عنهما، ولا يعدّ- نحو صبحك الله تعالى بالخير، أو قواك الله تعالى- تحية ولا يستحق مبتدأ به جوابا، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحبا مثل ذلك في ذلك، وذكر أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال الراد: عليك السلام فقد أجزأه لكنه خلاف الأولى، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر فيها دائر بين الجواب بالأحسن، والجواب بالمثل، وليس ما ذكر شيئا منهما. وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة الدين، وقيل: المراد بها الهدية والعطية، وأوجب القائل العوض أو الرد على المتهب- وهو قول قديم للشافعي- ونسب أيضا لإمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعلل بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على الهدية وقد جاء إطلاقها عليها، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبي:
قفي تغرم الأولى من اللحظ مقلتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية: أترون هذا في السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافه، فإن لم تجد فادع له واثن عليه عند إخوانه، ولعل مراده رحمه الله تعالى قياس غير السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره لخفاء ذلك، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدي إلى الشخص مما تطيب به حياته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولا أوليا.
هذا «ومن باب الإشارة في هذه الآيات» الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ أنفسهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيهلكونها بسيوف المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ عقولهم وينازعونها فِي سَبِيلِ طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً فوليه ضعيف، عاذ بقرملة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ أي قال لهم المرصدون كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن محاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية وَآتُوا الزَّكاةَ والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ حين أداء ما أمروا بأدائه إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ لضعف استعدادهم يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً فلا يستطيعون هجرهم، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم، أو إعراضهم عنهم، وقالوا بلسان الحال: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ الآن لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وهو الموت الاضطراري، فالمنية ولا الدنية، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقة مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفا من الملامة، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم- ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ولبئس ما كانوا يصنعون- قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في تركه وعدم الالتفات إليه وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى فينبغي أن يتحملوا الملامة في تحصيلها وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وتفارقون ولا بد من تخشون فراقه إن سلكتم ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو الموت الاضطراري وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي أجساد قوية:
فمن يك ذا عظم صليب رجا به ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
وَإِنْ تُصِبْهُمْ أي المحجوبين حَسَنَةٌ أي شيء يلائم طباعهم يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيضيفونها إلى
стр. 1122
الله تعالى من فرح النفس ولذة الشهوة لاتبعت المعرفة والمحبة وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي شيء تنفر عنه طباعهم وإن كان على خلاف ذلك في نفس الأمر يَقُولُوا لضيق أنفسهم هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ فيضيفونها إلى غيره تعالى ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقي في قلوبهم قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهذا دعاء لهم إلى توحيد الأفعال، ونفى التأثير عن الأغيار، والإقرار بكونه سبحانه خالق الخير والشر فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ المحجوبين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً لاحتجابهم بصفات النفوس وارتياح آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع والوعي، ثم زاد سبحانه في البيان بقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ صغرت أو عظمت فَمِنَ اللَّهِ تعالى أفاضها حسب الاستعداد الأصلي وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ حقرت أو جلت فَمِنْ نَفْسِكَ أي من قبلها بسبب الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهره حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب، لا من قبل الرسول ﷺ أو غيره وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا فأنت الرحمة لهم فلا يكون من عندك شر عليهم وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على ذلك مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه ﷺ مرآة الحق يتجلى منه للخلق، وقال بعض العارفين، إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ليرشدهم إلى أنك رسول الله تعالى، وأن إطاعتك إطاعته سبحانه حيث أنه مشتمل على الفرق والجمع، وقيل: ألا يتدبرونه فيتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره، أو أفلا يتدبرونه ليعلموا أن الله جل شأنه تجلى لهم فيه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي لوجدوا الكثير منه مختلفا بلاغة وعدمها فيكون مثل كلام المخلوقين فيكون لهم مساغ إلى تكذيبه وعدم قبول شهادته، أو القول بأنه لا يصلح أن يكون مجلى لله تعالى، وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ إخبار عمن في مبادي السلوك أي إذا ورد عليهم شيء من آثار الجمال أو الجلال أفشوه وأشاعوه وَلَوْ رَدُّوهُ أي عرضوه إِلَى الرَّسُولِ إلى ما علم من أحواله، وما كان عليه وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم المرشدون الكاملون الذين نالوا مقام الوراثة المحمدية لَعَلِمَهُ أي لعلم مآله وأنه مما يذاع أو أنه لا يذاع الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ويتلقونه منهم أي من جهتهم وواسطة فيوضاتهم، والمراد بالموصول الرادون أنفسهم، وحاصل ذلك أنه لا ينبغي للمريد إذا عرض له في أثناء سيره وسلوكه شيء من آثار الجمال أو الجلال أن يفشيه لأحد قبل أن يعرضه على شيخه فيوقفه على حقيقة الحال فإن في إفشائه قبل ذلك ضررا كثيرا وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أيها الناس بالواسطة العظمى رسول الله ﷺ وَرَحْمَتُهُ بالمرشدين الوارثين لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ والنفس أعظم جنوده إن لم تكنه إِلَّا قَلِيلًا وهم السالكون بواسطة نور إلهي أفيض عليهم فاستغنوا به كبعض أهل الفترة، قيل: وهم على قدم الخليل ﵊ فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي قاتل من يخالفك وحدك وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على أن يقاتلوا من يحول بينهم وبين ربهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا أوصاف الربوبية وَاللَّهُ أَشَدُّ منهم بَأْساً أي نكاية وَأَشَدُّ منهم تَنْكِيلًا أي تعذيبا مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً أي من يرافق نفسه على الطاعات يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها أي حظ وافر من ثوابها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً أي من يرافق نفسه على معصية يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي مثل مساو من عقابها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها تعليم لنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقيل: المعنى إذا منّ الله تعالى عليكم بعطية فابذلوا الأحسن من عطاياه أو تصدقوا بما أعطاكم وردوه إلى الله تعالى على يد المستحقين، والله تعالى خير الموفقين.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ جواب قسم محذوف أي
стр. 1123
والله ليجمعنكم، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر ثان، أو هي الخبر، ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ اعتراض، واحتمال- أن تكون خبرا بعد خبر لكان، وجملة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ معترضة مؤكدة لتهديد قصد بما قبلها وما بعدها- بعيد، ثم الخبر وإن كان هو القسم وجوابه لكنه في الحقيقة الجواب فلا يرد وقوع الإنشاء خبرا، ولا أن جواب القسم من الجمل التي لا محل لها من الإعراب فكيف يكون خبرا مع أنه لا امتناع من اعتبار المحل وعدمه باعتبارين، والجمع بمعنى الحشر، ولهذا عدى بإلى كما عدى الحشر بها في قوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران: ١٥٨] ، وقد يقال: إنما عدى بها لتضمينه معنى الإفضاء المتعدى بها أي ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو مفضين إليه، وقيل: إلى بمعنى في كما أثبته أهل العربية ليجمعنكم في ذلك اليوم لا رَيْبَ فِيهِ أي في يوم القيامة، أو في الجمع، فالجملة إما حال من اليوم، أو صفة مصدر محذوف أي جمعا «لا ريب فيه» والقيامة بمعنى القيام، ودخلت التاء فيه للمبالغة- كعلامة، ونسابة- وسمى ذلك اليوم بذلك لقيام الناس فيه للحساب مع شدة ما يقع فيه من الهول، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وهي أنه تعالى لما ذكر إِنَّ اللَّهَ تعالى كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً تلاه بالإعلام بوحدانيته سبحانه والحشر والبعث من القبور للحساب بين يديه، وقال الطبرسي: وجه النظم أنه سبحانه لما أمر ونهى فيما قبل بين بعد أنه لا يستحق العبادة سواه ليعملوا على حسب ما أوجبه عليهم، وأشار إلى أن لهذا العمل جزاء ببيان وقته، وهو يوم القيامة ليجدوا فيه ويرغبوا ويرهبوا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً الاستفهام إنكاري، والتفضيل باعتبار الكمية في الأخبار الصادقة لا الكيفية إذ لا يتصور فيها تفاوت لما أن الصدق المطابقة للواقع وهي لا تزيد، فلا يقال لحديث معين: إنه أصدق من آخر إلا بتأويل وتجوز والمعنى لا أحد أكثر صدقا منه تعالى في وعده وسائر أخباره ويفيد نفي المساواة أيضا كما في قولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، وإنما كان كذلك لاستحالة نسبة الكذب إليه سبحانه بوجه من الوجوه، ولا يعرف خلاف بين المعترفين بأن الله تعالى متكلم بكلام في تلك الاستحالة، وإن اختلف مأخذهم في الاستدلال.
وقد استدل المعتزلة على استحالة الكذب في كلام الرب تعالى بأن الكلام من فعله تعالى، والكذب قبيح لذاته- والله تعالى لا يفعل القبيح- وهو مبني على قولهم: بالحسن والقبح الذاتيين وإيجابهم رعاية الصلاح والأصلح، وأما الأشاعرة فلهم- كما قال الآمدي- في بيان استحالة الكذب في كلامه تعالى القديم النفساني مسلكان:
عقلي وسمعي، أما المسلك الأول: فهو أن الصدق والكذب في الخبر من الكلام النفساني القديم ليس لذاته ونفسه بل بالنظر إلى ما يتعلق به من المخبر عنه فإن كان قد تعلق به على ما هو عليه كان الخبر صدقا، وإن كان على خلافه كان كذبا، وعند ذلك فلو تعلق من الرب سبحانه كلامه القائم على خلاف ما هو عليه لم يحل إما أن يكون ذلك مع العلم به أولا لا جائز أن يكون الثاني، وإلا لزم الجهل الممتنع عليه سبحانه من أوجه عديدة، وإن كان الأول فمن كان عالما بالشيء يستحيل أن لا يقوم به الإخبار عنه على ما هو به وهو معلوم بالضرورة، وعند ذلك فلو قام بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حال كونه عالما به مخبرا عنه على ما هو عليه لقام بالنفس الخبر الصادق والكاذب بالنظر إلى شيء واحد من جهة واحدة، وبطلانه معلوم بالضرورة.
واعترض بأنا نعلم ضرورة من أنفسنا إنا حال ما نكون عالمين بالشيء يمكننا أن نخبر بالخبر الكاذب، ونعلم كوننا كاذبين، ولولا إنا عالمون بالشيء المخبر عنه لما تصور علمنا بكوننا كاذبين، وأجيب بأن الخبر الذي نعلم من أنفسنا كوننا كاذبين فيه إنما هو الخبر اللساني، وأما النفساني فلا نسلم صحة علمنا بكذبه حال الحكم به، وأما المسلك الثاني: فهو أنه قد ثبت صدق الرسول ﷺ بدلالة المعجزة القاطعة فيما هو رسول فيه على ما بين في محله.
стр. 1124
وقد نقل عنه بالخبر المتواتر أن كلام الله تعالى صدق، وأن الكذب عليه سبحانه محال، ونظر فيه الآمدي بأن لقائل أن يقول: صحة السمع متوقفة على صدق الرسول ﷺ وصدقه متوقف على استحالة الكذب على الله تعالى من حيث أن ظهور المعجزة على وفق تحديه بالرسالة نازل منزلة التصديق من الله سبحانه له في دعواه، فلو جاز الكذب عليه جل شأنه لأمكن أن يكون كاذبا في تصديقه له ولا يكون الرسول صادقا، وإذا توقف كل منهما على صاحبه كان دورا لا يقال إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله تعالى ليكون دورا فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على الإخبار بكونه رسولا حتى يدخله الصدق والكذب، بل على إظهار المعجزة على وفق تحديه، وهو منزل منزلة الإنشاء، وإثبات الرسالة وجعله رسولا في الحال كقول القائل: وكلتك في أشغالي، واستنبتك في أموري، وذلك لا يستدعي تصديقا ولا تكذيبا إذ يقال حينئذ: فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدي بناء على جوازه على أصول الجماعة لم تكن المعجزة دالة على ثبوت رسالته إجماعا ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته لوجب أن يكون رسولا متبعا بعد ظهورها. وليس كذلك، وكون الإنشاء مشروطا بالتحدي بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات، وبتقدير أن يكون كذلك غايته ثبوت الرسالة بطريق الإنشاء، ولا يلزم منه أن يكون الرسول صادقا في كل ما يخبر به دون دليل عقلي يدل على صدقه فيما يخبر به، أو تصديق الله تعالى له في ذلك، ولا دليل عقلي يدل على ذلك، وتصديق الله تعالى له لو توقف على صدق خبره عاد ما سبق، فينبغي أن يكون هذا المسلك السمعي في بيان استحالة الكلام اللساني وهو صحيح فيه، والسؤال الوارد ثم منقطع هنا فإن صدق الكلام اللساني وإن توقف على صدق الرسول لكن صدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللساني بل على الكلام اللساني نفسه فامتنع الدور الممتنع، وفي المواقف: الاستدلال على امتناع الكذب عليه تعالى عند أهل السنة بثلاثة أوجه: الأول أنه نقص والنقص ممنوع إجماعا، وأيضا فيلزم أن يكون نحن أكمل منه سبحانه في بعض الأوقات أعني وقت صدقنا في كلامنا، والثاني أنه لو اتصف بالكذب سبحانه لكان كذبه قديما إذ لا يقوم الحادث بذاته تعالى فيلزم أن يمتنع عليه الصدق، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه واللازم باطل، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئا أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه، وهذان الوجهان إنما يدلان على أن الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى يكون صادقا، ثم أتى بالوجه الثالث دليلا على استحالة الكذب في الكلام اللفظي والنفسي على طرز ما في المسلك الثاني وقد علمت ما للآمدي فيه فتدبر جميع ذلك ليظهر لك الحق.
