يَسْتَوِيانِ
أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى نارهما، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح ﵇ مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي الأشراف المليئون بأمور الدنيا الذين حجبوا بما هم فيه عن الحق ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا لكونهم واقفين عند حد العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طورا وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا بمقام النبوة ومعناها وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال.
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ وتقدم يؤهلكم لما تدعونه بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ فلا نبوة لك ولا علم لهم.
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يجب عليكم الإذعان بها وَآتانِي رَحْمَةً هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان مِنْ عِنْدِهِ فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة أَنُلْزِمُكُمُوها ونجبركم عليها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ لا تلتفتون إليها كأنه ﵇ أراد أنه لا يكون إلزام ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكرا ومن لم يعتقد لم ينتفع وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فهو يثيبني بما هو خير وأبقى وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ تسفهون عليهم وتؤذونهم وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ كما تريدون وهم بتلك المثابة أَفَلا تَذَكَّرُونَ لتعرفوا التماس طردهم ضلال، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن فقراء المؤمنين مؤد إلى سخط رب العالمين.
قال أبو عثمان: في الآية ما أَنَا بمعرض عمن أقبل على الله تعالى، فإن من أقبل على الله تعالى بالحقيقة أقبل الله تعالى عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله تعالى عليه فقد أعرض عن الله سبحانه وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ إلخ أي أنا لا أدعي الفضل بكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك وبمنافاة البشرية لما أنا عليه وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تنظرون إليهم بعين الحقارة لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً كما تقولون أنتم إذ الخير عندي ما عند الله تعالى لا المال اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من الخير مني ومنكم وهو أعلم بقدرهم وخطرهم إِنِّي إِذاً أي إذ نفيت لَمِنَ الظَّالِمِينَ مثلكم وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا قيل: فيه إشارة إلى عين الجمع المشار إليه
بخبر «لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» الحديث.
وقيل: أي كن في أعين رعايتنا وحفظنا ولا تكن في رؤية عملك والاعتماد عليه، فإن من نظر إلى غيري احتجب به عني، وقال بعضهم: أي أسقط عن نفسك تدبيرك واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك أو أحد من خلقي، وقيل: أي اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فإنك بأعيننا رعاية وكلاءة فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت من أعيننا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فيه إشارة إلى رقة قلبه ﵇ بعد احتمال جفوتهم وأذيتهم، وهكذا شأن الصديقين، والكلام في باقي الآية ظاهر، ولا يخفى أنه يجب الإيمان بظاهرها والتصديق بوقوع الطوفان حسبما قص الله سبحانه وإنكار ذلك كفر صريح، لكن ذكر بعض السادة أنه بعد
стр. 2417
الإيمان بذلك يمكن احتمال التأويل على أنه حظ الصوفي من الآية وذلك بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو ومن آمن معه، والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم يتجرد عنها بمتابعة نبي وتزكية نفس كما جاء في مخاطبات إدريس ﵇ لنفسه ما معناه أن هذه الدنيا بحر مملوء ماء فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت، وعلى هذا يقال: معنى وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ يتخذ شريعة من ألواح الأعمال الصالحة ودسر العلوم تنتظم بها الأعمال وتحكم وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ كما هو المشاهد في أرباب الخلاعة الممطتين غارب الهوى يسخرون من المتشرعين المتقيدين بقيود الطاعة قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا بجهلكم فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ عند ظهور وخامة عاقبتكم كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عند ذلك مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ في الدنيا من حلول ما لا يلائم غرضه وشهوته وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان وظهور هيئات الرذائل المظلمة حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا بإهلاك أمته وَفارَ التَّنُّورُ باستيلاء الأخلاط الفاسدة والرطوبات الفضلية على الحرارة الغريزية وقوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية، أو أَمْرُنا بإهلاكهم المعنوي وَفارَ التَّنُّورُ باستيلاء ماء هوى الطبيعة على القلب وإغراقه في بحر الهيولى الجسماني قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما النوعية والصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص.
ومعنى حملهما فيها علمه ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية فإن علمه جزء من السفينة المتركبة من العلم والعمل فمعلوميتهما محموليتهما وعالميته بهما حامليته إياهما فيها وَأَهْلَكَ ومن يتصل بك في سيرتك من أقاربك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره وَمَنْ آمَنَ من أمتك وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي بسم الله تعالى الأعظم الذي هو وجود كل عارف كامل من أفراد نوع الإنسان إجراء أحكامها وترويجها في بحر العالم الجسماني وإثباتها وأحكامها كما ترى من إجراء كل شريعة وأحكامها بوجود الكامل ممن ينسب إليها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ لهيئات نفوسكم البدنية المظلمة وذنوب ملابس الطبيعة المهلكة إياكم المغرقة في بحرها وذلك بمتابعة الشريعة رَحِيمٌ بإفاضة المواهب العلمية والكشفية والهيئات النورانية التي ينجيكم بها وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ من بحر الطبيعة الجسمانية كَالْجِبالِ الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج، وهذا الجريان يعرض للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك.
ولعل في الآية على هذا تغليبا وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ المحجوب بالعقل المشوب بالوهم وَكانَ فِي مَعْزِلٍ لذلك الحجاب عن الدين والشريعة يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا أي ادخل في ديننا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ أي سألتجىء إلى الدماغ وأستعصم بالعقل المشرق هناك ليحفظني من استيلاء بحر الهيولى فلا أغرق فيه قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وهو الله الذي رحم أهل التوحيد وأفاض عليهم من شآبيب لطفه ما عرفوا به دينه الحق وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ أي موج هوى النفس واستيلاء ماء بحر الطبيعة وحجب عن الحق فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ في بحر الهيولى الجسمانية، وقيل: من جهة الحق على لسان الشرع لأرض الطبيعة يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وقفي على حد الاعتدال، ولسماء العقل المحجوبة بالعادة والحس المشوبة بالوهم المغيمة بغيم الهوى يا سَماءُ أَقْلِعِي عن إمداد الأرض وَغِيضَ الْماءُ أي ماء قوة الطبيعة الجسمانية ومدد الرطوبة الحاجبة لنور الحق
стр. 2418
المانعة للحياة الحقيقية وَقُضِيَ الْأَمْرُ بإنجاء من نجا وإهلاك من هلك وَاسْتَوَتْ أي سفينة شريعته عَلَى الْجُودِيِّ وهو جبل وجود نوح وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الذين عبدوا الهوى دون الحق ووضعوا الطبيعة مكان الشريعة وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ إلخ الكلام على هذا الطرز فيه ظاهر قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ من محل الجمع وذروة مقام الولاية والاستغراق في التوحيد إلى مقام التفصيل وتشريع النبوة بالرجوع إلى الخلق ومشاهدة الكثرة في عين الوحدة غير معطل للمراتب بِسَلامٍ مِنَّا أي سلامة عن الاحتجاب بالكثرة وَبَرَكاتٍ من تقنين قوانين الشرع عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ ناشئة مِمَّنْ مَعَكَ على دينك إلى آخر الزمان وَأُمَمٌ أي وينشأ ممن معك أمم سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا في العقبى عَذابٌ أَلِيمٌ بإحراقهم بنار الآثار وتعذيبهم بالهيئات المظلمة.
هذا ثم ذكر أنه إذا شئت التطبيق على ما في الأنفس أولت نوحا بروحك والفلك بكمالك العلمي والعملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى والتنور بتنور البدن وفورانه استيلاء الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة، وما أشار إليه مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بجيوش القوى الحيوانية والطبيعية وطيور القوى الروحانية، وأولت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة والزوجة بحام القلب وسام العقل النظري ويافث العقل العملي وزوجة النفس المطمئنة والابن الآخر الوهم والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولد منها الوهم. والجبل بالدماغ. واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان انتهى، ومن نظر بعين الإنصاف لم يعول إلا على ظاهر القصة وكان له به غنى عن هذا التأويل، واكتفى بما أشار إليه من أن النسب إذا لم يحط بالصلاح كان غريقا في بحر العدم.
فما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله
ومن أنه ينبغي للإنسان التحري بالدعاء وأن لا تشغله الشفقة عن ذلك إلى غير ما ذكر، والآية نص في كفر قوم نوح ﵇ الذين أغرقهم الله تعالى، وفي فصوص الحكم للشيخ الأكبر قدس سره ما هو نص في إيمانهم ونجاتهم من العذاب يوم القيامة وذلك أمر لا نفهمه من كتاب ولا سنة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2419
وَإِلى عادٍ متعلق بمحذوف معطوف على قوله سبحانه: أَرْسَلْنا في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى: أَخاهُمْ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحدا منهم في النسب كقولهم: يا أخا العرب، وقدم المجرور ليعود الضمير عليه، وقيل: إن إِلى عادٍ أَخاهُمْ عطف على قوله تعالى: نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [هود: ٢٥] المنصوب على المنصوب والجار والمجرور على الجار والمجرور، وهو من العطف على معمولي عامل واحد وليس من المسألة المختلف فيها، نعم الأول أقرب- كما في البحر- لطول الفصل بالجمل الكثيرة بين المفردات المتعاطفة، وقوله سبحانه: هُوداً عطف بيان- لأخاهم- وجوز أن يكون بدلا منه وكان ﵇ ابن عم أبي عاد وأرسل إليهم من هو منهم ليكون ذلك أدعى إليه اتباعه قالَ استئناف بياني حيث كان إرساله ﵇ مظنة للسؤال عما قال لهم ودعاهم كأنه قيل: فما قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال: يا قَوْمِ ناداهم بذلك استعطافا لهم، وقرأ ابن محيصن «يا قوم» بالضم وهي لغة في المنادى المضاف إلى الياء حكاها سيبويه وغيره اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحده وكانوا مشركين يعبدون الأصنام ويدل على أن المراد ذلك قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فإنه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بها كأنه قيل: أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا إذ ليس لكم إله غيره سبحانه على أنه لا اعتداد بالعبادة مع الإشراك، فالأمر بها يستلزم الأمر بإفراده سبحانه بها وغَيْرُهُ بالرفع صفة- لإله- باعتبار محله لأنه فاعل للظرف لاعتماده على النفي، وقرأ الكسائي بالجر على أنه صفة له جار على لفظه إِنْ أَنْتُمْ ما أنتم بجعلكم الألوهية لغيره تعالى كما قال الحسن- أو بقولكم: إن الله تعالى أمرنا بعبادة الأصنام إِلَّا
стр. 2420
مُفْتَرُونَ
عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي خاطب به كل رسول قومه إزاحة لما عسى أن يتوهموه وتمحيضا للنصيحة فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع بمعزل عن التأثير، وإيراد الموصول للتفخيم، وجعل الصلة فعل الفطر الذي هو الإيجاد والإبداع لكونه أبعد من أن يتوهم نسبته إلى شركائهم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥، الزمر: ٣٨] مع كونه أقدم النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجريان على موجب أمره سبحانه الغالب معرضا عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجر، ولعل فيه إشارة إلى أنه ﵇ غني عن أجرهم الذي إنما يرغب فيه للاستعانة به على تدبير الحال وقوام العيش بالله تعالى الذي أوجده بعد أن لم يكن وتكفل له بالرزق كما تكفل لسائر من أوجده من الحيوانات أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون نصيحة من لا يطلب عليها أجرا إلا من الله تعالى ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك فتناقدون لما يدعوكم إليه أو تجهلون كل شيء فلا تعقلون شيئا أصلا فإن الأمر مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء.
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها، وقيل: الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه، وحيث إن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل: ثُمَّ تُوبُوا فكأنه قيل: آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة غيره، وتعقب بأن قوله سبحانه: اعْبُدُوا اللَّهَ دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل اسْتَغْفِرُوا على ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه، وقد كان يمكن تعليقه بالأول، والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله تعالى المعجز، وقيل: المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة عما صدر منهم غير الشرك، وأورد عليه أيضا أن الإيمان يجب ما قبله، وقيل: المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان، وبالثاني التوسل إليه سبحانه بالتوبة عن الشرك، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به ثُمَّ- وقيل: وقيل- وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة. يُرْسِلِ السَّماءَ أي المطر كما في قوله:
إذا «نزل السماء» بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
عَلَيْكُمْ مِدْراراً كثير الدر متتابعه من غير إضرار فمفعال للمبالغة كمعطار ومقدام.
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ أي عزا مضموما إلى عزكم أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [نوح: ١٢] لأن العز الدنيوي بذلك، وعن الضحاك تفسير- القوة- بالخصب، وعن عكرمة تفسيرها بولد الولد، وقيل: المراد بها قوة الجسم، ورغبهم ﵇ بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود ﵇ على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل، وقيل: القوة الأولى في الإيمان، والثانية في الأبدان أي يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم وَلا تَتَوَلَّوْا أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه مُجْرِمِينَ مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام، وقيل: مجرمين بالتولي وهو تكلف. قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ أي بحجة واضحة تدل على صحة دعواك، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء ﵈ جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها،
ففي الخبر «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر»
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا أي بتاركي عبادتها عَنْ قَوْلِكَ أي بسبب قولك المجرد عن البينة- فعن- للتعليل كما قيل في قوله تعالى: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها
стр. 2421
إِيَّاهُ [التوبة: ١١٤] وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وغيره، فالجار والمجرور متعلق بِتارِكِي.
وذهب بعض المحققين إلى أنه متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستتر فيه أي صادرين وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن الماء، وقد شاع في كلامهم استعمال الصدر والورد كناية عن العمل والتصرف، ومنه قوله:
ما أمسى الزمان حاجا إلى من ... يتولى الإيراد والإصدارا
أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه، وقد يكتفي بالصدر في ذلك لاستلزامه للورد فيقولون: لا يصدر إلا عن رأيه، والمعنى هنا حينئذ ما نحن بِتارِكِي آلِهَتِنا عاملين بقولك، والنفي فيه راجع إلى القيد والمقيد جميعا لأنهم لا يتركون آلهتهم ولا يعملون بقوله ﵇، وقيل: إن صادرين بمعنى معرضين وهو قيد للنفي، والمعنى انتفى تركنا عبادة آلهتنا معرضين عَنْ قَوْلِكَ ويكون هذا جوابا لقوله: لا تَتَوَلَّوْا وجعل بعضهم إرادة ذلك من باب التضمين لا من باب تقدير المتعلق بقرينة عَنْ وجعله كناية كما علمت، وكلام الزمخشري ظاهر في هذا كما يكشف عنه كلام الكشف وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين فيما جئت به أو في كل ما تأتي وتذر، ويندرج فيه ذلك، وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة فأنكروا الدليل على نبوته ﵇، ثم قالوا مؤكدين لذلك وَما نَحْنُ بِتارِكِي إلخ، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوى دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه، وفي ذلك من الدلالة على الإقناط ما فيه إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ أي أصابك من عراه يعروه، وأصله من اعتراه بمعنى قصد عراه أي محله وناحيته بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ أرادوا به- قاتلهم الله تعالى- الجنون، والباء للتعدية والتنكير فيه قيل: للتقليل كأنهم لم يبالغوا في العتو كما ينبىء عنه نسبة ذلك إلى بعض آلهتهم دون كلها، وقيل: للتكثير إشارة إلى أن ما قاله لا يصدر إلا عمن أصيب بكثير سوء مبالغة في خروجه عن قانون العقل، وذكر البعض تعظيما لأمر آلهتهم وأن البعض منها له من التأثير ما له، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ، وأصله أن نقول قولا إلا قولنا هذا فحذف المستثنى منه وحذف القول المستثنى وأقيم مقوله مقامه، أو اعْتَراكَ هو المستثنى لأنه أريد به لفظه فلا حاجة إلى تقدير قول بعد إِلَّا وليس مما استثنى فيه الجملة، ومعنى هذا أنه أفسد عقلك بعض آلهتنا لسبك إياها وصدك عن عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية بما مر من قولك: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ وغرضهم من هذا على ما قيل: بيان سبب ما صدر عن هود ﵇ بعد ما ذكروا من عدم التفاتهم لقوله ﵇، وقيل: هو مقرر لما مر من قولهم: وَما نَحْنُ بِتارِكِي إلخ وَما نَحْنُ لَكَ إلخ فإن اعتقادهم بكونه ﵇ كما قالوا- وحاشاه عن ذلك- يوجب عدم الاعتداد بقوله، وعده من قبيل الخرافات فضلا عن التصديق والعمل بمقتضاه يعنون أنا لا نعتقد كلامك إلا ما لا يحتمل الصدق من الهذيانات الصادرة عن المجانين فكيف نؤمن به ونعمل بموجبه؟ ولقد سلكوا طريق المخالفة والعناد إلى سبيل الترقي من السيّء إلى الأسوأ حيث أخبروا أولا عن عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به حجة في نفسه وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد وثانيا عن ترك الامتثال لقوله ﵇: بقولهم: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ مع إمكان تحقق ذلك بتصديقهم له في كلامه. ثم نفوا عنه تصديقهم له ﵇ بقولهم: وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مع كون كلامه ﵇ مما يقبل التصديق، ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضا حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون انتهى.
