الصلاة والسلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأماراتهم ليحترزوا عنهم، ولم يعينهم حذرا عن الفتنة وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين، وقيل: ليس بمخصوص ولكنه مؤول بمن استحل ذلك، أو المراد من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخلص، وأطلق ﷺ ذلك عليه تغليظا وتهديدا له، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه، أو هو منافق في أمور الدين عرفا والمنافق في العرف يطلق على كل من أبطن خلاف ما يظهر مما يتضرر به وإن لم يكن إيمانا وكفرا، وكأنه مأخوذ من النافقاء، وليس المراد الحصر وهذا صدر منه ﷺ باقتضاء المقام، ولذا ورد في بعض الروايات «ثلاث» وفي بعضها «أربع» .
وقرأ الكوفيون الدَّرْكِ بسكون الراء وهو لغة كالسطر والسطر، والفتح أكثر وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال، وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس، ووروده في الساكن نادر كفرخ وأفراخ، وزند وأزناد.- وكونه استغني بجمع أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر، فلا يندفع به الترجيح، والكلام مخرّج مخرج الحقيقة، وزعم أبو القاسم البلخي أن لا طبقات في النار، وأن هذا إخبار عن بلوغ الغاية في العقاب كما يقال: إن السلطان بلغ فلانا الحضيض وفلانا العرش، يريدون بذلك انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة، ولا يخفى أنه خلاف ما جاءت به الآثار، ومِنَ النَّارِ في محل النصب على الحال وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الدَّرْكِ والعامل الاستقرار، والثاني أنه الضمير المستتر في الْأَسْفَلِ لأنه صفة، فيتحمل الضمير أي حال كون ذلك من النار وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً يخرجهم منه أو يخفف عنهم ما هم فيه يوم القيامة حين يكونون في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ وكون المراد وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً في الدنيا لتكون الآية وصفا لهم بأنهم خسروا الدنيا والآخرة ليس بشيء كما لا يخفى، والخطاب لكل من يصلح له إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن النفاق وهو استثناء من المنافقين، أو من ضميرهم في الخبر، أو من الضمير المجرور في لهم، وقيل: هو في موضع رفع بالابتداء والخبر ما بعد الفاء ودخلت- لما- في الكلام من معنى الشرط وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من نياتهم وأحوالهم في حال النفاق، وقيل: ثبتوا على التوبة في المستقبل، والأول أولى وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي تمسكوا بكتابه، أو وثقوا به وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه ورضاه سبحانه لا رياء الناس، ودفع الضرر كما في النفاق،
وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روح الله من المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده الناس عليه
فَأُولئِكَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصفة وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي المعهودين من الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا منذ آمنوا، والمراد أنهم معهم في الدرجات العالية من الجنة، أو معدودون من جملتهم في الدنيا والآخرة وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه ويقاسمونهم.
وفسر أبو حيان الأجر العظيم بالخلود، والتعميم أولى، والمراد بالمؤمنين هاهنا ما أريد به فيما قبله. واعتبار المساهمة جرى عليه غير واحد، ولولا تفسير الآية بذلك لم يكن لها في ذكر أحوال من تاب من النفاق معنى ظاهر.
وذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها، والمراد الإخبار بزيادة ثواب من لم يسبق منه نفاق أصلا، وعمم بعض المؤمنين ليشمل من لم يتقدم منه نفاق ومن تقدم منه وتاب عنه، والظاهر ما ذكرناه، ورسم يُؤْتِ بغير ياء، وهو مضارع مرفوع فحق يائه أن تثبت لفظا وخطا إلا أنها حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وجاء الرسم تبعا للفظ والقراء يقفون عليه دونها اتباعا للرسم إلا يعقوب فإنه يقف بالياء نظرا إلى الأصل.
وروي ذلك أيضا عن الكسائي وحمزة ونافع وادعى السمين أن الأولى اتباع الرسم لأن الأطراف قد كثر حذفها
стр. 1192
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ خطاب للمنافقين- وقيل: للمؤمنين، وضعف- مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم لا شيء آخر، فتكون الجملة مقررة لما قبلها من ثباتهم عند توبتهم، وما استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده، وقيل: نافية والباء سببية، وقيل: زائدة أي أيّ شيء يفعل الله سبحانه بسبب تعذيبكم أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب نفعا؟ أو يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك، وهو الغني المطلق المتعالي عن أمثال ذلك؟ وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم فإذا احتميتم عن النفاق ونقيتم نفوسكم بشربة الإيمان والشكر في الدنيا برئتم وسلمتم وإلا هلكتم هلاكا لا محيص عنه بالخلود في النار، وإنما قدم الشكر مع أن الظاهر تأخيره لأنه لا يعتد به إلا بعد الإيمان لما أنه طريق موصل إليه في أول درجاته، فقد ذكر العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن الشكر في الأصل اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم وله ثلاث درجات لأنه إذا نظر إلى النعمة كالرزق والخلق ينبغث منه شوق إلى معرفة المنعم وهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له تعيينه، وإنما عرف منعما ما فهو منعم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة أكبر منها، وهي المعرفة بأن المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان، ثم ينادي على ذلك الجميل باللسان، ويقول:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم وهو مقدم على الإيمان، فلا حاجة إلى ما زعمه الإمام من أن الكلام على التقديم والتأخير أي آمنتم وشكرتم، وأما القول: بأن هذا السؤال إنما هو على تقدير أن تكون الواو للترتيب، وأما إذا لم تكن للترتيب فلا سؤال فمما لا ينبغي أن يتفوه به من له أدنى ذوق في علم الفصاحة والبلاغة لأن الواو وإن لم تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدما لا يليق بالكلام الفصيح فضلا عن المعجز، ولذا تراهم يذكرون لما يخالفه وجها ونكتة، وذكر النيسابوري وجها آخر في التقديم لكنه بناه على إفادة الواو للترتيب فقال: لعل الوجه في ذلك أن الآية مسوقة في شأن المنافقين ولا نزاع في إيمانهم ظاهرا وإنما النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر هاهنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة انتهى، ولا يخفى أنه لم يحمل الشكر في الآية على الشكر المبهم، ولا يخلو عن حسن.
وأوضح منه وأطيب ما حاك في صدري، ثم رأيت العلامة الطيبي عليه الرحمة صرح به إن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين، وأن قوله سبحانه ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ متصل بقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إلخ، وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البغية العظمى، وهو الإسعاد بصحبة أفضل الخلق ﷺ والانخراط في زمرة الذين مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الفتح: ٢٩] فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله تعالى وأخلصوا دينهم له فأولئك حكمهم أن ينتظموا في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعد ما كانوا مستأهلين الدرجات السفلى من النيران، ثم التفت تعريضا لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية وإلا فإن الله تعالى غني مطلق عن عذابهم فضلا على أن يوقعهم في تلك الورطات، فقوله : إِنْ شَكَرْتُمْ فذلكة لمعنى الرجوع عن الفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله تعالى، ومن الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه، فقوله عز
стр. 1193
من قائل: وَآمَنْتُمْ تفسير له وتقرير لمعناه أي وَآمَنْتُمْ الإيمان الذي هو حائز لتلك الخلال الفواضل جامع لتلك الخصال الكوامل، فتقديم الشكر على الإيمان وحقه التأخير في الأصل إعلام بأن الكلام فيه، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان كفران نعمة الله تعالى العظمى والكفر تابع فإذا أخر الشكر أخل بهذه الأسرار واللطائف، ومن ثم ذيل سبحانه الآية على سبيل التعليل بقوله جل وعلا:
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً أي مثيبا على الشكر عَلِيماً بجميع الجزئيات والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملا إلى الشاكر، وإلى هذا ذهب الإمام، وقال غير واحد: الشاكر وكذا الشكور من أسمائه تعالى هو الذي يجزي بيسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة، وعلى التقديرين يرجع إلى صفة فعلية، وقيل: معناه المثنى على من تمسك بطاعته فيرجع إلى صفة كلامية.
هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» : أما في قوله سبحانه: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله :
وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً فقد قال النيسابوري فيه: إن النفس للروح كالمرأة للزوج، فِي يَتامَى النِّساءِ صفات النفوس، وما كُتِبَ لَهُنَّ ما أوجب الله تعالى من الحقوق.
وحاصل المعنى إن نفسك مطيتك فارفق بها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ فالروح تشح بترك حقوق الله تعالى، والنفس تشح بترك حظوظها فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ في رفض حظوظ النفس، فقد جاء في الخبر «إن لنفسك عليك حقا» فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ بين العالم العلوي والعالم السفلي وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي الروح والنفس يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ فالروح يجتذب بجذبة- خل نفسك وائتني إلى سعة غنى الله تعالى في عالم هويته- فيستغنى عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تجتذب بجذبة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] إلى سعة غنى الله تعالى في عالم فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:
٢٩، ٣٠] انتهى، ولا يخفى أن باب التأويل واسع، وما ذكره ليس بمتعين فيمكن أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد وأما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا إلخ فنقول: إنه سبحانه أمر المؤمنين بالتوحيد العلمي المريدين لثواب الدارين أن يكونا ثابتين في مقام العدالة التي في أشرف الفضائل قَوَّامِينَ بحقوقها بحيث تكون ملكة راسخة فيهم لا يمكن معها جور في شيء ولا ظهور صفة نفس لاتباع هوى في جلب نفع دنيوي أو رفع مضرة كذلك، ثم قال جل وعلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من حيث البرهان آمَنُوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث العيان أو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالإيمان التقليدي آمَنُوا بالإيمان العيني، أو المراد يا أَيُّهَا المدعون تجريد الإيمان لي من غير وساطة لا سبيل لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط، فالآية إشارة إلى الفرق بعد الجمع إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتقليد ثُمَّ كَفَرُوا إذ لم يكن للتقليد أصل ثُمَّ آمَنُوا بالاستدلال العقلي ثُمَّ كَفَرُوا إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بالشبهات والاعتراضات، وقد يكون ذلك إشارة إلى وصف أهل التردد في سلوك سبيل أولياء الله تعالى، والإيمان بأحوالهم حين هاجت رغبتهم إلى رئاسة القوم. فلما جن عليهم ليل المجاهدات لم يتحملوا وأنكروا ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم، ولما رأوا نهاية الأكابر وظنوا اللحوق بهم لو استقاموا آمنوا فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم وكراماتهم لعدم إخلاصهم وسوء استعدادهم ارتدوا وصاروا منكرين عليهم وعلى مقاماتهم وازدادوا إنكارا على إنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات واختاروا الدنيا على الآخرة وجعلوا يقولون للخلق: إن هؤلاء ليسوا على الحق فقد سلكنا ما سلكوا وخضنا ما خاضوا فلم نر إلا سرابا بقيعة، وهذا حال كثير من علماء السوء المنكرين على القوم قدس الله تعالى أسرارهم ما كان الله ليغفر لهم
стр. 1194
لمكان الريب الحاجب وفساد جوهر القلب وزوال الاستعداد وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إلى الحق ولا إلى الكمال لعدم قبولهم ذلك الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ لمناسبتهم إياهم وشبيه الشيء منجذب إليه مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لعدم الجنسية أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي أيطلبون التعزز بهم في الدنيا والتقوى بمالهم وجاههم فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فلا سبيل لهم إليها إلا منه سبحانه ، ثم ذكر سبحانه من وصف المنافقين أنهم- إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى- لعدم شوقهم إلى الحضور ونفورهم عنه لعدم استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم يُراؤُنَ النَّاسَ
لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
لأنهم لا يذكرونه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرون إليها بجناحي الرغبة والرهبة بل يحنون إلى أوقاتها.
حنين أعرابية حنت إلى ... أطلال نجد فارقته ومرخه
ومن هنا
كان ﷺ يقول لبلال: «أرحنا يا بلال»
يريد ﵊ أقم لنا الصلاة لنصلي فنستريح بها لا منها، وظن الأخير برسول الله ﷺ كفر والعياذ بالله تعالى وإذا عبدوا لا يرون إلا الله تعالى، وما قدر السوي عندهم ليراؤوه؟ وإن كل جزء منهم يذكر الله تعالى، نعم إنهم قد يشتغلون به عنه فهناك لا يتأتى لهم الذكر، وقد عد العارفون الذكر لأهل الشهود ذنبا، ولهذا قال قائلهم:
بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنكشف الرذائل والعيوب
وترك الذكر أفضل كل شيء ... وشمس الذات ليس لها مغيب
لكن ذكر بعضهم أنه لا يصل العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر، وأشار إلى مقام عال من قال:
لا يترك الذكر إلا من يشاهده ... وليس يشهده من ليس يذكره
والذكر ستر على مذكوره ستر ... فحين أذكره في الحال يستره
فلا أزال على الأحوال أشهده ... ولا أزال على الأنفاس أذكره
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لئلا تتعدى إليكم ظلمة كفرهم أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً حجة ظاهرة في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى ولايتهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ لتحيرهم بضعف استعدادهم وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ينصرهم من عذاب الله تعالى لانقطاع وصلتهم وارتفاع محبتهم مع أهل الله تعالى إِلَّا الَّذِينَ تابُوا رجعوا إلى الله تعالى ببقية نور الاستعداد وقبول مدد التوفيق وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من استعدادهم بقمع الهوى وكسر صفات النفس ورفع حجاب القوى وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ بالتمسك بأوامره والتوجه إليه سبحانه وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ بإزالة خفايا الشرك وقطع النظر عن السوي فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الصادقين وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً من مشاهدة تجليات الصفات وجنات الأفعال ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ بالتوبة وإصلاح ما فسد والاعتصام بحبل الأوامر والتوجه إلى الله وإخلاص الدين له سبحانه وَآمَنْتُمْ الإيمان الحائز لذلك وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً فيثبت ويوصل الثواب كاملا، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
«تم والحمد لله الجزء الخامس من تفسير روح المعاني، ويتلوه الجزء السادس إن شاء الله تعالى» أوله «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول» .
стр. 1195
روح المعاني الجزء السادس
стр. 1196
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ عدم محبته سبحانه لشيء كناية عن غضبه، والباء متعلقة بالجهر وموضع الجار والمجرور نصب أو رفع، ومِنَ متعلقة بمحذوف وقع حالا من السوء، والجهر بالشيء- الإعلان به، والإظهار كما يفهم من القاموس، وفي الصحاح: جهر بالقول رفع صوته به، ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت أي لا يحب الله سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائنا من القول إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي إلا جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة هو أن يدعو على من ظلمه، وعن مجاهد أن المراد لا يحب الله سبحانه أن يذم أحد أحدا أو يشكوه إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيجوز له أن يشكو ظالمه ويظهر أمره ويذكره بسوء ما قد صنعه، وعن الحسن والسدي- وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه- المراد لا يحب الله تعالى الشتم في الانتصار إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين، وجوز الحسن للرجل إذا قيل له: يا زاني أن يقابل القائل له بمثل ذلك، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن رجلا ضاف قوما فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبيّ وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم قرؤوا إِلَّا مَنْ ظُلِمَ على البناء للفاعل، فالاستثناء منقطع، والمعنى لكن الظالم يحبه أو لكنه يفعل ما لا يحبه الله تعالى فيجهر بالسوء، والموصول في محل نصب، وجوز الزمخشري أن يكون مرفوعا بالإبدال من فاعل يُحِبُّ كأنه قيل: لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو، ومنه لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] وهي لغة تميمية، وعليها قول الشاعر:
عشية ما تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
وقد نقل هذه اللغة سيبويه وأنكرها البعض، وكفى بنقل شيخ الصناعة سندا للمثبت، ونقل عن أبي حيان أنه
стр. 1197
ليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم على معنى السلاح، وأما زيد فلا يتوهم فيه عموم ولا يمكن تصحيحه إلا على أن أصله ما جاءني زيد ولا غيره، فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء وكذا الآية التي ذكرت، ورد- كما قال الشهاب- بأنه لو كان التقدير ما ذكره في المثال لكان الاستثناء متصلا والمفروض خلافه، وأن المراد- كما يفهمه كلام الطيبي- جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كأن الاستثناء مفرغ والنفي عام إلا إنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي عنه، أو لكونه مظنة توهم الإثبات، فيقولون: ما جاءني زيد إلا عمرو، والمعنى ما جاءني إلا عمرو فكذا هاهنا المعنى- لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم- فأدخل لفظ اللَّهُ تأكيدا لنفي محبته تعالى يعني لله سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك.