فَما لَكُمْ مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، والنفي والخطاب لجميع المؤمنين، وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم، وقوله سبحانه: فِي الْمُنافِقِينَ يحتمل- كما قال السمين- أن يكون متعلقا بما يدل عليه قوله تعالى:
فِئَتَيْنِ أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وأن يكون حالا من فِئَتَيْنِ مفترقين في المنافقين، فلما قدم نصب على الحال، وأن يكون متعلقا بما تعلق به الخبر أي أي شيء كائن لكم في أمرهم وشأنهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي انتصاب فِئَتَيْنِ وجهان- كما في الدر المصون..
أحدهما أنه حال من ضمير لَكُمْ المجرور، والعامل فيه الاستقرار، أو الظرف لنيابته عنه، وهذه الحال لازمة لا يتم الكلام بدونها، وهذا مذهب البصريين في هذا التركيب وما شابهه، وثانيهما- وهو مذهب الكوفيين- أنه خبر كان مقدرة أي ما لكم في شأنهم كنتم فئتين، ورد بالتزام تنكيره في كلامهم نحو فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: ٤٩] وأما ما قيل على الأول: من أن كون ذي الحال بعضا من عامله غريب لا يكاد يصح عند الأكثرين فلا يكون معمولا له، ولا يجوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها، فمن فلسفة النحو كما قال الشهاب، والمراد إنكار أن
стр. 1125
يكون للمخاطبين شيء مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين، وبيان وجوب قطع القوم بكفرهم وإجرائهم مجرى المجاهرين في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان النفاق باعتبار وصفهم السابق.
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا النبي ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيه المسلمون فقائل يقول: هم منافقون وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: «هم ناس تخلفوا عن رسول الله ﷺ وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا فاختلف فيهم أصحاب رسول الله ﷺ فتولاهم ناس وتبرأ من ولايتهم آخرون وقالوا: تخلفوا عن رسول الله ﷺ ولم يهاجروا فسماهم الله تعالى منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا» ،
وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد، وغيرهم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ومسلم فيهم فِئَتَيْنِ فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا فأنزل الله تعالى فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ الآية كلها»
ويشكل على هذا ما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى من جعل هجرتهم غاية للنهي عن توليتهم إلا أن يصرف عن الظاهر كما ستعمله، وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وأخذوا يسارا راعى رسول الله ومثلوا به فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ويرده كما قال شيخ الإسلام ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد أخذوا وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف المسلمين، وقيل غير ذلك. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق، وقيل: من ضمير المخاطبين والرابط الواو، وقيل: مستأنفة والباء للسببية، وما إما مصدرية، وإما موصولة، وأركس وركس بمعنى واختلف في معنى الركس لغة، فقيل: الرد- كما قيل- في قول أمية بن أبي الصلت:
فأركسوا في جحيم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى حينئذ والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين. أو نحو ذلك، أو بسبب كسبهم، وقيل: هو قريب من النكس، وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمي منكسا في هوة قلما يخلص منها، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر، أو بما كسبوه منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران.
وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر أَرْكَسَهُمْ بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال، ومنه:
وأركستني عن طريق الهدى ... وصيرتني مثلا للعدا
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: المعنى حبسهم في جهنم، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم، وابن المنذر، عن قتادة أهلكهم، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد، وروي عن عبد الله وأبيّ أنهما قرآ- ركسوا- بغير ألف، وقد قرأ- ركّسهم- مشددا.
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ توبيخ للفئة القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك، وإشعار بأن يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى، وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة لها، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار، وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وحمله على العموم، والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا-
стр. 1126
كما زعمه أبو حيان- ليس بشيء، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن إرادته مما لا يمكن فضلا عن إمكان نفسه، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر، ويبعده قوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا فإن المتبادر منه الخلق أي من يخلق فيه الضلال كائنا من كان، ويدخل هنا من تقدم دخولا أوليا فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا من السبل فضلا عن أن تهديه إليه، والخطاب في تَجِدَ لغير معين، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار بعدم الوجدان للكل على سبيل التفصيل، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي، وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط والجزاء، وجعل السبيل بمعنى الحجة، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في حكمه ضالا فلن تجد له في ضلالته حجة- كما قال جعفر بن حرب- ليس بشيء كما لا يخفى، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد لاستحالة الهداية، أو حال من فاعل تُرِيدُونَ أو تَهْدُوا، والرابط الواو.
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ بيان لغلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم، ولَوْ مصدرية لا جواب لها أي تمنوا أن تكفروا وقوله كَما كَفَرُوا نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية أي كفرا مثل كفرهم، أو حال من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه، ولا دلالة في نسبة الكفر إليهم على أنه مخلوق لهم استقلالا لا دخل لله تعالى فيه لتكون هذه الآية دليلا على صرف ما تقدم عن ظاهره كما زعمه ابن حرب لأن أفعال العباد لها نسبة إلى الله تعالى باعتبار الخلق، ونسبة إلى العباد باعتبار الكسب بالمعنى الذي حققناه فيما تقدم، وقوله تعالى: فَتَكُونُونَ سَواءً عطف على لَوْ تَكْفُرُونَ داخل معه في حكم التمني أي وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فتكونون مستوين في الكفر والضلال، وجوز أن تكون كلمة لَوْ على بابها، وجوابها محذوف كمفعول «ود» أي ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فَتَكُونُونَ سَواءً لسروا بذلك فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ الفاء فصيحة، وجمع أَوْلِياءَ مراعاة لجمع المخاطبين فإن المراد نهي كل من المخاطبين عن اتخاذ كل من المنافقين وليا أي إذا كان حالهم ما ذكر من الودادة فلا توالوهم.
حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حتى يؤمنوا وتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله تعالى ورسوله ﷺ لا لغرض من أغراض الدنيا، وأصل السبيل الطريق، واستعمل كثيرا في الطريق الموصلة إليه تعالى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والآية ظاهرة في وجوب الهجرة.
وقد نص في التيسير على أنها كانت فرضا في صدر الإسلام، وللهجرة ثلاث استعمالات: أحدهما الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهو الاستعمال المشهور، وثانيها ترك المنهيات، وثالثها الخروج للقتال وعليه حمل الهجرة. من قال: إن الآية نزلت فيمن رجع يوم أحد على ما حكاه خبر الشيخين وجزم به في الخازن فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله تعالى- كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- فَخُذُوهُمْ إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسرا وقتلا، وقيل: المراد القتل لا غير إلا أن الأمر بالأخذ لتقدمه على القتل عادة.
وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبدا كما يشعر بذلك المضارع الدال على الاستمرار أو التكرير المفيد للتأكيد إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ استثناء من الضمير في قوله سبحانه فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ أي إلا الذين يصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم بنو مدلج.
стр. 1127
أخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر رسول الله ﷺ على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه ﵊ يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي من بني مدلج فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه فقال: دعوه ما تريد؟ قلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخش بقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم فأنزل الله تعالى وَدُّوا حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ
فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر ولا يجوز أن يكون استثناء من الضمير في لا تَتَّخِذُوا وإن كان أقرب لأن اتخاذ الولي منهم حرام مطلقا.
أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة أي والذين جاؤُكُمْ كافين من قتالكم وقتال قومهم، فقد استثني من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين ومن أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين، أو عطف على صفة قوم كأنه قيل: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ معاهدين، أو إلى قوم كافين عن القتال لكم وعليكم، والأول أرجح رواية ودراية إذ عليه يكون لمنع القتال سببان: الاتصال بالمعاهدين، والاتصال بالكافين وعلى الثاني يكون السببان الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين لكن قوله تعالى الآتي: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ إلخ يقرر أن أحد السببين هو الكف عن القتال لأن الجزاء مسبب عن الشرط فيكون مقتضيا للعطف على الصلة إذ لو عطف على الصفة كان أحد السببين الاتصال بالكافين لا الكف عن القتال، فإن قيل: لو عطف على الصفة تحققت المناسبة أيضا لأن سبب منع التعرض حينئذ الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، والاتصال بهؤلاء وهؤلاء سبب للدخول في حكمهم، وقوله سبحانه: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ يبين حكم الكافين لسبق حكم المتصلين بهم، أجيب: بأن ذلك جائز إلا أن الأول أظهر وأجري على أسلوب كلام العرب لأنهم إذا استثنوا بينوا حكم المستثنى تقريرا وتوكيدا، وقال الإمام:
جعل الكف عن القتال سببا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن يكف عن القتال سببا لترك التعرض لأنه سبب بعيد على أن المتصلين بالمعاهدين ليسوا معاهدين لكن لهم حكمهم بخلاف المتصلين بالكافين فإنهم إن كفوا فهم هم وإلا فلا أثر له، وقرأ أبي جاؤُكُمْ بغير أو على أنه استئناف وقع جوابا لسؤال كأنه قيل: كيف كان الميثاق بينكم وبينهم؟ فقيل: جاؤُكُمْ إلخ، وقيل: يقدر السؤال كيف وصلوا إلى المعاهدين، ومن أين علم ذلك، وليس بشيء، أو على أنه صفة بعد صفة لقوم، أو بيان ليصلون، أو بدل منه، وضعف أبو حيان البيان بأنه لا يكون في الأفعال، والبدل بأنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملا عليه، وأجيب بأن الانتهاء إلى المعاهدين والاتصال بهم حاصله الكف عن القتال فصح جعل مجيئهم إلى المسلمين بهذه الصفة، وعلى هذه العزيمة بيانا لاتصالهم بالمعاهدين، أو بدلا منه كلّا أو بعضا أو اشتمالا وكون ذلك لا يجري في الأفعال لا يقول به أهل المعاني، وقيل: هو معطوف على حذف العاطف، وقوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار قد ويؤيده قراءة الحسن- حصرة صدورهم- وكذا قراءة- حصرات، وحاصرات- واحتمال الوصفية السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد.
وقيل: هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل «جاؤوا» أي جاؤوكم قوما حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ولا حاجة حينئذ إلى تقدير قد، وما قيل: إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد سيما عند
стр. 1128
حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير مسلم. وقيل: بيان لجاؤوكم وذلك كما قال الطيبي لأن مجيئهم غير مقاتلين وحَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني: من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل: بدل اشتمال من جاؤُكُمْ لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره، وقيل: إنها جملة دعائية، ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ أي عن أن يقاتلوكم، أو لأن، أو كراهة أن وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم فَلَقاتَلُوكُمْ عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه على الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الاعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين وقرىء فلقتلوكم بالتخفيف والتشديد فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ولم يتعرضوا لكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح فانقادوا واستسلموا، وكان إلقاء السلم استعارة لأن من سلم شيئا ألقاه وطرحه عند المسلم له، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين وكسرها فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم، وفي- نفي جعل السبيل- مبالغة في عدم التعرض لهم لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له.
وهذه الآيات منسوخة الحكم بآية براءة فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ هم أناس كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي الله ﷺ ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم- قاله ابن عباس ومجاهد- وقيل: الآية في حق المنافقين كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي دعوا إلى الشرك- كما روى عن السدي- وقيل: إلى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه: بماذا آمنت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ بالكف عن التعرض لكم بوجه ما وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم.
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي وجدتموهم وأصبتموهم أو حيث تمكنتم منهم، وعن بعض المحققين أن هذه الآية مقابلة للآية الأولى، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب، وإما بالعدم والملكة لأن إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديين فقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ مقابل لقوله تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ وقوله جل وعلا: وَيُلْقُوا مقابل لقوله عز شأنه: وَأَلْقَوْا وقوله ﷻ : وَيَكُفُّوا مقابل لقوله عز من قائل: فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ والواو لا تقتضي الترتيب، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في الآيتين، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم الكف عن القتال، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه الأخذ والقتل المصرح به بقوله سبحانه: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ.
ومن هذا يعلم أن وَيَكُفُّوا بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ إن
стр. 1129
لم يكفوا، وإذا عطف وَيَكُفُّوا على النفي يلزم اجتماع عدم الكف والكف، وكلام الله تعالى منزه عنه، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه: وَيَكُفُّوا جملة حالية، أو استئنافية بيانية، أو نحوية لاستلزام كل منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في يَكُفُّوا على ما هو المعهود في مثله، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول مرتبا على شيئين، وفي الثانية على ثلاثة، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين، وكلام العلامة البيضاوي- بيض الله تعالى غرة أحواله- في هذا المقام لا يخلو عن تعقيد، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جدا وَأُولئِكُمْ الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة.
جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة واضحة فيما أمرناكم به في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخبائثهم، أو تسلطا لا خفاء فيه حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين، وقيل: لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه أَنْ يَقْتُلَ بغير حق مُؤْمِناً فإن الإيمان زاجر عن ذلك إِلَّا خَطَأً فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية. وقلما يخلو المقاتل عنه، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمنا في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، أو على أنه مفعول به أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعا حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ.
