بذاك، نعم لا بدّ من تقدير القول فيما ذكر وهو إما معطوف على جملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ أو حال أي ويقولون أو قائلين والاستفهام للإنكار والتعجب ويفيدان أن المراد يذكر آلهتكم بسوء وقد يكتفى بدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ [الأنبياء: ٦٠] فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء وقد تحاشوا عن التصريح أدبا مع آلهتهم. وفي مجمع البيان تقول العرب ذكرت فلانا أي عبته، وعليه قول عنترة:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
انتهى والإشارة مثلها في قوله:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
فيكون في ذلك نوع بيان للاتخاذ هزوا، وقوله تعالى: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ في حيز النصب على الحالية من ضمير القول المقدر، والمعنى أنهم يعيبون عليه ﵊ أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال أنهم بالقرآن الذي أنزل رحمة كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار، فالضمير الأول مبتدأ خبره كافِرُونَ وبه يتعلق بِذِكْرِ وقدم رعاية للفاصلة وإضافته لامية، والضمير الثاني تأكيد لفظي للأول، والفصل بين العامل والمعمول بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول جائز، ويجوز أن يراد بِذِكْرِ الرَّحْمنِ توحيده على أن ذكر مصدر مضاف إلى المفعول أي وهم كافرون بتوحيد الرحمن المنعم عليهم بما يستدعي توحيده والإيمان به سبحانه، وأن يراد به عظته تعالى وإرشاده الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب على أنه مصدر مضاف إلى الفاعل، وقيل المراد بذكر الرحمن ذكره ﷺ هذا اللفظ وإطلاقه عليه تعالى، والراد بكفرهم به قولهم ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فهو مصدر مضاف إلى المفعول لا غير وليس بشيء كما لا يخفى.
وجعل الزمخشري الجملة حالا من ضمير يَتَّخِذُونَكَ أي يتخذونك هزوا وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بذكر الرحمن. وسبب نزول الآية على ما
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه ﷺ مر على أبي سفيان. وأبي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكر أن يكون لبني عبد مناف فسمعها النبي ﷺ فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوفه وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة وقال لأبي سفيان: أما أنك لم تقل ما قلت إلا حمية، وأنا أرى أن القلب لا يثلج
لكون هذا سببا للنزول والله تعالى أعلم.
стр. 3712
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ وهو طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، والمراد بالإنسان جنسه جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق من نفس العجل تزيلا لما طبع عليه من الأخلاف منزلة ما طبع منه من الأركان إيذانا بغاية لزومه له وعدم انفكاكه عنه، وقال أبو عمرو وأبو عبيدة وقطرب: في ذلك قلب والتقدير خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل من طبائعه وأخلاقه للزومه له، وبذلك قرأ عبد الله وهو قلب غير مقبول، وقد شاع في كلامهم مثل ذلك عند إرادة المبالغة فيقولون لمن لازم اللعب أنت من لعب، ومنه قوله:
وأنا لمما يضرب الكبش ضربة ... على رأسه يلقي اللسان من الفم
وقيل المراد بالإنسان النضر بن الحرث لأن الآية نزلت فيه حين استعجل العذاب بقوله اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ [الأنفال: ٣٢] إلخ، وقال مجاهد. وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والضحاك ومقاتل والكلبي: المراد به آدم ﵇ أراد أن يقوم قبل أن يتم نفخ الروح فيه وتصل إلى رجليه، وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة فلما أجري الروح في عينيه ولسانه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وروي ذلك عن مجاهد، وقيل المراد أنه خلق بسرعة على غير ترتيب خلق بنيه حيث تدرج في خلقهم، وذكر ذلك لبيان أن خلقه كذلك من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر إرادة الجنس وإن كان خلقه ﵇ وما يقتضيه ساريا إلى أولاده وما تقدم في سبب النزول لا يأباه كما لا يخفى، وقيل العجل الطين بلغة حمير، وأنشد أبو عبيدة لبعضهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل منبته في الماء والعجل
واعترض بأنه لا تقريب لهذا المعنى هاهنا وقال الطيبي: يكون القصد عليه تحقير شأن جنس الإنسان تتميما لمعنى التهديد في قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ والمعول عليه المعنى الأول، والخطاب للكفرة المستعجلين، والمراد بآياته تعالى نقماته ، والمراد بإراءتهم إياها إصابته تعالى إياهم بها، وتلك الإراءة في
стр. 3713
الآخرة على ما يشير إليه ما بعد، وقيل فيها وفي الدنيا، والنهي عن استعجالهم إياه تعالى بالإتيان بها مع أن نفوسهم جبلت على العجلة ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق لأن الله تعالى أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها ويرجع هذا النهي إلى الأمر بالصبر، وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم «خلق الإنسان» ببناء «خلق» للفاعل ونصب «الإنسان» .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وقت وقوع الساعة الموعود بها، وكانوا يقولون ذلك استعجالا لمجيئه بطريق الاستهزاء والإنكار كما يرشد إليه الجواب لا طلبا لتعيين وقته بطريق الإلزام كما في سورة الملك، ومَتى في موضع رفع على أنه خبر لهذا.
ونقل عن بعض الكوفيين أنه في موضع نصب على الظرفية والعامل فيه فعل مقدر أي متى يأتي هذا الوعد إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنه يأتي والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن إتيان الساعة، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه فإن قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ حيث كان استبطاء منهم للموعود وطلبا لإتيانه بطريق العجلة في قوة طلب إتيانه العجلة فكأنه قيل إن كنتم صادقين فليأتنا بسرعة، وقوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه وفظاعة ما فيه من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم العلم بحسب المقام وإلا فكثيرا ما يفيد المضارع المنفي انتفاء الاستمرار، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على علة استعجالهم.
وقوله تعالى: حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ مفعول يَعْلَمُ على ما اختاره الزمخشري وهو عبارة عن الوقت الموعود الذي كانوا يستعجلونه، وإضافته إلى الجملة الجارية مجرى الصفة التي حقها أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضا مع إنكار الكفرة ذلك للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة إلى الإخبار به وإنما حقه الانتظام في سلك المسلمات المفروغ عنها، وجواب لَوْ محذوف أي لو لم يستمر عدم علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب، وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب واستلزام الإحاطة بهما للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على رفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ من جهة الغير في دفعها إلخ لما فعلوا ما فعلوا من الاستعجال، وقدر الحوفي لسارعوا إلى الإيمان وبعضهم لعلموا صحة البعث وكلاهما ليس بشيء، وقيل إن لَوْ للتمني لا جواب لها وهو كما ترى.
وجوز أن يكون يَعْلَمُ متروك المفعول منزلا منزلة اللام أي لو كان لهم علم لما فعلوا ذلك، وقوله تعالى:
حِينَ إلخ استئناف مقرر لجهلهم ومبين لاستمراره إلى ذلك الوقت كأنه قيل: حين يرون ما يرون يعلمون حقيقة الحال، وفي الكشف كأنه استئناف بياني وذلك أنه لما نفي العلم كان مظنة أن يسأل فأي وقت يعلمون؟ فأجيب حين لا ينفعهم، والظاهر كون حِينَ إلخ مفعولا به ليعلم.
وقال أبو حيان: الذي يظهر أن مفعوله محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطؤوه وحِينَ منصوب بذلك المفعول وليس عندي بظاهر بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً عطف على لا يَكُفُّونَ وزعم ابن عطية أنه استدراك مقدر قبله نفي والتقدير إن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة،
стр. 3714
وقيل: إنه استدراك عن قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ إلخ وهو منفي معنى كأنه قيل: لا يعلمون ذلك بل تأتيهم إلخ، وبينه وبين ما زعمه ابن عطية كما بين السماء الأرض. والمضمر في تَأْتِيهِمْ عائد على الْوَعْدُ لتأويله بالعدة أو الموعدة أو الحين لتأويله بالساعة أو على النَّارَ واستظهره في البحر، بَغْتَةً أي فجأة مصدر في موضع الحال أو مفعول مطلق لتأتيهم وهو مصدر من غير لفظه فَتَبْهَتُهُمْ تدهشهم وتحيرهم أو تغلبهم على أنه معنى كنائي.
وقرأ الأعمش «بل يأتيهم» بياء الغيبة «بغتة» بفتح الغين وهو لغة فيها، وقيل: إنه يجوز في كل ما عينه حرف حلق «فيبهتهم» بياء الغيبة أيضا، فالضمير المستتر في كل من الفعلين للوعد أو للحين على ما قال الزمخشري.
وقال أبو الفضل الرازي: يحتمل أن يكون للنار بجعلها بمعنى العذاب فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها الضمير المجرور عائد على ما عاد عليه ضمير المؤنث فيما قبله، وقيل: على البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي يمهلون ليستريحوا طرفة عين، وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ إلخ تسلية لرسوله ﷺ عن استهزائهم بعد أن قضى الوطر من ذكر الأجوبة الحكمية عن مطاعنهم في النبوة وما أدمج فيها من المعاني التي هي لباب المقاصد وفيه أنه ﵊ قضى ما عليه من عهدة الإبلاغ وأنه المنصور في العاقبة ولهذا بدىء بذكر أجلة الأنبياء ﵈ للتأسي وختم بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ [الأنبياء: ١٠٥] إلخ، وتصدير ذلك بالقسم لزيادة تحقيق مضمونه، وتنوين الرسل للتفخيم والتكثير، ومن متعلقة بمحذوف هو صفة له أي وبالله لقد استهزىء برسل أولى شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فَحاقَ أي أحاط عقيب ذلك أو نزل أو حل أو نحو ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، وقيل: أصل حاق حق كزال وزل وذام وذم. وقوله تعالى: بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ أي من أولئك الرسل ﵈ متعلق بحاق. وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم، وما إما موصولة مفيدة للتهويل والضمير المجرور عائد عليها والجار متعلق بالفعل بعده وتقديمه لرعاية الفواصل أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث أهلكوا لأجله. وإما مصدرية فالضمير راجع إلى جنس الرسول المدلول عليه بالجمع كما قالوا. ولعل إيثار الأفراد على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاء استهزائهم بكل واحد منهم ﵈ لأجزاء استهزائهم بكلهم من حيث هو فقط أي فنزل بهم جزاء استهزائهم على وضع السبب موضع المسبب إيذانا بكمال الملابسة بينهما أو عين استهزائهم إن أريد بذلك العذاب الأخروي بناء على ظهور الأعمال في النشأة الأخروية بصور مناسبة لها في الحسن والقبح قُلْ أمر له ﷺ أن يسأل أولئك المستهزئين سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغتروا بما غشيهم من نعم الله تعالى ويقول مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أي يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ أي من بأسه بقرينة الحفظ، وتقديم الليل لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا.
وفي التعرض لعنوان الرحمانية تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته تعالى وتلقين للجواب كما قيل في قوله تعالى:
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] وقيل إن ذلك إيماء إلى أن بأسه تعالى إذا أراد شديد أليم ولذا يقال نعوذ بالله من غضب الحليم وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته ودلالة على شدة خبثهم.
وقرأ أبو جعفر والزهري وشيبة «يكلوكم» بضمة خفيفة من غير همز، وحكى الكسائي والفراء «يكلوكم» بفتح اللام وإسكان الواو، وقوله تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ إضراب عن ذلك تسجيلا عليهم بأنهم ليسوا
стр. 3715
من أهل السماع وأنهم قوم ألهتهم النعم عن المنعم فلا يذكرونه حتى يخافوا بأسه أو يعدوا ما كانوا فيه من الأمن والدعة حفظا وكلاءة ليسألوا عن الكالئ على طريقة قوله:
عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار ... ماذا تحيون من نوء وأحجار
وفيه أنهم مستمرون على الأعراض ذكروا ونبهوا أولا، وفي تعليق الأعراض بذكره تعالى وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصية من الضلالة والغي ما لا يخفى، وقيل إنه إضراب عن مقدر أي إنهم غير غافلين عن الله تعالى حتى لا يجدي السؤال عنه سبحانه كيف وهم إنما اتخذوا الآلهة وعبدوها لتشفع لهم عنده تعالى وتقربهم إليه زلفى بل هم معرضون عن ذكره فالتذكير يناسبهم، وهذا مع ظهوره من مساق الكلام ووضوح انطباقه على مقتضى المقام قد خفي عن الناظرين وغفلوا عنه أجمعين اهـ.
وتعقب بأن السياق لتجهيلهم والتسجيل عليهم بأنهم إذا ذكروا لا يذكرون ألا يرى قوله تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ [الأنبياء: ٤٥] وما ذكر يقتضي العكس لتضمنه وصفهم بإجداء الإنذار والدعاء مع أن قوله غير غافلين مناف لما يدل عليه النظم الكريم فالحق ما تقدم، وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا إعراض عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إليها، فأم منقطعة مقدرة ببل والهمزة ولَهُمْ خبر مقدم وآلِهَةٌ مبتدأ وجملة تَمْنَعُهُمْ صفته ومِنْ دُونِنا قيل صفة بعد صفة أي بل ألهم آلهة مانعة لهم متجاوزة منعنا أو حفظنا فهم معولون عليها واثقون بحفظها، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن في الكلام تقديما وتأخيرا والأصل أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، وعليه يكون مِنْ دُونِنا صفة أيضا، وقال الحوفي: إنه متعلق بتمنعهم أي بل ألهم آلهة تمنعهم من عذاب من عندنا، والاستفهام لإنكار أن يكون لهم آلهة كذلك، وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة الموصوفة بما ذكر لا إلى نفس الصفة بأن يقال أم تمنعهم آلهتهم إلخ من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود فضلا عن رتبة المنع ما لا يخفى.
وقال بعض الأجلة: إن الإضراب الذي تضمنته أَمْ عائد على الأمر بالسؤال كالإضراب السابق لكنه أبلغ منه من حيث إن سؤال الغافل عن الشيء بعيد وسؤال المعتقد لنقيضه أبعد، وفهم منه بعضهم أن الهمزة عليه للتقرير بما في زعم الكفرة تهكما.
وتعقب أنه ليس بمتعين فيجوز أن يكون للإنكار لا بمعنى أنه لم يكن منهم زعم ذلك بل بمعنى أنه لم كان مثله مما لا حقيقة له، والأظهر عندي جعله عائدا على الوصف بالإعراض كما سمعت أولا، وفي الكشف ضمن الإعراض عن وصفهم بالإعراض إنكاره أبلغ الإنكار بأنهم في إعراضهم عن ذكره تعالى كمن له كالىء يمنعه عن بأسنا معرضا فيه بجانب آلهتهم وأنهم أعرضوا عنه تعالى واشتغلوا بهم ولهذا رشح بما بعد كأنه قيل دع حديث الإعراض وانظر إلى من أعرضوا عن ربهم سبحانه إليه فإن هذا أطم وأطم فتأمله فإنه دقيق.
وقوله تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ استئناف مقرر لما قبله من الإنكار أي لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو بمن يدفع عنهم ذلك من جهتنا فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم فيهم ما يتوهم، فالضمائر للآلهة بتنزيلهم منزلة العقلاء وروي عن قتادة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها للكفرة على معنى لا يستطيع الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم ولا يصحبهم
стр. 3716
نصر من جهتنا، والأول أولى بالمقام وإن كان هذا أبعد عن التفكيك، ومِنَّا على القولين يحتمل أن يتعلق بالفعل بعده وأن يتعلق بمقدر وقع صفة لمحذوف.
وقوله تعالى: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ إلخ إضراب على ما في الكشف عن الضرب السابق من الكلام إلى وعيدهم وأنهم من أهل الاستدراج وأخرجهم عن الخطاب عدم مبالاة بهم، وفي العدول إلى الإشارة عن الضمير إشارة إلى تحقيرهم، وفي غير كتاب إنه إضراب عما توهموه من أن ما هم فيه من الكلاءة من جهة أن لهم آلهة تمنعهم من تطرق البأس إليهم كأنه قيل دع ما زعموا من كونهم محفوظين بكلاءة آلهتهم بل ما هم فيه من الحفظ منا لا غير حفظناهم من البأساء ومتعناهم بأنواع السراء لكونهم من أهل الاستدراج والانهماك فيما يؤديهم إلى العذاب الأليم.
ويحتمل أن يكون إضرابا عما يدل عليه الاستئناف السابق من بطلان توهمهم كأنه قيل دع ما يبين بطلان توهمهم من أن يكون لهم آلهة تمنعهم واعلم أنهم إنما وقعوا في ورطة ذلك التوهم الباطل بسبب أنا متعناهم بما يشتهون حتى طالت مدة عمارة أبدانهم بالحياة فحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا وأعرضوا عن الحق واتبعوا ما سولت لهم أنفسهم وذلك طمع فارغ وأمل كاذب أَفَلا يَرَوْنَ أي ألا ينظرون فلا يرون أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أي أرض الكفرة أو أرضهم نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بتسليط المسلمين عليها وحوز ما يحوزونه منها ونظمه في سلك ملكهم، والعدول عن أنا ننقص الأرض من أطرافها إلى ما في النظم الجليل لتصوير كيفية نقصها وانتزاعها من أيديهم فإنه بإتيان جيوش المسلمين واستيلائهم، وكان الأصل يأتي جيوش المسلمين لكنه أسند الإتيان إليه تعظيما لهم وإشارة إلى أنه بقدرته تعالى ورضاه، وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين.
والآية كما قدمنا أول السورة مدنية وهي نازلة بعد فرض الجهاد فلا يرد أن السورة مكية والجهاد فرض بعدها حتى يقال: إن ذلك إخبار عن المستقبل أو يقال: إن المراد ننقصها بإذهاب بركتها كما جاء في رواية عن ابن عباس أو بتخريب قراها وموت أهلها كما روي عن عكرمة، وقيل ننقصها بموت العلماء وهذا إن صح عن رسول الله ﷺ فلا معدل عنه وإلا فالأظهر نظرا إلى المقام ما تقدم ويؤيده قوله تعالى: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ على رسول الله ﷺ والمؤمنين.
والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها كأنه قيل أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم، وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بعد ما بيّن من جهته تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون ونهاية سوء حالهم عند إتيانه ونعي عليهم جهلهم بذلك وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار وغير ذلك من مساويهم أمر ﵊ بأن يقول لهم: إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة بِالْوَحْيِ الصادق الناطق بإثباتها وفظاعة ما فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذركم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية فإن الإيمان برهان لأعياني.
وقوله تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إما من تتمة الكلام الملقن تذييل له بطريق الاعتراض قد أمر ﷺ بأن يقوله لهم توبيخا وتقريعا وتسجيلا عليهم بكمال الجهل والعناد، وإما من جهته تعالى على طريقة قوله سبحانه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ كأنه قيل قل لهم ذلك وهم بمعزل عن السماع، واللام في الصم إما للجنس المنتظم لهؤلاء الكفرة انتظاما أوليا وإما للعهد فوضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالتصامم، وتقييد نفي السماع بقوله تعالى: إِذا ما يُنْذَرُونَ مع أن الصم لا يسمعون مطلقا لبيان كمال شدة الصمم كما أن إيثار الدعاء الذي هو
стр. 3717
عبارة عن الصوت والنداء على الكلام لذلك، فإن الإنذار عادة يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه فإذا لم يسمعوها يكن صممهم في غاية لم يسمع بمثلها، وقيل لأن الكلام في الإنذار ألا ترى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وفيه دغدغة لا تخفى.
وقرأ ابن عامر وابن جبير عن أبي عمرو وابن الصلت عن حفص «تسمع» بالتاء على الخطاب للنبي ﷺ من الأسماع «الصمّ الدعاء» بنصبهما على المفعولية، وهذه القراءة تؤيد احتمال كون الجملة من جهته تعالى وقرىء «يسمع» بالياء على الغيبة وإسناد الفعل إلى ضميره ﷺ «الصم الدعاء» بنصبهما على ما مر. وذكر ابن خالويه أنه قرىء «يسمع» مبنيا للمفعول «الصم» بالرفع على النيابة عن الفاعل «الدعاء» بالنصب على المفعولية. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو «يسمع» بضم ياء الغيبة وكسر الميم «الصمّ» بالنصب على المفعولية «الدعاء» بالرفع على الفاعلية يسمع، وإسناد الأسماع إليه من باب الاتساع والمفعول الثاني محذوف كأنه قيل ولا يسمع الصم الدعاء شيئا، وقوله تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ بيان لسرعة تأثرهم من مجيء نفس العذاب إثر بيان عدم تأثرهم من مجيء خبره على نهج التوكيد القسمي أي وبالله لئن مسهم أدنى شيء من عذابه تعالى: لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ليدعن على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفن عليها بالظلم السابق، وفي مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ثلاث مبالغات كما قال الزمخشري وهي كما في الكشف ذكر المس وهو دون النفوذ ويكفي في تحققه إيصال ما، وما في النفح من معنى النزارة فإن أصله هبوب رائحة الشيء ويقال نفحته الدابة ضربته بحد حافرها ونفحه بعطية رضخه وأعطاه يسيرا، وبناء المرة وهي لأقل ما ينطلق عليه الاسم، وجعل السكاكي التنكير رابعتها لما يفيده من التحقير، واستفادة ذلك إن سلمت من بناء المرة ونفس الكلمة لا يعكر عليه كما زعم صاحب الإيضاح.
واعترض بعضهم المبالغة في المس بأنه أقوى من الإصابة لما فيه من الدلالة على تأثر حاسة الممسوس ومما ذكر في الكشف يعلم اندفاعه لمن مسته نفحة عناية، ولعل في الآية مبالغة خامسة تظهر بالتأمل ثم الظاهر أن هذا المس يوم القيامة كما رمزنا إليه، وقيل في الدنيا بناء على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من تفسير النفحة بالجوع الذي نزل بمكة وقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه.
وجعل الطيبي الجملة حالا من الضمير في لَيَقُولُنَّ بتقدير ونحن نضع، وهي في الخلو عن العائد نحو جئتك والشمس طالعة، ويجوز أن يقال: أقيم العموم في نَفْسٌ الآتي بعد مقام العائد وهو كما ترى أي ونحضر الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال كما يقضي بذلك حديث السجلات والبطاقة التي ذكره مسلم وغيره أو نفس الأعمال كما قيل، وتظهر بصور جوهرية مشرقة إن كانت حسنات ومظلمة إن كانت سيئات، وجمع الموازين ظاهر في تعدد الميزان حقيقة وقد قيل به فقيل لكل أمة ميزان، وقيل لكل مكلف ميزان، وقيل للمؤمن موازين بعد خيراته وأنواع حسناته، والأصح أشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفّتاه كأطباق السموات، والأرض لصحة الأخبار بذلك، والتعدد اعتباري وقد يعبر عن الواحد بما يدل على الجمع للتعظيم كقوله تعالى: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً [المؤمنون: ٩٩] وقوله فارحموني يا إله محمّد، وإحضار ذلك تجاه العرش بين الجنة والنار ويأخذ جبريل ﵇ بعموده ناظرا إلى لسانه وميكائيل ﵇ أمين عليه كما في نوادر الأصول، وهل هو مخلوق اليوم أو سيخلق غدا؟.
قال اللقاني: لم أقف على نص في ذلك كما لم أقف على نص في أنه من أي الجواهر هو اهـ، وما روي من أن داود ﵇ سأل ربه سبحانه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ
стр. 3718
كفته حسنات؟ فقال تعالى: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة نص في أنه مخلوق اليوم لكن لا أدري حال الحديث فلينقر.
وأنكر المعتزلة الميزان بالمعنى الحقيقي وقالوا: يجب أن يحمل ما ورد في القرآن من ذلك على رعاية العدل والإنصاف، ووضع الموازين عندهم تمثيل لأرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال، وروي هذا عن الضحاك وقتادة ومجاهد والأعمش ولا داعي إلى العدول عن الظاهر، وأفراد القسط مع كونه صفة الجمع لأنه مصدر ووصف به مبالغة، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي ذوات القسط، وجوز أبو حيان أن يكون مفعولا لأجله نحو قوله:
لا أقعد الجبن عن الهيجاء وحينئذ يستغني عن توجيه أفراده. وقرىء «القصط» بالصاد، واللام في قوله تعالى: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ بمعنى في كما نص عليه ابن مالك وأنشد لمجيئها كذلك قول مسكين الدارمي:
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم ... كما مضى من قبل عاد وتبع
وهو مذهب الكوفيين ووافقهم ابن قتيبة أي نضع الموازين في يوم القيامة التي كانوا يستجعلونها وقال غير واحد: هي للتعليل أي لأجل حساب يوم القيامة أو لأجل أهله وجعلها بعضهم للاختصاص كما هو أحد احتمالين في قولك جئت لخمس ليال خلون من الشهر، والمشهور فيه وهو الاحتمال الثاني أن اللام بمعنى في: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ من النفوس شَيْئاً من الظلم فلا ينقص ثوابها الموعود ولا يزاد عذابها المعهود. فالشيء منصوب على المصدرية والظلم هو بمعناه المشهور.
وجوّز أن يكون شَيْئاً مفعولا به على الحذف والإيصال والظلم بحالة أي فلا تظلم في شيء بأن تمنع ثوابا أو تزاد عذابا، وبعضهم فسر الظلم بالنقص وجوّز في شَيْئاً المصدرية والمفعولية من غير اعتبار الحذف والإيصال أي فلا تنقص شيئا من النقص أو شيئا من الثواب، ويفهم عدم الزيادة في العقاب من إشارة النص واللزوم المتعارف، واختير ما لا يحتاج فيه إلى الإشارة واللزوم، والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين.
وربما يفهم من ذلك أن كل أحد من توزن أعماله، وقال القرطبي: الميزان حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل الحديث الصحيح فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن الحديث وأحرى الأنبياء ﵈، وقوله تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [الرحمن: ٤١] وقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الكهف: ١٠٥] . وقوله سبحانه: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣] . وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله سبحانه من الفريقين.
وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم الأجر صبا، وظواهر أكثر الآيات والأحاديث تقتضي وزن أعمال الكفار، وأول لها ما اقتضى ظاهره خلاف ذلك وهو قليل بالنسبة إليها، وعندي لا قاطع في عموم الوزن وأميل إلى عدم العموم، ثم إنه كما اختلف في عمومه بالنسبة إلى أفراد الأنس اختلف في عمومه بالنسبة إلى نوعي الإنس والجن، والحق أن مؤمني الجن كمؤمني الإنس وكافرهم ككافرهم كما بحثه القرطبي واستنبطه من عدة آيات، وبسط اللقاني القول في ذلك في شرحه الكبير للجوهرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الخلاف في كيفية الوزن وَإِنْ كانَ أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين، وقيل الضمير راجع لشيئا بناء على أن المعنى فلا تظلم جزاء عمل من الأعمال مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي مقدار حبة كائنة من خردل فالجار والمجرور
стр. 3719
متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة، وجوز أن يكون صفة لمثقال والأول أقرب، والمراد وإن كان في غاية القلة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، وأبو جعفر وشيبة ونافع «مثقال» بالرفع على أن كان تامة أَتَيْنا بِها أي جئنا بها وبه قرأ أبي، والمراد أحضرناها، فالباء للتعدية والضمير للمثقال وأن لاكتساب التأنيث من المضاف إليه والجملة جواب إن الشرطية، وجوز أن تكون إن وصلية والجملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبي إسحق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن شريح الأصبهاني «آتينا» بمدة على أنه مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه تعالى بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقيل هو من الإيتاء وأصله أأتينا فأبدلت الهمزة الثانية ألفا، والمراد جازينا أيضا مجازا ولذا عدي بالباء ولو كان المراد أعطينا كما قال بعضهم لتعدي بنفسه كما قال ابن جني وغيره. وقرأ حميد «أثبنا» من الثواب وَكَفى بِنا حاسِبِينَ قيل أي عادين ومحصين أعمالهم على أنه من الحساب مرادا به معناه اللغوي وهو العد وروي ذلك عن السدي، وجوز أن يكون كناية عن المجازاة. وذكر اللقاني أن لحساب في عرف الشرع توقيف الله تعالى عباده إلا من استثني منهم قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيرا كانت أو شرا تفصيلا لا بالوزن، وأنه كما ذكر الواحدي وغيره وجزم به صاحب كنز الأسرار قبل الوزن، ولا يخفى أن في الآية إشارة ما إلى أن الحساب المذكور فيها بعد وضع الموازين فتأمل، ونصب الوصف إما على أنه تمييز أو على أنه حال واستظهر الأول في البحر.
هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ إلخ فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين بحب الدنيا عن الاستعداد للأخرى فغفلوا عن إصلاح أمرهم وأعرضوا عن طاعة ربهم وغدت قلوبهم عن الذكر لاهية وعن التفكر في جلاله وجماله سبحانه ساهية، وفي قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إشارة إلى سوء حال بعض المنكرين على أولياء الله تعالى فإن نفوسهم الخبيثة الشيطانية تأبى اتباعهم لما يرون من المشاركة في العوارض البشرية وَكَمْ قَصَمْنا قبلهم مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً فيه إشارة إلى أن في الظلم خراب العمران فمتى ظلم الإنسان خرب قلبه وجر ذلك إلى خراب بدنه وهلاكه بالعذاب، وفي قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ إشارة إلى أن مداومة الذكر سبب لانجلاء الظلمة عن القلب وتطهره من دنس الأغيار بحيث لا يبقى فيه سواه سبحانه ديار وَمَنْ عِنْدَهُ قيل هم الكاملون الذين في الحضرة فإنهم لا يتحركون ولا يسكنون إلا مع الحضور ولا تشق عليهم عبادة ولا تلهيهم عنه تعالى تجارة بواطنهم مع الحق وظواهرهم مع الخلق أنفاسهم تسبيح وتقديس وهو سبحانه لهم خير أنيس، وفي قوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إشارة إلى أن الكامل لا يختار شيئا بل شأنه التفويض والجريان تحت مجاري الأقدار مع طيب النفس، ومن هنا قيل إن القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وغمرنا بره لم يتوفّ حتى ترقى عن مقام الإدلال إلى التفويض المحض، وقد نص على ذلك الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه الجواهر واليواقيت وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ قد تقدم ما فيه من الإشارة كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ قال الجنيد قدس سره: من كانت حياته بروحه يكون مماته بذهابها ومن كانت حياته بربه تعالى فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قيل أي بالقهر واللطف والفراق والوصال والإدبار والإقبال والجهل والعلم إلى غير ذلك، ولا يخفى أنه كثيرا ما يمتحن السالك بالقبض والبسط فينبغي له التثبت في كل عما يحطه عن درجته، ولعل فتنة البسط أشد من فتنة القبض فليتحفظ هناك أشد تحفظ وَنَضَعُ
стр. 3720
الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
قال بعض الصوفية: الموازين متعددة فللعاشقين ميزان وللوالهين ميزان وللعاملين ميزان وهكذا، ومن ذلك ميزان للعارفين توزن به أنفاسهم ولا يزن نفسا منها السموات والأرض.
وذكروا أن في الدنيا موازين أيضا أعظم موازينها الشريعة وكفتا الكتاب والسنة، ولعمري لقد عطل هذا الميزان متصوفة هذا الزمان أعاذنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلال إنه المتفضل بأنواع الأفضال.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ إلى قوله سبحانه: وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [الأنبياء: ٧. ٩] وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم، وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه، والمراد بالفرقان التوراة وكذا بالضياء والذكر، والعطف كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
ونقل الطيبي أنه أدخل الواو على ضِياءً وإن كان صفة في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظا كقوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأنفال: ٤٩، الأحزاب: ١٢] وقال سيبويه: إذا قلت مررت بزيد وصاحبك جاز وإن قلت مررت بزيد فصاحبك بالفاء لم يجز كما جاز بالواو لأن الفاء تقتضي التعقب وتأخير الاسم عن المعطوف عليه بخلاف الواو، وأما قول القائل:
يا لهف زيابة للحارث الصا ... بح فالغانم فالآيب
فإنما ذكر بالفاء وجاد لأنه ليس بصفة على ذلك الحد لأن أل بمعنى الذي أي فالذي صبح فالذي غنم فالذي آب، وأبو الحسن يجيز المسألة بالفاء كما يجيزها بالواو انتهى، والمعنى وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية وذكرا يتعظ به الناس ويتذكرون، وتخصيص للمتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به أو ذكر ما يحتاجون به من الشرائع والأحكام أو شرف لهم.
وقيل: الفرقان النصر كما في قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال: ٤١] وأطلق عليه لفرقه بين الولي والعدو وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس، والضياء حينئذ إما التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء. والذكر بأحد المعاني المذكورة.
وعن الضحاك أن الفرقان فلق البحر والفرق والفلق اخوان، وإلى الأول ذهب مجاهد وقتادة وهو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: ٥] .
وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك «ضياء» بغير واو على أنه حال من «الفرقان» وهذه القراءة تؤيد أيضا التفسير الأول، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ مجرور المحل على أنه صفة مادحة المتقين أو بدل أو بيان أو منصوب أو مرفوع على المدح، والمراد على كل تقدير يخشون عذاب ربهم. وقوله سبحانه بِالْغَيْبِ حال من المفعول أي يخشون ذلك وهو غائب عنهم غير مرئي لهم ففيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه.
وقال الزجاج: حال من الفاعل أي يخشونه غائبين عن أعين الناس ورجحه ابن عطية. وقيل: يخشونه بقلوبهم وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ أي خائفون بطريق الاعتناء، والجملة تحتمل العطف على الصلة وتحتمل الاستئناف، وتقديم الجار لرعاية الفواصل، وتخصيص إشفاقهم من الساعة بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان
стр. 3721
بكونها معظم المخلوقات وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على أن حالتهم فيما يتعلق بالآخرة الإشفاق الدائم وَهذا أي القرآن الكريم أشير إليه بهذا للإيذان بسهولة تناوله ووضوح أمره، وقيل: لقرب زمانه ذِكْرٌ يتذكر به من تذكر وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقته لما مر في صدر السورة الكريمة مع انطواء جميع ما تقدم في وصفه بقوله سبحانه: مُبارَكٌ أي كثير الخير غزير النفع ولقد عاد علينا والله تعالى الحمد من بركته ما عاد.
وقوله تعالى: أَنْزَلْناهُ إما صفة ثانية لذكر أو خبر آخر لهذا، وفيه على التقديرين من تعظيم أمر القرآن الكريم ما فيه أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ إنكار لإنكارهم بعد ظهور كونه كالتوراة كأنه قيل أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له أصلا وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل أو للحصر لأنهم معترفون بغيره مما في أيدي أهل الكتاب.
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الرشد الكامل أعني الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا والإرشاد بالنواميس الإلهية وقيل: الصحف، وقيل: الحكمة، وقيل: التوفيق للخير صغيرا، واختار بعضهم التعميم.
وقرأ عيسى الثقفي «رشده» بفتح الراء والشين وهما لغة كالحزن والحزن مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى وهارون، وقيل من قبل البلوغ حين خرج من السرب، وقيل من قبل أن يولد حين كان في صلب آدم ﵇، وقيل من قبل محمد ﷺ والأول مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قال في الكشف: وهو الوجه الأوفق لفظا ومعنى، أما الأول فللقرب، وأما الثاني فلأن ذكر الأنبياء ﵈ للتأسي، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى ﵈ لكن روعي في ذلك ترشيح التسلي والتأسي فقد ذكر موسى ﵇ لأن حاله وما قاساه من قومه وكثرة آياته وتكاثف أمته أشبه بحال نبينا ﵊ ثم ثنى بذكر إبراهيم ﵇، وقيل مِنْ قَبْلُ لهذا ألا ترى إلى قوله تعالى وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ [الأنبياء: ٧٦] أي من قبل هؤلاء المذكورين، وقيل من قبل إبراهيم ولوط اهـ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ أي بأحواله وما فيه من الكمالات، وهذا كقولك في خير من الناس:
أنا عالم بفلان فإنه من الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل.
