الزجاج: دمشق وفلسطين والأردن (١) ، وقال مجاهد هي أرض الطور وما حوله، وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش مصر، والتقديس التطهير، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو لأنها مطهرة من الآفات، وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة، أو لأنها طهرت من القحط والجوع، وقيل: سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب.
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي قدرها وقسمها لكم، أو كتب في اللوح المحفوظ أنها تكون مسكنا لكم.
روي أن الله تعالى أمر الخليل ﵊ أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره، وعن قتادة والسدي أن المعنى التي أمركم الله تعالى بدخولها وفرضه عليكم، فالكتب هنا مثله في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣] وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين، والكتب على أولهما مجاز، وعلى ثانيهما حقيقة، وقيدوه بإن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصوا: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٢٦] وقوله سبحانه: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا، والأدبار جمع دبر وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها، والجار والمجرور حال من فاعل تَرْتَدُّوا أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفا من الجبابرة، وجوز أن يتعلق بنفس الفعل، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى، وإليه ذهب أبو علي الجبائي، وقوله تعالى: فَتَنْقَلِبُوا إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر، وإما منصوب في جواب النهي، قال الشهاب: على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار، وهو ممتنع خلافا للكسائي، وفيه نظر لا يخفى، والمراد بالخسران خسران الدارين قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ شديدي البطش متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية، والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه- كالحساس- من الإحساس وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان، ومعناه في البخل ما فات اليد طولا، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم، أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن ابن حجيرة قال: استظل سبعون رجلا من قوم موسى ﵇ في قحف رجل من العمالقة، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رئيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها، وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فَإِنَّا داخِلُونَ فيها حينئذ، وأتوا بهذه الشرطية- مع كون مضمونها مفهوما مما تقدم- تصريحا بالمقصود وتنصيصا على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة- بإن- دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهارا لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي يخافون الله تعالى، وبه قرىء، والمراد رجلان من المتقين وهما- كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع- يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو، وقيل: المراد بالرجلين ما ذكر، ومِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ بنو إسرائيل
стр. 1297
والمراد يخافون العدو، ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم في النسب لا في الخوف، وقيل: في الخوف أيضا، والمراد أنهما لم يمنعهما الخوف عن قول الحق، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى ﵇، فعلى هذا يكون الَّذِينَ عبارة عن الجبابرة، والواو ضمير بني إسرائيل، وعائد الموصول محذوف أي يخافونهم، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير «يخافون» بضم الياء، وجعلها الزمخشري شاهدة على أن الرجلين من الجبارين كأنه قيل: من المخوّفين أي يخافهم بنو إسرائيل، وفيها احتمالان آخران: الأول أن يكون من الإخافة، ومعناه من الذين يخوّفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة أو يخوّفهم وعيد الله تعالى بالعقاب، والثاني أن معنى يَخافُونَ يهابون ويوقرون، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم: ومع هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين، وترجيح ذلك بقوله تعالى: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان والتثبيت غير ظاهر أيضا لأنه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما، وكونه إنما يليق أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيز المنع، والجملة صفة ثانية- لرجلين- أو اعتراض، وقيل: حال بتقدير قد من ضمير يَخافُونَ أو من رَجُلانِ لتخصيصه بالصفة، أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي باب مدينتهم وتقديم عَلَيْهِمُ عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي فاجئوهم وضاغطوهم في المضيق ولا تمهلوهم ليحصروا ويجدوا للحرب مجالا فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ عليهم الباب فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ من غير حاجة القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضائق فإنهم لا يقدرون على الكر والفر، وقيل: إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى ﵇، وقوله: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وقيل: من جهة غلبة الظن، وما تبينا من عادة الله تعالى في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله تعالى لموسى ﵇ في قهر أعدائه، قيل: والأول أنسب بتعليق الغلبة بالدخول وَعَلَى اللَّهِ تعالى خاصة فَتَوَكَّلُوا بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثر من دون إذنه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله تعالى، والمراد بهذا الإلهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق، وقد يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما قالُوا غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى ﵇ إظهارا لإصرارهم على القول الأول وتصريحا بمخالفتهم له ﵇ يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أي أرض الجبابرة فضلا عن الدخول عليهم وهم في بلدهم أَبَداً أي دهرا طويلا، أو فيما يستقبل من الزمان كله ما دامُوا فِيها أي في تلك الأرض، وهو بدل من أَبَداً بدل البعض وقيل: بدل الكل من الكل، أو عطف بيان لوقوعه بين النكرتين ومثله في الإبدال قوله:
وأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا
فإن قوله: «ما دمتما» بدل من الدهر فَاذْهَبْ أي إذا كان الأمر كذلك فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا أي فقاتلاهم وأخرجاهم حتى ندخل الأرض وقالوا ذلك استهانة واستهزاء به سبحانه وبرسوله ﵊ وعدم مبالاة، وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم وقسوة قلوبهم، والمقابلة بقوله تعالى إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وقيل: أرادوا إرادتهما وقصدهما كما تقول: كلمته فذهب يجيبني كأنهم قالوا: فأريدا قتالهم واقصداهم، وقال البلخي: المراد فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعينك، فالواو للحال، وأَنْتَ مبتدأ حذف خبره وهو خلاف الظاهر، ولا يساعده فَقاتِلا ولم يذكروا أخاه هارون ﵉ ولا الرجلين اللذين قالا كأنهم لم يجزموا بذهابهم أولم يعبؤوا بقتالهم، وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر أيضا قالَ موسى ﵇ لما رأى منهم ما رأى من
стр. 1298
العناد على طريق البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، فليس القصد إلى الإخبار وكذا كل خبر يخاطب به علام الغيوب يقصد به معنى سوى إفادة الحكم أو لازمه، فليس قوله ردا لما أمر الله تعالى به ولا اعتذارا عن عدم الدخول رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون ﵇ وهو عطف على نَفْسِي أي لا يجيبني إلى طاعتك ويوافقني على تنفيذ أمرك سوى نَفْسِي وَأَخِي ولم يذكر الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما وإن كانا يوافقانه إذا دعا لما رأى من تلون القوم وتقلب آرائهم فكأنه لم يثق بهما ولم يعتمد عليهما.
وقيل: ليس القصد إلى القصر بل إلى بيان قلة من يوافقه تشبيها لحاله بحال من لا يملك إلا نفسه وأخاه، وجوز أن يراد- بأخي- من يؤاخيني في الدين فيدخلان فيه ولا يتم إلا بالتأويل بكل مؤاخ له في الدين، أو بجنس الأخ وفيه بعد، ويجوز في أَخِي وجوها أخر من الإعراب: الأول أنه منصوب بالعطف على اسم- إن- الثاني أنه مرفوع بالعطف على فاعل أَمْلِكُ للفصل، الثالث أنه مبتدأ خبره محذوف، الرابع أنه معطوف على محل اسم- إن- البعيد لأنه بعد استكمال الخبر، والجمهور على جوازه حينئذ، الخامس أنه مجرور بالعطف على الضمير المجرور على رأي الكوفيين، ثم لا يلزم على بعض الوجوه الاتحاد في المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أي وأخي إلا نفسه، فلا يرد ما قيل: إنه يلزم من عطفه على اسم- إن- أو فاعل أَمْلِكُ أن موسى وهارون ﵉ لا يملكان إلا نفس موسى ﵇ فقط، وليس المعنى على ذلك كما لا يخفى، وليس من عطف الجمل بتقدير ولا يملك أخي إلا نفسه كما توهم، وتحقيقه أن العطف على معمول الفعل لا يقتضي إلا المشاركة في مدلول ذلك ومفهومه الكلي لا الشخص المعين بمتعلقاته المخصوصة فإن ذلك إلى القرائن فَافْرُقْ بَيْنَنا يريد نفسه وأخاه عليهما الصلاة والسلام، والفاء لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله، وقرىء «فافرق» بكسر الراء وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي الخارجين عن طاعتك بأن تحكم لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه كما هو المروي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهم، وقال الجبائي: سأل ﵇ ربه أن يفرق بالتبعيد في الآخرة بأن يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار، وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين، ويرجحه تعقيب الدعاء بقوله تعالى: قالَ فَإِنَّها فإن الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به،
وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال: إن موسى ﵇ غضب حين قال له القوم ما قالوا فدعا- وكان ذلك عجلة منه ﵇ عجلها- فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى الله تعالى عليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
والضمير المنصوب عائد إلى الأرض المقدسة أي فإنها لدعائك مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ لا يدخلونها ولا يملكونها، والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، ومثله قول امرئ القيس يصف فرسه:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام
يريد إني فارس لا يمكنك أن تصرعيني، وجوز أبو علي الجبائي- وإليه يشير كلام البلخي- أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر أَرْبَعِينَ سَنَةً متعلق- بمحرمة- فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا فلا يكون مخالفا لظاهر قوله تعالى:
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة لكن- لا- بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي حسبما
روي أن موسى ﵇ سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض ﵇، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد،
وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً وإنما دخلها مع موسى ﵇ النواشئ من
стр. 1299
ذرياتهم، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريما عليهم لما بينهما من العلاقة التامة، وقوله تعالى: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية حرمانهم، وقيل: حال من ضمير عَلَيْهِمْ، والتيه: الحيرة، ويقال: تاه يتيه ويتوه، وهو أتوه وأتيه، فهو مما تداخل فيه الواو والياء، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق.
وقيل: الظرف متعلق ب يَتِيهُونَ، وروي ذلك عن قتادة فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه، وكانت مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخا في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل، وقيل: اثني عشر فرسخا في عرض ستة فراسخ، وقيل: ستة في عرض تسعة، وقيل: كان طولها ثلاثين ميلا في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون- كما قاله الحسن ومجاهد- قيل: وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ عوقبوا بما يشبه القعود، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل.
وقيل: لأنهم عبدوا العجل أربعين يوما فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض.
وقال أبو علي الجبائي: إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم ويغني الله تعالى عن قبوله.
وروي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس وينزل عليهم المنّ والسلوى، وجعل معهم حجر موسى ﵇ يتفجر منه الماء دفعا لعطشهم،
قيل: ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس، وكانت تشب معهم إذا شبوا كما روي عن طاوس.
وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه.
والعادة تبعد كثيرا منه فلا يقبل إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه، فقال: إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم، وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له: هي فضيلة فهلا أثبتها لقومك؟ فقال: لا أرضى بالكذب ثوبا، واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى، وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه معروفه، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم، وأكثر المفسرين على أن موسى وهارون ﵉ كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من المشقة ما نالهم، وكان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم ﵇، ولعل الرجلين أيضا كانا كذلك.
وروي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى ﵉ فقالوا: قتله لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه، فبرأه مما يقولون، وعاد إلى مضجعه، ومات موسى ﵇ بعده بسنة،
وقيل: بستة أشهر ونصف، وقيل: بثمانية أعوام، ودخل يوشع أريحا بعده بثلاثة أشهر، وقال قتادة: بشهرين، وكان قد نبئ قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم، قيل- ولا يساعده النظم الكريم- فإنه بعد ما قبل دعوته ﵇ على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا، ويقدر وفاة النبيين ﵉ في محل العقوبة ظاهرا، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة، وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما ﵉ بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار بموت هارون عليه
стр. 1300
السلام، ولا أرى للاستبعاد محلا، ولعل ذلك أنكى لبني إسرائيل.
وقيل: إنهما ﵉ لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه، وأن الدعاء- وقد أجيب- كان بالفرق بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا، وأرى هذا القول مما لا يكاد يصح، فإن كثيرا من الآيات كالنص في وجود موسى ﵇ معهم فيه كما لا يخفى فَلا تَأْسَ أي فلا تحزن لموتهم، أو لما أصابهم فيه من الأسى- وهو الحزن- عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الذين استجيب لك في الدعاء عليهم لفسقهم، فالخطاب لموسى ﵇ كما هو الظاهر، وإليه ذهب أجلة المفسرين.
وقال الزجاج: إنه للنبي ﷺ ، والمراد- بالقوم الفاسقين- معاصروه ﵊ من بني إسرائيل كأنه قيل: هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فإنهم ورثوا ذلك عنهم.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى: وَإِذْ قالَ موسى إلخ، وتعلقه به قيل: من حيث إنه تمهيد لما سيأتي إن شاء الله تعالى من جنايات بني إسرائيل بعد ما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به
стр. 1301
من البينات وقيل: من حيث إن في الأول الجبن عن القتل، وفي هذا الإقدام عليه مع كون كل منهما معصية، وضمير عَلَيْهِمْ يعود على بني إسرائيل كما هو الظاهر إذ هم المحدث عنهم أولا، وأمر ﷺ بتلاوة ذلك عليهم إعلاما لهم بما هو في غامض كتبهم الأول الذي لا تعلق للرسول ﵊ بها إلا من جهة الوحي لتقوم الحجة بذلك عليهم، وقيل: الضمير عائد على هذه الأمة أي اتل يا محمد على قومك نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ هابيل عليه الرحمة، وقابيل عليه ما يستحقه، وكانا بإجماع غالب المفسرين ابني آدم ﵇ لصلبه.
وقال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل- ويد الله تعالى مع الجماعة- وكان من قصتهما ما
أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنه كان لا يولد لآدم ﵇ مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة إذ ذاك حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكانت له أخت واسمها إقليما أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، فقال لهما: قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها، وإنما أمر بذلك لعلمه أنه لا يقبل من قابيل لا أنه لو قبل جاز، ثم غاب ﵇ عنهما آتيا مكة ينظر إليها فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض: فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل: فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم ﵇ قربا قربانا فقرب هابيل جذعة، وقيل: كبشا، وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وكان أكل القربان غير جائز في الشرع القديم وتركت قربان قابيل فغضب، وقال: لأقتلنك فأجابه بما قص الله تعالى
بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر اتْلُ أي اتل تلاوة متلبسة بالحق والصحة، أو حال من فاعل اتْلُ أو من مفعوله أي متلبسا أنت أو نبأهما بالحق والصدق موافقا لما في زبر الأولين، وقوله تعالى: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ظرف لنبأ، وعمل فيه لأنه مصدر في الأصل، والظرف يكفي فيه رائحة الفعل، وجوز أن يكون متعلقا بمحذوف وقع حالا منه، ورد بأنه حينئذ يكون قيدا في عامله وهو اتْلُ المستقبل، وإِذْ لما مضى فلا يتلاقيان، ولذا لم يتعلق به مع ظهوره، وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل.
وقيل: إنه بدل من نَبَأَ على حذف المضاف ليصح كونه متلوا أي اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، ورده في البحر بأن إِذْ لا يضاف إليها إلا الزمان نحو يومئذ وحينئذ ونَبَأَ ليس بزمان، وأجيب بالمنع، ولا فرق بين نبأ ذلك الوقت ونبأ إِذْ وكل منهما صحيح معنى وإعرابا، ودعوى- جواز الأول سماعا دون الثاني- دون إثباتها خرط القتاد، والقربان اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو غيرها- كالحلوان- اسم لما يحلى أي يعطى، وتوحيده لما أنه في الأصل مصدر، وقيل: تقديره إذ قرب كل منهما قربانا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ لأنه سخط حكم الله تعالى، وهو عدم جواز نكاح التوأمة قالَ استئناف سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال من لم يتقبل قربانه؟ فقيل: قال لأخيه لفرط الحسد على قبول قربانه ورفعة شأنه عند ربه كما يدل عليه الكلام الآتي، وقيل: على ما سيقع من أخذ أخته الحسناء لَأَقْتُلَنَّكَ أي والله تعالى لَأَقْتُلَنَّكَ بالنون المشددة، وقرىء بالمخففة قالَ استئناف كالذي قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى جسد أخيه إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ أي القربان والطاعة مِنَ الْمُتَّقِينَ في ذلك بإخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم، وليس
стр. 1302
المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل، ومراده من هذا الجواب أنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من قبلي، فلم تقتلني وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول؟! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان.
وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا لا في إزالة حظه ونعمته، فإن اجتهاده فيما ذكر يضره ولا ينفعه، وقيل: مراده الكناية عن أنه لا يمتنع عن حكم الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة، أو الكناية عن أنه لا يقتله دفعا لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده، ولا يخفى بعده وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله تعالى يقول: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت، وفي تلك الشريعة- كما روي عن مجاهد- وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج- قال: كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه، أو تحريا لما هو الأفضل الأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناء على جوازه إذ ذاك، قال بعض المحققين: واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل، ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره: إن المعنى في الآية لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ على سبيل الظلم والابتداء لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ على وجه الظلم والابتداء، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج: منسوخة، وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا؟ فيه كلام، والدليل عليه قوله تعالى: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ [الحجرات: ٩] وغيره من الآيات والأحاديث، وقيل: إنه لا يلزم ذلك بل يجوز، واستدل بما
أخرجه ابن سعد في الطبقات عن خباب بن الأرت عنه ﷺ أنه ذكر «فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»
وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه، وأما من منع ذلك الآن مستدلا
بحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»
فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة.
وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض، ولا شبهة في قبح ذلك أولا وآخرا لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله، فكأنه قال له: لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال سبحانه: ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ في جواب لَئِنْ بَسَطْتَ للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به، ولذلك أكد النفي بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال: بِباسِطٍ للتبري عن مقدمات القتل فضلا عنه، وقدم الجار والمجرور المتعلق- ببسطت- إيذانا على ما قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل، وقوله تعالى: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ تعليل للامتناع عن بسط يده ليقتله، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ تعليل آخر لامتناعه عن البسط، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال ودفعا لتوهم أن يكون جزء علة لا علة تامة، وأصل البوء اللزوم، وفي النهاية: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع
стр. 1303
وأقر، والمعنى أني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي تتحمله لو بسطت يدي إليك حيث كنت السبب له، وأنت الذي علمتني الضرب والقتل، وإثمك حيث بسطت إلي يدك، وهذا نظير ما
أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم»
أي على البادئ إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه لأنه كان سببا فيه إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفو عنه لأنه مكافئ دافع عن عرضه، ألا ترى إلى
قوله: «ما لم يعتد المظلوم»
لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم كذا في الكشاف، قيل: وفيه نظر لأن حاصل ما قرره أن على البادئ إثمه ومثل إثم صاحبه إلا أن يتعدى الصاحب فلا يكون هذا المجموع على البادئ، ولا دلالة فيه على أن المظلوم إذ لم يتعد كان إثمه المخصوص بسببه ساقطا عنه اللهم إلا بضميمة تنضم إليه، وليس في اللفظ ما يشعر بها، ورده في الكشف بأنه كيف لا يدل على سقوطه عنه،
وقوله ﵊: «فعلى البادئ»
مخصص ظاهر، وقول الكشاف: «إلا أن الإثم محطوط» تفسير
لقوله: «فعلى البادئ»
وقوله: فعليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه تفسير لقوله: ما قالا، فكما يدل على أن عليه إثما مضاعفا يدل على أن إثم صاحبه ساقط.
هذا ثم قال: ولعل الأظهر في الحديث أن لا يضمر المثل، والمعنى إثم سبابهما على البادئ، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، والقول: بأنه إذا لم يكن لما قاله غير البادئ إثم، فكيف يقال: إثم سبابهما، وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام؟ وتحقيقه أن لما قاله غير البادئ إثما وليس على البادي، وليس بمناف لقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧] لأنه بحمله عليه عد جانيا، وهذا كما ورد فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة، نعم فيما نحن فيه العامل لا إثم له إنما هو للحامل، والحاصل أن سب غير البادئ يترتب عليه شيئان، أحدهما بالنسبة إلى فاعله وهو ساقط إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء، والثاني بالنسبة إلى حامله عليه وهو غير ساقط أعني أنه يثبت ابتداء لا أنه لا يعفى، وأورد في التحقيق أن ما ذكره من حط الإثم من المظلوم لأنه مكافىء غير صحيح لأنه إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا بالحاكم، والجواب إن صريح الحديث يدل على ما ذكر في الكشاف، والجمع بينه وبين الحكم الفقهي أن السب إما أن يكون بلفظ يترتب عليه الحد شرعا فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم، أو بغير ذلك وحينئذ لا يخلو إما أن يكون كلمة إيحاش أو امتنان أو تفاخر بنسب ونحوه مما يتضمن إزراء بنسب صاحبه من دون شتم- كنحو الرمي بالكفر والفسق- فله أن يعارضه بالمثل، ويدل عليه حديث زينب وعائشة رضي الله تعالى عنهما،
وقوله ﵊ لعائشة: «دونك فانتصري»
أو يتضمن شتما فذلك أيضا يرفع إلى الحاكم ليعزره، والحديث محمول على القسم الذي يجري فيه الانتصار،
وقوله ﷺ : «ما لم يعتد المظلوم»
يدل عليه لأنه إذا كان حقه الرفع إلى الحاكم فاشتغل بالمعارضة عد متعديا انتهى، وهو تفصيل حسن، وقيل: معنى بِإِثْمِي بإثم قتلي، ومعنى «بإثمك» إثمك الذي كان قبل قتلي، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقتادة ومجاهد والضحاك، وأطلق هؤلاء الإثم الذي كان قبل، وعن الجبائي، والزجاج أنه الإثم الذي من أجله لم يتقبل القربان وهو عدم الرضا بحكم الله تعالى كما مر، وقيل:
معناه بإثم قتلي وَإِثْمِكَ الذي هو قتل الناس جميعا حيث سننت القتل، وإضافة الإثم على جميع هذه الأقوال إلى ضمير المتكلم لأنه نشأ من قبله، أو هو على تقدير مضاف ولا حاجة إلى تقدير مضاف إليه كما قد قيل به أولا إلا أنه لا خفاء في عدم حسن المقابلة بين التكلم والخطاب على هذا لأن كلا الإثمين إثم المخاطب، والأمر فيه سهل، والجار والمجرور مع المعطوف عليه حال من فاعل تَبُوءَ أي ترجع متلبسا بالإثمين حاملا لهما، ولعل مراده بالذات إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه إذ إرادة الإثم من آخر غير جائزة، وقيل: المراد بالإثم ما يلزمه ويترتب عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على تلك
стр. 1304
الإرادة، فإن كون المخاطب من أصحاب النار إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلاء بعقوبتهما وهو ظاهر، وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليه العقوبة النارية يرده- كما قال شيخ الإسلام- قوله سبحانه: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فإنه صريح في أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة وكمالها، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وهي من كلام هابيل على ما هو الظاهر، وقيل: بل هي إخبار منه تعالى للرسول ﷺ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع، وترتيب التطويع على ما قبله من مقالات هابيل مع تحققه قبل كما يفصح عنه قوله: لَأَقْتُلَنَّكَ لما أن بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله- وإن كان استمرارا عليه بحسب الظاهر- لكنه في الحقيقة أمر حادث وصنع جديد، أو لأن هذه المرتبة من التطويع لم تكن حاصلة قبل ذلك بناء على تردده في قدرته على القتل لما أن أخاه كان أقوى منه، وأنها حصلت بعد وقوفه على استسلامه وعدم معارضته له، والتصريح بأخوته لكمال تقبيح ما سولته نفسه، وقرأ الحسن- فطاوعت- وفيها وجهان: الأول أن فاعل بمعنى فعل كما ذكره سيبويه وغيره، وهو أوفق بالقراءة المتواترة، والثاني أن المفاعلة مجازية بجعل القتل يدعو النفس إلى الإقدام عليه وجعلت النفس تأباه، فكل من القتل والنفس كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته، ولَهُ للتأكيد والتبيين كما في قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] .
والقول بأنه للاحتراز عن أن يكون طوعت لغيره أن يقتله ليس بشيء فَقَتَلَهُ أخرج ابن جرير عن ابن مجاهد، وابن جريج أن قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فتمثل له إبليس اللعين في هيئة طير فأخذ طيرا فوضع رأسه بين حجرين فشدخه فعلمه القتل فقتله كذلك وهو مستسلم،
وأخرج عن ابن مسعود، وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن قابيل طلب أخاه ليقتله فراغ منه في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن إلى أن بعث الله تعالى الغراب،
وكان لهابيل لما قتل عشرون سنة، واختلف في موضع قتله، فعن عمر الشعباني عن كعب الأحبار أنه قتل على جبل دير المران، وفي رواية عنه أنه قتل على جبل قاسيون، وقيل: عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم،
وأخرج نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن فضالة أنه لما قتل قابيل هابيل مسخ الله تعالى عقله وخلع فؤاده فلم يزل تائها حتى مات،
وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلا، قال: بل قتلته ولذلك اسود جسدك،
وأخرج ابن عساكر وابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال: إن آدم ﵇ لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه فأتى على رأس المائة، فقيل له: حياك الله تعالى وبياك وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك، وذكر محيي السنة أنه ﵇ ولد له بعد قتل ولده بخمسين سنة شيث ﵇،
وتفسيره- هبة الله- يعني أنه خلف من هابيل، وعلمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق من كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وصار وصي آدم وولي عهده،
وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما قتل ابن آدم ﵇ أخاه بكى آدم ﵇ ورثاه بشعر،
وأخرج نحو ذلك الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو مشهور.
وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من قال: إن آدم ﵇ قال شعرا فقد كذب إن محمدا ﷺ والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم بالسرياني فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، فنظر فيه فقدم وأخر وجعله شعرا عربيا، وذكر بعض علماء العربية إن في ذلك الشعر لحنا، أو إقواء، أو ارتكاب ضرورة، والأولى عدم
стр. 1305
نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة الظاهرة.
فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ دنيا وآخرة،
أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» ،
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم»
وورد أنه أحد الأشقياء الثلاثة،
وهذا ونحوه صريح في أن الرجل مات كافرا.
وأصرح من ذلك ما
روي أنه لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس عليهما اللعنة، فقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها فإن عبدتها أيضا حصل مقصودك فبنى بيت نار فعبدها فهو أول من عبد النار،
والظاهر أن عليه أيضا وزر من يعبد النار بل لا يبعد أن يكون عليه وزر من يعبد غير الله تعالى إلى يوم القيامة، واستدل بعضهم بقول سبحانه: فَأَصْبَحَ على أن القتل وقع ليلا- وليس بشيء- فإن من عادة العرب أن يقولوا:
أصبح فلان خاسر الصفقة إذا فعل أمرا ثمرته الخسران، ويعنون بذلك الحصول مع قطع النظر عن وقت دون وقت، وإنما لم يقل سبحانه- فأصبح خاسرا- للمبالغة وإن لم يكن حينئذ خاسر سواه فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: لما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، وكره أن يأتي به آدم ﵊ فيحزنه وتحير في أمره إذ كان أول ميت من بني آدم ﵇، فبعث الله تعالى غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة ثم بحث عليه برجله حتى واراه،
وقيل: إن أحد الغرابين كان ميتا.
والغراب: طائر معروف، قيل: والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الحيوان كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب وذلك مناسب لهذه القصة، وقال بعضهم: إنه كان ملكا ظهر في صورة الغراب والمستكن في- يريه- لله تعالى، أو للغراب، واللام على الأول متعلقة- ببعث- حتما، وعلى الثاني- بيبحث- ويجوز تعلقها ببعث أيضا، وكَيْفَ حال من الضمير في يُوارِي قدم عليه لأن له الصدر، وجملة كَيْفَ يُوارِي في محل نصب مفعول ثان- ليرى- البصرية المتعدية بالهمزة لاثنين وهي معلقة عن الثاني، وقيل: إن- يريه- بمعنى يعلمه إذ لو جعل بمعنى الإبصار لم يكن لجملة كَيْفَ يُوارِي موقع حسن، وتكون الجملة في موقع مفعولين له، وفيه نظر، والبحث- في الأصل التفتيش عن الشيء مطلقا، أو في التراب، والمراد به هنا الحفر، والمراد- بالسوأة- جسد الميت وقيده الجبائي بالمتغير، وقيل: العورة لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها لأن سترها آكد، والأول أولى، ووجه التسمية مشترك، وضمير أَخِيهِ عائد على المبحوث عنه لا على الباحث كما توهم، وبعثة الغراب كانت من باب الإلهام إن كان المراد منه المتبادر، وبعثه حقيقة إن كان المراد منه ملكا ظهر على صورته، وعلى التقديرين ذهب أكثر العلماء إلى أن الباحث وارى جثته، وتعلم قابيل، ففعل مثل ذلك بأخيه، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وغيرهما، وذهب الأصم إلى أن الله تعالى بعث من بعثه فبحث في الأرض ووارى هابيل، فلما رأى قابيل ما أكرم الله تعالى به أخاه قالَ يا وَيْلَتى كلمة جزع وتحسر، والويلة- كالويل- الهلكة كأن المتحسر ينادي هلاكه وموته ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلة من ينادي، ولا يكون طلب الموت إلا ممن كان في حال أشدّ منه، والألف بدل من ياء المتكلم أي- يا ويلتي- وبذلك قرأ الحسن احضري فهذا أوانك أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ تعجب من عجزه عن كونه مثله لأنه لم يهتد إلى ما اهتدى إليه مع
стр. 1306
كونه أشرف منه فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي عطف على أَكُونَ وجعله في الكشاف منصوبا في جواب الاستفهام، واعترضه كثير من المعربين، وقال أبو حيان: إنه خطأ فاحش لأن شرط هذا النصب أن ينعقد من الجملة الاستفهامية، والجواب جملة شرطية نحو أتزورني فأكرمك، فإن تقديره إن تزرني أكرمك، ولو قيل هاهنا: ٧ ن- أعجز أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوءة أخي- لم يصح المعنى لأن المواراة تترتب على عدم العجز لا عليه، وأجاب في الكشف بأن الاستفهام للإنكار التوبيخي، ومن باب أتعصي ربك فيعفو عنك، بالنصب لينسحب الإنكار على الأمرين، وفيه تنبيه على أنه في العصيان وتوقع العفو مرتكب خلاف المعقول، فإذا رفع كان كلاما ظاهريا في انسحاب الإنكار، وإذا نصب جاءت المبالغة للتعكيس حيث جعل سبب العقوبة سبب العفو، وفيما نحن فيه نعى على نفسه عجزها فنزلها منزلة من جعل العجز سبب المواراة دلالة على التعكيس المؤكد للعجز والقصور عما يهتدي إليه غراب، ثم قال: فإن قلت: الإنكار التوبيخي إنما يكون على واقع أو متوقع، فالتوبيخ على العصيان والعجز له وجه، أما على العفو والمواراة فلا قلت: التوبيخ على جعل كل واحد سببا، أو تنزيله منزلة من جعله سببا لا على العفو والمواراة فافهم انتهى، ولعل الأمر بالفهم إشارة إلى ما فيه من البعد، وقيل في توجيه ذلك إن الاستفهام للإنكار- وهو بمعنى النفي- وهو سبب، والمعنى إن لم أعجز واريت، واعترض بأنه غير صحيح لأنه لا يكفي في النصب سببية النفي بل لا بد من سببية المنفي قبل دخول النفي، ألا ترى أن ما تأتينا فتحدثنا مفسر عندهم بأنه لا يكون منك إتيان فتحديث، قال الشهاب:
والجواب عنه أنه فرق بين ما نصب في جواب النفي وما نصب في جواب الاستفهام، والكلام في الثاني، فكيف يرد الأول نقضا، ولو جعل في جواب النفي لم يرد ما ذكره أيضا لأنه لا حاجة إلى أخذ النفي من الاستفهام الإنكاري مع وضوح تأويل- عجزت- بلم اهتد، وقد قال في التسهيل: إنه ينتصب في جواب النفي الصريح والمؤول، وما نحن فيه من الثاني حكمه فتأمل انتهى.