فإن قيل: ما بعد إِلَّا حينئذ لا يكون فاعلا وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط، أجيب بأنه إنما يكون غلطا لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو «فإن قيل» : فيكون لفظ اللَّهُ مجازا عن أحد ولا سبيل إليه، أجيب بأن لا يحب الله مؤول بلا يحب أحد، وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ اللَّهُ كذا قيل وتعقبه الشهاب بأن المستثنى منه إذا كان عاما، فإما بتقدير لفظ- كما ذكره أبو حيان- وإما بالتجوز في لفظ العلم، وكلاهما مرّ ما فيه، ولا طريق آخر للعموم، فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفي عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلا: إذا لم يحب الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم يقم عليه دليل على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء، فالأولى ما ذكره بعد بأن يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عد الاستثناء منقطعا بحسب المتبادر، والنظر إلى الظاهر.
وجوّز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقا بالسوء أي إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم والتأخير أي- ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، إلا من ظلم- وكان يقرأها كذلك، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم عَلِيماً بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم كما توهم.
ووجه ربط هذه الآية بما قبلها- على ما قاله العلامة الطيبي- أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل وعلا: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ تتميما لذلك وتعليما للعباد التخلق بأخلاقه ﷻ ، وفيه أن هذا مما لا محصل له ولا تتم به المناسبة، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضا إشارة إلى تعليم التخلق بالأخلاق العلية- كما قرره عصام الملة- ورجا أن يكون من الملهمات، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمنا (١) التعليم المذكور ليس بشيء كما لا يخفى، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق، وهو إظهار خلاف ما يبطن بيّن جل وعلا أن ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره، وقال شهاب الدين: الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه به ومحبة إظهاره تممه
стр. 1198
عز وجل بذكر ضده، فكأنه قيل: إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه، وفيه احتباك بديع إِنْ تُبْدُوا أي تظهروا خَيْراً أي خير كان من الأقوال والأفعال، وقيل المراد إِنْ تُبْدُوا جميلا حسنا من القول فيمن أحسن إليكم شكرا له على إنعامه عليكم، وقيل: المراد بالخير المال والمعنى إن تظهروا التصدق أَوْ تُخْفُوهُ أي تفعلوه سرا، وقيل: تعزموا على فعله أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوّغ لكم من مؤاخذته وأذن فيها، والتنصيص على هذا مع اندراجه في ابتداء الخير وإخفائه على أحد الأقوال للاعتداد به، والتنبيه على منزلته وكونه من الخير بمكان، وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة وتمهيدا له كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً فإن إيراد العفو في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة العفو مع القدرة ولو كان إبداء الخير وإخفاؤه أيضا مقصودا بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء على كون الله تعالى عفوّا قديرا أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة، وقال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى، وقال الكلبي: هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب من ظلمكم، وقيل: عَفُوًّا عمن عفا قَدِيراً على إيصال الثواب إليه، نقله النيسابوري وغيره إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي على ما يؤدي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبئ عنه قوله تعالى:
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ في الإيمان بأن يؤمنوا به ويكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، لكن لا يصرحون بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة، بل بطريق الالتزام كما يحكيه قوله تعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ أي نؤمن ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكفر ببعضهم كما فعل أهل الكتاب، وما ذلك إلا كفر بالله تعالى وتفريق بين الله تعالى ورسله، لأنه قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من نبي إلا وقد أخبر قومه بحقية دين نبينا ﷺ فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضا من حيث لا يشعر وَيُرِيدُونَ بهذا القول أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي الإيمان والكفر سَبِيلًا أي طريقا يسلكونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعا، إذ الحق لا يختلف، فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢] ! هذا ما ذهب إليه البعض في تفسير الآية وهو الذي تؤيده الآثار، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال فيها أولئك أعداء الله تعالى اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى ﵇، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى ﵇ وكفروا بالقرآن ومحمد ﷺ ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله وتركوا الإسلام وهو دين الله تعالى الذي بعث به ورسله، وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جريج مثله، وقال بعضهم: الذين يكفرون بالله تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع فنفوا الصانع مثلا وأنكروا النبوات، والذين يفرقون بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام لا عكسه، وإن قيل: إنه يتصور في النصارى لإيمانهم بعيسى ﵇ وكفرهم بالله تعالى حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة، والكفر بالله سبحانه شامل للشرك والإنكار إذ لا يخفى ما فيه، والذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء ﵈ وكفروا ببعضهم كاليهود، فهذه أقسام متقابلة كان الظاهر عطفها- بأو- لكن أتي بالواو بدلها فهي بمعناها، وقيل: إن الموصول مقدر بناء على جواز حذفه مع بقاء صلته، وقيل: إن قوله تعالى وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا إلخ عطف تفسيري على قوله سبحانه: يَكْفُرُونَ لأن هذه الإرادة عين الكفر بالله تعالى لأن من كفر برسل الله سبحانه فقد كفر بالله تعالى كالبراهمة، وأما قوله جل وعلا:
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ إلخ فعطف على صلة الموصول والواو بمعنى أو التنويعية، فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله
стр. 1199
تعالى ورسوله والآخرون فرقوا بين رسل الله تعالى ﵈ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود، وعلى كل تقدير فخبر إِنَّ قوله تعالى: أُولئِكَ أي الموصوفون بالصفات القبيحة هُمُ الْكافِرُونَ الكاملون في الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه إيمانا أصلا حَقًّا مصدر مؤكد لغيره وعامله محذوف أي حق ذلك أي كونهم كاملين في الكفر حقا، وجوّزوا أن يكون صفة لمصدر الكافرين، أي هم الذين كفروا كفرا حقا أي لا شك فيه ولا ريب، فالعامل مذكور وحَقًّا بمعنى اسم المفعول، وليس بمعنى مقابل الباطل، ولهذا صح وقوعه صفة صناعة ومعنى، واحتمال الحالية- كما زعم أبو البقاء- بعيد، والآية على ما زعمه البعض متعلقة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا إلخ على أنها كالتعليل له وما توسط بين العلة والمعلول من الجمل والآيات إما معترض أو مستطرد عند إمعان النظر وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ أي لهم، ووضع المظهر موضع المضمر تذكيرا بوصف الكفر الشنيع المؤذن بالعلية، وقد يراد جميع الكفار وهم داخلون دخولا أوليا.
عَذاباً مُهِيناً يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم الذي ظنوا به العزة.
стр. 1200
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة، ودخول بَيْنَ على أحد قد مرّ الكلام فيه والموصول مبتدأ خبره جملة قوله: أُولئِكَ أي المنعوتون بهذه النعوت الجليلة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أي الله تعالى أُجُورَهُمْ الموعودة لهم، فالإضافة للعهد.
وزعم بعضهم أن الخبر محذوف أي أضدادهم ومقابلوهم، والإتيان بسوف لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر لا الإخبار بأنه متأخر إلى حين، فعن الزمخشري أن يفعل الذي للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته فإذا دخل عليه سوف أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطى ما ليس فيه من أصله فهو في مقابلة لن ومنزلته من يفعل منزلة لن من لا يفعل لأن لا لنفي المستقبل فإذا وضع لن موضعه أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل فإذا كل واحد من- لن وسوف- حقيقته التوكيد، ولهذا قال سيبويه: لن يفعل نفي سوف يفعل وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال: أولئك هم المؤمنون- حقا- مع استفادته مما دل على الضدية، وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة.
وقرأ نافع وابن كثير وكثير- نؤتيهم- بالنون فلا التفات وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي والآثام رَحِيماً بهم فيضاعف حسناتهم ويزيدهم على ما وعدوا يَسْئَلُكَ يا محمد.
أَهْلُ الْكِتابِ الذين فرقوا بين الرسل أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فقالوا: إن موسى ﵇ جاء بالألواح من عند الله تعالى فأتنا بألواح من عنده تعالى فطلبوا أن يكون المنزل جملة، وأن يكون بخط سماوي، وروي ذلك عن محمد بن كعب القرظي والسدي.
وعن قتادة أنهم سألوا أن ينزل عليهم كتابا خاصا لهم، وقريب منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن جريج قال: إن اليهود قالوا لمحمد ﷺ : لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى من الله تعالى إلى فلان إنك رسول الله وإلى فلان إنك رسول الله، وما كان مقصدهم بذلك إلا التحكم والتعنت، قال الحسن: ولو سألوه ذلك استرشادا لا عنادا لأعطاهم ما سألوا فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى ﵇ شيئا أو سؤلا.
стр. 1201
أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ المذكور وأعظم، والفاء في جواب شرط مقدر والجواب مؤول ليصح الترتيب. أي إن استكبرت هذا وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في الكفر، وقيل: إنها سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا موسى ﵇ ما هو أكبر، وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا على سيرتهم في كل ما يأتون ويذرون أسند إليهم، وجعله بعض المحققين من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب، وجوز أن يكون من إسناد فعل البعض إلى الكل بناء على كمال الاتحاد نحو:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فيكون المراد بضمير سَأَلُوا جميع أهل الكتاب لصدور السؤال عن بعضهم، وأن يكون المراد بأهل الكتاب أيضا الجميع فيكون إسناد يَسْئَلُكَ إلى أهل الكتاب من ذلك الإسناد، وأن يكون المراد بهم هذا النوع ويكون المراد بيان قبائح النوع فلا تكلف ولا تجوّز لا في جانب الضمير ولا في المرجع.
وأنت تعلم أن إسناد فعل البعض إلى الكل مما ألف في الكتاب العزيز، ووقع في نحو ألف موضع.
وقرأ الحسن أكثر بالمثلثة فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ الذي أرسلك جَهْرَةً أي مجاهرين معاينين فهو في موضع الحال من المفعول الأول- كما قال أبو البقاء- ويحتمل الحالية من المفعول الثاني أي معاينا على صيغة المفعول ولا لبس فيه لاستلزام كل منهما للآخر، فلا يقال: إنه يتعين كونه حالا من الثاني لقربه منه.
وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف هو الرؤية لا الإرادة لأن الجهرة في كتب اللغة صفة للأول لا الثاني فيقال التقدير أَرِنَا نره رؤية جهرة، وقيل: يقدر المصدر الموصوف سؤالا أي سؤالا جهرة، وقيل: قولا أي قولا جهرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: إنهم إذا رأوه فقد رأوه إنما قالوا جَهْرَةً أَرِنَا اللَّهَ تعالى فهو مقدم ومؤخر- وفيه بعد- والفاء تفسيرية فَأَخَذَتْهُمُ أي أهلكتهم لما سألوا وقالوا ما قالوا الصَّاعِقَةُ وهي نار جاءت من السماء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: الصَّاعِقَةُ الموت أماتهم الله تعالى قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله تعالى أن يميتهم، ثم بعثهم، وفي ثبوت ذلك تردد.
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه- الصعقة- بِظُلْمِهِمْ أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحالة التي كانوا عليها، وإنكار طلب الكفار للرؤية تعنتا لا يقتضي امتناعها مطلقا، واستدل الزمخشري بالآية على الامتناع مطلقا، وبنى ذلك على كون الظلم المضاف إليهم لم يكن إلا لمجرد أنهم طلبوا الرؤية ثم قال: ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا به ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم ﵊ إحياء الموتى فلم يسمه ظالما ولا رماه بالصواعق، ثم أرعد وأبرق ودعا على مدعي جواز الرؤية بما هو به أحق.
وأنت تعلم أن الرجل قد استولى عليه الهوى فغفل عن كون اليهود إنما سألوا تعنتا ولم يعتبروا المعجز من حيث هو مع أن المعجزات سواسية الإقدام في الدلالة ويكفيهم ذلك ظلما، والتنظير بسؤال إبراهيم ﵊ من العجب العجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ وعبدوه.
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي المعجزات التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء، وفلق البحر وغيرها، أو الحجج الواضحة الدالة على ألوهيته تعالى ووحدته لا التوراة لأنها إنما نزلت عليهم بعد الاتخاذ فَعَفَوْنا
стр. 1202
عَنْ ذلِكَ
الاتخاذ حين تابوا، وفي هذا على ما قيل: استدعاء لهم إلى التوراة كأنه قيل: إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى نعفو عنكم.
وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي تسلطا ظاهرا عليهم حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم، وهذا على ما قيل: وإن كان قبل العفو فإن الأمر بالقتل كان قبل التوبة لأن قبول القتل كان توبة لهم، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، واستظهر أن لا يجعل التسلط ذلك التسلط بل تسلطا بعد العفو حيث انقادوا له ولم يتمكنوا بعد ذلك من مخالفته وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ وهو ما روي عن قتادة جبل كانوا في أصله فرفعه الله تعالى فجعله فوقهم كأنه ظلة، وكان كمعسكرهم قدر فرسخ في فرسخ وليس هو- على ما في البحر- الجبل المعروف بطور سيناء، والظرف متعلق- برفعنا- وجوز أن يكون حالا من الطور أي رفعنا الطور كائنا فوقهم بِمِيثاقِهِمْ أي بسبب ميثاقهم ليعطوه- على ما روي- أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع عليهم فقبلوها، أو ليخافوا فلا ينقضوا الميثاق- على ما روي- أنهم هموا بنقضه فرفع عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض، قيل: وهو الأنسب بقوله تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [الأحزاب: ٧] ، وزعم الجبائي أن المراد بنقض ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة فنقضوه بعبادة العجل، وفيه أن التوراة إنما نزلت بعد عبادتهم العجل كما مر آنفا فلا يتأتى هذا، وقال أبو مسلم: إنما رفع الله تعالى الجبل فوقهم إظلالا لهم من الشمس جزاء لعهدهم وكرامة لهم، ولا يخفى أن هذا خرق لإجماع المفسرين، وليس له مستند أصلا.
وَقُلْنا لَهُمُ على لسان يوشع ﵇ بعد مضي زمان التيه ادْخُلُوا الْبابَ قال قتادة فيما رواه ابن المنذر وغيره عنه: كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: هو إيلياء، وقيل: أريحا، وقيل: هو اسم قرية، أو قُلْنا لَهُمُ على لسان موسى ﵇ والطور مظل عليهم ادْخُلُوا الْبابَ المذكور إذا خرجتم من التيه، أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها لأنهم لم يخرجوا من التيه في حياته ﵇، والظاهر عدم القيد سُجَّداً متطامنين خاضعين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ركعا، وقيل: ساجدين على جباهكم شكرا لله تعالى وَقُلْنا لَهُمُ على لسان داود ﵇ لا تَعْدُوا أي لا تتجاوزوا ما أبيح لكم أو لا تظلموا باصطياد الحيتان فِي السَّبْتِ ويحتمل- كما قال القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله- أن يراد على لسان موسى ﵇ حين ظلل الجبل عليهم فإنه شرع السبت لكن كان الاعتداء فيه، والمسخ في زمن داود ﵇، وقرأ ورش عن نافع لا تَعْدُوا بفتح العين وتشديد الدال، وروي عن قالون تارة سكون العين سكونا محضا، وتارة إخفاء فتحة العين، فأما الأول فأصلها- تعتدوا- لقوله تعالى: اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [البقرة: ٦٥] فإنه يدل على أنه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان. فأريد إدغام تائه في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالا وأدغمت، وأما السكون المحض فشيء لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير حدّهما، وأما الإخفاء والاختلاس فهو أخف من ذلك لما أنه قريب من الإتيان بحركة ما، وقرأ الأعمش «تعتدوا» على الأصل، وأصل تَعْدُوا في القراءة المشهورة- تعدووا- بواوين الأولى واو الكلمة والثانية ضمير الفاعل فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول- وهو الواو الأولى- وبقي ضمير الفاعل وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي عهدا وثيقا مؤكدا بأن يأتمروا بأوامر الله تعالى وينتهوا عن مناهيه، قيل: هو قولهم: سمعنا وأطعنا وكونه مِيثاقاً ظاهر، وكونه غَلِيظاً يؤخذ من التعبير بالماضي، أو من عطف الإطاعة على السمع بناء على تفسيره بها، وفي أخذ ذلك مما ذكر خفاء لا يخفى، وحكي أنهم بعد أن قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله
стр. 1203
تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور، وزعم بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد ﷺ والإيمان به، وهو المذكور في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ [آل عمران: ٨١] الآية، وكونه غَلِيظاً باعتبار أخذه من كل نبي نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو ميثاق مؤكد متكرر، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضا، والباء للسببية وما مزيد لتوكيدها، والإشارة إلى أنها سببية قوية، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم على العامل إن التزم هنا، وجوز أن تكون- ما- نكرة تامة، ويكون نَقْضِهِمْ بدلا منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم، وإن شئت أخرت العامل.
