← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ولعل ما ذكرناه أقرب للذوق وأقل مؤنة مما تكلف له وأيا ما كان فالخطاب عام للنساء مطلقا وكونه لها ولجواريها- كما قيل- ليس بذاك، وتعميم الخطاب للتنبيه على أن الكيد خلق لهن عريق: ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند (١) إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس ولأن ذلك قد يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال، ولربات القصور منهن القدح المعلى من ذلك لأنهن أكثر تفرغا من غيرهن مع كثرة اختلاف الكيادات إليهن فهن جوامع كوامل، ولعظم كيد النساء (٢) اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغواؤه، ففي الخبر «ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء» وحكي عن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [النساء: ٧٦] وقال للنساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به، ولا يخفى أن استدلاله بالآيتين مبني على ظاهر إطلاقهما، ومثله مما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر فلا يضر كون ضعف كيد الشيطان إنما هو في مقابلة كيد الله تعالى، وعظم كيدهن إنما هو بالنسبة الى كيد الرجال، وما قيل: إن ما ذكر لكونه محكيا عن قطفير- لا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه- ليس بشيء لأنه سبحانه قصه من غير نكير فلا جناح في الاستدلال به كما لا يخفى يُوسُفُ حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث، وفي ندائه باسمه تقريب له ﵇ وتلطيف. وقرأ الأعمش «يوسف» بالفتح، والأشبه على ما قال أبو البقاء: أن يكون أخرجه على أصل المنادى كما جاء في الشعر يا عديا لقد وقتك الأواقي وقيل: لم تضبط هذه القراءة عن الأعمش، وقيل: إنه أجرى الوقف مجرى الوصل ونقل إلى الفاء حركة الهمزة من قوله تعالى: أَعْرِضْ عَنْ هذا أي عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به فقد ظهر صدقك وطهارة ثوبك، وهذا كما حكى الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله بالوصل والفتح، وقرىء «أعرض» بصيغة الماضي فيوسف حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر، ولعل المراد الطلب على أتم وجه فيؤول الى معنى أَعْرِضْ وَاسْتَغْفِرِي أنت أيتها المرأة، وضعف أبو البقاء هذه القراءة بأن الأشبه عليها أن يقال: فاستغفري لِذَنْبِكِ الذي صدر عنك وثبت عليك إِنَّكِ كُنْتِ بسبب ذلك مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جملة القوم المتعمدين للذنب، أو من جنسهم يقال: خطىء يخطىء خطأ وخطأ إذا أذنب متعمدا، وأخطأ إذا أذنب من غير تعمد، وذكر الراغب أن الخطأ العدول عن الجهة وهو أضرب: الأول أو يريد غير ما تحسن إراداته فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومن ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من اجتهد فأخطأ فله أجر» والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، ولا يخفى أن المعنى الذي ذكرناه راجع إلى الضرب الأول من هذه الضروب، والجملة المؤكدة في موضع التعليل للأمر والتذكير لتغليب الذكور على الإناث واحتمال أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين فمنهم سرى ذلك العرق الخبيث فيك بعيد جدا، وهذا النداء قيل: من الشاهد الحكيم، وروي ذلك عن ابن عباس، وحمل الاستغفار على طلب المغفرة والصفح من الزوج، ويحتمل أن يكون المراد به طلب المغفرة من الله تعالى ويقال: إن أولئك القوم وإن كانوا يعبدون الأوثان إلّا أنهم مع ذلك يثبتون الصانع ويعتقدون أن للقبائح

стр. 2557

عاقبة سوء من لديه سبحانه إذا لم يغفرها، واستدل على أنهم يثبتون الصانع أيضا بأن يوسف ﵇ قال لهم: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: ٣٩] ، والظاهر أن قائل ذلك هو العزيز، ولعله كما قيل: كان رجلا حليما، وروي ذلك عن الحسن، ولذا اكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها، وروي أنه كان قليل الغيرة وهو لطف من الله تعالى بيوسف ﵇، وفي البحر أن تربة إقليم قطفير اقتضت ذلك، وأين هذا مما جرى لبعض ملوك المغرب أنه كان مع ندمائه المختصين به في مجلس أنس وجارية تغنيهم من وراء ستر فاستعاد بعض خلصائه بيتين من الجارية كانت قد غنت بهما فما لبث أن جيء برأس الجارية مقطوعا في طست، وقال له الملك: استعد البيتين من هذا الرأس فسقط في يد ذلك المستعيد ومرض مدة حياة الملك وَقالَ نِسْوَةٌ المشهور- وإليه ذهب أبو حيان- أنه جمع تكسير للقلة كصبية، وغلمة، وليس له واحد من لفظه بل من معناه وهو امرأة. وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى كل فتأنيثه غير حقيقي ولا التفات إلى كون ذلك المفرد مؤنثا حقيقا لأنه مع طروّ ما عارض ذلك ليس كسائر المفردات ولذا لم يؤنث فعله، وفي نونه لغتان: الكسر وهي المشهورة والضم وبه قرأ المفضل، والأعمش، والسلمي كما قال القرطبي فلا عبرة بمن أنكر ذلك، وهو إذ ذاك اسم جمع بلا خلاف، ويكسر للكثرة على نساء، ونسوان، وكنّ فيما روي عن مقاتل خمسا: امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة البواب، وامرأة السجان، وامرأة صاحب الدواب. وروى الكلبي أنهن كنّ أربعا بإسقاط امرأة البواب فِي الْمَدِينَةِ أريد بها مصر، والجار والمجرور في موضع الصفة- لنسوة- على ما استظهره بعضهم، ووصفن بذلك لأن إغاظة كلامهن بهذا الاعتبار لا تصافهن بما يقوي جانب الصدق أكثر فإن كلام البدويات لبعدهن عن مظان الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات القصريات لا يلتفت إلى كلامهن فلا يغيظ تلك الإغاظة، والكثير على اختيار تعلقه- بقال- ومعنى كون قولهن في المدينة إشاعته وإفشاؤه فيها، وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر امْرَأَتُ الْعَزِيزِ هو في الأصل الذي يقهر ولا يقهر كأنه مأخوذ من عز أي حصل في عزاز وهي الأرض الصلبة التي يصعب وطؤها ويطلق على الملك، ولعلهم كانوا يطلقونه إذ ذاك فيما بينهم على كل من ولاه الملك على بعض مخصوص من الولايات التي لها شأن فكان من خواصه ذوي القدر الرفيع والمحل المنيع، وهو بهذا المعنى مراد هنا لأنه أريد به قطفير وهو في المشهور كما علمت إنما كان على خزائن الملك- وكان الملك الريان بن الوليد- وقيل: المراد به الملك، وكان قطفير ملك مصر، واسكندرية، وإضافتهن لها إليه بهذا العنوان دون أن يصرحن باسمها او اسمه ليظهر كونها من ذوات الأخطار فيكون عونا على إشاعة الخبر بحكم أن النفوس الى سماع أخبار ذوي الأخطار أميل، وقيل- وهو الأولى- إن ذاك لقصد المبالغة في لومها بقولهن تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي تطلب مواقعته إياها وتتمحل في ذلك، وإيثارهن صيغة للدلالة على دوام المراودة كأنها صارت سجية لها، والفتى من الناس الطري من الشبان، وأصله فتى بالياء لقولهم في التثنية- وهي ترد الأشياء الى أصولها- فتيان، فالفتوة على هذا شاذ، وجمعه فتية، وفتيان، قيل: إنه يائي وواوي ككنوت وكنيت، وله نظائر كثيرة، ويطلق على المملوك والخادم لما أن جل الخدمة شبان. وفي الحديث «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي» وأطلق على يوسف ﵇ هنا لأنه كان يخدمها، وقيل: لأن زوجها وهبه لها فهو مملوكها بزعم النسوة، وتعبيرهن عنه ﵇ بذلك مظانا إليها لا الى العزيز لإبانة ما بينهما من التباين البين الناشئ عن الخادمية والمخدومية أو المالكية والمملوكية وكل ذلك لتربية ما مر من المبالغة في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوج دنيء قد تعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان

стр. 2558

فيهم علو الجناب، وأما التي لها زوج فمراودتها لغيره لا سيما لمن لم يكن بينها وبينه كفاءة لها وتماديها في ذلك غاية الغي ونهاية الضلال قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه. وقيل: هو جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب حتى وصل الى فؤادها، وبهذا يحصل المبالغة في وصفها بالحب له، وقيل: الشغاف سويداء القلب، فالمبالغة حينئذ ظاهرة، والى هذا يرجع ما روي عن الحسن من أن الشغاف باطن القلب، وما حكي عن أبي علي من أنه وسطه والفعل مفتوح الغين المعجمة عند الجمهور. وقرأ ثابت البناني بكسرها وهي لغة تميم، وقرأ علي كرم الله تعالى وجه، وعلي بن الحسين، وابنه محمد، وابنه جعفر رضي الله تعالى عنهما، والشعبي، وعوف الأعرابي- شعفها- بفتح العين المهملة، وهي رواية عن قتادة، وابن هرمز، ومجاهد، وحميد، والزهري، وروي عن ثابت البناني (١) أنه قرأ كذلك أيضا إلا أنه كسر العين، وهو من شعف البعير إذ هنأه فأحرقه بالقطران، فالمعنى وصل حبه الى قلبها فكاد يحترق، ومن هذا قول الأعشى: يعصي الوشاة وكان الحب آونة ... مما يزين للمشعوف ما صنعا وذكر الراغب أنه من شعفة القلب وهي رأسه عند معلق النياط، ويقال: لأعلى الجبل شعفة أيضا، وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس أن الشغف الحب القاتل، والشعف حب دون ذلك، وأخرجا عن الشعبي أن الشغف الحب، والشعف الجنون، وأخرجا أيضا عن ابن زيد أن الشغف في الحب، والشعف في البغض، وهذا المعنى ممتنع الإرادة هنا على هذه القراءة، وفي كتاب أسرار البلاغة في فصل ترتيب الحب أن أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب، ثم الكلف وهو شدة الحب، ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار المسمى بالحب، ثم الشعف بالمهملة وهو احتراق القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج، ثم الشغف بالمعجمة وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، ثم التيم وهو أن يستعبده الحب، ثم التبل وهو أن يسقمه الحب، ثم التدله وهو ذهاب العقل من الحب، ثم الهيوم وهو أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه اهـ. ورتب بعضهم ذلك على طراز آخر والله تعالى أعلم، وأيا ما كان فالجملة إما خبر ثان أو حال من فاعل تُراوِدُ أو من مفعوله، والمقصود منها تكرير اللوم وتأكيد العذل ببيان اختلاف أحوالها القلبية كأحوالها القالبية، وجوز أبو البقاء كونها استئنافية فهي حينئذ على ما قيل: في موضع التعليل لدوام المراودة، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأجلى، وإن اعتبر من حيث اللمية كان فيه ميل إلى تمهيد العذر من قبلها وليس المقام له، وانتصاب حُبًّا على التمييز وهو محول عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبه كما أشير إليه، وأدغم النحويان، وحمزة، وهشام، وابن محيصن دال قَدْ في شين شغفها. إِنَّا لَنَراها أي نعلمها، فالرؤية قلبية واستعمالها بمعنى العلم حقيقة كاستعمالها بمعنى الإحساس بالبصر، وإذا أريد منها البصرية ثم تجوز بها عن العلمية كان أبلغ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة فِي ضَلالٍ عظيم عن طريق الرشد والصواب أو سنن العقل مُبِينٍ واضح لا يخفى كونه ضلالا على أحد، أو مظهر لأمرها بين الناس، فالتنوين للتفخيم والجملة مقرّرة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع، وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلال مبين إشعارا كما قيل: بأن ذلك الحكم

стр. 2559

غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه، وصح اللوم على الشغف قيل: لأنه اختياري باعتبار مباديه كما يشير إليه قوله: مازحته فعشقته ... والعشق أوله مزاح وإلّا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله: يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم وقيل: اللوم عليه باعتبار الاسترسال معه وترك علاجه فإنهم صرحوا بأن ذلك من جملة الأدواء، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا، ومن أحسن ما ذكر له من ذلك تذكر مساوئ المحبوب والتفكر في عواقبه فقد قيل: لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه وتمام الكلام في هذا المقام يطلب في محله فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي باغتيابهن وسوء مقالتهن، وتسمية ذلك مكرا لشبهه له في الإخفاء، وقيل: كانت استكتمتهن سرها فأفشينه وأطلعن على أمرها، وقيل: إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته والمكر على هذين القولين حقيقة أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع المذكورات، وروي ذلك عن وهب، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها وَأَعْتَدَتْ أي هيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس، وهو من الاتكاء الميل إلى أحد الشقين، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاء وأدغمت في مثلها، وروي عن الحبر أيضا أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكؤون له كعادة المترفين المتكبرين، ولذلك نهي عنه، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئا، وقيل: أريد به نفس الطعام قال العتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا ومن ذلك قول جميل: فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله وهو على هذا اسم مفعول أي متكئا له أو مصدر أي اتكاء، وعبر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازا، وقيل: هو من باب الكناية، وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزا بالسكين واختلفوا في تعيينه، فقيل: كان لحما وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزا بالسكاكين، وقيل: كان أترجا، وموزا، وبطيخا، وقيل: الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو شيء شبيه بالأترج، وأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من يقطع شيئا أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه، وقرأ الزهري، وأبو جعفر، وشيبة- متكي- مشدد التاء من غير همز بوزن متقي وهو حينئذ إما أن يكون من الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت: توضيت، أو يكون مفتعلا من أو كيت السقاء إذا شددته بالوكاء والمعنى اعتدت لهن ما يشتد عليه بالاتكاء أو بالقطع بالسكين، وقرأ الأعرج متكئا على وزن مفعلا من تكأ يتكأ إذ اتكأ، وقرأ الحسن، وابن هرمز متكئا بالمد والهمز وهو مفتعل من الاتكاء إلّا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم، ومنه قوله: وأنت من الغوائل حين ترمي ... وعن ذم الرجال بمنتزاح وقوله: ينباع من ذفرى عضوب حسرة ... زيافة مثل الفنيق المكرم (١)

стр. 2560

وقرأ ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة، وآخرون (١) بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضا، وهو الأترج- عند الأصمعي، وجماعة- والواحد متكة، وأنشد: فأهدت متكة لبني أبيها ... تخب بها العثمثمة الوقاح وقيل: هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين- كالأترج، وغيره- من الفواكه، وأنشد: نشرب الإثم بالصواع جهارا ... ونرى المتك بيننا مستعارا وهو من متك الشيء بمعنى بتكه أي قطعه، وعن الخليل تفسير المتك مضموم الميم بالعسل، وعن أبي عمرو تفسيره بالشراب الخالص، وحكى الكسائي تثليث ميمه، وفسره بالفالوذج، وكذا حكى التثليث المفضل لكن فسره بالزماورد، وذكر أنه بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة، وبالفتح قرأ عبد الله، ومعاذ رضي الله تعالى عنهما، وفي الآية على سائر القراءات حذف أي فجئن وجلسن وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً. وقال بعض المحققين: لا يبعد أن تسمى هذه الواو فصيحة، وإنما أعطت كل واحدة ذلك لتستعمله في قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن، وغرضها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن لتبكتهنّ بالحجة. وقيل: غرضها ذاك والتهويل على يوسف ﵇ من مكرها إذا أخرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن الخناجر توهمه أنهن يثبن عليه فيكون خائفا من مكرها دائما فلعله يجيبها إلى مرادها، والسكين مذكر عند السجستاني قال: وسألت أبا زيد الأنصاري، والأصمعي، وغيرهم ممن أدركناه فكلهم يذكره وينكر التأنيث فيه، وعن الفراء أنه يذكر ويؤنث، وذلك حكي عن اللحياني، ويعقوب، ومنع بعضهم أن يقال: سكينة، وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك وهو قوله: الذئب سكينته في شدقه ... ثم قرابا نصلها في حلقه وَقالَتِ ليوسف ﵇ وهن مشغولات بمعالجة السكاكين وإعمالها فيما بأيديهن، والعطف بالواو ربما يشير إلى أن قوله: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهنّ ليتم غرضها بهن. والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلّا لمجرد أن يرينه فيحصل مرامها، وقيل: أمرته بالخروج عليهن للخدمة أو للسلام، وقد أضمرت مع ذلك ما أضمرت يحكى أنها ألبسته ثيابا بيضا في ذلك اليوم لأن الجميل أحسن ما يكون في البياض فَلَمَّا رَأَيْنَهُ عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه، وإنما حذف على ما قيل: تحقيقا لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن (٢) ، وفيه إيذان بسرعة امتثاله ﵇ بأمرها فيما لا يشاهد مضرته من الأفاعيل، ونظير هذا آت كما مر آنفا أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع الرائق، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وأخرج ابن جرير، وغيره عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر، وحكي أنه ﵇ كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس، وجاء عن الحسن أنه أعطي ثلث الحسن، وفي رواية عن أنس مرفوعا أنه ﵇ أعطي هو وأمه شطر