ولعل الأمر بالتأمل الإشارة أن ما في دعوى الفرق بين الاستفهام الإنكاري الذي هو بمعنى النفي، والنفي من الخفاء، وكذا في تأويل- عجزت- بلم أهتد هنا فليفهم، وقرىء «أعجزت» بكسر الجيم وهو لغة شاذة في عجز، وقرىء- فأواري- بالسكون على أنه مستأنف وهم يقدرون المبتدأ لإيضاح القطع عن العطف، أو معطوف إلا أنه سكن للتخفيف كما قاله غير واحد، واعترضه في البحر بأن الفتحة لا تستثقل حتى تحذف تخفيفا، وتسكين المنصوب عند النحويين ليس بلغة كما زعم ابن عطية، وليس بجائز إلا في الضرورة فلا تحمل القراءة عليها مع وجود محمل صحيح، وهو الاستئناف لها انتهى، وعلى دعوى الضرورة منع ظاهر، فإن تسكين المنصوب في كلامهم كثير، وادعى المبرد أن ذلك من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ أي صار معدودا من عدادهم، وكان ندمه على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره. وحمله على رقبته أربعين يوما أو سنة أو أكثر على ما قيل.
وتلمذة الغراب فإنها إهانة ولذا لم يلهم من أول الأمر ما ألهم واسوداد وجهه وتبري أبويه منه لا على الذنب إذ هو توبة مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أي ما ذكر في تضاعيف القصة، ومِنْ ابتدائية متعلقة بقوله تعالى: كَتَبْنا أي قضينا، وقيل:
بالنادمين وهو ظاهر ما روي عن نافع، وكَتَبْنا استئناف، واستبعده أبو البقاء وغيره.
والأجل- بفتح الهمزة وقد تكسر، وقرىء به- لكن بنقل الكسرة إلى النون كما قرىء بنقل الفتحة إليها في الأصل- الجناية يقال: أجل عليهم شرا إذا جنى عليهم جناية، وفي معناه جر عليهم جريرة، ثم استعمل في تعليل الجنايات، ثم اتسع فيه فاستعمل لكل سبب أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشأ لا من غيره.
عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ وتخصيصهم بالذكر لما أن الحسد كان منشأ لذلك الفساد وهو غالب عليهم.
стр. 1307
وقيل: إنما ذكروا دون الناس لأن التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، ومع ذلك كانوا أشد طغيانا فيه وتماديا حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه قيل: بسبب هذه العظيمة كتبنا في التوراة تعظيم القتل، وشددنا عليهم وهم بعد ذلك لا يبالون.
ومن هنا تعلم أن هذه الآية لا تصلح- كما قال الحسن والجبائي وأبو مسلم- على أن ابني آدم ﵇ كانا من بني إسرائيل، على أن بعثة الغراب الظاهر في التعليم المستغنى عنه في وقتهم لعدم جهلهم فيه بالدفن- تأبى ذلك أَنَّهُ أي الشأن مَنْ قَتَلَ نَفْساً واحدة من النفوس الإنسانية بِغَيْرِ نَفْسٍ أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص، والباء للمقابلة متعلقة بقتل، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالا أي متعديا ظالما أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أي فساد فيها يوجب هدر الدم كالشرك مثلا، وهو عطف على ما أضيف إليه- غير- والنفي هنا وارد على الترديد لأن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فكأنه قيل: من قتل نفسا بغير أحدهما فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لاشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء على الله تعالى والتجبر على القتل في استتباع القود واستجلاب غضب الله تعالى العظيم.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود إن هذا التشبيه عند المقتول كما أن التشبيه الآتي عند المستنقذ، والأول أولى وأنسب للغرض المسوق له التشبيه، وقرىء- أو فسادا- بالنصب بتقدير أو عمل فسادا- أو فسد فسادا وَمَنْ أَحْياها أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد إما بنهي قاتلها عن قتلها أو استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً، وقيل: المراد ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما إلخ، وما في الموضعين كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها، وجَمِيعاً حال من النَّاسَ أو تأكيد، وفائدة التشبيه الترهيب والردع عن قتل نفس واحدة بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض على إحيائها بتصويره بصورة إحياء جميع الناس وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي الآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليه.
والجملة مستقلة غير معطوفة على كَتَبْنا وأكدت بالقسم لكمال العناية بمضمونها، وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم إلخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم في العتو والمكابرة.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ المذكور من الكتب وتأكيد الأمر بالإرسال، ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظم الشأن، وثُمَّ للتراخي في الرتبة والاستبعاد فِي الْأَرْضِ متعلق بقوله تعالى:
لَمُسْرِفُونَ وكذا بعد فيما قبل، ولا تمنع اللام المزحلقة من ذلك، والإسراف في كل أمر التباعد عن حدّ الاعتدال مع عدم مبالاة به، والمراد مسرفون في القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزما لتفريطهم في شأن الإحياء وجودا وعدما وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى في ذكره في مقام التشنيع المسوق له الآي، وعن الكلبي أن المراد مجاوزون حدّ الحق بالشرك، وقيل: إن المراد ما هو أعم من الإسراف بالقتل والشرك وغيرهما، وإنما قال سبحانه: وإِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ لأنه عز شأنه على ما في الخازن علم أن منهم من يؤمن بالله تعالى ورسوله ﷺ وهم قليل من كثير، وذكر الْأَرْضِ مع أن الإسراف لا يكون إلا فيها للإيذان بأن إسراف ذلك الكثير ليس أمرا مخصوصا بهم بل انتشر شره في الأرض وسرى إلى غيرهم، ولما بين سبحانه عظم شأن القتل بغير حق استأنف بيان حكم نوع من أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه، وأدرج فيه بيان ما أشير إليه
стр. 1308
إجمالا من الفساد المبيح للقتل، فقال جل شأنه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ذهب أكثر المفسرين- كما قال الطبرسي، وعليه جملة الفقهاء- إلى أنها نزلت في قطاع الطريق، والكلام- كما قال الجصاص- على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله تعالى ورسوله ﵊ فهو كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧] .
ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله ﷺ لكانوا مرتدين بإظهار محاربته ومخالفته ﵊، وقيل: المراد يحاربون رسول الله ﷺ ، وذكر الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محله ﵊ عنده ، ومحاربة أهل شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربة له ﷺ فيعم الحكم من يحاربهم بعد الرسول ﵊ ولو بأعصار كثيرة بطريق العبارة لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهم، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص بالمكلفين حين النزول ويحتاج في تعميمه إلى دليل آخر على ما تحقق في الأصول، وقيل: ليس هناك مضاف محذوف وإنما المراد محاربة المسلمين إلا أنه جعل محاربتهم محاربة الله ورسوله ﷺ تعظيما له وترفيعا لشأنهم، وجعل ذكر الرسول على هذا تمهيدا على تمهيد وفيه ما لا يخفى، والحرب في الأصل السلب والأخذ، يقال: حربه إذا سلبه، والمراد به هاهنا قطع الطريق وقيل: الهجوم جهرة باللصوصية وإن كان في مصر وَيَسْعَوْنَ عطف على يحاربون، وبه يتعلق قوله تعالى: فِي الْأَرْضِ، وقيل: بقوله سبحانه: فَساداً وهو إما حال من فاعل يَسْعَوْنَ بتأويله بمفسدين، أو ذوي فساد، أو لا تأويل قصدا للمبالغة كما قيل، وإما مفعول له أي لأجل الفساد، وإما مصدر مؤكد- ليسعون- لأنه في معنى يفسدون، وفَساداً إما مصدر حذف منه الزوائد أو اسم مصدر، وقوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ مبتدأ خبره المنسبك من قوله تعالى: أَنْ يُقَتَّلُوا أي حدا من غير صلب إن أفردوا القتل، ولا فرق بين أن يكون بآلة جارحة أو لا، والإتيان بصيغة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لكونه حق الشرع لا يسقط بعفو الولي، وكذا التصليب في قوله سبحانه: أَوْ يُصَلَّبُوا لما فيه من القتل أي يصلبوا مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ، وقيل: صيغة التفعيل في الفعلين للتكثير، والصلب قبل القتل بأن يصلبوا أحياء وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا، وأصح قولي الشافعي عليه الرحمة أن الصلب ثلاثا بعد القتل، قيل: إنه يوم واحد.
وقيل: حتى يسيل صديده، والأولى أن يكون على الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زجرا للغير عن الإقدام على مثل هذه المعصية.
وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي تقطع مختلفة بأن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذمي إذ له ما لنا وعليه ما علينا وكان في المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلّا منهم عشرة دراهم أو ما يساويها قيمة، وهذا في أول مرة فإن عادوا قطع منهم الباقي، وقطع الأيدي لأخذ المال، وقطع الأرجل لإخافة الطريق وتفويت أمنه أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ إن لم يفعلوا غير الإخافة والسعي للفساد، والمراد بالنفي عندنا هو الحبس والسجن والعرب تستعمل النفي بذلك المعنى لأن الشخص به يفارق بيته وأهله، وقد قال بعض المسجونين:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا
стр. 1309
ويعزرون أيضا لمباشرتهم إخافة الطريق وإزالة أمنه، وعند الشافعي عليه الرحمة المراد به النفي من بلد إلى بلد ولا يزال يطلب وهو هارب فرقا إلى أن يتوب ويرجع، وبه قال ابن عباس والحسن والسدي رضي الله تعالى عنهم وابن جبير وغيرهم، وإليه ذهب الإمامية، وعن عمر بن عبد العزيز وابن جبير في رواية أخرى أنه ينفى عن بلده فقط، وقيل:
إلى بلد أبعد، وكانوا ينفونهم إلى- دهلك- وهو بلد في أقصى تهامة- وناصع- وهو بلد من بلاد الحبشة، واستدل للأول بأن المراد بنفي قاطع الطريق زجره ودفع شره فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه، وإخراجه من الدنيا غير ممكن، ومن دار الإسلام غير جائز فإن حبس في بلد آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود وهو أشد عليه.
هذا ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق كما أشرنا إليه- فأو- للتقسيم واللف والنشر المقدر على الصحيح، وقيل: إنها تخييرية والإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق، والأول علم بالوحي وإلا فليس في اللفظ ما يدل عليه دون التخيير، ولأن في الآية أجزية مختلفة غلظا وخفة فيجب أن تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها، ولأنه ليس للتخيير في الأغلظ والأهون في جناية واحدة كبير معنى، والظاهر أنه أوحي إليه ﷺ هذا التنويع والتفصيل، ويشهد له ما أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وزعم بعضهم أن التخيير أقرب وكونه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى الأشخاص والأزمنة فإن العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق، وربما يتفاوت الناس في الانزجار فوكل ذلك إلى رأي الإمام وفيه تأمل فتأمل ذلِكَ أي ما فصل من الأحكام والأجزية، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: لَهُمْ خِزْيٌ جملة من خبر مقدم ومبتدأ في محل رفع خبر للمبتدأ، وقوله سبحانه: فِي الدُّنْيا متعلق بمحذوف وقع صفا لخزي، أو متعلق به على الظرفية، وقيل: خِزْيٌ خبر- لذلك- ولَهُمْ متعلق بمحذوف وقع حالا من خِزْيٌ لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا، وفِي الدُّنْيا إما صفة- لخزي- أو متعلق به كما مر آنفا والخزي الذل والفضيحة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره وذلك لغاية عظم جنايتهم واقتصر في الدنيا على الخزي مع أن لهم فيها عذابا أيضا، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزيا أيضا لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها، والآية أقوى دليل لمن يقول إن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة، والقائلون بالإسقاط يستدلون
بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من ارتكب شيئا فعوقب به كان كفارة له»
فإنه يقتضي سقوط الإثم عنه وأن لا يعاقب في الآخرة، وهو مشكل مع هذه الآية، وأجاب النووي بأن الحد يكفر به عنه حق الله تعالى، وأما حقوق العباد فلا، وهاهنا حقان لله تعالى والعباد، ونظر فيه إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأما ما هو من حقوق العباد- كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه- فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدّا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا، فإنهم إن شاؤوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا.
وقال ناصر الدين البيضاوي: إن القتل قصاصا يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه، وشنع عليه لضيق عبارة العلامة ابن حجر في كتابه التحفة، وأفرد له تنبيها فقال- بعد نقله- وهو عجيب، أعجب منه سكوت شيخنا عليه في حاشيته مع ظهور فساده لأن التوبة لا دخل لها في القصاص أصلا إذ لا يتصور بقيد كونه قصاصا حالتا وجوب وجواز لأنا إن نظرنا إلى الولي فطلبه جائز له لا واجب مطلقا، أو للإمام فإن طلبه منه الولي وجب وإلا لم يجب من حيث كونه
стр. 1310
قصاصا، وإن جاز أو وجب من حيث كونه حدا فتأمله انتهى.
وتعقبه ابن قاسم فقال: ادعاؤه الفساد ظاهر الفساد فإنه لم يدع ما ذكر وإنما ادعى أن لها دخلا في صفة القتل قصاصا وهي وجوبه، وقوله: إذ لا يتصور إلخ قلنا: لم يدع أن له حالتي وجوب وجواز بهذا القيد بل ادعى أن له حالتين في نفسه- وهو صحيح- على أنه يمكن أن يكون له حالتان بذلك القيد لكن باعتبارين، اعتبار الولي واعتبار الإمام إذا طلب منه، وقوله: لأنا إذا نظرنا إلخ كلام ساقط، ولا شك أن النظر إليهما يقتضي ثبوت الحالتين قصاصا، وقوله: فتأمله تأملنا فوجدنا كلامه ناشئا من قلة التأمل انتهى.
وجعل مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله تعالى الحيدري منشأ تشنيع العلامة ما يتبادر من العبارة من كونها بيانا لتفويض القصاص إلى الأولياء أما لو جعلت بيانا لسقوط الحد في قتل قاطع الطريق بالتوبة قبل القدرة دون القتل قصاصا فلا يرد التشنيع فتدبر، وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب، وذهب أناس إلى أن الآية في المرتدين لا غير لأن محاربة الله تعالى ورسوله إنما تستعمل في الكفار،
وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أنس أن نفرا من عكل قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبي ﷺ في طلبهم قافة فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية،
وأنت تعلم أن القول بالتخصيص قول ساقط مخالف لإجماع من يعتد به من السلف والخلف، ويدل على أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا إلخ، ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة، وقد فرق الله تعالى بين توبتهم قبل القدرة وبعدها، وأيضا إن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه.
وأيضا ليست عقوبة المرتدين كذلك، ودعوى أن المحاربة إنما تستعمل في الكفار يردها أنه ورد في الأحاديث إطلاقها على أهل المعاصي أيضا، وسبب النزول لا يصلح مخصصا فإن العبرة- كما تقرر- بعموم اللفظ لا بخصوص السبب،
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وغيرهما عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله تعالى ورسوله ﷺ ويسعون في الأرض الفساد؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر، فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائبا فهو آمن؟ قال: نعم، فجاء به إليه فبايعه، وقبل ذلك منه وكتب له أمانا، وروي عن أبي موسى الأشعري ما هو بمعناه،
ثم إن السمل الذي فعله رسول الله ﷺ لم يفعله في غير أولئك،
وأخرج مسلم والبيهقي عن أنس أنه قال: إنما سمل رسول الله ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء،
وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله ﷺ أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك وعلمه ﷺ عقوبة مثلهم من القتل والصلب والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم،
قال: وكان هذا القول ذكره لأبي عمر فأنكر أن تكون نزلت معاتبة وقال: بل كانت تلك عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنهم السمل.
هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
стр. 1311
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ أي ألزمناهم ذلك لتخالف دواعي قواهم باحتجابهم عن نور التوحيد وبعدهم عن العالم القدسي إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي إلى وقت قيامهم بظهور نور الروح، أو القيامة الكبرى بظهور نور التوحيد وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وذلك عند الموت وظهور الخسران بظهور الهيئات القبيحة المؤذية الراسخة فيهم يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ بحسب الدواعي والمقتضيات كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ عن الناس في أنفسكم مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ إذا لم تدع إليه داعية قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ أبرزته العناية الإلهية من مكامن العماء وَكِتابٌ خطه قلم الباري في صحائف الإمكان جامعا لكل كمال، وهما إشارة إلى النبي ﷺ ، ولذلك وحد الضمير في قوله سبحانه: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ أي بواسطته مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي من أراد ذلك سُبُلَ السَّلامِ وهي الطرق الموصلة إليه .
