في الصيف»
إلى غير ذلك، وإذا
صح ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم قالوا: يا رسول الله هل لجهنم من عين؟ قال: نعم أما سمعتم الله تعالى يقول: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فهل تراهم إلا بعينين»
كان ما قلناه هو الصحيح. وإسنادها إليها لا إليهم للإيذان بأن التغيظ والزفير منها لهيجان غضبها عليهم عند رؤيتها إياهم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه، وروي أنه هنا مسيرة خمسمائة عام. وأخرج آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس أنه مسيرة مائة عام وحكي (١) ذلك عن السدي والكلبي وروي أيضا عن كعب، وقيل:
مسيرة سنة وحكاه الطبرسي عن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه
، ونسبه في إرشاد العقل السليم إلى السدي. والكلبي سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً أي صوت تغيظ ليصح تعلق السماع به. وفي مفردات الراغب الغيظ أشد الغضب والتغيظ هو إظهار الغيظ وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما في هذه الآية، وقيل: أريد بالسماع مطلق الإدراك كأنه قيل: أدركوا لها تغظيا وَزَفِيراً هو إخراج النفس بعد مدة على ما في القاموس، وقال الراغب: هو ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه وشاع استعماله في نفس صوت ذلك النفس، ولا شبهة في أنه مما يتعلق به السماع ولذا استشكلوا تعلق السماع بالتغيظ دون الزفير فأولوا لذلك بما سمعت، وقال بعضهم: إن ما ذكر من قبيل قوله:
ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا
وهو بتقدير سمعوا لها وأدركوا تغيظا وزفيرا ويعاد كل إلى ما يناسبه. ومن الناس من قال: الكلام خارج مخرج المبالغة بجعل التغيظ مع أنه ليس من المسموعات مسموعا، والتنوين فيه وفي زَفِيراً للتفخيم.
وقد جاء في الآثار ما يدل على شدة زفيرها أعاذنا الله تعالى منها، ففي خبر أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس أنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وغيرهما عن عبيد بن عمير أنه قال في قوله تعالى: سَمِعُوا لَها إلخ: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ترعد فرائصه حتى أن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي.
وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد فنزلت الملائكة صفوفا فيقول الله تعالى لجبريل ﵇: ائت بجهنم فيأتي بها ثم تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله حتى أن إبراهيم ﵇ يقول: بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى ﵇: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي ويقول عيسى ﵇: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي لا أسألك اليوم نفسي فيجيبه الجليل ﷻ إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فوعزتي لأقرن عينك ثم تقف الملائكة ﵈ بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون. وهذه الأخبار ظاهرة في أن النار هي التي تزفر وأن الزفير على حقيقته.
وزعم بعضهم أن زفيرها صوت لهيبها واشتعالها، وقيل: إن كلّا من الرؤية والتغيظ والزفير لزبانيتها ونسبته إليها على حذف المضاف ونقل ذلك عن الجبائي، وقيل: إن قوله تعالى: رَأَتْهُمْ من قوله ﷺ إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما وقولهم: دورهم تتراءى وتتناظر كان بعضها يرى بعضا على سبيل الاستعارة بالكناية والمجاز المرسل،
стр. 4097
وجوز أن يكون من باب التمثيل، وأيا ما كان فالمراد إذا كانت بمرأى منهم، وقوله سبحانه: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وفيه استعارة تصريحية أو مكنية وجوز أن تكون تمثيلية، وقد ذكر هذا التأويل الزمخشري مقدما له وذكر بعض الأئمة أن هذا مذهب المعتزلة لأنهم جعلوا البنية شرطا في الحياة.
وفي الكشف الأشبه أن ذلك ليس لأن البنية شرط ومن أين العلم بأن بنية نار الآخرة بحيث لا تستعد للحياة بل لأنه لا بد من ارتكاب خلاف الظاهر من جعل الشيء المعروف جماديته حيا ناطقا فكان خبرا على خلاف المعتاد أو الحمل على المجاز التمثيلي الشائع في كلامهم لا سيما في كلام الله تعالى ورسله ﵈ وإذ لاح الوجه فكن الحاكم في ترك الظاهر إلى هذا أو ذاك، وفتح هذا الباب لا يجر إلى مذهب الفلاسفة كما توهم صاحب الانتصاف ولا يخالف تعبدنا بالظواهر فإن ما يدعونه أيضا ليس بظاهر انتهى، وأنت تعلم بعد الإغماض عن المناقشة فيما ذكر أن الحمل على الحقيقة هنا أبلغ في التهويل ولعله يهون أمر الخبر على خلاف المعتاد وهذا إن لم يصح الخبر السابق أما إذا صح فلا ينبغي العدول عما يقتضيه وليس لأحد قول مع قوله ﷺ فإنه الأعلم بظاهر الكتاب وخافيه وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً أي في مكان فهو منصوب على الظرفية ومِنْها حال منه لأنه في الأصل صفة، وجوز تعلقه بألقوا.