стр. 2561

الحسن (١) وتقدم خبر أنه ﵇ كان يشبه آدم ﵇ يوم خلقه ربه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى أكبرن حضن، ومن ذلك قوله: يأتي النساء على أطهارهن ولا ... يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لكون البلوغ يعرف به فكأنه يدخل الصغار سن الكبر فيكون في الأصل كناية مجازا، والهاء على هذا إما ضمير المصدر فكأنه قيل: أكبرن إكبارا، وإما ضمير يوسف ﵇ على إسقاط الجار أي حضن لأجله من شدّة شبقهن، والمرأة كما زعم الواحدي إذا اشتدّ شبقها حاضت ومن هنا أخذ المتنبي قوله: خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... إذا لحت حاضت في الخدور العوائق وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله: وأحر قلباه ممن قلبه شبم على تسليم صحته ضعيف في العربية واعترض في الكشف التخريجين الأولين فقال: إن نزع الخافض ضعيف لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما يخفى. وأنكر أبو عبيدة مجيء أكبرن بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري، وابن عطية، وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد، وهو- وإن روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس- لا يعول عليه فقد قالوا: إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم. وعن الكميت الشاعر تفسير أكبرن بأمنين، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدم تخريجا وقبولا، وأنا لا أرى الكميت من خيل هذا الميدان وفرسان ذلك الشان وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهاج الاختيار حتى لم يعلمن بما عملن ولم يشعرن بمألم ما نالهن، وهذا كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، وهو معنى حقيقي للتقطيع عند بعض. وفي الكشف إنه معنى مجازي على الأصح، والتضعيف للتكثير إما بالنسبة لكثرة القاطعات، وإما بالنسبة لكثرة القطع في يد كل واحدة منهن. وأخرج ابن المنذر، وغيره عن مجاهد أنه فسر التقطيع بالإبانة، والمعنى الأول أسرع تبادرا إلى الذهن، وحمل الأيدي على الجوارح المعلومة مما لا يكاد يفهم خلافه، ومن العجيب ما روي عن عكرمة من أن المراد بها الأكمام، وأظن أن منشأ هذا محض استبعاد وقوع التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر، ولعمري لو عرض ما قاله على أدنى الأفهام لاستبعدته وَقُلْنَ تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من قدرته جلّ وعلا على مثل ذلك الصنع البديع حاشَ لِلَّهِ أصله حاشا الله بالألف كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا، وهو

стр. 2562

على ما قيل: حرف وضع للاستثناء والتنزيه معا ثم نقل وجعل اسما بمعنى التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء ولم ينون مراعاة لأصله المنقول عنه، وكثيرا ما يراعون ذلك ألا تراهم قالوا: جلست من عن يمينه؟ فجعلوا- عن- اسما ولم يعربوه، وقالوا: غدت من عليه فلم يثبتوا ألف على مع المضمر كما أثبتوا ألف فتى في فتاة كل ذلك مراعاة للأصل، واللام للبيان فهي متعلقة بمحذوف، ورد في البحر دعوى إفادته التنزيه في الاستثناء بأن ذلك غير معروف عند النحاة، ولا فرق بين قام القوم إلّا زيدا، وحاشا زيدا، وتعقب بأن عدم ذكر النحاة ذلك لا يضر لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم، واعترض بعضهم حديث النقل بأن الحرف لا يكون اسما إلّا إذا نقل وسمي به وجعل علما، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل بمعنى برىء الله تعالى من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ، وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل: إن أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر وهو المنقول عن الزجاج، نعم ذهب المبرد، وأبو علي، وابن عطية، وجماعة إلى أنه فعل ماض بمعنى جانب، وأصله من حاشية الشيء وحشيه أي جانبه وناحيته، وفيه ضمير يوسف واللام للتعليل متعلقة به أي جانب يوسف ما قرف به لله تعالى أي لأجل خوفه ومراقبته، والمراد تنزيهه وبعده كأنه صار في جانب عما اتهم به لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة ﵊، ولا يخفى أنه على هذا يفوت معنى التعجب، واستدل على اسميتها بقراءة أبي السمال «حاشا لله» بالتنوين، وهو في ذلك على حد: سقيا لك، وجوز أن يكون اسم فعل والتنوين كما في صه، وكذا بقراءة أبي، وعبد الله (١) رضي الله تعالى عنهما- حاشا الله- بالإضافة كسبحان الله، وزعم الفارسي أن حاشَ في ذلك حرف جر مرادا به الاستثناء كما في قوله: حاشا أبي ثوبان إن أبا ... ثوبان ليس ببكمة فدم ورد بأنه يتقدمه هنا ما يستثنى منه، وجاء في رواية عن الحسن أنه قرأ- حاش لله- بسكون الشين وصلا ووقفا مع لام الجر في الاسم الجليل على أن الفتحة اتبعت الألف في الإسقاط لأنها كالعرض اللاحق لها، وضعفت هذه القراءة بأن فيها التقاء الساكنين على غيره حده، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ- حاش الإله- وقرأ الأعمش- حشا لله- بحذف الألف الأولى، هذا واستدل المبرد، وابن جني، والكوفيون على أن- حاش- قد تكون فعلا بالتصرف فيها بالحذف كما علمت في هذه القراءات، وبأنه قد جاء المضارع منها كما في قول النابغة: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا- أحاشى- من الأقوام من أحد ومقصودهم الرد على- س- وأكثر البصرية حيث أنكروا فعليتها، وقالوا: إنها حرف دائما بمنزلة إلّا لكنها تجر المستثنى، وكأنه لم يبلغهم النصب بها كما في قوله حاشا قريشا فإن الله فضلهم وربما يجيبون عن التصرف بالحذف بأن الحذف قد يدخل الحرف كقولهم: أما والله، وأم والله، نعم ردّ عليهم أيضا بأنها تقع قبل حرف الجر، ويقابل هذا القول ما ذهب إليه الفراء من أنها لا تكون حرفا أصلا بل هي فعل دائما ولا فاعل لها، والجر الوارد بعدها كما في حاشاي إني مسلم معذور والبيت المار آنفا بلام مقدرة، والحق أنها تكون فعلا تارة فينصب ما بعدها ولها فاعل وهو ضمير مستكن فيها وجوبا يعود إما على البعض المفهوم من الكلام، أو المصدر المفهوم من الفعل، ولذا لم يثن، ولم يجمع، ولم يؤنث، وحرفا أخرى ويجر ما بعدها، ولا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة عند ابن هشام، أو تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه عند بعض، ولا تدخل عليها إلّا كما إذا كانت فعلا خلافا للكسائي في زعمه جواز ذلك إذا

стр. 2563

جرت، وأنها إذا وقعت قبل لام الجر كانت اسم مصدر مرادفا للتنزيه، وتمام الكلام في محله ما هذا بَشَراً نفين عنه البشرية لما شاهدن من جماله الذي لم يعهد مثاله في النوع الإنساني، وقصرهن على الملكية بقولهن: إِنْ هذا أي ما هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أي شريف كثير المحاسن بناء على ما ركز في الطباع من أنه لا حي أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ولذا لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وإن لم يرهما أحد، وأنشدوا لبعض العرب: فلست لأنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب وكثر في شعر المحدثين ما هو من هذا الباب، ومنه قوله: ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا وغرضهن من هذا وصفه بأنه في أقصى مراتب الحسن والكمال الملائم لطباعهن، ويعلم مما قرر ان الآية لا تقوم دليلا على أن الملك أفضل من بني آدم كما ظن أبو علي الجبائي، واتباعه، وأيده الفخر- ولا فجر له- بما أيده، وذهب غير واحد إلى أن الغرض تنزيهه ﵇ عما رمي به على أكمل وجه، وافتتحوا ذلك- بحاشا لله- على ما هو الشائع في مثل ذلك، ففي شرح التسهيل الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدؤوا تبرئة الله سبحانه من السوء ثم يبرئون من أرادوا تبرئته على معنى أن الله تعالى منزه عن أن لا يطهره مما يضيمه فيكون آكد وأبلغ، والمنصور ما أشير إليه أولا وهو الذي يقتضيه السياق والسباق، نعم هذا الاستعمال ظاهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النسوة: حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ [يوسف: ٥١] وما عاملة عمل ليس وهي لغة للحجازيين لمشابهتها لها في نفي الحال على ما هو المشهور في ليس من أنها لذلك أو في مطلق النفي بناء على ما قال الرضي من أنها ترد لنفي الماضي، والمستقبل، والغالب على لغتهم جر الخبر بالباء حتى إن النحويين لم يجدوا شاهدا على النصب في أشعارهم غير قوله: وأنا النذير بحرة مسودة ... تصل الجيوش إليكم قوادها أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها والزمخشري يسمي هذه اللغة: اللغة القدمى الحجازية، ولغة بني تميم في مثل ذلك الرفع، وعلى هذا جاء قوله: ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب ... فأجاب ما قتل المحب حرام وبلغتهم قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وزعم ابن عطية أنه لم يقرأ بها أحد هنا، وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي ما هذا بشرى- بالباء الجارة، وكسر الشين على أن شرى- كما قال صاحب اللوائح- مصدر أقيم مقام المفعول به (١) أي ما هذا بمشرى أي ليس ممن يشترى بمعنى أنه أعز من أن يجري عليه ذلك. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو أيضا إلا أنه روي عنه أنه مع ذلك كسر اللام من ملك، وروى الكسر بن عطية عن الحسن، وأبي الحويرث أيضا، والمراد إدخاله في حيز الملوك بعد، ففي كونه مما يصلح للملوكية فبين الجملتين تناسب ظاهر، وكأن بعضهم لم ير أن من قرأ بذلك قرأ أيضا «ملك» بكسر اللام فقال: لتحصيل التناسب بينهما في تفسير ذلك أي ما هذا بعبد مشترى لئيم (٢) ، وعلى التقديرين لا يقال: إن هذه القراءة

стр. 2564

مخالفة لمقتضى المقام، نعم إنها مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب ذلك بالياء فيه. قالَتْ فَذلِكُنَّ الفاء فصيحة والخطاب للنسوة والإشارة- حسبما يقتضيه الظاهر- إلى يوسف ﵇ بالعنوان الذي وصفته به الآن من الخروج في الحسن والكمال عن المراتب البشرية، والاقتصار على الملكية أو بعنوان ما ذكر مع الأخبار وتقطيع الأيدي بسببه أيضا، فاسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره، والمعنى إن كان الأمر كما قلتن فذلكن الملك الكريم الخارج في الحسن عن المراتب البشرية، أو الذي قطعتن أيديكن بسببه وأكبرتنه ووصفتنه بما وصفتنه هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي عيرتنني في الافتنان فيه أو بالعنوان الذي وصفنه به فيما سبق بقولهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني، فاسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف دخلت الفاء عليه بعد حذفه، والموصول صفة اسم الإشارة أي فهو ذلكن العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن وقلتن فيه وفيّ ما قلتن، فالآن قد علمتن من هو وما قولكن فينا، وقيل (١) : أرادت هذا ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه على معنى أنكن لم تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به، والإشارة بما يشار به إلى البعيد مع قرب المشار إليه وحضوره قيل: رفعا لمنزلته في الحسن واستبعادا لمحله فيه، وإشارة إلى أنه لغرابته بعيد أن يوجد مثله. وقيل: إن يوسف ﵇ كان في وقت اللوم غير حاضر وهو عند هذا الكلام كان حاضرا فإن جعلت الإشارة إليه باعتبار الزمان الأول كانت على أصلها، وإن لوحظ الثاني كان قريبا، وكانت الإشارة بما ذكر لتنزيله لعلو منزلته منزلة البعيد، واحتمال أنه ﵇ أبعد عنهن وقت هذا الكلام لئلا يزددن دهشة وفتنة ولذا أشير إليه بذلك بعيد. وجوز ابن عطية كون الإشارة إلى حب يوسف ﵇، وضمير فِيهِ عائد إليه، وجعل الإشارة على هذا إلى غائب على بابها ويبعده على ما فيه وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وهو إباحة منها ببقية سرها بعد أن أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله ما أصابها (٢) أي والله لقد راودته حسبما قلتن وسمعتن فَاسْتَعْصَمَ قال ابن عطية: أي طلب العصمة وتمسك بها وعصاني. وفي الكشاف أن الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو مجتهد في الاستزادة منها، ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب اهـ. وفي البحر والذي ذكره الصرفيون في «استعصم» أنه موافق لاعتصم، وأما استمسك واستوسع واستجمع فاستغفل فيه أيضا موافقة لافتعل، والمعنى امتسك واتسع واجتمع، وأما استفحل فاستفعل فيه موافقة لتفعل أي تفحل نحو استكبر وتكبر، فالمعنى فامتنع عما أرادت منه وبالامتناع فسرت العصمة على إرادة الطلب لأنه هو معناها لغة، قيل: وعنت بذلك فراره ﵇ منها فإنه امتنع منها أولا بالمقال ثم لما لم يفده طلب ما يمنعه منها بالفرار، وليس المراد بالعصمة ما أودعه الله تعالى في بعض أنبيائه ﵈ مما يمنع عن الميل للمعاصي فإنه معنى عرفي لم يكن قبل بل لو كان لم يكن مرادا كما لا يخفى، وتأكيد الجملة بالقسم مع أن مضمونها من مراودتها له عن نفسه مما تحدث به النسوة لإظهار ابتهاجها بذلك.

