاً - دقلديانوس الذي جاء إليهم، بعد أن خف العذاب عنهم قليلاً، وقد رجوا فيه خيراً، وأملوا منه أن يكون عوناً، لأن مدير خاصته مسيحي، ولكنه كان أشد من غيره على المسيحيين، وخصوصاً المصريين، وذلك لأن المصريين رأوا أمماً تحللت من حكم الرومان، وذكوا أغلاله، فاقتدوا بهم، ونزعوا إلى السير في طريق الحرية والاستقلال، وساروا فيه، وعقدوا الإمرة لواحد منهم، فجاء دقلديانوس إلى مصر، وأنزل بها البلاء، وأزال استقلالها، وأعاد فتحها، وكانت كثرتها في ذلك الإبان مسيحية، وقد أمر بهدم الكنائس، وإحراق الكتب، وأصدر أمراً بالقبض على الأساقفة والرعاة، وزجهم في غيابات السجن، وقهر المسيحيين وجملهم على إنكار دينهم، وقد استشهد في هذا الوقت عدد كبير من الأقباط تجاوزت عدتهم أربعين ومائة ألف، وعدهم بعض المؤرخين ثلاثمائة ألف، ولكثرة ما استشهد من شهداء وما نزل من بلاء كانت ولاية دقلديانوس حادثاً ذا خطر في شأن مصر فجعلوه مبدأ تقويمهم، وذلك في سنة ٢٨٤ ميلادية.
وقد استمر البلاء ينزل من قياصرة الروم حتى جاء عهد قسطنطين. يمنا وبركة على المسيحيين، لا على المسيحية كما سنبين.
أثر الاضطهادات في الديانة:
٢٠- هذه هي الاضطهادات التي قارنت المسيحية في نشأتها وفي تكوينها وليداً وفي تدرجها، وفي عصر تدوينها ورواية كتبها، وهي مع أسباب أخرى جعلت بعض العلماء يبحثون عن قيمة هذه الكتب، وجعلت بعض علماء المسيحيين أنفسهم يعتذرون عن بعض الاضطراب في الأناجيل بأنها دونت في عصور اضطهاد المسيحية الأولى، بل أن مناظريهم يقررون بأن تلك الاضطهادات كانت سبباً في عقد سندها المتصل بصاحب الشريعة. يقول الشيخ ﵀ الهندي في كتابه إظهار الحق: "طلبنا مراراً من علمائهم التحول إلى السند المتصل فما قدروا عليه، وأعتذر بعض القسيسين
стр. 32
في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم، فقال: أن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة، وتفحصنا كتب الإسناد لهم، فما رأينا فيها شيئاً غير الظن، يقولون بالظن، ويتمسكون ببعض القرائن. وقد قلت أن الظن في هذا الباب لا يغني شيئاً، فما داموا لم يأتوا بدليل شاف، وسند متصل فمجرد المنع يكفينا, وإيراد الدليل في ذمتهم لا في ذمتنا". وفي الحق أن تلك الاضطهادات جعلت كل عمل يقومون به في شئونهم الدينية - وخاصة ما كان متصلاً ببيان الشريعة يقومون به سراً لا جهراً، وفي خفية من العيون المتربصة، والأعداء المترقبين، والسرية يحدث في ظلمتها ما يجعل العقل غير مطمئن إلى ما يحكى عما يحدث فيها، فيتظنن في كل ما يروى عنها، ولا مانع من أن يدس على اجتماعاتها ما لم يجر فيها، وينقل عن أشخاصهم ما لم يقولوه، ويتسامع الجمهور أموراً ما حدثت في تلك الاجتماعات، ولا قالها حاضروها، فإذا جرى الشك والريب فيما دون من كتب المسيحية التي فقدت سندها بسبب هذا الاضطهاد، والتي كتبت في ظلمة السرية، يكون قد وقع حيث وجدت دواعيه، وقامت شواهده.