وقد قال بعض العارفين: الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبي ﷺ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ وهي ظلمات الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية إِلَى النُّورِ وهو نور الرضا والتسليم وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو طريق الترقي في المقامات العلية، وقد يقال: الجملة الأولى إشارة إلى توحيد الأفعال، والثانية إلى توحيد الصفات، والثالثة إلى توحيد الذات لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فحصروا الألوهية فيه وقيدوا الإله بتعينه- وهو الوجود المطلق- حتى عن قيد الإطلاق قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فإن كل ذلك من التعينات والشؤون والله من ورائهم محيط وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي عالم الأرواح وعالم الأجساد وعالم الصور يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويظهر ما أراد من الشؤون وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فادّعوا بنوة الاسرار والقرب من حضرة نور الأنوار، وقد قال ذلك قوم من المتقدمين كما مرت الإشارة إليه، وقال ما يقرب من ذلك بعض المتأخرين، فقال الواسطي: ابن الأزل والأبد لكن هؤلاء القوم لم يعرفوا الحقائق ولم يذوقوا طعم الدقائق فرد الله تعالى دعواهم بقوله سبحانه: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ والأبناء والأحباب لا يذنبون فيعذبون، أو لا يمتحنون إذ قد خرجوا من محل الامتحان من حيث الأشباح بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ كسائر عباد الله تعالى لا امتياز لكم عليهم بشيء كما تزعمون يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ منهم فضلا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ منهم عدلا وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً بالولاية ومعرفة الصفات، أو بسلطنة الوجد وقوة الحال وعزة علم المعرفة، أو مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي، والملوك عندنا الأحرار من رق الكونين وما فيه وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي عالمي زمانكم، ومنه اجتلاء نور التجلي من وجه موسى ﵇ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وهي حضرة القلب الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ في القضاء السابق حسب الاستعداد وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ في الميل إلى مدينة البدن، والإقبال عليه بتحصيل لذاته فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ لتفويتكم أنوار القلب وطيباته قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وهي صفات النفس وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بأن يصرفهم الله تعالى بلا رياضة منا ولا مجاهدة، أو يضعفوا عن الاستيلاء بالطبع فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ حينئذ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ سوء عاقبة ملازمة الجسم أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالهداية إلى الصراط السوي- وهما العقل النظري والعقل العملي- ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي باب قرية القلب- وهو التوكل بتجلي الأفعال- كما أن باب قرية الروح هو الرضا فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ بخروجكم عن أفعالكم وحولكم، ويدل على أن الباب هو التوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالحقيقة وهو الإيمان عن
стр. 1312
حضور، وأقل درجاته تجلي الأفعال قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا أولئك الجبارين عنا وأزيلاهم لتخلو لنا الأرض إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ أي ملازمون مكاننا في مقام النفس معتكفون على الهوى واللذات قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي أرض الطبيعة، وذلك مدة بقائهم في مقام النفس، وكان ينزل عليهم من سماء الروح نور عقد المعاش فينتفعون بضوئه وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ القلب اللذين هما هابيل العقل وقابيل الوهم إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وذلك كما قال بعض العارفين: إن توأمة العقل البوذا العاقلة العملية المدبرة لأمر المعاش والمعاد بالآراء الصالحة المقتضية للأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة المستنبطة لأنواع الصناعات والسياسات، وتوأمة الوهم إقليميا القوة المتخيلة المتصرفة في المحسوسات والمعاني الجزئية لتحصيل الآراء الشيطانية، فأمر آدم القلب بتزوج الوهم توأمة العقل لتدبره بالرياضات الإذعانية والسياسات الروحانية وتصاحبه بالقياسات العقلية البرهانية فتسخره للعقل، وتزويج لعقل توأمة الوهم ليجعلها صالحة ويمنعها عن شهوات التخيلات الفاسدة وأحاديث النفس الكاذبة ويستعمل فيما ينفع فيستريح أبوها وينتفع، فحسد قابيل الوهم هابيل العقل لكون توأمته أجمل عنده وأحب إليه لمناسبتها إياه فأمرا عند ذلك بالقربان، فقربا قربانا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل العقل بأن نزلت نار
من السماء فأكلته، والمراد بها العقل الفعال النازل من سماء عالم الأرواح، وأكله إفاضته النتيجة على الصورة القياسية التي هي قربان العقل وعمله الذي يتقرب به إلى الله تعالى وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل الوهم إذ يمتنع قبول الصورة الوهمية لأنها لا تطابق ما في نفس الأمر قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ لمزيد حسده بزيادة قرب العقل من الله تعالى وبعده عن رتبة الوهم في مدركاته وتصرفاته، وقتله إياه إشارة إلى منعه عن فعله وقطع مدد الروح ونور الهداية الإلهية- الذي به الحياة- عنه بإيراد التشكيكات الوهمية والمعارضات في تحصيل المطالب النظرية قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الذين يتخذون الله تعالى وقاية، أو يحذرون الهيئات المظلمة البدنية والأهواء المردية والتسويلات المهلكة لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ أي أني لا أبطل أعمالك التي هي سديدة في مواضعها إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي لأني أعرف الله سبحانه فأعلم أنه خلقك لشأن وأوجدك لحكمة، ومن جملة ذلك أن أسباب المعاش لا تحصل إلا بالوهم ولولا الأمل بطل العمل إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي بإثم قتلي وإثم عملك من الآراء الباطلة فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وهي نار الحجاب والحرمان وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ الواضعين للأشياء في غير موضعها كما وضع الأحكام الحسية موضع المعقولات فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ بمنعه عن أفعاله الخاصة وحجبه عن نور الهداية فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ لتضرره باستيلائه على العقل فإن الوهم إذا انقطع عن معاضدة العقل حمل النفس على أمور تتضرر منها فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً وهو غراب الحرص يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي أرض النفس لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ وهو العقل المنقطع عن حياة الروح المشوب بالوهم والهوى المحجوب عن عالمه في ظلمات أرض النفس قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي بإخفائها في ظلمة النفس فأنتفع بها فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ عند ظهور الخسران وحصول الحرمان مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لأن الواحد مشتمل على ما يشتمل عليه جميع أفراد النوع، وقيام النوع بالواحد كقيامه بالجميع في الخارج، ولا اعتبار بالعدد فإن حقيقة النوع لا تزيد بزيادة الأفراد ولا تنقص بنقصها، ويقال في جانب الأحياء مثل ذلك إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي أولياءهما وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بتثبيط السالكين أَنْ يُقَتَّلُوا بسيف الخذلان أَوْ يُصَلَّبُوا بحبل الهجران على جذع الحرمان أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ عن أذيال الوصال وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ عن الاختلاف والتردد إلى السالكين أَوْ يُنْفَوْا مِنَ
стр. 1313
الْأَرْضِ
أي أرض القربة والائتلاف فلا يلتفت إليهم السالك ولا يتوجه لهم ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ وهوان فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم جنايتهم، وقد جاء- أن الله تعالى يغضب لأوليائه كما يغضب الليث الحرب، ومن آذى وليا فقد آذنته بالمحاربة- نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ لما ذكر سبحانه جزاء المحارب وعظم جنايته- وأشار في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب- أمر المؤمنين بتقواه في كل ما يأتون ويذرون بترك ما يجب اتقاؤه من المعاصي التي من جملتها المحاربة والفساد، وبفعل الطاعة التي من عدادها التوبة والاستغفار ودفع الفساد وَابْتَغُوا إِلَيْهِ أي اطلبوا لأنفسكم إلى ثوابه والزلفى منه الْوَسِيلَةَ هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أي تقرب إليه بشيء، والظرف متعلق بها وقدم عليها للاهتمام وهي صفة لا مصدر حتى يمتنع تقدم معموله عليه، وقيل: متعلق بالفعل قبله، وقيل: بمحذوف وقع حالا منها أي كائنة إليه، ولعل المراد بها الاتقاء المأمور به كما يشير إليه كلام قتادة، فإنه ملاك الأمر كله والذريعة لكل خير والمنجاة من كل ضير، والجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد، وقيل: الجملة الأولى أمر بترك المعاصي، والثانية أمر بفعل الطاعات، وأخرج ابن الأنباري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الوسيلة الحاجة، وأنشد له قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وكأن المعنى حينئذ اطلبوا متوجهين إليه حاجكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السماوات والأرض ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة، وفسر بعضهم- الوسيلة- بمنزلة في الجنة، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بناء على ما
رواه مسلم وغيره «أنها منزلة في الجنة جعلها الله تعالى لعبد من عباده وأرجو أن أكون أنا فاسألوا لي الوسيلة»
وكون الطلب هنا للنبي ﷺ مما لا يكاد يذهب إليه ذهن سليم، وعليه يمتنع تعلق الظرف بها كما لا يخفى، واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا، ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا، ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة،
ويروون عن النبي ﷺ أنه قال- إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور-
وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ولا يتوقف على أفضليته من الطالب بل قد يطلب الفاضل من المفضول،
فقد صح أنه ﷺ قال لعمر رضي الله تعالى عنه لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك»
وأمره أيضا أن يطلب من أويس القرني رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر له، وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له كما مر آنفا وبأن يصلوا عليه، وأما إذا كان المطلوب منه ميتا أو غائبا فلا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة
فقد صح أنه ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون يرحم الله تعالى المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم»
ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم- وهم أحرص الخلق على كل خير- أنه طلب من ميت شيئا، بل قد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائرا: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك
стр. 1314
يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك ولا يطلب من سيد العالمين ﷺ أو من ضجيعيه المكرمين رضي الله تعالى عنهما شيئا- وهم أكرم من ضمته البسيطة وأرفع قدرا من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة- نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة والروضة المعظمة أمر مشروع فقد كانت الصحابة تدعو الله تعالى هناك مستقبلين القبلة ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش، واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل بل يستدبر ويستقبل القبلة، وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، وتستقبل القبلة ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء تستقبل القبلة، ويجعل القبر المكرم عن اليمين أو اليسار، فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة وعلة الإيجاد على الحقيقة ﷺ ، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته ﵊ ليزاد فيها ما يزاد، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد؟؟! وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبي ﷺ لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وقد نقل ذلك عنه المناوي في شرحه الكبير للجامع الصغير، ودليله في ذلك ما
رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك ﷺ نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في، ونقل عن أحمد مثل ذلك.
ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقا وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية ونقله عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام، وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاف أي بدعاء أو شفاعة نبيك ﷺ ، ففيه جعل الدعاء وسيلة- وهو جائز- بل مندوب، والدليل على هذا التقدير
قوله في آخر الحديث: «اللهم فشفعه في»
بل في أوله أيضا ما يدل على ذلك، وقد شنع التاج السبكي- كما هو عادته- على المجد، فقال: ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي ﷺ إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم وصار بين الأنام مثلة انتهى.
وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة ﷺ ، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف كما سمعت، أو نحو ذلك- كما تسمع إن شاء الله تعالى- ومن ادعى النص فعليه البيان، وما
رواه أبو داود في سننه وغيره «من أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى رئي ذلك في وجوه أصحابه، فقال: ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى لا يشفع به على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك»
لا يصلح دليلا على ما نحن فيه حيث أنكر عليه قوله:
«إنا نستشفع بالله تعالى عليك»
ولم ينكر ﵊ قوله:
«نستشفع بك إلى الله تعالى»
لأن معنى الاستشفاع به ﷺ طلب الدعاء منه، وليس معناه الإقسام به على الله تعالى، ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم أنكر النبي ﷺ مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلا لمن ادعى جواز الإقسام بذاته ﷺ حيا وميتا، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقا قياسا عليه عليه الصلاة
стр. 1315
والسلام بجامع الكرامة، وإن تفاوت قوة وضعفا، وذلك لأن ما في الخبر الثاني استشفاع لا إقسام، وما في الخبر الأول ليس نصا في محل النزاع، وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالحي والتوسل به، وتساوي حالتي حياته ووفاته ﷺ في هذا الشأن يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه، ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنه، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون- فإنه لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك، فعدولهم هذا- مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وبحقوق الله تعالى ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق- دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.
وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه ﷺ مع التفاوت في الكرامة- الذي لا ينكره إلا منافق- مما لا يكاد يسلم، على أنك قد علمت أن الإقسام به ﵊ على ربه عز شأنه حيا وميتا مما لم يقم النص عليه لا يقال: إن في خبر البخاري دلالة على صحة الإقسام به ﷺ حيا وكذا بغيره كذلك، أما الأول فلقول عمر رضي الله تعالى عنه فيه: كنا نتوسل بنبيك ﷺ ، وأما الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك لما قيل: إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته، ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا، وقد ذكر المجد أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته، وذلك مما لا محذور فيه، وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه- وهذا هو محل النزاع- وقد علمت الكلام فيه، وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل- اللهم أسألك بجاه فلان- فإنه لم يرد عن أحد من السلف أنه دعا كذلك، وقال: إنما يقسم به تعالى وبأسمائه وصفاته فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله، المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك الحديث، ونحو ذلك من الأدعية المأثورة، وما يذكره بعض العامة من
قوله ﷺ :- إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألوا الله تعالى بجاهي فإن جاهي عند الله تعالى عظيم-
لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو شيء في كتب الحديث، وما رواه القشيري عن معروف الكرخي قدس سره- أنه قال لتلامذته:
إن كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بي فإني الواسطة بينكم وبينه ﷻ الآن لا يوجد له سند يعول عليه عند المحدثين، وأما ما
رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في دعاء الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة،
ففي سنده العوفي- وفيه ضعف- وعلى تقدير أن يكون من كلام النبي ﷺ يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق الماشين في طاعته أن يثيبهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع فضلا لا وجوبا كما في قوله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم: ٤٧] ،
وفي الصحيح من حديث معاذ- حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه
стр. 1316
إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم-
فالسؤال حينئذ بالإثابة والإجابة وهما من صفات الله تعالى الفعلية، والسؤال بها مما لا نزاع فيه فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في
قوله ﷺ «أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»
فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثابته وإجابته.
وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله بأعمالهم، على أن التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها، والناس قد أفرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عز شأنه بمن ليس في العير ولا النفير وليس عنده من الجاه قدر قطمير، وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من أصحاب القبور نحو إشفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضالة وتيسير كل عسير، وتوحي إليهم شياطينهم خبر- إذا أعيتكم الأمور- إلخ، وهو حديث مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي ﷺ : عن- اتخاذ القبور مساجد ولعن على ذلك- فكيف يتصور منه ﵊ الأمر بالاستغاثة والطلب من أصحابها؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وعن أبي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، ومن كلام السجاد رضي الله تعالى عنه أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله، ومن دعاء موسى ﵇ وبك المستغاث-
وقال ﷺ لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إذا استعنت فاستعن بالله تعالى، الخبر،
وقال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] .