стр. 2565

وقيل: إنه باعتبار المعطوف وهو الاستعصام كأنها نظمته لقوة الداعي إلى خلافه من كونه ﵇ في عنفوان الشباب ومزيد اختلاطه معها ومرادوتها إياه مع ارتفاع الموانع فيما تظن في سلك ما ينكر ويكذب المخبر به فأكدته لذلك وهو كما ترى، وفي الآية دليل على أنه ﵇ لم يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس، وليت السدي لو كان قد سد فاه عن قوله: فَاسْتَعْصَمَ بعد حل سراويله، ثم إنها بعد أن اعترفت لهن بما سمعنه وتحدثهن به وأظهرت من إعراضه عنها واستعصامه ما أظهرت ذكرت أنها مستمرة على ما كانت عليه لا يلويها عنها لوم ولا إعراض فقالت: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ أي الذي آمر به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى- فما- موصولة والجملة بعدها صلة والعائد الهاء، وقد حذف حرف الجر منه فاتصل بالفعل وهذا أمر شائع مع- أمر- كقوله: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ومفعول- أمر- الأول إما متروك لأن مقصودها لزوم امتثال ما أمرت به مطلقا كما قيل، وإما محذوف لدلالة يَفْعَلْ عليه وهو ضمير يعود على يوسف أي ما آمره به. وجوز أن يكون الضمير الموجود هو العائد على يوسف والعائد على الموصول محذوف أي به، ويعتبر الحذف تدريجا لاشتراطهم في حذف العائد المجرور بالحرف كونه مجرورا بمثل ما جرّ به الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا، وإذا اعتبر التدريج في الحذف يكون المحذوف منصوبا، وكذا يقال في أمثال ذلك. وقال ابن المنير في تفسيره: إن هذا الجار مما أنس حذفه فلا يقدر العائد إلّا منصوبا مفصولا كأنه قيل: أمر يوسف إياه لتعذر اتصال ضميرين من جنس واحد، ويجوز أن تكون ما مصدرية فالضمير المذكور ليوسف أي لئن لم يفعل أمري إياه، ومعنى فعل الأمر فعل موجبه ومقتضاه فهو إما على الإسناد المجازي أو تقدير المضاف، وعبرت عن مراودتها بالأمر إظهارا لجريان حكومتها عليه واقتضاء للامتثال لأمرها لَيُسْجَنَنَّ بالنون الثقيلة آثرت بناء الفعل للمفعول جريا على رسم الملوك. وجوز أن يكون إيهاما لسرعة ترتب ذلك على عدم امتثاله لأمرها كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل. وَلَيَكُوناً بالمخففة مِنَ الصَّاغِرِينَ أي الأذلاء المهانين، وهو من صغر كفرح، ومصدر صغر بفتحتين، وصغرا بضم فسكون، وصغار بالفتح، وهذا في القدر، وأما في الجثة والجرم فالفعل صغر ككرم، ومصدره صغر كعنب، وجعل بعضهم الصغار مصدرا لهذا أيضا، وكذا الصغر بالتحريك، والمشهور الأول، وأكدت السجن بالنون الثقيلة قيل: لتحققه، وما بعده بالنون الخفيفة لأنه غير متحقق. وقيل: لأن ذلك الكون من توابع السجن ولوازمه، فاكتفت في تأكيده بالنون الخفيفة بعد أن أكدت الأول بالثقيلة، وقرأت فرقة بالتثقيل فيهما وهو مخالف لرسم المصحف لأن النون رسمت فيه بالألف- كنسفعا- على حكم الوقف وهي يوقف عليها بالألف كما في قول الأعشى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا ... وذلك في الحقيقة لشبهها بالتنوين لفظا لكونها نونا ساكنة مفردة تلحق الآخر، واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه سادّ مسدّ الجوابين، ولا يخفى شدة ما توعدت به كيف وأن للذل تأثيرا عظيما في نفوس الأحرار وقد يقدمون الموت عليه وعلى ما يجرّ إليه، قيل: ولم تذكر العذاب الأليم الذي ذكرته في ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً [يوسف: ٢٥] إلخ لأنها إذ ذاك كانت في طراوة غيظها ومتنصلة من أنها هي التي راودته فناسب هناك التغليظ بالعقوبة، وأما هنا فإنها في طماعية ورجاء، وإقامة عذرها عند النسوة فرقت عليه فتوعدته بالسجن وما هو من فروعه ومستتبعاته، وقيل: إن قولها: لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ إنما أتت به بدل قولها هناك: عَذابٌ أَلِيمٌ ذله بالقيد أو بالضرب أو بغير ذلك،

стр. 2566

لكن يحتمل أنها أرادت بالذل والعذاب الأليم ما يكون بالضرب بالسياط فقط، أو ما يكون به أو بغيره، أو أرادت بالذل ما يكون بالضرب، وبالعذاب الأليم ما يكون به، أو بغيره أو العكس وكيفما كان الأمر فما طلبته هنا أعظم مما لوحت بطلبه هناك لمكان الواو هنا وأو هناك، ولعلها إنما بالغت في ذلك بمحضر عن تلك النسوة لمزيد غيظها بظهور كذبها وصدقه وإصراره على عدم بلّ غليلها، ولتعلم يوسف ﵇ أنها ليست في أمرها على خيفة ولا خفية من أحد، فيضيق عليه الحيل ويعيي به العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها فتدبر قالَ استئناف بياني كأن سائلا يقول: فماذا صنع يوسف حينئذ؟ فقيل: قالَ مناجيا لربه رَبِّ السِّجْنُ الذي وعدتني بالإلقاء فيه، وهو اسم للمحبس، وقرأ عثمان مولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق وابن هرمز ويعقوب «السّجن» بفتح السين على أنه مصدر سجنه أي حبسه، وهو في القراءتين مبتدأ خبره ما بعده، وقرأ «ربّ» بالضم، و «السّجن» بكسر السين والجر على الإضافة- فرب- حينئذ مبتدأ والخبر هو الخبر، والمعنى على ما قيل: لقاء صاحب السجن أو مقاساة أمره أَحَبُّ إِلَيَّ أي آثر عندي لأن فيه مشقة قليلة نافذة إثرها راحات كثيرة أبدية مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاوة والعذاب الأليم، وصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له ﵇ شائبة محبة لما يدعونه إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن، والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة لها على مطلوبها خوفا من الحبس، والاقتصار على السجن لكون الصغار من مستتبعاته على ما قيل، وقيل: اكتفى ﵇ بذكر السجن عن ذكره لوفائه بالغرض وهو قطع طمعها عن المساعدة خوفا مما توعدته به لأنها تظن أن السجن أشد عليه من الصغار بناء على زعمها أنه فتاها حقيقة وأن الفتيان لا يشق عليهم ذلك مشقة السجن، ومتى كان الأشد أحب إليه مما يدعونه إليه كان غير الأشد أحب إليه من باب أولى، وفيه منع ظاهر، وإسناد الدعوة إليهن لأنهن خوفنه عن مخالفتها وزيّن له مطاوعتها، فقد روي أنهنّ قلن له: أطع مولاتك واقض حاجتها لتأمن من عقوبتها فإنها المظلومة وأنت الظالم، وروي أن كلّا منهنّ طلبت الخلوة لنصيحته فلما خلت به دعته إلى نفسها، وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أن كل واحدة منهن أرسلت إليه سرا تسأله الزيارة، فإسناد ذلك إليهنّ لأنهن أيضا دعونه إلى أنفسهن صريحا أو إشارة. وفي أثر ذكره القرطبي أنه ﵇ لما قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إلخ أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت: العافية أحب إلي عوفيت، ولذلك رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على من كان يسأل الصبر، فقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل عنه ﵊ أنه سمع رجلا وهو يقول: «اللهم إني أسألك الصبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: سألت الله تعالى فاسأله العافية» . وَإِلَّا تَصْرِفْ أي وإن لم تدفع عَنِّي كَيْدَهُنَّ في تحبيب ذلك إلي وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أمل على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية إلى إجابتهن بمواتاتها أو إلى أنفسهن وهو كناية عن مواتاتهن، وهذا فزع منه ﵇ إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء ﵈ والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله تعالى وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه سبحانه في صرف كيدهن بإظهار أنه لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث: أدركني وإلّا هلكت، لا أنه ﵇ يطلب الإجبار الإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى السوء كذا قرّره المولى أبو السعود وهو معنى لطيف وقد أخذه من كلام الزمخشري لكن قال القطب، وغيره: إنه فرار إلى الاعتزال وإشارة إلى جواب استدلال الأشاعرة بهذه الآية على أن العبد لا ينصرف عن المعصية إلّا إذا صرفه الله تعالى وقد قرّر

стр. 2567

ذلك الإمام بما قرّره فليراجع وليتأمل، وأصل إِلَّا إن لا فهي مركبة من إن الشرطية ولا النافية كما أشرنا إليه، وقد أدغمت فيه النون باللام وأَصْبُ من صبا يصبو صبوا وصبوة إذا مال إلى الهوى، ومنه الصبا للريح المخصوصة لأن النفوس تميل إليها لطيب نسيمها وروحها مضارع مجزوم على أنه جواب الشرط، والجملة الشرطية عطف على قوله: السِّجْنُ أَحَبُّ وجيء بالأولى اسمية دون الثانية لأن أحبيته السجن مما يدعونه إليه كانت ثابتة مستمرة ولا كذلك الصرف المطلوب، وقرىء «أصب» من صبيت صبابة إذا عشقت، وفي البحر الصبابة إفراط الشوق كأن صاحبها ينصب فيما يهوى، والفعل مضمن معنى الميل أيضا ولذا عدي بإلى أي أصب مائلا إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ أي الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح، فالجهل بمعنى السفاهة ضد الحكمة لا بمعنى عدم العلم، ومن ذلك قوله: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

стр. 2568

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ [يوسف: ٣٤- ٥٢] أي أجاب له على أبلغ وجه دعاءه الذي تضمنه قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ إلخ فإنه في قوة قوله: اصرفه عني بل أقوى منه في استدعاء الصرف على ما علمت، وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافا إلى ضميره ﵇ ما لا يخفى من إظهار اللطف، وزاد حسن موقع ذلك افتتاح كلامه ﵇ بندائه تعالى بعنوان الربوبية فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حسب دعائه بأن ثبته على العصمة والعفة وحال بينه وبين المعصية إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء المتضرعين إليه الْعَلِيمُ بأحوالهم وما انطوت عليه نياتهم وبما يصلحهم لا غيره سبحانه ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ربما اكتفوا بأمر يوسف ﵇ بالكتمان والإعراض عن ذلك مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الصارفة لهم عن ذلك البدا وهي الشواهد الدالة على براءته ﵇ وطهارته من قد القميص وقطع النساء أيديهن، وعليهما اقتصر قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير، وفيه إطلاق الجمع على اثنين والأمر فيه هين، وعن مجاهد الاقتصار على القد فقط لأن القطع ليس من الشواهد الدالة على البراءة في شيء حينئذ للتعظيم، ويحمل الجمع حينئذ على التعظيم أو أل على الجنسية وهي تبطل معنى الجمعية كذا قيل، وهو كما ترى، ووجه بعضهم عدّ القطع من الشواهد بأن حسنه ﵊ الفاتن للنساء في مجلس واحد، وفي أول نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى وأن الطلب منها لا منه، وعدّ بعضهم استعصامه ﵇ عن النسوة إذ دعونه إلى أنفسهن فإن العزيز وأصحابه قد سمعوه وتيقنوا به حتى صار كالمشاهد لهم، ودلالة ذلك على البراءة ظاهرة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الآيات فقال: ما سألني عنها أحد قبلك من الآيات: قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين فعدّ رضي الله تعالى عنه الأثر من الآيات ولم يذكر فيما سبق، ومن هنا قيل: يجوز أن يكون هناك آيات غير ما ذكر ترك ذكرها كما ترك ذكر كثير من معجزات الأنبياء ﵈، وفاعل بَدا ضمير يعود إما للبداء مصدر الفعل المذكور أو بمعنى الرأي كما في قوله: لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء وإما للسجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه: لَيَسْجُنُنَّهُ وجملة القسم وجوابه إما مفعول لقول مضمر وقع حالا من ضميرهم وإلى ذلك ذهب المبرد، وإما مفسرة للضمير المستتر في بَدا فلا موضع لها. وقيل: إن جملة لَيَسْجُنُنَّهُ جواب- لبدا- لأنه من أفعال القلوب، والعرب تجريها مجرى القسم وتتلقاها بما يتلقى به، وزعم بعضهم أن مضمون الجملة هو فاعل بَدا كما قالوا في قوله سبحانه: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [طه: ١٢٨]

стр. 2569

وقوله تعالى: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [إبراهيم: ٤٥] أن الفاعل مضمون الجملة أي كثرة إهلاكنا وكيفية فعلنا، وظاهر كلام ابن مالك في شرح التسهيل أن الفاعل في ذلك الجملة لتأويلها بالمفرد حيث قال: وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل كما جاز في باب المبتدأ نحو سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦، يس: ١٠] وجمهور النحاة لا يجوزون ذلك كما حقق في موضعه. واختار المازني في الفاعل الوجه الأول، قيل: وحسن- بدا لهم- بداء- وإن لم يحسن ظهر لهم ظهور لأن البداء قد استعمل في غير المصدرية كما علمت، واختار أبو حيان الوجه الأخير وكونه ضمير السجن السابق على قراءة من فتح السين، باستنزال المرأة لزوجها ومطاوعته لها وحبه إياها وجعله زمام أمره بيدها. روي أنه ﵇ لما استعصم عنها ويئست منه قالت للعزيز: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فأبى ويصف الأمر حسبما يختار، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأكذبه، وإما أن تحبسه كما أني محبوسة فحبس ، قال ابن عباس: إنه أمر به ﵇ فحمل على حمار وضرب معه الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود سيدته فهذا جزاؤه، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما قال أبو صالح: كلما ذكر هذا بكى، وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها وبأعوانها. وقرأ الحسن- لتسجننه- على صيغة الخطاب بأن الخاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه التعظيم، أو خاطب به العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: إلى انقطاع المقال وما شاع في المدينة من الفاحشة، وهذا بادي الرأي عند العزيز، وأما عندها فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم، وقيل: الحين هاهنا خمس سنين، وقيل: بل سبع. وقال مقاتل: إنه ﵇ حبس اثنتي عشرة سنة، والأولى أن لا يجزم بمقدار، وإنما يجزم بالمدة الطويلة، والحين عند الأكثرين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل، وقد استعمل في غير ذلك كما ذكرناه في شرح القادرية. وقرأ ابن مسعود- عتى- بإبدال حاء حَتَّى عينا وهي لغة هذيل، وقد أقرأ رضي الله تعالى عنه بذلك إلى أن كتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن يقرىء بلغة قريش حَتَّى بالحاء وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد: أحدهما خبازه وصاحب طعامه، والآخر ساقيه وصاحب شرابه، وكان قد غضب عليهما الملك بسبب أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فضمنوا لهما مالا على أن يسمّاه في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك، ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك. وقبل الخباز الرشوة وسمّ الطعام فلما حضر بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم فقال للساقي: اشربه فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، لدابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما فاتفق أن أدخلا معه السجن، ولعله إنما عبر- بدخل- الظاهر في كون الدخول بالاختيار مع أنه لم يكن كذلك للإشارة على ما قيل: إلى أنهما لما رأيا يوسف هان عليهما أمر السجن لما وقع في قلوبهما من محبته. وهوى كل نفس حيث حل حبيبها. فقد أخرج غير واحد عن ابن إسحاق أنهما لما رأياه قالا له: يا فتى لقد والله أحببناك حين رأيناك، فقال لهما ﵇: أنشد كما الله تعالى أن لا تحباني فو الله ما أحبني أحد قط إلّا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي بحبها إياي بلاء فلا تحباني بارك الله تعالى فيكما فأبيا إلّا حبه والله حيث كان، وقيل: عبر بذلك لما أن ذكر مَعَهُ