الفلسفة الرومانية والمسيحية:
٢١- ولقد كان من المسيحيين من يفرون بدينهم، ومنهم من يظهر الوثنية ويبطن المسيحية، ومنهم من دخل النصرانية وفي رأسه تعاليم الوثنية لم تخلع منه ولم تزايله، وأن زايلها بعقله المدرك فعقله الباطن ما زال مستقراً لها ومكمناً تكمن فيه، وهؤلاء لا شك أثر تفكيرهم في المسيحية التي لم يكن لها قوة تحميها ولا شكيمة تعقل النفوس إلى حظيرتها.
وإن التاريخ يروى لنا إنه في القرن الثاني، والثالث، والرابع الميلادي قد دخل الرومان والمصريون أفواجاً أفواجاً في المسيحية. فمن حق العلم أن نحكي ما مان يسيطر على هذه الأمم من أفكار، وما كان يسود تفكيرها من منازع عقلية ودينية، ولا نعتمد في ذلك إلا على ما أثبته تاريخ العلم والفلسفة، وما أجمع عليه المؤرخون.
يحكى التاريخ أن مدينة الرومان لم تكن متناسقة تناسقاً اجتماعياً، فلم يكن توزيع الثروة فيها توزيعاً يتحقق معه العدل الاجتماعي، فبينما
стр. 33
ترى ترفا ورخاء لمن أفاءت عليهم الدولة بالغئ والغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية، ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا مل يتبلغون به في حياتهم، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم، والسخط على الحياة، والتململ بها، والناس لا يشقون لآلامهم وحرمانهم بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التي امتنعت عليهم، وكذلك كانت آلام سواد الرومان، ولولا الإيمان بحياة مستقبلية، يستمتعون فيها بما حرموا منه في هذه الحياة، لضاقت الصدور بما يجلجل في القلوب، ولانفجرت في ثورة اجتماعية، لكن توجت هذه النفوس إلى الإيمان بعالم علوي، وأعترف الإنسان بعجزه التام عن معرفة نفسه وإسعادها، إذا اعتمد على تفكيره فقط، لذلك رجعوا إلى الدين.
وفي هذا الوقت أراد الفلاسفة أن يحلوا فلسفتهم محل الأديان، إذ أخذت التماثيل والأوثان تفقد قوة تأثيرها، ولم يعد لها سلطان في تصريف سلوك الإنسان، وفقدت معابدها ما كان لها من روعة وقوة، فاعتور النفس الرومانية حينئذ عاملان، كلاهما فيه قوة وبأس، فشعورهم بالبأساء والآلام يجعلهم في حاجة إلى عزاء من الدين، وسلوى باليوم الآخر، وملاذ إلى حياة روحية، والفلسفة - بما لها من سلطان العقل - لما وجدت الأوثان تسقط قيمتها أرادت أن تحل محلها، حينئذ التحمت الفلسفة بالشعور الديني، أو التقت الفلسفة والدين، ولم يكن التقاؤهما عداوة وخصاماً، بل كان محبة وسلاماً، فكانت تلك الحال داعية اتصال بينهما، لا داعية افتراق.
قال غندليند في ذلك: "أن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الآراء الدينية، وترتيبها ولتقدم الشعور الديني اللجوج فكرة في العالم تقنعه. فأوجدت نظماً دينية من قبيل ما وراء المادة تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقاً يختلف قلة وكثرة".
هذه كلمة ذلك الفيلسوف نقلها عنه صاحب كتاب المبادئ الفلسفية، فما هذه الأديان المتضادة التي ألفت بينها الفلسفة، وجعلت من نغماتها المختلفة نغمة واحدة مؤتلفة؟
стр. 34
إن التاريخ يقص علينا أن الأديان التي كانت في بلاد الرومان ناشئة: الوثنية الرومانية، واليهودية، والمسيحية الناشئة، فهل علمت الفلسفة على إيجاد ديانة تجمع بين المسيحية واليهودية، وفيها وثنية؟ وهل المسيحية التي تؤمن بالتوراة التي عند اليهود على اختلاف هين، ويؤمن بالتثليث وألوهية المسيح وتقديس الصليب، هي النظام الديني الجامع بين الأديان الثلاثة!! لنترك ذلك الآن. وقد وضعنا أمام القارئ المصباح الذي يرى به الطريق.