وجوز أن يكون هذا كناية عن حفظه تعالى إياه وعدم إضاعته، وقد قال ﵇ يوم إلقائه في النار وقول جبريل ﵇ له سل ربك: علمه بحالي يغني عن سؤالي وهو خلاف الظاهر إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ظرف لآتينا على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما يترتب عليه من أقواله وأفعاله، وجوّز أن يكون ظرفا لرشد أو لعالمين، وأن يكون بدلا من موضع مِنْ قَبْلُ وأن ينتصب بإضمار أعني أو أذكر، وبدأ بذكر الأب لأنه كان الأهم عنده ﵇ وفي النصيحة والإنقاذ من الضلال.
والظاهر أنه ﵇ قال له ولقومه مجتمعين: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ أراد ﵇ ما هذه الأصنام إلا أنه عبر عنها بالتماثيل تحقيرا لشأنها فإن التمثال الصورة المصنوعة مشبّهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به. وكانت على ما قيل صور الرجال يعتقدون فيهم وقد انقرضوا، وقيل كانت صور الكواكب صنعوها حسبما تخيلوا، وفي الإشارة إليها بما يشار به للقريب إشارة إلى التحقير أيضا، والسؤال عنها بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم من باب تجاهل العارف كأنه لا يعرف أنها ماذا وإلا فهو ﵇ محيط بأن حقيقتها حجر أو نحوه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وقيل اللزوم
стр. 3722
والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض وهو على التفسيرين دون العبادة ففي اختياره عليها إيماء إلى تفظيع شأن العبادة غاية التفظيع، واللام في لَها للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى: لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف:
٤٣] أو للتعليل فهي متعلقة بعاكفون وليست للتعدية لأن عكف إنما يتعدى بعلى كما في قوله تعالى: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] وقد نزل الوصف هنا منزلة اللازم أي التي أنتم لها فاعلون العكوف.
واستظهر أبو حيان كونها للتعليل وصلة عاكِفُونَ محذوفة أي عاكفون على عبادتها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى على كما قيل ذلك في قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧] وتتعلق حينئذ بعاكفون على أنها للتعدية.
وجوز أن يؤول العكوف بالعبادة فاللام حينئذ كما قيل دعامة لا معدية لتعديه بنفسه ورجح هذا الوجه بما بعد، وقيل لا يبعد أن تكون اللام للاختصاص والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبرا وعاكِفُونَ خبر بعد خبر، وأنت تعلم أنه نفي بعده مكابرة، ومن الناس من لم يرتض تأويل العكوف بالعبادة لما
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن علي كرّم الله تعالى وجهه أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفى خير له من أن يمسها
، وفيه نظر لا يخفى، نعم لا يبعد أن يكون الأولى إبقاء العكوف على ظاهره، ومع ذلك المقصود بالذات الاستفسار عن سبب العبادة والتوبيخ عليها بألطف أسلوب ولما لم يجدوا ما يعول عليه في أمرها التجئوا إلى التشبث بحشيش التقليد المحض حيث قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ وأبطل ﵇ ذلك على طريقة التوكيد القسمي حيث قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الذين وجدتموهم كذلك فِي ضَلالٍ عجيب لا يقادر قدره مُبِينٍ ظاهر بين بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه ضلالا لاستنادكم وإياهم إلى غير دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع، وأَنْتُمْ تأكيد للضمير المتصل في كُنْتُمْ ولا بد منه عند البصريين لجواز العطف على مثل هذا الضمير، ومعنى كنتم في ضلال مطلق استقرارهم وتمكنهم فيه لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل زمان الخطاب المتناول لهم ولآبائهم، وفي اختيار فِي ضَلالٍ على ضالين ما لا يخفى من المبالغة في ضلالهم، وفي الآية دليل على أن الباطل لا يصير حقا بكثرة المتمسكين به قالُوا لما سمعوا مقالته ﵇ استبعادا لكون ما هم عليه ضلالا وتعجبا من تضليله ﵇ إياهم على أتم وجه أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أي بالجد أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ أي الهازلين فالاستفهام ليس على ظاهره بل هو استفهام مستبعد متعجب، وقولهم أَمْ أَنْتَ إلخ عديله كلام منصف مومىء فيه بألطف وجه أن الثابت هو القسم الثاني لما فيه من أنواع المبالغة، وأشار في الكشاف كما في الكشف إلى أن الأصل هذا الذي جئتنا به أهو جد وحق أم لعب وهزل إلا أنه عدل عنه إلى ما عليه النظم الكريم لما أشير إليه.
وقال صاحب المفتاح: أي أجددت وأحدثت عندنا تعاطي الحق أم أحوال الصبا بعد على الاستمرار وهو أقرب إلى الظاهر وفيه الإشارة إلى فائدة العدول عن المعادل ظاهر أو بيان المراد بالمجيء وظاهر كلام الشيخين أن أم متصلة. واختار العلامة الطيبي أنها منقطعة فقال: إنهم لما سمعوا منه ﵇ ما يدل على تحقير آلهتهم وتضليلهم وآبائهم على أبلغ وجه وشاهدوا منه الغلظة والجد طلبوا منه ﵇ البرهان فكأنهم قالوا هب أنا قد قلدنا آباءنا فيما نحن فيه فهل معك دليل على ما ادعيت أجئتنا بالحق ثم أضربوا عن ذلك وجاؤوا بأم المتضمنة لمعنى بل الإضرابية والهمزة التقديرية فاضربوا ببل عما أثبتوا له وقرروا بالهمزة خلافه على سبيل التوكيد والبت، وذلك أنهم قطعوا أنه لاعب وليس بمحق البتة لأن إدخالهم إياه في زمرة اللاعبين أي أنت غرق في اللعب داخل في زمرة الذين قصارى أمرهم في إثبات الدعاوى اللعب واللهو على سبيل الكناية إلا بمائية دل على إثبات ذلك بالدليل والبرهان، وهذه الكناية توقفك
стр. 3723
على أن أم لا يجوز أن تكون متصلة قطعا وكذا بل فيما بعد انتهى والحق أن جواز الانقطاع مما لا ريب فيه، وأما وجوبه ففيه ما فيه.
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدون من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه. وهذا انتقال عن تضليلهم في عبادة الأصنام ونفي عدم استحقاقها لذلك إلى بيان الحق وتعيين المستحق للعبادة، وضمير فَطَرَهُنَّ أما للسموات والأرض واستظهره أبو حيان، ووصفه تعالى بإيجادهن أثر وصفه سبحانه بربوبيته لهن تحقيقا للحق تنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل عن الربوبية التي هي منشأ استحقاق العبادة. وإما للتماثيل ورجح بأنه أدخل في تحقيق الحق وإرشاد المخاطبين إليه، وليس هذا الضمير من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات كما ظنه ابن عطية فتكلف لتوجيه عوده لما لا يعقل، وقوله تعالى: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ تذييل متضمن لرد نسبتهم إياه ﵇ إلى اللعب والهزل، والإشارة إلى المذكور، والجار الأول متعلق بمحذوف أي وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين أو على جهة البيان أي أعني على ذلكم أو متعلق بالوصف بعده، وإن كان في صلة أل لاتساعهم في المظروف أقوال مشهورة، والمعنى وأنا على ذلكم الذي ذكرته من العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه ولست من اللاعبين، فإن الشاهد على الشيء من تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليها وإثباته بها.
وقال شيخ الإسلام: إن قوله: بَلْ رَبُّكُمْ إلخ إضراب عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كون تلك التماثيل أربابا لهم كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل ربكم إلخ وقال القاضي: هو إضراب عن كونه ﵇ لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه، وجعله الطيبي إضرابا عن ذلك أيضا قال: وهذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يجيبهم ﵇ بقوله بل أنا من المحقين ولست من اللاعبين فجاء بقوله: بَلْ رَبُّكُمْ الآية لينبه به على أن إبطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ولكن انظروا إلى هذه العظيمة وهي أنكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم ورازقكم ومالك العالمين والذي فطر ما أنتم لها عاكفون وتشتغلون بعبادتها دونه فأي باطل أظهر من ذلك وأي ضلال أبين منه.
وقوله: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ تذييل للجواب بما هو مقابل لقولهم: أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ من حيث الأسلوب وهو الكناية ومن حيث التركيب وهو بناء الخبر على الضمير كأنه قال: لست من اللاعبين في الدعاوى بل من العالمين فيها بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي نقطع به الدعاوى اهـ، ولا يخفى أنه يمكن إجراء هذا على احتمال كون أم متصلة فافهم وتأمل ليظهر لك أي التوجيهات لهذا الاضراب أولى وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ أي لأجتهدن في كسرها، وأصل الكيد الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه وهو يستلزم الاجتهاد فتجوز به عنه، وفيه إيذان بصعوبة لانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل ليحتاطوا في الحفظ فيكون الظفر بالمطلوب أتم في التبكيت، وكان هذا منه ﵇ عزما على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر، ولا يأباه ما روي عن قتادة أنه قال:
نرى أنه ﵇ قال ذلك من حيث لا يسمعون وقيل سمعه رجل واحد منهم، وقيل قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا إلى العيد وكانت الأصنام سبعين: وقيل اثنين وسبعين.
وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل «بالله» بالباء ثانية الحروف وهي أصل حروف القسم إذ تدخل على الظاهر والمضمر ويصرح بفعل القسم معها ويحذف والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو قائمة مقام الباء للمناسبة بينهما من حيث كونهما شفويتين ومن حيث إن الواو تفيد معنى قريبا من معنى الإلصاق على ما ذكره كثير من النحاة.
стр. 3724
وتعقبه في البحر بأنه لا يقوم على ذلك دليل، وقدره السهيلي، والذي يقتضيه النظر إنه ليس شيء من هذه الأحرف أصلا لآخر، وفرق بعضهم بين الباء والتاء بأن في التاء المثناة زيادة معنى وهو التعجب، وكان التعجب هنا من إقدامه ﵇ على أمر فيه مخاطرة. ونصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب ويجوز أن لا يكون واللام هي التي يلزمها التعجب في القسم، وفرق آخرون بينهما استعمالا بأن التاء لا تستعمل إلا مع اسم الله الجليل أو مع رب مضافا إلى الكعبة على قلة بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ من عبادتها إلى عيدكم. وقرأ عيسى بن عمر تُوَلُّوا من التولي بحذف إحدى التاءين وهي الثانية عند البصريين والأولى عند هشام، ويعضد هذه القراءة قوله تعالى: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] والفاء في قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم ﵇ والأصنام فجعلهم جُذاذاً أي قطعا فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع، قال الشاعر:
بنو المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف
فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر، وقرأ الكسائي وابن محيض وابن مقسم وأبو حيوة وحميد والأعمش في رواية «جذاذا» بكسر الجيم، وابن عباس وابن نهيك وأبو السمال «جذاذا» بالفتح، والضم قراءة الجمهور، وهي كما روي عن ابن جني عن أبي حاتم لغات أجودها الضم ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع، وقال اليزيدي: جذاذا بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة، وقيل: بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام، وقيل: هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود.
وقرأ يحيى بن وثاب «جذذا» بضمتين مع جمع جذيذ كسرير وسرر، وقرىء «جذذا» بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين. وروي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم ﵇ في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهم فقعد وقال إني سقيم فدخل فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في يده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه، وقيل: في يده وذلك قوله تعالى: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة، والكبر إما في المنزلة على زعمهم أيضا أو في الجثة، وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون الضمير للعبدة، قيل: ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير، وضمير إِلَيْهِ عند الجمهور عائد على إبراهيم ﵇ أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم ﵇ لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى، وقيل: الضمير لله تعالى أي لعلهم يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه ﵇ فيجيبهم، ويظهر عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ ليس أجنبيا في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده.
وعن الكلبي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم، وكأن هذا بناء على ظنه ﵇ بهم لما جرب لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم، وكأن هذا بناء على ظنه ﵇ بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها، ويحتمل أنه ﵇ يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب الاستهزاء
стр. 3725
والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل، وعلى الاحتمالين لا إشكال في دخول لعل في الكلام، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادرا لكن جمهور المفسرين على الأول، والجار والمجرور متعلق بيرجعون، والتقديم للحصر على الأوجه الثلاثة على ما قيل، وقيل: هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل.
وقد يستأنس بفعل إبراهيم ﵇ من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلا من الصور ليلعب به الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور.
стр. 3726
قالُوا أي حين رجعوا من عيدهم ورأوا ما رأوا مَنْ فَعَلَ هذا الأمر العظيم بِآلِهَتِنا قالوه على طريقة الإنكار والتوبيخ والتشنيع، والتعبير عنه بالآلهة دون الأصنام أو هؤلاء للمبالغة في التشنيع، وقوله تعالى: إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ استئناف مقرر لما قبله، وجوز أبو البقاء أن تكون مَنْ موصولة مبتدأ وهذه الجملة في محل الرفع خبره أي الذي فعل هذا الكسر والحطم بآلهتنا إنه معدود من جملة الظلمة إما لجرأته على إهانتها وهي الحفية بالإعظام أو لتعريض نفسه للهلكة أو لإفراطه في الكسر والحطم، والظلم على الأوجه الثلاثة بمعنى وضع الشيء في غير موضعه قالُوا أي بعضهم منهم وهم الذين سمعوا قوله ﵇: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ عند بعض سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يعيبهم فلعله الذي فعل ذلك بهم وسمع. كما قال بعض الأجلة. حقه أن يتعدى إلى واحد كسائر أفعال الحواس كما قرره السهيلي ويتعدى إليه بنفسه كثيرا وقد يتعدى إليه بإلى أو اللام أو الباء، وتعديه إلى مفعولين مما اختلف فيه فذهب الأخفش. والفارسي في الإيضاح وابن مالك وغيرهم إلى أنه إن وليه ما يسمع تعدى إلى واحد كسمعت الحديث وهذا متفق عليه وإن وليه ما لا يسمع تعدي إلى اثنين ثانيهما مما يدل على صوت.
واشترط بعضهم كونه جملة كسمعت زيدا يقول كذا دون قائلا كذا لأنه دال على ذات لا تسمع، وأما قوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء: ٧٢] فعلى تقدير مضاف أي هل يسمعون دعاءكم، وقيل ما أضيف إليه الظرف مغن عنه، وفيه نظر، وقال بعضهم: إنه ناصب لواحد بتقدير مضاف مسموع قبل اسم الذات، والجملة إن كانت حال بعد المعرفة صفة بعد النكرة ولا تكون مفعولا ثانيا لأنها لا تكون كذلك إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وليس هذا منها.
وتعقب بأنه من الملحقات برأي العلمية لأن السمع طريق العلم كما في لتسهيل وشروحه فجوز هنا كون فَتًى مفعولا أولا وجملة يَذْكُرُهُمْ مفعولا ثانيا، وكونه مفعولا والجملة صفة له لأنه نكرة، وقيل إنها بدل منه، ورجحه بعضهم باستغنائه عن التجوز والإضمار إذ هي مسموعة والبدل هو المقصود بالنسبة وإبدال الجملة من المفرد جائز، وفي الهمع أن بدل الجملة من المفرد بدل اشتمال، وفي التصريح قد تبدل الجملة من المفرد بدل كل من كل فلا تغفل، وقال بعضهم إن كون الجملة صفة أبلغ في نسبة الذكر إليه ﵇ لما في ذلك من إيقاع الفعل على المسموع منه وجعله بمنزلة المسموع مبالغة في عدم الواسطة فيفيد أنهم سمعوه بدون واسطة.
ووجه بعضهم الأبلغية بغير ما ذكر مما بحث فيه، ولعل الوجه المذكور مما يتأتى على احتمال البدلية فلا تفوت المبالغة عليه، وقد يقال: إن هذا التركيب كيفما أعرب أبلغ من قولك سمعنا ذكر فتى ونحوه ما لا يحتاج فيه إلى مفعولين اتفاقا لما أن سَمِعْنا لما تعلق بفتى أفاد إجمالا أن المسموع نحو ذكره إذ لا معنى لأن يكون نفس الذات مسموعا ثم إذا ذكر يَذْكُرُهُمْ علم ذلك مرة أخرى ولما فيه من تقوى الحكم بتكرر الإسناد على ما بين في علم المعاني ولهذا رجح أسلوب الآية على غيره فتدبر.
وقوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ صفة لفتى، وجوز أن يكون استئنافا بيانيا والأول أظهر، ورفع إِبْراهِيمُ على أنه نائب الفاعل ليقال على اختيار الزمخشري وابن عطية، والمراد لفظه أي يطلق عليه هذا اللفظ، وقد اختلف في
стр. 3727
جواز كون مفعول القول مفردا لا يؤدي معناه جملة كقلت قصيدة وخطبة ولا هو مصدر القول أو صفته كقلت قولا أو حقا فذهب الزجاج والزمخشري وابن خروف وابن مالك إلى الجواز إذا أريد بالمفرد ولفظه بل ذكر الدنوشري أنه إذا كان المراد بالمفرد الواقع بعد القول نفس لفظه تجب حكايته ورعاية إعرابه، وآخرون إلى المنع قال أبو حيان: وهو الصحيح إذ لا يحفظ من لسانهم قال فلأن زيد ولا قال ضرب وإنما وقع القول في كلامهم لحكاية الجمل وما في معناها، وجعل المانعون إِبْراهِيمُ مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هذا إبراهيم والجملة محكية بالقول كما في قوله: إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة.
وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي إبراهيم فاعله وأن يكون منادى حذف منه حرف النداء أي يقال له حين يدعى يا إبراهيم، وعندي أن الآية ظاهرة فيما اختاره الزمخشري وابن عطية ويكفي الظهور مرجحا في أمثال هذه المطالب، وذهب الأعلم إلى أن إِبْراهِيمُ ارتفع بالإهمال لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه إذا القول لا يؤثر إلا في المفرد المتضمن لمعنى الجملة فبقي مهملا والمهمل إذا ضم إلى غيره ارتفع نحو قولهم واحد واثنان إذا عدوا ولم يدخلوا عاملا لا في اللفظ ولا في التقدير وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، ولا يخفى أن كلام هذا الأعلم لا يقوله إلا الأجهل ولأن يكون الرجل أفلح أعلم خير له من أن ينطق بمثله ويتكلم.