وبعد هذا كله أنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ﷺ عند الله تعالى حيا وميتا، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل: إلهي أتوسل بجاه نبيك ﷺ أن تقضي لي حاجتي، إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك: إلهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا إذ معناه أيضا إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا، بل لا أرى بأسا أيضا بالإقسام على الله تعالى بجاهه ﷺ بهذا المعنى، والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجري ذلك- في التوسل والإقسام بالذات- البحت، نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولعل ذلك كان تحاشيا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك- وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام- شيء، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله ﷺ هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح، وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم- كما يزعمه البعض- في التوسل بجاه عريض الجاه ﷺ لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أن ما علمه الله تعالى ورسوله ﷺ ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا «بقي هاهنا أمران» الأول أن التوسل بجاه غير النبي ﷺ لا بأس به أيضا إن كان المتوسل بجاهه مما علم أن له جاها عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى، الثاني أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات
стр. 1317
وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا وأن لا يكنه، فهو قريب منه ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد (١) ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فجاؤوا إليه، فقال: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى» لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه- أمر يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته وتنجح طلبته فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزين له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ مع أعدائكم بما أمكنكم.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بنيل نعيم الأبد والخلاص من كل نكد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كلام مبتدأ مسوق لتأكيد وجوب الامتثال بالأوامر السابقة، وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز شأنه قبل انقضاء أوانه، ببيان استحالة توسل الكفار يوم القيامة بما هو من أقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلا عن نيل الثواب لَوْ أَنَّ لَهُمْ أي لكل واحد منهم كقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ [يونس: ٥٤] إلخ، وفيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال ما ليس في قولنا: لجميعهم ما فِي الْأَرْضِ أي من أصناف أموالها وذخائرها وسائر منافعها قاطبة، وهو اسم إِنَّ ولَهُمْ خبرها ومحلها الرفع عندهم خلا أنه عند سيبويه رفع على الابتداء لا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، وقد اختصت من بين سائر ما يؤول بالاسم بالوقوع بعد لَوْ، وقيل:
الخبر محذوف ويقدر مقدما أو مؤخرا قولان، وعند الزجاج والمبرد والكوفيين رفع على الفاعلية أي لو ثبت لهم ما في الأرض، وقوله تعالى: جَمِيعاً توكيد للموصول أو حال منه، وقوله سبحانه: وَمِثْلَهُ بالنصب عطف عليه، وقوله : مَعَهُ ظرف وقع حالا من المعطوف، والضمير راجع إلى الموصول، وفائدة التصريح بفرض كينونتهما لهم بطريق المعية لا بطريق التعاقب تحقيقا لكمال فظاعة الأمر، واللام في قوله تعالى: لِيَفْتَدُوا بِهِ متعلقة بما تعلق به خبر إِنَّ وهو الاستقرار المقدر في لَهُمْ وبالخبر المقدر عند من يراه، وبالفعل المقدر بعد لَوْ عند الزجاج ومن نحا نحوه، قيل: ولا ريب في أن مدار الاقتداء بما ذكر هو كونه لهم لا ثبوت كونه لهم وإن كان مستلزما له، والباء في بِهِ متعلقة بالافتداء، والضمير راجع إلى الموصول وَمِثْلَهُ مَعَهُ وتوحيده لكونهما بالمعية شيئا واحدا، أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة كما مرت الإشارة إلى ذلك، وقيل: هو راجع إلى الموصول، والعائد إلى
стр. 1318
المعطوف- أعني مثله- مثله، وهو محذوف كما حذف الخبر من قيار في قوله:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وقد جوز أن يكون نصب، ومثله على أنه مفعول مَعَهُ ناصبه الفعل المقدر بعد لَوْ تفريعا على رأي الزجاج ومن رأى رأيه، وأمر توحيد الضمير حينئذ ظاهر إذ حكم الضمير بعد المفعول معه الإفراد، وأجاز الأخفش أن يعطى حكم المتعاطفين فيثنى الضمير، وقال بعض النحاة: الصحيح جوازه على قلة. واعترض هذا الوجه أبو حيان بأنه يصير التقدير مع مثله مَعَهُ، وإذا كان ما في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة، فلا فائدة في ذكر مَعَهُ معه لملازمة معية كل منهما للآخر، وأجاب الطيبي بأن مَعَهُ على هذا تأكيد، وقال السفاقسي: جوابه أن التقدير ليس كالتصريح، والواو- متضمنة معنى مع، وإنما يقبح لو صرح- بمع- وكثيرا ما يكون التقدير بخلاف التصريح، كقولهم: رب شاة وسخلتها، ولو صرحت- برب- فقلت: ورب سخلتها لم يجز، وأجاب الحلبي بأن الضمير في مَعَهُ عائد على مِثْلَهُ ويصير المعنى مع مثلين وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد، نعم أن كون العامل ثبت ليس بصحيح لأن العامل في المفعول معه هو العامل في المصاحب له كما صرحوا به، وهو هنا ما أو ضميرها، وشيء منهما ليس عاملا فيه ثبت المقدر، وأما صحته على تقدير جعله لهم، أو متعلقه على ما قيل، فممتنع أيضا على ما نقل عن سيبويه أنه قال: وأما هذا لك وأباك فقبيح، لأنه لم يذكر فعل ولا حرف فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل، فإن فيه تصريحا بأن اسم الإشارة وحرف الجر والظرف لا تعمل في المفعول معه، وقوله تعالى: مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بالافتداء أيضا أي لو أن ما في الأرض ومثله ثابت لهم ليجعلوه فدية لأنفسهم من العذاب الواقع ذلك اليوم.
ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك، وهو جواب لَوْ وترتيبه- كما قال شيخ الإسلام- على ذلك لهم لأجل افتدائهم به من غير ذكر الافتداء بأن يقال: وافتدوا به، مع أن الرد والقبول إنما يترتب عليه لا على مبادئه للإيذان بأنه أمر محقق الوقوع غني عن الذكر، وإنما المحتاج إلى الفرض قدرتهم على ما ذكر، أو للمبالغة في تحقق الرد، وتخييل أنه وقع قبل الافتداء على منهاج ما في قوله تعالى: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [النمل: ٤٠] حيث لم يقل فأتى به فلما رآه إلخ، وما في قوله سبحانه: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف: ٣١] من غير ذكر خروجه ﵇ عليهن ورؤيتهن له، وقال بعض الأفاضل: إنما لم يكتف بقوله: إن الذين كفروا لو يفتدون بما في الأرض جميعا من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، لأن ما في النظم الكريم يفيد أنهم لو حصلوا ما في الأرض ومثله معه لهذه الفائدة وكانوا خائفين من الله تعالى وحفظوا الفدية وتفكروا في الافتداء ورعاية أسبابه- كما هو شأن من هو بصدد أمر- ما تقبل منهم فضلا عن أن يكونوا غافلين عن تحصيل الفدية وقصدوا الفدية فجأة، ولهذا لم يقل لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ويفتدون به ما تقبل إلخ، والجملة الامتناعية بحالها خبر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي كناية عن لزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه، فإن لزوم العذاب من لوازمه أن ما في الأرض جميعا ومثله معه لو افتدوا به لم يتقبل منهم، فلما كانت هذه الجملة، بل هذه الملازمة لازمة للزوم العذاب عبر عنها بها، وأطلق بعضهم على هذه الجملة تمثيلا، ولعل مراده- على ما ذكره القطب- ما ذكره، وقال بعض المحققين: لا يريد به الاستعارة التمثيلية بل إيراد مثال وحكم يفهم منه لزوم العذاب لهم، أي لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية بل انتقال الذهن منه إلى هذا المعنى، وبهذا الاعتبار يقال له: كناية، ويمكن تنزيله على التمثيل الاصطلاحي بأن يقال: إن حالهم في حال التفصي عن العذاب بمنزلة حال من يكون له ذلك الأمر الجسيم ويحاول به التخلص من
стр. 1319
العذاب فلا يتقبل منه ولا يتخلص وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قيل: محله النصب على الحالية، وقيل: الرفع عطفا على خبر إن، وقيل: إنه معطوف على إِنَّ الَّذِينَ فلا محل له من الإعراب مثله، وفائدة الجملة التصريح بالمقصود من الجملة الأولى لزيادة تقريره وبيان هوله وشدته، وقيل: إن المقصود بها الإيذان بأنه كما لا يندفع بذلك عذابهم لا يخفف بل لهم بعد عذاب في كمال الإيلام، وكذلك قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ فإنه لإفادة أنه كما لا يندفع بذلك الافتداء عذابهم لا يندفع دوامه ولا ينفصل، وهو على ما تقدم استئناف مسوق لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبني على سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: فكيف يكون حالهم، أو ماذا يصنعون؟ فقيل: يُرِيدُونَ إلخ، وقد بين في تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار، والإرادة قيل: على معناها الحقيقي المشهور، وذلك أنهم يرفعهم لهب النار فيريدون الخروج وأنى به، وروي ذلك عن الحسن، وقال الجبائي: الإرادة بمعنى التمني أي يتمنون ذلك.
وقيل: المعنى يكادون يخرجون منها لقوتها وزيادة رفعها إياهم، وهذا كقوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] أي يكاد ويقارب، لا يقال: كيف يجوز أن يريدوا الخروج من النار مع علمهم بالخلود؟ لأنا نقول: الهول يومئذ ينسيهم ذلك، وعلى تقدير عدم النسيان يقال: العلم بعدم حصول الشيء لا يصرف عن إرادته كما أن العلم بالحصول كذلك، فإن الداعي إلى الإرادة حسن الشيء والحاجة إليه.
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها إما حال من فاعل يُرِيدُونَ أو اعتراض، وأيا ما كان فإيثار الجملة الاسمية على الفعلية مصدرة- بما- الحجازية الدالة بما في حيزها من الباء على تأكيد النفي لبيان كمال سوء حالهم باستمرار عدم خروجهم منها، فإن الجملة الاسمية الإيجابية- كما مرت الإشارة إليه- كما تفيد بمعونة المقام دوام الثبوت، تفيد السلبية أيضا بمعونة دوام النفي لا نفي الدوام، وقرأ أبو واقد أَنْ يَخْرُجُوا بالبناء لما لم يسم فاعله من الإخراج، ويشهد لقراءة الجمهور قوله تعالى: بِخارِجِينَ دون بمخرجين، وهذه الآية كما ترى في حق الكفار، فلا تنافي القول بالشفاعة لعصاة المؤمنين في الخروج منها كما لا يخفى على من له أدنى إيمان.
وقد أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ قال: يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة، قال يزيد الفقير: فقلت لجابر: يقول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها قال: اتل أول الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ألا إنهم الذين كفروا،
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تزعم أن قوما يخرجون من النار وقد قال الله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار، ورواية أنه قال له: يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم إلخ حكاها الزمخشري وشنع إثرها على أهل السنة ورماهم بالكذب والافتراء، فحقق ما قيل: رمتني بدائها وانسلت، ولسنا مضطرين لتصحيح هذه الرواية ولا وقف الله تعالى صحة العقيدة على صحتها، فكم لنا من حديث صحيح شاهد على حقيقة ما نقول وبطلان ما يقوله المعتزلة تبا لهم وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ تصريح بما أشير إليه من عدم تناهي مدة العذاب بعد بيان شدته أي عذاب دائم ثابت لا يزول ولا ينتقل أبدا.
стр. 1320
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى، وقد تقدم بيان اقتضاء الحال لإيراد ما توسط بينهما من المقال، والكلام جملتان- عند سيبويه- إذ التقدير فيما يتلى عليكم- السارق والسارقة- أي حكمهما، وجملة عند المبرد، وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر- لأن زيدا فاضربه أحسن من زيد فاضربه- قاله الزمخشري، واتبعه من تبعه ومنهم ابن الحاجب.
وتعقبه العلامة أحمد في الانتصاف بكلام كله محاسن فلا بأس في نقله برمته، فنقول: قال فيه: المستقرأ من وجوه القراءات أن العامة لا تتفق فيها أبدا على العدول عن الأفصح، وجدير بالقرآن أن يحرز أفصح الوجوه وأن لا يخلو من الأفصح ويشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد منهم إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها، وسيبويه يحاشي من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتمال الشاذ الذي لا يعدّ من القرآن عليه، ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل، قال سيبويه في ترجمة باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب، وملخصها: أنه متى بني الاسم على فعل الأمر فذاك موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيه النصب: وأما قوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور: ٢] فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [محمد: ١٥] ثم قال سبحانه بعد: فِيها أَنْهارٌ منها كذا، يريد سيبويه تمييز هذه
стр. 1321
الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها، ووجه التمييز أن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنيا على الفعل، وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه فلا يلزم فيه اختيار النصب، ثم قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده فذكر أخبارا وقصصا، فكأنه قال: ومن القصص- مثل الجنة- فهو محمول على هذا الإضمار والله تعالى أعلم، وكذلك الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي لما قال جل ثناؤه: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [النور: ١] قال جل وعلا في جملة الفرائض: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ثم جاء فَاجْلِدُوا بعد أن مضى فيهما الرفع- يريد سيبويه- لم يكن الاسم مبنيا على الفعل المذكور بعد، بل بني على محذوف متقدم، وجاء الفعل طارئا، ثم قال: كما جاء- وقائلة: خولان- فانكح فتاتهم، فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، وكذلك وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فيما فرض عليكم السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث، وقد قرأ أناس السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بالنصب وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع، يريد أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنيا على الفعل غير معتمد على متقدم، فكان النصب قويا بالنسبة إلى الرفع، حيث يبنى الاسم على الفعل لا على متقدم، وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع، حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، فإنه قد بين أن ذلك يخرجه عن الباب الذي يختار فيه النصب، فكيف يفهم عنه ترجيحه عليه، والباب مع القرائن مختلف، وإنما يقع الترجيح بعد التساوي في الباب، فالنصب أرجح من الرفع حيث يبنى الاسم على الفعل، والرفع متعين- لا أقول أرجح- حيث يبنى الاسم على كلام متقدم، وإنما التبس على الزمخشري كلام سيبويه من حيث اعتقد أنه باب واحد عنده، ألا ترى إلى قوله: لأن زيدا فاضربه أحسن من زيد فاضرب، كيف رجح النصب على الرفع، حيث يبنى الكلام في الوجهين على الفعل، وقد صرح سيبويه بأن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، ثم حقق هذا المقدار بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما ظنه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير، بل كان يرفعه على الابتداء، ويجعل الأمر خبره- كما أعربه الزمخشري- فالملخص- على هذا- أن النصب على وجه واحد، وهو بناء الاسم على فعل الأمر، والرفع على وجهين: أحدهما ضعيف وهو الابتداء، وبناء الكلام على الفعل، والآخر قوي بالغ كوجه النصب، وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دل عليه السياق، وإذا تعارض لنا وجهان في الرفع، أحدهما قوي والآخر ضعيف تعين حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رحمه الله تعالى ورضي عنه انتهى.
والفاء إذا بني الكلام على جملتين سببية لا عاطفة، وقيل: زائدة وكذا على الوجه الضعيف، فإن المبتدأ متضمن معنى الشرط إذ المعنى والذي سرق والتي سرقت، وزعم بعض المحققين أن مثل هذا التركيب لا يتوجه إلا بأحد أمرين: زيادة الفاء كما نقل عن الأخفش، أو تقدير إما لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ إما لتضمنه معنى الشرط، وإما لوقوع المبتدأ بعد أما، ولما لم يكن الأول وجب الثاني ولا يخفى ما فيه، وعلى قراءة عيسى بن عمر يكون النصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، والفاء أيضا- كما قال ابن جني- لما في الكلام من معنى الشرط، ولذا حسنت مع الأمر لأنه بمعناه، ألا تراه جزم جوابه لذلك إذ معنى أسلم تدخل الجنة إن تسلم تدخل الجنة، والمراد كما يشير إليه بعض شروح الكشاف إن أردتم حكم السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا إلخ، ولذا لم يجز زيدا فضربته لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضيا، وتقديره إن أردتم معرفة إلخ أحسن من تقديره إن قطعتم لأن لا يدل على الوجوب المراد، وقال أبو حيان: إن الفاء في جواب أمر مقدر أي تنبه لحكمهما فَاقْطَعُوا، وقيل: إنما دخلت الفاء لأن حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤] وليس بشيء، وبما ذكر صاحب الانتصاف يعلم فساد ما قيل: إن سبب الخلاف السابق في
стр. 1322
مثل هذا التركيب أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولا بما يقبل مباشرة أداة الشرط، وغيرهما لا يشترط ذلك، والظاهر أن سبب هذا عدم الوقوف على المقصود فليحفظ، والسرقة أخذ مال الغير خفية، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز، والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها، مع شروط تكفلت ببيانها الفروع، ومذهب الشافعي والأوزاعي وأبي ثور والإمامية رضي الله تعالى عنهم أن القطع فيما يساوي ربع دينار فصاعدا، وقال بعضهم: لا تقطع الخمس إلا بخمسة دراهم، واختاره أبو علي الجبائي، قيل: يجب القطع في القليل والكثير- وإليه ذهب الخوارج- والمراد بالأيدي الأيمان- كما روي عن ابن عباس والحسن والسدي وعامة التابعين رضوان الله عليهم أجمعين- ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- أيمانهما- ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] اكتفاء بتثنية المضاف إليه كذا قالوا، قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن، ولفظ به على الجمع لأن الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما علم أن للاثنين بطنين فقط.