الأفلاطونية الحديثة وأثرها في النصرانية:
٢٢- ولنتجاوز رومة الرومان ولنعبر للبحر الأبيض، وليمم شواطئه الجنوبية، فهناك تجد مدينة الإسكندرية ومدرستها، وفلسفتها التي كانت تشع على العلم كله بنور العلم، وقد آوى إليها فلاسفة اليونان، وتابعوا الفلسفة اليونانية، والتي تراها تتجه اتجاهاً واضحاً إلى النواحي الدينية، والبحث في منشئ الكون.
كان شيخ هذه المدرسة امنيوس المتوفى سنة ٢٤٢، اعتنق في صدر حياته الديانة المسيحية. ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين، وجاء من بعده تلميذه أفلوطين المتوفى سنة ٢٧٠ وقد تعلم في مدرية الإسكندرية أولاً، ثم رحل إلى فارس والهند، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية, وأطلع على تعاليم بوذا وديانته، وبراهمة الهند وديانتهم. وعرف آراء البوذيين في بوذا، والبراهمة في كرشنة، وقد عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية، وأخذ يلقي بآرائه على تلاميذه، وجلها يتجه إلى تعرف ما وراء الطبيعة، ومنشئ الكون.
ويلخص اعتقاده في منشئ الكون في ثلاث أمور:
(أولها) أن الكون قد صدر عن منشئ أزلي دائم لا تدركه الأبصار، ولا تحده الأفكار، ولا تصل إلى معرفة كنهه الإفهام.
(ثانيها) أن جميع الأرواح شعب لروح واحد وتتصل بالمنشئ الأول بواسطة العقل.
(ثالثها) أن العالم في تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة، وهو تحت سلطانها، فإنه منشئ الأشياء وهو مصدر كل شيء، وإليه معاده لا ينصف
стр. 35
بوصف من أوصاف الحوادث. فليس بجوهر ولا عرض، وليس فكراً كفكرنا ... ولا إرادة كإرادتنا ولا وصف له، إلا أنه واجب الوجود، يتصف بكل كمال يليق به، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود، ولا يحتاج هو إلى موجود، وأول شيء صدر عن هذا المنشئ في نظر أفلوطين هو العقل المصدر عنه كأنه يتولد منه، ولهذا العقل قوة الإنتاج، ولكن ليس مكن تولد عنه، ومن العقل تنبثق الروح التي هي وحدة الأرواح، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء ومنه يتولد كل شيء.
٢٣- هذه هي فلسفة المعاصرين لنشأة الديانة المسيحية عندما أريد تحويلها، وترى أن فلسفة الرومان ترمي إلى إيجاد ألفة بين الوثنية واليهودية ومسيحية المسيح ﵇، كما ترى أن فلسفة الإسكندرية ترجع العالم في تكوينه وتدبيره إلى ثلاثة عناصر أو إلى ثالوث مقدس هو المنشئ الأول، والعقل الذي تولد منه كما يتولد الولد من أبيه، والروح الذي يتصل بكل حي ومنه الحياة. فإذا عبرنا عن المنشئ الأول بالأب، وعن العقل المتولد عنه بالابن، وعن الروح بروح القدس، كما هو ثالوث النصارى الذي أخذ ببعضه مجمع نيقية، وبكله المجامع التي جاءت من بعده، لما خرجنا في التسمية عن الصواب، وما كان فيها أي تسامح، فذلك الثالوث في معناه هو ثالوث النصارى، وإذا لم يختلف المسمى، فلماذا يختلف الاسم؟.