стр. 2570

يفيد اتصافه ﵇ بما ينسب إليهما، والمناسب في حقه نسبة الدخول لمكان قوله ﵇: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لا الإدخال المفيد لسلب الاختيار، ولو عبر بادخل لأفاد ذلك نسبة الإدخال إليه فلم يكن بدّ من التعبير بالدخول ترجيحا لجانبه ﵇، والظاهر أن- مع- تدل على الصحبة والمقارنة لفاعل الفعل في ابتداء تلبسه بالفعل، فتفيد أن دخولهما مصاحبين له وأنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة، وتعقب أن هذا منتقض بقوله سبحانه: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ [النمل: ٤٤] حكاية عن بلقيس إذ ليس إسلامها مقارنا لابتداء إسلام سليمان ﵇، وأجيب بأن الحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما نحن فيه، فيحمل على الحقيقة، ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشري في قوله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] من أنه بيان متعلق بمحذوف لتعذر التعلق- ببلغ- أو السَّعْيَ معنى أو لفظا. وقال صاحب الكشف: إنه لا يتعين المحكي عنها لمعية الفاعل فجاز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلا، وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظن أنها على دين قبل وأنها كانت مسلمة فيما كانت تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام يعتدّ به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد، وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى، وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بدّ من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المعية ومطلق الجمع معلوم بالضرورة اهـ. وفرق بعضهم بي الفعل الممتدّ كالإسلام وغيره كالدخول بأن الأول لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلاف الثاني، وهو على ما قيل: راجع إلى الجمع وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ يحتاج إلى تأويل في آية فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ واختير أن المقارنة هي الأصل ولا يعدل عنها ما أمكنت فتأمل. وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده فضل تكمن، ولعل تقديم الظرف على السجن لأن الاهتمام بأمر المعية أشدّ من الاهتمام بأمره لما أنها المنشأ لما كان، وقيل: إنما قدم لأن تأخيره، يوهم أن يكون خبرا مقدما على المبتدأ، وتكون الجملة حالا من فاعل- دخل- وتعقب بأن حاصل التركيب الأول مصاحبة الفتيين له عند دخولهما، وحاصل الثاني مصاحبة الفتيين له عند دخوله، ويؤول الأمران إلى دخولهما ودخوله متصاحبين فإنهم. والجملة على ما قيل: معطوفة على محذوف ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فلما بدا لهم ذلك سجنوه وَدَخَلَ مَعَهُ إلخ، وقرأ السِّجْنَ بفتح السين على معنى موضع السجن قالَ استئناف مبني على سؤال من يقول: ما صنعا بعد ما دخلا؟ فأجيب بأنه قالَ أَحَدُهُما وهو الشرابي واسمه بنو إِنِّي أَرانِي أي رأيتني في المنام والتعبير بالمضارع لاستحضار الصور الماضية أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا، روي أنه قال: رأيت حبلة من كرم حسنة لها ثلاثة أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك، وسماه بما يؤول إليه لأن الخمر مما لا يعصر إذ عصر الشيء إخراج ما فيه من المائع بقوة، وكون العنب يؤول إلى الخمر وكون الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه لا يضر لأنه المقصود منه فما عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان بالنظر إلى المتعارف فيه، وقيل: الخمر بلغة غسان اسم للعنب، وقيل: في لغة أذرعان (١) ، وقرأ أبيّ وعبد الله- «أعصر عنبا» - قال في البحر: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتهما أَعْصِرُ خَمْراً انتهى، وقد أخرج القراءة كذلك عن

стр. 2571

الثاني البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، وذكروا أنه قال: والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هكذا فافهم. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة لأن العصر من أجلها فليس ذلك من مجاز الأول، والمشهور أنه منه كما قال الفراء: مؤنثة وربما ذكرت، وعن السجستاني أنه سمع التذكير ممن يوثق به من الفصحاء، ورأي الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متحدي المعنى، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، فلا يقال: أضربني ولا أكرمني، وحاصله أرى نفسي أعصر خمرا وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز واسمه مجلث (١) إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً، وفي مصحف ابن مسعود- ثريدا.. تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ وهذا كما قيل أيضا: تفسير لا قراءة، روي أنه قال: رأيت أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز والطير تأكل من أعلاه، والخبز معروف، وجمعه أخباز وهو مفعول أَحْمِلُ والظرف متعلق- بأحمل- وتأخيره عنه لما مرّ، وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا منه، وجملة تَأْكُلُ إلخ صفة له أو استئناف مبني على السؤال نَبِّئْنا أي أخبرنا بِتَأْوِيلِهِ بتعبيره وما يؤول إليه أمره، والضمير للرؤيتين بتأويل ما ذكر أو ما رؤي وقد أجري الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة (٢) فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما مرت الإشارة إليه غير مرة هذا إذا قالاه معا أو قاله أحدهما من جهتهما معا، وأما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالمرجع غير متعدد ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغة المتكلم مع الغير لاحتمال أن تكون واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: ٥١] فإنهم لم يخاطبوا دفعة بل خوطب كل منهم في زمان بصيغة مفردة خاصة به إِنَّا نَراكَ تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه ﵇ أي إنا نعتقدك مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي من الذين يحسنون تأويل الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها لهم تأويلا حسنا، وكان ﵇ حين دخل السجن قد قال: إني أعبر الرؤيا وأجيد أو من العلماء كما في قول علي كرم الله تعالى وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسنه وذلك لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: ابشروا واصبروا تؤجروا إن لهذا لأجرا فقالوا: يا فتى بارك الله تعالى فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله تعالى يعقوب بن ذبيح الله تعالى إسحاق بن خليل الله تعالى إبراهيم فقال له عامل السجن: يا فتى لو استطعت خليت سبيلك ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت، أو مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى أهل السجن أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادرا على ذلك، وإلى هذا ذهب الضحاك، أخرج سعيد بن منصور والبيهقي، وغيرهما عنه أنه سئل ما كان إحسان يوسف؟ فقال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه مكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في

стр. 2572

الحبس حسب عادتكما المطردة إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلّا حال ما نبأتكما به بأن بينت لكما ماهيته وكيفيته وسائر أحواله قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، وحاصله لا يأتيكما طعام إلّا أخبرتكما قبل إتيانه إياكما بأنه يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، وإطلاق التأويل على ذلك مع أن حقيقته في المشهور تفسير الألفاظ المراد منها خلاف الظاهر ببيان المراد بطريق الاستعارة فإن ذلك يشبه تفسير المشكل، أو أنه بالنسبة إلى الطعام المبهم بمنزلة التأويل بالنسبة إلى ما رؤي في المنام وشبيه له. ويحسن هذه الاستعارة ما في ذلك من المشاكلة لما وقع في عبارتهما من قولهما: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ وكون المراد بالتأويل الأمر الآيل لا المآل بناء على أنه في الأصل جعل شيء آئلا إلى شيء آخر وكما يجوز أن يراد به الثاني يجوز أن يراد به الأول، ويكون المعنى- إلّا نبأتكما بما يؤول إليه من الكلام- والخبر المطابق للواقع في غاية البعد بل لا يكاد يلتفت إليه كما لا يخفى على المنصف، وكأنه ﵇ أراد أن يعرض عليهما التوحيد ويزينه لهما ويقبح لهما الشرك الله تعالى قبل أن يجيبهما عما سألاه من تعبير رؤياهم ثم يجيبهما عن ذلك. وهذه طريقة على كل ذي عقل أن يسلكها مع الجهلة والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الإرشاد والنصيحة أولا ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجبه عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه، ولعل ذلك كان مفترضا عليه ﵇ فوصف نفسه أولا بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالمغيبات وجعله تخلصا لما أراد كالتخلصات المعروفة عندهم فإن الإخبار بالغيب يناسب ما سألاه من تأويل رؤياهما وأن من كان هكذا لا محالة يكون بغيره صادقا، ويقوي أمر المناسبة تخصيص الطعام بالذكر من بين سائر المغيبات كما لا يخفى، ويناسب ما أراده من الدعوة إلى التوحيد لأنه ثبت صدقه ونبوته وكونه من المرتضين عند الله تعالى الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وفي حكاية الله تعالى ذلك إرشاد لمن كان له قلب، وقد أدمج فيه أن وصف العالم نفسه لينتفع به لا يحرم ولا يعد ذلك من التزكية المحظورة، وإلى ما ذكرنا من حمل الإتيان على الإتيان في اليقظة ذهب غير واحد من الأجلة، وروي عن ابن جريج، وحمله بعضهم على الإتيان مناما، قال السدي وابن إسحاق: إنه ﵇ لما علم من رؤية الخباز أنه يقتل أخذ في حديث آخر تنسية لهما أمر المنام وطماعية في إيمانهما ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته فقال بعظيم علمه بالتعبير:- إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما ترزقانه إلّا أعلمتكما بما يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر ذلك- ولا يخفى أن حديث الطماعية المذكورة مما لا بأس إلّا أن حديث التنسية لا يخلو عن منع، وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج أخرجها ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه ما يقرب من هذا الحديث من وجه فإنه قال: إنه ﵇ كره العبارة لهما فأجابهما بأن له علما بما يأتيهما من الطعام ولم يصرح بما تدل عليه رؤياهما شفقة على الهالك منهما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما فأرسل به إليه فلما لم يكتفيا بذلك وطلبا منه التعبير أيضا دعاهما إلى التوحيد كراهة للعبارة أيضا، فلما لم يكتفيا عبر لهما وأوضح ما تدل عليه رؤياهما وهو كما ترى، وأيا ما كان فالضمير في تأويله يعود على الطعام، وجوز عوده على ما قصاه عليه من الرؤيتين على معنى (١) لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلّا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت، والمراد الأخبار بالاستعجال بالتنبئة، وفيه أنه خلاف الظاهر مع أن الأخبار بالاستعجال مما ليس فيه كثير مناسبة لما هو

стр. 2573

بصدده، وقد يقال: يجوز عود الضمير إلى ما قصاه ويكون المراد من الطعام المرزوق ما رأياه في النوم، ولا يخفى ما فيه أيضا لكن التأويل على هذين الوجهين لا يحتاج إلى التأويل بل يراد منه ما أريد من تأويله في كلامهما، وكذا الضمير المستتر في يَأْتِيكُما يعود على الطعام وعوده على التأويل وإن كان أقرب بعيد، ثم إنه ﵇ أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من علوم الكهنة والمنجمين بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء فقال: ذلِكُما ويروى أنهما قالا له: من أين لك ما تدعيه من العلم وأنك لست بكاهن ولا منجم؟! وقيل: قالا إن هذا كهانة أو تنجيم، فقال: أي ذلك التأويل، والكشف عن المغيبات، ومعنى البعد في ذلك للإشارة إلى بعد منزلته وعلو درجته مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي أو بنحو ذلك مما يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهل الكشف رضي الله تعالى عنهم، واقتصر بعضهم على الأول وادعى أن الآية دليل على أنه ﵇ كان إذ ذاك نبيا، وأيا ما كان فالمراد أن ذلك بعض مما علمنيه الله تعالى أو من ذلك الجنس الذي لا يناله إلّا الأصفياء، ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه قطرة من تيارها وزهرة من أزهارها وقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما تقدم وتعليلا له كأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم الجليلة الشأن؟ فقال: لأني تركت دين الكفر الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان. وقيل: تعليل للتعليم الواقع صلة وهو يؤدي إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيره وليس بمراد. وقيل: لمضمون الجملة الخبرية، وفيه أن ما ذكر ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه- أو لكونه من جنسه- بل لنفس التعليم، والمراد بالترك الامتناع فإنه لم يتلوث بتلك قط كما يفصح عنه ما يأتي من كلامه ﵇ قريبا إن شاء الله تعالى لكن عبر به عن ذلك استجلابا لهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها على أحسن وجه والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به سبحانه للتنصيص على أن عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليس بإيمان به تعالى كما يزعمونه، وأراد بأولئك القوم المتصفين بعنوان الصلة حيث كانوا، وقيل: أهل مصر فإنهم كانوا عبدة إذ ذاك وَهُمْ بِالْآخِرَةِ وما فيها من الجزاء هُمْ كافِرُونَ أي على الخصوص دون غيرهم من الكنعانيين الذين هم ملة إبراهيم ﵇ على ما يفيده توسيط ضمير الفصل هنا عند البعض، وذكر أن تقديم الضمير للتخصيص وتكريره للتأكيد، ولعله إنما أكد إنكارهم للمعاد لأنه كان أشد من إنكارهم للمبدأ فتأمل. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ داخل في حيز التعليل كأنه قال: إنما فزت بما فزت بسبب أني لم أتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد واتبعت ملة آبائي الكرام المؤمنين بذلك، وإنما قاله ﵇ ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال، وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه ﵈ لأن التخلية مقدمة على التحلية. وجوز بعضهم أن لا يكون هناك تعليل وإنما الجملة الأولى مستأنفة ذكرت تمهيدا للدعوة والثانية إظهارا لأنه من بيت النبوة لتقوى الرغبة فيه، وفي كلام أبي حيان ما يقتضي أنه الظاهر وليس بذاك، وقرأ الأشهب العقيلي والكوفيون «آبائي» بإسكان الياء وهي مروية عن أبي عمرو ما كانَ ما صح وما استقام فضلا عن الوقوع لَنا معاشر (١) الأنبياء لقوة نفوسنا، وقيل: أي أهل هذا البيت لوفور عناية الله تعالى بنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شيئا أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا عن الصنم الذي لا يسمع ولا يبصر- فمن- زائدة في المفعول به لتأكيد

стр. 2574

العموم، ويجوز أن يكون المعنى شيئا من الإشراك قليلا كان أو كثيرا فيراد من شَيْءٍ المصدر وأمر العموم بحاله، ويلزم من عموم ذلك عموم المتعلقات ذلِكَ أي التوحيد المدلول عليه بنفي صحة الشرك مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أي ناشىء من تأييده لنا بالنبوة والوحي بأقسامه، والمراد أنه فضل علينا بالذات وَعَلَى النَّاسِ بواسطتنا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي لا يوحدون، وحيث عبر عن ذلك بذلك العنوان عبر التوحيد الذي يوجبه بالشكر لأنه مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكر لله ، ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع الى الناس لزيادة التوضيح والبيان ولقطع توهم رجوعه إلى مجموع الناس وما كنى عنه- بنا- الموهم لعدم اختصاص غير الشاكر بالناس، وفيه من الفساد ما فيه، وجوز أن يكون المعنى ذلك التوحيد ناشىء من فضل الله تعالى علينا حيث نصب لنا أدلة ننظر فيها ونستدل بها على الحق، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس أيضا من غير تفاوت ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتباعا لأهوائهم فيبقون كافرين غير شاكرين، والفضل على هذا عقلي وعلى الأول سمعي، وجوز المولى أبو السعود أن يقال: المعنى ذلك التوحيد من فضل الله تعالى علينا حيث أعطانا عقولا ومشاعر نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاق، وقد أعطى سائر الناس أيضا مثلها ولكن أكثرهم لا يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر الى ما خلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الآفاقية والأنفسية والعقلية والنقلية انتهى، ولك أن تقول: يجوز أن تكون الإشارة إلى ما أشير إليه- بذلكما- ويراد منه ما يفهم مما قبل من علمه بتأويل الرؤيا، مِنْ في قوله مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تبعيضية، ويكون قد أخبر عنه أولا بأنه مما علمه إياه ربه وثانيا بأنه بعض فضل الله تعالى عليه وعلى آبائه بالذات وعلى الناس بواسطتهم لأنهم يعبرون لهم رؤياهم فيكشفون لهم ما أبهم عليهم ويزيلون عنهم ما أشغل أذهانهم مع ما في ذلك من النفع الذي لا ينكره إلّا نائم أو متناوم، ومن وقف على ما ترتب على تعبير رؤيا الملك من النفع الخاص والعام لم يشك في أن علم التعبير من فضل الله تعالى على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون فضل الله تعالى مطلقا أو فضله عليهم بوجود من يرجعون إليه في تعبير رؤياهم، ويكون ذلك نظير قولك لمن سألك عن زيد: ذلك أخي ذلك حبيبي، ولكنه وسط هاهنا ما وسط وتفنن في التعبير فأتى باسم الإشارة أولا مقرونا بخطابهما ولم يأت به ثانيا كذلك وأتى بالرب مضافا إلى ضميره أولا وبالاسم الجليل ثانيا، ويجوز أن يكون المشار إليه في الموضعين الإخبار بالمغيبات مطلقا، والكلام في سائر الآية عليه لا أظنه مشكلا، وعلى الوجهين لا ينافي تعليل نيل تلك الكرامة- بتركه ملة الكفرة واتباعه ملة آبائه الكرام- الإخبار بأن ذلك من فضل الله تعالى عليه وعلى من معه كما لا يخفى، نعم إن حمل الإشارة على ما ذكر وتوجيه الآية عليه بما وجهت لا يخلو عن بعد. ومن الناس من جعل الإشارة إلى النبوة وفيه ما فيه أيضا، هذا وأوجب الإمام كون المراد في قوله: لا يَشْكُرُونَ لا يشكرون الله تعالى على نعمة الإيمان، ثم قال: وحكي أن واحدا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر فقال: هل تشكر الله تعالى على الإيمان أم لا؟ فإن قلت: لا فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلا له؟! فقال بشر: إنا نشكره على أن أعطانا القدرة والعقل والآلة، وأما أن نشكره على الإيمان مع أنه ليس فعلا له فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس، فقال: إنا لا نشكر الله تعالى على الإيمان بل الله تعالى يشكره علينا كما قال سبحانه: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: ١٩] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل، وتعقب ذلك عليه الرحمة بأن الذي التزمه ثمامة باطل وهو على طرف الثمام بنص هذه الآية لأنه سبحانه بين فيها أن عدم الإشراك من فضل الله تعالى، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، وقد ذكر سبحانه ذلك على سبيل الذم فدل على أنه يجب على مؤمن أن يشكر الله تعالى على الإيمان لئلا يدخل في الذم وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة اه.