وفرع الطيبي عليه عدم استقامة تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى لأن لكل من السارق يدين فيجوز الجمع، وأن تقطع الأيدي كلها من حيث ظاهر اللغة، وكذا قال أبو حيان، وفيه نظر لأن الدليل قد دل على أن المراد من اليد يد مخصوصة وهي اليمين فجرت مجرى القلب والظهر واليد اسم لتمام العضو، ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب، والإمامية على
أنه يقطع من أصول الأصابع ويترك له الإبهام والكف، ورووه عن علي كرم الله تعالى وجهه،
واستدلوا عليه أيضا بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: ٧٩] إذ لا شك في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع، وأنت تعلم أن هذا لا يتم به الاستدلال على ذلك المدعى، وحال روايتهم أظهر من أن تخفى، والجمهور على أن المقطع هو الرسغ،
فقد أخرج البغوي وأبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث الحارث بن أبي عبد الله بن أبي ربيعة «أنه ﵊ أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه»
والمخاطب بقوله سبحانه:
فَاقْطَعُوا على ما في البحر الرسول ﷺ ، أو ولاة الأمور كالسلطان، ومن أذن له في إقامة الحدود، أو القضاة والحكام، أو المؤمنون أقوال أربعة، ولم تدرج السارقة في السارق تغليبا كما هو المعروف في أمثاله لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر جَزاءً نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء، أو على أنه مصدر- لاقطعوا- من معناه، أو لفعل مقدر من لفظه، وجوز أن يكون حالا من فاعل- اقطعوا- مجازين لهما بِما كَسَبا بسبب كسبهما، أو ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى: نَكالًا مفعول له أيضا- كما قال أكثر المعربين- وقال السمين: منصوب كما نصب جَزاءً، واعترض الوجه الأول بأنه ليس بجيد لأن المفعول له لا يتعدد بدون عطف واتباع لأنه على معنى اللام، فيكون كتعلق حرفي جر بمعنى بعامل واحد وهو ممنوع، ودفع بأن النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه، وقال الحلبي وبعض المحققين: إنه إنما ترك العطف إشعارا بأن القطع للجزاء والجزاء للنكال والمنع عن المعاودة، وعليه يكون مفعولا له متداخلا كالحال المتداخلة، وبه أيضا يندفع الاعتراض وهو حسن، وقال عصام الملة:
إنما لم يعطف لأن العلة مجموعهما- كما في هذا خلو حامض- والجزاء إشارة إلى أن فيه حق العبد، والنكال إشارة إلى أن فيه حق الله تعالى، ولا يخفى ما فيه فتأمل، ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له بلا أتباع وحينئذ لا يرد السؤال رأسا، وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع صفة لنكالا أي نكالا كائنا منه تعالى وَاللَّهُ عَزِيزٌ في شرع الردع حَكِيمٌ في إيجاب القطع، أو عَزِيزٌ في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي حَكِيمٌ في فرائضه وحدوده، والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة.
стр. 1323
ومن الغريب أنه نقل عن أبيّ رضي الله تعالى أنه قرأ- والسرق والسرقة- بترك الألف وتشديد الراء، فقال ابن عطية: إن هذه القراءة تصحيف لأن السارق والسارقة قد كتبا في المصحف بدون الألف، وقيل في توجيهها: إنهما جمع سارق وسارقة، لكن قيل: إنه لم ينقل هذا الجمع في جمع المؤنث، فلو قيل: إنهما صيغة مبالغة لكان أقرب، واعترض- الملحد- المعري على وجوب قطع اليد بسرقة القليل، فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تحكم: ما لنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار
فأجابه- ولله دره- علم الدين السخاوي بقوله:
عز الأمانة: أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري
وفي الأحكام لابن عربي أنه كان جزاء السارق في شرع من قبلنا استرقاقه، وقيل: كان ذلك إلى زمن موسى ﵊ ونسخ، فعلى الأول شرعنا ناسخ لما قبله، وعلى الثاني مؤكد للنسخ فَمَنْ تابَ من السرّاق إلى الله تعالى مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ الذي هو سرقته، والتصريح بذلك لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته وَأَصْلَحَ أمره بالتفصي عن التبعات بأن يرد مال السرقة إن أمكن أو يستحل لنفسه من مالكه أو ينفقه في سبيل الله تعالى إن جهله، وقيل: المعنى وفعل الفعل الصالح الجميل بأن استقام على التوبة كما هو المطلوب منه فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة، وأما القطع فلا يسقطه التوبة عندنا لأن فيه حق المسروق منه، ويسقطه عند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه، ولا يخفى ما في هذه الجملة من ترغيب العاصي بالتوبة، وأكد ذلك بقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهو في موضع التعليل لما قبله، وفيه إشارة إلى أن قبول التوبة تفضل منه تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخطاب للنبي ﷺ ، أو لكل أحد يصلح له، واتصاله بما قبله على ما قاله الطبرسي: اتصال الحجاج، والبيان عن صحة ما تقدم من الوعد والوعيد، وقال شيخ الإسلام: المراد به الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى- على ما سيأتي- من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه أي ألم تعلم أن الله تعالى له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما اشتملا عليه إيجادا وإعداما إحياء وإماتة إلى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته، والجار والمجرور خبر مقدم، ومُلْكُ السَّماواتِ مبتدأ، والجملة خبر أَنَّ وهي مع ما في حيزها سادّ مسدّ مفعولي «تعلم» عند الجمهور، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم، وقوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ إما تقرير لكون ملكوت السماوات والأرض له سبحانه، وإما خبر آخر- لأن- وكان الظاهر
لحديث «سبقت رحمتي غضبي»
تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها، وقد قدمت السرقة في الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق، أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله تعالى، والأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فجيء به على ترتيب الوجود أو لأن المقام مقام الوعيد، أو لأن المقصود وصفه تعالى بالقدرة، والقدرة في تعذيب من يشاء أظهر من القدرة في مغفرته لأنه لا إباء في المغفرة من المغفور، وفي التعذيب إباء بين وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ووجه الإظهار كالنهار يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ خوطب ﷺ بعنوان الرسالة للتشريف والإشعار بما يوجب عدم الحزن، والمراد بالمسارعة في الشيء الوقوع فيه بسرعة ورغبة، وإيثار كلمة فِي على- إلى- للإيذان بأنهم مستقرون في الكفر لا يبرحون، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه
стр. 1324
إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك.
والتعبير عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى مدار الحزن، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه ﷺ بمسارعتهم في الكفر- لكنه في الحقيقة نهي له ﵊ عن التأثر من ذلك والمبالاة، والغرض منه مجرد التسلية على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومبادئه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله.
وقرىء «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي من أحزن وهي لغة، وقرىء «يسرعون» يقال أسرع فيه الشيب أي وقع فيه سريعا أي لا تحزن ولا تبال بتهافتهم في الكفر بسرعة حذرا- كما قيل- من شرهم وموالاتهم للمشركين فإن الله تعالى ناصرك عليهم، أو شفقة عليهم حيث لم يوفقوا للهداية فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ بيان للمسارعين في الكفر، وقال أبو البقاء: إنه متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يُسارِعُونَ أو من الموصول أي كائنين مِنَ الَّذِينَ إلخ، والباء متعلقة- بقالوا- لا- بآمنا- لظهور فساده وتعلقها به على معنى- بذي أفواههم- أي يؤمنون بما يتفوهون به من غير أن تلتف به قلوبهم مما لا ينبغي أن يلتفت إليه من له أدنى تمييز وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ جملة حالية من ضمير قالُوا، وقيل: عطف على قالُوا وقوله :
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على مِنَ الَّذِينَ قالُوا وبه تم تقسيم المسارعين إلى قسمين: منافقين ويهود، فقوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر مبتدأ محذوف أي هم سَمَّاعُونَ، والضمير للفريقين أو للذين يسارعون، وجوز أن يكون- للذين هادوا- واعترض بأنه مخل بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكل- كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى- وكذا جعل غير واحد وَمِنَ الَّذِينَ إلخ خبرا على أن سَمَّاعُونَ صفة لمبتدأ محذوف، أي ومنهم قوم سماعون لأدائه إلى اختصاص ما عدد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، على أنه قد قرىء- سماعين- بالنصب على الذم وهو ظاهر في أرجحية العطف، فالوجه ذلك، واللام للتقوية كما في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: ١٠٧، البروج: ١٦] وقيل: لتضمين السماع معنى القبول أي قابلون لما يفتريه الأحبار من الكذب على الله تعالى ورسوله ﵊ وتحريف كتابه، واعترضه الشهاب بأن هذا يقتضي أنه إنما فسر بالقبول ليعديه اللام.
وقد قال الزجاج: يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل، ومنه سمع الله لمن حمده أي تقبل منه حمده، وكلام الجوهري يخالفه أيضا، ويقتضي أنه ليس مبنيا على التضمين، وقال عصام الملة: إن القبول أيضا متعد بنفسه ففي القاموس: قبله- كعمله- وتقبله بمعنى أخذه، نعم يتعدى السماع بمعنى القبول باللام بمعنى من، كما في- سمع الله لمن حمده- أي قبل الله تعالى ممن حمده، لكن هذه اللام تدخل على المسموع منه لا المسموع.
وجوز أن تكون اللام للعلة، والمفعول محذوف أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه بأن يمسخوه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، أو كلام الناس الدائر فيما بينهم ليكذبوا بأن يرجفوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم، أو نحو ذلك مما فيه ضرر بهم، وأيا ما كان فالجملة مستأنفة جارية- على ما قيل- مجرى التعليل للنهي، أو مسوقة لمجرد الذم كما يقتضيه قراءة النصب، وقوله تعالى شأنه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ خبر ثان للمبتدأ المقدر للأول، ومبين لما هو المراد بالكذب على تقدير التقوية والتضمين، واللام هنا مثلها في- سمع الله لمن حمده- والمعنى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين، واختاره شيخ الإسلام.
стр. 1325
وجوز كونها لام التعليل أي سماعون كلامه ﷺ الصادر منه ليكذبوا عليه لأجل قوم آخرين، والمراد أنهم عيون عليه ﵊ لأولئك القوم، وروي ذلك عن الحسن والزجاج واختاره أبو علي الجبائي، وليس في النظم ما يأباه ولا بعد فيه، نعم ما قيل: من أنه يجوز أن تتعلق اللام بالكذب على أن سَمَّاعُونَ الثاني مكرر للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين بعيد، وآخَرِينَ صفة لِقَوْمٍ وجملة لَمْ يَأْتُوكَ صفة أخرى، والمعنى لم يحضروا عندك، وقيل: هو كناية عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليك، وفيه دلالة على شدة بغضهم له ﷺ ، وفرط عداوتهم، واحتمال كونها صفة سَمَّاعُونَ أي سَمَّاعُونَ لم يقصدوك بالإتيان بل قصدوا السماع للإنهاء إلى قوم آخرين مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ صفة أخرى لِقَوْمٍ وصفوا أولا بمغايرتهم للسماعين تنبيها على استقلالهم وأصالتهم في الرأي، ثم بعدم حضورهم مجلس رسول الله ﷺ إيذانا بكمال طغيانهم في الضلال، أو بعدم قدرتهم على النظر إليه ﵊ إيذانا بما تقدم ثم باستمرارهم على التحريف بيانا لإفراطهم في العتو والمكابرة والاجتراء على الله تعالى، وتعيينا للكذب الذي سمعه السماعون على بعض الوجوه كما هو الظاهر، وقيل: الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعية عليهم شنائعهم، وقيل: خبر مبتدأ محذوف راجع إلى القوم، وقيل: إلى الفريقين، والمعنى يميلون ويزيلون التوراة، أو كلام الرسول ﷺ أو كليهما أو مطلق الكلم في قول عن المواضع التي وضع ذلك فيها إما لفظا بإهماله، أو تغيير وضعه، وإما معنى بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده.
ومن هنا يعلم توجيه قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ دون عن مواضعه، وقال عصام الملة: إن إدراج لفظ بَعْدِ للتنبيه على تنزيل الكلم منزلة هي أدنى مما وضعت فيه لأنه إبطال النافع بالضار لا بالنافع أو الأنفع، فكأن المحرف واقف في موضع هو أدنى من موضع الكلمة يحرفها إلى موضعه، ولا يخفى بعده، وقال بعضهم: إن مِنَ للابتداء، ولفظ بَعْدِ للإشارة إلى أن التحريف مما بعد إلى موضع أبعد، وفيه من المبالغة في التشنيع ما لا يخفى، وقرأ إبراهيم- يحرفون الكلام (١) عن مواضعه- وقوله : يَقُولُونَ كالجملة السابقة في الوجوه، ويجوز أن تكون حالا من ضمير يُحَرِّفُونَ وجوز كونها كالتي قبلها صفة- لسماعون- أو حالا من الضمير فيه، وتعقبه شيخ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأن مقول القول ناطق بأن قائله ممن لا يحضر مجلس الرسول ﷺ والمخاطب به ممن يحضره، فكيف يمكن أن يقوله السماعون المترددون إليه ﵊ لمن لا يحوم حول حضرته قطعا، وادعاء قول السماعين لأعقابهم المخالطين للمسلمين تعسف ظاهر مخل بجزالة النظم الكريم، فالحق الذي لا محيد عنه- وعليه درج غالب المفسرين- أن المحرفين والقائلين هم القوم الآخرون أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم إِنْ أُوتِيتُمْ من جهة الرسول ﷺ كما هو الظاهر هذا فَخُذُوهُ واعملوا بموجبه فإنه موافق للحق وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ من جهته بل أوتيتم غيره فَاحْذَرُوا قبوله وإياكم وإياه، أو فاحذروا رسول الله ﷺ ، وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف من المبالغة والتحذير ما لا يخفى،
أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله
стр. 1326
صلّى الله عليه وسلّم ورسول الله ﷺ يومئذ لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، وأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ودية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وقوة منكم، فأما إذ قدم محمد ﷺ فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله ﷺ بينهما ففكرت العزيزة فقال: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم، فدسوا إلى محمد ﷺ من يخبر لكم رأيه فإن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكموه حذرتموه فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسا من المنافقين ليختبروا لهم رأي رسول الله ﷺ فلما جاؤوا رسول الله ﷺ أخبر الله تعالى رسوله ﵊ بأمرهم كله وماذا أرادوا فأنزل يا أَيُّهَا الرَّسُولُ الآية،
وعلى هذا يكون أمر التحريف غير ظاهر الدخول في القصة.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدارس حين قدم النبي ﷺ المدينة- وقد زنى رجل بعد إحصانه بامرأة من يهود وقد أحصنت- فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد ﷺ فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما، فإن عمل فيهما عملكم من التجبية- وهي الجلد بحبل من ليف مطلي بقار- ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار فاتبعوه، فإنما هو ملك سيد قوم وإن حكم فيهما بغيره فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم إياه، فأتوه فقالوا: يا محمد هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما، فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارهم في بيت المدارس فقال: يا معشر يهود اخرجوا إلى علمائكم فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهود، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله ﷺ ، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلا به رسول الله ﷺ وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا- فألظ به رسول الله ﷺ المسألة يقول: يا ابن صوريا أنشدك الله تعالى وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل هل تعلم أن الله تعالى حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله ﷺ فأمر بهما فرجما عند باب مسجده ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ إلخ.
وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أنه قال: «زنى رجل من أهل فدك فكتبوا إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا ﷺ عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك فقال: أرسلوا إلى أعلم رجلين منكم، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر، فقال النبي ﷺ لهما: أليس عندكما التوراة فيها حكم الله تعالى؟ قالا: بلى، قال: فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ونجاكم من آل فرعون وأنزل التوراة على موسى ﵇ وأنزل المنّ والسلوى على بني إسرائيل ما تجدون في التوراة في شأن الرجم، فقال أحدهما للآخر: ما أنشدت بمثله قط قالا: نجد ترداد النظر ريبة والاعتناق ريبة والقبل ريبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه بيدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم، فقال النبي ﷺ فهو كذلك فأمر به فرجم.