وهنا يرد على النفس سؤال: أيهما أستقر، وأيهما كان الينبوع؟ هل أخذت الأفلاطونية الحديثة من النصرانية، أم النصرانية الحاضرة هي التي أخذت عن الفلسفة؟ إن الجواب عن هذا يقتضي تعرف السابق منهما، فالسابق بلا ريب أستاذ اللاحق، والزمن هو الذي يحكم ويفصل، وسنجد فيما يلي من البحث أن مجمع نيقية هو الذي سار في تقرير هذا الثالوث، ووضع الأساس لمن بعده، أو بعبارة أدق قرر ألوهية الابن، وأن جوهره هو جوهر الأب، وقد جاء في قراره "أن الجامعة المقدسة، والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه، وإنه لم يوجد قبل أن يولد، وإنه وجد من لا شيء، أو من يقول أن الابن وجد
стр. 36
من مادة أو جوهر غير جوهر الأب، وكل من يؤمن إنه خلق، أو من يقول إنه قابل للتغير" (١) .
------------
(١) اطلع زميلنا المرحوم الأستاذ الدكتور / محمد يوسف موسى الأستاذ بكلية أصول الدين سابقا على هذا الاستنباط التاريخي فقال: إنه يوافق ما استنبطه بعض المستشرقين، ثم ترجمه، وتفضل فأرسل إلينا نصَّ الترجمة وهاهي ذي، ننشرها مع بحثنا شاكرين له ﵀ فضل تعاونه:
التثليث ليس من المسيحية بل من الفلسفة الإغريقية
١- كانت المشكلة الفلسفية التي واجهت أولاً الإغريق هي: "ما مبدأ كل شيء؟ " "وباجتهاد الفلسفة في الإجابة عن هذا السؤال إجابة محدودة ومقنعة شيئاً فشيئاً كان لنا تلك المذاهب الفلسفية التي تتابعت في تاريخ الفلسفة الإغريقية. هذه فلسفة بدأت طبيعية مع الفلاسفة الأيونيين، ثم أخذت فكرة التوحيد في الظهور على أيدي سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، بحيث رأى هؤلاء أن المبدأ الذي صدر عنه العالم هو الله الواحد الذي لم يتغير، على غموض في تعيين هذه الصفات ونحوها مما يصح أن يتصف بها.
ولكن بمقدار تبين هذه المعارف والمعلومات عن الله كانت تكبر الصعوبة الأساسية التي اصطدمت بها المذاهب التي سبق سقراط: كيف تصدر الأشياء عن مبدئها؟ كيف يمكن أن يخرج الكثير - أي العلم - من الواحد، والمتغير من الذي لا يتغير؟ وإنه كلما قرب المبدأ الأول من الوحدة الحق بصيرورته روحياً، ومن عدم التغير الحق بصيرورته كاملاً، تتسع الهوة التي نفصله عن العالم وكثرته وتصير أكبر عمقاً، كما يصبح عسيراً فهم كيف يبرز الله العالم للوجود ويحركه.
٢- إذا كان الله واحداً وحدة مطلقة كيف يمكن أن يخلق الكثرة المختلفة دون أن يقبل في ذاته كثرة بأي وجه من الوجوه؟
وإذا كان كماله المطلق يقتضي عدم التغير، كيف تفهم إنه في وقت ما أوجد العالم دون أن يلحقه تغير، مع إنه أنتقل من حالة عدم العمل إلى حالة العمل؟ هما تظهر عبقرية العقل الآري! الواحد البريء من التغير لا يمكن أن يصدر عنه العالم المتكثر المتغير مباشرو، يجب إذن أن تتوسط بينهما وسائط أزلية متدرجة حسن نظام ميتافيزيقي.
٣- كان أفلاطون أول من أدرك تلك المشكلة وأول من أدرك هذا الحل الذي وجب على العقل الإغريقي فيما بعد - بعد إنضاجه طويلاً - أن يجتمع نهائياً عليه، أعني عقيدة ثلاثة أقانيم أو عقيدة التثليث - ص ٧٠ - ٧١.