وقوله تعالى: ضَيِّقاً صفة لمكانا مقيدة لزيادة شدة الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أسيد أن رسول الله ﷺ سئل عن قوله تعالى: وَإِذا أُلْقُوا إلخ فقال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط
، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها تضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح.
وقرأ الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يحطهم الداخلون فيزدحمون، وقرأ ابن كثير «ضيقا» بسكون الياء.
مُقَرَّنِينَ حال من ضمير أُلْقُوا أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع، وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل كل كافر مع شيطانه وفي أرجلهم الأصفاد، وحكي عن الجبائي، وقرأ أبو شيبة صاحب معاذ بن جبل «مقرنون» بالرفع ونسبها ابن خالويه إلى معاذ، ووجهها على ما في البحر كونه بدلا من ضمير أُلْقُوا بدل نكرة من معرفة دَعَوْا هُنالِكَ أي في ذلك المكان الهائل ثُبُوراً أي هلاكا كما قال الضحاك وقتادة وهو مفعول دَعَوْا أي نادوا ذلك فقالوا: يا ثبوراه على معنى احضر فهذا وقتك، وجعل غير واحد النداء بمعنى التمني فيتمنون الهلاك ليسلموا مما هو أشد منه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى معه الموت.
وجوز أبو البقاء نصب ثُبُوراً على المصدرية لدعوا على معنى دعوا دعاء، وقيل: على المصدرية لفعل محذوف ومفعول دَعَوْا مقدر أي دعوا من لا يجيبهم قائلين ثبرنا ثبورا وكلا القولين كما ترى، ولا اختصاص لدعاء الثبور بكفرة الإنس فإنه يكون للشيطان أيضا.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم حتى يقف على النار: فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم» الحديث،
وفي بعض الروايات أن أول من يقول ذلك إبليس ثم يتبعه أتباعه، وظاهره شمول الأتباع كفرة الإنس والجن، ولا يتوهم اختصاص ذلك ببعض كفرة الإنس بناء على ما قيل: إن الآية نزلت في أبي جهل وأصحابه لما لا يخفى، وقوله تعالى: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً على تقدير قول إما منصوب على أنه حال من فاعل دَعَوْا أي دعوا مقولا لهم ذلك حقيقة كما هو الظاهر بأن تخاطبهم
стр. 4098
الملائكة لتنبيههم على خلود عذابهم وأنهم لا يجابون إلى ما يدعونه أو لا ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجي أو تمثيلا لهم وتصويرا لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وخطاب كما قيل أي دعوه حال كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، وإما لا محل له من الإعراب على أنه معطوف على ما قبله أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا دعوا «ثبورا» فيقال لهم: لا تدعوا إلخ، أو على أنه مستأنف وقع جوابا عن سؤال مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل: فماذا يكون عند دعائهم المذكور؟ فقيل: يقال لهم ذلك، والمراد به إقناطهم عما علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيههم على أن عذابهم الملجئ لهم إلى ذلك أبدي لا خلاص لهم منه على أبلغ وجه حيث أشار إلى أن المخلص مما هم فيه من العذاب عادة غير مخلص وما يخلص غير ممكن فكأنه قيل: لا تدعوا اليوم هلاكا واحدا فإنه لا يخلصكم وَادْعُوا ثُبُوراً وهلاكا كَثِيراً لا غاية لكثرته لتخلصوا به وأنى بالهلاك الكثير.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد
وهذا معنى دقيق لم أعلم أن أحدا ذكره، وقيل: وصف الثبور بالكثرة باعتبار كثرة الألفاظ المشعرة به فكأنه قيل: لا تقولوا يا ثبوراه فقط وقولوا يا ثبوراه يا هلاكاه يا ويلاه يا لهفاه إلى غير ذلك وهو كما ترى.
وقال شيخ الإسلام: وصفه بذلك بحسب كثرة الدعاء المتعلق به لا بحسب كثرته في نفسه فإن ما يدعونه ثبور واحد في حد ذاته لكنه كلما تعلق به دعاء من تلك الأدعية الكثيرة صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به دعاء آخر، وتحقيقه لا تدعوه دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن، ثم قال: وهذا أدل على فظاعة العذاب وهو له من جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا يخفى، وأما ما قيل من أن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور كثير إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف وهم إنما يدعون هلاكا ينهي عذابهم وينجيهم منه فلا بد أن يكون الجواب إقناطا لهم عن ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب الشديد انتهى، وتعقب القول بأن وصف الثبور بالكثرة بحسب كثرة الدعاء بأنه لا يناسب النظم وكذا كونه بحسب كثرة الألفاظ المشعرة بالثبور لأنه كان الظاهر أن يقال دعاء كثيرا، وأما قوله: وأما ما قيل إلخ فهو لا يخلو عن بحث فتأمل.