وفي جريان الإحصان الشرعي الموجب للرجم في الكافر ما هو مذكور في الفروع، ولعل هذا عند من يشترط الإسلام- كالإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه- كان على اعتبار شريعة موسى ﵊، أو كان قبل نزول الجزية فليتدبر وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي عذابه كما روي عن الحسن وقتادة، واختاره الجبائي وأبو مسلم، أو
стр. 1327
إهلاكه كما روي عن السدي والضحاك، أو خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه كما نقل عن الزجاج، أو اختياره بما يبتليه به من القيام بحدوده فيدفع ذلك ويحرفه- كما قيل- وليس بشيء، والمراد العموم ويندرج فيه المذكورون اندراجا أوليا، وعدم التصريح بكونهم كذلك للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذكر فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ فلن تستطيع له مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في دفع تلك الفتنة، والفاء جوابية، ومِنَ اللَّهِ متعلق- بتملك- أو بمحذوف وقع حالا من شَيْئاً لأنه صفته في الأصل أي شيئا كائنا من لطف الله تعالى، أو بدل الله عز اسمه، وشَيْئاً مفعول به- لتملك- وجوز بعض المعربين أن يكون مفعولا مطلقا. والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، أو مبينة لعدم انفكاك أولئك عن القبائح المذكورة أبدا أُولئِكَ أي المذكورون من المنافقين واليهود، وما في اسم الإشارة من معنى البعد لما مرت الإشارة إليه مرارا، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من رجس الكفر وخبث الضلالة، والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لها لا واقعة منه سبحانه ابتداء، وفيها- كالتي قبلها على أحد التفاسير- دليل على فساد قول المعتزلة: إن الشرور ليست بإرادة الله تعالى وإنما هي من العباد، وقول بعضهم: إن المراد لم يرد تطهير قلوبهم من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب، أو لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان- كما قال البلخي- لا يقدم عليه من له أدنى ذوق بأساليب الكلام.
ومن العجيب أن الزمخشري لما رأى ما ذكر خلاف مذهبه قال: معنى- من يرد الله فتنته- من يرد تركه مفتونا وخذلانه فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً فلن تستطيع له من لطف الله تعالى وتوفيقه شيئا، ومعنى لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أن ذلك لا ينجع فيهم ولا ينفع انتهى.
وقد تعقبه ابن المنير بقوله: كم يتلجلج والحق أبلج، هذه الآية كما تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أن الله تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته سبحانه وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها لو أراد الله تعالى أن يطهر قلوبهم من وضر البدع أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] ، وما أشنع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله تعالى أن يمنحهم ألطافه لعلمه أن ألطافه لا تنجح تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون، وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع، فلطف من ينفع؟! وإرادة من تنجع؟! وليس وراء الله للعبد مطمع انتهى، وتفصيهم عن ذلك عسير لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أما المنافقون فخذيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين، وازدياد غمهم بمزيد انتشار الإسلام وقوة شوكته وعلو كلمته، وأما خزي اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة. وإجلاء بني النضير من ديارهم، وتنكير خِزْيٌ للتفخيم وهو مبتدأ ولَهُمْ خبره، وفِي الدُّنْيا متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من أحوالهم الموجبة للعقاب، كأنه قيل: فما لهم على ذلك من العقوبة؟ فقيل:
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وكذا الحال في قوله تعالى: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي مع الخزي الدنيوي عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره وهو الخلود في النار مع أعد لهم فيها، وضمير لَهُمْ في الجملتين- لأولئك- من المنافقين واليهود جميعا، وقيل: لليهود خاصة، وقيل: لَهُمْ إن استأنفت بقوله سبحانه: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا وإلا فللفريقين،
стр. 1328
والتكرير مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير والتأكيد، ولذلك كرر قوله سبحانه: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، وقيل: إن الظاهر أنه تعليل لقوله تعالى: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ إلخ. أو توطئة لما بعده، أو المراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة وفيما مر ما يفتريه الأحبار، ويؤيده الفصل بينهما.
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أي الحرام من سحته إذا استأصلته، وسمي الحرام سحتا- عند الزجاج- لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار، وقال الجبائي: لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالبا، وقال الخليل: لأن في طريق كسبه عارا فهو يسحت مروءة الإنسان، والمراد به هنا- على المشهور- الرشوة في الحكم، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن.
وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم»
وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ : هدايا الأمراء سحت»
وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا، ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية،
وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، قال: ذاك الكفر، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك،
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : ست خصال من السحت:
رشوة الإمام- وهي أخبث ذلك كله- وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن» ،
وعدّ ابن عباس رضي الله تعالى عنه في رواية ابن منصور والبيهقي عنه أشياء أخر.
قيل: ولعظم أمر الرشوة اقتصر عليها من اقتصر،
وجاء من طرق عن النبي ﷺ «أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما» .
ولتفاقم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صدر الأمر من حضرة مولانا- ظل الله تعالى على الخليقة ومجدد نظام رسوم الشريعة والحقيقة- السلطان العدلي محمود خان لا زال محاطا بأمان الله تعالى- حيثما كان في السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والمائتين- بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتم وجه، وحد للهدية حدا لئلا يتوصل بها إلى الارتشاء كما يفعله اليوم كثير من الأمراء،
فقد أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ قال: «ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ، والنجش بالصدقة، والسحت بالهدية، والقتل بالموعظة يقتلون البريء ليوطئوا العامة يملي لهم فيزدادوا إثما» .
هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب «السحت» بضمتين، وهما لغتان- كالعنق والعنق.
وقرىء «السحت» بفتح السين على لفظ المصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد، و «السحت» بفتحتين و «السحت» بكسر السين فَإِنْ جاؤُكَ خطاب للنبي ﷺ ، والفاء فصيحة أي إذا كان حالهم كما شرح فَإِنْ جاؤُكَ متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بما أراك الله تعالى أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ غير مبال بهم ولا مكترث، وهذا كما ترى تخيير له ﷺ بين الأمرين، وهو معارض لقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وتحقيق المقام على ما ذكر الجصاص- في كتاب الأحكام- أن العلماء اختلفوا، فذهب قوم إلى أن التخيير منسوخ بالآية الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس، وإليه ذهب أكثر السلف: قالوا: إنه ﷺ كان أولا مخيرا، ثم أمر ﵊ بإجراء الأحكام عليهم، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وقيل: إن هذه الآية فيمن لم
стр. 1329
يعقد له ذمة، والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ، وأثبته بعضهم بمعنى التخصيص لأن من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضا.
وقال أصحابنا: أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين، وخبر الرجم السابق سبق توجيهه، واختلف في مناكحتهم، فقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يقرون عليها، وخالفه- في بعض ذلك- محمد وزفر، وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، وتمام التفصيل في الفروع وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ بيان لحال الأمرين بعد تخييره ﷺ بينهما، وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه حيث كان مظنة لترتب العداوة المقتضية للتصدي للضرر، فمآل المعنى إن تعرض عنهم ولم تحكم بينهم فعادوك وقصدوا ضررك فَلَنْ يَضُرُّوكَ بسبب ذلك شَيْئاً من الضرر فإن الله تعالى يحفظك من ضررهم وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل الذي أمرت به، وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الإسلام، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه قال:- لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم- إن صح يراد منه لازم المعنى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي العادلين فيحفظهم عن كل مكروه ويعظم شأنهم وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به، وتنبيه على أن ذلك التحكيم لم يكن لمعرفة الحق وإنما هو لطلب الأهون، وإن لم يكن ذلك حكم الله تعالى بزعمهم فقوله سبحانه:
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ حال من فاعل يُحَكِّمُونَكَ، وقوله تعالى: فِيها حُكْمُ اللَّهِ حال من التوراة إن جعلت مرتفعة بالظرف وكون ذلك ضعيفا لعدم اعتماد الظرف سهو لأنه معتمد- كما قال السمين- على ذي الحال لكن قال: جعل التوراة- مرفوعا بالظرف المصدر بالواو- محل نظر، ولعل وجهه أنها تجعله جملة مستقلة غير معتمدة، أو أنه لا يقرن بالواو، وإن جعلت مبتدأ فهو حال من ضميرها المستكن في الخبر لأنه لا يصح مجيء الحال من المبتدأ عن سيبويه.
وقيل: استئناف مسوق لبيان أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وأنثت التوراة معاملة لها- بعد التعريب- معاملة الأسماء العربية الموازنة لها- كموماة ودوداة- ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يُحَكِّمُونَكَ داخل في حكم التعجيب لأن التحكيم مع وجود ما فيه الحق المغني عن التحكيم، وإن كان محلا للتعجب والاستبعاد لكن مع الإعراض عن ذلك أعجب، وثُمَّ للتراخي في الرتبة، وجوز الأجهوري كون الجملة مستأنفة غير داخلة في حكم التعجيب أي ثم هم يتولون أي عادتهم فيما إذا وضح لهم الحق أن يعرضوا ويتولوا، والأول أولى، وقوله سبحانه: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أن يحكموك تصريح بما علم لتأكيد الاستبعاد والتعجب، وقوله : وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ تذييل مقرر لفحوى ما قبله، ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم قصدا إلى إحضارهم في الذهن بما وصفوا به من القبائح إيماء إلى علة الحكم مع الإشارة إلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكمل تميز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهدة، أي وَما أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر بِالْمُؤْمِنِينَ بكتابهم لإعراضهم عنه المنبئ عن عدم الرضا القلبي به أولا وعن حكمك الموافق له ثانيا، أو بك وبه، وقيل: هذا إخبار منه تعالى عن أولئك اليهود أنهم لا يؤمنون بالنبي ﷺ وبحكمه أصلا.
وقيل: المعنى- وما أولئك بالكاملين في الإيمان- تهكما بهم إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ كلام مستأنف سيق لتقرير مزيد فظاعة حال أولئك اليهود ببيان علو شأن التوراة على أتم وجه فِيها هُدىً أي إرشاد للناس إلى الحق وَنُورٌ
стр. 1330
أي ضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم- قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه-.
وقال الزجاج: فِيها هُدىً أي بيان للحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه النبي ﷺ وَنُورٌ أي بيان أن أمر النبي ﵊ حق، ولعل تعميم المهدي إليه كما في كلام ابن عباس أولى، ويندرج فيه اندراجا أوليا ما ذكره الزجاج من الحكم، وإطلاق النور على ما في التوراة مجاز، ولعل إطلاقه على ذلك دون إطلاقه على القرآن بناء على أن النور مقول بالتشكيك، وقد يقال: إن إطلاقه على ما به بيان أمر النبي ﷺ بناء على ما قال الزجاج- باعتبار كون الأمر المبين متعلقا بأول الأنوار الذي لولاه ما خلق الفلك الدوار ﷺ ، وحينئذ يكون الفرق بين الإطلاقين مثل الصبح ظاهرا، والظرف خبر مقدم، وهُدىً مبتدأ، والجملة حال من التَّوْراةَ أي كائنا فيها ذلك، وكذا جملة يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ في قول إلا أنها حال مقدرة، والأكثرون على أنها مستأنفة مبينة لرفعة رتبة التوراة وسمو طبقتها، والمراد من النبيين من كان منهم من لدن موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل، وكان بين النبيين ﵉ ألف نبي.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن المراد بهم نبينا ﷺ ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل ﵈، وعلى هذا بني الاستدلال بالآية من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة، والمراد يحكم بأحكامها النبيون الَّذِينَ أَسْلَمُوا صفة أجريت على النبيين- كما قيل- على سبيل المدح، والظاهر لهم، ونظر فيه ابن المنير بأن المدح إنما يكون غالبا بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه، والإسلام أمر عام يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم كما يتناولهم، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبي ﷺ أن يقتصر على كونه رجلا مسلما فإن أقل متبعيه كذلك، ثم قال: فالوجه- والله تعالى أعلم- أن الصفة قد تذكر لتعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما تذكر تنويها بقدر موصوفها، وعلى هذا الأسلوب جرى وصف الأنبياء ﵈ بالصلاح في غير ما آية تنويها بمقدار الصلاح إذ جعل صفة للأنبياء ﵈، وبعثا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] ، فأخبر سبحانه عن الملائكة المقربين بالإيمان تعظيما لقدره، وبعثا للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة، وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا، كيف لا؟! وهم- عند ربهم- كما في الخبر، ثم قال جل وعلا: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني من البشر لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين القبيلتين، فلذلك- والله تعالى أعلم- جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به، ولقد أحسن القائل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وحسان الناظم في مدحه ﵊ بقوله:
ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد
والإسلام- وإن كان من أشرف الأوصاف، إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حكمه- إلا أن النبوة أشرف وأجل لاشتمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز وفي كلام العرب الفصيح، وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على العكس، ألا ترى أن أبا الطيب كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... در مقاصيرها زبرجدها
فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صنعته؟ فعلينا
стр. 1331
أن نتدبر الآيات المعجزات حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوها في البلاغة المعهودة لها، والله تعالى الموفق للصواب انتهى.
وفي المفتاح: والتخليص إشارة إلى ما ذكره، وإيراد الطيبي عليه ما أورده غير طيب، نعم قد يقال: إن القائل بكونها مادحة لمن جرت عليه نفسه قد يدعي أن ذلك مما لا بأس به إذا قصد مع المدح فوائد أخر كالتنويه بعلو مرتبة المسلمين هنا والتعريض باليهود بأنهم بمعزل عن الإسلام، على أنه قد ورد في الفصيح- بل في الأفصح- ذكر غير الأبلغ بعد الأبلغ من الصفات، ومن ذلك الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١ وغيرها] حيث كان متضمنا نكتة، وقال عصام الملة: إن الإسلام للنبي كمال المدح لأن الانقياد من المقتدي للخلائق التي لا تحصى وصف لا وصف فوقه، ويمكن أن يكون الوصف به هنا إشعارا بمنشأ الحكم ليحافظ عليه الأمة ولا يخرم، ولا يتوهم أن الحكم للنبوة، فغير النبي ﷺ خارج عن هذا المسلك انتهى، وفيه تأمل، إذ الترقي من الأدنى إلى الأعلى لم يظهر بعد، ونهاية الأمر الرجوع إلى نحو ما تقدم فافهم لِلَّذِينَ هادُوا أي تابوا من الكفر- كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه- والمراد بهم اليهود- كما قال الحسن- والجار إما متعلق- بيحكم- أي يحكمون فيما بينهم، واللام إما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع لكلا الفريقين ففيه تعريض بالمحرفين، وقيل: من باب سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] وإما متعلق- بأنزلنا- ولعل الفاصل ليس بالأجنبي ليضر، وقيل: بأنزل على صيغة المبني للمفعول، وحذف لدلالة الكلام عليه، وتكون الجملة حينئذ معترضة، وعلى هذا تكون الآية نصا في تخصيص النبيين بأنبياء بني إسرائيل لأنه لا يلزم من إنزالها لهم اختصاصها بهم، وقيل: الجار متعلق- بهدى ونور- وفيه فصل بين المصدر ومعموله، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة لهما أي هُدىً وَنُورٌ كائنان لهما، وكلام الزجاج يحتمل هذا وما قبله وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ أي العباد والعلماء قاله قتادة، وقال مجاهد:
الرَّبَّانِيُّونَ العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار، وعن ابن زيد الرَّبَّانِيُّونَ الولاة، وَالْأَحْبارُ العلماء، والواحد:
حبر بالفتح والكسر، قال الفراء: وأكثر ما سمعت فيه الكسر، وهو مأخوذ من التحبير والتحسين، فإن العلماء يحبرون العلم ويزينونه ويبينونه، ومن ذلك الحبر- بكسر الحاء لا غير- لما يكتب به، وهذا عطف على «النبيون» أي هم أيضا يحكمون بأحكامها، وتوسيط المحكوم لهم- كما قال شيخ الإسلام- بين المتعاطفين للإيذان بأن الأصل في الحكم بها، وحمل الناس على ما فيها هم النبيون، وإنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب لهم في ذلك كما ينبئ عنه قوله تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا أي بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم ﵈ مشعر باستخلافهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها، والجار متعلق «بيحكم» ، وما موصولة، وضمير الجمع عائد إلى الربانيين والأحبار، وقوله تعالى:
مِنْ كِتابِ اللَّهِ بيان- لما- وفي الإبهام والبيان بذلك ما لا يخفى من تفخيم أمر التوراة ذاتا وإضافة، وفيه أيضا تأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها، والباء الداخلة على الموصول سببية فلا يلزم تعلق حرفي جر متحدي المعنى بفعل واحد أي ويحكم الربانيون والأحبار أيضا بالتوراة بسبب ما حفظوه مِنْ كِتابِ اللَّهِ حسبما وصاهم به أنبياؤهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيته من حيث الذات بل من حيث كونه محفوظا، فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر بسببية الحفظ المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له، وتوهم بعضهم أن ما بمعنى أمر، ومِنْ لتبيين مفعول محذوف- لاستحفظوا- والتقدير بسبب أمر اسْتُحْفِظُوا به
стр. 1332
شيئا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وهو مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله تعالى، وقيل: الأولى أن تجعل ما مصدرية ليستغني عن تقدير العائد، وحينئذ لا يتأتى القول بأن مِنْ بيان لها، ومن الناس من جوز كون بِمَا بدلا من بها، وأعيد الجار لطول الفصل وهو جائز أيضا وإن لم يطل، ومنهم من أرجع الضمير المرفوع للنبيين ومن عطف عليهم، فالمستحفظ حينئذ هو الله تعالى، وحديث الأنباء لا يتأتى إذ ذاك، وقيل: إن الرَّبَّانِيُّونَ فاعل بفعل محذوف، والباء صلة له، والجملة معطوفة على ما قبلها، أي ويحكم الربانيون والأحبار بحكم كتاب الله تعالى الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ عطف على اسْتُحْفِظُوا ومعنى شُهَداءَ رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من الوجوه، أو شُهَداءَ عليه أنه حق.