وللبحث فيه مجال، ولعل الإتيان بهذه الجملة غير مقترنة بالعاطف كالجملتين الأوليين يؤيد كونها ليست
стр. 2422
مسوقة للتأكيد مثلهما، نعم تضمنها لتقرير ما تقدم مما لا يكاد ينكر فتدبر.
قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ أي مما أنتم تجعلونه شريكا وهو سبحانه لم يجعله شريكا ولم ينزل به سلطانا- فما موصولة، ومِنْ دُونِهِ متعلق- بتشركون- لا حال من فاعله أي تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم إذ لا فائدة في التقييد به، وجوز أن تكون مصدرية أيضا أي من إشراككم، وقد جوز كلا الاحتمالين الزمخشري فقال: أي من إشراككم آلهة من دونه أو مما تشركونه آلهة من دونه وأمر تعلق الجار فيهما واحد، وتقدير آلهة لإيضاح المعنى والإشارة إلى أن المفعول مراد لسوق الكلام ولا يصلح أن يكون الظرف صفة له على الوجهين لأن بيانه حاصلهما بنحو ما ذكرناه في بيان حاصل الأول إنما يستقيم إذا تعلق بالفعل المذكور وليس المعنى على آلهة غير الله على ذلك التفسير، وللطيبي ما يخالف ذلك وليس بذاك، وأَنِّي بَرِيءٌ متنازع فيه للفعلين قبله وقد يتنازع المختلفان في التعدي الاسم الذي يكون صالحا لأن يعملا فيه تقول: أعطيت ووهبت لعمرو درهما كما يتنازع اللازم والمتعدي نحو قام وضربت زيدا.
وقد أجاب ﵇ بهذا عن مقالتهم الشنعاء المبنية على اعتقاد كون آلهتهم تضر وتنفع، ولما كان ما وقع أولا منه ﵇ في حقها من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله تعالى واختصاصه بها وقد شق ذلك عليهم وعدوه مما يورث شينا حتى زعموا ما زعموا صرح ﵇ بالحق وصدع به حيث أخبر ببراءته القديمة عنها بالجملة الاسمية المصدرة- بأن- وأكد ذلك- بأشهد الله- فإنه كالقسم في إفادة التأكيد وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به، والمقصود منه الاستهانة والاستهزاء كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به: أشهد على أني قائل لك كذا، وكأنه غاير بين الشهادتين لذلك، وعطف الإنشاء على الاخبار جائز عند بعض، ومن لم يجوزه قدر قولا أي وأقول اشْهَدُوا ويحتمل أن يكون إشهاد الله تعالى إنشاء أيضا وإن كان في صورة الخبر، وحينئذ لا قيل ولا قال، وجوز أن يكون إشهاده ﵇ لهم حقيقة إقامة للحجة عليهم.
وعدل عن الخبر فيه تمييزا بين الخطابين فهو خبر في المعنى كما هو المشهور في الأول لكن الأولى الحمل على المجاز، ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشاد مع آلهتهم جميعا دون بعض منها حسبما يشعر به قولهم بَعْضُ آلِهَتِنا والتعاون في إيصال الكيد إليه ﵇، ونهاهم عن الإنظار والإمهال في ذلك فقال: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ أي إن صح ما لوحتم به من كون آلهتكم مما يقدرون على إضرار من ينال منها ويصد عن عبادتها ولو بطريق ضمني فإني بريء منها فكونوا أنتم معها جميعا وباشروا كيدي ثم لا تمهلوني ولا تسامحوني في ذلك. فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم من قدرة آلهتهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما، والخطاب للقوم وآلهتهم، ويفهم من كلام بعض أنه للقوم فقط، وفيه نفي قدرة آلهتهم على ضره بطريق برهاني فإن الأقوياء والأشداء إذا لم يقدروا مع اجتماعهم واحتشادهم على الضر كان عدم قدرة الجمادات عليه معلوما من باب أولى، وأيا ما كان فذاك من أعظم المعجزات بناء على ما قيل: إنه كان ﵇ مفردا بين جمع عتاة جبابرة عطاش إلى إراقة دمه يرمونه عن قوس واحدة، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقرهم وآلهتهم وهيجهم على ما هيجهم فلم يقدروا على مباشرة شيء مما كلفوه، وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا. وفي ذلك دلالة على مزيد ثقته بالله سبحانه وكمال عنايته به وعصمته له، وقد قرر ذلك بإظهار التوكل على من كفاه ضرهم في قوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ وفيه تعليل لنفي ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعا وبذلتم في مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته، وجيء
стр. 2423
بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام، ثم إنه ﵇ برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه، والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، واستعمال الأخذ بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية، وفي البحر أنه صار عرفا في القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته، وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها، وهو كقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] ، وقيل: معناه أن مصيركم إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء، ولعل الأول أولى، وفي الكشف أن في قوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ الآية من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل، وما يعطيه أن من توكل عليه لم يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: رَبِّي وَرَبِّكُمْ فكيف يصاب من لزم سدّة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيحه بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره تعالى وتصوير ذل المعبودين بين يدي قهره أيا ما كان، والختم بما يفيد الغرضين على القطع كفاية من إياه تولى وخزاية من أعرض عن ذكره وتولى بناء على أن معناه أنه سبحانه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم، وفي قوله: رَبِّي من غير إعادة وَرَبِّكُمْ كما في الأول نكتة سرية بعد اختصار المعنى عن الحشو فيه ما يدل على زيادة اختصاصه به وأنه رب الكل استحقاقا وربه دونهم تشريفا وإرفاقا فَإِنْ تَوَلَّوْا أي تتولوا فهو مضارع حذف منه إحدى التاءين وحمل على ذلك لاقتضاء أبلغتكم له، وجوز ابن عطية كونه ماضيا، وفي الكلام التفات ولا يظهر حسنه ولذا قدر غيره ممن جعله كذلك فقل أبلغتكم لكنه لا حاجة إليه، ويؤيد ذلك قراءة الأعرج وعيسى الثقفي تَوَلَّوْا بضم التاء واللام مضارع ولى، والمراد فإن تستمروا على
ما كنتم عليه من التولي والإعراض لوقوع ذلك منهم فلا يصلح للشرط، وجوز أن يبقى على ظاهره بحمله على التولي الواقع بعد ما حجهم، والظاهر أن الضمير لقوم هود والخطاب معهم، وهو من تمام الجمل المقولة قبل، وقال التبريزي: إن الضمير لكفار قريش وهو من تلوين الخطاب، وقد انتقل من الكلام الأول إلى الاخبار عمن بحضرة الرسول ﷺ ، وكأنه قيل: أخبرهم عن قصة قوم هود وادعهم إلى الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود ﵇ فَإِنْ تَوَلَّوْا فقل لهم- قد أبلغتكم- إلخ وهو من البعد بمكان كما لا يخفى، وقوله سبحانه: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ دليل جواب الشرط أي إن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ فإن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول، وقيل: التقدير إن تتولوا فما علي كبير همّ منكم فإنه قد برئت ساحتي بالتبليغ وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان، وقيل: إنه الجزاء باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره أي فلا تفريط مني ولا عذر لكم، وقيل: إنه جزاء باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما في وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] على ما مر وكل ذلك لما أن الإبلاغ واقع قبل توليهم، والجزاء يكون مستقبلا بالنظر إلى زمان الشرط.
وزعم أبو حيان أن صحة وقوعه جوابا لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل فكأنه قيل: فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب، ويدل على ذلك الجملة الخبرية، وهي قوله سبحانه: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وفيه منع ظاهر، وهذا كما قال غير واحد: استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوما
стр. 2424
آخرين في ديارهم وأموالهم وهو استئناف نحوي عند بعض بناء على جواز تصديره بالواو.
وقال الطيبي: المراد به أن الجملة ليست بداخلة في الجملة الشرطية جزاء بل تكون جملة برأسها معطوفة على الجملة الشرطية وهو خلاف الظاهر من العبارة، وعليه تكون مرتبة على قوله سبحانه: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والمعنى أنه على العدل ينتقم منكم ويهلككم، وقال الجلبي: لا مانع عندي من حمله على الاستئناف البياني جوابا عما يترتب على التولي وهو الظاهر كأنه قيل: ما يفعل بهم إذا تولوا؟ فقيل: يَسْتَخْلِفُ إلخ.
وتعقبه بعضهم بأن الاستئناف البياني لا يقترن بالواو، وجوز أن يكون عطفا على الجواب لكن على ما بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة، والفاء رابطة له ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسامح فيه.
وقيل: تقديره فقل: يَسْتَخْلِفُ إلخ، وقرأ حفص برواية هبيرة و «يستخلف» بالجزم وهو عطف على موضع الجملة الجزائية مع الفاء كأنه قيل: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعذرني ويهلككم وَيَسْتَخْلِفُ مكانكم آخرين.
وجوز أبو البقاء كون ذلك تسكينا لتوالي الحركات، وقرأ عبد الله كذلك، وبجزم قوله سبحانه: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، وقيل: إن من جزم الأول جزم هذا لعطفه عليه وهو الظاهر، والمعنى لا تضرونه بهلاككم شيئا أي لا ينتقص ملكه ولا يختل أمره، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ولا تنقصونه شيئا، ونصب شَيْئاً على أنه مفعول مطلق لتضرون أي شيئا من الضرر لأنه لا يتعدى لاثنين، وجعله بعضهم مفعولا ثانيا مفسرا له بما يتعدى لهما لمكان الرواية، وجوز ابن عطية أن يكون المعنى أنكم لا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بشيء يضره تعالى عن ذلك علوا كبيرا، والأول أظهر، وقدر بعضهم التولي بدل الإهلاك أي ولا تضرونه بتوليكم شيئا من الضرر لاستحالة ذلك عليه سبحانه إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي رقيب محيط بالأشياء علما فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. فالحفظ كناية عن المجازاة، ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي أي إنه سبحانه حافظ مستول على كل شيء، ومن شأنه ذلك كيف يضره شيء وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور، قيل: أو المأمور به، وفي التعبير عنه بذلك مضافا إلى ضميره ﷻ ، وعن نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل.
وجوز أن يكون واحد الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر الملائكة ﵈، ويجوز أن يكون ذلك مجازا عن الوقوع على سبيل التمثيل نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قيل: كانوا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف، ولعل الانتصار للأنبياء ﵈ لم يكن مأذونا به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه ﵇ كان وحده، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له ﷺ لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة وفي الحواشي الشهابية أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل، والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجيء الأمر كان بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة بِرَحْمَةٍ عظيمة كائنة مِنَّا وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم.
وروي هذا عن ابن عباس والحسن، وذكره الزمخشري- ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال- لم يلتفت إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى إذا له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي، والجار والمجرور الأول متعلق- بنجينا- وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين.
وجوز أبو حيان كونه متعلقا- بآمنوا- أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله ﵇ برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه، ولعل ترتيب الإنجاء على النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح بالإنجاء اهتماما،
стр. 2425
ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه، ويجوز أن تكون- لما لمجرد الحين- وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ تكرير لأجل بيان ما نجاهم عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إربا إربا، أو المراد بهذا الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا، ورجح الأول بأنه أوفق لمقتضى المقام، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له صار سبب إنجائهم.
والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على كمال الامتنان وتحريضا على الإيمان وليس من أسلوب- أعجبني زيد وكرمه- في شيء كما ظنه العلامة الطيبي.
وقد أورد على الثاني أن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ولا مسببا عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما قيل في قوله سبحانه: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤] قيل: ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعا في وقت النزول تجوزا أو المعنى حكمنا بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة وأيا ما كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه، وقد يقال على الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح: بالغلظ الذي هو ضد الرقة التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف، وفيه أيضا مناسبة لحالهم فإنهم كانوا غلاظا شدادا وَتِلْكَ عادٌ أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل، فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم، وحينئذ الإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد، وجوز أن يكون بتقدير أصحاب تلك عاد، والجملة مبتدأ وخبر، وكان المقصود الحث على الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم، وقوله سبحانه: جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ إلخ استئناف لحكاية بعض قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على صدقه وأنكروها فقالوا: يا هود ما جئتنا ببينة، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود ﵇.
وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول، وعدي- جحد- بالباء حملا له على كفر لأنه المراد، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدى بنفسه نحو قوله سبحانه: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ، وقيل: كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء، وظاهر كلام القاموس أن جحد كذلك وَعَصَوْا رُسُلَهُ قيل: المراد بالرسل هود ﵇ والرسل الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر، وقيل: المراد بهم هود ﵇ وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ومن بعده ﵇ بناء على أن عصيانه ﵇ وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه، أو على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم فلم يمتثلوا ذلك الأمر وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ متعال عن قبول الحق، وقال الكلبي: هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية.
وقال الزجاج: هو الذي يجبر الناس على ما يريد، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد عَنِيدٍ أي طاغ من- عند- بتثليث النون- عندا- بالإسكان- وعندا- بالتحريك- وعنودا- بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان. وفسره الراغب بالمعجب بما عنده، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه، وكذا عاند، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، وجمعه- عند- كراكع وركع، وجمع العنود- عند- كرغيف ورغف، والعنود قيل: بمعنى العنيد.
стр. 2426
وزعم بعضهم أنه يقال: بعير عنود، ولا يقال: عنيد، ويجمع الأول على عندة والثاني على عند، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس. والعنيد العادل عن الطريق في الحكم وكلاهما من- عند- وأصل معناه على ما قيل:
اعتزل في جانب لأن- العند- بالتحريك الجانب يقال: يمشي وسطا لا عندا، ومنه- عند الظرفية، ويقال للناحية أيضا:
العند مثلثة، وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء.
وقيل: هو مثل ذلك في الشمول، والمراد- بالأمر- الشأن- وبكل جبار عنيد- من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك، والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلّا منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر، وقد يدعى العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً أي إبعادا عن الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا، أو لوقوعه في صحبة اتباعهم، وقيل: الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه، وضمير الجمع لعاد مطلقا كما هو الظاهر.
وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل النار وخلفهم اللعنة، والبوار، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين على ما قيل بالطريق الأولى وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي واتبعوا يوم القيامة أيضا لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلا من العنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال: وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة، ونظير هذا قوله تعالى: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ [الأعراف: ١٥٦] وعبر- بيوم القيامة- بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام.
أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي بربهم أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان أو جحدوه أَلا بُعْداً لِعادٍ دعاء عليهم بالهلاك مع أنهم هالكون أيّ هلاك تسجيلا عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه: لا يبعد فلان، وهو في كلام العرب كثير، ومنه قوله:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في القاموس: البعد والبعاد اللعن، واللام للبيان كما في قولهم: سقيا لك، وقيل: للاستحقاق وليس بذاك، وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم، وقوله سبحانه: قَوْمِ هُودٍ عطف بيان على «عاد» وفائدته الإشارة إلى أن عادا كانوا فريقين: عادا الأولى وعادا الثانية، وهي عاد إرم في قول، وذكر الزمخشري في الفجر أن عقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح قيل لهم: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم عاد الأخيرة، وأنشد لابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوله ... أدرك عادا وقبلها إرما
ولعله الأوفق للنقل مع الإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود ﵇ وهم قومه، وليس ذلك لدفع اللبس إذ لا لبس في أن عادا هذه ليست إلا قوم هود ﵇ للتصريح باسمه وتكريره في القصة، وقيل: ذكر ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم مع ما في ذلك من تناسب فواصل الآي.
стр. 2427
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ الكلام فيه كالكلام في نظيره السابق آنفا، وجمهور القراء على منع صرف ثَمُودَ ذهابا إلى القبيلة، وقرأ ابن وثاب والأعمش بالصرف على إرادة الحي هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ابتدأ خلقكم منها فإنها المادة الأولى وآدم الذي هو أصل البشر خلق منها، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أنشأ أباكم، وقيل: مِنْ بمعنى في، وليس بشيء، والمراد الحصر كما يفهمه كلام بعض الأجلة كأن القوم لعدم أدائهم حقه سبحانه قد اعتقدوا أن الفاعل لذلك غيره تعالى، أو هو مع غيره فخوطبوا على وجه قصر القلب أو قصر الأفراد بذلك، واحتمال أنهم كانوا يعتقدون أحد الأمرين حقيقة لا تنزيلا يستدعي القول بأنهم كانوا طبيعية أو ثنوية وإلا فالوثنية- وإن عبدوا معه سبحانه غيره- لا يعتقدون خالقية غيره لهم بوجه من الوجوه، وأخذ الحصر على ما قيل: من تقديم الفاعل المعنوي، وقيل: إنه مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه تعالى اقتضى حصر الخالقية أيضا فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق لا غيره يقتضي هذا فتدبر، والظاهر أن من يقول بالحصر هنا يقول به في قوله سبحانه: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها لمكان العطف وكونه معطوفا بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده مما لا فائدة في التزامه أي وهو الذي جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الافعال يقال:
أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها، وإلى هذا ذهب الراغب وكثير من المفسرين، وقال زيد بن أسلم: المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك، فالسين للطلب، وإلى هذا ذهب الكيا، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب. وقسمها في الكشاف إلى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع. ومندوب كعمارة المساجد. ومباح كعمارة المنازل وحرام كعمارة الخانات، وما يبنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة، واعترض على الكيا بأنه لم يكن هناك طلب حقيقة ولكن نزل جعلهم محتاجين لذلك- وإقدارهم عليه وإلهامهم كيف يعمرون- منزلة الطلب، وقال الضحاك:
المعنى عمركم فيها واستبقاكم وكان أحدهم يعمر طويلا حتى أن منهم من يعمر ألف سنة، والمشهور أن الفعل من العمر وهو مدة الحياة بالتشديد ومن العمارة نقيض الخراب بالتخفيف ففي أخذ ذلك من العمر تجوز.