واختار أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخرا لوروده مصرحا به كذلك في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: ١٣] ، وجوز غير واحد تعلق الجار- بحرمنا- الآتي على أن قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ بدل من قوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ، وإليه ذهب الزجاج، وتعقبه في البحر بأن فيه بعدا لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سببا إلا بتأويل بعيد، وبيان ذلك أن قولهم- على مريم بهتانا عظيما- وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ، متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم، واستحسنه السفاقسي، ثم قال: وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه، وفيه بحث، وجعل العلامة الثاني الفاء في فَبِظُلْمٍ على هذا التقدير تكرارا للفاء في فَبِما نَقْضِهِمْ عطفا على أخذنا منهم، أو جزاء شرط مقدر، واستبعده أيضا من وجهين: لفظي ومعنوي، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط، والثاني بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتب عليه، ثم قال: ولو جعلت الفاء للعطف على فَبِما نَقْضِهِمْ كما في قولك: بزيد وبحسنه، أو فبحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله بدلا، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ورد بأن ذلك لا يصلح مفسرا ولا قرينة للمحذوف، أما الأول فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وأما الثاني فلأنه استطراد يتم الكلام دونه وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه.
والحاصل أنه لا بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك، ومنه يعلم أنه لا مورد للنظر بأن الطبعين متوافقان في العروض، أحدهما بالكفر، والآخر بالنقض، وقيل: هو متعلق بلا يؤمنون، والفاء زائدة، وقيل: بما دل عليه ولا يخفى ردّ ذلك وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي حججه الدالة على صدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام والقرآن، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم العمل به.
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ كزكريا ويحيى ﵉ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع غلاف بمعنى الظرف، وأصله غلف بضمتين فخفف، أي أوعية للعلم فنحن مستغنون بما فيها عن غيره، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعطاء، وقال الكلبي: يعنون أن قلوبنا بحيث لا يصل إليها شيء إلا وعته ولو كان في حديثك شيء لوعته أيضا، ويجوز أن يكون جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية خلقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد ﷺ فيكون كقوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: ٥] .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ كلام معترض بين المعطوفين جيء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى رد
стр. 1204
زعمهم الفاسد، أي ليس الأمر كما زعمتم من أنها أوعية العلم فإنها مطبوع عليها محجوبة من العلم لم يصل إليها شيء منه كالبيت المقفل المختوم عليه، والباء للسببية، وجوز أن تكون للآلة، ويجوز أن يكون المعنى ليس عدم وصول الحق إلى قلوبكم لكونها في أكنة وحجب خلقية كما زعمتم بل لأن الله تعالى ختم عليها بسبب كفركم الكسبي، وهذا الطبع بمعنى الخذلان والمنع من التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ عند الكثير وطبع حقيقي عند البعض، وأيد بما
أخرجه البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: «الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترأ على الله تعالى بعث الله تعالى الطابع فطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا» وأخرجه البيهقي أيضا في الشعب
إلا أنه ضعفه.
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا فهو كالتصديق بنبوّة موسى ﵇ وهو غير مفيد لأن الكفر بالبعض كفر بالكل كما مر، أو صفة لزمان محذوف أي زمانا قليلا، أو نصب على الاستثناء من ضمير فَلا يُؤْمِنُونَ أي إِلَّا قَلِيلًا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، ورده السمين بأن الضمير عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان، وأجيب بأن المراد بما مر الإسناد إلى الكل ما هو للبعض باعتبار الأكثر.
وقال عصام الملة: كما يجب استثناء القليل من عدم الإيمان المتفرع على الطبع على قلوبهم يجب استثناء قليل من القلوب من قلوبهم، فكأن المراد بل طبع الله تعالى على أكثرها فليفهم وَبِكُفْرِهِمْ عطف على- بكفرهم- الذي قبله، ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف الكفر بعيسى ﵇ والمراد بالكفر المعطوف عليه، إما الكفر المطلق أو الكفر بمحمد ﷺ لاقترانه بقوله تعالى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقد حكى الله عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له ﵊ في مواضع، ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية.
وقد يعتبر في جانب المعطوف المجموع، ومغايرته للمفرد المعطوف عليه ظاهرة، أو عطف على فَبِما نَقْضِهِمْ ويجوز اعتبار عطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله، ولا يتوهم المحذور، وإن قلنا باتحاد الكفر أيضا لمغايرة المجموع للمجموع وإن لم يغاير بعض أجزائه بعضا، وقد يقال بمغايرة الكفر في المواضع الثلاثة بحمله في الأخيرين على ما أشرنا إليه، وفي الأول على الكفر بموسى ﵇ لاقترانه بنقض الميثاق، وتقدم حديث العدو في السبت وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً لا يقادر قدره حيث نسبوها- وحاشاها- إلى ما هي عنه في نفسها بألف ألف منزل، وتمادوا على ذلك غير مكترثين بقيام المعجزة بالبراءة، والبهتان الكذب الذي يتحير من شدته وعظمه، ونصبه على أنه مفعول به- لقولهم- وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولا بهتانا، وقيل:
هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين وَقَوْلِهِمْ على سبيل التبجح.
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ذكروه بعنوان الرسالة تهكما واستهزاء كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر: ٦] إلخ، ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناء على قوله ﵊ وإن لم يعتقدوه، وقيل: إنهم وصفوه بغير ذلك من صفات الذم فغير في الحكاية، فيكون من الحكاية لا من المحكي، وقيل: هو استئناف منه مدحا له ﵊ ورفعا لمحله وإظهارا لغاية جراءتهم في تصديهم لقتله ونهاية وقاحتهم في تبجحهم وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ حال أو اعتراض وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- أن رهطا من اليهود سبوه ﵇ وأمه فدعا عليهم فمسخوا قردة وخنازير فبلغ
стр. 1205
ذلك يهوذا رأس اليهود فخاف فجمع اليهود فاتفقوا على قتله فساروا إليه ليقتلوه فأدخله جبريل ﵇ بيتا ورفعه منه إلى السماء ولم يشعروا بذلك فدخل عليه طيطانوس ليقتله فلم يجده وأبطأ عليهم وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى ﵇ فلما خرج قتلوه وصلبوه.
وقال وهب بن منبه في خبر طويل رواه عنه ابن المنذر: «أتى عيسى ﵇ ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صيرهم الله تعالى كلهم على صورة عيسى ﵇ فقالوا لهم:
سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى ﵇ أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟
فقال رجل منهم: أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى فقتلوه وصلبوه ورفع الله تعالى عيسى ﵇» ،
وبه قال قتادة والسدي ومجاهد وابن إسحاق، وإن اختلفوا في عدد الحواريين ولم يذكر أحد غير وهب أن شبهه ﵇ ألقي على جميعهم بل قالوا: ألقي شبهه على واحد ورفع عيسى ﵇ من بينهم.
ورجح الطبري قول وهب، وقال: إنه الأشبه، وقال أبو علي الجبائي: إن رؤساء اليهود أخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه على موضع عال ولم يمكنوا أحدا من الدنو منه فتغيرت حليته، وقالوا: إنا قتلنا عيسى ليوهموا بذلك على عوامهم لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي به عيسى ﵇ فلما دخلوه ولم يجدوه فخافوا أن يكون ذلك سببا لإيمان اليهود ففعلوا ما فعلوا، وقيل: كان رجل من الحواريين ينافق عيسى ﵇ فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه وأخذ على ذلك ثلاثين درهما فدخل بيت عيسى ﵇ فرفع ﵇ وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى ﵇، وقيل: غير ذلك، وشُبِّهَ مسند إلى الجار والمجرور، والمراد وقع لهم تشبيه بين عيسى ﵇ ومن صلب، أو في الأمر- على قول الجبائي- أو هو مسند إلى ضمير المقتول الذي دل عليه إنا قتلنا أي شُبِّهَ لَهُمْ من قتلوه بعيسى ﵇، أو الضمير للأمر وشُبِّهَ من الشبهة أي التبس عليهم الأمر بناء على ذلك القول، وليس المسند إليه ضمير المسيح ﵊ لأنه مشبه به لا مشبه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في شأن عيسى ﵇ فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعضهم: إنه كان كاذبا فقتلناه حقا، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟! وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من سمع منه- إن الله تعالى يرفعني إلى السماء- إنه رفع إلى السماء، وقالت النصارى الذين يدعون ربوبيته ﵇: صلب الناسوت وصعد اللاهوت، ولهذا لا يعدون القتل نقيصة حيث لم يضيفوه إلى اللاهوت ويرد هؤلاء أن ذلك يمتنع عنه اليعقوبية القائلين: إن المسيح قد صار بالاتحاد طبيعة واحدة إذ الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميز عن لاهوت والشيء الواحد لا يقال: مات ولم يمت، وأهين ولم يهن.
وأما الروم القائلون: بأن المسيح بعد الاتحاد باق على طبيعتين، فيقال لهم: فهل فارق اللاهوت ناسوته عند القتل؟ فإن قالوا: فارقه فقد أبطلوا دينهم، فلم يستحق المسيح الربوبية عندهم إلا بالاتحاد، وإن قالوا: لم يفارقه فقد التزموا ما ورد على اليعقوبية وهو قتل اللاهوت مع الناسوت، وإن فسروا الاتحاد بالتدرع وهو أن الإله جعله مسكنا وبيتا ثم فارقه عند ورود ما ورد على الناسوت أبطلوا إلهيته في تلك الحالة، وقلنا لهم: أليس قد أهين؟ وهذا القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف اللاهوت لمسكنه أن تناله هذه النقائص، فإن كان قادرا على نفيها فقد أساء مجاورته ورضي بنقيصته وذلك عائد بالنقص عليه في نفسه، وإن لم يكن قادرا فذلك أبعد له عن عز الربوبية، وهؤلاء ينكرون إلقاء الشبه، ويقولون: لا يجوز ذلك لأنه إضلال، ورده أظهر من أن يخفى، ويكفي في إثباته أنه لو لم يكن ثابتا
стр. 1206
لزم تكذيب المسيح، وإبطال نبوته بل وسائر النبوات على أن قولهم في الفصل: إن المصلوب قال: إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني، وهو ينافي الرضا بمرّ القضا ويناقض التسليم لأحكام الحكيم، وأنه شكا العطش وطلب الماء والإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي أربعين يوما وليلة إلى غير ذلك مما لهم فيه إن صح مما ينادي على أن المصلوب هو الشبه كما لا يخفى.
فالمراد من الموصول ما يعم اليهود والنصارى جميعا لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي لفي تردد، وأصل- الشك- أن يستعمل في تساوي الطرفين وقد يستعمل في لازم معناه، وهو التردد مطلقا وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضا بقوله سبحانه: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ والاستثناء منقطع، أي لكنهم يتبعون الظن.
وجوز أن يفسر الشك بالجهل، والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزما كان أو غيره فالاستثناء حينئذ متصل، وإليه ذهب ابن عطية إلا أنه خلاف المشهور، وما قيل: إن اتباع الظن ليس من العلم قطعا فلا يتصور اتصاله فمدفوع بأن من قال به جعله بمعنى الظن المتبع وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً الضمير لعيسى ﵇ كما هو الظاهر أي ما قتلوه قتلا يقينا، أو متيقنين، ولا يرد أن نفي القتل المتيقن يقتضي ثبوت القتل المشكوك لأنه لنفي القيد ولا مانع من أنه قتل في ظنهم فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر كذلك فلا حاجة إلى التزام جعل يقينا مفعولا مطلقا لفعل محذوف، والتقدير تيقنوا ذلك يقينا، وقيل: هو راجع إلى العلم وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة أي وما قتلوا العلم يَقِيناً من قولهم: قتلت العلم والرأي، وقتلت كذا علما إذا تبالغ علمك فيه، وهو مجاز كما في الأساس، والمعنى ما علموه يقينا، وقيل: الضمير للظن أي ما قطعوا الظن يَقِيناً ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي، وحكى ابن الأنباري أن في الكلام تقديما وتأخيرا، وأن يَقِيناً متعلق بقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أي بل رفعه سبحانه إليه يقينا، ورده في البحر بأنه قد نص الخليل على أنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها، والكلام ردّ وإنكار لقتله وإثبات لرفعه ﵊، وفيه تقدير مضاف عند أبي حيان أي إلى سمائه، قال: وهو حي في السماء الثانية على ما صح عن النبي ﷺ في حديث المعراج، وهو هنالك مقيم حتى ينزل إلى الأرض يقتل الدجال ويملؤها عدلا كما ملئت جورا ثم يحيا فيها أربعين سنة أو تمامها من سنّ رفعه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين سنة ويموت كما تموت البشر ويدفن في حجرة النبي ﷺ ، أو في بيت المقدس، وقال قتادة: رفع الله تعالى عيسى ﵇ إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا، وهذا الرفع على المختار كان قبل صلب الشبه، وفي إنجيل لوقا ما يؤيده وأما رؤية بعض الحواريين له ﵇ بعد الصلب فهو من باب تطور الروح، فإن للقدسيين قوة التطور في هذا العالم وإن رفعت أرواحهم إلى المحل الأسنى، وقد وقع التطور لكثير من أولياء هذه الأمة، وحكاياتهم في ذلك يضيق عنها نطاق الحصر وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب فيما يرده حَكِيماً في جميع أفعاله فيدخل فيه تدبيراته سبحانه في أمر عيسى ﵇ وإلقاء الشبه على من ألقاه دخولا أوليا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو هم والنصارى كما ذهب إليه كثير من المفسرين وَإِنْ نافية بمعنى ما، وفي الجار والمجرور وجهان: أحدهما أنه صفة لمبتدأ محذوف، وقوله تعالى: إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ جملة قسمية، والقسم مع جوابه خبر المبتدأ ولا يرد عليه أن القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم، ولا ينافيه كون جواب القسم لا محل له لأن ذلك من حيث كونه جوابا فلا يمتنع كونه له محل باعتبار آخر لو سلم
стр. 1207
أن الخبر ليس هو المجموع، والتقدير وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به، والثاني أنه متعلق بمحذوف وقع خبرا لذلك المبتدأ، وجملة القسم صفة له لا خبر، والتقدير وإن أحد إلا ليؤمنن به كائن من أهل الكتاب ومعناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب، وهو كلام مفيد، فالاعتراض على هذا الوجه- بأنه لا ينتظم من أحد والجار والمجرور إسناد لأنه لا يفيد- لا يفيد لحصول الفائدة بلا ريب، نعم المعنى على الوجه الأول كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته، والظاهر أنه المقصود، وأنه أتم فائدة، والاستثناء مفرغ من أعم الأوصاف، وأهل الكوفة يقدرون موصولا بعد إلا، وأهل البصرة يمنعون حذف الموصول وإبقاء صلته، والضمير الثاني راجع للمبتدأ المحذوف أعني أحد والأول لعيسى ﵇ فمفاد الآية أن كل يهودي ونصراني يؤمن بعيسى ﵇ قبل أن تزهق روحه
بأنه عبد الله تعالى ورسوله، ولا ينفعه إيمانه حينئذ لأن ذلك الوقت لكونه ملحقا بالبرزخ لما أنه ينكشف عنده لكل الحق ينقطع فيه التكليف، ويؤيد ذلك أنه قرأ أبي- ليؤمنن به قبل موتهم- بضم النون وعود ضمير الجمع لأحد ظاهر لكونه في معنى الجمع، وعوده لعيسى ﵇ غير ظاهر.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الآية كذلك فقيل له: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء، فقيل: أرأيت إن ضرب عنقه؟ قال: يتلجلج بها لسانه.