وحكى علي بن عيسى ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه، وجوز أن يكون الثبور في الآية من ذلك كأنهم ندموا على ما فعلوا فقالوا: واصرفاه عن طاعة الله تعالى كما يقال: واندماه فأجيبوا بما أجيبوا، وتقييد النهي والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام المعهودة التي يخلص من عذابها ثبور واحد، ويجوز أن يكون ذلك لتذكيرهم بالساعة التي أصابهم ما أصابهم بسبب التكذيب بها ففيه زيادة إيلام لهم، وقرأ عمر بن محمد «ثبورا» بفتح الثاء في ثلاثتها وفعول بفتح الفاء في المصادر قليل نحو القفول.
قُلْ تقريعا لهم وتهكما بهم وتحسيرا على ما فاتهم أَذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة فإنها التي كثيرا ما تقابل بالجنة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، وقيل: إشارة إلى ما ذكر من الجنة والكنز في قولهم: أو يلقى إليه كنز إلخ.
وقيل: إلى الجنة والقصور المجعولة في الدنيا على تقدير المشيئة وكلا القولين لا يعول عليهما لا سيما الأخير أي ذلك الذي ذكر من السعير التي اعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن أهلها ذيت ذيت خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي وعدها المتقون لأن وعد تتعدى لمفعولين وهذا المحذوف هو العائد على
стр. 4099
الموصول وإضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبة الإضافة معلومة للمدح فإن المدح يكون بما هو معلوم، وإن لم تكن معلومة فلإفادة خلود الجنة، ولا يخدشه قوله تعالى: خالِدِينَ بعد لأنه للدلالة على خلود أهلها لا خلودها في نفسها وإن تلازما أو أن ذلك للتمييز عن جنات الدنيا، وقيل: إن جنة الخلد علم كجنة عدن، والمراد بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها فقط، ويدل عليه مقابلتهم بالكافرين في النظم الكريم، وقيل:
يجوز أن يراد الكاملون في التقوى ووعدها إياهم وعد دخولها ابتداء دون سبق عذاب وهو مختص بهم وليس بذاك، والترديد والتفضيل في خَيْرٌ مع أنه لا شك في أنه لا خيرية في السعير للتهكم والتقريع كما أشرنا إليه.
وقال ابن عطية: حيث كان الكلام استفهاما جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والسعير في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل إذا كان الكلام خبرا لأن فيه مخالفة الواقع، وأما إذا كان استفهاما فذلك سائغ، وقال أبو حيان: إن خَيْرٌ هنا ليس للدلالة على الأفضلية بل هو على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقول حسان: «فشركما لخيركما الفداء» . وقولهم: الشقاء أحب إليك أم السعادة والعسل أحلى من الخل، وقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ [يوسف: ٣٣] ولا اختصاص لذلك في استفهام أو خبر.
وما ذكر من أمثلة الخبر يرد على ابن عطية إلا أن يقيد الخير الذي ادعى منع سيبويه فيه بما لم يكن الحكم فيه واضحا أما إذا كان الحكم فيه واضحا للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد في الأفضل فإن التفضيل يجوز فيه، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام وما أشرنا إليه هنا أولى بالاعتبار مما أشار ابن عطية وأبو حيان إليه.
كانَتْ تلك الجنة لَهُمْ أي في علم الله تعالى أو في اللوح أو المراد تكون على أنه وعد من أكرم الأكرمين عبر عنه بالماضي على طريق الاستعارة لتحقق وقوعه فإنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وجوز أن يكون هذا باعتبار تقدم وعده تعالى في كتبه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام إياهم بها جَزاءً على أعمالهم بمقتضى الوعد لا بالإيجاب وَمَصِيراً ينقلبون إليه، ولم يكتف بقوله تعالى: كانَتْ لَهُمْ جَزاءً لعدم استلزامه ذلك فقد يثيب الملك في الدنيا إنسانا ببستان مثلا ولا يراه فضلا عن أن يسكن فيه، وجملة كانَتْ لَهُمْ إلخ على ما ذكره الطبرسي في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على الموصول في وُعِدَ الْمُتَّقُونَ بتقدير قد أو بدونه، وجوز أن تكون بدلا من وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وتفسيرا له، وأن تكون استئنافا في موضع التعليل.