وعن مجاهد أن استعمر من العمرى بضم فسكون مقصور، وهي- كما قال الراغب- في العطية أن تجعل له شيئا مدة عمرك أو عمره، والمعنى أعمركم فيها ورباكم أي أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء ثم هو سبحانه وارثها منكم، أو المعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ تفريع على ما تقدم فإن ما ذكر من صنوف إحسانه سبحانه داع إلى الاستغفار والتوبة، وقوله: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ أي قريب الرحمة لقوله سبحانه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] والقرآن يفسر بعضه بعضا مُجِيبٌ لمن دعاه وسأله زيادة في بيان ما يوجب ذلك والأول علة باعثة، وهذا علة غائية وما ألطف التقديم والتأخير، وصرح بعضهم أن قَرِيبٌ ناظر- لتوبوا- ومُجِيبٌ- لاستغفروا- كأنه، قيل: ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه قَرِيبٌ منكم أقرب من حبل الوريد واسألوه المغفرة فإنه جلا وعلا مُجِيبٌ السائلين ولا يخلو عن حسن قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا أي فيما بيننا مَرْجُوًّا فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس.
وقال ابن عطية مشورا نأمل منك أن تكون سيدا سادا مسد الأكابر، وقال كعب: كانوا يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة.
وقال مقاتل: كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم قَبْلَ هذا أي الذي
стр. 2428
باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا، وقيل: كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم- فقبل هذا- قبل هذا الوقت لا قبل الذي باشره من الدعوة، وحكى النقاش عن بعضهم أن مَرْجُوًّا بمعنى حقيرا وكأنه فسره أولا بمؤخرا غير معتنى به ولا مهتم بشأنه، ثم أراد منه ذلك وإلا- فمرجوا- بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب، وجاء قولهم: أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير- بيعبد- لحكاية الحال الماضية، وقرأ طلحة «مرجؤا» بالمد والهمز وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير ذلك من الاستغفار والتوبة مُرِيبٍ اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، أو من أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن بينهما- كما قال بعض المحققين- فرقا، وهو أن الأول منقول من الأعيان إلى المعنى. والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول: شعر شاعر، فعلى الأول هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك، والتنوين في مُرِيبٍ وفي شَكٍّ للتفخيم، وَإِنَّنا بثلاث نونات، ويقال: إنا بنونين وهما لغتان لقريش.
قال الفراء: من قال: إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين- نا- فاجتمعت ثلاث نونات، ومن قال:
إنا استثقل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين.
واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية لا الثالثة لأن في حذفها إجحافا بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون- نا- ولا ريب في أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة مِنْ رَبِّي مالكي ومتولي أموري وَآتانِي مِنْهُ من قبله سبحانه رَحْمَةً نبوة، وهذا من الكلام المنصف، والاستدراج إذ لا يتصور منه ﵇ شك فيما في حيز إن، وأصل وضعها أنها لشك المتكلم فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي فمن يمنعني من عذابه، ففي الكلام مضاف مقدر والنصرة مستعملة في لازم معناها أو أنّ الفعل مضمن معنى المنع، ولذا تعدى- بمن- والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصر على ما سبق من كونه على بينة وإيتاء الرحمة على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه قوله: إِنْ عَصَيْتُهُ أي في المساهلة في تبليغ الرسالة والمنع عن الشرك به تعالى والمجاراة معكم فيما تشتهون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم وإنكار نصرته أدخل فَما تَزِيدُونَنِي إذن باستتباعكم إياي أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه غَيْرَ تَخْسِيرٍ أي غير أن تجعلوني خاسرا بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو فَما تَزِيدُونَنِي بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم: إنكم لخاسرون لا أن أتبعكم.
وروي هذا عن الحسن بن الفضل، فالفاعل على الأول هم والمفعول صالح، وعلى الثاني بالعكس والتفعيل كثيرا ما يكون للنسبة كفسقته وفجرته، والزيادة على معناها والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه ﵇ على بينة من ربه وإيتائه النبوة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ مضارة في خسرانكم، فالكلام على حذف مضاف، وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلا خسارا، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان، قال ابن عطية: المعنى فما تعطوني فيما أقتضيه منكم من الإيمان غَيْرَ تَخْسِيرٍ
стр. 2429
لأنفسكم، وأضاف الزيادة إلى نفسه من حيث إنه مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيرا وأنت تريد بي سوءا وكان الوجه البين أن تقول: وأنت تريد شرا لكن من حيث كنت مريد خير ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك، وقيل: المعنى فما تزيدونني غير تخسيري إياكم حيث إنكم كلما ازددتم تكذيبا إياي ازدادت خسارتكم، وهي أقوال كما ترى وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ الإضافة للتشريف والتنبيه على أنها مفارقة لسائر ما يجانسها خلقا، وخلقا لَكُمْ آيَةً معجزة دالة على صدقي في دعوى النبوة، وهي حال من ناقَةُ اللَّهِ، والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.
وقيل: معنى التنبيه، والظاهر أنها حال مؤسسة، وجوز فيها أن تكون مؤكدة كهذا أبوك عطوفا لدلالة الإضافة على أنها آية، ولَكُمْ كما في البحر وغيره حال منها فقدمت عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها، واعترض بأن مجيء الحال من الحال لم يقل به أحد من النحاة لأن الحال تبين هيئة الفاعل أو المفعول وليست الحال شيئا منهما، وأجيب بأنها في معنى المفعول للإشارة لأنها متحدة مع المشار إليه الذي هو مفعول في المعنى ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقيل: الأولى أن يقال: إن هذه الحال صفة في المعنى لكن لم يعربوها صفة لأمر تواضع النحويون عليه من منع تقدم ما يسمونه تابعا على المتبوع فحديث- إن الحال تبين الهيئة- مخصوص بغير هذه الحال، واعترض بأن هذا ونحوه لا يحسم مادة الاعتراض لأن المعترض نفى قول أحد من النحاة بمجيء الحال من الحال، وبما ذكر لا يثبت القول وهو ظاهر، نعم قد يقال: إن اقتصار أبي حيان والزمخشري- وهما من تعلم في العربية- على هذا النحو من الاعراب كاف في الغرض على أتم وجه، وأراد الزمخشري بالتعلق في كلامه التعلق المعنوي لا النحوي فلا تناقض فيه على أنه بحث لا يضر.
وقيل: لَكُمْ حال من ناقَةُ وآيَةً حال من الضمير فيه فهي متداخلة، ومعنى كون الناقة للمخاطبين أنها نافعة لهم ومختصة بهم هي ومنافعها فلا يرد أنه لا اختصاص لذات الناقة بهم، وإنما المختص كونها آية لهم، وقيل:
لَكُمْ حال من الضمير في آيَةً لأنها بمعنى المشتق، والأظهر كون لَكُمْ بيان من هي آيَةً له، وجوز كون ناقَةُ بدلا أو عطف بيان من اسم الإشارة، ولَكُمْ خبره، وآيَةً حال من الضمير المستتر فيه فَذَرُوها دعوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ فليس عليكم مؤنتها والفعل مجزوم لوقوعه في جواب الطلب، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال- كما في البحر- والمتبادر من الأكل معناه الحقيقي لكن قيل في الآية اكتفاء أي تأكل وتشرب، وجوز أن يكون مجازا عن التغذي مطلقا والمقام قرينة لذلك.
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي بشيء منه فضلا عن العقر والقتل، والنهي هنا على حدّ النهي في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
[الأنعام: ١٥٢] إلخ فَيَأْخُذَكُمْ لذلك عَذابٌ قَرِيبٌ عاجل لا يستأخر عن مسكم إياها بسوء إلا يسيرا وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم، وقيل: أراد من وصفه بالقرب كونه في الدنيا، وإلى الأول ذهب غير واحد من المفسرين وكان الإخبار عن وحي من الله تعالى فَعَقَرُوها أي فخالفوا ما أمروا به فعقروها، والعقر قيل:
قطع عضو يؤثر في النفس.
وقال الراغب: يقال: عقرت البعير إذا نحرته ويجيء بمعنى الجرح أيضا- كما في القاموس- وأسند العقر إليهم مع أن الفاعل واحد منهم وهو قدار- كهمام- في قول، ويقال له: أحمر ثمود، وبه يضرب المثل في الشؤم لرضاهم بفعله، وقد جاء أنهم اقتسموا لحمها جميعا فَقالَ لهم صالح ﵇ تَمَتَّعُوا عيشوا فِي دارِكُمْ أي بلدكم، وتسمى البلاد الديار لأنها يدار فيها أي يتصرف يقال: ديار بكر لبلادهم، وتقول العرب الذين حوالي مكة:
стр. 2430
نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلد، وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال ابن عطية: هو جمع دارة كساحة وساح وسوح، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق «دارته» ينادي
ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي دارا وتطلق الدار على الدنيا أيضا، وبذلك فسرها بعضهم هنا، وفسر الطبرسي التمتع بالتلذذ أي تلذذوا بما تريدون ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثم يأخذكم العذاب،
قيل: إنهم لما عقروا الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث رغوات فقال صالح ﵇: لكل رغوة أجل يوم،
وابتداء الأيام على ما في بعض الروايات الأربعاء،
وروي أنه ﵇ قال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة. وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب فكان كما قال:
ذلِكَ إشارة إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب عقيبها وما فيه من معنى البعد للتفخيم وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي غير مكذوب فيه فحذف الجار وصار المجرور مفعولا على التوسع لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه، ويسمون هذا الحذف والإيصال، وهو كثير في كلامهم ويكون في الاسم- كمشترك- وفي الفعل كقوله:
ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى طعن النهال نوافله
أو غَيْرُ مَكْذُوبٍ على المجاز كأن الواعد قال له: أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه فهناك استعارة مكنية تخييلية، وقيل: مجاز مرسل بجعل مَكْذُوبٍ بمعنى باطل ومتخلف، أو وعد غير كذب على أن مكذوب مصدر على وزن مفعول كمجلود ومعقول بمعنى عقل وجلد فإنه سمع منهم ذلك لكنه نادر، ولا يخفى ما في تسمية ذلك وعدا من المبالغة في التهكم فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا أو أمرنا بنزوله، وفيه ما لا يخفى من التهويل نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ متعلق بنجينا أو بآمنوا بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي بسببها أو ملتبسين بها، وفي التنوين والوصف نوعان من التعظيم وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أي نجيناهم من خزي يومئذ وهو الهلاك بالصيحة وهذا كقوله تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ على معنى إنا نجيناهم، وكانت تلك التنجية من خزي يومئذ، وجوز أن يراد ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم القيامة أي من عذابه، فهذه الآية كآية هود سواء بسواء.
وتعقب أبو حيان هذا بأنه ليس بجيد إذ لم تتقدم جملة ذكر فيها يوم القيامة ليكون التنوين عوضا عن ذلك، والمذكور إنما هو جاء أمرنا فليقدر يوم إذ جاء أمرنا وهو جيد، والدفع بأن القرينة قد تكون غير لفظية كما هنا فيه نظر، وقيل: القرينة قوله سبحانه فيما مر: «عذاب يوم غليظ» وفيه ما فيه، وقيل: الواو زائدة فيتعلق مِنْ- بنجينا- المذكور، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الواو لا تزاد عندهم فيوجبون هنا التعلق بمحذوف وهو معطوف على ما تقدم، وقرأ طلحة وأبان «ومن خزي» بالتنوين ونصب «يومئذ» على الظرفية معمولا لخزي، وعن نافع والكسائي أنهما قرآ بالإضافة وفتح- يوم- لأنه مضاف إلى إذ وهو غير متمكن، وهذا كما فتح حين في قول النابغة:
على «حين» عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت: ألما أصح والشيب وازع
إِنَّ رَبَّكَ خطاب لرسول الله ﷺ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ أي القادر على كل شيء والغالب عليه في كل وقت ويندرج في ذلك الإنجاء والإهلاك في ذلك اليوم وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قوم صالح، وعدل عن الضمير إلى الظاهر تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بعليته لنزول العذاب بهم الصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل أو صيحة من السماء فيها كل صاعقة وصوت مفزغ، وهي على ما في البحر فعلة للمرة الواحدة من الصياح، يقال: صاح يصيح إذا صوت بقوة، وأصل ذلك- كما قال الراغب- تشقيق الصوت من قولهم: إنصاح الخشب. أو الثوب إذا انشق فسمع منه
стр. 2431
صوت، وصيح الثوب كذلك، وقد يعبر بالصيحة عن الفزع، وفي فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [الأعراف: ٧٨، ٩١] قيل:
ولعلها وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء، وقد تقدم الكلام منا في ذلك فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ أي منازلهم ومساكنهم، وقيل: بلادهم جاثِمِينَ هامدين موتى لا يتحركون، وقد مر تمام الكلام في ذلك معنى وإعرابا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا أي كأنهم لم يقيموا فِيها أي في ديارهم، والجملة قيل: في موضع الحال أي أصبحوا جاثِمِينَ مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط أَلا إِنَّ ثَمُودَ وضع موضع المضمر لزيادة البيان، ومنعه من الصرف حفص وحمزة نظرا إلى القبيلة، وصرفه أكثر السبعة نظرا إلى الحي كما قدمنا آنفا، وقيل: نظرا إلى الأب الأكبر يعني يكون المراد به الأب الأول وهو مصروف وحينئذ يقدر مضاف كنسل وأولاد ونحوه، وقيل: المراد أنه صرف نظرا لأول وضعه وإن كان المراد به هنا القبيلة كَفَرُوا رَبَّهُمْ صرح بكفرهم مع كونه معلوما مما سبق من أحوالهم تقبيحا لحالهم وتعليلا لاستحقاقهم الدعاء عليهم بالبعد والهلاك في قوله سبحانه: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ، وقرأ الكسائي لا غير بالتنوين، وقد تقدم الكلام في شرح قصتهم على أتم وجه وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ وهم الملائكة روي عن ابن عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكا.
وقال السدي: أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن والبهجة، وحكى صاحب الفينان أنهم عشرة منهم جبريل، وقال الضحاك: تسعة، وقال محمد بن كعب: ثمانية، وحكى الماوردي أنهم أربعة ولم يسمهم.
وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل ورفائيل ﵈، وفي رواية عن ابن عباس وابن جبير أنهم ثلاثة الأولون فقط، وقال مقاتل: جبرائيل وميكائيل وملك الموت ﵈، واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة لأن ذلك أقل ما يدل عليه الجمع وليس هناك ما يعول عليه في الزائد وإنما أسند إليهم المجيء دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه ﵇ بل إلى قوم لوط لقوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٠] وإنما جاؤوه لداعية البشرى، قيل: ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب بهم ولم يكن جميع قوم إبراهيم ﵇ من لحق بهم العذاب بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [هود: ٥٠] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [هود: ٦١] ثم رجع إليه حيث قيل: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [هود: ٨٤] والباء في قوله تعالى: بِالْبُشْرى للملابسة أي ملتبسين بالبشرى، والمراد بها قيل: مطلق البشارة المنتظمة بالبشارة بالولد من سارة لقوله تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١] الآية، وقوله سبحانه: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] إلى غير ذلك، وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى [هود: ٧٤] لظهور تفرع المجادلة على مجيئها، وكانت البشارة الأولى على ما قيل: من ميكائيل والثانية من إسرافيل ﵉، وقيل: المراد بها البشارة بهلاك قوم لوط ﵇ فإن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن.
واعترض بأنه يأباه مجادلته ﵇ في شأنهم، واستظهر الزمخشري أنها البشارة بالولد وهي المرادة بالبشرى فيما سيأتي، وسر تفرع المجادلة عليها سيذكر إن شاء الله تعالى، وعلل في الكشف استظهار ذلك بقوله: لأنه الأنسب بالإطلاق، ولقوله سبحانه في الذاريات: وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٨] ثم قال بعده: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الذاريات: ٣١] ثم قال: وقوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ إلخ، وإن كان يحتمل أن ثمة بشارتين فيحمل في كل موضع على واحدة لكنه خلاف الظاهر انتهى، ولما كان الاخبار بمجيء الرسل عليهم
стр. 2432
السلام مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا: أجيب بأنهم قالُوا سَلاماً أي سلمنا أو نسلم عليك سلاما فهو منصوب بفعل محذوف، والجملة مقول القول قال ابن عطية: ويصح أن يكون مفعول قالُوا على أنه حكاية لمعنى ما قالوا لا حكاية للفظهم.
وروي ذلك عن مجاهد والسدي، ولذلك عمل فيه القول، وهذا كما تقول لرجل قال: لا إله إلا الله قلت حقا وإخلاصا.