وقال بعضهم: الاستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، وقيل: إلا بمعنى ولا، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ، وقيل: الاستثناء من مؤمن أي إلا خاطئا، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل، أو الشخص، أو لا يقصد به زهوق الروح غالبا، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، وقرىء- خطاء- بالمد- وخطا- بوزن عمى بتخفيف الهمزة،
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي- وكان أخا أبي جهل والحارث بن هشام لأمهما- أسلم وهاجر إلى النبي ﷺ وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحارث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشا بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه موثقا أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوسا حتى فتح رسول الله ﷺ مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد ذلك فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فنزلت، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد «أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله فبدر فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئا فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال رسول الله ﷺ : ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟! فقال: كيف بي يا رسول الله؟ فقال ﵊: فكيف بلا إله إلا الله؟! وتكرر ذلك- قال أبو الدرداء- فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن»
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فعليه- أي فواجبه تحرير رقبة- والتحرير الإعتاق وأصل معناه جعله حرا أي كريما لأنه يقال لكل مكرم حر، ومنه حر الوجه-
стр. 1130
للخد- وأحرار الطير، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضا، والمراد بالرقبة النسمة تعبيرا عن الكل بالجزء، قال الراغب:
إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب، فيقال: فلان يربط كذا رأسا وكذا ظهرا مُؤْمِنَةٍ محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة، وإلى ذلك ذهب عطاء، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي: فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث،
فقد أخرج أصحاب السنن الأربعة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: كتب إليّ رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ويقضى منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها وذلك خلاف قول الجماعة، وتجب الرقبة في مال القاتل، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه،
وقد أخرج الشيخان عن النبي ﷺ «كل معروف صدقة»
وهو متعلق بعليه المقدر قبل، أو- بمسلمة- أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها، وليس فيه- كما قيل- دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ فالمنسبك في محل نصب على الاستثناء، وقال الزمخشري: إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو لظرف، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن أَنْ والفعل لا يجوز وقوعهما حالا، ولا منصوبا على الظرفية- كما نص عليه النحاة- وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع أَنْ وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله:
فقلت لها لا تنكحيه فإنه ... لأول سهم أن يلاقي مجمعا
أي لأول سهم زمان ملاقاته، وابن مالك- كما قال السفاقسي- يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا، وبأن يلاقي، وقرأ أبي- إلا أن يتصدقوا- فَإِنْ كانَ أي المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي كفار يناصبونكم الحرب وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد أن أسلم أعلمهم، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، والآية نزلت- كما قال ابن جبير- في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ لا وراثة بينه وبين أهله فَإِنْ كانَ أي المقتول المؤمن- كما روي عن جابر بن زيد- مِنْ قَوْمٍ كفار بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عداء مؤقت أو مؤبد فَدِيَةٌ أي فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار، وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم، ولعل تقديم هذا الحكم- كما قيل- مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كما هو حكم سائر المسلمين، ولعل إفراده بالذكر- كما قيل- أيضا مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً إلخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين.
وقيل: المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواء كما أن الكفارة عنهما سواء.
стр. 1131
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبي ﷺ النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك.
وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضا فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئا، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثا إذ لا يرث الكافر- ولو معاهدا- المسلم كما برهن عليه فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن فَصِيامُ أي فعليه صيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ قال مجاهد: لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعا، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مدّ، رواه ابن أبي حاتم.
وأخرج عنه أيضا أنه قال: فمن لم يجد دية، أو عتاقة فعليه الصوم، وبه أخذ من قال: إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولا- هو المروي عن الجمهور- وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال:
الصيام لمن لم يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء، ثم قال- وهو الصواب- لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله، واستدل بالآية من قال: إنه لا إطعام في هذه الكفارة، ومن قال: ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد، من قال إن لا كفارة في العمد، والشافعي يقول: هو أولى بها من الخطأ تَوْبَةً نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولا لها من تاب الله تعالى عليه إذ قبل توبته، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط.
وقيل: التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفا عليكم، وقيل: إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في- عليه- بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة، وقيل: على المصدرية أي تاب عليكم توبة، وقوله سبحانه مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى.
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل حَكِيماً في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء، أو بما لا يطيقه البتة عالما بإيمانه، وهو نصب على الحال من فاعل «يقتل» .
وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي الحركات فَجَزاؤُهُ الذي يستحقه بجنايته جَهَنَّمُ خالِداً فِيها أي ماكثا إلى الأبد، أو مكثا طويلا إلى حيث شاء الله تعالى، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا.
وقال أبو البقاء: هو حال من الضمير المرفوع، أو المنصوب في يجزاها المقدر، وقيل: هو من المنصوب لا غير ويقدر جازاه، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ومنع جعله حالا من الضمير المجرور في فَجَزاؤُهُ لوجهين: أحدهما أنه حال من المضاف إليه، وثانيهما أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ، وقول
стр. 1132
سبحانه: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل: يطريق الاستئناف تقريرا لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك- وغضب عليه- أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة وَلَعَنَهُ أي أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه إلخ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً لا يقادر قدره.
والآية- كما
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير- نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني (١) أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك فأرسل رسول الله ﷺ رجلا من قريش من بني فهر- ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء- أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله تعالى وللرسول ﷺ والله تعالى ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس، والفهري راجعين من قباء إلى المدينة، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ فقتله وارتد عن الإسلام، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملا من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة، وهو يقول في شعر له:
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
وأدركت ثاري وأضجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت
هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد شديد وإبعاد، وقد تأيدت بغير ما خبر ورد عن سيد البشر ﷺ
فقد أخرج أحمد والنسائي عن معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا، وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء مثله،
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى» ،
وأخرجا عن البراء بن عازب «أن النبي ﷺ قال: لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار» ،
وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه ﵊ قال: «لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وأن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر» ،
واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمنا متعمدا في النار، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران: ٩٧] في آية الحج،
وقوله ﷺ للمقداد بن الأسود- كما في الصحيحين حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب- «لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال» ،
وعلى ذلك يحمل ما
أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: «قال رسول الله ﷺ : نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى علي»
وما أخرجه عن سعيد بن مينا أنه قال: «كنت جالسا بجنب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» .
وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا، ويؤيد ذلك ما
стр. 1133
أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول لمن قتل مؤمنا توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم؟! قال: إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك، وكان هذا أيضا شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له فإذا ابتلي رجل قالوا له: تب، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم،
وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ إن هو جازاه، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ ،
قيل: وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر:
إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه لمن يكن ذلك منه كذبا، والأصل في هذا على ما قال الواحدي: أن الله يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة
ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه «أن النبي ﷺ قال: من وعده الله تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار»
ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم: يا من إذا وعد وفا، وإذا توعد عفا،
وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد، ولم تعده نقصا كما يدل عليه قوله:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم، فلم لا يجوز في القصص والاخبار لغرض من الأغراض، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها.
والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء، ومنهم من قال إنها إخبار إلا أن هناك شرطا محذوفا للترهيب فلا خلف بالعفو فيها، وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه كيف لا وقد قال : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] ولو كان هذا إخبارا بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد الله، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاء ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجرة لا تسمى جزاء ما لم تعط له وتصل إليه؟.
وتعقبه الطبرسي بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل، ولهذا يقال: جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال: فعل ذلك معهما أو لم يفعل، ويقال لمن قتل غيره: جزاء هذا أن يقتل، وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل وإنما لا يقال للدراهم إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها.
واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيرا من الآيات كقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٨] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين البتة، وفي الآية ما يشير إليه ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز، فلا معنى للقول بالبت، ومن هنا قيل: إن الآية لا تصلح دليلا للمعتزلة مع قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] .
وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال: «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً
стр. 1134
إلخ فقلت له وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك فإني قد قلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨، ١١٦] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع أن يرد عليّ شيئا» ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال: «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما نزلت وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً الآية: قال المهاجرون والأنصار وجبت لمن فعل هذا النار حتى نزلت إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إلخ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء» وبآية المغفرة ردّ ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولا بستة أشهر، أو بأربعة أشهر- كما روى زيد بن ثابت- لا يفيد شيئا، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح كما لا يخفى، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلا للنزاع، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته، وقد روي عن عكرمة وابن جريج، وجماعة أنهم فسروا مُتَعَمِّداً بمستحلا: واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعا فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلا لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف، وقيل: إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق وتعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مبدأ الاشتقاق، فكأنه قيل ومن يقتل مؤمنا لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلا فلا يكون إلا كافرا فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقا في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمنا مثلا لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفرا ولا قائل به، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاء بما تقدم في آية البقرة.
стр. 1135
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله.
إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق فَتَبَيَّنُوا أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا تعملوا فيه من غير تدبر وروية، وقرأ حمزة وعلي وخلف- فتثبتوا- أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال، ودخلت الفاء لما في إِذا من معنى الشرط كأنه قيل: إن غزوتم فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية- كأنعم صباحا، وحياك الله تعالى- وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام- السلم- بغير ألف، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ- السلم- بكسر السين وفتح اللام، ومعناه في القراءتين الاستسلام والانقياد، وبه فسر بعضهم السَّلامَ أيضا في القراءة المشهورة، واللام على ما قال السمين: للتبليغ، والماضي بمعنى المضارع، وَمَنْ موصولة، أو موصوفة، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه يجب إلا فيه، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه:
لَسْتَ مُؤْمِناً وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه.
стр. 1136
وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا «مؤمنا»
بفتح الميم الثانية أي مبذولا لك الأمان تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال، والجملة في موضع الحال من فاعل تَقُولُوا مشعرا بما هو الحامل لهم على العجلة، والنهي راجع إلى القيد والمقيد، وقوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل: لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك، وقوله سبحانه: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطئ الباطن والظاهر ولم تظهر فيه، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة والفاء في فَمَنَّ للعطف على كُنْتُمْ وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل: لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وَتَقُولُوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمنا معصوما لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه، فإنكم كنتم أنتم في مبادئ إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطا مما يدل على التواطؤ، ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم، فإذا كان الأمر كذلك فَتَبَيَّنُوا هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل، وأخر هذا التعليل على ما قيل: لما فيه من نوع تفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض، وأن سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم، وفيه نوع حط عليهم- رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم- أو لأنه أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد، أو أن مجموعهما علة، وقيل: موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف، وقيل: إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثوابا كثيرا في الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك، وعبر عن الثواب- بالمغانم- مناسبة للمقام، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق، وقال بعض الناس فيها: إن المعنى كما كان هذا الذي قلتموه مستخفيا بدينه في قومه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذرا من قومكم على أنفسكم، فمنّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعد ما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فَتَبَيَّنُوا نعمة الله تعالى عليكم، أو تبينوا أمر من تقتلونه، ولا يخفى أن هذا- وإن كان بعضه مرويا عن ابن جبير- غير واف بالمقصود على أن القول: بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذرا من قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال: إن كون البعض كان مستخفيا كاف في الخطاب، وقيل: إن قوله سبحانه: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ منقطع عما قبله، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبيين مبالغة في التحذير، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكرا لما منّ عليهم به- وهو كما ترى.
واختلف في سبب الآية،
فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي ﷺ فنزلت» .
стр. 1137
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة فلقوا رجلا منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم فقال: السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلا الله؟! فقال يا رسول الله إنما قالها متعوذا يتعوذ بها فقال ﵊: هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟!» ثم نزلت الآية.
وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا- مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة- للمبالغة في النهي والزجر، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها. فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره، وإن المجتهد قد يخطىء وإن خطأه مغتفر، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ.
ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور، وأن المخطئ آثم، واحتج على ذلك بما
أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن «أن ناسا من أصحاب رسول الله ذهبوا يتطرقون فلقوا ناسا من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله فقال ﵊ للقاتل: أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا قال: أفلا شققت عن قلبه؟! قال لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادق هو أو كاذب؟ قال: كنت عالم ذلك يا رسول الله قال ﵊: إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه، قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن فلا أدري كم، قال أصحاب رسول الله ﷺ دفناه مرتين، أو ثلاثا كل ذلك لا تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب» فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية،
وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة «أن النبي ﷺ قال: إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران» .
ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر، واعتذر بما اعتذر كاذبا بين يدي رسول الله ﷺ ، ويؤيد ذلك ما
أخرجه أحمد وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ متيعه فلما قدمنا رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ،
والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا الرجل المصرح به في هذا الخبر، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في القلب من ضغائن
стр. 1138
قديمة، وإنما قلنا: إن هذا هو الظاهر لما
في خبر ابن عمر أن محلم بن جثامة لما رجع جاء رسول الله ﷺ في بردين فجلس بين يديه ﵊ ليستغفر له فقال: لا غفر الله تعالى لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض فجاؤوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة،
فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة، واعترض على القول بعدم الوعيد بأن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً. يستفاد منه الوعيد أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولا أوليا مطلع أتم اطلاع فيجازيكم بحسب ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والجملة تعليل بطريق الاستئناف، وقرىء بفتح «أن» على أنه معمول- لتبينوا- أو على حذف لام التعليل.