قالُوا أولئك القائلون مَنْ فَعَلَ إلخ إذا كان الأمر كذا فَأْتُوا بِهِ أي أحضروه عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ مشاهدا معاينا لهم على أتم وجه كما تفيده على المستعارة لتمكن الرؤية لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أي يحضرون عقوبتنا له، وقيل يشهدون بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للناس بل لبعض منهم مبهم أو معهود والأول مروي عن ابن عباس والضحاك، والثاني عن الحسن وقتادة، والترجي أوفق به قالُوا استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنه قيل فماذا فعلوا به بعد ذلك هل أتوا به أو لا؟ فقيل قالوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ اقتصارا على حكاية مخاطبتهم إياه ﵇ للتنبيه على أن إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غني عن البيان، والهمزة كما قال العلامة التفتازاني للتقرير بالفاعل إذ ليس مراد الكفرة حمله ﵇ على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان (١) بل على الإقرار بأنه منه كيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا وأيضا قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل، واعترض ذلك الخطيب بأنه يجوز أن يكون الاستفهام على أصله إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه ﵇ هو الذي كسر الأصنام حتى يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام، وأجيب عليه بأنه يدل عليه ما قبل الآية وهو أنه ﵇ فد حلف بقوله: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ إلخ ثم لما رأوا كسر الأصنام قالوا: مَنْ فَعَلَ هذا إلخ فالظاهر أنهم قد علموا ذلك من حلفه وذمه الأصنام ولقائل أن يقول: إن الحلف كما قاله كثير كان سرا أو سمعه رجل واحد، وقوله سبحانه: قالُوا سَمِعْنا إلخ من قوله تعالى: قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا إلخ يدل على أن منهم من لا يعلم كونه ﵇ هو الذي كسر الأصنام فلا يبعد أن يكون أَأَنْتَ فَعَلْتَ كلام ذلك البعض. وقد يقال: إنهم بعد المفاوضة في أمر الأصنام وإخبار البعض البعض بما يقنعه بأنه ﵇ هو الذي كسرها تيقنوا كلهم أنه الكاسر أفأنت فعلت ممن صدر للتقرير بالفاعل، وقد سلك ﵇ في الجواب مسلكا تعريضيا يؤدي به إلى مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع ما فيه من الترقي من الكذب فقد أبرز الكبير قولا في معرض المباشر للفعل
стр. 3728
بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرض فعلا يجعل الفاس في عنقه أو في يده وقد قصد إسناده اليه بطريق التسبب حيث رأى تعظيمهم إياه أشد من تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام المصطفة المرتبة للعبادة من دون الله تعالى فغضب لذلك زيادة الغضب فأسند الفعل إليه إسنادا مجازيا عقليا باعتبار أنه الحامل عليه والأصل فعلته لزيادة غضبي من زيادة تعظيم هذا، وإنما لم يكسره وأن كان مقتضى غضبه ذلك لتظهر الحجة، وتسمية ذلك كذبا كما
ورد في الحديث الصحيح من باب المجاز
لما أن المعاريض تشبه صورتها صورته فبطل الاحتجاج بما ذكر على عدم عصمة الأنبياء ﵈، وقيل في توجيه ذلك أيضا: إنه حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه يعني أنهم لما ذهبوا إلى أنه أعظم الآلهة فعظم ألوهيته يقتضي أن لا يعبد غيره معه ويقتضي إفناء من شاركه في ذلك فكأنه قيل فعله هذا الكبير على مقتضى مذهبكم والقضية ممكنة.
ويحكى أنه ﵇ قال: فعله كبيرهم هذا غضب أن يعبد معه هذه وهو أكبر منها، قيل: فيكون حينئذ تمثيلا أراد به ﵇ تنبيههم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام، وقيل إنه ﵇ لم يقصد بذلك إلا إثبات الفعل لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء والتضليل كما إذا قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا؟ فقلت له: بل كتبته أنت فإنك لم تقصد نفيه عن نفسك وإثباته للأمي وإنما قصدت إثباته وتقريره لنفسك مع الاستهزاء بمخاطبك.
وتعقبه صاحب الفرائد بأنه إنما يصح إذا كان الفعل دائر بينه ﵇ وبين كبيرهم ولا يحتمل ثالثا.
ورد بأنه ليس بشيء لأن السؤال في أَأَنْتَ فَعَلْتَ تقرير لا استفهام كما سمعت عن العلامة وصرح به الشيخ عبد القاهر والإمام السكاكي فاحتمال الثالث مندفع، ولو سلم أن الاستفهام على ظاهره فقرينة الإسناد في الجواب إلى ما لا يصلح له بكلمة الإضراب كافية لأن معناه أن السؤال لا وجه له وأنه لا يصلح لهذا الفعل غيري، نعم يرد أن توجيههم بذلك نحو التأمل في حال آلهتهم وإلزامهم الحجة كما ينبىء عنه قوله تعالى: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا غير ظاهر على هذا، وقيل إن فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ جواب قوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ معنى وقوله: «فاسألوا» جملة معترضة مقترنة بالفاء كما في قوله: «فاعلم فعلم المرء ينفعه» فيكون كون الكبير فاعلا مشروطا بكونهم ناطقين ومعلقا به وهو محال فالمعلق به كذلك، وإلى نحو ذلك أشار ابن قتيبة وهو خلاف الظاهر، وقيل: إن الكلام تم عند قوله: فَعَلَهُ والضمير المستتر فيه يعود على فَتًى أو إلى إبراهيم، ولا يخفى أن كلام من فتى وإبراهيم مذكور في كلام لم يصدر بمحضر من إبراهيم ﵇ حتى يعود عليه الضمير وأن الإضراب ليس في محله حينئذ والمناسب في الجواب نعم، ولا مقتضى للعدول عن الظاهر هنا كما قيل وعزي إلى الكسائي أنه جعل الوقف على فَعَلَهُ أيضا إلا أنه قال: الفاعل محذوف أي فعله من فعله.
وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن حذف الفاعل لا يسوغ أي عند الجمهور وإلا فالكسائي يقول بجواز حذفه.
وقيل يجوز أن يقال: إنه أراد بالحذف الإضمار، وأكثر القراء اليوم على الوقف على ذلك وليس بشيء، وقيل الوقف على كَبِيرُهُمْ وأراد به ﵇ نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم، وهذا التوجيه عندي ضرب من الهذيان، ومثله أن يراد به الله فإنه سبحانه كبير الآلهة ولا يلاحظ ما أرادوه بها، ويعزى للفراء أن الفاء في فَعَلَهُ عاطفة وعله بمعنى لعله فخفف.
واستدل عليه بقراءة ابن السميقع «فعلّه» مشدد اللام، ولا يخفى أن يجل كلام الله تعالى العزيز عن مثل هذا
стр. 3729
التخريج، والآية عليه في غاية الغموض وما ذكر في معناها بعيد بمراحل عن لفظها، وزعم بعضهم أن الآية على ظاهرها وادعى أن صدور الكذب من الأنبياء ﵈ لمصلحة جائز، وفيه أن ذلك يوجب رفع الوثوق بالشرائع لاحتمال الكذب فيها لمصلحة فالحق أن لا كذب أصلا وأن في المعارض لمندوحة عن الكذب، وإنما قال ﵇ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ دون إن كانوا يسمعون أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا لما أن نتيجة السؤال هو الجواب وإن عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل، وقد حصل ذلك حسبما نطق به قوله تعالى: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فتفكروا وتدبروا وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبودا.
فَقالُوا أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي بعبادة ما لا ينطق قاله ابن عباس أو بسؤالكم إبراهيم ﵇ وعدو لكم عن سؤالها وهي آلهتكم ذكره ابن جرير أو بنفس سؤالكم إبراهيم ﵇ حيث كان متضمنا التوبيخ المستتبع للمؤاخذة كما قيل أو بغفلتكم عن آلهتكم وعدم حفظكم إياها أو بعبادة الأصاغر مع هذا الكبير قالهما وهب أو بأن اتهمتم إبراهيم ﵇ والفأس في عنق الكبير قاله مقاتل، وابن إسحق، والحصر إضافي بالنسبة إلى إبراهيم ﵇ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أصل النكس قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفله، ولا يلغو ذكر الرأس بل يكون من التأكيد أو يعتبر التجريد، وقد يستعمل النكس لغة في مطلق قلب الشيء من حال إلى حال أخرى ويذكر الرأس للتصوير والتقبيح.
وذكر الزمخشري على ما في الكشف في المراد به هنا ثلاثة أوجه، الأول أنه الرجوع عن الفكرة المستقيمة الصالحة في تظليم أنفسهم إلى الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها مع الاعتراف بتقاصر حالها عن الحيوان فضلا أن تكون في معرض الإلهية فمعنى لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ لا يخفى علينا وعليك أيها المبكت بأنها لا تنطق أنها كذلك وإنا إنما اتخذناها آلهة مع العلم بالوصف، والدليل عليه جواب إبراهيم ﵇ الآتي، والثاني أنه الرجوع عن الجدل معه ﵇ بالباطل في قولهم: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا وقولهم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ إلى الجدال عنه بالحق في قولهم: لَقَدْ عَلِمْتَ لأنه نفي للقدرة عنها واعتراف بعجزها وأنها لا تصلح للإلهية وسمي نكسا وإن كان حقا لأنه ما أفادهم عقدا فهو نكس بالنسبة إلى ما كانوا عليه من الباطل حيث اعترفوا بعجزها وأصروا. وفي لباب التفسير ما يقرب منه مأخذا لكنه قدر الرجوع عن الجدال عنه في قولهم: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ إلى الجدال معه ﵇ بالباطل في قولهم: لَقَدْ عَلِمْتَ والثالث أن النكس مبالغة في إطراقهم رؤوسهم خجلا وقولهم: لَقَدْ عَلِمْتَ إلخ رمي عن حيرة ولهذا أتوا بما هو حجة عليهم وجاز أن يجعل كناية عن مبالغة الحيرة وانخذال الحجة فإنها لا تنافي الحقيقة، قال في الكشف. وهذا وجه حسن وكذلك والأول، وكون المراد النكس في الرأي رواه أبو حاتم عن ابن زيد وهو للوجهين الأولين، وقال مجاهد: معنى نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ ردت السفلة السفلة على الرؤساء. فالمراد بالرؤوس الرؤساء، والأظهر عندي الوجه الثالث، وأيا ما كان فالجار متعلق بنكسوا.
وجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا، والجملة القسمية مقولة لقول مقدر أي قائلين لَقَدْ إلخ، والخطاب في عَلِمْتَ لإبراهيم ﵇ لا لكل من يصلح للخطاب، والجملة المنفية في موضع مفعولي علم إن تعدت إلى اثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدت لواحد، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار كما يوهمه صيغة المضارع، وقرأ أبو حيوة. وابن أبي عبلة. وابن مقسم. وابن الجارود. والبكراوي كلاهما عن هشام بتشديد كاف «نكّسوا» ، وقرأ
стр. 3730
رضوان بن عبد المعبود «نكسوا» بتخفيف الكاف مبنيا للفاعل أي نكسوا أنفسهم وقيل: رجعوا على رؤسائهم بناء على ما يقتضيه تفسير مجاهد.
قالَ ﵇ مبكتا لهم أَفَتَعْبُدُونَ أي أتعلمون ذلك فتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي مجاوزين عبادته تعالى ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً من النفع، وقيل: بشيء وَلا يَضُرُّكُمْ فإن العلم بحاله المنافية للألوهية مما يوجب الاجتناب عن عبادته قطعا أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تضجر منه ﵇ من إصرارهم على الباطل بعد انقطاع العذر ووضوح الحق، وأصل أف صوت المتضجر من استقذار شيء على ما قال الراغب ثم صار اسم فعل بمعنى أتضجر وفيه لغات كثيرة، واللام لبيان المتأفف له، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لمزيد استقباح ما فعلوا أَفَلا تَعْقِلُونَ أي لا تتفكرون فلا تعقلون قبح صنيعكم قالُوا أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وضاقت بهم الحيل وهذا ديدن المبطل المحجوج إذا بهت بالحجة وكانت له قدرة يفزع إلى المناصبة حَرِّقُوهُ فإن النار أشد العقوبات ولذا جاء لا يعذب بالنار إلا خالقها وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام لها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا فاختاروا له ذلك وإلا فرطتم في نصرتها وكأنكم لم تفعلوا شيئا ما فيها، ويشعر بذلك العدول عن أن تنصروا آلهتكم فحرقوه إلى ما في النظم الكريم، وأشار بذلك على المشهور ورضي به الجميع نمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوس بن حام بن نوح ﵇.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟ قلت: لا. قال: رجل من أعراب فارس يعني الأكراد (١) ونص على أنه من الأكراد ابن عطية، وذكر أن الله تعالى خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، واسمه على ما أخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن شعيب الجباري هيون، وقيل: هدير. وفي البحر أنهم ذكروا له اسما مختلفا فيه لا يوقف منه على حقيقة، روي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتا كالحظيرة بكوثى قرية من قرى الأنباط في حدود بابل من العراق وذلك قوله تعالى: قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: ٩٧] فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوما فأوقدوا نارا عظيمة لا يكاد يمر عليها طائر في أقصى الجو لشدة وهجها فلم يعلموا كيف يلقونه ﵇ فيها فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه، وقيل: صنعه الكردي الذي أشار بالتحريق ثم خسف به ثم عمدوا إلى ابراهيم ﵇ فوضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت ملائكة السماء والأرض إلهنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم ﵇ وأنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته فقال جل وعلا: إن استغاث بأحد منكم فلينصره وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه فإنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فأتاه خازن الرياح وخازن المياه يستأذنانه في إعدام النار
فقال ﵇ لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل
،
وروي عن أبيّ بن كعب قال: حين أوثقوه ليلقوه في النار قال ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ثم رموا به فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا ابراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
قال: جبريل ﵇: فاسأل ربك فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي
،
ويروى أن الوزغ كان ينفخ في النار، وقد جاء ذلك في رواية البخاري.
стр. 3731
وفي البحر ذكر المفسرون أشياء صدرت عن الوزغ والبغل والخطاف والضفدع والعضرفوط والله تعالى أعلم بذلك، فلما وصل ﵇ الحظيرة جعلها الله تعالى ببركة قوله ﵇ روضة، وذلك قوله :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ أي كوني ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار، ولذا
قال علي كرّم الله تعالى وجهه فيما أخرجه عند أحمد وغيره: لو لم يقل سبحانه وَسَلاماً لقتله بردها
، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته تعالى مأسورة مطاوعة وإقامة كوني ذات برد مقام ابردي ثم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقيل: نصب سَلاماً بفعله أي وسلمنا سلاما عليه، والجملة عطف على قُلْنا وهو خلاف الظاهر الذي أيدته الآثار. روي أن الملائكة ﵈ أخذوا بضبعي ابراهيم ﵇ فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار إلا وثاقه كما روي عن كعب،
وروي أنه ﵇ مكث فيها أربعين يوما أو خمسين يوما، وقال ﵇: ما كنت أطيب عيشا مني إذ كنت فيها
، قال ابن إسحاق: وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم ﵇ يؤنسه، قالوا: وبعث الله جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه،
وقال جبريل ﵇ يا ابراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي، ثم أشرف نمروذ ونظر من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه والنار محيطة به فنادى يا ابراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى يا ابراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال ابراهيم ﵇: نعم قال: هل تخشى إن نمت فيها أن تضرك؟ قال: لا. قال: فقم فاخرج منها فقام ﵇ يمشي فيها حتى خرج منها فاستقبله نمروذ وعظمه، وقال له: يا ابراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إليّ ربي ليؤنسني فيها فقال: يا ابراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة فقال له ابراهيم ﵇: إنه لا يقبل الله تعالى منك ما كنت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني فقال: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها وكف عن ابراهيم ﵇
. وكان ابراهيم ﵇ إذ ذاك ابن ست عشرة سنة، وفي بعض الآثار أنهم لما رأوه ﵇ لم يحترق قالوا: إنه سحر النار فرموا فيها شيخا منهم فاحترق، وفي بعضها أنهم لما رأوه ﵇ سالما لم يحرق منه غير وثاقه قال هاران أبو لوط ﵇: إن النار لا تحرقه لأنه سحرها لكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله فجعلوه فوق تبن وأوقدوا تحته فطارت شرارة إلى لحية هاران فأحرقته، وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن صرد وكان قد أدرك النبي ﷺ أن أبا لوط قال وكان عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني فأرسل الله تعالى عنقا من النار فأحرقه، والأخبار في هذه القصة كثيرة لكن قال في البحر:
قد أكثر الناس في حكاية ما جرى لإبراهيم ﵇، والذي صح هو ما ذكره تعالى من أنه ﵇ ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه ﵇ بردا وسلاما.
ثم الظاهر أن الله تعالى هو القائل لها: كُونِي بَرْداً إلخ وأن هناك قولا حقيقة، وقيل القائل جبرائيل ﵇ بأمره سبحانه، وقيل قول ذلك مجازا عن جعلها باردة، والظاهر أيضا أن الله سلبها خاصتها من الحرارة والإحراق وأبقى فيها الإضاءة والإشراق، وقيل إنها انقلبت هواء طيبا وهو على هذه الهيئة من أعظم الخوارق، وقيل كانت على حالها لكنه سبحانه جلت قدرته دفع أذاها كما ترى في السمندر كما يشعر به قوله تعالى: عَلى إِبْراهِيمَ وذلك لأن ما ذكر خلاف المعتاد فيختص بمن خص به ويبقى بالنسبة إلى غيره على الأصل لا نظرا إلى مفهوم القلب إذ الأكثرون على عدم اعتباره. وفي بعض الآثار السابقة ما يؤيده، وأيا ما كان فهو آية عظيمة وقد يقع نظيرها لبعض صلحاء الأمة المحمدية كرامة لهم لمتابعتهم النبي الحبيب ﷺ ، وما يشاهد من وقوعه لبعض المنتسبين
стр. 3732
إلى حضرة الولي الكامل الشيخ أحمد الرفاعي قدس سره من الفسقة الذين كادوا يكونون لكثرة فسقهم كفارا فقيل إنه باب من السحر المختلف في كفر فاعله وقتله فإن لهم أسماء مجهولة المعنى يتلونها عند دخول النار والضرب بالسلاح ولا يبعد أن تكون كفرا وإن كان معها ما لا كفر فيه، وقد ذكر بعضهم أنهم يقولون عند ذلك تلسف تلسف هيف هيف أعوذ بكلمات الله تعالى التامة من شر ما خلق أقسمت عليك يا أيتها النار أو أيها السلاح بحق حي حلي ونور سبحي ومحمد ﷺ أن لا تضري أو لا تضر غلام الطريقة، ولم يكن ذلك في زمن الشيخ الرفاعي قدس سره العزيز فقد كان أكثر الناس اتباعا للسنة وأشدهم تجنبا عن مظان البدعة وكان أصحابه سالكين مسلكه متشبثين بذيل اتباعه قدس سره ثم طرأ على بعض المنتسبين إليه ما طرأ، قال في العبر: قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ قدس سره وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات وهذا ما لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه فنعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم انتهى.