وقيل: إن النصب- بقالوا- لما فيه من معنى الذكر كأنه قيل: ذكروا سلاما قالَ سَلامٌ أي عليكم سلام أو سلام عليكم، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو، وقد حياهم ﵇ بأحسن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام والثبات فهي أبلغ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر.
وقرأ حمزة والكسائي «سلم» في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل: لغة في سَلامٌ كحرم، وحرام، ومنه قوله:
مررنا فقلنا: إيه «سلم» فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح
وقال ابن عطية: ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب، ووجه بأنهم لما امتنعوا من تناول طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب، واعترض بأنه يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام. وقوله سبحانه: فَما لَبِثَ إلخ صريح في خلافه، وذكر في الكشاف أن حمزة والكسائي قرآ بكسر السين وسكون اللام في الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات، وقرأ ابن أبي عبلة- قال سلاما- بالنصب كالأول، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما فَما لَبِثَ أي فما أبطأ إبراهيم ﵇ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي في مجيئه به أو عن مجيئه به فَما نافية، وضمير لَبِثَ لإبراهيم. وأَنْ جاءَ بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن وأن مطرد، وحكى ابن العربي أن أَنْ بمعنى حتى، وقيل: أَنْ وما بعدها فاعل لَبِثَ أي فما تأخر مجيئه، وروي ذلك عن الفراء، واختاره أبو حيان.
وقيل: ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك، وأَنْ جاءَ على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه وليس بشيء والعجل ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش (١) بلغة أهل السراة والباء فيه للتعدية أو الملابسة، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأن ودكه كالجلال عليه، أو كأن ما يسيل منه عرق الدابة المجللة للعرق، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله تعالى: بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] ، وقيل: هو المشوي بالرضف في أخدود، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ. وإنما جاء ﵇ بالعجل لأن ما له كان البقر وهو أطيب ما فيها، وكان من دأبه ﵇ إكرام الضيف، ولذا عجل القرى، وذلك من أدب الضيافة لما فيه من الاعتناء بشأن الضيف، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر يكفيهم بعضه دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف أكثر مما يأكل، واختلف في هذا العجل هل كان مهيأة قبل مجيئهم أو أنه هيىء بعد أن جاؤوا؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام، وليست السرعة نصا في الأول كما لا يخفى.
стр. 2433
فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون، وقيل: لا كناية بناء على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالبعث، والملائكة ﵈ يجلون عن مثله ورَأى قيل: علمية فجملة لا تَصِلُ مفعول ثان، والظاهر أنها بصرية، والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولا لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصرا في الأكل أي لما شاهد منهم ذلك نَكِرَهُمْ أي نفرهم وَأَوْجَسَ أي استشعر وأدرك، وقيل: أضمر مِنْهُمْ أي من جهتهم خِيفَةً أي خوفا، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون كما ينبىء عنه ما في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه: قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات: ٢٥] أنهم ملائكة، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى عليه قالُوا حين رأوا أثر ذلك عليه ﵇، أو أعلمهم الله تعالى به، أو بعد أن قال لهم ما في [الحجر: ٥٢] إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ فإن الظاهر منه أن هناك قولا بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه ﵇ أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب، وقيل: إن الله تعالى جعل للملائكة مطلقا ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢]
وفي الصحيح «قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة» الحديث،
وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية.
وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريح بخلافه، والآية والخبر المذكوران لا يصلحان دليلا لهذا المطلب، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا: لا تَخَفْ ويحتمل أن القائل بعضهم، وكثيرا ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال ذلك، وظاهر قوله سبحانه: إِنَّا أُرْسِلْنا أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه:
إِنَّا نُبَشِّرُكَ [الحجر: ٥٣، مريم: ٧] استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنه من الخوف أي أُرْسِلْنا بالعذاب إِلى قَوْمِ لُوطٍ خاصة، ويعلم مما ذكرنا أنه ﵇ أحس بأنهم ملائكة، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد يستدل له بقولهم: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيهم أرسلوا فخاف، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده، وأصل الإنكار ضد العرفان، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى، وقيل: إن أنكر فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر، ومن ذلك قول الشاعر:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فإنه أراد في الأول على ما قيل: أنكرت مودتي، وقال الراغب: إن أصل ذلك أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما في الآية، وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجع إلى حالهم حين قدم إليهم العجل. والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم بل وقع عند رؤيته ﵇ لهم لعدم كونهم من جنس ما يعده من الناس، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية، واعترض ما قدمناه بأن فيه ارتكاب مجاز، ولعل الأمر فيه سهل.
وذهب بعضهم إلى أنه ﵇ لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتحرموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءا إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك، وكان ﵇ نازلا
стр. 2434
في طرف من الأرض منفردا عن قومه، وهي رواية عن ابن عباس أخرجها إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه، وقيل: كان سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت.
وقال العلامة الطيبي: الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول وإنما عدلوا إلى قولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ليكون جامعا للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضا انتهى.
وفيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه، ولعله أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام، وما ذكره الطيبي من أنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر إلخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أولا لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا للعذاب، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر.
قال بعض المحققين والتعليل بأنهم ملائكة هو الوجه لينتظم قوله سبحانه: لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر: ٥٣] مع ما قبله إذ لو كان الوجل لكونهم على غير زي من عرف ونحوه لم يحسن التعليل بقوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ فإنه إنما هو تعليل للنهي عن الوجل من أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب كأنهم قالوا: لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ وإِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ فجاء على اختصارات القرآن بذكر أحد التعليلين في أحد الموضعين والآخر في الآخر، ولا شك أن في الحجر اختصارا لطي حديث الرواع، والتعجيل بالعجل الحنيذ وعدم تحرمهم بطعامه لما أن المقصود من سوق القصة هنالك الترغيب والترهيب للاعتبار بحال إبراهيم ﵇ وما لقي من البشرى والكرامة، وحال قوم لوط ﵇ وما منوا به من السوأى والملامة، ألا ترى إلى قوله سبحانه: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩] إلى قوله جل وعلا: عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [الحجر: ٥١] فاقتصر على ما يفيد ذلك الغرض، وأما في هذه السورة فجيء بها للإرشاد الذي بنى عليه السورة الكريمة مع إدماج التسلية ورد ما رموه به ﵊ من الافتراء، وفي كل من أجزاء القصة ما يسد من هذه الأغراض فسرد على وجهها، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجيء بما يفيد ذلك فلا عليك إن رأيت اختصارا أن تنقل إليه من المبسوط ما يتم به الكلام بعد أن تعرف نكتة الاختصار، وهذا من خواص كتاب الله تعالى الكريم انتهى ولا يخلو عن حسن، وفيه ذهاب إلى كون جملة إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ استئنافا في موضع التعليل كما هو الظاهر.
وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة: الظاهر ما ذكر إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [الحجر: ٥٨] صريح في أنهم قالوه جوابا عن سؤاله ﵇ وقد أوجز الكلام اكتفاء بذلك انتهى.
وتعقب بأنه قد يقال: إن ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر لجواز أن يكونوا قالوا ذلك على معنى التعليل للنهي عن الخوف، ولكنه وإن أريد منه الإرسال بالعذاب لقوم لوط ﵇ مجمل لم يؤت به على وجه يظهر منه ما نوع هذا العذاب هل هو استئصال أم لا؟ فسأل ﵇ لتحقيق ذلك فكأنه قال: أيها المرسلون إلى قوم لوط ما هذا الأمر العظيم الذي أرسلتم به؟ فأجابوه بما يتضمن بيان ذلك مع الإشارة إلى علة نزول ذلك الأمر بهم وهو قولهم:
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٥٨، ٥٩] الآية فإن انفهام عذاب الاستئصال لقوم لوط ﵇ من ذلك ظاهر، وكذا الإشارة إلى العلة.
стр. 2435
والحاصل أن السؤال في تلك الآية عن الخطب وهو في الأصل الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ويراد من السؤال عنه تحقيق أمر لم يعلمه ﵇ من كلامهم قيل إما لأنه لم يعلم ذلك منه أو لأنه كان مشغولا عن كمال التوجه ليعلم ﵇ منه ذلك، وفي خطابه ﵇ لهم ﵈ بعنوان الرسالة ما يؤيد تقدم قولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا على هذا السؤال لكنه أسقط هناك تعويلا على ما هنا ولا بدع في الإسقاط من المتأخر تعويلا على المتقدم، وتأخر الحجر والذاريات عن هود تلاوة مما لا كلام فيه، وتأخرهما نزولا مما رواه ابن ضريس في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن عمر بن هارون عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس، وذكر أنها كلها نزلت بمكة وأن بين هود والحجر سورة واحدة، وبين الحجر والذاريات ثلاثة عشرة سورة فليتأمل في هذا المقام، ويفهم من كلام بعضهم أنه ﵇ لم يتحقق كونهم ملائكة إلا بعد أن مسح جبريل ﵇ العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فحينئذ عرفهم وأمن منهم، ولم يتحقق صحة الخبر عندي، والذي أميل إليه أنه ﵇ عرفهم قبل ذلك وأن خوفه منهم لكونهم ملائكة لم يدر لأي شيء نزلوا، ويبعد عند من عرف حال إبراهيم ﵇ والقول بأنه خاف بشرا وبلغ منه الخوف حتى قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [الحجر: ٥٢] لا سيما إذا قلنا: إن من خافهم كانوا ثلاثة وأنه ﵇ لم يكن في طرف من الأرض بل كان بين أصحابه، أو كان هناك لكن بين خدمه وغلمانه وَامْرَأَتُهُ سارة بنت هاران بن ناحور وهي بنت عمه قائِمَةٌ في الخدمة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وكانت نساؤهم لا تحتجب لا سيما العجائز منهم، وكانت رضي الله تعالى عنها عجوزا، وقال وهب: كانت قائمة وراء الستر تسمع محاورتهم، وأخذ منه بعضهم أن تستر النساء كان لازما، والظاهر أنه لم يكن كذلك لتأخر آية الحجاب، ويجوز أن يقال: إن القيام وراء الستر كان اتفاقيا، وعن ابن إسحاق أنها كانت قائمة تصلي، وقال المبرد: كانت قائمة عن الولد وهو خلاف المشهور في الاستعمال، وأخرج ابن المنذر عن المغيرة قال في مصحف ابن مسعود: وامرأته قائمة وهو جالس، وفي الكشاف بدل وهو جالس وهو قاعد، وعن ابن عطية بدل وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وهي قائمة ففيه الإضمار من غير تقدم ذكر، وكأن ذلك إن صح للتعويل على انفهام المرجع من سياق الكلام، والجملة إما في موضع الحال من ضمير قالُوا وإما مستأنفة للأخبار فَضَحِكَتْ من الضحك المعروف، والمراد به حقيقته عند الكثير، وكان ذلك عند بعضهم سرورا بزوال الخوف عن إبراهيم ﵇، والنساء لا يملكن أنفسهن كالرجال إذا غلب عليهن الفرح، وقيل: كان سرورا بهلاك أهل الفساد، وقيل: بمجموع الأمرين، وقال ابن الأنباري: إن ضحكها كان سرورا بصدق ظنها لأنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا فإني أرى العذاب سينزل بقومه وكان لوط ابن أخيه وقيل: ابن خالته وقيل: كان أخا سارة وقد مر آنفا أنها بنت عم إبراهيم ﵇، وعن ابن عباس أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم وهو في أهله وغلمانه، والذين جاؤوه ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين، وقيل: المائة، وقال قتادة: كان ذلك من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال السدي:
ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامنا، وقال وهب بن منبه: وروي أيضا عن ابن عباس أنها ضحكت من البشارة بإسحاق، وفي الكلام على ذلك تقديم وتأخير، فَضَحِكَتْ من المعجز الذي تقدم نقله عن جبريل ﵇، ولعل الأظهر ما ذكرناه أولا عن البعض، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالضحك التبسم ويستعمل في السرور المجرد نحو مسفرة ضاحكة، ومنه قوله: روضة تضحك، وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وغيرهما عن ابن عباس أن فَضَحِكَتْ بمعنى حاضت، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وعكرمة، وقولهم: ضحكت الأرنب بهذا المعنى أيضا، وأنكر أبو عبيدة وأبو عبيد والفراء مجيء ضحك بمعنى حاض، وأثبت ذلك جمهور اللغويين، وأنشدوا له قوله:
стр. 2436
«وضحك» الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الجوف يوم اللقا
وقوله:
وعهدي بسلمى «ضاحكا» في لبابة ... ولم يعد حقا ثديها أن تحلما
وقوله:
إني لآتي العرس عند ظهورها ... وأهجرها يوما إذا تك «ضاحكا»
والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، نعم قال ابن المنير: إنه يبعد الحمل على ذلك هنا قولها: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ إلخ فإنه لو كان الحيض قبل البشارة لما تعجبت إذ لا عجب في حمل من تحيض، والحيض في العادة معيار على إمكان الحمل، ودفع بأن الحيض في غير أوانه مؤكد للتعجب أيضا، ولأنه يجوز أن تظن أن دمها ليس بحيض بل استحاضة فلذا تعجبت، وقرأ محمد بن زياد الأعرابي من قراء مكة «فضحكت» بفتح الحاء، وزعم المهدوي أنه غير معروف وأن «ضحك» بالكسر هو المعروف، ومصدره ضحكا وضحكا بسكون الحاء وفتح الضاد وكسرها، وضحكا وضحكا بكسر الحاء مع فتح الضاد وكسرها، والظاهر أن هذه مصادر ضحك بأي معنى كان ويفهم من مجمع البيان أن مصدر- ضحك- بمعنى حاضت إنما هو ضحكا بفتح الضاد وسكون الحاء، ولم نر هذا التخصيص في غيره، وعن بعضهم أن فتح الحاء في الماضي مخصوص بضحك بمعنى حاض، وعليه فالقراءة المذكورة تؤيد تفسير ضحكت على قراءة الجمهور بحاضت.
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ قيل: أي عقبنا سرورها بسرور أتم منه على ألسنة رسلنا وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ بالنصب، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما على أنه منصوب بتقدير فعل يفسره ما يدل عليه الكلام أي ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب، ورجع ذلك أبو علي، واعترض البعض بأنه حينئذ لا يكون ما ذكر داخلا تحت البشارة، ودفع بأن ذكر هذه الهبة قبل وجود الموهوب بشارة معنى، وقيل: هو معطوف على محل بِإِسْحاقَ لأنه في محل نصب، واعترض أنه إنما يتأتى العطف على المحل إذا جاز ظهور المحل في فصيح الكلام كقوله:
ولسنا بالجبال ولا الحديدا وبشر لا تسقط باؤه من المبشر به في الفصيح، وزعم بعضهم أن العطف على بِإِسْحاقَ على توهم نصبه لأنه في معنى وهبنا لها إسحاق فيكون كقوله:
«مشائيم» ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا يبين غرابها
إلا أنه توهم في هذا وجود الباء في المعطوف عليه على عكس ما في الآية الكريمة، ويقال لمثل هذا: عطف التوهم، ولا يخفى ما في هذه التسمية هنا من البشاعة على أن هذا العطف شاذ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره، وبهذا اعترض على الزمخشري من حمل كلامه حيث قال: وقرىء بالنصب كأنه قيل: وهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله: مشائيم. البيت عليه لما أنه الظاهر منه، وقال في الكشف أراد أنه عطف معنوي ومثله شائع مستفيض في العطف والإضمار على شريطة التفسير وغيرهما، وإنما شبهه بقوله: ولا ناعب تنبيها على أن ذلك مع بعده لما كان واقعا فهذا أجدر، والغرض من التشبيه أن غير الموجود في اللفظ جعل بمنزلته وأعمل، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر من عبارته، وقيل: إنه معطوف على لفظ إِسْحاقَ وفتحته للجر لأنه غير مصروف للعلمية
стр. 2437
والعجمة، وعلى هذا دخوله في البشارة ظاهر إلا أنه قيل عليه: إنه يلزمه الفصل بين نائب الجار ومجروره وهو أبعد منه بين الجار ومجروره، وفي البحر أن من ذهب إلى أنه معطوف على ما ذكر فقوله ضعيف لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفه المجرور، فلا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو فإن جاء ففي شعر، فإن كان المعطوف منصوبا أو مرفوعا ففي جواز ذلك خلاف نحو قام زيد واليوم عمرو وضربت زيدا واليوم عمرا، وقرأ الحرميان والنحويان وأبو بكر ويَعْقُوبَ بالرفع على الابتداء، وَمِنْ وَراءِ الخبر كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب كائن أو موجود أو مولود- قال النحاس: والجملة حال داخلة في البشارة أي فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب.
وأجاز أبو علي أن يرتفع بالجار والمجرور كما أجازه الأخفش، وقيل: إنه جائز على مذهب الجمهور أيضا لاعتماده على ذي الحال، وتعقب بأنه وهم لأن الجار والمجرور إذا كان حالا لا يجوز اقترانه بالواو فليتدبر.
وجوز النحاس أيضا أن يكون فاعلا بإضمار فعل تقديره ويحدث من وراء إسحاق يعقوب.