ورجح على الأول بأنه يلزم عليه أن يكون الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ رقباء على أنفسهم لا يتركونها أن تغير وتحرف التوراة لأن المحرف لا يكون إلا منهم لا من العامة، وهو كما ترى ليس فيه مزيد معنى، وإرجاع ضمير كانُوا للنبيين مما لا يكاد يجوز، وقيل: عطف على يَحْكُمُ المحذوف المراد منه حكاية الحال الماضية أي حكم الربانيون والأحبار بكتاب الله تعالى.
وكانوا شهداء عليه، ويجوز على هذا- بلا خفاء- أن تكون الشهادة مستعارة للبيان أي مبينين ما يخفى منه، وأمر التعدي بعلى سهل، ولعل المراد به شيء وراء الحكم، وقيل: الضمير المرفوع هنا كسابقه عائد على النبيين وما عطف عليه، والعطف إما على اسْتُحْفِظُوا أو على يَحْكُمُ وتوهم عبارة البعض- حيث قال وبسبب كونهم شهداء- أن العطف على- ما- الموصولة فيؤوّل كانُوا بالمصدر، وكأن المقصود منه تلخيص المعنى لكون ما ذكر ضعيفا فيما لا يكون المعطوف عليه حدثا، وأما العطف على كتاب الله بتقدير حرف مصدري ليكون المعطوف داخلا تحت الطلب فكما ترى، وإرجاع ضمير عَلَيْهِ إلى حكم النبي ﷺ بالرجم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مما تأباه العربية في بعض الاحتمالات، وهو وإن جاز عربية في البعض الآخر لكنه خلاف الظاهر ولا قرينة عليه، ولعل مراد الحبر بيان بعض ما تضمنه الكتاب الذي هم شهداء عليه، وبالجملة احتمالات هذه الآية كثيرة فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه والسدي والكلبي، ويتناول النهي غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة، والفاء لجواب شرط محذوف أي إذا كان الشأن كما ذكر يا أيها الأحبار فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ كائنا من كان، واقتدوا في مراعاة أحكام التوراة وحفظها بمن قبلكم من النبيين والربانيين والأحبار، ولا تعدلوا عن ذلك ولا تحرفوا خشية من أحد وَاخْشَوْنِ في ترك أمري فإن النفع والضر بيدي، أو في الإخلال بحقوق مراعاتها فضلا عن التعرض لها بسوء وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي أي لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تخرجوها منها أو تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم ثَمَناً قَلِيلًا من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية، فإنه وإن جلت قليلة مسترذلة في نفسها لا سيما بالنسبة إلى ما يفوتهم بمخالفة الأمر، وذهب الحسن البصري إلى أن الخطاب للمسلمين وهو الذي ينبئ عنه كلام الشعبي.
وعن ابن مسعود- وهو الوجه كما في الكشف- أنه عام، والفاء على الوجهين فصيحة أي وحين عرفتم ما كان عليه النبيون والأحبار، وما تواطأ عليه الخلوف من أمر التحريف والتبديل للرشوة والخشية، فلا تخشوا الناس ولا تكونوا أمثال هؤلاء الخالفين، والذي يقتضيه كلام بعض أئمة العربية أنها على الوجه فصيحة أيضا، وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب فتذكر وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من الأحكام فَأُولئِكَ إشارة إلى مِنْ والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في سابقه باعتبار لفظها، وهو مبتدأ خبره جملة قوله سبحانه: هُمُ الْكافِرُونَ ويجوز أن
стр. 1333
يكون هُمُ ضمير فصل، والْكافِرُونَ هو الخبر، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير، واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن، ووجه الاستدلال بها أن كلمة مِنْ فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل الفاسد المصدق أيضا لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى، وأجيب بأن الآية متروكة الظاهر، فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى، وأيضا إن المراد عموم النفي بحمل ما على الجنس، ولا شك أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله تعالى لا يكون إلا غير مصدق ولا نزاع في كفره، وأيضا أخرج ابن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما أنزل الله تعالى- ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون- في اليهود خاصة، وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ إلخ ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وابن جرير عن الضحاك نحو ذلك، ولعل وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة، فلإنكارهم ذلك وصفوا- بالكافرين- ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا- بالظالمين- ولخروجهم عن الحق وصفوا- بالفاسقين- أو أنهم وصفوا بها باعتبار أطوارهم وأحوالهم المنضمة إلى الامتناع عن الحكم، فتارة كانوا على حال تقتضي الكفر، وتارة على أخرى تقتضي الظلم أو الفسق، وأخرج أبو حميد وغيره عن الشعبي أنه قال: الثلاث الآيات التي في المائدة أولها لهذه الأمة والثانية في اليهود والثالثة في النصارى، ويلزم على هذا أن يكون المؤمنون أسوأ حالا من اليهود والنصارى إلا أنه قيل: إن الكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أشعر بعتوه وتمرده فيه.
ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الكفر الواقع في أولى الثلاث: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة كفر دون كفر، والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم، وهو مخرج مخرج التغليظ، أو يلتزم أحد الجوابين، واختلاف الأوصاف لاختلاف الاعتبارات، والمراد من الأخيرين منها الكفر أيضا عند بعض المحققين، وذلك بحملهما على الفسق والظلم الكاملين، وما أخرجه الحاكم وصححه وعبد الرزاق وابن جرير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه- أن الآيات الثلاث ذكرت عنده، فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قدّ الشراك- يحتمل أن يكون ذلك ميلا منه إلى القول بالعموم، ويحتمل أن يكون كما قيل: ميلا إلى القول بأن ذلك في المسلمين،
وروي الأول عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما إلا أنه قال: كفر ليس ككفر الشرك وفسق ليس كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك.
هذا وقد تكلم بعض العارفين على ما في بعض هذه الآيات من الإشارة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي اتقوه سبحانه بتزكية نفوسكم من الأخلاق الذميمة وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي واطلبوا إليه تعالى الزلفى بتحليتها بالأخلاق المرضية وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحو الصفات والفناء في الذات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تفوزوا بالمطلوب، وقيل: ابتغاء الوسيلة التقرب إليه بما سبق من إحسانه وعظيم رحمته وهو على حد قوله:
أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فليس إلى معن سواه شفيع
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي ما في الجهة السفلية جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ الكبرى ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ لأنه سبب زيادة الحجاب والبعد ولا ينجع ثمة إلا ما في الجهة العلوية
стр. 1334
من المعارف والحقائق النورية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أي المتناول من الأنفس والمتناولة من القوى النفسانية للشهوات التي حرمت عليها فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي امنعوهما بحسم قدرتهما بسيف المجاهدة وسكين الرياضة جَزاءً بِما كَسَبا من تناول ما لا يحل تناوله لها نَكالًا أي عقوبة من الله سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ووساوس شيطان النفس سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ وهم القوى النفسانية لَمْ يَأْتُوكَ أي ينقادوا لكم، أو سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ يسنون السنن السيئة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ وهي التعينات الإلهية مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ فيزيلونها عما هي من الدلالة على الوجود الحقاني، أو يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة- كمن يؤوّل القرآن والأحاديث على وفق هواه- وليس ما نحن فيه من هذا القبيل كما يزعمه المحجوبون لأن ذلك إنما يكون بإنكار أن يكون الظاهر مرادا لله تعالى، وقصر مراده سبحانه على هذه التأويلات، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك فإنه كفر صريح، وإنما نقول: المراد هو الظاهر وبه تعبد الله تعالى خلقه لكن فيه إشارة إلى أشياء أخر لا يكاد يحيط بها نطاق الحصر يوشك أن يكون ما ذكر بعضا منها وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قال ابن عطاء: من يحجبه الله تعالى عن فوائد أوقاته لم يقدر أحد إيصاله إليه أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي بالمراقبة والمراعاة، وقال أبو بكر الوراق: طهارة القلب في شيئين: إخراج الحسد والغش، وحسن الظن بجماعة المسلمين أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وهو ما يأكلونه بدينهم فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ مداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي داوهم على ما يستحقون ويقتضيه داؤهم، والكلام في باقي الآيات ظاهر والله تعالى الموفق.
وَكَتَبْنا عطف على أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ والمعنى قدرنا وفرضنا عَلَيْهِمْ أي على الذين هادوا، وفي مصحف أبيّ وأنزلنا على بني إسرائيل فِيها أي في التوراة، والجار متعلق بكتبنا، وقيل: بمحذوف وقع حالا أي فرضنا هذه الأمور مبينة فيها، وقيل: صفة لمصدر محذوف أي كَتَبْنا كتابة مبينة فِيها. أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ أي مأخوذة أو مقتولة أو مقتصة بها إذا قتلتها بغير حق، ويقدر في كل مما في قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ما يناسبه كالفقء والجذع والصلم والقلع، ومنهم من قدر الكون المطلق، وقال: إنه مرادهم أي يستقر أخذها بالعين ونحو ذلك.
وقرأ الكسائي: الْعَيْنَ وما عطف عليه بالرفع، ووجهه أبو علي الفارسي بأن الكلام حينئذ جمل معطوفة على جملة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، فإن معنى- كتبنا عليهم أن النفس بالنفس- قلنا لهم: النفس بالنفس، فالجملة مندرجة تحت ما كتب على بني إسرائيل، وجعله ابن عطية على هذا القول من العطف على التوهم وهو غير مقيس، وقيل: إنه محمول على الاستئناف بمعنى أن الجمل اسمية معطوفة على الجملة الفعلية، ويكون هذا ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة، وقيل: إنه مندرج فيه أيضا على هذا، والتقدير وكذلك- العين بالعين- إلخ لتتوافق القراءتان.
وقال الخطيب: لا عطف، والاستئناف بمعناه المتبادر منه، والكلام جواب سؤال كأنه قيل: ما حال غير النفس؟
فقال سبحانه: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إلخ، وقيل: إن العين وكذا سائر المرفوعات معطوفة على الضمير المرفوع المستتر في الجار والمجرور الواقع خبرا، والجار والمجرور بعدها حال مبينة للمعنى، وضعف هذا بأنه يلزم العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ولا تأكيد، وهو لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة.
وأجيب بأنه مفصول تقديرا إذ أصله النفس مأخوذة أو مقتصة هي بالنفس إذ الضمير مستتر في المتعلق المقدم
стр. 1335
على الجار والمجرور بحسب الأصل وإنما تأخر بعد الحذف وانتقاله إلى الظرف كذا قيل، وهو يقتضي أن الفصل المقدر يكفي للعطف وفيه نظر، ويقدر المتعلق على هذا عاما ليصح العطف إذ لو قدر النفس مقتولة بالنفس والعين لم يستقم المعنى كما لا يخفى فليفهم.
واعلم أن النفس في كلامهم إذا أريد منها الإنسان بعينه مذكر، ويقال: ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص، وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير، وتصغيرها نفيسة لا غير، والعين بمعنى الجارحة المخصوصة مؤنثة، وإطلاق القول بالتأنيث لا يظهر له وجه إذ لا يصح أن يقال: هذه عين هؤلاء الرجال، وأنت تريد الخيار، والأذن مثلها، والأنف مذكر لا غير، والسن تؤنث ولا تذكر وإن كانت السن من الكبر لكن ذكر ابن الشحنة أن السن تطلق على الضرس والناب، وقد نصوا على أنهما مذكران وكذا الناجذ والضاحك والعارض، ونص ابن عصفور على أن الضرس يجوز فيه الأمران، ونظم ما يجوز فيه ذلك بقوله:
وهاك من الأعضاء ما قد عددته ... تؤنث أحيانا وحينا تذكر
لسان الفتى والإبط والعنق والقفا ... وعاتقه والمتن والضرس يذكر
وعندي الذراع والكراع مع المعى ... وعجز الفتى ثم القريض المحبر
كذا كل نحوي حكى في كتابه ... سوى سيبويه وهو فيهم مكبر
يرى أن تأنيث الذراع هو الذي ... أتى، وهو للتذكير في ذاك منكر
وقد شاع أن ما منه اثنان في البدن كاليد والضلع والرجل مؤنث، وما منه واحد كالرأس والفم والبطن مذكر، وليس ذاك بمطرد فإن الحاجب والصدغ والخد والمرفق والزند كل منها مذكر مع أن في البدن منه اثنين، والكبد والكرش فإنهما مؤنثان وليس منهما في البدن إلا واحد، وتفصيل ما يذكر ولا يؤنث وما يؤنث ولا يذكر من الأعضاء يفضي إلى بسط يد المقال، والكف أولى بمقتضى الحال هذا وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ بالنصب عطف على اسم إن، وقِصاصٌ هو الخبر، ولكونه مصدرا كالقتال، وليس عين المخبر عنه يؤوّل بأحد التأويلات المعروفة في أمثاله، والكسائي كما قرأ بالرفع فيما قبل قرأ به هنا أيضا، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وإن نصبوا فيما تقدم رفعوا هنا على أنه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصل حكم غيرها من الأعضاء، وهذا الحكم فيما إذا كانت بحيث تعرف المساواة كما فصل في الكتب الفقهية، واستدل بعموم أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ من قال: يقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد والرجل بالمرأة، ومن خالف استدل بقوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: ١٧٨]
وبقوله ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر»
وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه، والمراد بما روى الحربي لسياقه ولا ذو عهد في عهده، والعطف يقتضي المغايرة،
وقد روي أنه ﵊ قتل مسلما بذمي،
وذكر ابن الفرس أن الآية في الأحرار المسلمين لأن اليهود المكتوب عليهم ذلك في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا كلهم أحرارا لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ من بين سائر الأنبياء لأن الاستعباد من الغنائم، ولم تحل لغيره ﵊، وعقد الذمة لبقاء الكفار ولم يقع ذلك في عهد نبي بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب، وآخر ذلك في هذه الأمة رحمة انتهى.
وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في العموم لكن لم يبقوه على ذلك، فقال قال الأصحاب: لا يقتل المسلم بالمستأمن ولا الذمي به لأنه غير محقون الدم على التأبيد، وكذا كفره باعث على الحرب لأنه على قصد الرجوع،