وذكر الزمخشري ما يشعر بأن هذه الجملة تذييل لتذكير النعمة بما خولهم الله تعالى وطيب عيشهم في ذلك المكان الرافع على وجه يتضمن ضد ذلك لأضدادهم فكأنه قيل: كانت لهم جزاء موفورا لا يدخل تحت الوصف ومصيرا أي مصيرا لا يقادر قدره وليس كمصير الكفرة المشار إليه بقوله سبحانه: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً ويعلم منه فائدة ذكر المصير مع ذكر الجزاء فتأمل، وقوله سبحانه: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ قيل استئناف وقع جوابا لسؤال نشأ مما قبله حيث أفاد أن الجنة مسكن لهم والساكن في دار يحتاج إلى أشياء كثيرة لتطيب نفسه بسكناها فكأن سائلا يقول: ما لهم إذا صاروا إليها وسكنوا فيها؟ فقيل لهم فيها ما يشاؤون، وقال الطبرسي: الجملة في موضع الحال من قوله تعالى: الْمُتَّقُونَ وما موصولة مبتدأ أو العائد محذوف ولَهُمْ خبره وفِيها متعلق بما تعلق به أي كائن لهم فيها الذي يشاؤونه من فنون الملاذ والمشتهيات وأنواع النعيم الروحاني والجسماني، ولعل كل فريق منهم يقتنع بما أبيح له من درجات النعيم ويرى ما هو فيه ألذ الأشياء ولا تمتد أعناق هممهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية ولا يخطر بباله ما يخطر طلبه ولا يتأتى له فلا يشاء آحاد المؤمنين رتبة الأنبياء ﵈ ولا يتعرضون
стр. 4100
للشفاعة لمن كتب عليه الخلود في النار مثلا فلا يلزم الحرمان ولا تساوي مراتب أهل الجنان، وعلى ضد هؤلاء فيما ذكر أهل النار فقد قال سبحانه فيهم: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] .
خالِدِينَ حال من أحد ضمائرهم على ما قيل وظاهره عدم الترجيح، وقال بعض الأفاضل: جعله حالا من الأول يقتضي كونها حالا مقدرة ومن الثالث يوهم تقييد المشيئة بها فخير الأمور أوسطها، ورجح بعضهم الثالث لقربه والتقييد غير مخل بل مهم، وجوز كونها حالا من المتقين ولا يخفى حاله، ولبعض الأجلة هاهنا كلام فيه بحث ذكره الحمصي في حواشي التصريح فليراجع كانَ أي الوعد بما ذكر أو الموعود المفهوم من الكلام فيشمل الوعد بالجنة وبحصول ما يشاؤون لهم فيها وبالخلود على الأول والجنة وحصول المرادات والخلود الموعود بها على الثاني، وقال بعضهم: الضمير للخلود، وآخر لحصول ما يشاؤون لهم فيها أوله ولكون الجنة جزاء ومصيرا، والإفراد باعتبار ما ذكر ويغني عنه ما سمعت، والأكثرون على أنه لما يشاؤون وهو اسم كان وقوله تعالى: عَلى رَبِّكَ متعلق بها أو بمحذوف وقع حالا من قوله سبحانه: وَعْداً وهو خبرها، ولم يجوز تعلق الجار به سواء كان باقيا على مصدريته أو مؤولا باسم المفعول أي موعودا لما علمت من الخلاف في مرجع الضمير بناء على منع تقديم معمول المصدر عليه وإن كان مؤولا بغيره أو كان المقدم ظرفا وفيه خلاف، وجوز أن يكون عَلى رَبِّكَ متعلقا بمحذوف هو الخبر ووَعْداً مصدرا مؤكدا، والأظهر أن يجعل هو الخبر أي كان ذلك وعدا أو موعودا مَسْؤُلًا أي حقيقيا أن يسأل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون أو سببا لحصول ذلك فمسؤوليته كناية عن كونه أمرا عظيما ويجوز أن يراد كون الموعود مسؤولا حقيقة بمعنى يسأله الناس في دعائهم بقولهم: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آل عمران: ١٩٤] ، وقال سعيد بن أبي هلال: سمعت أبا حازم رضي الله تعالى عنه يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: ربنا عملنا لك بما أمرتنا فانجز لنا ما وعدتنا فذلك قوله تعالى: وَعْداً مَسْؤُلًا.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد هذا عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في الآية: إن الملائكة ﵈ لتسأل ذلك في قولهم: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ [غافر: ٨] والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵊ لتشريفه ﷺ والإشعار بأنه ﵊ هو الفائز بمغانم الوعد الكريم. واستشكلت الآية على مذهب الإشارة لأنها تدل على الوجوب على الله تعالى لمكان «على» وعندهم لا يجب عليه سبحانه شيء لاستلزام ذلك سلب الاختيار وعدم استحقاق الحمد، وأجيب بأن الوجوب الذي تدل عليه الآية وجوب بمقتضى الوعد والممتنع إيجاب الإلجاء والقسر من خارج لأنه السالب للاختيار الموجب للمفسدة دون إيجابه تعالى على نفسه شيئا بمقتضى وعده وكرمه فإنه مسبوق بالإرادة والوجوب الناشئ من الإرادة لا ينافي الاختيار، وهذا ظاهر إذا كان الوعد حادثا وأما إذا كان قديما فالسابقية والمسبوقية بحسب الذات وذلك لا يستلزم الحدوث، أو يقال: الحادث بالإرادة تعلقه بالموعود به فافهم وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالى: قُلْ أَذلِكَ إلخ أي قيل لهم ذلك واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم الله ، والمراد تذكيرهم بما فيه من الحوادث الهائلة على ما سمعت في نظائره أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هوله وفظاعة ما فيه والإيذان بأن العبارة لا تحيط ببيانه أي ويوم يحشرهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال.
وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر وكثير من السبعة «نحشرهم» بنون العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الأعرج «يحشرهم» بكسر الشين، قال صاحب اللوامح: في كل القرآن وهو القياس في الأفعال المتعدية الثلاثية لأن
стр. 4101
يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فعل بضمها في الماضي، وقال ابن عطية: وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين، وفيه كلام ذكره أبو حيان في البحر وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عطف على مفعول يَحْشُرُهُمْ وليست الواو للمعية وجوز ذلك أبو البقاء، والمراد بالموصول عند الضحاك وعكرمة والكلبي الأصنام بناء أن السياق فيها وينطقها الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، وقيل: تتكلم بلسان الحال وليس بذاك.
وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد به الملائكة وعيسى وعزيز وأضرابهم من العقلاء الذين عبدوا من دون الله وهو قول الجمهور على ما في البحر لأن السؤال والجواب يقتضيانه لاختصاصهما بالعقلاء عادة وإن كان الجماد ينطق يومئذ، وجاء فيما يشبه الاستفهام الآتي النص عليهم نحو قوله تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ: ٤٠] وقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:
١١٦] والظاهر أن المراد- بما- على هذا القول العقلاء المعبودون الذين ليس منهم إضلال كالملائكة والأنبياء ﵈ لا ما يشملهم ولشياطين مثلا فإن الجواب يأبى ذلك بظاهره كما يخفى وأطلقت ما على العقلاء إما على أنها تطلق عليهم حقيقة أو مجازا أو باعتبار الوصف كأنه قيل: أو معبوديهم، وقال بعض الأجلة: المراد ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبىء عنه أنك إذا رأيت شبحا من بعيد تقول: ما هو؟ أو لأنه أريد بها الوصف فلا تختص حينئذ بغير العقلاء كما إذا أريد بها الذات أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيها على بعدهم عن استحقاق العبادة وتنزيلهم في ذلك منزلة من لا علم له ولا قدرة أو اعتبارا لغلبة عبدتها وكثرتهم فَيَقُولُ أي الله للمعبودين من دونه أثر حشر الكل تقريعا للعبدة وتبكيتا لهم.
وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر «فنقول» بنون العظمة أيضا، ومن قرأ ممن عداهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا التفاتا من التكلم إلى الغيبة، وفي نون العظمة هناك إشارة إلى أن الحشر أمر عظيم.
أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ بأن دعوتموهم إلى عبادتكم وإضافة عِبادِي قيل للترحم أو لتعظيم جرمهم لعبادة غير خالقهم أو لتعظيم أمر إضلالهم بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عبادا لله وهؤُلاءِ بدل منه، وجوز أن يكون نعتا له أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ أي عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد من كتاب أو رسول فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى: وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:
٤] والأصل إلى السبيل أو للسبيل.