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ شروع في الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه وليرغبوا عما يوجب خللا فيه، والمراد بالقاعدين الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- هم القاعدون- عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل، وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عن تبوك، وروي أن الآية نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف والربيع وهلال بن أمية من بني واقف، حين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حال من القاعدين، وجوز أن يكون من الضمير المستتر فيه، وفائدة ذلك الإيذان من أول الأمر بأن القعود عن الجهاد لا يقعد بهم عن الإيمان، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من الحسنى أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد حال كونهم كائنين من المؤمنين غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالرفع على أنه صفة- للقاعدون- وهو إن كان معرفة، وغَيْرُ لا تتعرف في مثل هذا الموضع لكنه غير مقصود منه- قاعدون- بعينهم بل الجنس، فأشبه الجنس وصفه بها، وزعم عصام الدين أن غَيْرُ هنا معرفة، وغَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بمعنى من لا ضرر له، ونقل عن الرضي- وبه ضعف ما تقدم- أن المعرف باللام المبهم وإن كان في حكم النكرة لكنه لا يوصف بما توصف به النكرة، بل يتعين أن تكون صفته جملة فعلية فعلها مضارع كما في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأصد ثم أقول ما يعنيني
واستحسن بعضهم جعله بدلا من الْقاعِدُونَ لأن أل فيه موصولة، والمعروف إرادة الجنس في المعرف بالألف واللام، وبينهما فرق، وجوز الزجاج الرفع على الاستثناء، وتبعه الواحدي فيه، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على أنه حال، وهو نكرة لا معرفة، أو على الاستثناء ظهر إعراب ما بعده عليه، وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين، أو بدل منه وكون النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة أكثري لا كلي، والضَّرَرِ المرض والعلل التي لا سبيل معها إلى الجهاد، وفي معناها- أو هو داخل فيها- العجز عن الأهبة، وقد نزلت الآية وليس فيها غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ثم نزل بعد،
فقد روى مالك عن الزهري عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: «كنت أكتب بين يدي النبي ﷺ في كثف- لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون- وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال النبي ﷺ : لا أدري قال زيد:
وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي ﷺ الوحي ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي، ثم جلي عنه، فقال لي: أكتب يا زيد غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»
وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في منهاج دينه بِأَمْوالِهِمْ إنفاقا فيما يوهن كيد الأعداء وَأَنْفُسِهِمْ حملا لها على الكفاح عند اللقاء، وكلا الجارين متعلق-
стр. 1139
بالمجاهدون- وأوردوا بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، وقيده بما قيده مدحا لهم وإشعارا بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود كما قيل، وقيل: إنما أوردوا بعنوان الجهاد إشعارا بأن القعود كان عنه ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في الجملة، وقدم الْقاعِدُونَ على- المجاهدين- ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح بتفضيلهم بهم، وقيل: للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر، وعليه قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ [الرعد: ١٦] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول.
وأنت تعلم أنه لا تزاحم في النكات وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة تأخير، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى، وإنما قدم هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [التوبة: ١١١] لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد وأخّر البائع تنبيها على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة، وعلى ذلك النمط جاء أيضا قوله تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ في سبيله بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ من المؤمنين غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ دَرَجَةً لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناء به وليتمكن أشد تمكن، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: فَضَّلَ اللَّهُ إلخ واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفا- كما قيل- إذ كثيرا ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة، ودَرَجَةً منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في الترقي والفضل، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، وذلك مثل قولهم: ضربته سوطا أي ضربة، وقيل: على الحال أي ذوي درجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على تقدير حذف الجار أي بدرجة، وقيل: هو واقع موقع الظرف أي في درجة ومنزلة، وقوله تعالى: وَكُلًّا مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين وَعَدَ اللَّهُ
المثوبة الْحُسْنى وهي الجنة- كما قال قتادة وغيره- لا أحدهما فقط، وقرأ الحسن- وكل- بالرفع على الابتداء، فالمفعول الأول- وهو العائد في جملة الخبر- محذوف أي وعده، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة فعلية وبذلك خالف ما في- الحديد- والْحُسْنى على القراءتين هو المفعول الثاني، والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول وقوله سبحانه:
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ عطف على ما قبله، وأغنت أل عن ذكر ما ترك على سبيل التدريج من القيود، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين أولا بأن يترك من المؤمنين فقط، ويذكر غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ في الآية الأولى ويتركهما معا في الآية الثانية، بل تركهما دفعة واحدة عند أول قصد التدريج قيل: لأن قيد غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ كان بعد السؤال كما يشير إليه سبب النزول.
وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما نزلت الآية جعل يقول: أي رب أين عذري، أي رب أين عذري؟؟ فنزل ذلك فانسدت باب الحاجة إليه، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك القصد دفعة، ولا كذلك ما
стр. 1140
ذكر مع المجاهدين، فإن الإتيان به كان عن محض الفضل والامتنان من غير سابقة سؤال فلما فتحت باب الإسقاط اعتبر فيه التدريج فرقا بين المقامين، وقوله تعالى: أَجْراً عَظِيماً مصدر مؤكد- لفضل- وهو وإن كان بمعنى أعطي الفضل وهو أعم من الأجر لأنه ما يكون في مقابلة أمر لكن أريد به هنا الأخص لأنه في مقابلة الجهاد، ويجوز أن يبقى على معناه، وأَجْراً مفعول به ولتضمنه معنى الإعطاء نصب المفعول أي أعطاهم زيادة عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض أي فضلهم بأجر.
وجعله- صفة لقوله تعالى: دَرَجاتٍ قدم عليها فانتصب على الحال، ولكونه مصدرا في الأصل يستوي فيه الواحد وغيره جاز نعت الجمع به- بعيد، وجوز في دَرَجاتٍ أين يكون بدلا من أَجْراً بدل الكل مبينا لكمية التفضيل، وأن يكون حالا أي ذوي درجات، وأن يكون واقعا موقع الظرف أي في درجات، وقوله سبحانه: مِنْهُ متعلق بمحذوف وقع صفة- لدرجات- دالة على فخامتها وعلو شأنها، أخرج عبد بن حميد عن ابن محيريز أنه قال:
هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة،
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد «أن رسول الله ﷺ قال: من رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﵊ رسولا وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه، ثم قال ﷺ : وأخرى يرفع الله تعالى بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله تعالى» ،
وعن السدي أنها سبعمائة، وجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك: ضربته أسواطا أي ضربات، كأنه قيل: فضلهم تفضيلات، وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة، وقيل: إنه على بابه.
والمراد بالدرجات ما ذكر في آية براءة ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ [التوبة: ١٢٠] إلى قوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة: ١٢١] ونسب إلى عبد الله بن زيد، وقوله عز شأنه: وَمَغْفِرَةً عطف على درجات الواقع بدلا من أَجْراً بدل الكل إلا أن هذا بدل البعض منه لأن بعض الأجر ليس من باب المغفرة، أي ومغفرة عظيمة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون، فحينئذ تعد من خصائصهم، وقوله تعالى: وَرَحْمَةً عطف عليه أيضا وهو بدل الكل من أَجْراً، وجوز أن يكون انتصابهما بفعل مقدر أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة.
هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة، وتقييده- تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يستدعيه الظاهر إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير المؤذن بأن فضل المجاهدين بمحل لا تستطيع طير الأفكار الخضر أن تصل إليه، ولما كان هذا مما يكاد أن يتوهم منه حرمان القاعدين اعتنى سبحانه بدفع ذلك بقوله عز قائلا: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ثم أراد جل شأنه تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقال ما قال وسد باب الاحتمال.
ولا يخفى ما في الإبهام والتفسير من اللطف، وأما ما قيل من إفراد الدرجة أولا لأن المراد هناك تفضيل كل مجاهد، والجمع ثانيا لأن المراد فيه تفضيل الجمع ففي الدرجات مقابلة الجمع بالجمع، فلكل مجاهد درجة ومآل العبارتين واحد والاختلاف تفنن، فمن الكلام الملفوظ لا من اللوح المحفوظ، وأما للاختلاف بالذات بين التفضيلين
стр. 1141
وبين الدرجة والدرجات، وفي هذا- رغب الراغب، واستطيبه الطيبي- على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيقي بكونه درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ما ادخره سبحانه لهم من الدرجات العالية والمنازل الرفيعة المتعالية عن الحصر كما ينبىء عنه تقديم الأول وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل: فضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة، وفي الأخرى درجات لا تحصى، وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول كذا قرره الفاضل مولانا شيخ الإسلام، وقيل: المراد من التفضيل الأول رضوان الله تعالى ونعيمه الروحاني، ومن التفضيل الثاني نعيم الجنة المحسوس، وفيه أن عطف المغفرة والرحمة يبعد هذا التخصيص، وقيل: المراد من المجاهدين الأولين من جاهد الكفار، ومن المجاهدين الآخرين من جاهد نفسه، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم كما يدل عليه
قوله ﵊: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»
وفيه أن السياق وسبب النزول يأبيان ذلك، والحديث الذي ذكره لا أصل له، كما قال المحدثون.
وقيل المراد من الْقاعِدِينَ في الأول الأضراء، وفي الثاني غيرهم كما قال ابن جريج، وأخرجه عنه ابن جرير، وفيه من تفكيك النظم ما لا يخفى.
بقي أن الآية لا تدل نصا على حكم أولي الضرر بناء على التفسير المقبول عندنا، نعم في بعض الأحاديث ما يؤذن بمساواتهم للمجاهدين، فقد صح
من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال: «إن في المدينة لأقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر»
وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وعن الزجاج أنه قال: إلا أولو الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، وعن بعضهم إن هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى غير الضرر قد ذكرت في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى إلى قوله سبحانه: إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٩١] والذي يشهد له النقل والعقل أن الأضراء أفضل من غيرهم درجة كما أنهم دون المجاهدين في الدرجة الدنيوية، وأما أنهم مساوون لهم في الدرجة الأخروية فلا قطع به، والآية- على ما قاله ابن جريج- تدل على أنهم دونهم في ذلك أيضا.
وقد أخرج ابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن ابن أم مكتوم كان بعد نزول الآية يغزو، ويقول: ادفعوا إليّ اللواء وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر، وأخرج ابن منصور عن أنس بن مالك أنه قال: لقد رأيت ابن أم مكتوم بعد ذلك في بعض مشاهد المسلمين ومعه اللواء، ويعلم من نفي المساواة في صدر الآية المستلزم للتفضيل المصرح به بعد بين المجاهد بالمال والنفس والقاعد نفيها بين المجاهد بأحدهما والقاعد واحتمال أن يراد من الآية نفي المساواة بين القاعد عن الجهاد بالمال والمجاهد به وبين القاعد عن الجهاد بالنفس والمجاهد بها بأن يكون المراد بالمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم المجاهدين فيه بأموالهم، والمجاهدين فيه بأنفسهم وبالقاعدين أيضا قسمي القاعد، ويكون المراد نفي المساواة بين كل قسم من القاعد ومقابله بعيد جدا، واحتج بها كما قال ابن الفرس: من فضل الغنى على الفقر بناء على أنه سبحانه فضل المجاهد بماله على المجاهد بغير ماله، ولا شك أن الدرجة الزائدة من الفضل للمجاهد بماله إنما هي من جهة المال، واستدلوا بها أيضا على تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً تذييل مقرر لما وعد سبحانه من قبل إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ بيان لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيان القاعدين عن الجهاد، أو بيان لحال
стр. 1142
القاعدين عن نصرة رسول الله ﷺ والجهاد معه من المنافقين عقب بيان حال القاعدين من المؤمنين، وتَوَفَّاهُمُ يحتمل أن يكون ماضيا، وتركت علامة التأنيث للفصل ولأن الفاعل غير مؤنث حقيقي، ويحتمل أن يكون مضارعا، وأصله- تتوفاهم- فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وهو لحكاية الحال الماضية، ويؤيد الأول قراءة من قرأ توفتهم، والثاني قراءة إبراهيم تَوَفَّاهُمُ بضم التاء على أنه مضارع وفيت بمعنى أن الله تعالى يوفي الملائكة أنفسهم، فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها، وإلى ذلك أشار ابن جني، والمراد من التوفي قبض الروح، وهو الظاهر الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
وعن الحسن أن المراد به الحشر إلى النار، والمراد من الملائكة ملك الموت وأعوانه، وهم- كما في البحر- ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين، وعن الجمهور أن المراد بهم ملك الموت فقط وهو من إطلاق الجمع مرادا به الواحد تفخيما له وتعظيما لشأنه، ولا يخفى أن إطلاق الجمع على الواحد لا يخلو عن بعد، والتحقيق أنه لا مانع من نسبة التوفي إلى الله تعالى، وإلى ملك الموت، وإلى أعوانه، والوجه في ذلك أن الله تعالى هو الآمر بل هو الفاعل الحقيقي، والأعوان هم المزاولون لإخراج الروح من نحو العروق والشرايين والعصب، والقاطعون لتعلقها بذلك، والملك هو القابض المباشر لأخذها بعد تهيئتها، وفي القرآن اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر: ٤٢] ويَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١] وتَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: ٦١] ومثله تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك الهجرة، واختيار مجاورة الكفار الموجبة للإخلال بأمور الدين، أو بنفاقهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله ﷺ ، وإعانتهم الكفرة، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس «أنه كان قوم بمكة قد أسلموا فلما هاجر رسول الله ﷺ كرهوا أن يهاجروا وخافوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك «أن هؤلاء أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة فلم يخرجوا معه إلى المدينة وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر فأصيبوا فيمن أصيب فأنزل الله فيهم هذه الآية»
وروي عن عكرمة أن الآية نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليدة بن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر مع المشركين من قريش فقتلوا هناك كفارا، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه،
وظالِمِي منصوب على الحالية من ضمير المفعول في تَوَفَّاهُمُ وإضافته لفظية فلا تفيده تعريفا، والأصل ظالمين أنفسهم قالُوا أي الملائكة ﵈ للمتوفين توبيخا لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامهم وإقامة أحكامه وشعائره أو قالوا تقريعا لهم وتوبيخا بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة وتكثير سوادهم وانتظامهم في عسكرهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله ﷺ فِيمَ كُنْتُمْ أي في أي شيء كنتم من أمور دينكم وحذفت ألف- ما- الاستفهامية المجرورة وفاء بالقاعدة، وتكتب متصلة تنزيلا لها مع ما قبلها منزلة الكلمة الواحدة. ولهذا تكتب- إلى وعلى وحتى في إلام وعلام وحتام بالألف ما لم يوقف على- م- بالهاء، ولكن السؤال كما علمت طابقه الجواب بقوله تعالى: قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ وإلا فالظاهر في الجواب كنا في كذا، أو لم نكن في شيء، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل: فماذا قال أولئك المتوفون؟ في الجواب، فقيل: قالوا في جوابهم: كنا مستضعفين فى أرض مكة بين ظهراني المشركين الأقرباء.