قال ابن عطية: وعلى هذا لا يدخل في البشارة، وقد مر ما يعلم منه الجواب، ووَراءِ هنا بمعنى خلف وبذلك فسرها الراغب، وغيره هنا، وهو رواية عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه تفسيرها بولد الولد وهو أحد معانيها كما في الصحاح والقاموس، وبذلك قال الشعبي، واختاره أبو عبيدة، واستشكل بأن يَعْقُوبَ ولد إسحاق ﵇ لصلبه لا ولد ولده، ولدفع ذلك قال الزمخشري فيما نقل عنه: إن وجه هذا التفسير أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال: هاشم ويراد أولاده فكأنه قيل: من ولد ولد إسحاق أولاد يعقوب، ويتضمن ذلك البشارة بيعقوب من طريق الأولى، وقيل: وجه ذلك أنه سمي ولد إسحاق وَراءِ بالنسبة إليها أي وراؤها من إسحاق كأنهم بشروها بأن تعيش حتى ترى ولد ولدها، أو بأن يولد لولدها ولد، قيل: وهذا أقرب، والمنقول عن الزمخشري أظهر، والمعول عليه تفسيره بمعنى خلف إذ في كلا الوجهين تكلف لا يخفى، والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى: نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم: ٧] وهو الأظهر.
وروي عن السدي: ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سميا بعد الولادة، وتوجيه البشارة إليها مع أن الأصل في ذلك إبراهيم ﵇، وقد وجهت إليه في آيتي الحجر والذاريات للإيذان بأن ما بشر به يكون منهما ولكونها عقيمة حريصة على الولد وكانت قد تمنته حينما ولد لهاجر إسماعيل ﵇ قالَتْ استئناف بياني كأن سائلا سأل ما فعلت حين بشرت؟ فقيل قالت: يا وَيْلَتى من الويل وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع، والمراد هنا التعجب وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يتعجبن منه، والظاهر أن الألف بدل من ياء المتكلم، ولذا أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية، وبهذا يلغز فيقال: ما ألف هي ضمير مفرد متكلم.
وقرأ الحسن «يا ويلتي» بالياء على الأصل، وقيل: إنها ألف الندبة ولذا يلحقونها الهاء فيقولون: يا ويلتاه أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ابنة تسعين سنة على ما روي عن ابن إسحاق، أو تسع وتسعين على ما روي عن مجاهد. وَهذا الذي تشاهدونه بَعْلِي أي زوجي، وأصل البعل القائم بالأمر فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة، وقال الراغب:
هو الذكر من الزوجين وجمعه بعولة نحو فحل وفحولة، ولما تصوروا من الرجل استعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها وسمى به شبه كل مستعل على غيره به فسمي باسمه، ومن هنا سمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله تعالى بعلا لاعتقادهم ذلك فيه شَيْخاً ابن مائة سنة. أو مائة وعشرين، وهو من شاخ يشيخ، وقد يقال:
стр. 2438
للأنثى شيخة كما قال:
وتضحك مني «شيخة» عبشمية ويجمع على أشياخ وشيوخ وشيخان ونصبه على الحال عند البصريين، والعامل فيه ما في هذا من معنى الإشارة أو التنبيه.
قال الزجاج: «ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر ففي قولك: هذا زيد قائما لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيدا عند عدم القيام وليس بصحيح فهنا بعليته معروفة، والمقصود بيان شيوخته وإلا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة قاله الطيبي، ونظر فيه بأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة أما في نحو هذا أبوك عطوفا فلا يلزم المحذور، والحال هاهنا مبينة هيئة الفاعل أو المفعول لأن العامل فيها ما أشير إليه وبذلك التأويل يتحد عامل الحال وذوها، وذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان وشَيْخاً خبره وسموه تقريبا» .
وقرأ ابن مسعود- وهو في مصحفه- والأعمش- شيخ- بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر، وفي البحر إن الكلام على هذا كقولهم: هذا حلو حامض، أو هو الخبر، وبَعْلِي بدل من اسم الإشارة. أو بيان له، وجوز أن يكون بَعْلِي الخبر، وشيخ- تابعا له، وكلتا الجملتين وقعت حالا من الضمير في أَأَلِدُ لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليله أي ألد وكلانا على حالة منافية لذلك، وإنما قدمت بيان حالها على بيان حاله ﵇ لأن مباينة حالها لما ذكر من الولادة أكثر إذ ربما يولد للشيوخ من الشواب أما العجائز داؤهن عقام، ولأن البشارة متوجهة إليها صريحا ولأن العكس في البيان ربما يوهم من أول الأمر نسبة المانع عن الولادة إلى جانب إبراهيم ﵇ وفيه ما لا يخفى من المحذور، واقتصارها في الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة لأنها المستبعدة وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد قاله شيخ الإسلام إِنَّ هذا أي ما ذكر من حصول الولد من هرمين مثلنا، وقيل: هو إشارة إلى الولادة أو البشارة بها، والتذكير لأن المصدر في تأويل إِنَّ مع الفعل ولعل المآل أن هذا الفعل لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي من سنة الله تعالى المسلوكة في عباده، والجملة تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي ومقصدها كما قيل: استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعاد ذلك من حيث القدرة قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي قدرته وحكمته. أو تكوينه وشأنه سبحانه أنكروا عليها تعجبها لأنها كانت ناشئة في بيت النبوة ومهبط الوحي ومحل الخوارق فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيا ما يزدهي سائر النساء من أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفية ولطائف صنعه الفائضة على كل أحد ممن يتعلق بإفاضته عليه مشيئته تعالى الأزلية لا سيما أهل بيت النبوّة الذين هم هم وأن تسبح الله تعالى وتمجده وتحمده، وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى:
رَحْمَةِ اللَّهِ المستتبعة كل خير ووضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها والإيماء إلى عظمتها وَبَرَكاتُهُ أي خيراته التامة المتكاثرة التي من جملتها هبة الأولاد، وقيل: الرحمة النبوة. والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء ﵈ منهم وكلهم من ولد إبراهيم ﵇ وقيل: رحمته تحيته. وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة.
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ نصب على المدح. أو الاختصاص كما ذهب إليه كثير من المعربين، قال أبو حيان:
وبينهما فرق ولذلك جعلهما سيبويه في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص يقصد به المدح. أو الذم لكن لفظه لا يتضمن
стр. 2439
بوضعه ذلك كقول رؤبة: بنا تميما يكشف الضباب. انتهى، وفي الهمع أن النصب في الاختصاص بفعل واجب الإضمار وقدره سيبويه- بأعني- ويختص بأي الواقعة بعد ضمير المتكلم كأنا أفعل كذا أيها الرجل. وكاللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وحكمها في هذا الباب- إلا عند السيرافي والأخفش- حكمها في باب النداء ويقوم مقامها في الأكثر كما- قال سيبويه- بنو نحو قوله: نحن بني ضبة أصحاب الجمل. ومنه قوله:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
ومعشر كقوله:
لنا معشر الأنصار مجد مؤثل ... بإرضائنا خير البرية أحمدا
وفي الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»
وآل وأهل، وأبو عمرو لا ينصب غيرهما وليس بشيء، وقلّ كون ذلك علما كما في بيت رؤبة السابق في كلام أبي حيان، ولا يكون اسم إشارة ولا غيره ولا نكرة البتة، ولا يجوز تقديم اسم الاختصاص على الضمير، وقلّ وقوع الاختصاص بعد ضمير المخاطب كسبحانك الله العظيم، وبعد لفظ غائب في تأويل المتكلم أو المخاطب نحو على المضارب الوضيعة أيها البائع، فالمضارب لفظ غيبة لأنه ظاهر لكنه في معنى على أو عليك ومنع ذلك الصفار البتة لأن الاختصاص شبه النداء فكما لا ينادى الغائب فكذلك لا يكون فيه الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص من ارتكاب ما قل في كلامهم، وجوز في الكشاف نصبه على النداء، وقدمه على احتمال النصب على الاختصاص، ولعله أشار بذلك إلى ترجيحه على الاحتمال الثاني لكن ذكر بعض الأفاضل ان في ذلك فوات معنى المدح المناسب للمقام، والمراد من البيت- كما في البحر- بيت السكنى، وأصله مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه، ويقع على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته ويجمع على بيوت وأبيات، وجمع الجمع أبابيت وبيوتات وأبياوات، ويصغر على بييت وبييت بالكسر، ويقال: بويت كما تقوله العامة، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع ليكون جوابهم ﵈ لها جوابا لمن يخطر بباله مثل ما خطر ببالها من سائر أهل البيت.
والجملة كلام مستأنف علل به إنكار تعجبها فيه جملة خبرية، واختاره جمع من المحققين، وقيل: هي دعائية وليس بذاك، واستدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنيون، ويؤيده ما في سورة الأحزاب، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا: لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج، ومن نسبه فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه، وبه فسر في قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي ﷺ :
حتى احتوى «بيتك» المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطف
ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣] ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا المقام، واستدل بالآية على كراهة الزيادة في التحية على السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا قال له: سلام عليك ورحمة الله وبركاته
стр. 2440
ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال: حسبك ما قال الله تعالى، وأخرج عن ابن عباس أن سائلا قام على الباب وهو عند ميمونة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله سبحانه، وفي رواية عن عطاء قال: كنت جالسا عند ابن عباس فجاء سائل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه فقال: ما هذا السلام؟! وغضب حتى احمرت وجنتاه إن الله تعالى حد للسلام حدا ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ثم قرأ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ قال أبو الهيثم: أي تحمد أفعاله، وفي الكشاف أي فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول، وجوز الراغب أن يكون حَمِيدٌ هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى مَجِيدٌ أي كثير الخير والإحسان، وقال ابن الأعرابي: هو الرفيع يقال: مجد كنصر وكرم مجدا ومجادة أي كرم وشرف وأصله من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير واسع، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك، وقال الأصمعي: يقال: أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها، وقال الليث: أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، ومن ذلك قول أبي حية النميري:
تزيد على صواحبها وليست ... «بماجدة» الطعام ولا الشراب
أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، ومن أمثالهم في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار أي استكثر من ذلك، وقال الراغب: أي تحرى السعة في بذل الفضل المختص به، وقال ابن عطية: مجد الشيء إذا حسنت أوصافه، والجملة على ما في الكشف تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف، وقيل: هي تعليل لما سبق من قوله سبحانه: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أي الخوف والفزع، قال الشاعر:
إذا أخذتها هزة «الروع» أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا
والفعل راع، ويتعدى بنفسه كما في قوله:
«ما راعني» إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
والروع بضم الراء النفس وهي محل الروع، والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم ﵇ ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبي من كل وجه بل له مدخل في السياق والسباق، وتأخر الفاعل عن الظرف لكونه مصب الفائدة، والمعنى لما زال عنه ما كان أوجسه منهم من الخيفة واطمأنت نفسه بالوقوف على جلية أمرهم وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ أي يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم، ففيه مجاز في الإسناد، وكانت مجادلته ﵇ لهم ما قصه الله سبحانه في قوله سبحانه في سورة العنكبوت: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً [العنكبوت: ٣١، ٣٢] فقوله ﵇: إِنَّ فِيها لُوطاً مجادلة وعدّ ذلك مجادلة لأن مآله على ما قيل: كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب؟ ولذا أجابوه بقولهم نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ [العنكبوت: ٣٣] وهذا القدر من القول هو المتيقن.
وعن حذيفة أنهم لما قالوا له ﵇ ما قالوا، قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها؟
قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون، قالوا: لا، قال: فإن كان فيهم عشرة أو خمسة- شك الراوي.؟ قالوا:
لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إِنَّ فِيها لُوطاً فأجابوه بما أجابوه،
وروي نحو ذلك عدة روايات الله تعالى أعلم بصحتها، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة، وقيل:
هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة؟ وأيا ما كان- فيجادلنا-
стр. 2441
جواب- لما- وكان الظاهر جادلنا إلا أنه عبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية واستحضار صورتها، وقيل: إن- لما- كلو تقلب المضارع ماضيا كما أن- إن- تقلب الماضي مستقبلا، وقيل: الجواب محذوف، وهذه الجملة في موضع الحال من فاعله أي أخذ أو أقبل مجادلا لنا، وآثر هذا الوجه الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجها واحدا لأنه قال: ولم يذكر في الكلام أخذ لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه أخذ وأقبل لأنك إذا قلت: قام زيد دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم دل على حال ممتدة من أجلها ذكر أخذ وأقبل، وصنيع الزمخشري يدل على أنهما وجهان، وتحقيقه على ما في الكشف أنه إذا أريد استمرار الماضي فهو كما ذكره الزجاج، وإن أريد التصوير المجرد فلا، وقيل: الجواب محذوف.
والجملة مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانيا وهي دليل عليه، والتقدير اجترأ على خطابنا أو فطن بمجادلتنا وقال:
كيت وكيت، واختاره في الكشاف، وقيل: إن هذه الجملة- وكذا الجملة التي قبلها- في موضع الحال من إِبْراهِيمَ على الترادف أو التداخل وجواب لما قلنا يقدر قبل يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، وأقرب الأقوال أولها، والبشرى إن فسرت بقولهم: لا تَخَفْ فسببية ذهاب الخوف ومجيء السرور للمجادلة ظاهرة، وأما إن فسرت ببشارة الولد- كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن قتادة واختاره جمع أو بما يعمها- فلعل سببيتها لها من حيث إنها تفيد زيادة اطمئنان قلبه ﵇ بسلامته وسلامة أهله كافة كذا قاله مولانا شيخ الإسلام، ثم قال: إن قيل: إن المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم ﵇ قد علم أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه، فلما ذهب عنه الروع فرغ لها مع أن ذهاب الروع إنما هو قبل العلم بذلك لقوله سبحانه: قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ قلنا: كان لوط ﵇ على شريعة إبراهيم ﵇ وقومه مكلفين بها فلما رأى من الملائكة ﵈ ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط، ولا ريب في تقدم هذا الخوف على قولهم: لا تَخَفْ وأما الذي علمه ﵇ بعد النهي فهو اختصاص قوم لوط بالهلاك لا دخول لهم تحت العموم فتأمل انتهى.
وفيه أن كون الكل أمته في حيز المنع، وما أشار إليه من اتحاد الشريعتين إن أراد به الاتحاد في الأصول كاتحاد شريعة نبينا ﷺ مع شريعة إبراهيم ﵇ فمسلم لكن لا يلزم منه ذلك، وإن أراد به الاتحاد في الأصول والفروع فغير مسلم ولو سلم. ففي لزوم كون الكل أمته له تردد على أنه لو سلمنا كل ذلك فلقائل أن يقول: سلمنا أنه ﵇ لما رأى من الملائكة ﵈ ما رأى حصل له خوف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط ﵇ لكن لا نسلم أن هذا الخوف كان عن علم بأن أولئك الملائكة كانوا مرسلين لإهلاك الكل المندرج فيه قوم لوط بل عن تردد وتحير في أمرهم، وحينئذ لا ينحل السؤال بهذا الجواب كما لا يخفى على المتبصر، وكأنه لذلك أمر بالتأمل وقد يقال: المفهوم من الكلام تحقق المجادلة بعد تحقق مجموع الأمرين ذهاب الروع ومجيء البشارة، وهو لا يستدعي إلا سبق العلم بأنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط على تحقق المجموع، ويكفي في ذلك سبقه على تحقق البشارة، وهذا العلم مستفاد من قولهم له: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وكأنه ﵇ إنما لم يجادل بعد هذا العلم، وأخر المجادلة إلى مجيء البشارة ليرى ما ينتهي إليه كلام الملائكة ﵈، أو لأنه لم يقع فاصل سكوت في البين ليجادل فيه إلا أن هذا لا يتم إلا أن يكون الإخبار بالإرسال إلى قوم لوط سابقا على البشارة بالولد، وفيه تردد.
وفي بعض الآيات ما هو ظاهر في سبق البشارة على الإخبار بذلك، نعم يمكن أن يلتزم سبق الاخبار على البشارة، ويقال: إنهم أخبروه أولا ثم بشروه ثانيا، ثم بعد أن تحقق مجموع الأمرين قال: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا
стр. 2442
الْمُرْسَلُونَ [الحجر: ٥٧، الذاريات: ٣١] ويقال: المراد منه السؤال عن حال العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم هو على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الإيمان؟ وتفسير المجادلة به كما مر عن بعض فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ غير عجول على الانتقام إلى المسيء إليه أَوَّاهٌ كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس مُنِيبٌ راجع إلى الله تعالى، والمقصود من وصفه ﵇ بهذه الصفات المنبئة عن الشفقة ورقة القلب بيان ما حمله على ما صدر عنه من المجادلة، وحمل الحلم على عدم العجلة والتأني في الشيء مطلقا، وجعل المقصود من الوصف بتلك الصفات بيان ما حمله على المجادلة وإيقاعها بعد أن تحقق ذهاب الروع ومجيء البشرى لا يخفى حاله.
يا إِبْراهِيمُ على تقدير القول ليرتبط بما قبل أي قالت الملائكة، أو قلنا يا إِبْراهِيمُ.
أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال إِنَّهُ أي الشأن قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي قدره تعالى المقضي بعذابهم، وقد يفسر بالعذاب، ويراد بالمجيء المشارفة فلا يتكرر مع قوله سبحانه: وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ أي لا بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما إذ حاصل ذلك حينئذ شارفهم ثم وقع بهم، وقيل: لا حاجة إلى اعتبار المشارفة، والتكرار مدفوع بأن ذاك توطئة لذكر كونه غير مردود.
وقرأ عمرو بن هرم- وإنهم أتاهم- بلفظ الماضي وعَذابٌ فاعل به، وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: انطلقوا من عند إبراهيم ﵇ وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه في صورة غلمان مرد حسان الوجوه فلذلك سِيءَ بِهِمْ أي أحدث له ﵇ مجيئهم المساءة لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم قومه ويعجز عن مدافعتهم، وقيل: كان بين القريتين ثمانية أميال فأتوها عشاء، وقيل نصف النهار ووجدوا لوطا في حرث له.
وقيل: وجدوا بنتا له تستقي ماء من نهر سدوم وهي أكبر محل للقوم فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيئاتهم فخافت عليهم من قوم أبيها فقالت لهم: مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا: إنا نريد أن تضيفنا الليلة، فقال: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله تعالى أنهم شر قوم في الأرض، وقد كان الله تعالى قال للملائكة لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال هذه قال جبريل ﵇: هذه واحدة وتكرر القول منهم حتى كرر لوط الشهادة فتمت الأربع ثم دخل المدينة فدخلوا معه منزله وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي طاقة وجهدا، وهو في الأصل مصدر ذرع البعير بيديه يذرع في مسيره إذا سار مادا خطوه مأخوذ من الذراع وهي العضو المعروف، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد، وذلك أن اليد كما تجعل مجازا عن القوة فالذراع المعروفة كذلك، وفي الصحاح يقال: ضقت بالأمر ذرعا إذا لم تطقه ولم تقو عليه، وأصل الذرع بسط اليد فكأنك تريد مددت يدي إليه فلم تنله، وربما قالوا: ضقت به ذراعا، قال حميد بن ثور يصف ذئبا:
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... «ذراعا» ولم يصبح لها وهو خاشع
وفي الكشاف جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا: رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة، ونصبه على أنه تمييز محول عن الفاعل أي ضاق بأمرهم وحالهم ذرعه، وجوز أن يكون الذرع كناية عن الصدر والقلب، وضيقه كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه، وهو على ما قيل: كناية متفرعة على كناية أخرى مشهورة وقيل: إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا، وأبعد بعضهم في تخريج هذا الكلام فخرجه
стр. 2443
على أن المراد أن بدنه ضاق قدر عن احتمال ما وقع وَقالَ هذا اليوم يَوْمٌ عَصِيبٌ أي شديد، وأصله من العصب بمعنى الشد كأنه لشدة شره عصب بعضه ببعض، وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه يعصب الناس بالشر، قال الراجز:
يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوى السلم الطوالا
وفي معناه العصبصب والعصوصب وَجاءَهُ أي لوطا وهو في بيته مع أضيافه قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قال أبو عبيدة: أي يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضا، أو يحثهم كبيرهم ويسوقهم، أو الطمع في الفاحشة، والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، وقرأ جماعة «يهرعون» بفتح الياء مبنيا للفاعل من هرع، وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا، وجاء أهرع القوم إذا أسرعوا، وفسر بعضهم الإسراع بالمشي بين الهرولة والجمز. وعن ابن عباس أنه سئل عما في الآية، فقال: المعنى يقبلون إليه بالغضب، ثم أنشد قول مهلهل:
فجاؤوا يهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف
وفي رواية أخرى عنه أنه فسر ذلك بيسرعون وهو بيان للمراد ويستقيم على القراءتين، وجملة يُهْرَعُونَ في موضع الحال من قومه أي جاؤوا مهرعين إليه، روي أنه لما جاء لوط بضيفه لم يعلم ذلك أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت: إن لوطا قد أضاف الليلة فئة ما رئي مثلهم جمالا فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه وَمِنْ قَبْلُ أي من قبل وقت مجيئهم، وقيل: «من قبل» بعث لوط رسولا إليهم كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قيل:
المراد سيئة إتيان الذكور إلا أنها جمعت باعتبار تكررها أو باعتبار فاعليها.
وقيل: المراد ما يعم ذلك، وإتيان النساء في محاشهن. والمكاء والصفير واللعب بالحمام والقمار والاستهزاء بالناس وغير ذلك، والمراد من ذكر عملهم السيئات من قبل بيان أنهم اعتادوا المنكر فلم يستحيوا فلذلك أسرعوا لطلب الفاحشة من ضيوفه مظهرين غير مكترثين، فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها.
وقيل: إنها بيان لوجه ضيق صدره لما عرف من عادتهم، وجعلها شيخ الإسلام في موضع الحال كالتي قبلها أي جاؤوا مسرعين، والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات.
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعية تزويج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزا، وقد زوج النبي ﷺ ابنته زينب لأبي العاص بن الربيع وابنته رقية لعتبة بن أبي لهب قبل الوحي- وكانا كافرين- إلا أن عتبة لم يدخل بها وفارقها بطلب أبيه حين نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] فتزوّجها عثمان رضي الله تعالى عنه، وأبا العاص كان قد دخل بها لكن لما أسر يوم بدر وفادى نفسه أخذ النبي ﷺ العهد عليه أن يردها إذا عاد فأرسل ﵊ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار في طلبها فجاءا بها ثم إنه أسلم وأتى المدينة فردها ﵊ إليه بنكاح جديد أو بدونه على الخلاف.
وقال الحسن بن الفضل: إنه ﵇ عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وإلى ذلك ذهب الزجاج، وهو مبني على أن تزويج المسلمات من الكفار لم يكن جائزا إذ ذاك، فقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه ولم يكن له ﵇ سواهما، واسم إحداهما- على ما في بعض الآثار- زعوراء والأخرى زيتاء، وقيل: كان له ﵇ ثلاث بنات، وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس، ويؤيده ظاهر الجمع وإن جاء إطلاقه على اثنين، وأيا ما كان فقد أراد ﵇ بذلك وقاية ضيفه وهو غاية الكرم فلا يقال: كيف يليق به ﵇ أن يعرض بناته على
стр. 2444
أعدائه ليزوجهن إياهم؟! نعم استشكل عرض بناته- بناء على أنهن اثنتان كما هو المشهور، أو ثلاث كما قيل- على أولئك المهرعين ليتزوجوهن مع القول بأنهم أكثر منهن إذ لا يسوغ القول بحل تزوج الجماعة بأقل منهم في زمان واحد، ومن هنا قال بعض أجلة المفسرين: إن ذلك القول لم يكن منه ﵇ مجريا على الحقيقة من إرادة النكاح بل كان ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهارا لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه طمعا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم وهو الأنسب بجوابهم الآتي، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن ابن جبير ومجاهد وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي أن المراد ببناته ﵇ نساء أمته، والإشارة بهؤلاء لتنزيلهن منزلة الحاضر عنده وإضافتهن إليه لأن كل نبي أب لأمته، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم.
وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه مثل ذلك لكنه قدم وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] على- وهو أب لهم- وأراد ﵇ بقوله: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أنظف فعلا، أو أقل فحشا كقولك: الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه، ويراد من الطهارة على الأول الطهارة الحسية وهي الطهارة عما في اللواطة من الأذى والخبث، وعلى الثاني الطهارة المعنوية وهو التنزه عن الفحش والإثم، وصيغة أفعل في ذلك مجاز، والظاهر- أن هؤلاء بناتي- مبتدأ وخبر، وكذلك هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وجوز أبو البقاء كون بَناتِي بدلا أو عطف بيان وهُنَّ ضمير فصل، وأَطْهَرُ هو الخبر، وكون هُنَّ مبتدأ ثانيا، وأَطْهَرُ خبره، والجملة خبر هؤُلاءِ.
وقرأ الحسن وزيد بن علي وعيسى الثقفي وسعيد بن جبير والسدي «أطهر» بالنصب، وقد خفي وجهه حتى قال عمرو بن العلاء: إن من قرأ «أطهر» بالنصب فقد تربع في لحنه وذلك لأن انتصابه على أن يجعل حالا عمل فيها ما في هؤُلاءِ من الإشارة أو التنبيه أو ينصب هؤُلاءِ بفعل مضمر كأنه قيل: خذوا هؤلاء وبَناتِي بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال وهُنَّ في الصورتين فصل وهذا لا يجوز لأن الفصل إنما يكون بين المسند والمسند إليه، ولا يكون بين الحال وذيها كذا قيل، وهذا المنع هو المروي عن سيبويه وخالف في ذلك الأخفش فأجاز توسط الفصل بين الحال وصاحبها فيقول: جاء زيد هو ضاحكا، وجعل من ذلك هذه الآية على هذه القراءة، وقيل: بوقوعه شذوذا كما في قولهم: أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة، ومن منع ذلك خرج هذا على إضمار كان، والآية الكريمة على أن هُنَّ مبتدأ ولَكُمْ الخبر، وأَطْهَرُ حال من الضمير في الخبر، واعترض بأن فيه تقديم الحال على عاملها الظرفي، والأكثرون على منعه أو على أن يكون هؤُلاءِ مبتدأ وبَناتِي هُنَّ جملة في موضع خبر المبتدأ كقولك: هذا أخي هو، ويكون أَطْهَرُ حالا وروي هذا عن المبرد وابن جني، أو على أن يكون هؤُلاءِ مبتدأ وبَناتِي بدلا منه أو عطف بيان وهُنَّ خبر وأَطْهَرُ على حاله.
وتعقب بأنه ليس فيه معنى طائل، ودفع بأن المقصود بالإفادة الحال كما في قولك: هذا أبوك عطوفا وادعى في الكشف أن الأوجه أن يقدروا خذوا هؤلاء أطهر لكم، وقوله: بَناتِي هُنَّ جملة معترضة تعليلا للأمر وكونهن أولى قدمت للاهتمام كأنه قيل: خذوا هؤلاء العفائف أطهر لكم إن بناتي هن وأنتم تعلمون طهارتي وطهارة بناتي ويجوز أن يقال هُنَّ تأكيد للمستكن في بَناتِي لأنه وصف مشتق لا سيما على المذهب الكوفي فافهم ولا تغفل فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاء له، أو لا تخجلوني فيهم، والمصدر على الأول الخزي وعلى الثاني الخزاية، وأصل معنى خزي لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط، وإما من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح، والضيف في الأصل مصدر،
стр. 2445
ولذا إذا وصف به المثنى أو المجموع لم يطابق على المشهور، وسمع فيه ضيوف، وأضياف، وضيفان، وَلا ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والموجودة نون الوقاية، والياء محذوفة اكتفاء بالكسرة، وقرىء بإثباتها على الأصل أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، وهو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنى مرشد كالحكيم بمعنى المحكم، والاستفهام للتعجب، وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام.
قالُوا معرضين عما نصحهم به من الأمر بالتقوى والنهي عن الإخزاء عن أول كلامه لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي حق وهو واحد الحقوق، وعنوا به قضاء الشهوة أي ما لنا حاجة في بناتك، وقد يفسر بما يخالف الباطل أي ما لنا في بناتك نكاح حق لأنك لا ترى جواز نكاحنا للمسلمات، وما هو إلا عرض سابري كذا قيل، وهو ظاهر في أنه كان من شريعته ﵇ عدم حل نكاح الكافر المسلمة.
وقيل: إنما نفوا أن يكون لهم حق في بناته لأنهم كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا، وقيل: إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهبا كان عندهم هو الحق وأن نكاح الإناث من الباطل فقالوا ما قالوا، وقيل: قالوا ذلك لأن عادتهم كانت أن لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة وكانوا كلهم متزوجين وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ أي من إتيان الذكور، والظاهر أن ما مفعول لتعلم، وهو بمعنى تعرف، وهي موصولة والعائد محذوف أي الذي نريده، وقيل: إنها مصدرية فلا حذف أي إرادتنا.
وجوز أن تكون استفهامية وقعت مفعولا- لنريد- وهي حينئذ معلقة- لتعلم- ولما يئس ﵇ من ارعوائهم عما هم عليه من الغي قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لو ثبت أن لي قوة ملتبسة بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلت- فلو- شرطية وجوابها محذوف كما حذف في قوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [الرعد: ٣١] وجوز أن تكون للتمني، وبِكُمْ حال من قُوَّةً كما هو المعروف في صفة النكرة إذا قدمت عليها، وضعف تعلقه بها لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور، وقوله: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ عطف على ما قبله بناء على ما علمت من معناه الذي يقتضيه مذهب المبرد، والمضارع واقع موقع الماضي، واستظهر ذلك أبو حيان، وقال الحوفي: إنه عطف على ما تقدم باعتبار أن المراد أو أني آوي، وجوز ذلك أبو البقاء، وكذا جوز أن تكون الجملة مستأنفة، والركن- في الأصل الناحية من البيت أو الجبل، ويقال: ركن بضم الكاف، وقد قرىء به ويجمع على أركان، وأراد ﵇ به القوي شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته أي أو أنضم إلى قوي أتمنع به عنكم وأنتصر به عليكم، وقد عد رسول الله ﷺ هذا القول منه ﵇ بادرة واستغربه،
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «رحم الله تعالى أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد»
يعني ﵊ به الله تعالى فإنه لا ركن أشد منه .
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وجاء أنه سبحانه- لهذه الكلمة- لم يبعث بعد لوط نبيا إلا في منعة من عشيرته، وفي البحر أنه يجوز- على رأي الكوفيين- أن تكون أَوْ بمعنى بل ويكون ﵇ قد أضرب عن الجملة السابقة، وقال: بل آوي في حالي معكم إلى ركن شديد وكني به عن جناب الله تعالى ولا يخفى أنه يأبى الحمل على هذه الكناية تصريح الأخبار الصحيحة بما يخالفها، وقرأ شيبة وأبو جعفر «آوي» بالنصب على إضمار أن بعد أَوْ فيقدر بالمصدر عطفا على قُوَّةً ونظير ذلك قوله:
стр. 2446
ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوأك علقما
أي لو أن لي بكم قوة أو أويا،
روي أنه ﵇ أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ﵈ ما على لوط من الكرب.
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بضرر ولا مكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ﵇ رب العزة في عقوبتهم فأذن له فلما دنوا طمس أعينهم فانطلقوا عميا يركب بعضهم بعضا وهم يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما سحرة، وفي رواية أنه ﵇ أغلق الباب على ضيفه فجاؤوا فكسروا الباب فطمس جبريل أعينهم فقالوا: يا لوط جئتنا بسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال:
يذهب هؤلاء ويذروني فعندها قال جبريل ﵇: «لا تخف إنا رسل ربك»
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بالقطع من الإسراء، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث جاء في القرآن من السرى، وقد جاء سرى وهما بمعنى واحد عند أبي عبيدة والأزهري، وعن الليث أسرى سار أول الليل وسرى سار آخره ولا يقال في النهار: إلا سار وليس هو مقلوب سرى، والفاء لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم المؤذنة بورود الأمر والنهي من جنابه إليه ﵇، والباء للتعدية أو للملابسة أي سر ملابسا بأهلك بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ قال ابن عباس: بطائفة منه، وقال قتادة: بعد مضي صدر منه، وقيل: نصفه، وفي رواية أخرى عن الحبر آخره وأنشد قول مالك بن كنانة:
ونائحة تقوم بقطع ليل ... على رحل أهانته شعوب
وليس من باب الاستدلال، وإلى هذا ذهب محمد بن زياد لقوله سبحانه: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤] وتعقبه ابن عطية بأنه يحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوزوا البلد المقتلع، ووقعت نجاتهم بسحر، وأصل القطع القطعة من الشيء لكن قال ابن الأنباري: إن ذلك يختص بالليل فلا يقال: عندي قطع من الثوب.
وفسر بعضهم القطع من الليل بطائفة من ظلمته، وعن الحبر أيضا تفسيره بنفس السواد، ولعله من باب المساهلة وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي لا يتخلف كما روي عن ابن عباس، أو لا ينظر إلى ورائه كما روي عن قتادة، قيل:
وهذا هو المعنى المشهور الحقيق للالتفات، وأما الأول فلأنه يقال: لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف، والتخلف انصراف عن المسير، قال تعالى: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [يونس: ٧٨] أي تصرفنا كذا قال الراغب.
وفي الأساس أنه معنى مجازي، والنهي في اللفظ لأحد، وفي المعنى للوط ﵇ على ما نقل عن المبرد، وهذا كما تقول لخادمك: لا يقم أحد في أن النهي في الظاهر لأحد، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحدا يقوم، فالمعنى هنا فأسر بأهلك ولا تدع أحدا منهم يلتفت ولا يخفى أنه على هذا تتم المناسبة بين المعطوف عليه والمعطوف لأن الأول لأمره ﵇ والثاني لنهيه، ويعلم من هذا أن ضمير «منكم» للأهل.