٤- هذا المذهب أو هذه العقيدة التي تمثلها عقل أفلاطون، وأن أدركها إدراكاً فيه نوع غموض، ليس إلا عقيدة التثليث المشهورة =
стр. 37
وهذا المجمع كان في سنة ٣٢٥ بعد الميلاد، والمسيحيون قبله كانوا على اختلاف كبير جداً، ويكفي للدلالة على هذا الاختلاف أن الذين حضروا المجمع نيف وأربعون بعد الألفين، وهم على آراء مختلفة، ولم يجمع أعضاء هذا المجمع على نحلة واحدة، أما عقيدتهم في الابن وقولهم إنه تولد عن المنشئ من غير زمن بينهما كما يقول الفلاسفة، وإنه من جوهر أبيه، كما يقولون لم تسد إلا بعد ذلك المجمع، وسيأتي لذلك فضل بيان إن شاء الله تعالى، وعلى ذلك يكون تثليث المسيحية كحقيقة مقررة متأخرا عن أفلوطين لأن أفلوطين توفى سنة ٢٧٠ بعد الميلاد كما علمت، والتثليث
------------
= ومن السهل إدراك الغرض منها: الاحتفاظ لله بالكمال المطلق والبراءة من التغير، جعله يضع بينه وبين العالم وسيطين يعتبران دونه خارجين عنه، وعلى نحو ما داخلين فيه، أي تتضمنهما ذاته - صادرين عنه، دون في الكمال، ويجعلانه ممكناً أن يصدر عن الله العالم الكبير المتغير، أو هذين الوسيطين العقل، وثانيهما الروح الإلهية - ص ٧٣ - ٧٤.
٥- وهكذا كان التزاوج بين العقيدة اليهودية والفلسفة الإغريقية لم ينتج فلسفة فقط، بل أنتج معها ديناً أيضاًَ، أعني المسيحية التي تشربت كثيراً من الآراء والأفكار الفلسفية عن اليونان. ذلك أن اللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت فيه الأفلاطونية الحديثة (بريد فلسفة أفلاطون التي كانت المعين الأصلي للفلسفة الأفلاطونية الحديثة) ولذا نجد بينهما (أي اللاهوت المسحي والأفلاطونية الحديثة) . مشابهات كبيرة، وإن افترقا أحياناً في بعض التفاصيل، فإنهما يرتكزان على عقيدة التثليث، والثلاثة الأقانيم واحدة فيهما - ص ٩٣.
٦- أول هذه الأقانيم هو مصدر كل كمال، والذي يحوي في وحدته كل الكمالات، وهو الذي دعاه المسيحيون الأب. والثاني أو الابن هو الكلمة. والثالث هو دائماً الروح القدس - ص ٩٢ - ٩٤.
وعلى إنه يجب أن يلاحظ (وهذا بعض ما يفرق اللاهوت المسحي عن الأفلاطونية الحديثة) أن الأقانيم الثلاثة ليست في نظر هذا المذهب متساوية في الجوهر والرتبة. بينما هي متساوية عند المسيحية. فالابن الذي يتولد من الأب لا يمكن أن يكون أدنى منه كمالاً. وإلا صار من طبيعة الكامل أن يصدر اضطراب منه غير الكامل. وهذا حط من رتبته. وكذلك الروح القدس مساو للأب والابن - ص ٤٩.
كل هذه النقول من كتاب: "مقدمة (أو المدخل لدراسة) الفلسفة الإسلامية" تأليف المستشرق المعروف ليون جوتيه طبع باريس عام ١٩٢٣.
стр. 38
لم يتكامل إلا في آخر القرن الرابع، والمتقدم أستاذ المتأخر كما يرجح العقل وكما يوجبه الظن الذي لا يعد من الإثم.
ولقد ترى ذلك الظن عند بعض علماء أوربا، حتى شك بعضهم في حياة المسيح وقالوا إنه شخص خرافي لم يوجد، أراد بعض فلاسفة الأفلاطونية الحديثة أن يفرضوه، ليجعلوا من آرائهم ديانة يعتنقها العامة، وتسود الكافة، وقد تم لهم ما أرادوا، ولكنا نحن المسلمين لا تقر ذلك كله، لمل فيه من إنكار وجود المسيح الذي نؤمن به، ونزل بخبره الوحي الأمين وإن كنا نصدق لبه.