وأخرج ابن المنذر أيضا عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله تعالى ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئا فقلت: رفعت إليك على غير وجهها إن النصراني إذا خرجت روحه- أي إذا قرب خروجها كما تدل عليه رواية أخرى عنه- ضربته الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنه الله تعالى، وأنه ابن الله سبحانه، وأنه ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، وأن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم، فقال:
من أين أخذتها؟ فقلت: من محمد بن علي، قال: لقد أخذتها من معدنها، قال شهر: وايم الله تعالى ما حدثنيه إلا أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه، والإخبار بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا إليه مع انتفاء جدواه، وقيل: الضميران لعيسى ﵇، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد، واختاره الطبراني، والمعنى أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى ﵇ إلا ليؤمنن به قبل أن يموت وتكون الأديان كلها دينا واحدا،
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل. ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما»
قال: وتلا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وقيل: الضمير الأول لله تعالى ولا يخفى بعده، وأبعد من ذلك أنه لمحمد ﷺ ، وروي هذا عن عكرمة، ويضعفه أنه لم يجر له ﵊ ذكر هنا، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه، لا أنه- كما زعم الطبري- لو كان صحيحا لما جاز إجراء أحكام الكفار على أهل الكتاب بعد موتهم لأن ذلك الإيمان إنما هو في حال زوال التكليف فلا يعتد به وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ أي عيسى ﵇ عَلَيْهِمْ أي أهل الكتاب شَهِيداً فيشهد على اليهود بتكذيبهم إياه وعلى النصارى بقولهم فيه: إنه ابن الله تعالى، والظرف متعلق- بشهيدا- وتقديمه يدل على جواز تقديم خبر كان مطلقا، أو إذا كان ظرفا أو مجرورا لأن
стр. 1208
المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله، وجوز أبو البقاء كون العامل فيه يكون.
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي تابوا من عبادة العجل، والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الأشياء والنظائر صادر عنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا، فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، ومع ذلك كانوا يفترون على الله تعالى الكذب ويقولون: لسنا بأول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهم الصلاة والسلام حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله سبحانه: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [آل عمران: ٩٣] الآية، وقد تقدم الكلام فيها، وذهب بعض المفسرين أن المحرم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام مفصلا.
واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذ كفر بمحمد ﷺ ، وبعيسى ﵇ ولا ما أشار إليه قوله تعالى: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي ناسا كثيرا، أو صدا، أو زمانا كثيرا وقيل في جوابه: إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل، وهذا معطوف على الظلم وجعله، وكذا ما عطف عليه في الكشاف بيانا له، وهو- كما قال بعض المحققين- لدفع ما يقال: إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل بِصَدِّهِمْ متعلقا بمحذوف فلا إشكال عليه، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بيانا للأول كما إذا قلت: بذنب ضربت زيدا وبسوء أدبه، فإن المراد فيه لا بغير ذنب، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفادا من غير التقديم، وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى:
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولا للمعطوف عليه، وحيث فصل بمعموله لم تعد، وجملة وَقَدْ نُهُوا حالية، وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا، وأن النهي يدل على حرمة المنهي عنه، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم- كعبد الله بن سلام وأضرابه- عَذاباً أَلِيماً سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم، وذكر في البحر أن التحريم كان عاما للظالم وغيره، وأنه من باب وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:
٢٥] دون العذاب، ولذا قال سبحانه: لِلْكافِرِينَ دون- لهم- وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضا فتدبر لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ استدراك من قوله سبحانه: وَأَعْتَدْنا إلخ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا، ومِنْهُمْ في موضع الحال أي لكن الثابتون المتقنون منهم في العلم المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة، والمراد بهم عبد الله بن سلام وأسيد وثعلبة وأضرابهم، وفي المذكورين نزلت الآية كما أخرجه البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وَالْمُؤْمِنُونَ أي منهم، وإليه يشير كلام قتادة، وقد وصفوا بالإيمان بعد ما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما مر، وقوله سبحانه: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب على الأنبياء والرسل حال من- المؤمنون- مبينة لكيفية إيمانهم، وقيل: اعتراض مؤكد لما قبله، وقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال سيبويه وسائر البصريين: نصب على المدح، وطعن فيه الكسائي بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام، وهنا ليس كذلك لأن الخبر سيأتي، وأجيب بأنه لا دليل على أنه لا
стр. 1209
يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره، وحكى ابن عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف لأن القطع لا يكون في العطف وإنما يكون في النعوت، ومن ادعى أن هذا من باب القطع في العطف تمسك بما أنشده سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله:
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي
وقال الكسائي: هو مجرور بالعطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قيل: وليس المراد بإقامة الصلاة على هذا أداؤها بل إظهارها بين الناس وتشريعها ليكون وصفا خاصا، وقيل: المراد بالمقيمين الملائكة لقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] ، وقيل: المسلمون بتقدير مضاف أي وبدين المقيمين، وقال قوم: إنه معطوف على ضمير مِنْهُمْ، وقيل ضمير إِلَيْكَ، وقيل: ضمير قَبْلِكَ والبصريون لا يجيزون هذه الأوجه الثلاثة لما فيها من العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد تقدم الكلام في ذلك، وزعم بعض المتأخرين أن الأشبه نصبه على التوهم لكون السابق مقام- لكن- المثقلة وضع موضعها لكِنِ المخففة، ولا يخفى ما فيه، وبالجملة لا يلتفت إلى من زعم أن هذا من لحن القرآن، وأن الصواب والمقيمون بالواو كما في مصحف عبد الله، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي إذ لا كلام في نقل النظم تواترا فلا يجوز اللحن فيه أصلا، وأما ما روي أنه لما فرغ من المصحف أتى به إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا، فقد قال السخاوي: إنه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماما يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلا إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم كيف يقيمه غيرهم؟! وتأول قوم اللحن في كلامه على تقدير صحته عنه بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله:
منطق رائع وتلحن أحيا ... نا وخير الكلام ما كان لحنا
أي المراد به الرمز بحذف بعض الحروف خطا كألف الصابرين مما يعرفه القراء إذا رأوه، وكذا زيادة بعض الحروف وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر.
ثم الظاهر أن المقيمين على قراءة الرفع معطوف على سابقه وينزل أيضا التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، والعطف على ضمير يُؤْمِنُونَ ليس بشيء وكذا الحال في قوله تعالى:
وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولا بكونهم راسخين في علم الكتاب لا يعترضهم شك ولا تزلزلهم شبهة إيذانا بأن ذلك موجب للإيمان وأن من عداهم إنما بقوا مصرين لعدم رسوخهم فيه، بل هم كريشة في بيداء الضلال تقلبهم زعازع الشكوك والأوهام، ثم بكونهم مؤمنين بجميع ما أنزل من الكتاب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الأحكام، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات البدنية والمالية، ولما أن في إقامة الصلاة على وجهها انتصابا بين يدي الحق ﷻ ، وانقطاعا عن السوي، وتوجها إلى المولى كسا المقيمين حلة النصب ليهون عليهم النصب وقطعهم عن التبعية، فيا ما أحيلى قطع يشير إلى الاتصال بأعلى الرتب، ثم وصفهم بكونهم بالمبتدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم الإيمان بقطريه، وإحاطتهم به من طرفيه، وتعريضا بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا مؤمنين بواحد منهما حقيقة لأنهم قد مزجوا الشهد سما وغدوا عن اتباع الحق الصرف عميا وصما أُولئِكَ إشارة إلى
стр. 1210
الموصوفين بما تقدم من الصفات الجليلة الشأن المحكمة البنيان، وهو مبتدأ وقوله تعالى: سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً خبره، والجملة خبر المبتدأ الذي هو الراسخون، والسين لتوكيد الوعد كما قدمنا، وتنكير الأجر للتفخيم كما مر غير مرة، ولا يخفى ما في هذا من المناسبة التامة بين طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم، وجوز غير واحد من المفسرين كون خبر المبتدأ الأول جملة يُؤْمِنُونَ وحمل المؤمنين على أصحاب النبي ﷺ ممن عدا أهل الكتاب والمناسبة عليه غير تامة، وذهب بعضهم إلى أن الاستدراك إنما هو من قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ [النساء: ١٥٣] الآية كأنه قيل: لكن هؤلاء لا يسألونك ما يسألك هؤلاء الجهال من إنزال كتاب من السماء لأنهم قد علموا صدق قولك فيما قرؤوا من الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب اتباعك عليهم فلا حاجة بهم أن يسألوك معجزة أخرى إذ قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم ما يكفيهم عن ذلك، وروي هذا عن قتادة وتجاوب طرفي الاستدراك عليه أتم منه على قول الجمهور. وقرأ حمزة «سيؤتيهم» بالياء مراعاة لظاهر قوله تعالى: الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي كشأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين لا ريب في نبوّتهم، وقيل: هو تعليل لقوله تعالى: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
وأخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم الله تعالى أنزل على بشر من شيء بعد موسى ﵇ فأنزل الله تعالى هذه الآية»
والكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح ﵇، أو حال من ذلك المصدر المقدر معرفا كما هو رأي سيبويه أي إنا أوحينا الإيحاء مشبها بإيحائنا إلخ، وما في الوجهين مصدرية.
وجوّز أبو البقاء أن تكون موصولة فيكون الكاف مفعولا به أي أوحينا إليك مثل الذي أوحيناه إلى نوح من التوحيد وغيره وليس بالمرضي: ومِنْ بعده متعلق- بأوحينا- ولم يجوّزوا أن يكون حالا من النبيين لأن ظروف الزمان لا تكون أحوالا للجثث، وبدأ سبحانه بنوح ﵇ تهديدا لهم لأنه أول نبي عوقب قومه، وقيل: لأنه أول من شرع الله تعالى على لسانه الشرائع والأحكام، وتعقب بالمنع، وقيل: لمشابهته بنبينا ﷺ في عموم الدعوة لجميع أهل الأرض، ولا يخلو عن نظر لأن عموم دعوته ﵇ اتفاقي لا قصدي، وعموم الفرق على القول به، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ليس قطعي الدلالة على ذلك كما لا يخفى.
وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ عطف على أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ داخل معه في حكم التشبيه أي كما أوحينا إلى إبراهيم وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب ﵇ في المشهور، وقال غير واحد:
إن الأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل، وقد بعث منهم عدة رسل، فيجوز أن يكون أراد سبحانه بالوحي إليهم الوحي إلى الأنبياء منهم كما تقول: أرسلت إلى بني تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم، ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف ﵇ كانوا أنبياء بل الذي صح عندي- وألف فيه الجلال السيوطي رسالة- خلافه وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ذكروا مع ظهور انتظامهم في سلك النبيين تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم على ما هو المعروف في ذكر الخاص بعد العام في مثل هذا المقام، وتكرير الفعل لمزيد تقرير الإيحاء والتنبيه على أنهم طائفة خاصة مستقلة بنوع مخصوص من الوحي، وبدأ بذكر إبراهيم بعد التكرير لمزيد شرفه ولأنه الأب الثالث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما نص عليه الأجهوري وغيره، وقدم عيسى ﵇ على من بعده تحقيقا
стр. 1211
لنبوته وقطعا لما رآه اليهود فيه، وقيل: ليكون الابتداء بواحد من أولي العزم بعد تغير صفة المتعاطفات إفرادا وجمعا وكل هذه الأسماء- على ما ذكره أبو البقاء- أعجمية إلا الأسباط، وفي ذلك خلاف معروف، وفي يُونُسَ لغات أفصحها ضم النون من غير همز، ويجوز فتحها وكسرها مع الهمز وتركه وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً عطف على أوحينا داخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء، وكما آتينا داود زبورا- وإيثاره على أوحينا إلى داود- لتحقق المماثلة في أمر خاص، وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء والزبور بفتح الزاي عند الجمهور وهو فعول بمعنى مفعول- كالحلوب والركوب- كما نص عليه أبو البقاء.
وقرأ حمزة وخلف زَبُوراً بضم الزاي حيث وقع، وهو جمع زبر بكسر فسكون بمعنى مزبور أي مكتوب، أو زبر بالفتح والسكون كفلس وفلوس، وقيل: إنه مصدر كالقعود والجلوس، وقيل: إنه جمع زبور على حذف الزوائد، وعلى العلات جعل اسما للكتاب المنزل على داود ﵇، وكان إنزاله عليه ﵇ منجما وبذلك يحصل الإلزام، وكان فيه- كما قال القرطبي- مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام، وإنما هي حكم ومواعظ والتحميد والتمجيد والثناء على الله تعالى شأنه وَرُسُلًا نصب بمضمر أي أرسلنا رسلا والقرينة عليه قوله سبحانه:
أَوْحَيْنا السابق لاستلزامه الإرسال، وهو معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه، وقيل: القرينة قوله تعالى: قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ لا أنه منصوب- بقصصنا- بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل، ولا أنه منصوب بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل- كما قيل- لخلوه عما في الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه ﷺ وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء ﵈ في مطلق الإيحاء، ثم في إيتاء الكتاب، ثم في الإرسال، فإن قوله سبحانه: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ منتظم لمعنى آتَيْناكَ وأَرْسَلْناكَ حتما فكأنه قيل: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان، وآتيناك مثل ما آتينا فلانا، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال فما للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومعنى قصصهم عليه ﵊ حكاية إخبارهم له وتعريف شأنهم وأمورهم مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه السورة، أو اليوم، قيل: قصصهم عليه ﷺ بمكة في سورة الأنعام وغيرها، وقال بعضهم: قصهم سبحانه عليه ﵊ بالوحي في غير القرآن ثم قصهم عليهم بعد في القرآن وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي من قبل فلا تنافي الآية ما ورد في الخبر من أن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وعن كعب أنهم ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفا لأن نفي قصهم من قبل لا يستلزم نفي قصهم مطلقا فإن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، فيمكن أن يكون قصهم عليه ﷺ بعد فعلمهم، فأخبر بما أخبر على أن القبلية تفهم من الكلام ولو لم تكن في القابل لأن لَمْ في المشهور إذا دخلت على المضارع تقلب معناه للمضي على أن القص ذكر الأخبار، ولا يلزم من نفي ذكر أخبارهم له ﷺ نفي ذكر عددهم مجردا من ذكر الأخبار والقصص، فيمكن أن يقال: لم يذكر سبحانه له ﷺ أخبارهم أصلا لكن ذكر جل شأنه له ﵊ أنهم كذا رجلا فاندفع ما توهمه بعض المعاصرين من أن الآية نص في عدم علمه «وحاشاه ﵊» عدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض المحققين. والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية، فأخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية.
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى برفع الجلالة ونصب موسى، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرآ على القلب.
تَكْلِيماً مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل
стр. 1212
فيرفع المجاز عنه، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة كما يقال قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا، مع أنه أكد الفعل، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان.
بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجا من جذام المطارف
فأكدت «عجت» مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج وما نقل عن الفراء من أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر. فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد فللخصم أن يقول: التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة. والجملة إما معطوفة على قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ عطف القصة على القصة لا على- آتينا- وما عطف عليه، وإما حال بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي وأعلاها، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى ﵇ ولم يقدح ذلك فيهم أصلا فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور حكمة ذلك.
هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى ﵇ لكلام الله ، وقد وقع التكليم أيضا لنبينا محمد ﷺ في الإسراء مع زيادة رفعة، بل ما من معجزة لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا ﷺ مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى، بل ما من ذرة نور شعث في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته ﷺ ، ولله سبحانه در البوصيري حيث يقول:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فصلى الله تعالى عليه وسلّم تسليما كثيرا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ نصب على المدح، أو بإضمار أرسلنا أو على الحال من رُسُلًا الذي قبله، أو ضميره وهي حال موطئة والمقصود وصفها. وضعف هذا بأنه حينئذ لا وجه للفصل بين الحال وذيها، وجوز أن يكون نصبا على البدلية من رُسُلًا الأول، وضعف بأن اتحاد البدل والمبدل منه لفظا بعيد، وإن كان المعتمد بالبدلية الوصف أي مُبَشِّرِينَ من آمن وأطاع بالجنة والثواب وَمُنْذِرِينَ من كفر وعصى بالنار والعقاب لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ أي معذرة يعتذرون بها قائلين لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا [طه: ١٣٤] فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوى البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها. فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل وأن العقل لا يغني عن ذلك، وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إرسال الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعتري الإنسان من دون اختيار، فمعنى الآية عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة، وسيأتي ردّ ذلك إن شاء الله تعالى مع تحقيق هذا المبحث.
وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حُجَّةٌ مجاز بتنزيل المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مردّ لها، فلا يبطل قول أهل السنة إنه لا اعتراض لأحد على الله تعالى في فعل من أفعاله بل له سبحانه أن يفعل بمن شاء ما شاء، واللام متعلقة- بأرسلنا- المقدر، أو- بمبشرين ومنذرين- على التنازع، وجوز أن تتعلق بما يدلان عليه، وحُجَّةٌ اسم كان وخبرها لِلنَّاسِ، وعَلَى اللَّهِ حال من حُجَّةٌ ويجوز أن يكون الخبر عَلَى اللَّهِ ولِلنَّاسِ حال، ولا يجوز أن
стр. 1213
يتعلق على- بحجة- لأنها مصدر ومعموله لا يتقدم عليه، ومن جوزه في الظرف جوزه هنا، وقوله تعالى: بَعْدَ الرُّسُلِ- أي بعد إرسالهم وتبليغ الشريعة على ألسنتهم- ظرف لحجة، وجوز أن يكون صفة لها لأن ظرف الزمان يوصف به المصادر كما يخبر به عنها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب في أمر يريده.
حَكِيماً في جميع أفعاله، ومن قضية ذلك الامتناع عن إجابة مسألة المتعنتين، وقطع الحجة بإرسال الرسل وتنوع الوحي إليهم والإعجاز، وقيل: عَزِيزاً في عقاب الكفار حَكِيماً في الأعذار بعد تقدم الإنذار كأنه بعد أن سألوا إنزال كتاب الله تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بتخفيف النون ورفع الجلالة.
وقرأ السليمي بتشديد النون ونصب الجلالة، وهو استدراك عن مفهوم ما قبله كأنهم لما سألوه ﷺ إنزال كتاب من السماء وتعنتوا ورد عليهم بقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إلخ قيل: إنهم لا يشهدون لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ.
وحاصل ذلك إن لم تلزمهم الحجة ويشهدوا لك فالله تعالى يشهد، وقيل: إنه سبحانه لما شبه الإيحاء إليه ﷺ بالإيحاء إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوهم ذلك التشبيه مزية الإيحاء إليهم، فاستدرك عنه بأن للإيحاء إليك مزية شهادة الله تعالى بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أي بحقية الذي أنزله إليك وهو القرآن، فالجار والمجرور متعلق- بيشهد- والباء صلة والمشهود به هو الحقية، ويجوز أن يكون المشهود به هو النبوة وتعلق بما أنزل تعلق الآلية أي يشهد بنبوتك بسبب ما أنزل إليك لدلالته بإعجازه على صدقك ونبوتك، ولعل مآل المعنى ومؤداه واحد فإن شهادته سبحانه بحقية ما أنزله من القرآن بإظهار المعجز المقصود منه إثبات نبوته ﷺ ،
وأخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «دخل جماعة من اليهود على رسول الله ﷺ فقال ﵊ لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك فنزلت لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ» وفي رواية ابن جرير عنه «أنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» ، قالوا: ما نشهد لك فنزل لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ»
وقرىء «أنزل» على البناء للمفعول أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ذكر فيه أربعة أوجه: الأول أن يكون المعنى أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، واختاره جماعة من المفسرين، والثاني أن يكون المعنى أَنْزَلَهُ وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك فيه بالحق ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسي، والثالث أن يكون المعنى أَنْزَلَهُ بما علم من مصالح العباد مشتملا عليه، والرابع أن يكون المعنى أَنْزَلَهُ وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والعلم على الوجه الأول قيل: بمعنى المعلوم، والمراد به التأليف والنظم المخصوص وليس من جعل العلم مجازا عن ذلك ولو جعل عليه العلم بمعناه المصدري، والباء للملابسة ويكون تأليفه بيانا لتلبسه لا للعلم نفسه صح لكن فيه تجوز من جهة أن التأليف ليس نفس التلبس بل أثره، ويحتمل على هذا أن تكون الباء للآلية كما يقال: فعله بعلمه إذا كان متقنا وعلى ما ينبغي، فيكون وصفا للقرآن بكمال الحسن والبلاغة، وأما على الوجه الثاني والثالث فالعلم بمعناه، أو هو في الثالث بمعنى المعلوم، والظرف حال من الفاعل أو المفعول، ومتعلق العلم مختلف وهو أنك أهل لإنزاله أو مصالح العباد، وظاهر كلام البعض أنه على الثاني حال من الفاعل، وعلى الثالث من المفعول، وجوز أن يكون مفعولا مطلقا مطلقا أي إنزالا متلبسا بعلمه، وموقع الجملة على الأول موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة على ما نص عليه الزمخشري، وعلى الوجهين موقع التقرير والبيان للصلة وقيل: إنها في الأوجه الثلاثة كالتفسير- لأنزل إليك- لأنها بيان لإنزاله على وجه مخصوص، وأما على الوجه الرابع فقد ضمن العلم بمعنى الرقيب والحافظ، والظرف حال من الفاعل، ويكون أَنْزَلَهُ تكريرا ليعلق به ما علق أو كما قيل، ولم يعتبر بعضهم هذا الوجه لأنه لا مساس له بهذا المقام، وقيل: إن فيه تعظيما لأمر القرآن بحفظه
стр. 1214
من شياطين الجن المشعر بحفظه أيضا من شياطين الإنس فتكون الجملة حينئذ كالتفسير للشهادة أيضا، وقرىء نزله وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضا بما شهد الله تعالى به لأنهم تبع له سبحانه في الشهادة، والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: حال من مفعول أَنْزَلَهُ أي أنزله وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بصدقه وحقيته، وجعل بعضهم شهادة الملائكة على صدقه ﷺ في دعواه بإتيانهم لإعانته ﵊ في القتال ظاهرين كما كان في غزوة بدر، وأيّا ما كان- فيشهدون- من الشهادة، وذكر أنه على الوجه الرابع من الشهود للحفظ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على ما شهد به لك حيث نصب الدليل وأوضح السبيل وأزال الشبه وبالغ في ذلك على وجه لا يحتاج معه إلى شهادة غيره .
هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي لا يحب أن يهتك العبد ستره إذا صدرت منه هفوة أو اتفقت منه كبوة إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي إلا جهر من ظلمته نفسه برسوخ الملكات الخبيثة فيه فإنه مأذون له بإظهار ما فيه من تلك الملكات وعرضها على أطباء القلوب ليصفوا له دواءها، وقيل: لا يُحِبُّ اللَّهُ تعالى إفشاء سر الربوبية وإظهار مواهب الألوهية، أو كشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب إِلَّا مَنْ ظُلِمَ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني، وفي تسمية تلك الغلبة ظلما خفاء لا يخفى.
وفي ظاهر الآية بشارة عظيمة للمذنبين حيث بين سبحانه أنه لا يرضى بهتك الستر إلا من المظلوم فكيف يرضى سبحانه من نفسه أن يهتك ستر العاصين وليسوا بظالميه ﷻ ، وإنما ظلموا أنفسهم كما نطق بذلك الكتاب إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ هؤلاء قوم احتجبوا بالجمع عن التفصيل، فأنكروا الرسل لتوهمهم وحدة منافية للكثرة وجمعا مباينا للتفصيل، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات وتركوا الصلوات وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي الإيمان بالكل جمعا وتفصيلا والكفر بالكل سَبِيلًا أي طريقا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ المحجوبون حقا بذواتهم وصفاتهم لأن معرفتهم وهم وغلط، وتوحيدهم زندقة وضلال، ولقتل واحد منهم أنفع من قتل ألف كافر حربي على ما أشار إليه حجة الإسلام الغزالي قدس سره وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وهم المؤمنون جمعا وتفصيلا لا يحجبهم جمع عن تفصيل ولا تفصيل عن جمع كالسادة الصادقين من أهل الوحدة أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ من الجنات الثلاث وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً يستر ذواتهم وصفاتهم رَحِيماً يرحمهم بالوجود الموهوب الحقاني والبقاء السرمدي يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ أي علما يقينا بالمكاشفة من سماء الروح فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي طلبوا المشاهدة ولا شك أنها أكبر وأعلى من المكاشفة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي استولت عليهم نار الأنانية وأهلكت استعدادهم بِظُلْمِهِمْ وهو طلبهم المشاهدة مع بقاء ذواتهم ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي عجل الشهوات الذي صاغه لهم سامري النفس الأمارة مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الرادعة لهم عن ذلك وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً وهو سطوع نور التجلي من وجهه حتى احتاج إلى أن يستر وجهه بالبرقع رحمة بخفافيش أمته وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ أي جعلناه مستوليا عليهم بِمِيثاقِهِمْ أي بسبب أن يعطوا الميثاق، وأشير بالطور إلى موسى ﵇، أو إلى العقل ورفعه فوقهم تأييده بالأنوار الإلهية وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ أي باب السير والسلوك الموصل إلى حضيرة القدس وملك الموت سُجَّداً خضعا متذللين، وقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أشير به- على ما ذكره بعض القوم، والعهدة عليه- إلى اتصال روحه ﵇ بالعالم العلوي عند مفارقته للعالم السفلي، وذلك الرفع عندهم إلى السماء الرابعة لأن مصدر فيضان روحه عليه السلام
стр. 1215
روحانية فلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم، ولما لم يصل إلى الكمال الحقيقي الذي هو درجة المحبة لم يكن له بدّ من النزول مرة أخرى في صورة جسدانية، يتبع الملة المحمدية لنيل تلك الدرجة العلية، وحينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن به أهل الكتاب أي أهل العلم العارفين بالمبدأ والمعاد كلهم عن آخرهم قبل موته ﵇ بالفناء بالله ، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية وانتباههم عن نوم الغفلة شهيدا، وذلك بأن يتجلى الحق عليهم في صورته فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا وهو عبادتهم عجل الشهوات واتخاذه إلها وامتناعهم عن دخول باب حضيرة القدس واعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع الذي هو المظهر الأعظم والاحتجاب عن كشف توحيد الأفعال ونقضهم ميثاق الله تعالى واحتجابهم عن توحيد الصفات الذي هو كفر بآيات الله تعالى إلى غير ذلك من المساويء.
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ عظيمة جليلة وهي ما في الجنات الثلاث أُحِلَّتْ لَهُمْ بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي طريقه الموصلة إليه سبحانه كَثِيراً أي خلقا كثيرا وهي القوى الروحانية وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وهو فضول العلم الرسمي الجدلي الذي هو كشجرة الخلاف لا ثمرة له، وكاللذات البدنية والحظوظ النفسانية وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ لما أنه الحجاب العظيم وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ أي استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل الخسائس الدنيوية، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ المستقيمون في السماع الخاص من الله سبحانه من غير معارضة النفوس واضطراب الأسرار وَالْمُؤْمِنُونَ بالإيمان العياني حال كونهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الأحكام الشرعية والأسرار الإلهية وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ على أكمل وجه وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ببذل قوامهم في أصناف الطاعة وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي بالمبدأ والمعاد، والمراد من المتعاطفات طائفة واحدة كما قدمنا أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً لا يقادر قدره فيما أعدّ لهم من الجنات إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ الآية التشبيه على حد التشبيه في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ على قول رُسُلًا مُبَشِّرِينَ بتجليات اللطف وَمُنْذِرِينَ بتجليات القهر لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ أي لئلا يكون لهم ظهور وسلطنة بعد ما محي ذلك بإمداد الرسل وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً فيمحو صفاتهم ويفني ذواتهم حَكِيماً فيفيض عليهم من صفاته ويبقيهم في ذاته حسبما تقتضيه الحكمة لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ لتجليه فيه سبحانه أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي متلبسا بعلمه المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
ومن هنا علم ﷺ ما كان وما هو كائن وَالْمَلائِكَةُ هم أصحاب النفوس القدسية يَشْهَدُونَ أيضا لعدم احتجابهم وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً لأنه الجامع ولا موجود غيره، والله تعالى الموفق للصواب.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل إليك، أو بكل ما يجب الإيمان به ويدخل ذلك فيه دخولا أوليا، والمراد بهم اليهود، وكأن الجملة لبيان حكم الله سبحانه فيهم بعد بيان حالهم وتعنتهم وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دين الإسلام من أراد سلوكه بإنكارهم نعت النبي ﷺ ، وقولهم: لا نعرفه في كتابنا وأن شريعة موسى ﵇ لا تنسخ، وأن الأنبياء لا يكونون إلا من أولاد هارون وداود ﵉.
وقرىء «صدوا» بالبناء للمفعول قَدْ ضَلُّوا بالكفر والصد ضَلالًا بَعِيداً لأنهم جمعوا بين الضلال
стр. 1216
والإضلال ولأن المضل يكون أقوى وأدخل في الضلال وأبعد عن الانقلاع عنه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما ذكر آنفا وَظَلَمُوا محمدا ﷺ بإنكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة، أو الناس بصدهم لهم عن الصراط المستقيم، والمراد أن الذين جمعوا بين الكفر وهذا النوع من الظلم.
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر، والآية في اليهود على الصحيح، وقيل: إنها في المشركين وما قبلها في اليهود، وزعم بعضهم أن المراد من الظلم ما ليس بكفر من سائر أنواع الكبائر، وحمل الآية على معنى أن الذين كان بعضهم كافرين، وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر لَمْ يَكُنِ إلخ، ولا يخفى أن ذلك عدول عن الظاهر لم يدع إليه إلا اعتقاد أن العصاة مخلدون في النار تخليد الكفار، والآية تنبو عن هذا المعتقد، فإنه قد جعل فيها الفعلان كلاهما صلة للموصول فيلزم وقوع الفعلين جميعا من كل واحد من آحاده، ألا تراك إذا قلت:
الزيدون قاموا فقد أسندت القيام إلى كل واحد من آحاد الجمع، فكذلك لو عطفت عليه فعلا آخر لزم فيه ذلك ضرورة، وسياق الآية أيضا يأبى ذلك المعنى لكن لم يزل ديدن المعتزلة اتباع الهوى فلا يبالون بأي واد وقعوا وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال الصالحة التي هي طريق الجنة، والمراد من الهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الإشارة كما قال غير واحد: خلقه سبحانه لأعمالهم السيئة المؤدية لهم إلى جهنم حسب استعدادهم، أو سوقهم إلى جهنم يوم القيامة بواسطة الملائكة، وذكر بعضهم أن التعبير بالهداية تهكم إن لم يرد بها مطلق الدلالة، والطريق على عمومه، والاستثناء متصل كما اختاره أبو البقاء وغيره، وجوز السمين أن يراد بالطريق شيء مخصوص وهو العمل الصالح والاستثناء منقطع خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المنصوب لأن الخلود يكون بعد إيصالهم إلى جهنم، ولو قدر يقيمون خالدين لم يلتئم، وقيل: يمكن أن يستغنى عن جعله حالا مقدرة بأن هذا من الدلالة الموصلة إلى جهنم، أو الدلالة إلى طريق يوصل إليها فهو حال عن المفعول باعتبار الإيصال لا الدلالة فتدبر، وقوله تعالى: أَبَداً نصب على الظرفية رافع احتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل وَكانَ ذلِكَ أي انتفاء غفرانه وهدايته سبحانه إياهم وطرحهم في النار إلى الأبد عَلَى اللَّهِ يَسِيراً سهلا لا صارف له عنه، وهذا تحقير لأمرهم وبيان لأنه تعالى لا يعبأ بهم ولا يبالي.