وذكر بعض الأجلة أنه لم يقل عن السبيل للمبالغة فإن ضله بمعنى فقده وضل عنه بمعنى خرج عنه. والأول أبلغ لأنه يوم أنه لا وجود له رأسا، وتقديم الضميرين على الفعلين لما أن المراد بالسؤال التقريعي هو المتصدي للفعل لا نفسه قالُوا استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل قالوا:
سُبْحانَكَ وكان الظاهر أن يعبر بالمضارع لكان (يقول) أولا، وكأن العدول إلى الماضي للدلالة على تحقق التنزيه والتبرئة وأنه حالهم في الدنيا، وقيل: للتنبيه على أن إجابتهم بهذا القول هو محل الاهتمام فإن بها التبكيت والإلزام فدل بالصيغة على تحقق وقوعها، وسبحان إما للتعجب مما قيل لهم إما لأنهم جمادات لا قدرة لها على شيء أو لأنهم ملائكة أو أنبياء معصومون أو أولياء عن مثل ذلك محفوظون وإمّا هو كناية عن كونهم موسومين بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف يتأتى منهم إضلال عباده وإمّا هو على ظاهره من التنزيه والمراد تنزيهه تعالى عن الأضداد، وهو
стр. 4102
على سائر الأوجه جواب إجمالي إلا أن في كونه كذلك على الأخير نوع خفاء بالنسبة إلى الأولين، وقوله تعالى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا إلخ كالتأكيد لذلك والتفصيل له.
وجعل الطيبي قولهم: سُبْحانَكَ توطئة وتمهيدا للجواب لقولهم: ما كانَ إلخ أي ما صح وما استقام لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ أي أولياء على أن مِنْ مزيدة لتأكيد النفي. ويحسن زيادتها بعد النفي والمنفي وإن كان كانَ لكن هذا معمول معمولها فينسحب النفي عليه. والمراد نفي أن يكونوا هم مضليهم على أبلغ وجه كأنهم قالوا: ما صح وما استقام لنا أن نتخذ متجاوزين إياك أولياء نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا غيرك فضلا أن يتخذونا وليا، وجوز أن يكون المعنى ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أتباعا فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه وقرأ أبو عيسى الأسود القارئ «ينبغى» بالبناء للمفعول. وقال ابن خالويه: زعم سيبويه أن ذلك لغة.
وقرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة وزيد بن علي وأخوه الباقر رضي الله تعالى عنهما ومكحول والحسن وأبو جعفر وحفص بن عبيد والنخعي والسلمي وشيبة وأبو بشر والزعفراني «يتّخذ» مبنيا للمفعول.
وخرج ذلك الزمخشري على أنه من اتخذ المتعدي إلى مفعولين والمفعول الأول ضمير المتكلم القائم مقام الفاعل والثاني مِنْ أَوْلِياءَ ومن تبعيضية لا زائدة أي أن يتخذونا بعض الأولياء، ولم يجوز زيادتها بناء على ما ذهب إليه الزجاج من أنها لا تزاد في المفعول الثاني، وعلله في الكشف بأنه محمول على الأول يشيع بشيوعه ويخص كذلك، ومراده أنه إذا كان محمولا لا يراد صدقه على غيره فيشيع ويخص كذلك في الإرادة فلا يرد زيد حيوان فإن المحمول باق على عمومه مع خصوص الموضوع، وقيل: مراده أن الاختلاف لا يناسب مع إمكان الاتحاد والمثال ليس كذلك. والزمخشري لما بنى كلامه على ذلك المذهب والتزم التبعيض جاء الإشكال في تنكير أَوْلِياءَ فأجاب بأنه للدلالة على الخصوص وامتيازهم بما امتازوا وهو للتنويع على الحقيقة.
وقال السجاوندي: المعنى ما ينبغي لنا أن نحسب من بعض ما يقع عليه اسم الولاية فضلا عن الكل فإن الولي قد يكون معبودا ومالكا وناصرا ومخدوما. والزجاج خفي عليه أمر هذه القراءة على مذهبه فقال: هذه القراءة خطأ لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي لأن من إنما دخلت لأنها تنفي واحدا في معنى جميع ويقال: ما من أحد قائما وما من رجل محبا لما يضره ولا يقال: ما قائم من أحد وما رجل من محب لما يضره ولا وجه عندنا لهذا البتة ولو جاز هذا لجاز في فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧] ما منكم أحد عنه من حاجزين. وأجاز الفراء هذه القراءة عن ضعف وزعم أن مِنْ أَوْلِياءَ هو اسم وما في نَتَّخِذَ هو الخبر كأنه يجعله على القلب انتهى.
ونقل صاحب المطلع عن صاحب النظم أنه قال: الذي يوجب سقوط هذا القراءة أن من لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه نحو قوله تعالى: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: ٣٥] فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخولها كما في الآية على هذه القراءة. ولا يخفى عليك أن في الإقدام على القول بأنها خطأ أو ساقطة مع روايتها عمن سمعت من الأجلة خطرا عظيما ومنشأ ذلك الجهل ومفاسده لا تحصى. وذهب ابن جني إلى جواز زيادة من في المفعول الثاني فيقال: ما اتخذت زيدا من وكيل على معنى ما اتخذته وكيلا أي وكيل كان من أصناف الوكلاء. ومعنى الآية على هذا المنوال ما ينبغي لنا أن يتخذونا من دونك أولياء أي أولياء أي ما يقع عليه اسم الولاية.