وقد صرح بذلك شهاب فلك الفضل الخفاجي، فقال: وهاهنا لطيفة وهو أن المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعا من البديع سموه تسمية النوع، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام:
واستخدموا العين مني فهي جارية ... وكم سمحت بها في يوم بينهم
وتبجحوا باختراعه، وأنا بمنّ الله تعالى أقول: إنه وقع في القرآن في هذه الآية لأن قوله سبحانه: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إلخ وقع فيه ضمير مِنْكُمْ للأهل فقوله جل وعلا: لا يَلْتَفِتْ من تسمية النوع وهذا من بديع النكات انتهى،
стр. 2447
وسر النهي عن الالتفات بمعنى التخلف ظاهر، وأما سره إذا كان بمعنى النظر إلى وراء فهو أن يجدوا في السير فإن من يلتفت إلى ورائه لا يخلو عن أدنى وقفة أو أن لا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم.
وذكر بعضهم أن النهي وكذا الضمير للوط ﵇ ولأهله أي لا يلتفت أحد منك ومن أهلك. إِلَّا امْرَأَتَكَ بالنصب وهو قراءة أكثر السبعة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع وقد كثر الكلام في ذلك فقال الزمخشري: إنه سبحانه استثناها من قوله:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ويدل عليه قراءة عبد الله- فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بقطع من الليل إلا امرأتك- ويجوز أن ينتصب من- لا يلتفت- على أصل الاستثناء، وإن كان الفصيح هو البدل أعني قراءة من قرأ بالرفع فأبدلها من أحد، وفي إخراجها مع أهله روايتان:
روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها.
وروي أنه لما أمر أن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم فلم يسر بها،
واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين انتهى، وأورد عليه ابن الحاجب ما خلاصته أنه إما أن يسري بها فالاستثناء من أحد متعين أولا فيتعين من فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ والقصة واحدة فأحد التأويلين باطل قطعا، والقراءتان الثابتتان قطعا لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما، فالأولى أن يكون إِلَّا امْرَأَتَكَ رفعا ونصبا مثل ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] ولا يبعد أن يكون بعض القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على ما دونه بل جوز بعضهم أن تتفق القراء على القراءة بغير الأقوى.
وأجاب عنه بعض المغاربة بما أشار إليه في الكشف من منع التنافي لأن الاستثناء من الأهل يقتضي أن لا يكون لوط ﵇ مأمورا بالإسراء بها، ولا يمنع أنها سرت بنفسها، ويكفي لصحة الاستثناءين هذا المقدر كيف ولم ينه عن إخراجها ولكنه أمر بإخراج غيرها، نعم يرد على قوله: واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين أنه يلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين، ويجاب بأن معناه اختلاف القراءتين جالب وسبب لاختلاف الروايتين كما تقول:
السلاح للغزو أي أداة وصالح مثلا له، ولم يرد أن اختلاف القراءتين لأجل اختلاف الروايتين قد حصل، ولا شك أن كل رواية تناسب قراءة وإن أمكن الجمع، وأما قوله: وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فنقل للرواية لا تفسير للفظ القرآن، وإنما الكائن فيه استثناؤها عن الحكم الذي للاستصلاح إذ لم يعن بها، وإلى معنى ما أشار إليه صاحب الكشف في منع التنافي أشار أبو شامة فقال: وقع في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن، وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين فكأنه قيل: فأسر بأهلك إلا امرأتك كما قرأ به عبد الله ورواه أبو عبيدة عن مصحفه، فهذا دليل على أن استثناءها من السري بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجت معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فانه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستهلك ويصيبها ما يصيب قومها، فكانت قراءة النصب دالة على المعنى المتقدم، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعهما دال على جملة المعنى المشروح، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف كما قال ابن مالك، ولذا اختار أن الرفع على أن الاستثناء منقطع، وامْرَأَتَكَ مبتدأ، والجملة بعدها خبره وإلا بمعنى لكن.
وقال ابن هشام في المغني في الجهة الثامنة من الباب الخامس: إن ما ذكره الزمخشري وقد سبقه إليه غيره في الآية خلاف الظاهر، والذي حمل القائلين عليه أن النصب قراءة الأكثرين فإذا قدر الاستثناء من أحد كانت قراءتهم على الوجه المرجوح، وقد التزم بعضهم جواز مجيء الأمرين مستدلا بقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر:
стр. 2448
٤٩] فإن النصب في ذلك عند سيبويه على حد قولهم: زيدا ضربته، ولم ير خوف إلباس المفسر بالصفة مرجحا كما رآه بعض المتأخرين، ثم قال: والذي أجزم به أن قراءة الأكثرين لا تكون مرجحة، وأن الاستثناء على القراءتين من جملة الأمر بدليل سقوط وَلا يَلْتَفِتْ إلخ في قراءة ابن مسعود، والاستثناء منقطع بدليل سقوطه في آية الحجر، ولأن المراد بالأهل المؤمنون وإن لم يكونوا من أهل بيته لا أهل بيته وإن لم يكونوا مؤمنين كما في قوله تعالى لنوح ﵇: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] ووجه الرفع أنه على الابتداء، وما بعد، الخبر والمستثنى الجملة، ونظيره لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ [الغاشية: ٢٢- ٢٤] .
واختار أبو شامة ما اخترته من أن الاستثناء منقطع لكنه قال: وجاء النصب على اللغة الحجازية والرفع على التميمية، وهذا يدل على أنه جعل الاستثناء من جملة النهي، وما قدمته أولى لضعف اللغة التميمية، ولما قدمت من سقوط جملة النهي في قراءة عبد الله انتهى.
واستظهر ذلك الحمصي في حواشيه على التصريح واستحسنه غير واحد، وقد نقل أبو حيان القول بالانقطاع على القراءتين وتخريج النصب على اللغة الحجازية والرفع عن الأخرى، ثم قال: إنه كلام لا تحقيق فيه فإنه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات وكان المعنى لكن امرأتك يجري عليها كذا وكذا كان من الاستثناء الذي لا يتوجه إليه العامل، وهذا النوع من الاستثناء المنقطع يجب فيه النصب بإجماع العرب، وإنما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجه العامل إليه وفيه نظر، ففي التوضيح لابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب مفردا كان أو مكملا معنى بما بعده كقوله تعالى: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ [الحجر: ٥٩، ٦٠] النصب، ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين إلا النصب، وقد غفلوا عن وروده مرفوعا بالابتداء ثابت الخبر كقول أبي قتادة: أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، ومحذوفة نحو ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤] إلا الله، وإِلَّا في ذلك بمعنى لكن أي لكن أبو قتادة لم يحرم ولكن الله يعلم انتهى، وما نحن فيه من قبيل هذا، وفي حاشيتي البدر الدماميني وتقي الدين الشمني أن الرضي قد أجاب بما يقتضي أن الاستثناء متصل ولا تناقض، وذلك أنه قال: ولما تقرر أن الاتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة وكان أكثر القراء على النصب في وَلا يَلْتَفِتْ إلخ تكلف الزمخشري لئلا تكون قراءة الأكثر محمولة على وجه غير مختار بما تكلف، واعترضه ابن الحاجب بلزوم التناقض لأن الاستثناء من- أسر بأهلك- يقتضي كونها غير مسري بها، ومن- لا يلتفت منكم أحد- يقتضي كونها مسري بها لأن الالتفات بالإسراء، والجواب أن الإسراء وإن كان مطلقا في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات. فمآله أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات فاستثن على هذا إن شئت- من- أسر- أو- لا يلتفت- ولا تناقض وهذا كما تقول: امش ولا تتبختر أي امش مشيا لا تتبختر فيه فكأنه قيل: ولا يلتفت منكم أحد في الإسراء، وكذا امش ولا تتبختر في المشي فحذف الجار والمجرور للعلم به انتهى.
وأورد عليه السيد السند في حواشيه أن الاستثناء إذا رجع إلى القيد كان المعنى فأسر بجميع أهلك إسراء لا التفات فيه إلا من امرأتك فيكون الإسراء بها داخلا في المأمور به وإذا رجع إلى المقيد لم يكن الإسراء بها داخلا في المأمور به فيكون المحذور باقيا بحاله ولا مخلص عنه إلا بأن يقال: إن تناول العام إياها ليس قطعيا لجواز أن يكون مخصوصا فلا يلزم من رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ كونه ﵇ مأمورا بالإسراء بها، وحينئذ يوجه الاستثناء بما ذكر من أنها تبعتهم أو أسري بها مع كونه غير مأمور بذلك إذ لا يلزم من عدم الأمر به النهي عنه فتأمل انتهى.
стр. 2449
وبحث فيه الشهاب ولم يرتض احتمال التخصيص لما أنه لا دليل عليه ويفهم صنيعه ارتضاء كلام الرضي، ثم قال: ومراده بالتقييد أنه ذكر شيئان متعاطفان، فالظاهر أن المراد الجمع بينهما لا أن الجملة حالية فلا يرد عليه أن الحمل على التقييد مع كون الواو للنسق ممنوع، وكذا جعلها للحال مع لا الناهية، وأيضا القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتبار ذلك التقييد ولا يخلو عن شيء، هذا وقد ألفت في تحقيق هذا الاستثناء عدة رسائل: منها رسالة للحمصي وأخرى للعلامة الكافيجي ألفها لبعض سلاطين آل عثمان غمرهم الله سبحانه بصنوف الفضل والإحسان حين طلب منه لبحث وقع في مجلسه ذلك، وبالجملة القول بالانقطاع أقل تكلفا فيما يظهر، والقول بأنه حينئذ لا يبقى ارتباط لقوله سبحانه: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ ناشىء من عدم الالتفات فلا ينبغي أن يلتفت إليه كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما تقدم نقله فتأمل، وضمير إِنَّهُ للشأن، وما أَصابَهُمْ مبتدأ، ومُصِيبُها خبره، والجملة خبر- إن- الذي اسمه ضمير الشأن، وفي البحر إن مُصِيبُها مبتدأ، وما أَصابَهُمْ خبره، والجملة خبر إن، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون مُصِيبُها خبر- إن- وما فاعل به لأنهم يجوزون أنه قائم أخواك، ومذهب البصريين أن ضمير الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحا بجزأيها فلا يجوز هذا الأعراب عندهم، والأولى ما ذكر أولا، والجملة إما تعليل على طريقة الاستئناف أو خبر- لامرأتك- على قراءة الرفع، والمراد من ما العذاب، ومن أَصابَهُمْ يصيبهم والتعبيرية دونه للإيذان بتحقق الوقوع، وفي الإبهام. واسمية الجملة. والتأكيد ما لا يخفى.
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أي موعد عذابهم وهلاكهم ذلك، وكأن هذا على ما قيل: تعليل للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع، وقوله سبحانه: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ تأكيد للتعليل، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع للتباعد عن مواقع العذاب،
وروي أنه ﵇ سأل الملائكة ﵈ عن وقت هلاكهم فقالوا: موعدهم الصبح، فقال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.
ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين.
وقرأ عيسى بن عمر الصُّبْحُ بضم الباء قيل: وهي لغة فلا يكون ذلك اتباعا فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا أو الأمر به، فالأمر على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر، قيل: ونسبة المجيء إليه بالمعنيين مجازية، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة لما عليه.
وقيل: إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره، ورجح تفسير الأمر بما هو واحد الأوامر- أعني ضد النهي- بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره، وأما كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع، ويجعل التعذيب مسببا عنه بقوله سبحانه: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها فإنه جواب لما والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسببا عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجيء بإرادته، وضمير عالِيَها وسافِلَها لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي المؤتفكات، وهي خمس مدائن: ميعة وصغره وعصره ودوما وسدوم.
وقيل: سبع أعظمها سدوم، وهي القرية التي كان فيها لوط ﵇، وكان فيها على ما
روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك،
وقيل: إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها، وقيل: إن ما كان في المدائن أكثر من ذلك بكثير، والله تعالى أعلم.
ونصب عالِيَها- وسافِلَها على أنهما مفعولان للجعل، والمراد قلبناها على تلك الهيئة وهو جعل
стр. 2450
العالي سافلا، وإنما قلبت كذلك ولم يعكس تهويلا للأمر وتفظيعا للخطب لأن جعل عالِيَها الذي هو مقرهم ومسكنهم سافِلَها أشق من جعل- سافلها عاليها- وإن كان مستلزما له،
روي أن لوطا ﵇ سرى بمن معه قبل الفجر وطوى الله تعالى له الأرض حتى وصل إلى إبراهيم ﵇، ثم إن جبريل ﵇ اقتلع المدائن بيده، وفي رواية أدخل جناحه تحت المدائن فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها،
وما أعظم حكمة الله تعالى في هذا القلب الذي هو أشبه شيء بما كانوا عليه من إتيان الإعجاز والإعراض عما تقتضيه الطباع السليمة ولا ينبغي أن يجعل الكلام كناية عن إنزال أمر عظيم فيها كما يقول القائل: اليوم قلبت الدنيا على فلان لما فيه من العدول عن الظاهر والانحراف عما نطقت به الآثار من غير داع سوى استبعاد مثل ذلك وما ذلك ببعيد، وإسناد الجعل إلى ضميره تعالى باعتبار أنه المسبب فهو إسناد مجازي باعتبار اللغة وإن كان سبحانه هو الفاعل الحقيقي. والنكتة في ذلك تعظيم الأمر وتهويله فإن ما يتولاه العظيم من الأمور فهو عظيم، ويقوي ذلك ضمير العظمة أيضا وعلى هذا الطرز قوله سبحانه: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها أي على المدائن أو شذاذ أهلها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ وكان ذلك زيادة في تفظيع حالهم أو قطعا لشأفتهم واستئصالا لهم.
روي أن رجلا منهم كان بالحرم فبقي حجر معلق بالهواء حتى خرج منه فوقع عليه وأهلكه،
والسجيل الطين المتحجر لقوله تعالى في الآية الأخرى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: ٣٣] والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويتعين إرجاع بعضه لبعض في قصة واحدة، وهو كما أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد معرب- سنك كل-.
وقال أبو عبيدة: السجيل- كالسجين- الشديد من الحجارة، وقيل: هو من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته، والمعنى حجارة كائنة من مثل الشيء المرسل أو مثل العطية في الإدرار وهو على هذا خارج مخرج التهكم، وقيل: من- السجل- بتشديد اللام وهو الصك، ومعنى كونه من ذلك أنه مما كتب الله تعالى عليهم أن يعذبهم به، وقيل: أصله من سجين وهو اسم لجهنم أو لواد فيها، فأبدلت نونه لاما.
وقال أبو العالية وابن زيد: السجيل اسم لسماء الدنيا. قال أبو حيان: وهو ضعيف لوصفه بقوله سبحانه:
مَنْضُودٍ أي نضد وضع بعضه على بعض معدا لعذابهم، أو نضد في الإرسال يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار، ولا يخفى أن هذه المعاني كما تأبى ما قال أبو العالية وابن زيد تأبى بحسب الظاهر ما قيل: إن المراد به جهنم، وتكلف بعضهم فقال: يمكن وصف جهنم بذلك باعتبار المعنى الأول بناء على أنها دركات بعضها فوق بعض أو أن الأصل منضود فيه فاتسع، وقد يتكلف بنحو هذا لما قاله أبو العالية وابن زيد وجوز أن يكون مَنْضُودٍ صفة حجارة على تأويل الحجر وجره للجوار، وعليه فالأمر ظاهر إلا أنه من التكلف بمكان مُسَوَّمَةً أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريج، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء.
وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها، وكان بعضها كما قيل: مثل رؤوس الإبل، وبعضها مثل مباركها، وبعضها مثل قبضة الرجل عِنْدَ رَبِّكَ أي في خزائنه التي لا يمكلها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه ، والظرف قيل: منصوب- بمسومة- أو متعلق بمحذوف وقع صفة له، والمروي عن مقاتل أن المعنى أنها جاءت من عند ربك، وعن أبي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه.
وقال ابن الأنباري: المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذانا بقدرته وشدة عذابه فليفهم وَما هِيَ
стр. 2451
أي الحجارة الموصوفة بما ذكر مِنَ الظَّالِمِينَ من كل ظالم بِبَعِيدٍ فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة، وروي هذا عن الربيع.
وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة. وجاء في خبر ذكره الثعلبي، وقال فيه العراقي: لم أقف له على إسناد
أنه ﷺ سأل جبريل ﵇ عن ذلك فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة،
وقيل: المراد بالظالمين قوم لوط ﵇، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم.
وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام، والظَّالِمِينَ من يشبههم من الناس، ويمكن أن يقال: إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير.
وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير هِيَ للقرى التي جعل عالِيَها سافِلَها والمراد من الظَّالِمِينَ ظالمو مكة، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام. وتذكير- البعيد- يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بهم فكأنها بمكان قريب منهم، أو لأنه على زنة المصدر- كالزفير والصهيل- والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث وَإِلى مَدْيَنَ أي أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ فحذف المضاف أو جعل اسما بالغلبة للقبيلة وكثيرا ما تسمى القبيلة باسم أبيهم- كمضر وتميم- ولعل هذا أولى، وجوز أن يراد بمدين المدينة التي بناها مدين فسميت به فيقدر حينئذ مضاف أي وإلى أهل مدين أَخاهُمْ نسيبهم شُعَيْباً قد مر ما قيل في نسبه ﵇، والجملة معطوفة على قوله سبحانه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [هود: ٦١] أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا.