والمراد أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وإدخالهم الخلل فيه بالاستضعاف والعجز عن القيام بمواجب الدين بين أهل مكة فلذا قعدوا وناموا، أو تعللوا عن الخروج معهم والانتظام في ذلك الجمع المكسر بأنهم
стр. 1143
كانوا مقهورين تحت أيديهم، وأنهم فعلوا ذلك كارهين، وعلى التقديرين لم تقبل الملائكة ذلك منهم كما يشير إليه قوله سبحانه: قالُوا أي الملائكة أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها أي إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى لما يغيظ رسوله ﷺ بأنكم مقهورون بين أولئك الأقوام غير مقبول لأنكم بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكنون من المهاجرة عن مجاورتهم والخروج من تحت أيديهم فَأُولئِكَ الذين شرحت حالهم الفظيعة مَأْواهُمْ أي مسكنهم في الآخرة جَهَنَّمُ لتركهم الفريضة المحتومة، فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام، وعن السدي كان يقول: من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، والأصح الأول أو لنفاقهم وكفرهم ونصرتهم أعداء الله تعالى على سيد أحبائه ﵊، وعدم التقييد بالتأييد ليس نصا في العصيان بما دون الكفر، وإنما النص التقييد بعدمه، واسم الإشارة مبتدأ أول، ومَأْواهُمْ مبتدأ ثان، وجَهَنَّمُ خبر الثاني وهما خبر الأول، والرابط الضمير المجرور، والمجموع خبر إن، والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط، وقوله سبحانه:
قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ في موضع الحال من الملائكة، وقد معه مقدرة في المشهور، وجعله حالا- من الضمير المفعول بتقدير قد أولا، ولهم آخرا بعيد، أو هو الخبر والعائد فيه محذوف أي لهم، والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه مستنتجة منه ومما في خبره، ولا يصح جعل شيء من قالوا الثاني، والثالث خبرا لأنه جواب، ومراجعة- فمن قال: لو جعل قالوا: الثاني خبرا لم يحتج إلى تقدير عائد فقد- وهم، وقيل: الخبر محذوف تقديره هلكوا ونحوه، و «تهاجروا» منصوب في جواب الاستفهام وقوله تعالى: وَساءَتْ من باب بئس أي بئست مَصِيراً والمخصوص بالذم مقدر أي مصيرهم، أو جهنم.
واستدل بعضهم بالآية على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وهو مذهب الإمام مالك، ونقل ابن العربي وجوب الهجرة من البلاد الوبيئة أيضا، وفي كتاب الناسخ والمنسوخ أنها كانت فرضا في صدر الإسلام فنسخت وبقي ندبها، وأخرج الثعلبي من حديث الحسن مرسلا من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ استثناء منقطع لأن الموصول وضمائره، والإشارة إليه بأولئك لمن توفته الملائكة ظالما لنفسه، فلم يندرج فيهم المستضعفون المذكورون، وقيل: إنه متصل، والمستثنى منه «أولئك مأواهم جهنم» وليس بشيء أي إلا الذين عجزوا عن الهجرة وضعفوا مِنَ الرِّجالِ كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد وَالنِّساءِ كأم الفضل لبابة بنت الحارث أم عبد الله بن عباس وغيرها وَالْوِلْدانِ كعبد الله المذكور وغيره رضي الله تعالى عنهم، والجار حال من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيه أي كائنين من هؤلاء، وذكر الولدان للقصد إلى المبالغة في وجوب الهجرة والأمر بها حتى كأنها مما كلف بها الصغار، أو يقال: إن تكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من ديار الكفر، وأن المراد بهم المراهقون، أو من قرب عهده بالصغر مجازا كما مر في اليتامى أو أن المراد التسوية بين هؤلاء في عدم الإثم والتكليف، أو أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان، أو المراد بهم العبيد والإماء.
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً أي لا يجدون أسباب الهجرة ومبادئها وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي ولا يعرفون طريق الموضع المهاجر إليه بأنفسهم أو بدليل، والجملة صفة لما بعد من، أو للمستضعفين لأن المراد به الجنس سواء
стр. 1144
كانت أل موصولة أو حرف تعريف وهو في المعنى كالنكرة، أو حال منه، أو من الضمير المستتر فيه، وجوز أن تكون مستأنفة مبينة لمعنى الاستضعاف المراد هنا فَأُولئِكَ أي المستضعفون عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ فيه إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى أن المضطر الذي تحقق عدم وجوبها عليه ينبغي أن يعد تركها ذنبا، ولا يأمن، ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها.
وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه.
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها، والمراد من المراغم، المتحول والمهاجر- كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان، وعبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتحول الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سببا لرغم أنف قومه الذين هاجرهم، وعن مجاهد: إن المعنى يجد فيها متزحزحا عما يكره، وقيل: متسعا مما كان فيه من ضيق المشركين، وقيل: طريقا يراغم بسلوكه قومه- أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، وقرىء مرغما وَسَعَةً أي من الرزق، وعليه الجمهور، وعن مالك سعة من البلاد.
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال التسيار، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على المهاجرة، وثمّ لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريبا إن شاء الله تعالى، وهو معطوف على فعل الشرط، وقرىء يُدْرِكْهُ بالرفع، وخرجه ابن جني كما قال السمين، على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم، والموت فاعله، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي- ثم هو يدركه الموت- وتكون الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين: في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطا لأنهم يتسامحون في التابع، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع، وقال عصام الملة:
ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل مَنْ موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون يَخْرُجْ أيضا مرفوعا ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ، فالأولى أن الرفع بناء على توهم رفع يَخْرُجْ لأن المقام من مظان الموصول، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا، وقيل: إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله:
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي يسبني لم أضربه
وهو كما في الكشف ضعيف جدا لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضا، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء، وقرأ الحسن «يدركه» بالنصب، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار أن نظير ما أنشده سيبويه من قوله:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فاستريحا
ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه، والآية- لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب- كانت أقوى من البيت، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد
стр. 1145
الواو والفاء كقوله:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى القاع يزلق
وقاسوا عليهما ثم، وليس ما ذكر في البيت نظير الآية، وقيل: من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل- أكرمني وأكرمك- أي ليكن منك إكرام ومني، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل: كان مقتضى الظاهر- ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه- إلا أنه اختير «ومن يخرج مهاجرا من بيته» على- ومن يهاجر- لما أشرنا إليه آنفا، ووضع يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ موضع- يمت- إشعارا بمزيد الرضا من الله تعالى، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت، وجيء- بثم- بدل الواو تتميما لهذه الدقيقة، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة، وأقيم فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ مقام- يثبه- لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع وعن الزمخشري: إن فائدة ثُمَّ يُدْرِكْهُ بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت، واختلف فيمن نزلت فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة، وكان بلغه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله ﷺ إلى مسلميها فقال لبنيه:
احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة وكان شيخا كبيرا فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك ﷺ أبايعك على ما بايع عليه رسولك، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا:
ليته مات بالمدينة فنزلت، وروى الشعبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في أكثم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات، وروي غير ذلك، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب، وقد ذكر أيضا غير واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك،
وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» ،
واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً مبالغا في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج رَحِيماً مبالغا في الرحمة فيرحمه سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته.
ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أي وما ينبغي لمؤمن الروح أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً وهو مؤمن القلب إلا أن يكون قتلا خطأ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقا من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكا فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصودا وَمَنْ قَتَلَ قلبا مُؤْمِناً خطأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وهي رقبة السر
стр. 1146
الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى فَإِنْ كانَ المقتول بالتجلي مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ بأن كان من قوى النفس الأمارة وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهرا والمهادنة للقلب فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ واجبة على عاقلة الرحمة إِلى أَهْلِهِ أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أي فعليه الإمساك عن العادات وترك المألوفات ستين يوما، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت معذبة في نيران الطبيعة مبعدة عن الرحمة مظهرا لغضب الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإرشاد عباده فَتَبَيَّنُوا حال المريد في الرد والقبول وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمنا صادقا لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ للسالكين إليه فإذا حظي بها السالك ترك لها ما في يده من الدنيا وأعرض قلبه عن ذلك كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا أي مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادئ طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمنّ الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم وفطم قلوبكم عن الدنيا بأسرها فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمنّ على هؤلاء بما منّ به عليكم، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم.
والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق جل وعلا من أرباب الدنيا في مبادئ الأمر: اترك دنياك واسلك لأن ذلك مما ينفره ويسد باب التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بمنعها عن حقوقها التي اقتضتها استعداداتهم من الكمالات المودعة فيها قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ حيث قعدتم عن السعي وفرطتم في جنب الله تعالى وقصرتم عن بلوغ الكمال الذي ندبتم إليه قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي أرض الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمارة وغلبة سلطان الهوى وشيطان الوهم قالوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها أي ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم إلى نهاية كمالكم، وذلك مجال واسع فلو تحركتم وسرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى وتخلصتم عن قيود الهوى وخرجتم عن القرية الظالم أهلها التي هي مكة النفس الأمارة إلى البلدة الطيبة التي هي مدينة القلب، وإنما نسب هنا التوفي إلى الملائكة لأن التوفي وهو استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة أوجه: توفي الملائكة وتوفي ملك الموت وتوفي الله تعالى، فأما توفي الملائكة فهو لأرباب النفوس، وهم إما سعداء وإما أشقياء، وأما توفي ملك الموت فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب وأما توفي الله تعالى فهو للموحدين الذين عرج بهم عن مقام القلب إلى محل الشهود فلم يبق بينهم وبين ربهم حجاب فهو سبحانه
стр. 1147
يتولى قبض أرواحهم بنفسه ويحشرهم إلى نفسه ، ولما لم يكن هؤلاء الظالمين من أحد الصنفين الأخيرين نسب سبحانه توفيهم إلى الملائكة، وقيد ذلك بحال ظلمهم أنفسهم فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ الطبيعة وَساءَتْ مَصِيراً لما أن نار البعد والحجاب بها موقدة إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وهم كما قال بعض العارفين: أقوياء الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم فلم يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق ولم يذعنوا لقواهم الوهبية والخيالية فيبطل استعدادهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنور استعدادهم بنور العلم وعجزهم عن السلوك برفع القيود وَالنِّساءِ أي القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي وسلوك طريق التحقيق الضعفاء القوى، قيل: وهم البله المذكورون في خبر «أكثر أهل الجنة البله» وَالْوِلْدانِ أي القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لفترة تلحقهم من قبل صفات النفس لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً لعدم قدرتهم وعجزهم عن كسر النفس وقمع الهوى وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لعدم علمهم بكيفية السلوك فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة عقائدهم وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا عن الذنوب ما لم تتغير الفطرة غَفُوراً يستر بنور صفاته صفات النفوس القابلة لذلك وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عن مقار النفس المألوفة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ أي أرض استعداده مُراغَماً كَثِيراً أي منازلا كثيرة يرغم فيها أنوف قوى نفسه وَسَعَةً أي انشراحا في الصدر لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ أي مقامه الذي هو فيه مهاجرا إلى الله بالتوجه إلى توحيد الذات وَرَسُولِهِ بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ أي الانقطاع فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ حسبما توجه إليه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ثم إنه سبحانه بعد أن أمر بالجهاد ورغب في الهجرة أردف ذلك ببيان كيفية الصلاة عند الضرورات من تخفيف المئونة ما يؤكد العزيمة على ذلك، فقال : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم أيّ سفر كان، ولذا لم يقيد بما قيد به المهاجرة، والشافعي رضي الله تعالى عنه يخص السفر بالمباح- كسفر التجارة- والطاعة- كسفر الحج- ويخرج سفر المعصية- كقطع الطريق والإباق- فلا يثبت فيه الحكم الآتي لأنه رخصة، وهي إنما تثبت تخفيفا وما كان كذلك لا يتعلق بما يوجب التغليظ لأن إضافة الحكم إلى وصف يقتضي خلافه فساد في الوضع، ولنا إطلاق النصوص مع وجود قرينة في بعضها تشعر بإرادة المطلق وزيادة قيد عدم المعصية نسخ على ما عرف في موضعه، ولأن نفس السفر ليس
بمعصية إذ هو عبارة عن خروج مديد وليس في هذا شيء من المعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة، أو مجاوره كما في الإباق فيصلح من حيث ذاته متعلق الرخصة لإمكان الانفكاك عما يجاوره كما إذا غصب خفا ولبسه فإنه يجوز له أن يمسح عليه لأن الموجب ستر قدمه ولا محظور فيه، وإنما هو في مجاوره وهو صفة كونه مغصوبا وتمامه في الأصول.
والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر، والمقصود التعميم أي إذا سافرتم في أي مكان يسافر فيه من بر أو بحر فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي حرج وإثم أَنْ تَقْصُرُوا أي في أن تقصروا، والقصر خلاف المد يقال: قصرت الشيء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، فمتعلق القصر إنما هو ذلك الشيء لا بعضه فإنه متعلق الحذف دون القصر، فقوله تعالى: مِنَ الصَّلاةِ ينبغي على هذا أن يكون مفعولا لتقصروا ومِنَ زائدة حسبما نقله أبو البقاء عن الأخفش القائل بزيادتها في الإثبات، وأما على تقدير أن تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفا والجار والمجرور في موضع الصفة- على ما نقله الفاضل المذكور عن سيبويه- أي شيئا من الصلاة فينبغي أن يصار إلى
стр. 1148
وصف الجزء بوصف الكل، أو يراد بالقصر الحبس كما في قوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ [الرحمن:
٧٢] أو يراد بالصلاة الجنس ليكون المقصود بعضا منها وهي الرباعية أي فليس عليكم جناح في أن تقصروا بعض الصلاة بتنصيفها، وقرىء «تقصروا» من أقصر ومصدره الإقصار.
وقرأ الزهري «تقصروا» بالتشديد ومصدره التقصير والكل بمعنى، وأدنى مدة السفر الذي يتعلق به القصر في المشهور- عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه- مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام بالاقتصاد في البر، وجري السفينة والريح معتدلة في البحر، ويعتبر في الجبل كون هذه المسافة من طريق الجبل بالسير الوسط أيضا، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه التقدير بالمراحل وهو قريب من المشهور.
وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث، والشافعي رحمه الله تعالى في قول: بيوم وليلة، وقدر عامة المشايخ ذلك بالفراسخ، ثم اختلفوا فقال بعضهم: أحد وعشرون فرسخا.
وقال آخرون ثمانية عشر، وآخرون خمسة عشر، والصحيح عدم التقدير بذلك، ولعل كل من قدر بقدر مما ذكر اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، والدليل على هذه المدة ما صح من
قوله ﷺ : «يمسح المقيم كمال يوم وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها»
لأنه ﷺ عمم الرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير، والقول بكون «ثلاثة أيام» ظرفا للمسافر لا ليمسح يأباه أن السوق ليس إلا لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه، وعلى تقدير كونه ظرفا للمسافر يكون يمسح مطلقا وليس بمقصود، وأيضا يبطل كونه ظرفا لذلك أن المقيم يمسح يوما وليلة إذ يلزم عليه اتحاد حكم السفر والإقامة في بعض الصور وهي صورة مسافر يوم وليلة لأنه إنما يمسح يوما وليلة وهو معلوم البطلان للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم على أن ظرفية «ثلاثة» للمسافر تستدعي ظرفية اليوم للمقيم ليتفق طرفا الحديث، وحينئذ- يكون لا يكاد ينسب إلى أفصح من نطق بالضاد ﷺ ، وربما يستدل للقصر في أقل من ثلاثة بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» فإنه يفيد القصر في الأربعة برد وهي تقطع في أقل من ثلاثة، وأجيب بأن راوي الحديث عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف عند النقلة جدا حتى كان سفيان يزريه بالكذب فليفهم، واحتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية الكريمة على عدم وجوب القصر وأفضلية الإتمام، وأيد ذلك بما
أخرجه ابن أبي شيبة والبزار والدارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله ﷺ كان يقصر في السفر ويتم»
وما
أخرجه النسائي والدارقطني وحسنه البيهقي وصححه «أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما اعتمرت مع رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ فقال: أحسنت يا عائشة»
وبما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يتم ويقصر، وعندنا يجب القصر لا محالة خلا أن بعض مشايخنا سماه عزيمة، وبعضهم رخصة إسقاط بحيث لا مساغ للإتمام لا رخصة توفية إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وجابر وجميع أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة، وهو قول مالك، وأخرج النسائي وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﵊» وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أول ما فرض الله تعالى الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذرت عنه وقالت: أنا أم المؤمنين فحيث حللت فهي داري كما اعتذر عثمان رضي الله تعالى عنه من إتمامه بأنه تأهل بمكة وأزمع الإقامة بها كما روي عن الزهري فلا يرد أنها رضي الله تعالى عنها خالف رأيها روايتها، وإذا خالف الراوي روايته في أمر لا يعمل بروايته فيه،
стр. 1149
والقول: بأن حديثها غير مرفوع لأنها لم تشهد فرض الصلاة غير مسلم لجواز أنها سمعته من النبي ﷺ ، نعم ذكر بعض الشافعية أن الخبر مؤول بأن الفرض في قولها: «فرضت ركعتين» بمعنى البيان وقد ورد بهذا المعنى ك فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم: ٢] .
وقال الطبري: معناه فرضت لمن اختار ذلك من المسافرين، وهذا كما قيل في الحاج: إنه مخير في النفر في اليوم الثاني والثالث، وأيا فعل فقد قام الفرض وكان صوابا، وقال النووي: المعنى فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الإتمام وحيث ثبتت دلائل الإتمام وجب المصير إلى ذلك جمعا بين الأدلة، وقال ابن حجر عليه الرحمة: والذي يظهر لي في جمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح كما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة، وفيه: وتركت الفجر لطول القراءة والمغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد ما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية، ويؤيده قول ابن الأثير: إن القصر كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف فيها، وقيل: القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية كما ذكره الدولابي، وقال السهيلي: إنه بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما فعلى هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها فأقرت صلاة السفر أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة انتهى.
واستبعد هذا الجمع بأنها لو كانت قبل الهجرة ركعتين لاشتهر ذلك، وقال آخرون منهم: إن الآية صريحة في عدم وجوب الإتمام، وما ذكر خبر واحد فلا يعارض النص الصريح على أنه مخصوص بغير الصبح والمغرب، وحجية العام المخصوص مختلف فيها، وذكر أصحابنا أن كثرة الأخبار، وعمل الجم الغفير من الصحابة والتابعين وجميع العترة رضي الله تعالى عنهم أجمعين بها يقوي القول بالوجوب ووردوه بنفي الجناح لأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فصرح بنفي الجناح عليهم لتطيب به نفوسهم وتطمئن إليه كما في قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا، ركن عند الشافعي رحمه الله تعالى، وعن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه تلا هذه الآية لمن استبعد الوجوب بنفي الجناح إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا جوابه محذوف لدلالة ما قبل عليه أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال أو غيره فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلخ، وقد أخذ بعضهم بظاهر هذا الشرط فقصر القصر على الخوف، وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي عليه الأئمة أن القصر مشروع في الأمن أيضا وقد تظاهرت الأخبار على ذلك
فقد أخرج النسائي، والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين»
وأخرج الشيخان، وغيرهما من أصحاب السنن عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال: «صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين»
إلى غير ذلك، ولا يتوهمن أنه مخالف للكتاب لأن التقييد بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، وأما عدمه عند عدمه فساكت عنه فإن وجد له دليل ثبت عنده أيضا، وإلا يبقى على حاله لعدم تحقق دليله لا لتحقق دليل عدمه.
وناهيك ما سمعت من الأدلة الواضحة، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما على نفي الحكم عند عدم الشرط إذا لم يكن فيه فائدة أخرى، وقد خرج الشرط هاهنا مخرج الأغلب كما قيل في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما
стр. 1150
حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
[البقرة: ٢٢٩] بل قد يقال إن الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر فكل ما ورد منه ﷺ من القصر في حال الأمن وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيان لإجمال الكتاب كما قاله شيخ الإسلام، وقال بعضهم: إن القصر في الآية محمول على قصر الأحوال من الإيماء وتخفيف التسبيح والتوجه إلى أي وجه وحينئذ يبقى الشرط على ظاهر مقتضاه المتبادر إلى الأذهان، ونسب ذلك إلى طاوس والضحاك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: قصر الصلاة إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة أن تكبر الله تعالى وتخفض رأسك إيماء راكبا كنت أو ماشيا، وقيل: إن قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ إلخ متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله.
فقد أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً فنزلت صلاة الخوف»
ولعل جواب الشرط على هذا محذوف أيضا على طرز ما تقدم، ونقل الطبرسي عن بعضهم أن القصر في الآية بمعنى الجمع بين الصلاتين وليس بشيء أصلا. وقرأ أبيّ كما قال ابن المنذر: فأقصروا من الصلاة أن يفتنكم، والمشهور أنه كعبد الله أسقط إِنْ خِفْتُمْ فقط، وأيا ما كان فإن أَنْ يَفْتِنَكُمُ في موضع المفعول له لما دل عليه الكلام بتقدير مضاف كأنه قيل: شرع لكم ذلك كراهة أَنْ يَفْتِنَكُمُ إلخ فإن استمرار الاشتغال بالصلاة لاقتدار الكافرين على إيقاع الفتنة، وقوله تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً
إما تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر، أو تعليل لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال العداوة من موجبات التعرض بالسوء، وعَدُوًّا كما قال أبو البقاء: في موضع أعداء، وقيل: هو مصدر على فعول مثل الولوع والقبول، ولَكُمْ حال منه، أو متعلق بكان.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ بيان لما قبله من النص المجمل في مشروعية القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند الضرورة التامة، والخطاب للنبي ﷺ بطريق التجريد، وتعلق بظاهره من خص صلاة الخوف بحضرته ﵊ كالحسن بن زيد، ونسب ذلك أيضا لأبي يوسف، ونقله عنه الجصاص في كتاب الأحكام، والنووي في المهذب، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده ﷺ نوابه وقوّام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﵊ كما في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣] وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم قال: «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف ولم يقضوا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكره أحد منهم وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم» وهذا يحل محل الإجماع، ويرد ما زعمه المزني من دعوى النسخ أيضا فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أي أردت أن تقيم بهم الصلاة فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى تجاه العدو للحراسة ولظهور ذلك ترك وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة المذكورة القائمة معك أَسْلِحَتَهُمْ مما لا يشغل عن الصلاة كالسيف والخنجر وعن ابن عباس أن الآخذة
стр. 1151
هي الطائفة الحارسة فلا يحتاج حينئذ إلى التقييد إلا أنه خلاف الظاهر، والمراد من الأخذ عدم الوضع وإنما عبر بذلك عنه للايذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة حتى كأنهم يأخذونها ابتداء فَإِذا سَجَدُوا أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا الركعة- كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي فلينصرفوا للحراسة من العدو.
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا بعد وهي التي كانت تحرس، ونكرها لأنها لم تذكر قبل فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الركعة الباقية من صلاتك، والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ، والمعنى- ولم يبين في الآية الكريمة- حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين، وقد بين ذلك بالسنة،
فقد أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سالم عن أبيه في قوله سبحانه: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ هي صلاة الخوف صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت التي صلت مع النبي ﷺ فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان ركعة مع رسول الله ﷺ وركعة بعد سلامه.
وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في الآية فجاءت الطائفة الأولى وذهبت إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى الركعة الأخرى بلا قراءة وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان،
وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وإنما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله ﷺ لأنهم وإن كانوا في ثانيته ﵊ في مقابلة العدو إلا أنهم في الصلاة وفي حكم المتابعة فكانت قراءة الإمام قائمة مقام قراءتهم كما هو حكم الاقتداء ولا كذلك الطائفة الأخرى لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته فلا بد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذ، وذهب بعضهم إلى أن صلاة الخوف هي ما في هذه الآية ركعة واحدة ونسب ذلك إلى ابن عباس وغيره،
فقد أخرج ابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: «فرض الله تعالى على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة،
وأخرج الأولان وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير «قال سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما فقال: الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال بينا نحن مع رسول الله ﷺ في قتال إذ أقيمت الصلاة فقام رسول الله ﷺ فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ثم انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله ﷺ فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم الأولون فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان وللقوم ركعة ركعة ثم قرأ الآية» ،
وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة ركعة فإذا قام للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو وجاء الواقفون في وجهه والإمام ينتظرهم فاقتدوا به وصلى الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم، وهذه- كما رواه الشيخان- صلاة النبي ﷺ بذات الرقاع، وهي أحد الأنواع التي اختارها الشافعي رضي الله تعالى عنه، واستشكل من ستة عشر نوعا، ويمكن حمل الآية عليها، ويكون المراد من السجود الصلاة والمعنى فإذا فرغوا من الصلاة فَلْيَكُونُوا إلخ، وأيد ذلك بأنه لا قصور في البيان عليه، وبأن ظاهر قوله سبحانه: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ أن الطائفة الأخيرة تتم الصلاة مع الإمام، وليس فيه إشعار بحراستها
стр. 1152
مرة ثانية وهي في الصلاة البتة، وتحتمل الآية، بل قيل: إنها ظاهرة في ذلك أن الإمام يصلي مرتين كل مرة بفرقة وهي صلاة رسول الله ﷺ كما رواه الشيخان أيضا- ببطن نخل، واحتمالها للكيفية التي فعلها رسول الله ﷺ بعسفان بعيد جدا، وذلك
أنه ﵊ كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد وأبو داود وغيرهما- صف الناس خلفه صفين، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع ﵊ فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا ثم سجد هو والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف ﷺ
وتمام الكلام يطلب من محله.
وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة الأخرى حِذْرَهُمْ أي احترازهم وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلا وإلا فهو أمر معنوي لا يتصف بالأخذ، ولا يضر عطف قوله سبحانه:
وَأَسْلِحَتَهُمْ عليه للجمع بين الحقيقة والمجاز لأن التجوز في التخييل في الإثبات والنسبة لا في الطرف على الصحيح، ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله تعالى: تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [الحشر: ٩] ، وقال بعض المحققين: إن هذا وأمثاله من المشاكلة لما يلزم على الكناية التصريح بطرفيها وإن دفع بأن المشبه به أعم من المذكور، وإن فسر الحذر بما يدفع به فلا كلام، ولعل زيادة الأمر بالحذر- كما قال شيخ الإسلام- في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي ﷺ في شغل شاغل، وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحراب.
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً بيان لما لأجله أمروا بأخذ السلاح، والخطاب للفريقين بطريق الالتفاف أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيحملون عليكم جملة واحدة، والمراد بالأمتعة ما يمتع به في الحرب لا مطلقا وقرىء- أمتعاتكم- والأمر للوجوب لقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ حيث رخص لهم في وضعها إذا ثقل عليهم حملها واستصحابها بسبب مطر أو مرض، وأمروا بعد ذلك بالتيقظ والاحتياط فقال سبحانه: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي بعد إلقاء السلاح للعذر لئلا يهجم عليكم العدو غيلة، واختار بعض أئمة الشافعية أن الأمر للندب، وقيدوه بما إذا لم يخف ضررا يبيح التيمم بترك الحمل، أما لو خاف وجب الحمل على الأوجه ولو كان السلاح نجسا ومانعا للسجود، وفي شرح المنهاج للعلامة ابن حجر ولو انتفى خوف الضرر وتأذى غيره بحمله كره إن خف الضرر بأن احتمل عادة، وإلا حرم، وبه يجمع بين إطلاق كراهته وإطلاق حرمته، والآية كما أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحا، وذكر أبو ضمرة،
ورواه الكلبي عن أبي صالح أن رسول الله ﷺ غزا محاربا وبني أنمار فهزمهم الله تعالى وأحرزهم الذراري والمال، فنزل رسول الله ﷺ والمسلمون ولا يرون من العدو واحدا فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه ﷺ وبين أصحابه فجلس في ظل سمرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال:
قتلني الله تعالى إن لم أقتله وانحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله ﷺ إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ : الله ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت فانكب عدو الله تعالى لوجهه وقام رسول الله ﷺ فأخذ سيفه فقال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ فقال: لا أحد قال ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله؟ قال: لا، ولكني أعهد إليك
стр. 1153
أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه فقال له غورث: لأنت خير مني، فقال رسول الله ﷺ : إني أحق بذلك فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقدر رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه؟
قال: الله أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من لزجني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد ﵊ فأخذه وأتم لهم القصة فآمن بعضهم ولم يلبث الوادي أن سكن، فقطع رسول الله ﷺ إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الآية.
إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً تعليل للأمر بأخذ الحذر أي أعدّ لهم عذابا مذلا وهو عذاب المغلوبية لكم ونصرتكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم بأيديكم، وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو موهما لغلبته واعتزازه نفي ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب، وقيل: لا يبعد أن يراد بالعذاب المهين شرع صلاة الخوف فيكون لختم الآية به مناسبة تامة، ولا يخفى بعده فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال المسابقة والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله، وقيل: المعنى وإذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف أو التحم القتال فصلوا كيفما كان، وهو الموافق لمذهب الشافعي من جوب الصلاة حال المحاربة وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، ويعذر المصلي حينئذ في ترك القبلة لحاجة القتال لا لنحو جماح دابة وطال الفصل، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح لا الصياح أو النطق بدونه ولو دعت الحاجة إليه كتنبيه من خشي وقوع مهلك به أو زجر الخيل أو الإعلام بأنه فلان المشهور بالشجاعة لندرة الحاجة ولا قضاء بعد الأمن فيه، نعم لو صلوا كذلك لسواد ظنوه ولو بإخبار عدل عدوا فبان أن لا عدو وأن بينهم وبينه ما يمنع وصوله إليهم كخندق، أو أن بقربهم عرفا حصنا يمكنهم التحصن به من غير أن يحاصرهم فيه قضوا في الأظهر، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك في غاية البعد فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ
أي أقمتم- كما قال قتادة ومجاهد- وهو راجع إلى قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ولما كان الضرب اضطرابا وكني به عن السفر ناسب أن يكنى بالاطمئنان عن الإقامة، وأصله السكون والاستقرار أي إذا استقررتم وسكنتم من السير والسفر في أمصاركم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أدوا الصلاة التي دخل وقتها وأتموها وعدلوا أركانها وراعوا شروطها وحافظوا على حدودها، وقيل: المعنى فإذا أمنتم فأتموا الصلاة أي جنسها معدلة الأركان ولا تصلوها ماشين أو راكبين أو قاعدين، وهو المروي عن ابن زيد، وقيل: المعنى فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ في الجملة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه وليس بالصحيح لما علمت من مذهبه وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤] .
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً أي مكتوبا مفروضا مَوْقُوتاً محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال فلا بدّ من إقامتها سفرا أيضا، وقيل: المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدرا في الحضر بأربع ركعات وفي السفر بركعتين فلا بدّ أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر فيه، واستدل بالآية من حمل الذكر فيما تقدم على الصلاة وأوجبها في حال القتال على خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال.
стр. 1154
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصا بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم أنتم لا تصبرون مع إنكم أولى بالصبر منهم حيث إنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة.
وجوز أن يحمل الرجاء على الخوف فالمعنى- ان الألم لا ينبغي أن يمنعكم لأن لكم خوفا من الله تعالى ينبغي أن يحترز عنه فوق الاحتراز عن الألم وليس لهم خوف يلجئهم إلى الألم وهم يختارونه لإعلاء دينهم الباطل فما لكم والوهن- ولا يخلو عن بعد، وأبعد منه ما قيل: إن المعنى أن الألم قدر مشترك وأنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى.
وقرأ أبو عبد الرحمن الأعرج «أن تكونوا» بفتح الهمزة أن لا تهنوا لأن تكونوا تألمون وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ تعليل للنهي عن الوهن لأجله، وقرىء- تئلمون كما يئلمون- بكسر حرف المضارعة، والآية قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد، وقيل: نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد، وروي ذلك عن عكرمة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً مبالغا في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون حَكِيماً فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزا بالمطلوب إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ
أخرج غير واحد عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشر رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله بعض العرب، ويقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب النبي ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال:
أو كلما قال الرجال قصيدة ... أضموا (١) فقالوا: ابن الأبيرق قالها
وكانوا أهل حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان طعام الناس بالمدينة التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك (٢) ابتاع منها فخص بها نفسه فقدمت ضافطة فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق: ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق، وقال: أنا أسرق فو الله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا: إليك عنا أيها الرجل فو الله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله ﷺ : سأنظر في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتو رجلا منهم
стр. 1155
يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة:
فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ ، فقال: الله تعالى المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ إلخ فلما نزل أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عسى في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحا ثم لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] الآية، ثم إن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه هجا سلافة فقال:
فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ... ينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفينا نبي عنده الوحي واضعه
فلما سمعت ذلك حملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح فقالت: أهديت إليّ شعر حسان ما كنت تأتيني بخير، وأخرج ابن جرير عن السدي- واختاره الطبري- أن يهوديا استودع طعمة بن أبيرق درعا فانطلق بها إلى داره فحفر لها اليهودي ودفنها فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي فإني أعرف موضع الدرع فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مليك الأنصاري فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه، وقال طعمة: أتخونون ي فانطلقوا يطلبونها في داره فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع فقال طعمة: أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ فقولوا له: ينضح عني ويكذب حجة اليهود، فأتوا رسول الله ﷺ فهمّ أن يفعل فأنزل الله تعالى الآية فلما فضح الله تعالى طعمة بالقرآن هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ونزل على الحجاج بن علاط السلمي فنقب بيته وأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابن عمي أردت أن تسرقني؟! فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا وأنزل الله تعالى فيه وَمَنْ يُشاقِقِ إلخ،
وعن عكرمة أن طعمة لما نزل فيه القرآن ولحق بقريش ورجع عن دينه وعدا على مشربة للحجاج سقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة فخرج فلقي ركبا من قضاعة فعرض لهم فقالوا: ابن سبيل منقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات، وعن ابن زيد أنه بعد أن لحق بمكة نقب بيتا يسرقه فهدمه الله تعالى عليه فقتله، وقيل: إنه أخرج فركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ وألقي في البحر.
هذا وفي تأكيد الحكم إيذان بالاعتناء بشأنه كما أن في إسناد الإنزال إلى ضمير العظمة تعظيما لأمر المسند، وتقديم المفعول الغير الصريح للاهتمام والتشويق، وقوله سبحانه: بِالْحَقِّ في موضع الحال أي إنا أنزلنا إليك القرآن متلبسا بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ برهم وفاجرهم بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما عرفك وأوحي به إليك، و «ما» موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول- لأرى- وهي من رأى بمعنى عرف المتعدية لواحد وقد تعدت لاثنين بالهمزة، وقيل: إنها من الرأي من قولهم: رأي الشافعي كذا وجعلها علمية يقتضي التعدي إلى ثلاثة مفاعيل وحذف اثنين منها أي بما أراكه الله تعالى حقا وهو بعيد، وأما جعلها- من رأى البصرية مجازا- فلا حاجة إليه وَلا تَكُنْ
стр. 1156
لِلْخائِنِينَ
وهم بنو أبيرق، أو طعمة ومن يعينه، أو هو ومن يسير بسيرته، واللام للتعليل، وقيل: بمعنى عن أي لا تكن لأجلهم أو عنهم خَصِيماً أي مخاصما للبرآء، والنهي معطوف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل: إنا أنزلنا إليك الكتاب فاحكم به وَلا تَكُنْ إلخ، وقيل: عطف على أنزلنا بتقدير قلنا، وجوز عطفه على الكتاب لكونه منزلا ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جدا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما قلت لقتادة، أو مما هممت به في أمرت طعمة وبراءته لظاهر الحال، وما قاله ﷺ لقتادة، وكذا الهمّ بالشيء خصوصا إذ يظن أنه الحق ليس بذنب حتى يستغفر منه لكن لعظم النبي ﷺ وعصمة الله تعالى له وتنزيهه عما يوهم النقص وحاشاه- أمره بالاستغفار لزيادة الثواب وإرشاده إلى التثبت وأن ما ليس بذنب مما يكاد يعدّ حسنة من غيره إذا صدر منه ﵊ بالنسبة لعظمته ومقامه المحدود يوشك أن يكون كالذنب فلا متمسك بالأمر بالاستغفار في عدم العصمة كما زعمه البعض، وقيل: يحتمل أن يكون المراد وَاسْتَغْفِرِ لأولئك الذين برؤوا ذلك الخائن إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً مبالغا في المغفرة والرحمة لمن استغفره، وقيل: لمن استغفر له وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
أي يخونونها وجعلت خيانة الغير خيانة لأنفسهم لأن وبالها وضررها عائد عليهم، ويحتمل أنه جعلت المعصية خيانة فمعنى يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
يظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام، وقيل: الخيانة مجاز عن المضرة ولا بعد فيه، والمراد بالموصول إما السارق أو المودع المكافر وأمثاله، وإما هو ومن عاونه فإنه شريك له في الإثم والخيانة، والخطاب للنبي ﷺ وهو ﵊ المقصود بالنهي، والنهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي مرتكبا للمنهي عنه، وقد يقال: إن ذلك من قبيل لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] ومن هنا قيل: المعنى لا تجادل أيها الإنسان.
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً
كثير الخيانة مفرطا فيها أَثِيماً
منهمكا في الإثم، وتعليق عدم المحبة المراد منه البغض والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان إفراط بني أبيرق وقومهم في الخيانة والإثم.
وقال أبو حيان: أتي بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد، وليس بشيء، وإرداف الخوان بالأثيم قيل: للمبالغة، وقيل: إن الأول باعتبار السرقة أو إنكار الوديعة، والثاني باعتبار تهمة البريء، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له، أو لأن وقوعهما كان كذلك، أو لتواخي الفواصل على ما قيل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
أي يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم، وأصل ذلك طلب الخفاء وضمير الجمع عائد على الذين يَخْتانُونَ
على الأظهر، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع الحال من «من» وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
أي ولا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بأن يستحى منه ويخاف من عقابه، وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه. وذكر بعض المحققين أن التعبير بذلك من باب المشاكلة وَهُوَ مَعَهُمْ
على الوجه اللائق بذاته سبحانه، وقيل: المراد أنه تعالى عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى الاستخفاء منه تعالى سوى ترك ما يؤاخذ عليه والجملة في موضع الحال من ضمير يستخفون إِذْ يُبَيِّتُونَ
أي يدبرون ولما كان أكثر التدبير مما يبيت عبر به عنه والظرف متعلق بما تعلق به ما قبله، وقيل: متعلق ب يَسْتَخْفُونَ.