стр. 39
مصادر المسيحية بعد عيسى ﵇ -
٢٤- الكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة و الأناجيل ، ورسائل الرسل ، وتسمى التوراة (أسفارها الموسوية وغيرها) كتب العهد القديم، وتسمى الأناجيل، ورسائل الرسل كتب العهد الجديد، فمن العهد القديم يعرفون أخبار العالم في عصوره الأولى، وأجياله القديمة، وشرائع اليهود الاجتماعية والدينية، وتاريخ نشأتهم، وحكوماتهم وحوادثهم، والنبوات السابقة منذ هبوط الإنسان على هذه الأرض، والبشارات بالنبيين اللاحقين، وبالمسيح، وفيها يجدون أدعية متوارثة تعين على أداء العبادات، والقيام بالطقوس الدينية كمزامير داود، ولنترك الكلام في التوراة وأسفارها فلذلك موضعه من الدراسة للديانة اليهودية، بيد إنه يجب أن يلاحظ أن بعض الأسفار المعتبرة عند اليهود مرفوضة عند المسيحيين، لعدم اعتقادهم بصحة الوحي فيها.
الأناجيل:
٢٥- أما كتب العهد الجديد فهي التي تعنينا في هذا البحث، ويهمنا أن نجلي أمرها، ونعرف حقيقتها، وأولها الأناجيل.
والأناجيل المعتبرة عندهم أربعة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.
ومكان الأناجيل في النصرانية مكان القطب والعماد، وإذا كانت شخصية المسيح وما حاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية، فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية، من وقت الحمل إلى وقت صلبه في اعتقادهم وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم، والصلب والفداء، أي إنها تشتمل على لب المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها.
وهذه الأناجيل الأربعة هي التي تعترف بها الكنائس، وتقرها الفرق المسيحية وتأخذ بها، ولكن التاريخ يروى لنا إنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى، قد أخذت بها فرق قديمة، وراجت عندها، ولم تعتنق كل فرقة إنجيلها، فعند كل من أصحاب مرقيون، وأصحاب ديسان
стр. 40
إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل، ولأصحاب مانى إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح في زعمهم، وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى ينكرونه، وهناك إنجيل أشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرن تهس، ولقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي، أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة - في اعتقادها - فاحتارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك.
ولقد يذكر بعض المؤرخين إنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى ومرقي ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثالث. وأول من ذكر هذه الأناجيل الأربعة أرينيوس في سنة ٢٠٩. ثم جاء من بعده كليمنس اسكندريانوس في سنة ٢١٦، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتف الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة، بل أرادت الناس على قبولها لاعتقادها صحتها، ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت فصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها.
ولقد كنا نود ونحن ندرس المسيحية وأدوارها في التاريخ أن نعرف هذه الأناجيل التي أهملت، وما كانت تشتمل عليه. مما كان سبباً في رفضها، وحمل الناس على تركها، وخصوصاً أنها كانت رائجة. ويأخذ بها طوائف من المسيحيين ويتدينون هذه الديانة على مقتضاها، فإن الإطلاع عليها يمكننا من معرفة اعتقاد الناس في المسيح، وكيف كان، خصوصا بين أولئك الذين قاربوا عصره، وأدركوا زمانه، ولقوا تلاميذه، ونهلوا من مناهلهم، وإذ ضن التاريخ بحفظ نسخ منها، فقد كنا نود أن تطلعنا الكنيسة على ما اشتملت عليه مما يخالفها، وما كان من سبب رفضها، وترينا حجة الرفض، لتكون دليلاً مغيراً لها على إنها بهذا أقامت ديانة المسيح ولم تغيرها، ولكن ضن التاريخ علينا، فطوى تلك الأناجيل، وضنت الكنيسة فطوت تلك البيانات، فلم يبق لنا إلا أن نكتفي من الدراسة مما بين أيدينا، لعل فيه غناء إن أنعمنا النظر وأمعنا في الاستنباط وجعلنا لقضية العقل سلطاناً، ومن بدهياته برهاناً.
следующие страницы →