والحق أن قراءة شيء ما عندهم ليست شرطا لعدم التأثر بالدخول في النار ونحوه فكثير منهم من ينادي إذا أوقدت له النار وضربت الدفوف يا شيخ أحمد يا رفاعي أو يا شيخ فلان لشيخ أخذ منه الطريق ويدخل النار ولا يتأثر من دون تلاوة شيء أصلا، والأكثر منهم إذا قرأ الأسماء على النار ولم تضرب له الدفوف ولم يحصل له تغير حال لم يقدر على مس جمرة، وقد يتفق أن يقرأ أحدهم الأسماء وتضرب له الدفوف وينادي من ينادي من المشايخ فيدخل ويتأثر.
والحاصل أنا لم نر لهم قاعدة مضبوطة بيد أن الأغلب أنهم إذا ضربت لهم الدفوف واستغاثوا بمشايخهم وعربدوا يفعلون ما يفعلون ولا يتأثرون، وقد رأيت منهم من يأخذ زرق الخمر ويستغيث بمن يستغيث ويدخل تنورا كبيرا تضطرم فيه النار فيقعد في النار فيشرب الخمر ويبقى حتى تخمد النار فيخرج ولم يحترق من ثيابه أو جسده شيء، وأقرب ما يقال في مثل ذلك: إنه استدراج وابتلاء، وأما أن يقال: إن الله أكرم حضرة الشيخ أحمد الرفاعي قدس سره بعدم تأثر المنتسبين إليه كيفما كانوا بالنار ونحوها من السلاح وغيره إذا هتفوا باسمه أو اسم منتسب إليه في بعض الأحوال فبعيد بل كأني بك تقول بعدم جوازه، وقد يتفق ذلك لبعض المؤمنين في بعض الأحوال إعانة له، وقد يأخذ بعض الناس النار بيده ولا يتأثر لأجزاء يطلي بها يده من خاصيتها عدم إضرار النار للجسد إذا طلي بها فيوهم فاعل ذلك أنه كرامة.
هذا واستدل بالآية من قال: إن لله تعالى أودع في كل شيء خاصة حسبما اقتضته حكمته سبحانه فليس الفرق بين الماء والنار مثلا بمجرد أنه جرت عادة الله تعالى بأن يخلق الإحراق ونحوه عند النار والري ونحوه عند الماء بل أودع في هذا خاصة الري مثلا وفي تلك خاصة الإحراق مثلا لكن لا تحرق هذه ولا يروي ذاك إلا بإذنه فإنه لو لم يكن أودع في النار الحرارة والإحراق ما قال لها ما قال. ولا قائل بالفرق فتأمل.
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً مكرا عظيما في الإضرار به ومغلوبيته فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في إطفاء نور الحق قولا وفعلا برهانا قاطعا على أنه ﵇ على الحق وهم على الباطل وموجبا لارتفاع درجته ﵇ واستحقاقهم لأشد العذاب، وقيل: جعلهم الأخسرين من حيث إنه سبحانه سلط عليهم ما هو من أحقر خلقه وأضعفه وهو البعوض يأكل من لحومهم ويشرب من دمائهم وسلط على نمروذ بعوضة أيضا فبقيت تؤذيه إلى أن مات لعنه الله تعالى، والمعول عليه التفسير الأول وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً وهو على ما تقدم ابن عمه، وقيل:
هو ابن أخيه وروي ذلك في المستدرك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ضمن نَجَّيْناهُ معنى أخرجناه فلذا عدي بإلى في قوله سبحانه:
стр. 3733
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ وقيل: هي متعلقة بمحذوف وقع حالا أي منتهيا إلى الأرض فلا تضمين، والمراد بهذه الأرض أرض الشام، وقيل: أرض مكة، وقيل: مصر والصحيح الأول، ووصفها بعموم البركة لأن أكثر الأنبياء ﵈ بعثوا فيها وانتشرت في العالم شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية ولم يقل التي باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل: المراد بالبركات النعم الدنيوية من الخصب وغيره، والأول أظهر وأنسب بحال الأنبياء ﵈، وروي أنه ﵇ خرج من العراق ومعه لوط وسارة بنت عمه هاران الأكبر وقد كانا مؤمنين به ﵇ يلتمس الفرار بدينه فنزل حران فمكث بها ما شاء الله تعالى. وزعم بعضهم أن سارة بنت ملك حران تزوجها ﵇ هناك وشرط أبوها أن لا يغيرها عن دينها والصحيح الأول، ثم قدم مصر ثم خرج منها إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من السبع أو أقرب، وفي الآية من مدح الشام ما فيها،
وفي الحديث «ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم» أخرجه أبو داود.
وعن زيد بن ثابت قال قال رسول الله ﷺ : «طوبى لأهل الشام فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الملائكة ﵈ باسطة أجنحتها عليها» أخرجه الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده
. وأما العراق فقد ذكر الغزالي عليه الرحمة في باب المحنة من الأحياء اتفاق جماعة من العلماء على ذمه وكراهة سكناه واستحباب الفرار منه ولعل وجه ذلك غني عن البيان فلا ننقب فيه البنان.
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي عطية كما روي عن مجاهد. وعطاء من نفله بمعنى أعطاه، وهو على ما اختاره أبو حيان مصدر كالعاقبة والعافية منصوب بوهبنا على حد قعدت جلوسا، واختار جمع كونه حالا من إسحاق ويعقوب أو ولد ولد أو زيادة على ما سأل ﵇ وهو إسحاق فيكون حالا من يعقوب ولا لبس فيه للقرينة الظاهرة وَكُلًّا من المذكورين. وهم ابراهيم. ولوط. وإسحاق. ويعقوب ﵈ لا بعضهم دون بعض جَعَلْنا صالِحِينَ بأن وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا فصاروا كاملين وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم في أمور الدين يَهْدُونَ أي الأمة إلى الحق بِأَمْرِنا لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ليتم الكمال بانضمام العمل إلى العلم، وأصله على ما ذهب إليه الزمخشري ومن تابعه أن يفعل الخيرات ببناء الفعل لما لم يسم فاعله ورفع الخيرات على النيابة عن الفاعل ثم فعلا الخيرات بتنوين المصدر ورفع الخيرات أيضا على أنه نائب الفاعل لمصدر المجهول ثم فعل الخيرات بحذف التنوين وإضافة المصدر لمعموله القائم مقام فاعله، والداعي كما قيل إن فِعْلَ الْخَيْراتِ بالمعنى المصدري ليس موحى إنما الموحى أن يفعل، ومصدر المبني للمفعول والحاصل بالمصدر كالمترادفين، وأيضا الوحي عام للأنبياء المذكورين ﵈ وأممهم فلذا بني المجهول.
وتعقب ذلك أبو حيان بأن بناء المصدر لما لم يسم فاعله مختلف فيه فأجاز ذلك الأخفش والصحيح منعه، وما ذكر من عموم الوحي لا يوجب ذلك هنا إذ يجوز أن يكون المصدر مبنيا للفاعل ومضافا من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليه وغيرهم أي فعل المكلفين الخيرات، ويجوز أن يكون مضافا إلى الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات وإذا كانوا قد أوحي إليهم ذلك فاتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به انتهى.
وانتصر للزمخشري بأن ما ذكره بيان لأمر مقرر في النحو والداعي إليه أمران ثانيهما ما ذكر من عموم الوحي الذي اعترض عليه والأول سالم عن الاعتراض ذكر أكثر ذلك الخفاجي ثم قال: الظاهر أن المصدر هنا للأمر كضرب
стр. 3734
الرقاب، وحينئذ فالظاهر أن الخطاب للأنبياء ﵈ فيكون الموحى قول الله تعالى افعلوا الخيرات، وكان ذلك لأن الوحي مما فيه معنى القول كما قالوا فيتعلق به لا بالفعل إلا أنه قيل يرد عليه ما أشير أولا إليه من أن ما ذكر ليس من الأحكام المختصة بالأنبياء ﵈ ولا يخفى أن الأمر فيه سهل، وجوّز أن يكون المراد شرعنا لهم فعل ذلك بالإيحاء إليهم فتأمل، والكلام في قوله تعالى: وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ على هذا الطرز، وهو كما قال غير واحد من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وإنافته، وأصل إِقامَ أقوام فقلبت واوه ألفا بعد نقل حركتها لما قبلها وحذف إحدى ألفيه لالتقاء الساكنين، والأكثر تعويض التاء عنها فيقال إقامة وقد تترك التاء إما مطلقا كما ذهب إليه سيبويه والسماع يشهد له، وإما بشرط الإضافة ليكون المضاف سادا مسدها كما ذهب إليه الفراء وهو كما قال أبو حيان مذهب مرجوح، والذي حسن الحذف هنا المشاكلة، والآية ظاهرة في أنه كان في الأمم السالفة صلاة وزكاة وهو مما تضافرت عليه النصوص إلا أنهما ليسا كالصلاة والزكاة المفروضتين على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية وَكانُوا لَنا خاصة دون غيرنا عابِدِينَ لا يخطر ببالهم غير عبادتنا كأنه تعالى أشار بذلك إلى أنهم وفوا بعهد العبودية بعد أن أشار إلى أنه سبحانه وفى لهم بعهد الربوبية وَلُوطاً قيل هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: آتَيْناهُ أي وآتينا لوطا آتيناه والجملة عطف على وَهَبْنا لَهُ جمع سبحانه ابراهيم ولوطا في قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً ثم بين ما أنعم به على كل منهما بالخصوص وما وقع في البين بيان على وجه العموم. والطبرسي جعل المراد من قوله تعالى: وَكُلًّا إلخ أي كلا من إبراهيم وولديه إسحاق. ويعقوب جعلنا إلخ فلا اندراج للوط ﵇ هناك وله وجه، وأما كون المراد وكلا من إسحاق ويعقوب فلا وجه له ويحتاج إلى تكليف توجيه الجمع فيما بعده، وقيل بأذكر مقدرا وجملة آتَيْناهُ مستأنفة حُكْماً أي حكمة، والمراد بها ما يجب فعله أو نبوة فإن النبي حاكم على أمته أو الفصل بين الخصوم في القضاء، وقيل حفظ صحف ابراهيم ﵇ وفيه بعد وَعِلْماً بما ينبغي علمه للأنبياء ﵈ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ قيل أي اللواطة، والجمع باعتبار تعدد المواد، وقيل المراد الأعمال الخبيثة مطلقا إلا أن أشنعها اللواطة،
فقد أخرج إسحاق بن بشير. والخطيب، وابن عساكر عن الحسن قال: «قال رسول الله ﷺ : عشر خصال عملتها قوم لوط بها أهلكوا إتيان الرجال بعضهم بعضا ورميهم بالجلاهق والخذف ولعبهم بالحمام وضرب الدفوف وشرب الخمور وقص اللحية وطول الشارب والصفر والتصفيق ولباس الحرير وتزيدها أمتي بخلة إتيان النساء بعضهن بعضا» .
وأسند ذلك إلى القرية على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فالنعت سببي نحو جاءني رجل زنى غلامه، ولو جعل الإسناد مجازيا بدون تقدير أو القرية مجازا عن أهلها جاز، واسم القرية سدوم، وقيل: كانت قراهم سبعا فعبر عنها ببعضها لأنها أشهرها. وفي البحر أنه عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة ويروى أنها كلها قلبت إلا زغر لأنها كانت محل من آمن بلوط ﵇، والمشهور قلب الجميع.
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ أي خارجين عن الطاعة غير منقادين للوط ﵇، والجملة تعليل لتعمل الخبائث، وقيل: لنجيناه وهو كما ترى وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أي في أهل رحمتنا أي جعلناه في جملتهم وعدادهم فالظرفية مجازية أو في جنتنا فالظرفية حقيقة والرحمة مجاز كما في حديث الصحيحين قال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ويجوز أن تكون الرحمة مجازا عن النبوة وتكون الظرفية مجازية أيضا فتأمل إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين سبقت لهم منا الحسنى، والجملة تعليل لما قبلها.
وَنُوحاً أي واذكر نوحا أي نبأه ﵇، وزعم ابن عطية أن نوحا عطف على لواط المفعول لآتينا على
стр. 3735
معنى وآتينا نوحا ولم يستبعد ذلك أبو حيان وليس بشيء، قيل ولما ذكر سبحانه «قصة ابراهيم» ﵇ وهو أبو العرب أردفها جل شأنه بقصة أبي البشر وهو الأب الثاني كما أن آدم ﵇ الأب الأول بناء على المشهور من أن جميع الناس الباقين بعد الطوفان من ذريته ﵇ وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس فيما يقال وهو أطول الأنبياء ﵈ على ما في التهذيب عمرا، وذكر الحاكم في المستدرك أن اسمه عبد الغفار وأنه قيل له نوح لكثرة بكائه على نفسه، وقال الجواليقي: إن لفظ نوح أعجمي معرب زاد الكرماني ومعناه بالسريانية الساكن إِذْ نادى أي دعا الله تعالى بقوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠] وقوله رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] وإذ ظرف للمضاف المقدر كما أشرنا إليه ومن لم يقدر يجعله بدل اشتمال من نوح.
مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين، وذكرنا قبل قولا آخر فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وهو الطوفان أو أذية قومه وأصل الكرب الغم الشديد وكأنه على ما قيل من كرب الأرض وهو قلبها بالحفر إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب فإن الغم الشديد تكاد شمس الروح تغرب منه أو من الكرب وهو عقد غليظ في رشاء الدلو فإن الغم كعقدة على القلب، وفي وصفه بالعظيم تأكيد لما يدل هو عليه وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي منعناه وحميناه منهم بإهلاكهم وتخليصه، وقيل: أي نصرناه عليهم فمن بمعنى على، وقال بعضهم: إن النصر يتعدى بعلى ومن، ففي الأساس نصره الله تعالى على عدوه ونصره من عدوه، وفرق بينهما بأن المتعدى بعلى يدل على مجرد الإعانة والمتعدى بمن يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ منهمكين في الشر، والجملة تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعد من قوله تعالى:
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فإن تكذيب الحق والانهماك في الشر مما يترتب عليه الإهلاك قطعا في الأمم السابقة، ونصب أَجْمَعِينَ قيل على الحالية من الضمير المنصوب وهو كما ترى، وقال أبو حيان: على أنه تأكيد له وقد كثر التأكيد بأجمعين غير تابع لكل في القرآن فكان ذلك حجة على ابن مالك في زعمه أن التأكيد به كذلك قليل والكثير استعماله تابعا لكل انتهى.
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إما عطف على نُوحاً معمول لعامله أعني أذكر عليه على ما زعم ابن عطية، وإما مفعول لمضمر معطوف على ذلك العامل بتقدير المضاف أي نبأ داود وسليمان. وداود بن ايشا (١) بن عوبر بن باعر ابن سلمون بن يخشون بن عمي بن يا رب بن حضرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب ﵇ كان، كما روي عن كعب أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت وجمع له بين النبوة والملك، ونقل النووي عن أهل التاريخ أنه عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون، وكان له اثنا عشر ابنا وسليمان ﵇ أحد أبنائه وكان ﵇ يشاور في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه.
وذكر كعب أنه كان أبيض جسيما وسيما وضيئا خاشعا متواضعا، وملك كما قال المؤرخون وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وله ثلاث وخمسون سنة، وقوله تعالى: إِذْ يَحْكُمانِ ظرف لذلك المقدر، وجوزت البدلية على طرز ما مر، والمراد إذ حكما فِي الْحَرْثِ إلا أنه جيء بصيغة المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها، والمراد بالحرث هنا الزرع.
وأخرج جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه الكرم، وقيل إنه يقال فيهما إلا أنه في الزرع أكثر، وقال
стр. 3736
الخفاجي: لعله بمعنى الكرم مجاز على التشبيه بالزرع، والمعنى إذ يحكمان في حق الحرث إِذْ نَفَشَتْ ظرف للحكم، والنفش رعي الماشية في الليل بغير راع كما أن الهمل رعيها في النهار كذلك، وكان أصله الانتشار والتفرق أي إذ تفرقت وانتشرت فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ليلا بلا راع فرعته وأفسدته وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي حاضرين علما، وضمير الجمع قيل: لداود وسليمان ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لحكمهما» بضمير التثنية، واستدل بذلك من قال: إن أقل الجمع اثنان، وجوز أن يكون الجمع للتعظيم كما في رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون: ٩٩] .
وقيل: هو للحاكمين والمتحاكمين، واعترض بأن إضافة حكم إلى الفاعل على سبيل القيام وإلى المفعول على سبيل الوقوع وهما في المعنى معمولان له فكيف يصح سلكهما في قرن. وأجيب بأن الحكم في معنى القضية لا نظر هاهنا إلى علمه وإنما ينظر إليه إذا كان مصدرا صرفا، وأظهر منه كما في الكشف أن الاختصاص يجمع القيام والوقوع وهو معنى الإضافة ولم يبق النظر إلى العمل بعدها لا لفظا ولا معنى فالمعنى وكنا للحكم الواقع بينهم شاهدين، والجملة اعتراض مقرر للحكم، وقد يقال: إنه مادح له كأنه قيل: وكنا مراقبين لحكمهم لا نقرهم على خلل فيه، وهذا على طريقة قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨] في إفادة العناية والحفظ، وقوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ عطف على يَحْكُمانِ فإنه في حكم الماضي كما مضى.