حيان: أتي بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد، وليس بشيء، وإرداف الخوان بالأثيم قيل: للمبالغة، وقيل: إن الأول باعتبار السرقة أو إنكار الوديعة، والثاني باعتبار تهمة البريء، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له، أو لأن وقوعهما كان كذلك، أو لتواخي الفواصل على ما قيل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
أي يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم، وأصل ذلك طلب الخفاء وضمير الجمع عائد على الذين يَخْتانُونَ
على الأظهر، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع الحال من «من» وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
أي ولا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بأن يستحى منه ويخاف من عقابه، وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه. وذكر بعض المحققين أن التعبير بذلك من باب المشاكلة وَهُوَ مَعَهُمْ
على الوجه اللائق بذاته سبحانه، وقيل: المراد أنه تعالى عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى الاستخفاء منه تعالى سوى ترك ما يؤاخذ عليه والجملة في موضع الحال من ضمير يستخفون إِذْ يُبَيِّتُونَ
أي يدبرون ولما كان أكثر التدبير مما يبيت عبر به عنه والظرف متعلق بما تعلق به ما قبله، وقيل: متعلق ب يَسْتَخْفُونَ
. ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ من رمي البريء وشهادة الزور. قال النيسابوري: وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولا لا إشكال فيها عند القائلين بالكلام النفسي وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه سبحانه، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هاهنا فتذكر وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ
أي بعملهم أو بالذي يعملونه من الأعمال الظاهرة والخافية مُحِيطاً
أي
стр. 1157
حفيظا- كما قال الحسن- أو عالما لا يعزب عنه شيء ولا يفوت- كما قال غيره- وعلى القولين الإحاطة هنا مجاز ونظمها البعض في سلك المتشابه.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
خطاب للذابين مؤذن بأن تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع، والجملة مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا فهو بمعنى المجادلين وبه تتم الفائدة، ويجوز أن يكون أولاء اسما موصولا كما هو مذهب بعض النحاة في كل اسم إشارة، وجادَلْتُمْ
стр. 1158
صلته، فالحمل حينئذ ظاهر، والمجادلة أشد المخاصمة وأصلها من الجدل وهو شدة الفتل، ومنه قيل للصقر: أجدل والمعنى هبوا أنكم بذلتم الجهد في المخاصمة عمن أشارت إليه الأخبار في الدنيا.
فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي فمن يخاصمه سبحانه عنهم يوم لا يكتمون حديثا ولا يغني عنهم من عذاب الله تعالى شيء أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ
يومئذ وَكِيلًا
أي حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وعقابه، وأصل معنى الوكيل الشخص الذي توكل الأمور له وتسند إليه، وتفسيره بالحافظ المحامي مجاز من باب استعمال الشيء في لازم معناه، وأَمْ
هذه منقطعة كما قال السمين، وقيل: عاطفة كما نقله في الدر المصون، والاستفهام كما قال الكرخي: في الموضعين للنفي أي لا أحد يجادل عنهم ولا أحد يكون عليهم وكيلا.
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
أي شيئا يسوء به غيره كما فعل بشير برفاعة أو طعمة باليهودي أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بما يختص به كالإنكار، وقيل: السوء ما دون الشرك، والظلم الشرك، وقيل: السوء الصغيرة، والظلم الكبيرة. ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت بيسير يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
لما استغفره منه كائنا ما كان رَحِيماً
متفضلا عليه، وفيه حث لمن فيهم نزلت الآية من المذنبين على التوبة والاستغفار، قيل: وتخويف لمن لم يستغفر ولم يتب بحسب المفهوم فإنه يفيد أن من لم يستغفر حرم من رحمته تعالى وابتلي بغضبه وَمَنْ يَكْسِبْ
أي يفعل إِثْماً
ذنبا من الذنوب فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
بحيث لا يتعدى ضرره إلى غيرها فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بكل شيء ومنه الكسب حَكِيماً
في كل ما قدر وقضى، ومن ذلك لا تحمل وازرة وزر أخرى، وقيل: عَلِيماً
بالسارق حَكِيماً
في إيجاب القطع عليه، والأول أولى وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
أي صغيرة، أو ما لا عمد فيه من الذنوب.
وقرأ معاذ بن جبل يَكْسِبْ
بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب أَوْ إِثْماً
أي كبيرة، أو ما كان عن عمد، وقيل: الخطيئة الشرك والإثم ما دونه، وفي الكشاف: الإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه، وفي الكشف كأن هذا أصله، ثم استعمل في مطلق الذنب في نحو قوله تعالى: كَبائِرَ الْإِثْمِ [الشورى: ٣٧، النجم: ٣٢] ، ومن هذا يعلم ضعف ما ذكره صاحب القيل ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
أي يقذف به ويسنده، وتوحيد الضمير لأنه عائد على أحد الأمرين لا على التعيين كأنه قيل: ثُمَّ يَرْمِ
بأحد الأمرين، وقيل: إنه عائد على إِثْماً
فإن المتعاطفين- بأو- يجوز عود الضمير فيما بعدهما على المعطوف عليه نحو إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] وعلى المعطوف نحو وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها [التوبة: ٣٤] ، وقيل: إنه عائد على الكسب على حد اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] ، وقيل: في الكلام حذف أي- يرم بها وبه- وثُمَ
للتراخي في الرتبة، وقرىء بهما بَرِيئاً
مما رماه به ليحمله عقوبة العاجلة كما فعل من عنده الدرع بلبيد بن سهل، أو بأبي مليك فَقَدِ احْتَمَلَ
بما فعل من رمي البريء، وقصده تحميل جريرته عليه وهو أبلغ من حمل، وقيل: افتعل بمعنى فاقتدر وقدر بُهْتاناً
وهو الكذب على الغير بما يبهت منه ويتحير عند سماعه لفظاعته، وقيل: هو الكذب الذي يتحير في عظمه، والماضي- بهت- كمنع، ويقال في المصدر:
بهتا وبهتا وبهتا وَإِثْماً مُبِيناً
أي بينا لا مرية فيه ولا خفاء وهو صفة- لإثما- وقد اكتفي في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي على أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد هو رمي البريء بجناية نفسه.
وعبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمي البريء بجناية
стр. 1159
ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه، أما كونه بهتانا فظاهر، وأما كونه إثما فلأن كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه إلى البريء منه أيضا كذلك، بل لا يجوز ذلك قطعا كيف لا وهو كذب محرم في سائر الأديان فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة، وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة إلى رمي البريء وإلا لكان الرمي بغير جنايته مثله في العظم، ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير جنايته مع تبرئة نفسه مثله في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البريء وإجراء عقوبتها عليه كما ينبىء عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره مع ما فيه من الإشعار بثقل الوزر وصعوبة الأمر على ما يقتضيه ظاهر صيغة الافتعال، نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه إلى رمي البريء تزداد الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم فقط- كذا قاله شيخ الإسلام- ولا يخفى أنه أولى مما يفهم من ظاهر كلام الكشاف من أن في التنزيل لفا ونشرا غير مرتب حيث قال إثر قوله تعالى: فَقَدِ احْتَمَلَ
إلخ: لأنه بكسبه الإثم آثم، وبرميه البريء باهت فهو جامع بين الأمرين لخلوه عما يلزمه، وإن أجيب عنه فافهم.
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي وقيل: المراد لولا حفظه لك وحراسته إياك.
لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
أي من الذين يختانون، والمراد بهم أسير بن عروة وأصحابه أو الذابون عن طعمة المطلعون على كنه القصة العالمون بحقيقتها، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الناس، والمراد بالطائفة الذين انتصروا للسارق أو المودع الخائن، وقيل: المراد بهم وفد ثقيف،
فقد روي عن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنهم قدموا على رسول الله ﷺ وقالوا: يا محمد جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وعلى أن نتمتع بالعزى سنة، فلم يجبهم ﷺ وعصمه الله تعالى من ذلك فنزلت» .
وعن أبي مسلم أنهم المنافقون هموا بما لم ينالوا من إهلاك النبي ﷺ فحفظه الله تعالى منهم وحرسه بعين عنايته أَنْ يُضِلُّوكَ
أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق، أو عن اتباع ما جاءك في أمر الأصنام، أو بأن يهلكوك، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى، ومنه على ما قيل: قوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [السجدة: ١٠] والجملة جواب لَوْلا
وإنما نفى همهم مع أن المنفي إنما هو تأثيره فقط إيذانا بانتفاء تأثيره بالكلية، وقيل: المراد هو الهم المؤثر ولا ريب في انتفائه حقيقة.
وقال الراغب: إن القوم كانوا مسلمين ولم يهموا بإضلاله ﷺ أصلا وإنما كان ذلك صوابا عندهم وفي ظنهم وجوز أبو البقاء أن يكون الجواب محذوفا والتقدير- ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك- ثم استأنف بقوله سبحانه: لَهَمَّتْ
أي لقد همت بذلك وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
أي ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم، أو ما يهلكون إلا إياها لعود وبال ذلك وضرره عليهم، والجملة اعتراضية، وقوله تعالى: وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
عطف عليه وعطفه على أَنْ يُضِلُّوكَ
وهم محض ومِنْ
صلة، والمجرور في محل النصب على المصدرية أي وما يضرونك شيئا من الضرر لما أنه تعالى عاصمك عن الزيغ في الحكم، وأما ما خطر ببالك فكان عملا منك بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر لك أن الحقيقة على خلاف ذلك، أو لما أنه سبحانه عاصمك عن المداهنة والميل إلى آراء الملحدين والأمر بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك، أو لما أنه جل شأنه وعدك العصمة من الناس وحجبهم عن التمكن منك وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
أي القرآن الجامع بين العنوانين، وقيل: المراد
стр. 1160
بالحكمة السنة، وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك، والجملة على ما قال الأجهوري: في موضع التعليل لما قبلها، وإلى ذلك أشار الطبرسي وهو غير مسلم على ما ذهب إليه أبو مسلم. وَعَلَّمَكَ
بأنواع الوحي ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
أي الذي لم تكن تعلمه من خفيات الأمور وضمائر الصدور، ومن جملتها وجوه إبطال كيد الكائدين، أو من أمور الدين وأحكام الشرع- كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- أو من الخير والشر- كما قال الضحاك- أو من أخبار الأولين والآخرين- كما قيل- أو من جميع ما ذكر- كما يقال..
ومن الناس من فسر الموصول بأسرار الكتاب والحكمة أي إنه سبحانه أنزل عليك ذلك وأطلعك على أسراره وأوقفك على حقائقه فتكون الجملة الثانية كالتتمة للجملة الأولى، واستظهر في البحر العموم.
وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
لا تحويه عبارة ولا تحيط به إشارة، ومن ذلك النبوة العامة والرئاسة التامة والشفاعة العظمى يوم القيامة لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ أي الذين يختانون، واختار جمع أن الضمير للناس، وإليه يشير كلام مجاهد، والنجوى- في الكلام كما قال الزجاج: ما يتفرد به الجماعة، أو الاثنان، وهل يشترط فيه أن يكون سرا أم لا؟ قولان: وتكون بمعنى التناجي، وتطلق على القوم المتناجين- كإذ هم نجوى- وهو إما من باب رجل عدل، أو على أنه جمع نجي- كما نقله الكرماني- والظرف الأول خبر لا والثاني في موضع الصفة للنكرة أي كائن مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ أي إلا في نجوى من أمر بِصَدَقَةٍ فالكلام على حذف مضاف، وبه يتصل الاستثناء، وكذا إن أريد بالنجوى المتناجون على أحد الاعتبارين، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ، ويكفي في صحة الاتصال صحة الدخول وإن لم يجزم به فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن مثل جاءني كثير من الرجال إلا زيدا لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه، ولا حاجة إلى ما تكلف في دفعه- بأن المراد لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر إلخ، فإنه في كثير من نجواه خير- فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع، وجوز رحمه الله تعالى، بل زعم أنه الأولى أن يجعل إِلَّا مَنْ أَمَرَ متعلقا بما أضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل، ولا يخفى أنه إن سلم أن له معنى خلاف الظاهر، وجوز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعا على معنى لكن من أمر بصدقة وإن قلّت ففي نجواه الخير أَوْ مَعْرُوفٍ وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أصناف البر كقرض وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال إلى غير ذلك، ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع، وتخصيص الصدقة فيما تقدم بالصدقة الواجبة مما لا داعي إليه وليس له سند يعول عليه، وخص الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذانا بالاعتناء بهما لما في الأول من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني من إزالة فساد ذات البين- وهي الحالقة للدين- كما في الخبر، وقدم الصدقة على الإصلاح لما أن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل المحبوب، والنفس تنفر عمن يكلفها ذلك، ولا كذلك الأمر بالإصلاح، وذكر الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر أن عمل الخير المتعدي إلى الناس، إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة، والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، وإما رفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ولا يخفى ما فيه، والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف، نعم أبيح الكذب لذلك،
فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في