وجوز أن يكون «نتخذ» على هذه القراءة مما له مفعول واحد ومِنْ دُونِكَ صلة ومِنْ أَوْلِياءَ حال ومِنْ
стр. 4103
زائدة وعزا هذا في البحر إلى ابن جني. وجوز بعضهم كون «نتخذ» في القراءة المشهورة من اتخذ المتعدي لمفعولين، وجعل أبو البقاء على هذا «من أولياء» المفعول الأول بزيادة من مِنْ دُونِكَ المفعول الثاني وعلى كونه من المتعدي لواحد يكون هذا حالا.
وقرأ الحجاج «أن نتخذ من دونك أولياء» فبلغ عاصما فقال: مقت المخدج أو ما علم أن فيها من. وقوله تعالى: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ إلخ استدراك مسوق لبيان أنهم هم الضالون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم على أبلغ وجه كما سمعت، وقد نعي عليهم سوء صنيعهم حيث جعلوا أسباب الهداية أسبابا للضلالة أي ما أضللناهم ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا في الشهوات وانهمكوا فيها حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي غفلوا عن ذكرك والإيمان بك أو عن توحيدك أو عن التذكر لنعمك وآيات ألوهيتك ووحدتك.
وفي البحر الذكر ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء ﵈ أو الكتب المنزلة أو القرآن، ولا يخفى ما في الأخير إذا قيل: بعموم الكفار والمخبر عنهم في الآية وشمولهم كفار هذه الأمة وغيرهم وَكانُوا أي في علمك الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في أنفسها أو بما سيصدر عنهم فيما لا يزال باختيارهم وسوء استعدادهم من الأعمال السيئة قَوْماً بُوراً هالكين على أن بُوراً مصدر وصف به الفاعل مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، وأنشدوا:
فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ... وكافوا به فالكفر بور لصانعه
وقول ابن الزبعرى:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
أو جمع بأثر كعوذ في عائذ (١) وتفسيره بهالكين رواه ابن جرير وغيره عن مجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال: هلكى بلغة عمان وهم من اليمن، وقيل: بورا فاسدين في لغة الأزد ويقولون: أمر بائر أي فاسد وبارت البضاعة إذا فسدت. وقال الحسن: بورا لا خير فيهم من قولهم: أرض بور أي متعطلة لا نبات فيها، وقيل: بورا عميا عن الحق، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله على ما قال أبو السعود.
وقال الخفاجي: هي حال بتقدير قد أو معطوفة على مقدر أي كفروا وكانوا أو على ما قبلها، وقد شنع الزمخشري بما ذكر من السؤال والجواب على أهل السنة فقال: فيه كسر بين لقول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده على الحقيقة حيث يقول سبحانه للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتم أم هم ضلوا بأنفسهم فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر وكان ذلك سبب هلاكهم فإذا برأت الملائكة والرسل ﵈ أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه فهم لربهم الغني العدل أشد تبرئة وتنزيها منه. ولقد نزهوه تعالى حين أضافوا إليه سبحانه التفضل بالنعمة والتمتيع بها وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله سبحانه:
стр. 4104
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ولو كان سبحانه هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم انتهى.
وأجاب صاحب الفرائد عن قوله: فيتبرؤون من إضلالهم إلخ بأنهم انما تبرؤوا لأنهم يستحقون العذاب بإضلالهم ولم يكن منهم فوجب عليهم أن يقولوا ذلك ليندفع عنهم ما يستحقون به من العذاب وذلك أنهم مسؤولون عما يفعلون والله لا يسأل عما يفعل فيلحق بهم النقصان إن ثبت عليهم ولا يمكن لحوقه به تعالى لأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وعن قوله: ولقد نزهوه حيث أضافوا إلخ بأن قولهم ولكن متعتهم إلخ لا ينافي نسبة الإضلال إليه سبحانه على الحقيقة وأيضا ما يؤدي إلى الضلال إذا كان منه تعالى وكان معلوما له إنهم يضلون به كان فيه ما في الإضلال بالحقيقة يوجب على مذهبه أنه لا يجوز عليه سبحانه مع أنهم نسبوه إليه سبحانه، وعن قوله: ولو كان تعالى هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أنت أضللتهم بأن هذا غير مستقيم لأنه تعالى ما سألهم إلا عن أحد الأمرين وما ذكر لا يصلح جوابا له بل هو جواب لمن قال: من أضلهم انتهى، وذكر في الكشف جوابا عن الأخير أنه ليس السؤال عن تعيين من أضل لأنه تعالى عالم به وإنما هو سؤال تقريع على نحو أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة:
١١٦] فلو قالوا: أنت أضللتهم لم يطابق وإنما الجواب ما أجابوا به كما أجاب عيسى ﵇ بقوله: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي إلخ وقد اقتدى بالإمام في ذلك، وذكر أيضا قبل هذا الجواب أنه لو قيل: إن في مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ ما يدل على أنه تعالى الفاعل الحقيقي للإضلال وأنه لا ينسب إليه سبحانه أدبا لكان وجها ولا ينبغي أن يكون ذلك بعد التسليم المقصود من الجواب بمتعتهم إلخ بأن يكون المراد الجواب بأنت أضللتهم لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل أدبا لأن الجواب بذلك مما لا يقتضيه السياق كما لا يخفى.