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أمر بالتوحيد على وجه أكيد ولما كان ملاك الأمر قدمه على النهي عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، وإيصال الحقوق لأصحابها بقوله: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ قيل: أي لا تنقصوا الناس من المكيال والميزان يعني مما يكال ويوزن على ذكر المحل وإرادة الحال، واستظهر أن المراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات، وقد تقدم في [الأعراف: ٨٥] الْكَيْلَ
بدل الْمِكْيالَ فتذكر وتأمل إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما أنتم عليه بأن تتفضلوا على الناس شكرا عليها، فإن أجل شكر النعم الإحسان والتفضل على عباد الله تعالى، أو أراكم بخير وغنى فلا تزيلوه بما تأتونه من الشر، وعلى كل حال الجملة في موضع التعليل للنهي وعقب بعلة أخرى أعني قوله تعالى:
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم تنتهوا عن ذلك عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وجوز أن يكون تعليلا للأمر والنهي جميعا. وفسر المحيط بما لا يشذ منه أحد منهم، وفسره الزمخشري بالمهلك أخذا من قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] وأصله من إحاطة العدو، وادعى أن وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه يعني أن اليوم لما كان زمانا مشتملا على الحوادث الكائنة فيه عذابا أو غيره فإذا أحاط بالمعذب ملتبسا بعذابه لأنه حادثة فقد اجتمع للمعذب الأمر الذي يشتمل عليه اليوم وهو العذاب كما إذا أحاط ملتبسا بنعيمه.
والحاصل أن إحاطة اليوم تدل على إحاطة كل ما فيه من العذاب، وأما إحاطة العذاب على قوم فقد يكون بأن
стр. 2452
يصيب كل فرد منهم فردا من أفراد العذاب، وأما فيما نحن فيه فيدل على إحاطة أنواع العذاب المشتمل عليها اليوم بكل فرد، ولا شك في أبلغية هذا- كذا في الكشف- وتمام الكلام فيه، وقال بعض المحققين في بيان الأبلغية: إن اليوم زمان لجميع الحوادث فيوم العذاب زمان جميع أنواع العذاب الواقعة فيه فإذا كان محيطا بالمعذب فقد اجتمع أنواع العذاب له، وهذا كقوله:
إن المروءة والسماحة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإن وقوع العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة، وجعل اليوم محيطا بالمعذب كضرب القبة على الممدوح فكما أن هذا كناية عن ثبوت تلك الأوصاف له كذلك ذاك كناية عن ثبوت أنواع العذاب للمعذب، وأما وصف العذاب بالإحاطة ففيه استعارة إحاطته لاشتماله على المعذب فكما أن المحيط لا يفوته شيء من أجزاء المحاط لا يفوت العذاب شيء من أجزاء المعذب، وهذه الاستعارة تفيد أن العذاب لكل المعذب وتلك الكناية تفيد أن كل العذاب له، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت في الأبلغية، وجوز أن يكون مُحِيطٍ نعتا- لعذاب- وجر للجوار، وقيل: هو نعت- ليوم- جار على غير من هو له، والتقدير- عذاب يوم محيط عذابه- وليس بشيء كما لا يخفى، وأيا ما كان فالمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال في الدنيا، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الخير برخص السعر. والعذاب بغلائه.
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي أتموهما، وفائدة التصريح بذلك مع أن الانتهاء المطلوب من النهي السابق لا يتحقق بدون الإتمام فيكون مطلوبا تبعا، وهذا مسلم على المذاهب جعل النهي عن الشيء عين الأمر بالضد أو مستلزما له تضمنا أو التزاما لأن الخلاف في مقتضى اللفظ لا أن التحريم أو الوجوب ينفك عن مقابلة الضد غير واحدة النعي بما كانوا عليه من القبيح وهو النقص مبالغة في الكف، ثم الأمر بالضد مبالغة في الترغيب وإشعارا بأنه مطلوب أصالة وتبعا مع الإشعار بتبعية الكف عكسا، وتقييده بقوله سبحانه: بِالْقِسْطِ أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان، ثم إدماج أن المطلوب من الإتمام العدل، ولهذا قد يكون الفضل محرما كما في الربويات، وإلى هذا يشير كلام الزمخشري، وظاهره حمل المكيال والميزان على ما يكال ويوزن، وحملهما بعضهم في الموضعين على الآلتين المعروفتين، وفسر القسط بما ذكرنا ثم قال: إن الزيادة في الكيل والوزن وإن كانت تفضلا مندوبا إليه لكنها في الآلة محظورة كالنقص، فلعل الزائد للاستعمال عند الاكتيال والناقص للاستعمال عند الكيل.
وفائدة الأمر بتسوية الآلتين وتعديلهما بعد النهي عن نقصهما المبالغة في الحمل على الإيفاء والمنع والبخس، والتنبيه على أنه لا يكفيهم مجرد الكف عن النقص والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معيارا لظلمهم وقانونا لعدوانهم، وفيه حمل اللفظ على المتبادر منه، فإن الحمل على المعنى الآخر مجاز كما أشرنا إليه، وادعى الفاضل الحلبي أن هذا الأمر بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيء، فقال: إن النهي قد كان عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان، والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزان للمعهود فلا تكرار كيف ولو كان تكريرا للتأكيد والمبالغة لم يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين انتهى.
وتعقب بأن حمل هذين اللفظين- وقد تكررا- في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلاف الظاهر، وأن في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس فلا ينبغي الهرب منه، وأما العطف فلأن اختلاف المقاصد في ذينك المتعاطفين جعلهما كالمتغايرين فحسن ذلك، وقد صرح به أهل المعاني في قوله سبحانه: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ [البقرة: ٤٩، إبراهيم: ٦] انتهى.
стр. 2453
وفي ورود ما تعقب به أو لا تأمل فتأمل، وقوله تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يحتمل أن يكون تعميما بعد تخصيص فإنه يشمل الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون أيضا فهو تذييل وتتميم لما تقدم، وكذا قوله سبحانه:
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فإن العثي يعم تنقيص الحقوق وغيره لأنه عبارة عن مطلق الفساد، وفعله من باب رمى وسعى ورضي، وجاء واويا ويائيا، ويحتمل أن يكون نهيا عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار والأمر بإيفائه أي لا تنقصوا الناس بسبب نقص المكيال والميزان وعدم اعتدالهما أشياءهم التي يشترونها بهما، والتصريح بهذا النهي بعد ما علم في ضمن النهي، والأمرين السابقين للاهتمام بشأنه والترغيب في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها، وإلى كل من الاحتمالين ذهب بعض، وهو مبني على ما علمت من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق، وقيل: المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم، والعثي- السرفة وقطع لطريق والغارة، ومُفْسِدِينَ حال من ضمير تَعْثَوْا، وفائدة ذلك إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعل الخضر ﵇ من قتل الغلام. وخرق السفينة فهو حال مؤسسة، وقيل: ليس الفائدة الإخراج المذكور فإن المعنى- لا تعثوا في الأرض بتنقيص الحقوق مثلا مفسدين مصالح دينكم وأمر آخرتكم- ومآل ذلك على ما قيل: إلى تعليل النهي كأنه قيل: لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسد لدينكم وآخرتكم بَقِيَّتُ اللَّهِ قال ابن عباس: أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء خَيْرٌ لَكُمْ مما تجمعون بالبخس، فإن ذلك هباء منثور بل هو شر محض وإن زعمتم أنه خير إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بشرط أن تؤمنوا إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلا، أو إن كنتم مصدقين بي في مقالتي لكم، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق.
وقال الربيع هي وصيته تعالى، وقال مقاتل: ثوابه في الآخرة، وقال الفراء: مراقبته ، وقال قتادة: ذخيرته، وقال الحسن: فرائضه سبحانه.
وزعم ابن عطية أن كل هذا لا يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه قال:
المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص بالتطفيف، وأيا ما كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب إليه جمهور البصريين وهو الصحيح، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة «بقية» بتخفيف الياء قال ابن عطية: وهي لغة، قال أبو حيان: إن حق وصف فعل اللازم أن يكون على وزن فاعل نحو شجيت المرأة فهي شجية فإذا شددت الياء كان على وزن فعيل للمبالغة، وقرأ الحسن- تقية الله- بالتاء والمراد تقواه سبحانه ومراقبته الصارفة عن المعاصي وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أحفظكم من القبائح أو أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت إذ أنذرت ولم آل جهدا، أو ما أنا بحافظ عليكم نعم الله تعالى لو لم تتركوا سوء صنيعكم.
قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام أجابوا بذلك أمره ﵇ إياهم بعباده الله تعالى وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأصنام وغرضهم منه إنكار الوحي الآمر لكنهم بالغوا في ذلك إلى حيث أنكروا أن يكون هناك آمر من العقل وزعموا أن ذلك من أحكام الوسوسة والجنون قاتلهم الله أنى يؤفكون، وعلى هذا بنوا استفهامهم وأخرجوا كلامهم وقالوا بطريق الاستهزاء: أَصَلاتُكَ التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك ما استمر على عبادته آباؤنا جيلا بعد جيل من الأوثان والتماثيل، وإنما جعلوه ﵇ مأمورا مع أن الصادر عنه إنما هو الأمر بعبادة الله تعالى وغير ذلك من الشرائع لأنه ﵇ لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمور بتبليغه إليهم، وتخصيصهم إسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر
стр. 2454
أحكام النبوة لأنه ﵇ كان كثير الصلاة معروفا بذلك، بل أخرج ابن عساكر عن الأحنف أنه ﵇ كان أكثر الأنبياء صلاة، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون فكانت هي من بين شعائر الدين ضحكة لهم، وقيل:
إن ذلك لأنه ﵇ كان يصلي ويقول لهم: إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإلى الأول ذهب غير واحد، وهذا الإسناد حقيقي لا مجازي غاية ما في الباب أنهم قصدوا الحقيقة تهكما، واختيار المضارع ليدل على العموم بحسب الزمان، وقوله سبحانه: أَنْ نَتْرُكَ على تقدير بتكليف أن نترك- فحذف المضاف وهو تكليف، فدخل الجار على أَنْ ثم حذف وحذفه قبلها مطرد، وعرف التخاطب في مثله يقتضي ذلك، وقيل: إن الداعي إليه أن الشخص لا يكلف بفعل غيره لأنه غير مقدور له أصلا، وقيل: لا تقدير، والمعنى- أصلاتك تأمرك بما ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك- وغرضهم من ذلك التعريض بركاكة رأيه وحاشاه ﵇، والاستهزاء به من تلك الجهة، وتعقب بأنه يأباه دخول الهمزة على الصلاة دون الأمر، ويستدعي أن يصدر عنه ﵇ في أثناء الدعوة ما يدل على ذلك أو يوهمه، وأنى ذلك؟ فتأمل، وقرأ أكثر السبعة- أصلواتك- بالجمع، وأمر الجمع بين القراءتين سهل، وقوله تعالى: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا أجابوا به أمره ﵇ بإيفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقص وهو عطف على ما وأو بمعنى الواو أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا من التطفيف وغيره، ولا يصح عطفه على أَنْ نَتْرُكَ لاستحالة المعنى إذ يصير حينئذ- تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء من التطفيف وغيره- وهم منهيون عن ذلك لا مأمورون به، وحمل ما على ما أشرنا إليه هو الظاهر، وقيل: كانوا يقرضون الدراهم والدنانير ويجرونها مع الصحيحة على جهة التدليس فنهوا عن ذلك فقالوا ما قالوا، وروي هذا عن محمد بن كعب، وأدخل بعضهم ذلك الفعل في العثي في الأرض فيكون النهي عنه نهيا عنه. ولا مانع من اندراجه في عموم ما، وقرأ الضحاك بن قيس وابن أبي عبلة وزيد بن علي- بالتاء- في الفعلين على الخطاب فالعطف على مفعول تَأْمُرُكَ أي- أصلاتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء أي من إيفاء المكيال والميزان- كما هو الظاهر، وقيل: من الزكاة، فقد كان ﵇ يأمرهم بها كما روي عن سفيان الثوري، قيل: وفي الآية على هذا مع حمل الصلاة على ما يتبادر منها دليل على أنه كان في شريعته ﵇ صلاة وزكاة، وأيد بما روي عن الحسن أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وأنت تعلم أن حمل ما نَشؤُا على الزكاة غير متعين بل هو خلاف ظاهر السوق، وحمل الصلاة على ذلك وإن كان ظاهرا إلا أنه روى ابن المنذر وغيره عن الأعمش تفسيرها بالقراءة، ونقل عن غيره تفسيرها بالدعاء الذي هو المعنى اللغوي لها.
وعن أبي مسلم تفسيرها بالدين لأنها من أجل أموره، وعلى تقدير أن يراد منها الصلاة بالمعنى الآخر لا تدل الآية على أكثر من أن يكون له ﵇ صلاة، ولا تدل على أنها من الأمور المكلف بها أحد من أمته فيمكن أن يكون ذلك من خصوصياته ﵇، وما روي عن الحسن ليس نصا في الغرض كما لا يخفى، هذا وجوز أن يكون العطف على هذه القراءة على ما وتعقب بأنه يستدعي أن يحمل الترك على معنيين مختلفين ولا يترك على ما يتبادر منه.
وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة بالنون في الأول والتاء في الثاني، والعطف على مفعول تَأْمُرُكَ والمعنى ظاهر مما تقدم إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ وصفوه ﵇ بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية، فالمراد بهما ضد معناهما، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإليه ذهب قتادة والمبرد.
وجوز أن يكونوا وصفوه بذلك بناء على الزعم، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه كأنهم قالوا: كيف
стр. 2455
تكلفنا بما تكلفنا مع أنك أنت الحليم الرشيد بزعمك وقيل: يجوز أن يكون تعليلا باقيا على ظاهره بناء على أنه ﵇ كان موصوفا عندهم بالحلم والرشد، وكان ذلك بزعمهم مانعا من صدور ما صدر منه ﵇، ورجح الأول بأنه الأنسب بما قبله لأنه تهكم أيضا، ورجح الأخير بأنه يكون الكلام عليه نظير ما مر في قصة صالح ﵇ من قولهم له: قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا [هود: ٦٢] وتعقيبه بمثل ما عقب به ذلك حسبما تضمنه قوله سبحانه:
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ حجة ظاهرة مِنْ رَبِّي ومالك أموري وَرَزَقَنِي مِنْهُ من لدنه سبحانه رِزْقاً حَسَناً هو النبوة والحكمة يدل على ذلك، والجواب عليه من باب إرخاء العنان. والكلام المنصف كأنه ﵇ قال: صدقتم فيما قلتم إني لم أزل مرشدا لكم حليما فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة لكم، انظروا بعين الإنصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبيا على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ ثم إنه ﵇ أكد معنى الإرشاد، وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه ﷺ كذا قرره العلامة الطيبي.
واختار شيخ الإسلام عدم كونه باقيا على الظاهر لما أن مقام الاستهزاء آب عنه، وذكر قدس سره أن المراد بالبينة والرزق الحسن النبوة والحكمة، وأن التعبير عنهما بذلك للتنبيه على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الأبدية له ﵇ ولأمته؟ وأن هذا الكلام منه ﵇ رد على مقالتهم الشنعاء المتضمنة زعم عدم استناد أمره ونهيه إلى سند، ثم قال: وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي أتقولون والمعنى أنكم عددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقل وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي وقلتم ما قلتم، فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالك أموري ثابتا على النبوة والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني لذلك رزقا حسنا أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه؟! وادّعى أن هذا هو الجواب الذي يستدعيه السياق ويساعده النظم الكريم.
وفسر القاضي- الرزق الحسن- بما آتاه الله تعالى من المال الحلال، ومعنى كون ذلك منه تعالى أنه من عنده سبحانه وبإعانته بلا كد في تحصيله، وقدر جواب الشرط فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه، وذكر أن هذا الكلام منه ﵇ اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء، وقدر بعضهم ما قدره العلامة الطيبي.
وزعم شيخ الإسلام أن ذينك التقديرين بمعزل عما يستدعيه السياق، وأنهما إنما يناسبان إن حمل كلامهم على الحقيقة وأريد بالصلاة الدين حسبما نقل عن أبي مسلم وعطاء، ويكون المراد بالرزق الحسن على ذلك ما آتاه الله تعالى من الحلال فقط كما روي عن الضحاك ويكون المعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالا حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره أو أوافقكم فيما تأتون وما تذرون انتهى.
وأقول: لا يخفى أن المناسب للمقام حمل الرزق الحسن على ما آتاه الله تعالى من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس، وتقدير جواب الشرط نحو ما قدره القاضي ليس في الكلام ما يأبى عنه، ولا يتوقف على حمل الكلام على الحقيقة والصلاة على الدين بل يتأتى تقدير ذلك، ولو كان الكلام على سبيل التهكم والصلاة بالمعنى المتبادر بأن يقال: إنهم قاتلهم الله تعالى لما قالوا في ظلال الضلال وقالوا ما قالوا في حق نبيهم وما صدر منه من الأفعال لم يكن لهم مقصود إلا ترك الدعوة وتركهم وما يفعلون، ولم يتعرض ﵇ صريحا لرد قولهم المتضمن لرميه- وحاشاه بالوسوسة والجنون والسفه والغواية- إيذانا بأن ذلك مما لا يستحق جوابا لظهور بطلانه وتعرض