وقرأ عكرمة «فأفهمناها» بهمزة التعدية والضمير للحكومة أو الفتيا المفهومة من السياق. روي أنه كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل وكانت قد تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان فقالت إحداهما للأخرى: قد طال علينا البلاء أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشرّ ما كنا لها فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال فأخذنا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة فكشفتا عنها ثوبها ونضحتاه في دبرها وصرختا أنها قد بغت وكان من زنى فيهم حده الرجم فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها فقال سليمان: ائتوا بنار فإنه إن كان ماء الرجل تفرق وإن كان ماء البيض اجتمع فأتى بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم فعطف عليه داود ﵇ فأحبه جدا فاتفق أن دخل على داود ﵇ رجلان فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا فأفسدته فقضى له بالغنم فخرجا فمرا على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم فقال: كيف قضى بينكما أبي؟ فأخبراه فقال: غير هذا أرفق بالجانبين فسمعه داود ﵇ فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوة ألا أخبرتني بالذي هو أرفق فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ثم يترادا فقال: القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، ومال كثير إلى أن حكمهما ﵉ كان بالاجتهاد وهو جائز على الأنبياء ﵈ كما بين في الأصول وبذلك أقول فإن قول سليمان ﵇ غير هذا أرفق، ثم قوله: أرى أن تدفع إلخ صريح في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده داود ﵉ لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهر بداء وحرم عليه كتمه، مع أن الظاهر أنه ﵇ لم يكن نبيا في ذلك السن ومن ضرورته أن يكون القضاء السابق أيضا كذلك ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد، وفي الكشف أن القول بأن كلا الحكمين عن اجتهاد باطل لأن حكم سليمان نقض حكم داود ﵉ والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد البتة فدل على أنهما جميعا حكما بالوحي ويكون ما أوحي به لسليمان ﵇ ناسخا لحكم داود ﵇ أو كان حكم سليمان وحده بالوحي، وقوله تعالى: فَفَهَّمْناها لا يدل على أن ذلك اجتهاد.
стр. 3737
وتعقب بأنه إن أراد بعدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد عدم نقضه باجتهاد غيره حتى يلزم تقليده به فليس ما نحن فيه، وإن أراد عدم نقضه باجتهاد نفسه ثانيا وهو عبارة عن تغير اجتهاده لظهور دليل آخر فهو غير باطل بدليل أن المجتهد قد ينقل عنه في مسألة قولان كمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه القديم والجديد ورجوع كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى آراء بعضهم وهم مجتهدون، وقيل: يجوز أن يكون أوحي إلى داود ﵇ أن يرجع عن اجتهاده ويقضي بما قضى به سليمان ﵇ عن اجتهاد، وقيل: إن عدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد من خصائص شريعتنا، على أنه ورد في بعض الأخبار أن داود ﵇ لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان ﵇ ما سمع، وممن اختار كون كلا الحكمين عن اجتهاد شيخ الإسلام مولانا أبو السعود قدس سره ثم قال: بل أقول والله تعالى أعلم: إن رأى سليمان ﵇ استحسانا كما ينبىء عنه قوله: أرفق بالجانبين ورأى داود ﵇ قياسا كما أن العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى المجني عليه أو يفديه ويبيعه في ذلك أو يفديه عند الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه.
وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرث وقيمة الغنم تفاوت، وأما سليمان ﵇ فقد استحسن حيث جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك من الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزول الضرر الذي آتاه من قبله كما قال بعض أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق منه إنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من المنافع فإذا ظهر الآبق ترادا انتهى.
وأما حكم المسألة في شريعتنا فعند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا ضمان إذا لم يكن معها سائق أو قائد لما روى الشيخان من
قوله ﷺ : «جرح العجماء جبار»
ولا تقييد فيه بليل أو نهار، وعند الشافعي يجب الضمان ليلا لا نهارا لما في السنن من أن ناقة البراء دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال بحفظها بالنهار وعلى أهل المواشي بحفظها بالليل.
وأجيب بأن في الحديث اضطرابا، وفي رجال سنده كلاما مع أنه يجوز أن يكون البراء أرسلها كما يجوز في هذه القصة أن يكون كذلك فلا دليل فيه وَكُلًّا من داود وسليمان آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً كثيرا ومنه العلم بطريق الاجتهاد لا سليمان ﵇ وحده، فالجملة لدفع هذا التوهم وفيها دلالة على أن خطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهدا، وقيل: إن الآية دليل على أن كل مجتهد في مسألة لا قاطع فيها مصيب فحكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده فيها ولا حكم له سبحانه قبل الاجتهاد وهو قول جمهور المتكلمين منا كالأشعري، والقاضي، ومن المعتزلة كأبي الهذيل، والجبائي وأتباعهم، ونقل عن الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم القول بتصويب كل مجتهد والقول بوحدة الحق وتخطئة البعض، وعد في الأحكام الأشعري ممن يقول كذلك. ورد بأن الله تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة بقوله سبحانه: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وذلك يدل على عدم فهم داود ﵇ ذلك فيها وإلا لما كان التخصيص مفيدا. وتعقبه الآمدي بقوله: ولقائل أن يقول: إن غاية ما في قوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ تخصيصه ﵇ بالتفهيم ولا دلالة له على عدم ذلك في حق داود ﵇ إلا بطريق المفهوم وليس بحجة وإن سلمنا أنه حجة غير أنه قد روي أنهما حكما بالنص حكما واحدا ثم نسخ الله تعالى الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل وعلم سليمان بالنص الناسخ دون داود ﵉ فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه، والذي يدل على هذا قوله تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ولو كان أحدهما مخطئا لما كان قد أوتي في تلك الواقعة حكما وعلما وإن سلمنا أن حكمهما كان مختلفا لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الإذن
стр. 3738
فيه وكانا محقين في الحكم إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان ﵇ فصار ما حكم به حقا متعينا بنزول الوحي به ونسب التفهيم إلى سليمان ﵇ بسبب ذلك، وإن سلمنا أن داود ﵇ كان مخطئا في تلك الواقعة غير أنه كان فيها نص أطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة وإنما النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد وليس في الواقعة نص انتهى.
وأكثر الأخبار تساعد أن الذي ظفر بحكم الله تعالى في هذه الواقعة هو سليمان ﵇، وما ذكر لا يخلو مما فيه نظر فانظر وتأمل وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ شروع في بيان ما يختص بكل منهما ﵉ من كراماته تعالى إثر ذكر الكرامة العامة لهما ﵉ يُسَبِّحْنَ يقدسن الله تعالى بلسان القال كما سبح الحصا في كف رسول الله ﷺ وسمعه الناس، وكان عند الأكثرين يقول: سبحان الله تعالى، وكان داود ﵇ وحده يسمعه على ما قاله يحيى بن سلام، وقيل: يسمعه كل أحد وقيل: بصوت يظهر له من جانبها وليس منها وهو خلاف الظاهر وليس فيه من إظهار الكرامة ما في الأول بل إذا كان هذا هو الصدى () فليس بشيء أصلا ودونه ما قيل إن ذلك بلسان الحال، وقيل: يُسَبِّحْنَ بمعنى يسرن من السباحة. وتعقب بمخالفته للظاهر مع أن هذا المعنى لم يذكره أهل اللغة ولا جاء في آية أخرى أو خبر سير الجبال معه ﵇.
وقيل: إسناد التسبيح إليهن مجاز لأنها كانت تسير معه فتحمل من رآها على التسبيح فأسند إليها وهو كما ترى.
وتأول الجبائي وعلي بن عيسى جعل التسبيح بمعنى السير بأنه مجاز لأن السير سبب له فلا حاجة إلى القول بأنه من السباحة ومع هذا لا يخفى ما فيه، والجملة في موضع الحال من الْجِبالَ أو استئناف مبين لكيفية التسخير ومَعَ متعلقة بالتسخير، وقال أبو البقاء: يسبحن وهو نظير قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] والتقديم للتخصيص ويعلم منه ما في حمل التسبيح على التسبيح بلسان الحال وعلى ما يكون بالصدى وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ أو مفعول معه، وفي الآثار تصريح بأنها كانت تسبح معه ﵇ كالجبال. وقرىء «والطير» بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والطير مسخرات، وقيل: على العطف على الضمير في يُسَبِّحْنَ ومثله جائز عند الكوفيين، وقوله تعالى: وَكُنَّا فاعِلِينَ تذييل لما قبله أي من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعا عندكم وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ أي عمل الدرع وأصله كل ما يلبس، وأنشد ابن السكيت:
البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها
وقيل: هو اسم للسلاح كله درعا كان أو غيره، واختاره الطبرسي وأنشد للهذلي يصف رمحا:
ومعي لبوس (١) للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج محفل
قال قتادة: كانت الدروع قبل ذلك صفائح فأول من سردها وحلقها داود ﵇ فجمعت الخفة والتحصين، ويروى أنه نزل ملكان من السماء فمرا به ﵇ فقال أحدهما للآخر: نعم الرجل داود إلا أنه يأكل من بيت المال فسأل الله تعالى أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدرع، وقرىء «لبوس» بضم اللام لَكُمْ متعلق بمحذوف وقع صفة للبوس، وجوز أبو البقاء تعلقه بعلمنا أو بصنعة.
وقوله تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ متعلق بعلمنا أو بدل اشتمال من لَكُمْ بإعادة الجار مبين لكيفية الاختصاص
стр. 3739
والمنفعة المستفادة من لام لَكُمْ والضمير المستتر للبوس، والتأنيث بتأويل الدرع وهي مؤنث سماعي أو للصنعة.
وقرأ جماعة «ليحصنكم» بالياء التحتية على أن الضمير للبوس أو لداود ﵇ قيل أو التعليم، وجوز أن يكون لله تعالى على سبيل الالتفات، وأيد بقراءة أبي بكر عن عاصم «لنحصنكم» بالنون، وكل هذه القراءات بإسكان الحاء والتخفيف. وقرأ الفقيمي عن أبي عمرو، وابن أبي حماد عن أبي بكر بالياء التحتية وفتح الحاء وتشديد الصاد، وابن وثاب والأعمش بالتاء الفوقية والتشديد مِنْ بَأْسِكُمْ قيل أي من حرب عدوكم، والمراد مما يقع فيها، وقيل الكلام على تقدير مضاف أي من آلة بأسكم كالسيف فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أمر وارد صورة الاستفهام لما فيه من التقريع بالإيماء إلى التقصير في الشكر والمبالغة بدلالته على أن الشكر مستحق الوقوع بدون أمر فسأل عنه هل وقع ذلك الأمر اللازم الوقوع أم لا وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي وسخرنا له الريح، وجيء باللام هنا دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخير ما سخر له ﵇ كان بطريق الانقياد الكلي له والامتثال بأمره ونهيه بخلاف تسخير الجبال والطير لداود ﵇ فإنه كان بطريق التبعية والاقتداء به ﵇ في عبادة الله عاصِفَةً حال من الريح والعامل فيها الفعل المقدر أي وسخرنا له الريح حال كونها شديدة الهبوب، ولا ينافي وصفها بذلك هنا وصفها في موضع آخر بأنها رخاء بمعنى طيبة لينة لأن الرخاء وصف لها باعتبار نفسها والعصف وصف لها باعتبار قطعها المسافة البعيدة في زمان يسير كالعاصفة في نفسها فهي مع كونها لينة تفعل فعل العاصفة.
ويجوز أن يكون وصفها بكل من الوصفين بالنسبة إلى الوقت الذي يريده سليمان ﵇ فيه، وقيل وصفها بالرخاء في الذهاب ووصفها بالعصف بالإياب على عادة البشر في الإسراع إلى الوطن. فهي عاصفة في وقت رخاء في آخر. وقرأ ابن هرمز. وأبو بكر في رواية «الريح» بالرفع مع الإفراد.
وقرأ الحسن وأبو رجاء «الرياح» بالنصب والجمع، وأبو حيوة بالرفع والجمع، ووجه النصب ظاهر، وأما الرفع فعلى أن المرفوع مبتدأ والخبر هو الظرف المقدم وعاصِفَةً
حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعامل ما فيه من معنى الاستقرار تَجْرِي بِأَمْرِهِ أي بمشيئته وعلى وفق إرادته وهو استعمال شائع، ويجوز أن يأمرها حقيقة ويخلق الله تعالى لها فهما لأمره كما قيل في مجيء الشجرة للنبي ﷺ حين دعاها، والجملة إما حال ثانية أو بدل من الأولى على ما قيل وقد مر لك غير بعيد الكلام في إبدال الجملة من المفرد فتذكر أو حال من ضمير الأولى إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام كما أخرج ابن عساكر عن السدي، وكان ﵇ مسكنه فيها فالمراد أنها تجري بأمره إلى الشام رواحا بعد ما سارت به منها بكرة، ولشيوع كونه ﵇ ساكنا في تلك الأرض لم يذكر جريانها بأمره منها واقتصر على ذكر جريانها إليها وهو أظهر في الامتنان، وقيل كان مسكنه إصطخر وكان ﵇ يركب الريح منها فتجري بأمره إلى الشام.
وقيل: يحتمل أن تكون الأرض أعم من الشام، ووصفها بالبركة لأنه ﵇ إذا حل أرضا أمر بقتل كفارها وإثبات الإيمان فيها وبث العدل ولا بركة أعظم من ذلك، ويبعد أن المتبادر كون تلك الأرض مباركا فيها قبل الوصول إليها وما ذكر يقتضي أن تكون مباركا فيها من بعده وأبعد جدا منذر بن سعيد بقوله: إن الكلام قد تم عند قوله تعالى:
إِلى الْأَرْضِ والتي باركنا فيها صفة للريح وفي الآية تقديم وتأخير، والأصل ولسليمان الريح التي باركنا فيها عاصفة تجري بأمره بل لا يخفى أنه لا ينبغي أن يحمل كلام الله تعالى العزيز على مثل ذلك وكلام أدنى البلغاء يجل عنه، ثم الظاهر أن المراد بالريح هذا العنصر المعروف العام لجميع أصنافه المشهورة، وقيل: المراد بها الصبا.
وفي بعض الأخبار ما ظاهره ذلك، فعن مقاتل أنه قال: نسجت لسليمان ﵇ الشياطين بساطا من ذهب
стр. 3740
وإبريسم فرسخا في فرسخ ووضعت له منبرا من ذهب يقعد عليه وحوله كراسي من ذهب يقعد عليها الأنبياء ﵈ وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء وحولهم سائر الناس وحول الناس الجن والشياطين والطير تظله من الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح.
وما ذكر من أنه يحمل على البساط هو المشهور ولعل ذلك في بعض الأوقات وإلا فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال: كان لسليمان ﵇ مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به فساروا معه فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم منه الجيوش والجنود، وقيل في وجه الجمع إن البساط في المركب المذكور وليس بذاك.
وذكر عن الحسن أن إكرام الله تعالى لسليمان ﵇ بتسخير الريح لما فعل بالخيل حين فاتته بسببها صلاة العصر وذلك أنه تركها لله تعالى فعوضه الله سبحانه خيرا منها من حيث السرعة مع الراحة، ومن العجب أن أهل لندن قد أتعبوا أنفسهم منذ زمان بعمل سفينة تجري مرتفعة في الهواء إلى حيث شاؤوا بواسطة أبخرة يحبسونها فيها اغترارا بما ظهر منذ سنوات من عمل سفينة تجري في الماء بواسطة آلات تحركها أبخرة فيها فلم يتم لهم ذلك ولا أظنه يتم حسب إرادتهم على الوجه الأكمل، وأخبرني بعض المطلعين أنهم صنعوا سفينة تجري في الهواء لكن لا إلى حيث شاؤوا بل إلى حيث ألقت رحلها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ فما أعطيناه ما أعطيناه إلا لما نعلمه من الحكمة وَمِنَ الشَّياطِينِ أي وسخرنا له من الشياطين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ فمن في موضع نصب لسخرنا، وجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء وخبره ما قبله، وهي على الوجهين على ما استظهره أبو حيان موصولة وعلى ما اختاره جمع نكرة موصوفة، ووجه اختيار ذلك على الموصولية أنه لا عهد هنا، وكون الموصول قد يكون للعهد الذهني خلاف الظاهر، وجيء بضمير الجمع نظرا للمعنى، وحسنه تقدم جمع قبله، والغوص الدخول تحت الماء وإخراج شيء منه، ولما كان الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره قيل: لَهُ للإيذان بأن الغوص ليس لأنفسهم بل لأجله ﵇.
وقد كان ﵇ يأمرهم فيغوصون في البحار ويستخرجون له من نفائسه وَيَعْمَلُونَ له عَمَلًا كثيرا دُونَ ذلِكَ أي غير ما ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ [سبأ: ١٣] الآية، قيل: إن الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من أعمالهم، وذكر ذلك الإمام الرازي في التفسير، لكن في كون الصابون من أعمالهم خلافا. ففي التذكرة الصابون من الصناعة القديمة قيل وجد في كتب هرمس وأندوخيا وهو الأظهر. وقيل: من صناعة بقراط وجالينوس انتهى. وقيل: هو من صناعة الفارابي وأول ما صنعه في دمشق الشام ولا يصح ذلك، وما اشتهر أن أول من صنعه البوني فمن كذب العوام وخرافاتهم، ثم هؤلاء إما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة مِنَ كأنه قيل: ومن يعملون، والشياطين أجسام لطيفة نارية عاقلة، وحصول القدرة على الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف غير مستبعد فإن ذلك نظير قلع الهواء الأجسام الثقيلة، وقال الجبائي:
إنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان ﵇ فلما توفي ردّهم إلى خلقتهم الأولى لئلا يفضي إبقاؤهم إلى تلبيس المتنبي وهو كلام ساقط عن درجة القبول كما لا يخفى.