стр. 2575

ولعل الوجه في الآية ما تقدم فليفهم يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي يا صاحبي فيه إلّا أنه أضيف إلى الظرف توسعا كما في قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار ولعله إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، ويجوز أن يراد بالصحبة السكنى كما يقال: أَصْحابُ النَّارِ وأَصْحابُ الْجَنَّةِ [الحشر: ٢٠] لملازمتهم لهما، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى شبه المفعول عند أبي حيان وإلى المفعول عند غيره ولا اتساع في ذلك، وقيل: بل هناك اتساع أيضا، وأنه أضافهما إلى السجن دونه لكونهما كافرين وفيه نظر، ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثا لهما على الإقرار بالحق كأنه قال لهما: يا ساكني هذا المكان الشاق والمحل الضنك إني ذاكر لكم أمرا فقولوا. الحق فيه ولا تزيغوا عن ذلك فأنتم تحت شدة ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغ عن الحق، وإنما حمل الصاحب على ما سمعت لأن صاحب السجن في الاستعمال المشهور السجان أو الملك، والنداء- بيا- بناء على الشائع (١) من أنها للبعيد للإشارة إلى غفلتهما وهيمانهما في أودية الضلال، وقد تلطف ﵇ بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى حيث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بإبطال ما ألفاه دهرا طويلا ومضت عليه أسلافهما جيلا فجيلا فقال: أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ متعددون متكثرون يستعبدكما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف أي أعبادة أرباب متفرقين خَيْرٌ لكما أَمِ اللَّهُ أي أم عبادة الله سبحانه الْواحِدُ المنفرد بالألوهية الْقَهَّارُ الغالب الذي لا يغالبه أحد جلّ وعلا، وهو أولى مما قاله الخطابي من أنه الذي قهر الجبابرة بالعقوبة والخلق بالموت. وذكر الزمخشري أن هذا مثل ضرب لعبادة الله تعالى وحده ولعبادة الأصنام، واعترضه القطب بأن ذلك إنما يصح لو نسبا تارة إلى أرباب شتى وأخرى إلى رب واحد كما في قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ [الزمر: ٢٩] الآية لكنهما نسبا إلى أرباب وإلى الله تعالى، فكيف يكون مثلا؟! وأجاب بأن يفسر الله تعالى برب واحد لأنه في مقابلة أرباب، وإنما عبر عن رب واحد بالله تعالى لانحصاره فيه ﷻ . وقال الطيبي أيضا: إن في ذلك إشكالا لأن الظاهر من الآية نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وعبادته فأين المثل؟ ثم قال: لكن التقدير أسادات شتى تستعبد مملوكا واحدا خير من سيد واحد قهار فوضع موضع الرب، والسيد الله لكونه مقابلا لقوله: أَأَرْبابٌ فيكون كقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ الآية. وقرر في الكشف ما ادعى معه ظهور كونه مثلا طهورا لا إشكال فيه، والحق أنه ظاهر في نفي الاستواء وإن جعله مثلا يحتاج إلى تأويل حسبما سمعت عن الطيبي إلّا أنه لا يخلو عن لطف ولعله الأولى وإن أحوج إلى ما أحوج، وحمل التفرق على التفرق في العدد والتكاثر مما ذهب إليه غير واحد، وحمله بعضهم على الاختلاف في الكبر والصغر والشكل ونحو ذلك مما يحصل لها بواسطة تأثير الغير فيها، وجعله إشارة الى كونها مقهورة عاجزة. وأما التعدد فيشير إليه جمع أرباب باعتبار أنه جمع فيكون ذكر الْواحِدُ على هذا في مقابلة ما أشير إليه من التعدد، والْقَهَّارُ في مقابلة ما أشير إليه من المقهورية والعجز، والمعنى أمتعددون سميتموهم أربابا عجز مقهورون متأثرون من غيرهم خير أَمِ اللَّهُ أي صاحب هذا الاسم الجليل الْواحِدُ الذي يستحيل عليه التكثر بوجه من الوجوه الْقَهَّارُ الذي لا موجود إلّا وهو مسخر تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته.

стр. 2576

وقيل: المراد من مُتَفَرِّقُونَ مختلفو الأجناس والطبائع كالملك والجن والجماد مثلا، ويجوز أن يراد منه من لا ارتباط بينهم ولا اتفاق، وكثيرا ما يكنى بذلك عن العجز واختلال الحال، وقد استنبط الإمام من الآية غير ما حجة على بطلان عبادة الأصنام، وظاهر كلامه أنه لم يعتبرها مثلا فليتأمل، ثم إنه ﵇ زاد في الإرشاد ببيان سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار رأسا فضلا عن الألوهية، واخرج ذلك على أتم وجه فقال معمما للخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر كما هو الظاهر، وقيل: مطلقا، وقيل: من معهما من أهل السجن: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي من دون الله تعالى شيئا إِلَّا أَسْماءً أي ألفاظا فارغة لا مطابق لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداق إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلا فكانت عبادتهم لتلك الألفاظ فقط سَمَّيْتُمُوها جعلوها أسماء أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بمحض الجهل والضلالة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بتلك التسمية المستتبعة للعبادة مِنْ سُلْطانٍ أي حجة تدل على صحتها، قيل: كانوا يطلقون على معبوداتهم الباطلة اسم الآلهة ويزعمون الدليل على ذلك فردوا بأنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه هذا الاسم عقل ولا نقل ثم أخذتم تعبدون ذلك باعتبار ما تطلقونه عليه، وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه المقام من إسقاطها عن مرتبة الوجود وإيذانا بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود، ويلحق بهؤلاء الذين يزعمون أنهم يعبدون الله تعالى وهم يتخيلونه جسما عظيما جالسا فوق العرش أو نحو ذلك مما ينزهه العقل والنقل عنه تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا لأن ما وضع له الاسم الجليل في نفس الأمر ليس هو الذي تخيلوه بل هو أمر وراء ذلك وهو المستحق للعبادة وما وضعوه هم له ليس بآله في نفس الأمر ولا مستحق للعبادة وهو الذي عبدوه فما عبدوا في الحقيقة إلّا اسما لا مطابق له في الخارج لأن ما في الخارج أمر وما وضعوا الاسم له أمر آخر إِنِ الْحُكْمُ أي ما الحكم في شأن العبادة المتفرعة على تلك التسمية وفي صحتها إِلَّا لِلَّهِ عز سلطانه لأنه المستحق لها بالذات- إذ هو الواجب بالذات الموجد للكل والمالك لأمره- أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا أي بأن لا تعبدوا أحدا إِلَّا إِيَّاهُ حسبما يقتضي به قضية العقل أيضا، والجملة استئناف مبني على سؤال ناشىء من الجملة السابقة كأنه قيل: فماذا حكم الله سبحانه في هذا الشأن؟ فقيل: أَمَرَ إلخ، وقيل: في موضع التعليل لمحذوف كأنه قيل: حيث لم يكن الحكم في أمر العبادة إلّا له فلا تكون العبادة إلا له سبحانه أو لمن يأمر بعبادته وهو لا يأمر بذلك ولا يجعله لغيره لأنه سبحانه أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وهو خلاف الظاهر. وجوز أن يكون سرد هذه الجمل على هذا الطرز لسدّ الطرق في توجيه صحة عبادة الأصنام عليهم أحكم سدّ فإنهم إن قالوا: إن الله تعالى قد أنزل حجة في ذلك ردوا بقوله: ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ وإن قالوا: حكم لنا بذلك كبراؤنا ردوا بقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وإن قالوا: حيث لم ينزل حجة في ذلك ولم يكن حكم لغيره بقي الأمر موقوفا إذ عدم إنزال حجة تدل على الصحة لا يستلزم إنزال حجة على البطلان ردوا بقوله: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ أي تخصيصه تعالى بالعبادة الدِّينُ الْقَيِّمُ الثابت الذي دلت عليه البراهين العقلية والنقلية وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم تلك البراهين أو لا يعلمون شيئا أصلا فيعبدون أسماء سموها من عند أنفسهم معرضين عما يقتضيه العقل ويسوق إليه سائق النقل، ومنشأ هذا الإعراض الوقوف عند المألوفات والتقيد بالحسيات وهو مركوز في أكثر الطباع ومن ذلك جاء التشبيه، والتجسيم، ونسبه الحوادث الكونية الى الشمس والقمر وسائر الكواكب. ونحو ذلك، ثم إنه ﵇ بعد تحقيق الحق وبيانه لهما مقدار علمه الواسع شرع في إنبائهما عما استنبآه عنه، ولكونه بحثا مغايرا لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ

стр. 2577

أَمَّا أَحَدُكُما أراد به الشرابي، وإنما لم يعينه ﵇ ثقة بدلالة التعبير مع ما فيه من رعاية حسن الصحبة فَيَسْقِي رَبَّهُ أي سيده خَمْراً روي أنه ﵇ قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقرىء «فيسقي» بضم الياء والبناء للفاعل من أسقى، قال صاحب اللوامح: يقال: سقى، وأسقى بمعنى، وقرىء في السبعة «نسقيكم» و «نسقيكم» بالفتح والضم، والمعروف أن سقاه ناوله ليشرب. وأسقاه جعل له سقيا، ونسب ضم الياء لعكرمة، والجحدري، وذكر بعضهم أن عكرمة قرأ «فيسقى» بالبناء للمفعول، وريه- بالياء المثناة والراء المكسورة، والمراد به ما يروى به وهو مفعول ثان- ليسقى- والمفعول الأول الضمير النائب عن الفاعل العائد على أحد، ونصب خَمْراً حينئذ على التمييز وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ روي أنه ﵇ قال له: ما رأيت السلال الآخرة الثلاث ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتصلب قُضِيَ أتم وأحكم الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ وهو ما يؤول إليه حالكما وتدل عليه رؤياكما من نجاة أحدكما وهلاك الآخر، ومعنى استفتائهما فيه سؤالهما عنه، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا إنما تحالما ليجربا علمه فلما أول رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئا، فقال ﵇: قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ يقول: وقعت العبارة اهـ، وقيل: المراد بالأمر ما اتهما به، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي عاقبة ذلك. وذهب بعض المحققين إلى أن المراد به ما رأياه من الرؤيتين، ونفى أن يكون المراد ما يؤول إليه أمرهما، قال: لأن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها يقال: استفتى الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال: استفتاه في حكمها وكذا الإفتاء، يقال: أفتى في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال: أفتى في حكمها بكذا ومما هو علم في ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلا لأمره وتفخيما لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة الجواب، وإيثار صيغة المضارع لما أنهما بصدد الاستفتاء إلى أن يقضي ﵇ من الجواب وطره وإسناد القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل، وقد ظهر في عالم المثال بتلك الصورة، وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحداه في قولهما: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سمّ الملك فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل اهـ. وتعقب بأنه لا مانع من أن يراد بالأمر المآل كما يقتضيه ظاهر إسناد إليه وإليه ذهب الكثير، وتجعل- في- للسببية مثلها في قوله ﵊: «إن امرأة دخلت النار في هرة» ويكون معنى الاستفتاء فيه الاستفتاء بسببه أي طلب بيان حكم الرؤيتين لأجله، وهما إنما طلبا ذلك لتعرف حالهما ومآل أمرهما. وإن أبيت ذلك فأي مانع من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة، وهي هنا الرؤيتان لما أن بين الأمر وتلك الحادثة اتحادا كما ادعاه هو، ووجه به إسناد القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه من أحوال مآله، وليس له أن يقول بصحة اعتبار العينية في إسناد القضاء وعدم صحة اعتبارها في تعلق الاستفتاء إذ بعد اعتبار العينية بين شيئين يكون صحة نسبة ما هو من أحوال أحدهما إلى الآخر دون صحة نسبة ما هو من أحوال ذلك الآخر إليه ترجيحا بلا مرجح، ومنع ذلك مكابرة، ويرجح ما ذهب إليه الكثير أن فيه سلامة من نزع الخف قبل الوصول إلى الماء كما لا يخفى على من تيمم كعبة الإنصاف، وبأن ما ذكره في تعليل عدم صحة تفسير الأمر بما اتهما به وسجنا لأجله لا يخلو عن دغدغة على أن ذلك كان تعريضا بصاحب الكشاف وهو على ما قال الطيبي: ما

стр. 2578

عني بالأمر إلّا العاقبة، نعم صدر كلامه ظاهر فيما ذكر والأمر فيه سهل، ولعل وجه الأمر بالتأمل في كلام هذا المحقق مجموع ما ذكرناه فتأمل، ثم إن هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للرد عليهما حسبما ورد في الأثر يحتمل أن يكون تحقيقا لتعبيره وتأكيدا له، ولا يشكل على الأول أنه لا داعي لجحود الشرابي لأنا نقول على تقدير كذبهما في ذلك: يحتمل أن يكون لمراعاة جانب صاحبه الخباز. وجاء في بعض الآثار «إن الذي جحد هو الخباز» فحينئذ الأمر واضح. واستدل بذلك على ما هو المشهور من أن الرؤيا تقع كما تعبر، ولذا قيل: المنام على جناح طائر إذا قص وقع وَقالَ أي يوسف ﵇. لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ أوثر على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقيق النجاة حسبما يفيده قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: للذي ظنه ناجيا مِنْهُمَا أي من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيدا لمناط التوصية بالذكر بما يدور (١) عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك، والظانّ هو يوسف ﵇ لا صاحبه، وإن ذهب إليه بعض السلف لأن التوصية لا تدور على ظنّ الناجي بل على ظنّ يوسف ﵇ وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦] ونظائره. ولعل التعبير به من باب إرخاء العنان والتأدب مع الله تعالى، فالتعبير على هذا بالوحي كما ينبىء عنه قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ، وقيل: هو بمعناه، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء الأمر أيضا اجتهادي، واستدل به من قال: إن تعبير الرؤيا ظني لا قطعي، والجار والمجرور إما في موضع الصفة- لناج- أو الحال من الموصول ولا يجوز أن يكون متعلقا- بناج- لأنه ليس المعنى عليه اذْكُرْنِي بما أنا عليه من الحال والصفة. عِنْدَ رَبِّكَ سيدك، وروي أنه لما انتهى بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السجن قال له: أوصني بحاجتك، فقال ﵇: حاجتي أن تذكرني عند ربك وتصفني بصفتي التي شاهدتها فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ أي أنسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالا حتى يذهل عن الذكر، وإلّا فالإنساء حقيقة لله تعالى، والفاء للسببية فإن توصيته ﵇ المتضمنة للاستعانة بغيره كانت باعثة لما ذكر من إنسائه ذِكْرَ رَبِّهِ أي ذكر يوسف ﵇ عند الملك، والإضافة لأدنى ملابسة، ويجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول بتقدير مضاف أي ذكر إخبار ربه فَلَبِثَ أي فمكث يوسف ﵇ بسبب ذلك القول أو الإنساء فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما روي عن قتادة وعن مجاهد أنه من الثلاث إلى السبع، وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى العشرة، ولا يذكر على ما قال الفراء: إلّا مع العشرات دون المائة والألف، وهو مأخوذ من البضع بمعنى القطع والمراد به هنا في أكثر الأقاويل سبع سنين وهي مدة لبثه كلها فيما صححه البعض، وسنتان منها كانت مدة لبثه بعد ذلك القول، ولا يأبى ذلك فاء السببية لأن لبث هذا المجموع مسبب عما ذكر، وقيل: إن هذه السبع مدة لبثه بعد ذلك القول، وقد لبث قبلها خمسا فجميع المدة اثنتا عشرة سنة، ويدل عليه خبر «رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد خمس» (٢) ، وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما

стр. 2579

الثابت في عدة روايات ما لبث في السجن طول ما لبث وهو لا يدل على المدعى، وروي ابن حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع هاهنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره، والأولى أن لا يجوز بمقدار معين كما قدمنا، وكون هذا اللبث مسببا عن القول هو الذي تظافرت عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي روي عن أنس قال: «أوحى الله تعالى إلى يوسف ﵇ من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك، قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه، قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك، أنت يا رب، قال: فما بالك نسيتني وذكرت آدميا، قال: يا رب كلمة تكلم بها لساني، قال: وعزتي لأدخلنك في السجن بصع سنين» وغير ذلك من الأخبار، ولا يشكل على هذا أن الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به، فقد قال سبحانه: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: ٢] فكيف عوتب ﵇ في ذلك لأن ذلك ما يختلف باختلاف الأشخاص، واللائق بمناصب الأنبياء ﵈ ترك ذلك والأخذ بالعزائم، واختار أبو حيان أن يوسف ﵇ إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق لصاحبيه، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه وخلاصه من السجن، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر، وموجب للطعن في غير ما خبر، نعم إنه اللائق بمنصبه ﵊. وجوز بعضهم كون ضمير- أنساه- ورَبِّهِ عائدين على يوسف ﵇، وإنساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل هو ترك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء، ولقوله تعالى الآتي: واذكر بعد أمة وَقالَ الْمَلِكُ وهو الريان وكان كافرا، ففي إطلاق ذلك عليه دلالة على ما قيل: على جواز تسمية الكافر ملكا، ومنعه بعضهم، وكذا منع أن يقال: له أمير احتجاجا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى هرقل «عظيم الروم» ولم يكتب ملك الروم، أو أميرهم لما فيه من إيهام كونه على الحق، وجعل هذا حكاية اسم مضى حكمه وتصرم وقته، ومثله لا يضر أي قال لمن عنده: إِنِّي أَرى أي رأيت، وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ممتلئات لحما وشحما من سمن كسمع سمانة بالفتح وسمنا كعنبا فهو سامن، وسمين، وذكر أن سمينا وسمينة تجمع على سمان، فهو ككرام جمع كريم وكريمة، يقال: رجال كرام ونسوة كرام يَأْكُلُهُنَّ أي أكلهن، والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة تعجيبا، والجملة حال من البقرات أو صفة لها سَبْعٌ عِجافٌ أي سبع بقرات مهزولة جدا من قولهم: نصل أعجف أي دقيق وهو جمع عجفاء على خلاف القياس، والقياس عجف كحمراء، وحمر فإن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سِمانٍ وهم قد يبنون الشيء على ضده كقولهم: عدوة بالهاء لمكان صديقة، وفعول بمعنى فاعل لا تدخله الهاء، وأجرى سِمانٍ على المميز فجر على أنه وصف له، ولم ينصب على أن يكون صفة للعدد المميز لأن وصف تمييزه وصف له معنى، وقد ذكروا أنه إذا وصف التمييز كان التمييز بالنوع وإذا وصف التمييز كان التمييز بالجنس، ولا شك أن الأول أولى وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز، فلهذا رجح ما في النظم الكريم على غيره ولم يقل: سَبْعٌ عِجافٌ بالإضافة، وجعله صفة للتمييز المقدر على قياس ما قبله- لأن التمييز لبيان الجنس والحقيقة والوصف- لا يدل عليه بل على شيء ما له حال وصفة، فلذا ذكروا أن التمييز يكون باسم الجنس الجامد ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام، فتقول: عندي ثلاثة قرشيون ولا تقول قرشيين بالإضافة، وأما قولك: ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس والراكب مجرى الأسماء لاستعمالها في الأغلب من غير موصوف.

стр. 2580

واعترض صاحب الفرائد بأن الأصل في العدد التمييز بالإضافة فإذا وصف السبع بالعجاف فلا بد من تقدير المضاف إليه، وكل واحد من الوصف- وتقدير المضاف إليه- خلاف الأصل أما إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف فقولنا: سَبْعٌ عِجافٌ في قوة قولنا: سبع بقرات عجاف، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز سبع بقرات عجاف يجوز سبع عجاف، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات وهي موصوفة بعجاف فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة وهي غير جائزة إلّا بتأويل، وتعقب ذلك القطب بأنه هب أن الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما سبق ذكر سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ تبين أن السبع العجاف بقرات فهذا السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان العجاف قائما مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف وهو خلاف الأصل، وأما إن السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة اهـ، وفيه تأمل. وذكر العلامة الطيبي في هذا المقام أنه يمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد آذن بأنهما مقصودان في الذكر بخلافه إذا ميز ثم وصف بل الوصف ادعى لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثمّ ترك التمييز في القرائن الثلاث والمقام يقتضي ذلك لأن المقصود بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع فليفهم، ويعلم من ذلك وجه العدول إلى ما في النظم الكريم عن أن يقال: إني أرى سبع بقرات عجاف يأكلن سبعا سمانا الأخصر منه. وقيل: إن التعبير بذلك بأنه ما رأى السمان، فقد روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس ثم خرج عقيبهنّ سبع بقرات عجاف فابتلعت السمان ولم يتبين عليها منهن شيء. وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبها وَأُخَرَ أي وسبعا أخر يابِساتٍ قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها ولم يبق من خضرتها شيء على ما روي، ولعل عدم التعرض لذكر العدد للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات، ولا يجوز عطف أخر على سنبلات لأن العطف على المميز يقتضي أن يكون المعطوف والمعطوف عليه بيانا للمعدود سواء قيل: بالانسحاب أو بتكرير العامل لأن المعنى على القولين لا يختلف وإنما الاختلاف في التقدير اللفظي وحينئذ يلزم التدافع في الآية لأن العطف يقتضي أن تكون السنبلات خضرها ويابسها سبعا، ولفظ أُخَرَ يقتضي أن يكون غير السبع وذلك لأن تباينها في الوصف أعني الخضرة واليبس منطوق، واشتراكهما في السنبلية فيكون مقتضى لفظ أُخَرَ تغايرهما في العدد ولزم التدافع، وعلى هذا يصح أن تقول: عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر لأنك ميزت سبعة رجال موصوفين بالقيام والقعود على أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، ولا يصح سبعة رجال قيام وآخرين قعود لما علمت، فالآية والمثال في هذا المبحث على وزان واحد كما يقتضيه كلام الكشاف، ونظر في ذلك صاحب الفرائد فقال: إن الصحيح أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب فلو عطف آخرين على رجال قيام لكان سبعة مكررة في المعطوف أي وسبعة آخرين أي رجال آخرين قعود، ويفسد المعنى لأن المفروض أن الرجال سبعة، وأما الآية فلو كرّر فيها وقيل: وسبع أخر أي وسبع سنبلات أخر استقام لأن الخضر سبع واليابسات سع، نعم لو خرج ذلك على المرجوح وهو الانسحاب أدّى إلى أن السبع المذكورة مميزة بسنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات، وفسد إذ المراد أن كلا منهما سبعة، لا أنها سبعة، فالمثال والآية ليسا على وزان إذ هو على تكرير العامل يفسد وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، ثم بنى على ما زعمه من أن الصحيح قول التكرير جواز العطف. وادعى أن الأولى أن يكون العطف على خُضْرٍ لا على يابِساتٍ ليدل على موصوف آخر، وهو

стр. 2581

سنبلات ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق، ولا يخفى أن الكلام إنما هو على تقدير أن يكون مميز السبع ما علمت، وعلى ذلك يلزم التدافع، ولا يبنى على فرض أنهم سبعة أو أربعة عشر فيصح في الآية ولا يصح في المثال فإنه وهم. ومن ذلك يظهر أنه لا مدخل للتكرير والانسحاب في هذا الفرض، ثم إن المختار قول الانسحاب على ما نص عليه الشيخ ابن الحاجب وحققه في غير موضع، وأما الاستدلال بالآية على الانسحاب لا التقدير وإلّا لكان لفظ أُخَرَ تطويلا يصان كلام الله تعالى المعجز عنه فغير سديد على ما في الكشف لأن القائل بالتقدير يدّعي الظهور في الاستقلال، وكذلك القائل بالانسحاب يدعي الظهور في المقابل على ما نص عليه أئمة العربية فلا يكون التأكيد- بأخر- لإرادة النصوص تطويلا بل إطنابا يكون واقعا في حاق موقعه هذا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ خطاب للاشراف ممن يظن به العلم، يروى أنه جمع السحرة والكهنة والمعبرين فقال لهم: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ. أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة. وقيل: هو خطاب لجلسائه وأهل مشورته، والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي تعلمون عبارة جنس الرؤيا (١) علما مستمرا وهي الانتقال من الصورة المشاهدة في المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة في الخارج من العبور وهو المجاوزة، تقول: عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته، ونحوه أولتها أي ذكرت ما تؤول إليه وعبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة أقوى وأعرف عند أهل اللغة من عبرت بالتشديد تعبيرا حتى إن بعضهم أنكر التشديد، ويرد عليه ما أنشده المرد في الكامل لبعض الأعراب وهو: رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه، واللام قيل: متعلقة بمحذوف والمقصود بذاك البيان كأنه لما قيل: تَعْبُرُونَ قيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا فهي للبيان كما في سقيا له إلّا أن تقديم البيان على المبين لا يخلو عن شيء، وقيل- واختاره أبو حيان- إنها لتقوية الفعل المذكور لأنه ضعف بالتأخير، ويقال لها: لام التقوية وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدم على عامله مطلقا وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر كزيد ضارب لعمرو، وفي كونها زائدة أو لا خلاف، وقيل: إنه جيء بها لتضمين الفعل المتعدي معنى فعل قاصر يتعدى باللام أي إن كنتم تنتدبون لعبارتها، وجوز أن يكون لِلرُّءْيا خبر كان كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقبلا به متمكنا منه، وجملة تَعْبُرُونَ خبر آخر أو حال، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف، وكذا فيما قبله. وقرأ أبو جعفر بالإدغام في الرؤيا وبابه بعد قلب الهمزة واوا ثم قلب الواو ياء لسبقها إياها ساكنة، ونصوا على شذوذ ذلك لأن الواو بدل غير لازم قالُوا استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الملأ للملك إذ قال لهم ذلك؟ فقيل: هي أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي هي أَضْغاثُ إلخ، وهي جمع ضغث وهو أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من أخلاط النبات، وقد يطلق على ما كان من جنس واحد كما في قوله: خود كأن فراشها وضعت به ... أضغاث ريحان غداة شمال وجعل من ذلك ما في قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ [ص: ٤٤] فقد روي أن أيوب ﵇ أخذ عثكالا من النخل فضرب به، وفي الكشاف أن «أضغاث الأحلام» تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من

стр. 2582

حديث نفس أو وسوسة شيطان، وقد استعيرت لذلك، وأصلها ما جمع من أخلاط النبات وحزمه وإضافتها على معنى من أي أضغاث من أحلام، وأورد عليه أن الأضغاث إذا استعيرت للأحلام الباطلة والأحلام مذكورة، ولفظ هي المقدر عبارة عن رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار والمستعار له، وذلك مانع من الاستعارة على الصحيح عندهم، وقد أجاب الكثير عن ذلك بما لا يخلو عن بحث، وذكر بعض المحققين في تقرير ذاك وجهين. الأول أنه يريد أن حقيقة الأضغاث أخلاط النبات فشبه به التخاليط والأباطيل مطلقا سواء كانت أحلاما أم غيرها، ويشهد له قول الصحاح والأساس: ضغث الحديث خلطه، ثم أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات والأباطيل الملفقات، فالأحلام ورؤيا الملك خارجان عنهما فلا يضر ذكرهما كما إذا قلت: رأيت أسد قريش فهو قرينة أو تجريد، وقوله: تخاليطها تفسير له بعد التخصيص، وقوله: وقد استعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط. الثاني أن الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهي أجزاؤها لا عينها فالمستعار منه حزم النبات والمستعار له أجزاء الرؤيا، وهذا كما إذا استعرت الورد للخد، ثم قلت: شممت ورد هند مثلا فإنه لا يقال: إنه ذكر فيه الطرفان اهـ، ولا يخفى ما فيه من التكلف وارتكاب غير الظاهر. واستظهر بعضهم كون أَضْغاثُ أَحْلامٍ من قبيل لجين الماء، ولا يخفى أنه سالم عما أورد على الزمخشري (١) إلّا أن صاحب الأساس قد صرح بأن ذلك من المجاز، والمتبادر منه المجاز المتعارف الذي لا يطلق على ما ذكر، ولعل الأمر في ذلك سهل، والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع، وقال بعضهم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم مطلقا لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه، وفي الحديث «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان» وقال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع صلى الله تعالى عليه وسلّم للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمي ما كان من الله تعالى وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأن أصل الكلمة لم تستعمل إلّا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له اهـ وهو كلام حسن، ومما يشهد له في دعوى كون الحلم يستعمل عند العرب استعمال الرؤيا البيت السابق الذي أنشده المبرد كما لا يخفى، وإنما قالوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بالجمع مع أن الرؤيا ما كانت إلّا واحدة للمبالغة في وصف ذلك بالبطلان، وهذا كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب إلّا فرسا واحدا وما له إلّا عمامة فردة. وفي الفرائد لما كانت أَضْغاثُ أَحْلامٍ مستعارة لما ذكر وهي تخاليطها وأباطيلها وهي متحققة في رؤيا واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء كل منها حلم فكانت أحلاما، قال الشهاب: وهو واه وإن استحسنه العلامة الطيبي، نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس إذ الإضافة على معنى في، ثم نقل عن الرضي أنه قال في شرح الشافية إن جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلّا حيث يراد بيان القلة فلا يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة، يقال: فلان حسن الثياب في معنى حسن الثوب ولا يحسن حسن الثوب، وكم عندك من الثوب أو من الثياب ولا يحسن من الأثواب اهـ، ثم قال: وقد ذكره الشريف في

стр. 2583

شرح المفتاح وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمله، ولعل ما ذكر بعد تسليمه إنما هو في جمع القلة الذي معه جمع كثرة كما ذكره في المثال لا في ذلك وجمع القلة الذي ليس معه جمع كثرة كما هنا، فإنا لم نجد في كتب اللغة جمعا لمفرد هذا الجمع غير هذا الجمع، وقد ذكر غير واحد أن جمع القلة إذا لم يوجد معه جمع كثرة يستعمل استعمال جمع الكثرة، ثم لا يخفى حسن موقع الأضغاث مع السنابل، فيا لله در شأن التنزيل ما أبدع رياض بلاغته. وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ أي المنامات الباطلة بِعالِمِينَ لأنها لا تأويل لها وإنما التأويل للمنامات الصادقة، وهذا إما لشيوع الأحلام في أباطيلها وإما لكون اللام للعهد والمعهود الأضغاث منها، والكلام وارد على أسلوب. () على لاحب لا يهتدي بمناره () وهو إشارة إلى كبرى قياس ساقوه للعذر عن جهلهم كأنهم قالوا هذه رؤيا باطلة وكل رؤيا كذلك لا نعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه ينتج هذه رؤيا لا تأويل لها. وجوز أن يكون المراد من الأحلام الرؤى (١) مطلقا، وأل فيه للجنس، والكلام اعتراف منهم بقصور علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الرؤى مع أن لها تأويلا، واختاره ابن المنير وادعى أنه الظاهر (٢) ، وأن قول الملك لهم أولا إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة الشك فجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين، وأن قول الفتى: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ إلى قوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ دليل على ذلك أيضا. وذكر بعض المحققين أنه يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعبرة عن مجرد الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام، أو عبارتها إلى التأويل المنبئ عن التصرف، والتكلف في ذلك لما بين الآيل والمآل من البعد، واعترض بأنه على هذا يبقى قولهم: أَضْغاثُ أَحْلامٍ ضائعا إذ لا دخل له في العذر، وأجيب بأنه يمكن أن يكون المقصود منه إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا فلا يبقى ضائعا. وقال صاحب الكشف: إن وجه ذلك أن يجعل الأول جوابا مستقلا، والثاني كذلك أي هاهنا أمران: أحدهما من جانب الرائي، والثاني من جانب المعبر، ووجه تقديم الظرف على عامله إنا أصحاب الآراء والتدابير وعلمنا بذلك رصين لا بتأويل الرؤى، ووجهه على الأول ظاهر، وادعى أن المقام يطابقه، ووروده على ذلك الأسلوب مقوله لا موهن خلافا لما في الانتصاب، ويقوى عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائه وأهل مشورته من أهل الحل والعقد لأن الأغلب على أمثالهم الجهل بمثل هذا العلم الذي لا يعلمه إلّا أفراد من الناس وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي صاحبي يوسف ﵇ وهو الشرابي وَادَّكَرَ بالدال غير المعجمة عند الجمهور، وأصله اذتكر أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فيها. وقرأ الحسن- اذكر- بابدال التاء ذالا معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها، والقراءة الأولى أفصح، والمعنى على كليهما تذكر ما سبق له مع يوسف ﵇ بَعْدَ أُمَّةٍ أي طائفة من الزمان ومدة طويلة.