стр. 1217
يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لجميع المكلفين بعد أن حكى سبحانه لرسوله ﷺ تعلل اليهود بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتا، ورد جل شأنه عليهم بما رد وأكد ذلك بما أكد، وفي توجيه الخطاب إليهم وأمرهم بالإيمان مشفوعا بالوعد والوعيد بعد تنبيه على أن المحجة قد وضحت والحجة قد لزمت فلم يبق لأحد عذر في القبول، وقيل:
الخطاب لأهل مكة لأن الخطاب- بيا أيها الناس- أينما وقع لهم، ولا يخفى أن التعميم أولى، وما ذكر في حيز الاستدلال، وإن روي عن بعض السلف أغلبي، وقيل: هو للكفار مطلقا إبقاء للأمر على ظاهره، ولم يحتج إلى حمله على ما يعم الأحداث والثبات قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعني به محمدا ﷺ ، وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته بِالْحَقِّ أي متلبسا به، وفسر بالقرآن، وبدين الإسلام وبشهادة التوحيد، وجوز أن تكون الباء للتعدية أو للسببية متعلقة- بجاء- أي جاءكم بسبب إقامة الحق، وقوله سبحانه: مِنْ رَبِّكُمْ متعلق إما بالفعل أيضا أو بمحذوف وقع حالا من الحق أي جاءكم به من عند الله تعالى، أو كائنا منه سبحانه، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم ترغيبا لهم في الامتثال لما بعد من الأمر كما أن في ذكر الجملة تمهيدا لما يعقبها من ذلك وقيل: إنها تكرير للشهادة وتقرير للمشهود به وتمهيد لما ذكر فَآمِنُوا أي بالرسول ﷺ وبما جاء به من الحق، والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها، وقوله سبحانه: خَيْراً لَكُمْ منصوب بفعل محذوف وجوبا تقديره وافعلوا أو ائتوا خيرا لكم، وإلى هذا ذهب الخليل وسيبويه، وذهب الفراء إلى أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا خيرا لكم، وأورد عليه أنه يقتضي أن الإيمان ينقسم إلى خير وغيره، ودفع بأنه صفة مؤكدة، وأن مفهوم الصفة قد لا يعتبر، وعلى القول باعتباره قد يقال: إن ذكره تعريض بأهل الكتاب فإن لهم إيمانا ببعض ما يجب الإيمان به كاليوم الآخر مثلا إلا أنه ليس خيرا حيث لم يكن على الوجه المرضي.
وذهب الكسائي وأبو عبيد إلى أنه خبر كان مضمرة، والتقدير يكن الإيمان خيرا لكم، ورد بأن كان تحذف مع اسمها دون خبرها إلا في مواضع اقتضته، وأن المقدر جواب شرط محذوف فيلزم حذف الشرط وجوابه إذ التقدير إن تؤمنوا يكن الإيمان خيرا، وأجيب بأن تخصيص حذف كان واسمها في مواضع لا يسلمه هذا القائل وبأن لزوم حذف الشرط وجوابه مبني على أن الجزم بشرط مقدر، وإن قلنا: بأنه بنفس الأمر وأخواته كما هو مذهب لبعض النحاة لم يرد ذلك، ونقل مكي عن بعض الكوفيين أنه منصوب على الحال وهو بعيد وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه وآكده، أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم ويدخل في ذلك المخاطبون دخولا أوليا أي كل ذلك له تعالى خلقا
стр. 1218
وملكا وتصرفا، ولا يخرج من ملكوته وقهره ذرة فما دونها، والجملة دليل الجواب أقيم مقامه لأن مضمونها مقرر قبل كفرهم فلا يصلح للجواب، والتقدير وإن تكفروا فهو سبحانه قادر على تعذيبكم بكفرهم لأن له جل شأنه ما في السموات والأرض، أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، وقال بعضهم: التقدير «وإن تكفروا» فقد كابرتم عقولكم.
فَإِنَّ لِلَّهِ سبحانه ما له مما يدل على ما ينافي حالكم واعتقادكم فكيف يتأتى الكفر به مع ذلك، وقيل:
التقدير وَإِنْ تَكْفُرُوا فإن عبيدا غيركم لا يكفرون بل يعبدونه وينقادون لأمره، ولا يخلو عن بعد.
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأحوال، كل ويدخل في ذلك كفرهم دخولا أوليا حَكِيماً في جميع أفعاله وتدبيراته، ويدخل في ذلك كذلك تعذيب من كفر يا أَهْلَ الْكِتابِ تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجرا لهم عما هم عليه من الضلال البعيد، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم وجماعة من المفسرين، وعن الحسن أنه خطاب لهم ولليهود لأن الغلو أي مجاوزة الحد والإفراط المنهي عنه في قوله تعالى:
لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وقع منهم جميعا، أما النصارى، فقال بعضهم: عيسى ﵇ ابن الله ، وبعضهم أنه الله سبحانه، وآخرون ثالث ثلاثة وأما اليهود فقالوا: إنه ﵇ ولد لغير رشده، ورجح ما عليه الجماعة بأن قول اليهود قد نعى فيما سبق وبأنه أوفق بما بعد وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القول الحق دون القول المتضمن لدعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الصاحبة والولد والاستثناء مفرغ، وهو متصل عند الأكثرين.
وادعى بعض أن المراد من الحق هنا تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد، والأشبه بالاستثناء الانقطاع لأن التنزيه لا يكون مقولا عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى وهو مخالف لما عليه الأكثر في الاستثناء المفرغ فافهم إِنَّمَا الْمَسِيحُ بالتخفيف، وقد مر معناه، وقرىء المسيح بكسر الميم وتشديد السين كالسكيت وهو مبتدأ، وقوله تعالى:
عِيسَى بدل منه أو عطف بيان له- كما قال أبو البقاء وغيره- وقوله تعالى:
ابْنُ مَرْيَمَ صفة له مفيدة بطلان ما زعموه فيه من نبوته ﵇ له ، وقوله سبحانه:
رَسُولُ اللَّهِ خبر المبتدأ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أي أنه ﵇ مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها إلى ما تقولون وَكَلِمَتُهُ عطف على رَسُولُ اللَّهِ ومعنى كونه «كلمة» أنه حصل بكلمة كن من غير مادة معتادة، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة.
وقال الغزالي قدس سره: لكل مولود سبب قريب وبعيد، فالأول المني والثاني قول كن، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى ﵇ أضافه إلى البعيد، وهو قول كن إشارة إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله سبحانه: أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي أوصلها إليها وحصلها فيها، فجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة، وقيل: معناه أنه يهتدي به كما يهتدي بكلام الله تعالى، وروي ذلك عن أبي علي الجبائي، وقيل: معناه بشارة الله تعالى التي بشر بها مريم ﵍ على لسان الملائكة كما قال سبحانه: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ [آل عمران: ٤٥] وجملة أَلْقاها حال على ما قيل: من الضمير المجرور في كَلِمَتُهُ بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة، والتقدير- وكملته ملقيا إياها- وقيل: حال من ضميره ﵇ المستكن فيما دل عليه وَكَلِمَتُهُ من معنى المشتق الذي هو العامل فيها، وقيل: حال من فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون، والتقدير إذ كان أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ عطف على ما قبله وسمي عليه السلام
стр. 1219
روحا لأنه حدث عن نفخة جبرائيل ﵇ في درع مريم ﵍ بأمره سبحانه، وجاء تسمية النفخ روحا في كلامهم، ومنه قول ذي الرمة في نار وأحيها بروحك. ومن- متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح، وهي لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى.
يحكى أن طبيبا نصرانيا حاذقا للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية: ١٣] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءا منه علوا كبيرا فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة، وقيل: سمي روحا لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى:
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] على وجه، وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحي إلى مريم ﵍ بالبشارة، وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى ﵇ متكونا من النفخ لا من النطفة وصف بالروح، وقيل: أريد بالروح السر كما يقال: روح هذه المسألة كذا أي أنه ﵇ سر من أسرار الله تعالى وآية من آياته سبحانه، وقيل: المراد ذو روح على حذف المضاف، أو استعمال الروح في معنى ذي الروح، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف، ونظير ذلك ما في التوراة إن موسى ﵇ رجل الله وعصاه قضيب الله. وأورشليم بيت الله، وقيل: المراد من الروح جبريل ﵇، والعطف على الضمير المستكن في أَلْقاها والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى مريم، ولا يخفى بعده وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى ﵇ بنسبة الروح إليه لغيره ﵇ مشاركة له في ذلك، ففي إنجيل لوقا قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه، وفي إنجيل متى: إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه، وفي التوراة: قال الله تعالى لموسى ﵇ اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم، وفيها في حق يوسف ﵇ يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى فيه، وفيها أيضا: إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك.
ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباد حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء، وإطلاق ذلك على عيسى ﵇ من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد: عدل، وليس المراد به الروح الذي به الحياة أصلا، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل الشاحب، والموت بصورة الكبش، ويؤيد ذلك في الجملة ما في إنجيل متى في تمام الكلام على تعميد عيسى ﵇: إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا بصوت من السماء هذا ابن الحبيب الذي سرت به نفسي فإنه على تقدير صحته يهدم ما يزعمه النصارى من أنه ﵇ تجسد بروح القدس في بطن أمه: وما فيه من وصفه ﵇ بالنبوة سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وخصوه بالألوهية وَرُسُلِهِ أجمعين ولا تخرجوا أحدا منهم إلى ما يستحيل وصفه به من الألوهية وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي الآلهة ثلاثة: الله سبحانه، والمسيح، ومريم كما ينبىء عنه قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] إذ معناه «إلهين» غير الله تعالى فيكونون معه ثلاثة.
وحكي هذا التقدير عن الزجاج، أو الله سبحانه ثلاثة إن صح عنهم أنهم يقولون: الله تعالى جوهر واحد ثلاثة
стр. 1220
أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بالأول الذات أو الوجود، وبالثاني العلم أي الكلمة، وبالثالث الحياة كذا قيل، وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحققين أن النصارى اتفقوا على أن الله تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيز. ولا مختص بجبهة، ولا مقدر بقدر ولا يقبل الحوادث بذاته ولا يتصور عليه الحدوث والعدم، وأنه واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، والأقانيم صفات للجوهر القديم، وهي الوجود والعلم والحياة، وعبروا عن الوجود بالأب والحياة بروح القدس والعلم بالكلمة.
ثم اختلفوا فذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم، وأن كل واحد منها إله، وصرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يشركون، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر وانقلبت الكثرة وحدة وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي، وأن مريم ولدت إلها أزليا مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو جزئي، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأن القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا، وأطلقوا لفظ الأب على الله تعالى، والابن على عيسى ﵇، وذهب نسطور الحكيم- في زمان المأمون- إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور.
ومن النسطورية من قال: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود، وصرحوا بالتثليث كالملكانية، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوها لكن لم يجعلوها أقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الأب وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الناسوت، فالمسيح إله تام وإنسان تام، وهما قديم وحادث، والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث. وقالوا: إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت، وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح، وقالوا:
إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم، ورووا عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر إنجيله: إن الكلمة صارت جسدا وحلت فينا، وقال: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله تعالى هو الكلمة، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت بحيث صار هو هو وذلك كظهور الملك في الصورة المشار إليه بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[مريم: ١٧] ومنهم من قال: جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركب النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهرا واحدا، وهو المسيح، وهو الإله، ويقولون صار الإله إنسانا وإن لم يصر الإنسان إلها كما يقال في الفحمة الملقاة في النار صارت نارا، ولا يقال: صارت النار فحمة، ويقولون: إن اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئي دون الكلي، وإن مريم ولدت إلها وإن القتل والصلب واقع على اللاهوت والناسوت جميعا إذ لو كان على أحدهما بطل الاتحاد، ومنهم من قال: المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه، محدث من وجه، ومن اليعقوبية من قال: إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا وإنما مرت بها كمرور الماء بالميزاب، ومنهم من زعم أن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات التي كانت تظهر عنه وتفارقه تارة فتحله الآفات والآلام، ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهور اللاهوت على الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه، وذلك كظهور نقش الطابع على الشمع والصورة المرئية في المرآة، ومنهم من قال: إن الوجود والكلمة قديمان والحياة مخلوقة ومنهم من قال إن الله تعالى واحد وسماه أبا وأن المسيح كلمة الله تعالى وابنه على طريق الاصطفاء وهو مخلوق قبل العالم وهو خالق للأشياء كلها.
стр. 1221
وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ولا يرى في المسيح ما يراه النصارى بل يعتقد رسالته وأنه مخلوق بجسمه وروحه ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا فشرح أريوس مقالته، فرد عليه الاكصيدروس بطريق الإسكندرية وشنع على مقالته عند الملك، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة اختلافهم وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة وأكثرهم اليوم عليها، وهي نؤمن بالله تعالى الواحد الأب صانع كل شيء. مالك كل شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد المسيح ابن الله تعالى الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع، إله حق.
من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء الذي من أجلنا معاشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومريم وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول واتجع، وصلب أيام فيلاطس ودفن وقام في اليوم الثالث- كما هو مكتوب- وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه وبعمودية واحدة لغفران الخطايا، والجماعة واحدة قدسية كاطولكية وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين انتهى.
وهذه جملة الأقاويل وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول مما لا مستند لها ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علما على أن ما سموه أمانة لا أصل له في شرع الإنجيل ولا مأخوذة من قول المسيح ولا من أقوال تلاميذه، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذب بعضه بعضا ويعارضه ويناقضه، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردهم تتميما للفائدة وتأكيدا لإبطال تلك العقائد الفاسدة، أما قولهم: بأن الله تعالى جوهر بالمعنى المذكور فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللفظي سمعا، والأمر فيه هين، وأما حصرهم الأقانيم في ثلاثة: صفة الوجود، وصفة الحياة، وصفة العلم فباطل لأنه بعد تسليم أن صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلا سوى قولهم:
بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه وهو غير يقيني كما لا يخفى، ثم هو باطل بما تحقق في موضعه من وجوب صفة القدرة والإرادة والسمع والبصر فإن قالوا: الأقانيم هي خواص الجوهر وصفات نفسه، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعداه إلى غيره وذلك متحقق في الوجود والحياة إذ لا تعلق لوجود الذات القديمة وحياتها بغيرها، وكذلك العلم إذ العلم مختص بالجوهر من حيث هو معلوم به، وهذا بخلاف القدرة، والإرادة فإنهما لا اختصاص لهما بالذات القديمة بل يتعلقان بالغير مما هو مقدور، ومراد، والذات القديمة غير مقدورة ولا مرادة وأيضا فإن الحياة تجزيء عن القدرة والإرادة من حيث إن الحي لا يخلو عنهما بخلاف العلم فإنه قد يخلو عنه، ولأنه يمتنع أجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتفضيل بخلاف العلم، قلنا: أما قولهم: إن الوجود والحياة مختصة بذات القديم- ولا تعلق لهما بغيره- فمسلم، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوما لتعلقه بغير ذات القديم إذ هو معلوم به فلئن قالوا: العلم إنما كان أقنوما من حيث كان متعلقا بذات القديم لا من حيث كان متعلقا بغيره فيلزمهم أن يكون البصر أقنوما لتعلقه بذات القديم من حيث إنه يرى نفسه ولم يقولوا به، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات الله تعالى أقنوما لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلقه بغيره كما في الوجود والحياة، فلئن قالوا: البقاء هو نفس الوجود فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه باقيا وهو محال.
وقولهم: بأن الإرادة تجزىء عن القدرة والإرادة إما أن يريدوا به أن القدرة والإرادة نفس الحياة، أو أنهما
стр. 1222
خارجتان عنها لازمتان لها لا تفارقانها، فإن كان الأول فقد نقضوا مذهبهم حيث قالوا: إن الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم، والقدرة والإرادة غير مختصتين بذات القديم تعالى، وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتحاد معها، وإن قالوا:
إنها لازمة لها مع المغايرة فهو ممنوع فإنه كما يجوز خلو الحي، عن العلم، فكذلك قد يجوز خلوه عن القدرة والإرادة كما في حالة النوم والإغماء مثلا، وقولهم: إنه يمتنع اجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتفضيل، فيلزم منه أن لا تكون مجزئة عن القدرة أيضا لاختصاصها بهذا النوع من المبالغة والتفضيل، وأما قولهم: بأن الكلمة حلت في المسيح وتدرعت به فهو باطل من وجهين.