والظاهر أن المسخرين كانوا كفارا لأن لفظ الشياطين أكثر إطلاقا عليهم، وجاء التنصيص عليه في بعض الروايات ويؤيده قوله تعالى: وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا، وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوه بالنهار، وقيل حافظين لهم من أن يهيجوا أحدا والأنسب بالتذييل ما تقدم وذكر في حفظهم
стр. 3741
أنه وكل بهم جمعا من الملائكة ﵈ وجمعا من مؤمني الجن، هذا وفي قصتي داود وسليمان ﵉ ما يدل على عظم قدرة الله تعالى.
قال الإمام: وتسخير أكثف الأجسام لداود ﵇ وهو الحجر إذ أنطقه الله تعالى بالتسبيح والحديد إذ ألانه سبحانه له وتسخير ألطف الأجسام لسليمان ﵇ وهو الريح والشياطين وهم من نار وكانوا يغوصون في الماء فلا يضرهم دليل واضح على باهر قدرته سبحانه وإظهار الضد من الضد وإمكان إحياء العظم الرميم وجعل التراب اليابس حيوانا فإذا أخبر الصادق بوقوعه وجب قبوله واعتقاده وَأَيُّوبَ الكلام فيه كما مر في قوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي أي بأني مَسَّنِيَ الضُّرُّ وقرأ عيس بن عمر بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين أي قائلا إني، ومذهب الكوفيين إجراء نادى مجرى قال، والضر بالفتح شائع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي وأنت أعظم رحمة من كل من يتصف بالرحمة في الجملة وإلا فلا راحم في الحقيقة سواه جل شأنه وعلا، ولا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها مكتفيا بذلك عن عرض الطلب من استمطار سحائب الرحمة على ألطف وجه.
ويحكى في التلطف في الطلب أن امرأة شكت إلى بعض ولد سعد بن عبادة قلة الفار في بيتها فقال: املؤوا بيتها خبزا وسمنا ولحما، وهو ﵇ على ما قال ابن جرير: ابن اموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ﵇ وأن أباه ممن آمن بإبراهيم ﵇ فعلى هذا كان قبل موسى ﵇، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب ﵇، وقال ابن أبي خيثمة، كان بعد سليمان ﵇.
وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسماعيل وإسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى. وهارون ثم الياس ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب ﵈، وقال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أموص.
وكان ﵇ على ما أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب طويلا جعد الشعر واسع العينين حسن الخلق قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين وكان قد اصطفاه الله تعالى وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله فكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده بهدم بيت عليهم وبذهاب أمواله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعا وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات أو ثلاث سنين، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، وقيل أكثر، ومدة عمره على ما روى الطبراني ثلاث وتسعون سنة وقيل أكثر.
روي أن امرأته وكونها ماضر بنت ميشا بن يوسف ﵇ أو رحمة بنت إفرائيم بن يوسف إنما يتسنى على بعض الروايات السابقة في زمانه ﵇. قالت له يوما: لو دعوت الله تعالى فقال: كم كانت مدة الرخاء فذكرت مدة كثيرة وفي بعض الروايات ثمانين سنة فقال ﵇: أستحي من الله تعالى أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي
.
وروي أن إبليس عليه اللعنة أتاها على هيئة عظيمة فقال لها: أنا إله الأرض فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبد إله السماء فلو سجد لي سجدة رددت عليه وعليك جميع ما أخذت منكما.
وفي رواية لو سجدت لي سجدة لرددت المال والولد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب ﵇ وكان ملقى في الكناسة ببيت المقدس لا يقرب منه أحد فأخبرته بالقصة فقال ﵇: لعلك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله لأضربنك مائة سوط وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا من طعامك وشرابك شيئا فطردها فبقي طريحا
стр. 3742
في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس فعند ذلك خر ساجدا فقال: رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه ﵇ قال ذلك حين مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه: ولو كان لله تعالى في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله فسمع ﵇ فشق عليه فقال: (رب) إلخ،
وروى أنس مرفوعا أنه ﵇ نهض مرة ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال (رب)
إلخ وقيل غير ذلك ولعل هذا الأخير أمثل الأقوال، وكان ﵇ بلاؤه في بدنه في غاية الشدة، فقد أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال: كان يخرج في بدنه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ، وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أنه قال: ما كان بقي من أيوب ﵇ إلا عيناه وقلبه ولسانه فكانت الدواب تختلف في جسده، وأخرج أبو نعيم.
وابن عساكر عنه أن الدودة لتقع من جسد أيوب ﵇ فيعيدها إلى مكانها ويقول: كلي من رزق الله تعالى،
وما أصاب منه إبليس في مرضه كما أخرج البيهقي في الشعب إلا الأنين، وسبب ابتلائه على ما خرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه استعان به مسكين على درء ظلم عنه فلم يعنه.
وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس الخولاني في ذلك أن الشام أجدب فكتب فرعون إليه ﵇ أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعة فأقبل بما عنده فأقطعه أرضا فاتفق أن دخل شعيب على فرعون وأيوب ﵇ عنده فقال:
أما تخاف أن يغضب الله تعالى غضبه فيغضب لغضبه أهل السماوات والأرض والجبال والبحار فسكت أيوب فلما خرجا من عنده أوحى الله تعالى إلى أيوب أوسكتّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه استعد للبلاء قال: فديني قال سبحانه: أسلمه لك قال: لا أبالي، والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار، ثم إنه ﵇ لما سجد فقال ذلك قيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك أركض برجلك فركض فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت ولا جراحة إلا برئت ثم ركض مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وعاد صحيحا ورجع إليه شبابه وجماله وذلك قوله تعالى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ ثم كسى حلة وجلس على مكان مشرف ولم تعلم امرأته بذلك فأدركتها الرقة عليه فقالت في نفسها: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع لأرجعن فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله فدعاها أيوب ﵇ فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة قال لها: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعلي قال: أتعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى عليّ فتبسم فقال: أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقته
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ الظاهر أنه عطف على (كشفنا) فيلزم أن يكون داخلا معه في حيز تفصيل استجابة الدعاء، وفيه خفاء لعدم ظهور كون الإتيان المذكور مدعوا به وإذا عطف على (استجبنا) لا يلزم ذلك، وقد سئل ﵊ عن هذه الآية،
أخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: وَآتَيْناهُ إلخ قال: رد الله تعالى امرأته إليه وزاد في شبابها حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا»
فالمعنى على هذا آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر، وقال ابن مسعود والحسن وقتادة في الآية: إن الله تعالى أحيى له أولاده الذين هلكوا في بلائه وأوتي مثلهم في الدنيا، والظاهر أن المثل من صلبه ﵇ أيضا، وقيل: كانوا نوافل وجاء في خبر أنه ﵇ كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فأفرغت أحداهما في أندر القمح الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض،
وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينما أيوب ﵇ يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب ﵇ يحثي في ثوبه فناداه ربه سبحانه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى: قال: بلى وعزتك لكن لا غنى بي عن
стр. 3743
بركتك
، وعاش ﵇ بعد الخلاص من البلاء على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سبعين سنة، ويظهر من هذا مع القول بأن عمره حين أصابه البلاء سبعون أن مدة عمره فوق ثلاث وتسعين بكثير، ولما مات ﵇ أوصى إلى ابنه حرمل كما روي عن وهب، والآية ظاهرة في أن الأهل ليس المرأة رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي وآتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب ﵇ وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب، فرحمة نصب على أنه مفعول له ولِلْعابِدِينَ متعلق بذكرى، وجوز أن يكون رَحْمَةً وَذِكْرى تنازعا فيه على معنى وآتيناه العابدين الذين من جملتهم أيوب ﵇ وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم نسياننا لهم.
وجوّز أبو البقاء نصب «رحمة» على المصدر وهو كما ترى وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ أي واذكرهم وظاهر نظم ذي الكفل في سلك الأنبياء ﵈ أنه منهم وهو الذي ذهب إليه الأكثر، واختلف في اسمه فقيل بشر وهو ابن أيوب ﵇ بعثه الله تعالى نبيا بعد أبيه وسماه ذا الكفل وأمره سبحانه بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيما بالشام عمره ومات وهو ابن خمس وسبعين سنة وأوصى إلى ابنه عبدان (١) وأخرج ذلك الحاكم عن وهب، وقيل هو الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران ﵈، وصنيع بعضهم يشعر باختياره، وقيل يوشع بن نون، وقيل اسمه ذو الكفل، وقيل هو زكريا حكى كل ذلك الكرماني في العجائب، وقيل هو اليسع بن أخطوب بن العجوز، وزعمت اليهود أنه حزقيال وجاءته النبوة وهو في وسط سبي بختنصر على نهر خوبار.
وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: لم يكن نبيا وكان عبدا صالحا استخلفه. على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد. اليسع ﵇ بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ففعل ولم يذكر مجاهد ما اسمه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كان قاضيا في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل: أنا يسمى ذا الكفل الخبر، وأخرج عن ابن حجيرة الأكبر كان ملك من ملوك بني إسرائيل فحضرته الوفاة فأتاه رؤوس بني إسرائيل فقالوا: استخلف علينا ملكا نفزع إليه فقال: من تكفل لي بثلاث فأوليه ملكي؟
فلم يتكلم إلا فتى من القوم قال: أنا فقال: اجلس ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى فقال: تكفل لي بثلاث وأوليك ملكي تقوم الليل فلا ترقد وتصوم فلا تفطر وتحكم فلا تغضب قال: نعم قال: قد وليتك ملكي الخبر، وفيه كذا في الخبر السابق قصة إرادة إبليس عليه اللعنة إغضابه وحفظ الله تعالى إياه منه، والكفل الكفالة والحظ والضعف، وإطلاق ذلك عليه إن لم يكن اسمه إما لأنه تكفل بأمر فوفى به، وإما لأنه كان له ذا حظ من الله تعالى، وقيل لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء ﵈ في زمانه وضعف ثوابهم.
ومن قال إنه زكريا ﵇ قال: إن إطلاق ذلك عليه لكفالته مريم وهو داخل في الوجه الأول، وفي البحر وقيل: في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح والله تعالى أعلم.
كُلٌّ أي كل واحد من هؤلاء مِنَ الصَّابِرِينَ أي على مشاق التكاليف وشدائد النوب ويعلم هذا من ذكر هؤلاء بعد أيوب ﵈، والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا الكلام فيه على طرز ما سبق من نظيره آنفا.
إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح لعصمتهم من الذنوب. والجملة في موضع التعليل وليس فيه تعليل الشيء بنفسه من غيره حاجة إلى جعل من ابتدائية كما يظهر بأدنى نظر وَذَا النُّونِ أي واذكر صاحب الحوت
стр. 3744
يونس ﵇ ابن متى وهو اسم أبيه على ما في صحيح البخاري وغيره وصححه ابن حجر قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، وقال ابن الأثير كغيره إنه، اسم أمه ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه غيره وغير عيسى ﵉.
واليهود قالوا بما تقدم إلا أنهم سموه يونه بن اميتاي، وبعضهم يقول يونان بن امافي، والنون الحوت كما أشرنا إليه ويجمع على نينان كما في البحر وأنوان أيضا كما في القاموس.
إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أي غضبان على قومه لشدة شكيمتهم وتمادى إصرارهم مع طول دعوته إياهم، وكان ذهابه هذا هجرة عنهم لكنه لم يؤمر به. وقيل: غضبان على الملك حزقيل،
فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا فأوحى الله تعالى إلى شعياء النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له يوجه خمسة من الأنبياء لقتال هذا الملك فقال: أوجه يونس بن متى فإنه قوي أمين فدعاه الملك يخرج فقال يونس: هل أمرك الله تعالى بإخراجي؟ قال: لا قال: هل سماني لك؟ قال: لا فقال يونس: فها هنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضبا فأتى بحر الروم فوجد قوما هيؤوا سفينة فركب معهم فلما وصلوا اللجة تكفأت بهم السفينة وأشرفت على الغرق فقال الملاحون: معنا رجل عاص أو عبد آبق ومن رسمنا إذا ابتلينا بذلك أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر لئن يغرق أحدنا خير من أن تغرق السفينة فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فها كلها على يونس ﵇ فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق فألقى نفسه في البحر فجاءت حوت فابتلعته فأوحى الله تعالى إليها أن لا تؤذيه بشعرة فإني جعلت بطنك سجنا له ولم أجعله طعاما ثم نجاه الله تعالى من بطنها ونبذه بالعراء وقد رق جلده فأنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس ﵇ فقال له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم؟ فأوحى الله تعالى إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم وقال لملكهم: إن الله تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل قالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا علمنا أنك صادق لفعلنا وقد آتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا الله تعالى عنكم فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه قل لهم إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس ﵇ للعلماء الذين عندهم فقالوا: انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس كما ذكر من نزول العذاب وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه فقيل لهم: إنه خرج العشية فلما أيسوا غلقوا باب مدينتهم ولم يدخلوا فيها دوابهم ولا غيرها وعزلوا كل واحدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ثم قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح نزل العذاب من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاحت الصبيان والدواب فرفع الله تعالى العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس حتى لقوه فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل
، وقيل مغاضبا لربه ، وحكي في هذه المغاضبة كيفيات وتعقب ذلك في البحر بأنه يجب إطراح هذا القول إذ لا يناسب ذلك منصب النبوة وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من العلماء كالحسن والشعبي وابن جبير وغيرهم من التابعين. وابن مسعود من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن يكون معنى قولهم لربه لأجل ربه تعالى وحمية لدينه، فاللام لام العلة لا اللام الموصلة للمفعول به انتهى.
وكون المراد مغاضبا لربه مقتضى زعم اليهود فإنهم زعموا أن الله تعالى أمره أن يذهب إلى نينوى وينذر أهلها فهرب إلى ترسيس من ذلك وانحدر إلى يافا ونزل في السفينة فعظمت الأمواج وأشرفت السفينة على
стр. 3745
الغرق فاقترع أهلها فوقعت القرعة عليه فرمى بنفسه إلى البحر فالتقمه الحوت ثم ألقاه وذهب إلى نينوى فكان ما كان، ولا يخفى أن مثل هذا الهرب مما يجل عنه الأنبياء ﵈ واليهود قوم بهت.
ونصب مُغاضِباً على الحال وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا نحو عاقبت اللص وسافرت، وكأنه استعمل ذلك هنا للمبالغة وقيل المفاعلة على ظاهرها فإنه ﵇ غضب على قومه لكفرهم وهم غضبوا عليه بالذهاب لخوفهم لحوق العذاب. وقرأ أبو سرف «مغضبا» اسم مفعول فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي إنه أي الشأن لن نقدر ونقضي عليه بعقوبة ونحوها أو لن نضيق عليه في أمره بحبس ونحوه، ويؤيد الأول قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري
«نقدّر» بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة، وقراءة علي كرم الله تعالى وجهه
. واليماني «يقدّر» بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة فإن الفعل فيهما من التقدير بمعنى القضاء والحكم كما هو المشهور، ويجوز أن يكون بمعنى التضيق فإنه ورد بهذا المعنى أيضا كما ذكره الراغب، وظن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه من القدرة فاستشكل ذلك إذ لا يظن أحد فضلا عن النبي ﵇ عدم قدرة الله تعالى عليه وفزع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأجابه بما ذكرناه أولا وجوّز أن يكون من القدرة وتكون مجازا عن أعمالها أي فظن أن لن نعمل قدرتنا فيه أو يكون الكلام من باب التمثيل أي فعل فعل من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، وقيل: يجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه ﵇ بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويرد بالبرهان كما يفعل المؤمن المحقق نزعات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت، ومنه وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: ٨] والخطاب للمؤمنين.
وتعقبه صاحب الفرائد بأن مثله عن المؤمن بعيد فضلا عن النبي المعصوم لأنه كفر، وقوله تعالى: تَظُنُّونَ إلخ ليس من هذا القبيل على أنه شامل للخاص وغيرهم، وبأن ما هجس ولم يستقر لا يسمى ظنا، وبأن الخواطر لا عتب عليها، وبأنه لو كان حامله على الخروج لم يكن من قبيل الوسوسة. وأجيب بأن الظن بمعنى الهجس في الخاطر من غير ترجيح مجاز مستعمل والعتب على ذهابه مغاضبا ولا وجه لجعله حاملا على الخروج ومع هذا هو وجه لا وجاهة له.
وقرأ ابن أبي ليلى وأبو سرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب «يقدّر» بضم الياء وفتح الدال مخففا، وعيسى والحسن بالياء مفتوحة وكسر الدال.
فَنادى الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى فِي الظُّلُماتِ أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات، وأنشد السيرافي:
وليل تقول الناس في ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أي بأنه لا إله إلا أنت على أن أن مخففة من الثقيلة والجار مقدر وضمير الشأن محذوف أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسرة سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء أو أن يكون ابتلائي بهذا من غير سبب من جهتي إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسهم بتعريضهم للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة من غير أمر على خلاف معتاد الأنبياء ﵈، وهذا اعتراف منه ﵇ بذنبه وإظهار لتوبته ليفرج عنه كربته.
стр. 3746
فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي دعاءه الذي دعاه في ضمن الاعتراف وإظهار التوبة على ألطف وجه وأحسنه.
أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن جرير والبيهقي في الشعب وجماعة عن سعد ابن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: «دعوه ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له»
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أن ذلك اسم الله تعالى الأعظم، وأخرج ذلك الحاكم عن سعد مرفوعا
، وقد شاهدت أثر الدعاء به ولله تعالى الحمد حين أمرني بذلك من أظن ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أعلم به وفي شرحه طول وأنت ملول.