стр. 2584

وقرأ الأشهب العقيلي «إمة» بكسر الهمزة وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن وإنعام ملكه عليه، وعلى هذا جاء قوله (١) : ألا لا أرى إمة أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هي وقال ابن عطية: المراد به نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف ﵇ وهي تقريب إطلاقه ولا يخفى بعده، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم- وأمة (٢) - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من أمه يأمه أمها إذا نسي، وجاء في المصدر- أمه- بسكون الميم أيضا فقد روي عن مجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة الضبعي أنهم قرؤوا بذلك ولا عبرة بمن أنكر، والجملة اعتراض بين القول والمقول، وجوز أن تكون حالا من الموصول أو من ضميره في الصلة، ويحتاج ذلك إلى تقدير قد على المشهور، وقيل: معطوفة على نجا وليس بشيء- كما قال بعض المحققين- لأن حق كل من الصلة والصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما عند المتكلم، ومن هنا قيل: الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف، وأنت تعلم أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا معنى لنظمه مع نجاته المعلومة من قبل في سلك الصلة أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي أخبركم بتأويل ذلك الذي خفي أمره بالتلقي ممن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أفتيكم في ذلك، وعقبه بقوله: فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده علمه، وأراد به يوسف ﵇ وإنما لم يصرح به حرصا على أن يكون هو المرسل إليه فإنه لو ذكره فلربما أرسلوا غيره وضمير الجمع إما لأنه أراد الملك وحده لكن خاطبه بذلك على سبيل التعظيم كما هو المعروف في خطاب الملوك، ويؤيده ما روي أنه لما سمع مقالة القوم جثى بين يدي الملك وقال: إن في السجن رجلا عالما يعبر الرؤيا فابعثوني إليه فبعثوه وكان السجن- على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- في غير مدينة الملك، وقيل: كان فيها، قال أبو حيان ويرسم الناس اليوم سجن يوسف ﵇ في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ- أنا آتيكم- مضارع أتى من الإتيان فقيل له: إنما هو أَنَا أُنَبِّئُكُمْ فقال: أهو كان ينبئهم؟! (٣) ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبيّ أنه قرأ أيضا كذلك. وفي البحر أنه كذا في الأمام أيضا يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ في الكلام حذف أي فأرسلوه فأتاه فقال: يا يوسف، ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره، فهو من باب براعة الاستهلال، وفيه إشارة إلّا أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي، واستدل بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما: كذبنا إن ثبت. أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي في رؤيا ذلك، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه، وعبر عن ذلك بالإفتاء، ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولا نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ- تفخيما لشأنه ﵇ حيث عاين رتبته في الفضل- ولم يقل: أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعارا بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك

стр. 2585

معبر وسفير، ولذا لم يغير (١) لفظ الملك، ويؤذن بهذا قوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذلك ويعلمون بمقتضاه، أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه، والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع، وعلى الثاني كالتعليل- لأفتنا- وإنما لم بيت القول بل قال: لَعَلِّي ولَعَلَّهُمْ مجاراة معه ﵇ على نهج الأدب واحترازا عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع: فبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم قالَ مستأنف على قياس ما مرّ غير مرة تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً قرأ حفص بفتح الهمزة، والجمهور بإسكانها، وقرىء- دابا- بألف من غير همز على التخفيف، وهو في كل ذلك مصدر- لدأب- وأصل معناه التعب، ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له التعب، وانتصابه على الحال من ضمير تَزْرَعُونَ أي دائبين أو ذوي دأب، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد، أو على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي تدأبون دأبا. والجملة حالية أيضا، وعند المبرد مفعول مطلق- لتزرعون- وذلك عنده نظير قعد القرفصاء وليس بشيء، وقد أول ﵇ البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، فأخبرهم بأنهم يواظبون على الزراعة سبع سنين ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها، وقيل: المراد الأمر بالزراعة كذلك، فالجملة خبر لفظا أمر معنى، وأخرج على صورة الخبر مبالغة في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه، وأيد بأن قوله تعالى: فَما حَصَدْتُمْ أي في كل سنة. فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها إذا مضى عليها نحو عامين، ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الخضر يناسب كونه أمرا مثله، قيل: لأنه لو لم يؤول ذلك بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأن- ما- إما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون الجزء إنشاء تكون إنشائية معطوفة على خبرية. وأجيب بأنا لا نسلم أن الجملة الشرطية التي جوابها إنشائي إنشائية، ولو سلم فلا نسلم العطف بل الجملة مستأنفة لنصحهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه حيث لم يكن معتادا لهم كما كان الزرع كذلك، أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فَما حَصَدْتُمْ إلخ، وأيضا يحتمل الأمر عكس ما ذكروه بأن يكون ذروه بمعنى تذروه، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنهم أمرهم به، والتحقيق ما في الكشف من أن الأظهر أن تَزْرَعُونَ على أصله لأنه تأويل المنام بدليل قوله الآتي: ثُمَّ يَأْتِي وقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ اعتراض اهتماما منه ﵇ بشأنهم قبل تتميم التأويل، وفيه ما يؤكد أمر السابق واللاحق كأنه قد كان فهو يأمرهم بما فيه صلاحهم وهذا هو النظم المعجز انتهى. وذكر بعضهم أن- ما حصدتم- إلخ على تقدير كون تَزْرَعُونَ بمعنى ازرعوا داخل في العبارة فإن أكل السبع العجاف السبع السمان وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدبة ما حصل في السنين المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف ﵇ فبقي لهم في تلك المدة، وقيل: إن تزرعون

стр. 2586

على هذا التقدير وكذا ما بعده خارج عن العبارة، والكل كما ترى إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ أي اتركوا ذلك في السنبل إلّا ما لا غنى عنه من القليل الذي تأكلونه في تلك السنين، وفيه إرشاد إلى التقليل في الأكل. وقرأ السلمي مما- يأكلون- بالياء على الغيبة أي يأكل الناس، والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوما من قوله ﵇: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد السنين السبع المذكورات، وإنما لم يقل من بعدهن قصدا (١) إلى تفخيم شأنهن سَبْعٌ شِدادٌ أي سبع سنين صعاب على الناس، وحذف التمييز لدلالة الأول عليه يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي ما ادخرتم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في سنابلها لأجلهن، وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في قوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧، النمل: ٨٦، غافر: ٦١] واللام في لَهُنَّ ترشيح لذلك، وكان الداعي إليه التطبيق بين المعبر والمعبر به، ويجوز أن يكون التعبير بذلك للمشاكلة لما وقع في الواقعة. وفسر بعضهم الأكل بالإفناء كما في قولهم: أكل السير لحم الناقة أي أفناه وذهب به إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزونه وتخبئونه لبزور الزراعة (٢) مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السنين الموصوفة بما ذكر الشدة وأكل المدخر من الحبوب عامٌ هو كالسنة لكن كثيرا ما يستعلم فيما فيه الراء والخصب، والسنة فيما فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، وكأنه تحاشيا عن ذلك وتنبيها من أول الأمر على اختلاف الحال بينه وبين السوابق عبر به دون السنة فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يصيبهم غيث أي مطر كما قال ابن عباس ومجاهد والجمهور فهو من غاث الثلاثي اليائي، ومنه قول الأعرابية: غثنا ماشيتنا وقول بعضهم أذى البراغيث إذا البراغيث، وقيل: هو من الغوث أي الفرج، يقال: أغاثنا الله تعالى إذا أمدّنا برفع المكاره حين أظلتنا فهو رباعي واوي وَفِيهِ يَعْصِرُونَ من العصر المعروف أي يعصرون ما من شأنه أن يعصر من العنب والقصب والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها، والتعرض لذكره كما قال بعض المحققين مع جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث المستلزم له عادة كما اكتفي به عن ذكر تصرفهم في الحبوب: إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكورات يتوقف صلاحها على أمور أخرى غير المطر، وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس في قراءة حمزة والكسائي بالفوقانية. وعن ابن عباس تفسير ذلك بيحلبون وكأنه مأخوذ من العصر المعروف لأن في الحلب عصر الضرع ليخرج الدر وتكرير فيه إما كما قيل: للإشعار باختلاف ما يقع فيه زمانا وعنوانا، وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك العام، ولأجله قدم في الموضعين على العامل فإن المقام بيان أنه يقع في ذلك العام هذا وذاك لا بيان أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير، وجوز أن يكون التقديم للقصر على معنى أن غيثهم في تلك السنين كالعدم بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصل، وفي الأول لرعاية حاله.

стр. 2587

وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما والأعرج وعيسى البصرة «يعصرون» على البناء للمفعول، وعن عيسى- تعصرون- بالفوقانية مبنيا للمفعول أيضا من عصره الله تعالى إذا أنجاه أي ينجيهم الله سبحانه مما هم فيه من الشدة، وهو مناسب لقوله: يُغاثُ النَّاسُ وعن أبي عبيدة وغيره أخذ المبني للفاعل من العصر بمعنى النجاة أيضا، وفي البحر تفسير العصر والعصرة بالضم بالمنجاة، وأنشد قول أبي زبيد في عثمان رضي الله تعالى: صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود وقال ابن المنير: معناه عصيرون من أعصرت السحابة عليهم أي حان وقت عصر الرياح لها لتمطر فعلى صلة الفعل كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت وأوصل الفعل بنفسه، أو تضمن أعصرت معنى مطرت فتعدى تعديته، وفي الصحاح عصر القوم أي أمطروا، ومنه قراءة بعضهم، وفيه يَعْصِرُونَ وظاهره أن اللفظ موضوع لذلك فلا يحتاج إلى التضمين عليه، وحكى النقاش أنه قرىء «يعصرون» بضم الياء وكسر الصاد وتشديدها من عصر مشددا للتكثير، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «وفيه تعصرون» بكسر التاء والعين والصاد وتشديدها، وأصله- يعتصرون- فأدغم التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين، وأتبع حركة التاء لحركة العين، واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه أو من اعتصر بمعنى نجا، ومن ذلك قوله: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري ثم إن أحكام هذا العام المبارك كما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة علم آتاه الله تعالى علمه لم يكن فيما سئل عنه، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعنيا أن ذلك بالوحي وهو الظاهر، ولقد أتى ﵇ بما يدل على فضله في آخر فتواه على عكس ما فعل أولا عند الجواب عن رؤيا صاحبيه حيث أتى بذلك في أولها ووجه ذلك ظاهر، وقيل: إن هذه البشارة منه ﵇ لم تكن عن وحي بل لأن العادة جارية بأن انتهاء الجدب الخصب، أو لأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده سبحانه بعد ما ضيق عليهم، وفيه أنه لو كان كذلك لأجمل في البشارة، وإن حصر الجدب يقتضي تغييره بخصب مالا على ذكره خصوصا على ما تقتضيه بعض القراءات من إغاثة بعضهم بعضا فإنها لا تعلم إلّا بالوحي، ثم إنه ﵇ بعد أن أفتاهم وأرشدهم وبشرهم كان يتوقع وقوع ما أخبر به، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه ﵇ كان بعد ذلك يصنع لرجل طعام اثنين فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله، فقال ﵇: هذا أول يوم من الشداد، واستدل البلخي بتأويله لذلك على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على ما عبرت أولا فإنهم كانوا قد قالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ فلو كان ما قالوه مؤثرا شيئا لأعرض ﵇ عن تأويلها وفيه بحث، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ولا تقصها إلّا على وادّ وذي رأي، ولعله إذا صح هذا يلتزم القول بأن الحكم على الرؤيا بأنها أَضْغاثُ أَحْلامٍ وأنها لا ذيل لها ليس من التعبير في شيء، وإلّا فالجمع بين ما هنا وبين الخبر مشكل. وقال ابن العربي: إنه ينبغي أن يخص ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها فيقع عليه، واستدلوا بذلك أيضا على صحة رؤيا الكافر وهو ظاهر، وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آدابا: منها أن لا يكون ذلك عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في الليل، وقالوا: إن تعبيرها مناما هو تعبيرها في نفسي الأمر فلا تحتاج إلى تعبير بعد، وأكثروا القول فيما يتعلق بها، وأكثر ما قيل مما لا يظهر لي سره ولا أرى بعض ذلك إلّا كأضغاث أحلام وَقالَ الْمَلِكُ بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير.

стр. 2588

ائْتُونِي بِهِ لما رأى من علمه وفضله وأخباره عما لا يعلمه إلّا اللطيف الخبير فَلَمَّا جاءَهُ أي يوسف ﵇ الرَّسُولُ وهو صاحبه الذي استفتاه، وقال له: إن الملك يريد أن تخرج إليه. قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي سيدك وهو الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي فتشه عن شأنهن وحالهن، وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثا للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل، ولو قال: سله أن يفتش لكان تهييجا له عن الفحص عن ذلك، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه، وإنما لم يتعرض ﵇ لامرأة العزيز مع أنها الأصل الأصيل لما لاقاه تأدبا وتكرما، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته، وقيل: احترازا عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها القديم، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ مجاملة معهن واحترازا عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد، وفي الكشاف أنه ﵇ أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلّا الله تعالى، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه بريء مما قرف به، أو أراد الوعيد لهن- أي عليم بكيدهن- فمجازيهن عليه انتهى. وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده (١) أو من اقتضاء المقام لأنه إذا حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى الله تعالى دلّ به على عظمته، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر، فالجملة عليه تتميم لقوله: فَسْئَلْهُ إلخ والكيد اسم لما كدنه به، وعلى الوجه الثاني تكون تذييلا كأنه (٢) قيل: احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيدا منهن وإذا كان كيدا يكون لا محالة بريئا، والكيد هو الحدث وعلى الثالث تحتملهما والمعنى بعث الملك على الغضب له والانتقام له والانتقام منهن، وإلّا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق كرم يوسف ﵇ الذي عجب منه نبينا ﵊ فقد أخرج غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنه قال: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر أن كان حليما ذا أناة» ودعاؤه له صلّى الله تعالى عليه وسلّم قيل: إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه، وجعله العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه: رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي، وقيل: يمكن أن يقال: إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول، وقد ذكر أن الاجتهاد (٣) في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، فقد قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» .