الأول أنه قد تحقق امتناع حلول صفة القديم في غيره، الثاني أنه ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الروح وهي الحياة، ولئن قالوا: إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها غيره، قلنا:
أولا لا نسلم ذلك. فقد روى النصارى أنه ﵇ سئل عن القيامة فلم يجب، وقال لا يعرفها إلا الله تعالى وحده، وثانيا سلمنا لكنه قد اختص عندكم بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبأمور لا يقدر عليها غيره من المخلوقين بزعمكم، والقدرة عندكم في حكم الحياة إما بمعنى أنها عينها أو ملازمة لها فوجب أن يقال: بحلول الحياة فيه ولم تقولوا به.
وأما قول الملكانية بالتثليث في الآلهة، وأن كل أقنوم إله فلا يخلو إما أن يقولوا: إن كل واحد متصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات أو ألا يقولوا به، فإن قالوا به فهو خلاف أصلهم، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلة على امتناع إلهين، وأيضا فإنهم إما أن يقولوا: بأن جوهر القديم أيضا إله أو ألا يقولوا فإن كان الأول فقد أبطلوا مذهبهم فإنهم مجمعون على الثالوث، وبقولهم هذا يلزم التربيع، وإن كان الثاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلا مع أن جوهر القديم أصل والأقانيم صفات تابعة، فكان أولى أن يكون إلها، وإن قالوا بالثاني فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز إطلاق ذلك، وأما قولهم: بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح فيبطله امتناع حلول صفات القديم بغير ذات الله تعالى، ودعواهم الاتحاد ممتنعة من جهة الدلالة والإلزام، أما الأول فإنهما عند الاتحاد إما أن يقال: ببقائهما أو بعدمهما أو ببقاء أحدهما وعدم الآخر، أما على التقدير الأول فهما اثنان كما كانا، وإن كان الثاني فالواحد الموجود غيرهما وإن كان الثالث فلا اتحاد للاثنينية وعدم أحدهما، وأما على التقدير الثاني فمن أربعة أوجه: الأول أنه إذا جاز أقنوم الجوهر القديم بالحادث، فما المانع من اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم؟ فلئن قالوا المانع أن اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه وهو ممتنع، واتحاد صفة القديم بالحادث يوجب شرفه، وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع، قلنا: فكما أن ذات القديم تنقص باتحاد صفة الحادث بها فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت الحادث فليكن ذلك ممتنعا، الثاني أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح فما الفرق بين ناسوت وناسوت؟ فلئن قالوا: إنما اتحد بالناسوت الكلي دون الجزئي رددناه بما ستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى، الثالث أن مذهبهم أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر القديم مع اختصاصها به ولم يوجب قيامها به الاتحاد فأن لا يوجب اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى.
الرابع أن الإجماع منعقد على أن أقنوم الجوهر القديم مخالف للناسوت كما أن صفة نفس الجوهر تخالف نفس العرض، وصفة نفس العرض تخالف الجوهر، فإن قالوا: بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض أو صفة العرض بالجوهر حتى أنه يصير الجوهر في حكم العرض والعرض في حكم الجوهر، فقد التزموا محالا مخالفا لأصولهم، وإن قالوا: بامتناع اتحاد صفة نفس الجوهر بالعرض ونفس العرض بالجوهر مع أن العرض والجوهر أقبل للتبدل والتغير فلأن
стр. 1223
يمتنع في القديم والحادث أولى، وقولهم إن المسيح إنسان كلي باطل من أربعة أوجه: الأول أن الإنسان الكلي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي من الناس، وقد اتفقت النصارى أن المسيح مولود من مريم ﵉، وعند ذلك فإما أن يقال: إن إنسان مريم أيضا كلي- كما حكي عن بعضهم- أو جزئي، فإن كان كليا فإما أن يكون هو عين إنسان المسيح أو غيره، فإن كان عينه لزم أن يولد الشيء من نفسه وهو محال، ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ومريم المسيح ولم يقل به أحد، وإن كان غيره فالإنسان الكلي ما يكون عاما مشتركا بين جميع، وطبيعته جزء من معنى كل إنسان، ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح بطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم وبالعكس وذلك محال، وإن كان إنسان مريم جزئيا فمن ضرورة كون المسيح مولودا عنها أن يكون الكلي الصالح لاشتراك الكثرة منحصرا في الجزئي الذي لا يصلح لذاته وهو ممتنع، الثاني أن النصارى مجمعون على أن المسيح كان مرئيا ومشارا إليه، والكلي ليس كذلك.
الثالث أنهم قائلون: إن الكلمة حلت في المسيح إما بجهة الاتحاد أولا بجهة الاتحاد. فلو كان المسيح إنسانا كليا لما اختص به بعض أشخاص الناس دون البعض ولما كان المولود من مريم مختصا بحلول الكلمة دون غيره ولم يقولوا به، الرابع أن الملكانية متفقون على أن القتل وقع على اللاهوت والناسوت، ولو كان ناسوت المسيح كليا لما تصور وقوع الجزئي عليه.
وأما ما ذهب إليه نسطور من أن الأقانيم ثلاثة، فالكلام معه في الحصر على طرز ما تقدم، وقوله: ليست عين ذاته ولا غير ذاته فإن أراد بذلك ما أراد به الأشعري في قوله: إن الصفات لا عين ولا غير فهو حق، وإن أراد غيره فغير مفهوم وأما تفسيره العلم بالكلمة، فالنزاع معه- في هذا الإطلاق- لفظي، ثم لا يخلو إما أن يريد بالكلمة الكلام النفسي أو الكلام اللساني، والكلام في ذلك معروف وقوله: إن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت عليه لا حاصل له لأنه إما أن يريد إشراق الكلمة عليه ﵇ ما هو مفهوم من مثاله، وهو أن يكون مطرحا لشعاعها عليه، أو يريد أنها متعلقة به كتعلق العلم القديم بالمعلومات، أو يريد غير ذلك فإن كان الأول يلزم أن تكون الكلمة ذات شعاع، وفي جهة من مطرح شعاعها، ويلزم من ذلك أن تكون جسما، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال، وإن كان الثاني فهو حق غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة، وإن كان الثالث فلا بدّ من تصويره ليتكلم عليه.
وأما قول بعض النسطورية: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله حي ناطق فهو باطل بأدلة إبطال التثليث، وأما من أثبت منهم لله تعالى صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب خلا أن القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنها مشاركة لها في كونها من الصفات تحكم بحت، والفرق الذي يستند إليه باطل كما علمت وأما قولهم: إن المسيح إنسان تام وإله تام، وهما جوهران: قديم وحادث، فطريق ردّه من وجهين الأول التعرض لإبطال كون الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلها وذلك بأن يقال: إما أن يقولوا: بأن ما اتحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أن كل أقنوم إله كما ذهبت إليه الملكانية، فإن كان الأول فهو ممتنع لعدم الأولوية، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا لما تقدم، الثاني أنه إذا كان المسيح مشتملا على الأقنوم والناسوت الحادث فإما أن يقولوا: بالاتحاد، أو بحلول الأقنوم في الناسوت، أو حلول الناسوت في الأقنوم، أو أنه لا حلول لأحدهما في الآخر، فإن كان الأول فهو باطل بما سبق في إبطال الاتحاد، وإن كان الثاني فهو باطل بما يبطل حلول الصفة القديمة في غير ذات الله تعالى، وحلول الحادث في القديم، وإن كان الثالث، فإما أن يقال: بتجاورهما واتصالهما أولا، فإن قيل: بالأول فإما أن يقال: بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به، فإن قيل: بالانفصال فهو ممتنع لوجهين الأول ما يدل على إبطال انتقال
стр. 1224
الصفة عن الموصوف، الثاني أنه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للناسوت بنفسها وهو محال، وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم يلزم منه أن يكون ذات الجوهر القديم متصلة بجسد المسيح ضرورة اتصال أقنومها به، وعند ذلك فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى من اتحاد الجوهر القديم به ولم يقولوا بذلك، وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما فلا معنى للاتحاد بجسد المسيح، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح أولى من العكس، وأما قول من قال منهم: إن الإله واحد، وإن المسيح ولد من مريم وإنه عبد صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه بتسميته ابنا فهو كما يقول الموحدون، ولا خلاف معهم في غير إطلاق اسم الابن، وأما قول بعض اليعقوبية: إن الكلمة انقلبت لحما ودما وصار الإله هو المسيح فهو أظهر بطلانا مما تقدم وبيانه من وجهين: الأول أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحما ودما مع اختلاف حقيقتيهما لجاز انقلاب المستحيل ممكنا والممكن مستحيلا والواجب ممكنا أو ممتنعا والممكن- أو الممتنع- واجبا، ولم يبق لأحد وثوق بشيء من القضايا البديهية، ولجاز انقلاب الجوهر عرضا والعرض جوهرا، واللحم والدم أقنوما، والأقنوم ذاتا، والذات أقنوما، والقديم حادثا والحادث قديما، ولم يقل به أحد من العقلاء، الثاني أنه لو انقلب الأقنوم لحما ودما، فإما أن يكون هو عين الدم واللحم اللذين كانا للمسيح، أو زائدا عليه منضما إليه، والأول ظاهر الفساد، والثاني لم يقولوا به وأما ما نقل عن يوحنا من قوله: في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله هو الكلمة، فهو مما انفرد به ولم يوجد في شيء من الأناجيل، والظاهر أنه كذب، فإنه بمنزلة قول القائل: الدينار عند الصيرفي والصيرفي هو الدينار، ولا يكاد يتفوه به عاقل، وكذا قوله: إن الكلمة صارت جسدا وحلت فينا غير مسلم الثبوت، وعلى تقدير تسليمه يحتمل التقديم والتأخير. أي إن الجسد الذي صار بالتسمية كلمة حل فينا، وعنى بذلك الجسد عيسى ﵇، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى بطرس، كبير التلاميذ ووصي المسيح، فإنه أقام بعده ﵇ بتدبير دينه وكانت النصارى تفزع إليه على ما تشهد به كتبهم، فكأنه يقول: إن ذهبت الكلمة أي عيسى الذي سماه الله تعالى بذلك من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسدا وحل فينا، يريد أن تدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس.
ومن الناس من خرج كلامه على إسقاط همزة الإنكار عند إخراجه من العبراني إلى اللسان العربي، والمراد أصارت وفيه بعد، ومن العجب العجيب أن يوحنا ذكر أن المسيح قال لتلاميذه: إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم بعدي لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأثبت فيه، فلما سمع تلاميذه هذه الكلمة قالوا: ما أصعبها من يطيق سماعها فرجع كثير منهم عن صحبته، فإن هذا مع قوله: إن الله سبحانه هو الكلمة والكلمة صارت جسدا في غاية الإشكال إذ فيه أمر الحادث بأكل الله تعالى القديم الأزلي وشربه، والحق أن شيئا من الكلامين لم يثبت، فلا نتحمل مؤنة التأويل.
وأما قولهم: إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو، فإما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت كما يصرح به قولهم: صار هو هو، فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق وهو محال كما علمت وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت فهو أيضا محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم، أو أن الناسوت اتصف باللاهوت وهو أيضا محال لامتناع حلول القديم بالحادث، وأما من قال منهم: بأن جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا جوهرا واحدا هو المسيح فباطل من وجهين: الأول ما ذكر من إبطال الاتحاد، الثاني أنه ليس جعل الناسوت لاهوتا بتركبه مع اللاهوت أولى من جعل اللاهوت ناسوتا من جهة تركبه مع الناسوت ولم يقولوا به، وأما جوهر الفحمة إذا ألقيت في النار فلا نسلم أنه صار بعينه جوهر النار بل صار مجاورا لجوهر النار، وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت بمجاورة جوهر النار، أما إن جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا.
стр. 1225
وأما قولهم: إن الاتحاد بالناسوت الجزئي دون الكلي فمحال لأدلة إبطال الاتحاد وحلول القديم بالحادث وبذلك يبطل قولهم: إن مريم ولدت إلها، وقولهم: القتل وقع على اللاهوت والناسوت معا على أنه يوجب موت الإله وهو بديهي البطلان، وأما قول من قال: إن المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه محدث من وجه فباطل لأنه إذا كان جوهر المسيح متحدا لا كثرة فيه، فالحدوث إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه، أو لغيره فإن كان الأول فهو محال وإلا لكان الشيء الواحد قديما لا أول له حادثا له أول وهو متناقض، وإن كان الثاني فهو خلاف المفروض، وأما قول من قال: إن الكلمة مرت بمريم كمرور الماء في الميزاب فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى، وبه يبطل قول من قال: إن الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى، وقولهم: إن ما ظهر من صورة المسيح في الناسوت لم يكن جسما بل خيالا كالصورة المرئية في المرآة باطل لأن من أصلهم أن المسيح إنما أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللاهوت، فإذا كان ما ظهر فيه من اللاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه، والقول: بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث ليس كذلك لقيام الأدلة على قدم الصفات فهو قديم أزلي كيف وأنه لو كان حادثا لكان الإله قبله غير حي، ومن ليس بحي لا يكون عالما ولا ناطقا، وقول من قال: إن المسيح مخلوق قبل العالم وهو خالق لكل شيء باطل لقيام الأدلة على أنه كان الله تعالى ولا شيء غيره.
وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه: الأول أن قولهم: نؤمن بالواحد الأب صانع كل شيء، يناقض قولهم: وبالرب الواحد المسيح إلخ مناقضة لا تكاد تخفى، الثاني أن قولهم: إن يسوع المسيح ابن الله تعالى بكر الخلائق مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه إذ الوالد والولد لا يكونان معا في الوجود وكونهما معا مستحيل ببداهة العقول لأن الأب لا يخلو إما أن يكون ولد ولدا لم يزل أو لم يكن، فإن قالوا: ولد ولدا لم يزل، قلنا: فما ولد شيئا إذ الابن لم يزل وإن ولد شيئا لم يكن، فالولد حادث مخلوق وذلك مكذب لقولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء، الثالث أن قولهم: إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول المسيح في الإنجيل: وقد سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعرفه ولا يعرفه إلا الأب وحده، فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب على أنه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أول لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ولما وقف الأمر على غاية وهو محال، الرابع أن قولهم: إن يسوع أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء باطل مكذب لما في الإنجيل إذ يقول متى: هذا مولد يسوع المسيح ابن داود، وأيضا خالق العالم لا بد وأن يكون سابقا عليه وأنى يسبق المسيح وقد ولدته مريم؟! وأيضا في الإنجيل إن إبليس قال للمسيح: اسجد لي وأعطيك جميع العالم وأملكك كل شيء ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له فكيف يكون خالق العالم محصورا في يد بعض العالم؟! نعوذ بالله تعالى من الضلالة.
الخامس أن قولهم: المسيح الإله الحق الذي نزل من السماء لخلاص الناس وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحبل به وولد، فيه عدة مفاسد: منها أن المسيح لا يخص مجرد الكلمة ولا مجرد الجسد بل هو اسم يخص هذا الجسد الذي ولدته مريم ﵍ ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحا فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء، ومنها أن الذي نزل من السماء لا يخلو إما أن يكون الكلمة أو الناسوت، فإن زعموا أن الذي نزل هو الناسوت فكذب صراح لأن ناسوته من مريم، وإن زعموا أنه اللاهوت فيقال: لا يخلو إما أن يكون الذات أو العلم المعبر عنه بالكلمة فإن كان الأول لزم لحوق النقائص للباري عز اسمه، وإن كان الثاني لزم انتقال الصفة وبقاء الباري بلا علم وذلك باطل.