وجاء عن أنس مرفوعا أنه ﵇ حين دعا بذلك أقبلت دعوته تحف بالعرش فقالت الملائكة ﵈: هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: ذاك عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال: بلى فأمر الحوت فطرحه
وذلك قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ أي الذي ناله حين التقمه الحوت بأن قذفه إلى الساحل بعد ساعات. قال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، وعن قتادة أنه بقي في بطنه ثلاثة أيام وهو الذي زعمته اليهود،
وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه بقي سبعة أيام.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي مالك أنه بقي أربعين يوما، وقيل المراد بالغم غم الخطيئة وما تقدم أظهر، ولم يقل جل شأنه فنجيناه كما قال تعالى في قصة أيوب ﵇ فكشفنا. قال بعض الأجلة. لأنه دعا بالخلاص من الضر فالكشف المذكور يترتب على استجابته ويونس ﵇ لم يدع فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ورد بأن الفاء في قصة أيوب ﵇ تفسيرية والعطف هنا أيضا تفسيري والتفنن طريقة مسلوكة في البلاغة، ثم لا نسلم أن يونس ﵇ لم يدع ولو لم يكن منه دعاء لم تتحقق الاستجابة اهـ.
стр. 3747
وتعقبه الخفاجي بأنه لا محصل له، وكونه تفسيرا لا يدفع السؤال لأن حاصله لم أتى بالفاء ثمت ولم يؤت بها هنا؟ فالظاهر أن يقال: إن الأول دعاء بكشف الضر على وجه التلطف فلما أجمل في الاستجابة وكان السؤال بطريق الإيماء ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية، وأما هنا فلما هاجر ﵇ من غير أمر كان ذلك ذنبا بالنسبة إليه ﵇ كما أشار إليه بقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فما أوحي إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته، وليس ما بعده تفسيرا له بل زيادة إحسان على مطلوبه ولذا عطف بالواو اهـ ولا يخفى أن ما ذكره لا يتسنى في قوله تعالى: وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء: ٧٦] وقوله سبحانه: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى [الأنبياء: ٩٠] إذ لم يكن سؤال نوح ﵇ بطريق الإيماء مع أنه قال تعالى في قصته فَنَجَّيْناهُ بالفاء وزكريا ﵇ لم يصدر منه ما يعد ذنبا بالنسبة إليه ليتلطف في سؤال عدم المؤاخذة مع أنه قال سبحانه في قصته وَوَهَبْنا بالواو فلا بد حينئذ من بيان نكتة غير ما ذكر للتعبير في كل موضع من هذين الموضعين بما عبر، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره الشهاب في الآية الأخيرة، وربما يقال: إنه جيء بالفاء التفصيلية في قصتي نوح وأيوب ﵉ اعتناء بشأن الاستجابة لمكان الإجمال والتفصيل لعظم ما كانا فيه وتفاقمه جدا، ألا ترى كيف يضرب المثل ببلاء أيوب ﵇ حيث كان في النفس والأهل والمال واستمر إلى ما شاء الله تعالى وكيف وصف الله تعالى ما نجى الله سبحانه منه نوحا ﵇ حيث قال فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ولا كذلك ما كان فيه ذو النون وزكريا ﵉ بالنسبة إلى ذلك فلذا جيء في آيتيهما بالواو وهي وإن جاءت للتفسير لكن مجيء الفاء لذلك أكثر. ولا يبعد عندي ما ذكره الخفاجي في هذه الآية من كون الاستجابة عبارة عن قبول توبته ﵇ والتنجية زيادة إحسان على مطلوبه ويقال فيما سيأتي ما ستسمعه إن شاء الله تعالى وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الإنجاء الكامل نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ من غموم دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاء أدنى منه.
وقرأ الجحدري «ننجّي» مشددا مضارع نجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر «نجّي» بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وإسكان الياء، واختار أبو عبيدة هذه القراءة على القراءة بنونين لكونها أوفق بالرسم العثماني لما أنه بنون واحدة، وقال أبو علي في الحجة: روي عن أبي عمرو «نجي» بالإدغام والنون لا تدغم في الجيم وإنما أخفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم فحذفت من الكتاب وهي في اللفظ، ومن قال: تدغم فقد غلط لأن هذه النون تخفى مع حروف الفم وتسمى الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين. الضاد وتبيينها لحر فلما أخفي ظن السامع أنه مدغم انتهى.
وقال أبو الفتح ابن جني: أصله ننجي كما في قراءة الجحدري فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين والأخرى جيء بها لمعنى والثقل إنما حصل بالثانية وذلك كما حذفت التاء الثانية في تُظاهِرُونَ [الأحزاب: ٤] ولا يضر كونها أصلية وكذا لا يضر عدم اتحاد حركتها مع حركة النون الأولى فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام فقول أبي البقاء: إن هذا التوجيه ضعيف لوجهين، أحدهما أن النون الثانية أصل وهي فاء الكلمة فحذفها يبعد جدا، والثاني أن حركتها غير حركة النون الأولى فلا يستثقل الجمع بينهما بخلاف تُظاهِرُونَ ليس في حيز القبول، وإنما امتنع الحذف في تَتَجافى [السجدة: ١٦] لخوف اللبس بالماضي بخلاف ما نحن فيه لأنه لو كان ماضيا لم يسكن آخره، وكونه سكن تخفيفا خلاف الظاهر، وقيل هو فعل ماضى مبني لما لم يسم فاعله وسكنت الياء للتخفيف كما في قراءة من قرأ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٨] وقوله:
هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف
стр. 3748
ونائب الفاعل ضمير المصدر والْمُؤْمِنِينَ مفعول به، وقد أجاز قيام المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به الأخفش والكوفيون وأبو عبيد، وخرجوا على ذلك قراءة أبي جعفر لِيَجْزِيَ قَوْماً [الجاثية: ١٤] وقوله:
ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الكلب الكلابا
والمشهور عن البصريين أنه متى وجد المفعول به لم يقم غيره مقام الفاعل، وقيل إن الْمُؤْمِنِينَ منصوب بإضمار فعل أي وكذلك نجي هو أي الانجاء ننجي المؤمنين، وقيل هو منصوب بضمير المصدر والكل كما ترى وَزَكَرِيَّا أي واذكر خبره ﵇ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي وحيدا بلا ولد يرثني كما يشعر به التذييل بقوله تعالى: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ولو كان المراد بلا ولد يصاحبني ويعاونني لقيل وأنت خير المعينين، والمراد بقوله تعالى: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ وأنت خير حي يبقى بعد ميت، وفيه مدح له تعالى بالبقاء وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه ، وقيل أراد بذلك رد الأمر إليه سبحانه كأنه قال: إن لم ترزقني ولدا يرثني فأنت خير وارث فحسبي أنت.
واعترض بأنه لا يناسب مقام الدعاء إذ من آداب الداعي أن يدعو بجد واجتهاد وتصميم منه.
ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ إذا دعا أحدكم فلا يقل: «اللهم اغفر لي إن شئت ارحمني إن شئت ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له»
،
وفي رواية في صحيح مسلم «ولكن يعزم المسألة وليعزم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه»
ويمكن أن يقال: ليس هذا من قبيل ارزقني إن شئت إذ ليس المقصود منه إلا إظهار الرضا والاعتماد على الله لو لم يجب دعاءه وليس المقصود من ارزقني إن شئت ذلك فتأمل.
فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وقد مر بيان كيفية ذلك وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي أصلحناها للمعاشرة بتحسن خلقها وكانت سيئة الخلق طويلة اللسان كما روي عن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومحمد ابن كعب القرظي وعون بن عبد الله أو أصلحناها له ﵇ برد شبابها إليها وجعلها ولودا وكانت لا تلد كما روي عن ابن جبير وقتادة، وعلى الأول تكون هذه الجملة عطفا على جملة (استجبنا) لأنه ﵇ لم يدع بتحسين خلق زوجه.
قال الخفاجي: ويجوز عطفها على وَهَبْنا وحينئذ يظهر عطفه بالواو لأنه لما فيه من الزيادة على المطلوب لا يعطف بالفاء التفصيلية، وعلى الثاني العطف على وَهَبْنا وقدم هبة يحيى مع توقفها على إصلاح الزوج للولادة لأنها المطلوب الأعظم، والواو لا تقتضي ترتيبا فلا حاجة لما قيل: المراد بالهبة إرادتها، قال الخفاجي: ولم يقل سبحانه:
فوهبنا لأن المراد الامتنان لا التفسير لعدم الاحتياج إليه مع أنه لا يلزم التفسير بالفاء بل قد يكون العطف التفسيري بالواو انتهى، ولا يخفى ما فيه فتدبر، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ تعليل لما فصل من فنون إحسانه المتعلقة بالأنبياء المذكورين سابقا ﵈، فضمائر الجمع للأنبياء المتقدمين.
وقيل: لزكريا. وزوجه ويحيى، والجملة تعليل لما يفهم من الكلام من حصول القربى والزلفى والمراتب العالية لهم أو استئناف وقع جوابا عن سؤال تقديره ما حالهم؟ والمعول عليه ما تقدم، والمعنى إنهم كانوا يجدون ويرغبون في أنواع الأعمال الحسنة وكثيرا ما يتعدى أسرع بفي لما فيه من معنى الجد والرغبة فليست في بمعنى إلى أو للتعليل ولا الكلام من قبيل.
يجرح في عراقيبها نصلي وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أي راغبين في نعمنا وراهبين من نقمنا أو راغبين في قبول أعمالهم وراهبين من ردها، فرغبا ورهبا مصدران في موضع الحال بتأويلهما باسم الفاعل، ويجوز أن يكون ذلك بتقدير مضاف أي ذوي رغب،
стр. 3749
ويجوز إبقاؤهما على الظاهر مبالغة، وجوز أن يكونا جمعين كخدم جمع خادم لكن قالوا: إن هذا الجمع مسموع في ألفاظ نادرة، وجوّز أن يكونا نصبا على التعليل أي لأجل الرغبة والرهبة، وجوز أبو البقاء نصبهما على المصدر نحو قعدت جلوسا وهو كما ترى.
وحكى في مجمع البيان أن الدعاء رغبة ببطون الأكف ورهبة بظهورها، وقد قال به بعض علمائنا، والظاهر أن الجملة معطوفة على جملة يُسارِعُونَ فهي داخلة معها في حيز كانُوا، وفي عدم إعادتها رمز إلى أن الدعاء المذكور من توابع تلك المسارعة، وقرأت فرقة «يدعونا» بحذف نون الرفع، وقرأ طلحة «يدعونا» بنون مشددة أدغم نون الرفع في نون ضمير النصب، وقرأ «رغبا» «ورهبا» بفتح الراء وإسكان ما بعدها و «رغبا» «ورهبا» بالضم والإسكان وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ أي مخبتين متصرعين أو دائمي الوجل، وحاصل التعليل أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة.
وقوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها نصب نصب نظائره السابقة، وقيل رفع على الابتداء والخبر محذوف أي مما يتلى عليكم أو هو قوله تعالى: فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا والفاء زائدة عند من يجيزه، والمراد بالموصول مريم ﵍، والإحصان بمعناه اللغوي وهو المنع مطلقا. والفرج في الأصل الشق بين الشيئين كالفرجة وما بين الرجلين ويكنى به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح في ذلك وهو المراد به هنا عند جماعة أي منعت فرجها من النكاح بقسميه كما قالت وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: ٢٠] وكان التبتل إذ ذاك مشروعا للنساء والرجال، وقيل الفرج هنا جيب قميصها منعته من جبريل ﵇ لما قرب منها لينفخ حيث لم تعرفه.
وعبر عنها بما ذكر لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في حقها، والمراد من الروح معناه المعروف، والإضافة إلى ضميره تعالى للتشريف، ونفخ الروح عبارة عن الإحياء وليس هناك نفخ حقيقة. ثم هذا الإحياء لعيسى ﵇ وهو لكونه في بطنها صح أن يقال: نفخنا فيها فإن ما يكون فيما في الشيء يكون فيه فلا يلزم أن يكون المعنى أحييناها وليس بمراد، وهذا كما يقول الزمار. نفخت في بيت فلان وهو قد نفخ في المزمار في بيته، وقال أبو حيان: الكلام على تقدير مضاف أي فنفخنا في ابنها.
ويجوز أن يكون المراد من الروح جبريل ﵇ كما قيل في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
[مريم: ١٧] ومن ابتدائية وهنك نفخ حقيقة وإسناده إليه تعالى مجاز أي فنفخنا فيها من جهة روحنا، وكان جبريل ﵇ قد نفخ من جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها فصح أن النفخ فيها من غير غبار يحتاج إلى النفخ، ثم النفخ لازم وقد يتعدى فيقال نفخنا الروح.
وقد جاء في ذلك بعض الشواذ ونص عليه بعض الأجلة فإنكاره من عدم الاطلاع وَجَعَلْناها وَابْنَها أي جعلنا قصتهما أو حالهما آيَةً لِلْعالَمِينَ فإن من تأمل حالتهما تحقق كمال قدرته ، فالمراد بالآية ما حصل بهما من الآية مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل أريد بالآية الجنس الشامل ما لكل واحد منهما من الآيات المستقلة، وقيل: المعنى وجعلناها آية وابنها آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها واستدل بذكر مريم ﵍ مع الأنبياء في هذه السورة على أنها كانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر.
وفيه أنه لا يلزم ذكرها معهم كونها منهم ولعلها إنما ذكرت لأجل عيسى ﵇، وناسب ذكرهما هنا قصة زكريا وزوجه وابنهما يحيى للقرابة التي بينهم ﵈ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام وذلك من باب هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] وهذا أخوك تصور المشار إليه في الذهن
стр. 3750
وأشير إليه، وفيه أنه متميز أكمل التمييز ولهذا لم يبين بالوصف، والأمة على ما قاله صاحب المطلع أصلها القوم يجتمعون على دين واحد ثم اتسع فيها حتى أطلقت على نفس الدين، والأشهر أنها الناس المجتمعون على أمر أو في زمان وإطلاقها على نفس الدين مجاز، وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة أيضا وهو المراد هنا، وأريد بالجملة الخبرية الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها، والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها فافعلوا ذلك، وقوله تعالى: أُمَّةً واحِدَةً نصب على الحال من أُمَّةً والعامل فيها اسم الإشارة، ويجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في صاحبها وإن كان الأكثر الاتحاد كما في شرح التسهيل لأبي حيان، وقيل بدل من هذِهِ ومعنى وحدتها اتفاق الأنبياء ﵈ عليها أي إن هذه أمتكم أمة غير مختلفة فيما بين الأنبياء ﵈ بل أجمعوا كلهم عليها فلم تتبدل في عصر من الأعصار كما تبدلت الفروع، وقيل: معنى وحدتها عدم مشاركة غيرها وهو الشرك لها في القبول وصحة الأتباع.
وجوز أن تكون الإشارة إلى طريقة الأنبياء المذكورين ﵈ والمراد بها التوحيد أيضا، وقيل: هي إشارة إلى طريقة ابراهيم ﵇ والكلام متصل بقصته وهو بعيد جدا، وأبعد منه بمراحل ما قيل إنها إشارة إلى ملة عيسى ﵇ والكلام متصل بما عنده كأنه قيل وجعلناها وابنها آية للعالمين قائلين لهم: إن هذه أي الملة التي بعث بها عيسى أمتكم إلخ بل لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلا، وقيل: إن هذِهِ إشارة إلى جماعة الأنبياء المذكورين ﵈ والأمة بمعنى الجماعة أي إن هؤلاء جماعتكم التي يلزمكم الاقتداء بهم مجتمعين على الحق غير مختلفين، وفيه جهة حسن كما لا يخفى، والأول أحسن وعليه جمهور المفسرين وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وجوز بعضهم كون الخطاب للمؤمنين كافة، وجعله الطيبي للمعاندين خاصة حيث قال في وجه ترتيب النظم الكريم: إن هذه السورة نازلة في بيان النبوة وما يتعلق بها والمخاطبون المعاندون من أمة محمد ﷺ فلما فرغ من بيان النبوة وتكريره تقريرا ومن ذكر الأنبياء ﵈ مسليا عاد إلى خطابهم بقوله تعالى شأنه إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ إلخ أي هذه الملة التي كررتها عليكم ملة واحدة أختارها لكم لتتمسكوا بها وبعبادة الله تعالى والقول بالتوحيد وهي التي أدعوكم إليها لتعضوا عليها بالنواجذ لأن سائر الكتب نازلة في شأنها والأنبياء كلهم مبعثون للدعوة إليها ومتفقون عليها، ثم لما علم إصرارهم قيل: وَتَقَطَّعُوا إلخ، وحاصل المعنى الملة واحدة والرب واحد والأنبياء ﵈ متفقون عليها وهؤلاء البعداء جعلوا أمر الدين الواحد فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء الواحد انتهى، والأظهر العموم، وأمر النظم عليه يؤخذ من كلام الطيبي بأدنى التفات وقرأ الحسن «أمّتكم» بالنصب على أنه بدل من هذِهِ أو عطف بيان عليه و «أمة واحدة» بالرفع على أنه خبر إن. وقرأ هو أيضا وابن إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجعفي وهارون عن أبي عمرو. والزعفراني برفعهما على أنهما خبر إن، وقيل: الأول خبر والثاني بدل منه بدل نكرة من معرفة أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هي أمة واحدة وَأَنَا رَبُّكُمْ أي أنا إلهكم إله واحد فَاعْبُدُونِ خاصة، وتفسير الرب بالإله لأنه رتب عليه الأمر بالعبادة، والدلالة على الوحدة من حدة الملة، وفي لفظ الرب إشعار بذلك من حيث إن الرب إن توهم جواز تعدده في نفسه لا يمكن أن يكون لكل مربوب إلا رب واحد لأنه مفيض الوجود وكمالاته معا، وفي العدول إلى لفظ الرب ترجيح جانب الرحمة وأنه تعالى يدعوهم إلى عبادته بلسان الترغيب والبسط قاله في الكشف.
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا على أن تقطع مضمن معنى الجعل فلذا تعدى إلى أَمْرَهُمْ بنفسه، وقال أبو البقاء: تقطعوا أمرهم أي في أمرهم أي تفرقوا، وقيل: عدي بنفسه لأنه بمعنى قطعوا أي فرقوا، وقيل. أَمْرَهُمْ تمييز محول عن الفاعل أي تقطع أمرهم انتهى، وما ذكر أولا أظهر وأمر التمييز لا يخفى على