стр. 2589

وأخرج مسلم من رواية أنس أن رسول الله ﵊ «كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك؟! فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار، وكان يظهر مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفا من تهمة السوء (١) فلعله ﵇ خشي أن يخرج ساكتا عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به من أن يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلما إلى حط قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على دعوته قبولهم، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه، وما ذكره صلّى الله تعالى عليه وسلّم «ولو كنت مكانه» إلخ كان تواضعا منه ﵊ لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل وإلّا فحلمه صلى الله تعالى عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول الخلق أوامر الحق أمر معلوم لدى الخواص والعموم، وزعم ابن عطية أنه يحتمل أن يكون ﵇ أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء، ومثله ما قيل: إن ضمير كيدهن ليس عائدا على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم. وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية «النسوة» بضم النون، وقرأت فرقة- اللائي- بالياء وهو كاللاء جمع التي قالَ استئناف مبني على السؤال كما سبق كأنه قيل: فما كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن: ما خَطْبُكُنَّ أي شأنكن، وأصله الأمر العظيم الذي يحق لعظمته أن يكثر فيه التخاطب ويخطب له إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ وخادعتنه عَنْ نَفْسِهِ ورغبتنه في طاعة مولاته هل وجدتن فيه ميلا إليكن؟ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها له وتعجيبا من نزاهته ﵇ وعفته ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة مِنْ، وفي الكشف في توجيه كون السؤال المقدر في نظم الكلام عن وجدانهن فيه الميل، وذلك لأنه سؤال عن شأنهن معه عند المراودة، وأوله الميل ثم ما يترتب عليه، وحمله (٢) على السؤال يدعي النزاهة الكلية فيكون سؤال الملك منزلا عليه إذ لا يمكن ما بعده إلّا إذا سلم الميل، وجوابهن عليه ينطبق لتعجبهن عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله ليكون التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ وأبلغ، ثم نفيهن (٣) العلم مطلقا وطرفا أي طرف دهم من سوء أي سوء فضلا عن شهود الميل معهن اهـ، وهو من الحسن بمكان. وما ذكره ابن عطية- من أن النسوة قد أجبن بجواب جيد يظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف ﵇ بعض براءة وذلك أن الملك لما قرّرهن أنهن راودنه قلن جوابا عن ذلك وتنزيها لأنفسهن: حاشَ لِلَّهِ ويحتمل أن يكون في جهته ﵇، وقولهن: ما عَلِمْنا إلخ ليس بإبراء تام، وإنما هو شرح القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهن- ناشىء- عن الغفلة عما قرّره المولى صاحب الكشف قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وكانت حاضرة المجلس، قيل: أقبلت النسوة عليها يقررنها، وقيل: خافت أن يشهد عليها بما قالت يوم قطعن أيديهن فأقرت قائلة: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر وتبين بعد خفاء قاله الخليل، وهو مأخوذ من الحصة وهي القطعة من

стр. 2590

الجملة أي تبينت حصة الحق من حصة الباطل، والمراد تميز هذا عن هذا، وإلى ذلك ذهب الزجاج أيضا، وقيل: هو من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه، وعلى ذلك قوله: قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع ويرجع هذا إلى الظهور أيضا، وقيل: هو من حصحص البعير إذا ألقى مباركة ليناخ، قال حميد بن ثور الهلالي يصف بعيرا: فحصحص في صم الصفا ثفناته ... وناء بسلمى نوءة ثم صمما والمعنى الآن ثبت الحق واستقر، وذكر الراغب وغيره أن حص وحصحص- ككف وكفكف وكب وكبكب- وقرىء بالبناء للمفعول على معنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه، والْآنَ من الظروف المبنية في المشهور (١) وهو اسم للوقت الحاضر جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه كما في هذه الآية، وقوله سبحانه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] وقد يخرج عند ابن مالك عن الظرفية كخبر «فهو يهوي في النار الآن حين انتهى إلى مقرها» فإن الآن فيه في موضع رفع على الابتداء، و «حين» خبره وهو مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض وألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من آن يئين إذا قرب، وقيل: أصله أو أن قلبت الواو ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف وغيرت الواو إليها كما في راح ورواح استعملوه مرة على فعل وأخرى على فعال كزمن وزمان، واختلفوا في علة بنائه فقال الزجاج: بني لتضمنه معنى الإشارة لأن معناه هذا الوقت، وردّ بأن المتضمن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة وهو لا تدخله ال، وقال أبو علي: لتضمنه معنى لام التعريف لأنه استعمل معرفة وليس علما وأل فيه زائدة، وضعف (٢) بأن تضمن اسم معنى حرف اختصارا ينافي زيادة ما لا يعتد به هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه فكيف إذا كان إياه، وقال المبرد وابن السراج: لأنه خالف نظائره إذ هو نكرة في الأصل استعمل من أول وضعه باللام، وبابها أن تدخل على النكرة وإليه ذهب الزمخشري، ورده ابن مالك بلزوم بناء الجماء الغفير ونحوه مما وقع في أول وضعه باللام، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره، وهو باطل بإجماع، واختار أنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر بخلاف حين ووقت وزمان ومدة وردّه أبو حيان بما ردّ هو به على من تقدم، وقال الفراء: إنما بني لأنه نقل من فعل ماض وهو آن بمعنى حان فبقي على بنائه استصحابا على حد أنهاكم عن قيل وقال، وردّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل كما لا تدخل على ما ذكر، وجاز فيه الإعراب كما جاز فيه، وذهب بعضهم إلى أنه معرب منصوب على الظرفية، واستدل بقوله: كأنهما ملآن لم يتغيرا، بكسر النون أي من الآن فحذفت النون والهمزة وجر فدل على أنه معرب وضعف (٣) باحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء الآن لغتان: الفتح والكسر كما في شتان إلّا أن الفتح أكثر وأشهر، وفي شرح الألفية لابن الصائغ أن الذي قال: إن أصله أو أن يقول: بإعرابه كما أن وأنا معرب. واختار الجلال السيوطي بإعرابه لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة فهو عنده منصوب على الظرفية، وإن دخلت من

стр. 2591

جرّ وخروجه عن الظرفية غير ثابت، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقال، وأيا ما كان فهو هنا متعلق- بحصحص- أي حصحص الحق في هذا الوقت أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ لا أنه راودني عن نفسي، وإنما قالت ذلك بعد اعترافها تأكيدا لنزاهته ﵇، وكذا قولها: وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي في قوله حين افتريت عليه هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف: ٢٦] قيل: إن الذي دعاها لذلك كله التوخي لمقابلة الأعراف حيث لا يجدي الإنكار بالعفو، وقيل: إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك سترها وظهور سرها، وفي إرشاد العقل السليم أنها لم ترد بقولها: الْآنَ إلخ مجرد ظهور ما ظهر بشهادة النسوة من مطلق نزاهته ﵇ فيما أحاط به علمهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطن خصوصا فيما وقع فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته ﵇ في محل النزاع وخيانتها، ولهذا قالت: أَنَا راوَدْتُهُ إلخ، وأرادت- بالآن- زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن اهـ فافهم وتأمل هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم يتمالك الخصماء من الشهادة بها على أتم وجه: والفضل ما شهدت به الخصماء وليت من نسب إليه السوء- وحاشاه- كان عنده عشر معشار ما كان عند أولئك النسوة الشاهدات من الإنصاف ذلِكَ لِيَعْلَمَ الذي ذهب إليه غير واحد أن ذلك إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع (١) فهو من كلام يوسف ﵇ جعله فذلكة منه لما نهض له أولا من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلا قال: ما خَطْبُكُنَّ إلخ وكذلك كما قيل في قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إلخ، وكذلك هذا أيضا لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلا فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال ﵇: ذلِكَ لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في حرمته بِالْغَيْبِ أي بظهر الغيب، وقيل: ضمير يعلم للملك، وضمير أَخُنْهُ للعزيز، وقيل: للملك أيضا لأن خيانة وزيره خيانة له، والباء إما للملابسة أو للظرفية، وعلى الأول هو حال من فاعل أَخُنْهُ أي تركت خيانته وأنا غائب عنه، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان، وجوز أن يكون حالا منهما وليس بشيء، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لَمْ أَخُنْهُ بمكان الغيب وراء الإستار والأبواب المغلقة، ويحتمل الحالية أيضا وَأَنَّ اللَّهَ أي وليعلم أن الله تعالى. لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين (٢) بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد وهي واقعة عليهم تجوزا للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته، وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا الآيات الدالة على نزاهته ﵇، ويجوز أن يكون مع

стр. 2592

ذلك تأكيدا لأمانته ﵇ على معنى لو كنت خائنا لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض، والحق أنه لا مانع من ذلك، وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك، وتسميته كيدا على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى، فما في الكشف من أنه سماه كيدا استعارة أو مشاكلة ليس بشيء، وقيل: إن ضمير يعلم ولَمْ أَخُنْهُ لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غير عاص ويكرمني ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى: لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ [البقرة: ١٤٣] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلّا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم ادعى.

стр. 2593

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2594

وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أي لا أنزهها عن السوء قال ذلك ﵇: هضما لنفسه البرية عن كل سوء وتواضعا لله تعالى وتحاشيا عن التزكية والإعجاب بحالها على أسلوب قوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) أو تحديثا بنعمة الله تعالى وإبرازا لسره المكنون في شأن أفعال العباد أي لا أنزهها من حيث هي- هي- ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله سبحانه بل إنما ذلك بتوفيقه جل شأنه ورحمته، وقيل: إنه أشار بذلك إلى أن عدم التعرض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله تعالى إِنَّ النَّفْسَ البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها لَأَمَّارَةٌ لكثيرة الأمر بِالسُّوءِ أي بجنسه، والمراد أنها كثيرة الميل إلى الشهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات. وفي كثير من التفاسير أنه ﵇ حين قال: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل ﵇: ولا حين هممت؟ فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إلخ، وقد أخرجه الحاكم في تاريخه وابن مردويه بلفظ قريب من هذا عن أنس مرفوعا، وروي ذلك عن ابن عباس وحكيم بن جابر والحسن وغيرهم، وهو إن صح يحمل الهم فيه على الميل الصادر عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق العزم والقصد، وقيل: لا مانع من أن يحمل على الثاني ويقال: إنه صغيرة وهي تجوز على الأنبياء ﵈ قبل النبوة، ويلتزم أنه ﵇ لم يكن إذ ذاك نبيا. والزمخشري جعل ذلك وما أشبهه من تلفيق المبطلة وبهتهم على الله تعالى ورسوله، وارتضاه وهو الحري بذلك ابن المنير وعرض بالمعتزلة بقوله: وذلك شأن المبطلة من كل طائفة إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي قال ابن عطية: الجمهور على أن الاستثناء منقطع وما مصدرية أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف عنها السوء على حد ما جوز في قوله سبحانه: وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا [يس: ٢٣] وجوز أن يكون استثناء من أعم الأوقات وما مصدرية ظرفية زمانية أي هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت رحمة ربي وعصمته، والنصب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم، لكن فيه التفريغ في الإثبات والجمهور على أنه لا يجوز إلا بعد النفي أو شبهه. نعم أجازه بعضهم في الإثبات إن استقام المعنى كقرأت إلا يوم الجمعة. وأورد على هذا بأنه يلزم عليه كون نفس يوسف وغيره من الأنبياء

стр. 2595

عليهم السلام مائلة إلى الشهوات في أكثر الأوقات إلا أن يحمل ذلك على ما قبل النبوة بناء على جواز ما ذكر قبلها أو يراد جنس النفس لا كل واحدة. وتعقيب بأن الأخير غير ظاهر لأن الاستثناء معيار العموم ولا يرد ما ذكر رأسا لأن المراد هضم النوع البشري اعترافا بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم اهـ، ولعل الأولى الاقتصار على ما في حيز العلاوة فتأمل، وأن يكون استثناء من النفس أو من الضمير المستتر في- أمارة- الراجع إليها أي كل نفس أمارة بالسوء إلا التي رحمها الله تعالى وعصمها عن ذلك كنفسي أو من مفعول- أمارة- المحذوف أي أمارة صاحبها إلا ما رحمه الله تعالى، وفيه وقوع ما على من يعقل وهو خلاف الظاهر، ولينظر الفرق في ذلك بينه وبين انقطاع الاستثناء إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ عظيم المغفرة فيغفر ما يعتري النفوس بمقتضى طباعها ومبالغ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجب ذلك، والإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية لتربية مبادئ المغفرة والرحمة، ولعل تقديم ما يفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأن التخلية مقدمة على التحلية، وذهب الجبائي واستظهره أبو حيان إلى أن ذلِكَ لِيَعْلَمَ إلى هنا من كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس أمارة بالسوء إلا نفسا رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف ﵇ إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له. وتعقب ذلك صاحب الكشف بأنه ليس موجبه إلا ما توهم من الاتصال الصوري وليس بذاك، ومن أين لها أن تقول: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي بعد ما وضح ولا كشية الأبلق أنها أمها يرجع إليها طمها ورمها. ومن الناس من انتصر له بأن أمر التعليل ظاهر عليه، وهو على تقدير جعله من كلامه ﵇ غير ظاهر لأن علم العزيز بأنه لم يكن منه ما قرف به إنما يستدعي التفتيش مطلقا لا خصوص تقديمه على الخروج حين طلبه الملك والظاهر على ذلك التقدير جعله له. وأجيب بأن المراد ليظهر علمه على أتم وجه وهو يستدعي الخصوص، ويساعد على إرادة ظهور العلم أن أصل العلم كان حاصلا للعزيز قبل حين شهد شاهد من أهلها وفيه نظر، ويمكن أن يقال: إن في التثبت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة حقوق العزيز ما فيه حيث لم يخرج من جنسه قبل ظهور بطلان ما جعله سببا له مع أن الملك دعاه إليه، ويترتب على ذلك علمه بأنه لم يخنه في شيء من الأشياء أصلا فضلا عن خيانته في أهله لظهور أنه ﵇ إذا لم يقدم على ما عسى أن يتوهم أنه نقض لما أبرمه مع قوة الداعي وتوفر الدواعي فهو بعدم الإقدام على غيره أجدر وأحرى، فالعلة للتثبت مع ما تلاه من القصة هي قصد حصول العلم بأنه ﵇ لم يكن منه ما يخون به كائنا ما كان مع ما عطف عليه، وذلك العلم إنما يترتب على ما ذكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج كما لا يخفى، أو يقال: إن المراد ليجري على موجب العلم بما ذكر بناء على التزام أنه كان قبل ذلك عالما به لكنه لم يجر على موجب علمه وإلا لما حبسه ﵇ فيتلافى تقصيره بالإعراض عن تقبيح أمره أو بالثناء عليه ليحظى عند الملك ويعظمه الناس فتينع من دعوته أشجارها وتجري في أودية القلوب أنهارها، ولا شك أن هذا مما يترتب على تقديم التفتيش كما فعل، وليس ذلك مما لا يليق بشأنه ﵇ بل الأنبياء ﵈ كثيرا ما يفعلون مثل ذلك في مبادئ أمرهم وقد كان نبينا ﷺ يعطي الكافر إذا كان سيد قومه ما يعطيه ترويجا لأمره، وإذا حمل قوله ﵇ لصاحبه الناجي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢] على مثل هذا كما فعل أبو حيان تناسب طرفا الكلام أشد تناسب، وكذا لو حمل ذاك على ما اقتضاه ظاهر الكلام وتظافرت عليه الأخبار. وقيل هنا: إن ذلك لئلا يقبح العزيز أمره عند الملك تمحلا لإمضاء ما قضاه، ويكون ذلك من قبيل السعي في تحقيق المقتضي لخلاصه وهذا من قبيل التشمير لرفع المانع لكنه مما لا يليق بجلالة شأنه ﵇.
следующие страницы →