стр. 1226
ومنها أن قولهم: إنما نزل لخلاص معشر الناس يريدون به أن آدم ﵇ لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان وأوجب عليهم الخلود في النار فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به وذلك دعوى لا دلالة عليها، هب أنا سلمناها لهم لكن يقال: أخبرونا مم هذا الخلاص الذي تعنى الإله الأزلي له وفعل ما فعل بنفسه لأجله؟
ولم خلصكم؟ وممن خلصكم؟ وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينهم؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والروح؟ فإن زعموا أن الخلاص من تكاليف الدنيا وهمومها أكذبهم الحس، وإن كان من تكاليف الشرع وأنهم قد حط عنهم الصلاة والصوم مثلا أكذبهم المسيح والحواريون بما وضعوه عليهم من التكاليف، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من أحكام الدار الآخرة فمن ارتكب محرما منهم لم يؤاخذ أكذبهم الإنجيل والنبوات إذ يقول المسيح في الإنجيل: إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم، السادس أن قولهم: وتجسد من روح القدس باطل بنص الإنجيل إذ يقول: متى في الفصل الثاني منه، إن يوحنا المعمداني حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء في صفة حمامة وذلك بعد ثلاثين من عمره.
السابع أن قولهم: إن المسيح نزل من السماء وحملت به مريم وسكن في رحمها مكذب بقول لوقا الإنجيلي إذ يقول في قصص الحواريين في الفصل الرابع عشر منه: إن الله تعالى هو خالق العالم بما فيه وهو رب السماء والأرض لا يسكن الهياكل ولا تناله أيدي الرجال ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء لأنه الذي أعطى الناس الحياة، فوجودنا به وحياتنا وحركاتنا منه، فقد شهد لوقا بأن الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرجال بأيديها، وهذا ينافي كون الكلمة سكنت في هيكل مريم وتحولت إلى هيكل المسيح، الثامن أن قولهم: إنه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث، التاسع أن قولهم: إن يسوع هذا الرب الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء بمنزلة قول القائل:
لألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادا
إذ زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تم عليه من أعدائه ما تم فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية، العاشر أن قولهم: ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الذنوب فيه مناقضة لأصولهم، وذلك أن اعتقاد النصارى أنه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح، ولذلك سموه جمل الله تعالى الذي يحمل عليه الخطايا، ودعوه مخلص العالم من الخطيئة فإذا آمنوا بأن المعمودية الواحدة هي التي تغفر خطاياهم وتخلص من ذنوبهم فقد صرحوا بأنه لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة فإن كان التعميد كافيا للمغفرة فقد اعترفوا أن وقوع القتل عبث وإن كانت لا تحصل إلا بقتله فما فائدة التعميد وما هذا الإيمان؟ فهذه عشرة وجوه كاملة في ردّ تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة، ومن أمعن نظره ردّها بأضعاف ذلك. وقال أبو الفضل المالكي بعد كلام:
بطلت أمانتهم فمن مضمونها ... ظهرت خيانتها خلال سطورها
بدؤوا بتوحيد الإله وأشركوا ... عيسى به، فالخلف في تعبيرها
قالوا: بأن إلههم عيسى الذي ... ذر الوجود على الخليقة كلها
خلق أمه قبل الحلول ببطنها ... ما كان أغنى ذاته عن مثلها
стр. 1227
هل كان محتاجا لشرب لبانها ... أو أن يربى في مواطن حجرها
جعلوه ربا جوهرا من جوهر ... ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى
قالوا: وجاء من السماء عناية ... لخلاص آدم من لظاه وحرها
قد تاب آدم توبة مقبولة ... فضلا لهم جعل الفداء بغيرها
لو جاء في ظلل الغمام وحوله ... شرفا ملائكة السماء بأسرها
وفدى الذي بيديه أحكم طينه ... بالعفو عن كل الأمور وسترها
ثم اجتباه محببا ومفضلا ... ووقاه من غيّ النفوس وشرها
كنتم تحلون الإله مقامه ... فيما تراه نفوسكم من شركها
من غير أن يحتاج في تلخيصه ... كل الخلائق أن تبوء بضرها
ويشينه الأعداء بما لا يرتضي ... من كيدها وبما دهى من مكرها
هذي أمانتهم وهذا شرحها ... الله أكبر من معاني كفرها
ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ أنه قال: إن المسيح عند ما ودعهم قال: اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول- على تقدير صحة الرواية، ودونها خرط القتاد: يحتمل أن يراد بالأب المبدأ، فإن القدماء كانوا يسمون المبادئ بالآباء، ومن الابن الرسول، وسمي بذلك تشريفا وإكراما كما سمي إبراهيم ﵇ خليلا، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء،
وقد رووا عن المسيح ﵇ أنه قال: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقال: لا تعطوا صدقاتكم قدّام الناس لتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء.
وربما يقال: إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه، ويشير إلى ذلك ما
رووه أنه ﵇ قال عقيب وصية وصى بها الحواريين: لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامّين كما أن أباكم الذي في السماء تام،
ويراد بروح القدس جبريل ﵇، والمعنى عمدوا ببركة الله تعالى ورسوله ﷺ والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تبليغ أوامر ربهم، وفي كشف الغين عن الفرق بين البسملتين للشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلهي الواحد الأحد: الغيب المطلق، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول مخلوق لله تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة المحمدية، ويضاف إلى الله تعالى فيقال: روح الله تعالى للتشريف والتعظيم ك (ناقة الله) تعالى، وروح القدس إشارة إليه أيضا باعتبار ظهوره بصورة البشر السوي النافخ في درع مريم ﵍، والابن إشارة إلى عيسى ﵇ وهو ابن لذلك الروح باعتبار أن تكوّنه بسبب نفخه، والأب هو الابن، والابن هو روح القدس في الحقيقة والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة، فإنه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء، فبسملة الإنجيل من مقام الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية.
ثم لا يتوهمن أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا ذوق له في مشربهم، وذلك لأن القوم نفعنا الله تعالى بهم مبرؤون عما نسبه
стр. 1228
المحجوبون إليهم من اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول، أما إنهم لم يقولوا بالتجسيم فلما تقرر عندهم من أن الحق سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعين بذاته، وكل جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبر عنه بالعماء متعينة بمقتضى استعداد ماهية المعدومة ولا شيء من الوجود المجرد من الماهية المتعين بذاته بالصورة المتعينة في الوجود المنبسط بمقتضى الماهية المعدومة فلا شيء من الجسم بالوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته بجسم وهو المطلوب، وأما إنهم لم يقولوا بالعينية، فلأن الحق تعالى هو ما علمت من الوجود المحض، إلخ، والمخلوق هو الصورة الظاهرة في الوجود المنبسط على الحقائق المتعين بحسب ماهيته المعدومة ولا شيء من المجرد عن الماهية المتعين بذاته بالمقترن بالماهية المتعين بحسبها، ومما يشهد لذلك قول الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة من الفتوحات في حضرة البديع بعد بسط: وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعا، وقوله في هذا الباب أيضا في قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩] انفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما سواه. فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك، وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف، وكذا قال غير واحد، وقال الشيخ شرف الدين إسماعيل بن سودكين في شرح التجليات نقلا عن الشيخ قدس سره أيضا: لما ظهرت الممكنات بإظهار الله تعالى لها وتحقق ذلك تحققا لا يمكن أن يزيل هذه الحقيقة أبدا فبقي متواضعا لكبرياء الله خاشعا له وهذه سجدة الأبد وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته.
ومن هنا يعلم حقيقة
قوله سبحانه: «كنت سمعه وبصره» الحديث،
ولما لاح من هذا المشهد لبعض الضعفاء لائح قال: أنا الحق فسكر وصاح ولم يتحقق لغيبته عن حقيقته انتهى، وأما أنهم لم يقولوا بالاتحاد فلأن الاتحاد إما بصيرورة الوجود المحض المجرد المتعين بذاته وجودا مقترنا بالماهية المعدومة متعينا بحسبها أو بالعكس، وذلك محال بوجهيه لأن التجرد عن الماهية ذاتي للحق تعالى والاقتران بها ذاتي للممكن وما بالذات لا يزول.
وفي كتاب المعرفة للشيخ الأكبر قدس سره إذا كان الاتحاد مصيّر الذاتين واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل منهما موجودا في حال الاتحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلا واحدة، وقال في كتاب الياء وهو كتاب ألهو الاتحاد محال، وساق الكلام إلى أن قال: فلا اتحاد البتة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصورة، وقال في الباب الخامس من الفتوحات خطابا من الحق تعالى للروح الكلي: وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بالأسرار الإلهية إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو عرفتها لاتحدت الإنية واتحاد الانية محال، فمشاهدتك لذلك محال، هل ترجع إنية المركب البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق، وأما إنهم لم يقولوا بالحلول فلأنهم فسروا الحلول تارة بأنه الحصول على سبيل التبعية، وتارة بأنه كون الموجود في محل قائما به، ومن المعلوم أن الواجب تعالى- وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعين كذلك- يستحيل عليه القيام بغيره.
قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثاني والتسعين ومائتين من الفتوحات: نور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك، كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلهي، لكن يختلف الحكم لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه، وكما يعلم عقلا أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنما كان لها مجلى، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه وإنما هو مجلى له وخاصة ومظهر له انتهى.
стр. 1229
وهذا نص في نفي الحلول ومنشأ غلط المحجوبين المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السادة نفعنا الله تعالى بهم على وجهه، وعدم التمييز بين الحلول والتجلي ولم يعلموا أن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلا له، فإن الظاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعا بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه فالظهور غير الحلول فإن الظهور في المظاهر للواسع القدوس يجامع التنزيه بخلاف الحلول، نعم وقع في كلامهم التعبير بالحلول ومرادهم به الظهور، ومن ذلك قوله:
يا قبلتي قابليني بالسجود فقد ... رأيت شخصا لشخص فيه قد سجدا
لاهوته حل ناسوتي فقدسني ... إني عجبت لمثلي كيف ما عبدا
وكان الأولى بحسب الظاهر عدم التعبير بمثل ذلك ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا، ولعل عذرهم واضح عند المنصفين، إذا علمت ذلك وتحققت اختلاف النصارى في عقائدهم، فاعلم أنه سبحانه إنما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم، وفي بعض آخر قول آخرين، وحكاية دعواهم ألوهية مريم ﵍ كدعواهم ألوهية عيسى ﵇ مما نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحا لكن يلزمهم ذلك بناء على ما حققه الإمام الرازي رحمه الله تعالى، والنصارى اليوم ينكرونه والله تعالى أصدق القائلين، ويمكن أن يقال: إن مدعي ألوهيتها ﵍ صريحا طائفة منهم هلكت قديما كالطائفة اليهودية التي تقول عزير ابن الله تعالى على ما قيل، ثم إنه سبحانه بالغ في زجر القائلين فأردف سبحانه النهي بقوله عز من قائل: انْتَهُوا عن القول بالتثليث خَيْراً لَكُمْ قد مر الكلام في أوجه انتصابه إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ أي بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي أسبحه تسبيحا عن، أو من أن يكون له ولد، أو سبحوه عن، أو من ذلك لأن الولد يشابه الأب ويكون مثله والله تعالى منزه عن التشبيه والمثل، وأيضا الولد إنما يطلب ليكون قائما مقام أبيه إذا عدم ولذا كان التناسل والله تعالى باق لا يتطرق ساحته العلية فناء فلا يحتاج إلى ولد ولا حكمة تقتضيه، وقد علمت ما أوقع النصارى في اعتقادهم أن عيسى ﵇ ابن الله تعالى.
ومن الاتفاقات الغريبة ما نقله مولانا راغب باشا رحمه الله تعالى ملخصا من تعريفات أبي البقاء قال: قال الإمام العلامة محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري نور الله تعالى ضريحه: إن بعض النصارى انتصر لدينه وانتزع من البسملة الشريفة دليلا على تقوية اعتقاده في المسيح ﵇ وصحة يقينه به فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدّم فيها وأخر وفكر وقدّر. فقتل كيف قدّر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر، فقال: قد انتظم من البسملة المسيح ابن الله المحرر، فقلت له: حيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكما وحزت منها أحكاما وحكما فلتنصرن البسملة منا الأخيار على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار إذ قد قالت لك البسملة بلسان حالها: إنما الله المسيح راحم النحر لأمم لها المسيح رب، ما برح الله راحم المسلمين، سل ابن مريم أحل له الحرام، لا المسيح ابن الله المحرر، لا مرحم للئام أبناء السحرة رحم حرّ مسلم أناب إلى الله، لله نبي مسلم حرم الراح، ربح رأس مال كلمة الإيمان، فإن قلت: إنه ﵇ رسول صدقتك، وقالت: إيل أرسل الرحمة بلحم، وإيل من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم ببيت لحم، وهو المكان الذي ولد فيه عيسى ﵇ إلى غير ذلك مما يدل على إبطال مذهب النصارى، ثم انظر إلى البسملة قد تخبر أن من وراء حلها خيولا وليوثا، ومن دون طلها سيولا وغيوثا، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة فنسجت على منوالها وقابلت الواحدة بعشر أمثالها بل أتيتك بما يغنيك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن الإجابة فيصمتك، فتعلم أن هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون ومستودع لجوهر سرها
стр. 1230
المكنون، ألا ترى أن البسملة إذا حصلت جملتها كان عددها سبعمائة وستة وثمانين فوافق جملها أن مثل عيسى كآدم ليس لله من شريك بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة ولا أشرك بربي أحدا، يهدي الله لنوره من يشاء، بإسقاط ألف الجلالة، فقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خبرا، وجاءك ما لم تستطع عليه صبرا انتهى.
وقد تقدم نظير ذلك في الباقي بعد إسقاط المكرر من حروف المعجم في أوائل السور حيث رتب الشيعي منه ما ظنه مقويا لما هو عليه أعني صراط على حقا نمسكه وقابلناه بما يبهته مرتبا من هذا الحروف أيضا فتذكر، وقرأ الحسن «إن يكون» بكسر الهمزة ورفع النون أي سبحانه ما يكون له ولد على أن الكلام جملتان.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه، وبيان ذلك أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها لا يخرج من ملكوته شيء منها، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكا لجميعها، وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا إشارة إلى دليل آخر لأن الوكيل بمعنى الحافظ فإذا استقل في الحفظ لم يحتج إلى الولد فإن الولد يعين أباه في حياته ويقوم مقامه بعد وفاته والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلا ويكون افتراؤه حمقا وجهلا.
ْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
استئناف مقرر لما سبق من التنزيه،
وروي أن وفد نجران قالوا لنبينا ﷺ : «يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى ﵇، قال: وأي شيء أقول فيه؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله فنزلت»
والاستنكاف استفعال من النكف، وأصله- كما قال الراغب- من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع، وقالوا: بحر لا ينكف أي لا ينزح، ومنه قوله:
فبانوا ولولا ما تذكر منهم ... من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع
وقيل: النكف قول السوء، ويقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف، واستفعل فيه للسلب قاله المبرد، وفي الأساس استنكف ونكف امتنع وانقبض أنفا وحمية.
وقال الزجاج: الاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في الاستكبار ذلك، والمعنى لن يأنف ولن يمتنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لن يستكبر المسيح نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
أي عن، أو من أن يكون عبد الله تعالى مستمرا على عبادته تعالى وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف، وقد أشار القاضي عياض إلى شرف العبودية بقوله:
ومما زادني عجبا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك: يا عبادي ... وجعلك خير خلقك لي نبيا
والاقتصار على ذكر عدم استنكافه ﵇ عن ذلك مع أن شأنه ﵇ المباهاة به كما تدل عليه أحواله وتفصح عنه أقواله لوقوعه في موضع الجواب عما قاله الكفرة كما علمت آنفا. وهو السر في جعل المستنكف منه كونه ﵇ عبدا له تعالى دون أن يقال: عن عبادة الله تعالى ونحو ذلك مع إفادته- كما قيل- فائدة جليلة هي كمال نزاهته ﵇ عن الاستنكاف بالكلية لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة فعدم الاستنكاف عنه مستلزم لعدم استنكاف ذلك بخلاف وصف العبادة فإنها حالة متجددة غير مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عنها عدم الاستنكاف عن دوامها.
ومما يدل على عبوديته ﵇ من كتب النصارى أن قولس قال في رسالته الثانية: انظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن من عند من خلقه مثل موسى ﵇ في جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى عليه