وقال ابن المنير: إن جواب المسئولين بما ذكر يدل على معتقدهم الموافق لما عليه أهل الحق لأن أهل الحق يعتقدون أن الله تعالى وإن خلق الضلال إلا أن للعباد اختيارا فيه وعندهم أن كل فعل اختياري له نسبتان إن نظر إلى كونه مخلوقا فهو منسوب إلى الله تعالى وإن نظر إلى كونه مختارا للعبد فهو منسوب للعبد وهؤلاء المجيبون نسبوا النسيان أي الانهماك في الشهوات الذي ينشأ عنه النسيان إلى الكفرة لأنهم اختاروه لأنفسهم فصدقت نسبته إليهم ونسبوا السبب الذي اقتضى نسيانهم وانهماكهم في الشهوات إلى الله تعالى وهو استدراجهم ببسط النعم عليهم وصبها صبا فلا تنافي بين معتقد أهل الحق ومضمون ما قالوا في الجواب بل هما متواطئان على أمر واحد انتهى.
ولا يخفى ما في بيان التوافق من النظر، وقد يقال: حيث كان المراد من الاستفهام تقريع المشركين وعلم المستفهمين بذلك مما لا ينبغي أن ينكر لا سيما إذا كانوا الملائكة والأنبياء ﵈ جيء بالجواب متضمنا ذلك على أتم وجه مشتملا على تحقق الأمر في منشأ ضلالهم كل ذلك للاعتناء بمراده تعالى من تقريعهم وتبكيتهم ولذا لم يكتفوا في الجواب- بهم ضلوا- بل افتتحوا بالتسبيح ثم نفوا عن أنفسهم الإضلال على وجه من المبالغة ليس وراءه ورلء ثم أفادوا أنهم ضلوا بعد تحقق ما ينبغي أن يكون ذريعة لهم إلى الاهتداء من تمتيعهم بأنواع النعم وذلك من أقبح الضلال ونبهوا على زيادة قبحه فوق ما ذكر بالتعبير عنه بنسيان الذكر ثم ذكروا منشأ ضلالهم والأصل الأصيل فيه بقولهم: وَكانُوا قَوْماً بُوراً أما على معنى كانوا في نفس الأمر قوما فاسدين وإن شئت قلت هالكين ونحوه مما تقدم فظهروا على حسب ما كانوا لأن ما في نفس الأمر لا يتغير أو على معنى كانوا في العلم التابع للمعلوم في نفسه كذلك فظهروا على حسب ذلك لئلا يلزم الانقلاب المحال، وحاصله أن منشأ ضلالهم فساد استعدادهم في نفسه من غير مدخلية للغير في التأثير فيه وهذا شأن جميع ماهيات الأشياء في أنفسها فإن مدخلية الغير إنما هي في نحو وجودها الخارجي لا غير، وإلى هذا ذهب جمع من الفلاسفة والصوفية وشيد أركانه الشيخ ابراهيم الكوراني عليه
стр. 4105
الرحمة في أكثر كتبه فإن كان مقبولا فلا بأس في تخريج الآية الكريمة عليه فتدبر، وقوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ حكاية لاحتجاجه تعالى على العبدة بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن المعبودين عند تمام جوابهم وتوجهه إلى العبدة مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم على تقدير قول مرتب على الجواب أي فقال الله تعالى عند ذلك: قد كذبكم المعبودون أيها الكفرة، وقال بعض الأجلة الفاء فصيحة مثلها في قول عباس بن الأحنف:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا
والتقدير هنا قلنا أو قال تعالى إن قلتم إنهم آلهة فقد كذبوكم بِما تَقُولُونَ أي في قولكم على أن الباء بمعنى في وما مصدرية والجار والمجرور متعلق بالفعل والقول بمعنى المقول، ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف أي في الذي تقولونه، وجوز أن تكون الباء صلة والمجرور بدل اشتمال من الضمير المنصوب في كذبوكم، والمراد بمقولهم أنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا، وتعقب بأن تكذيبهم في هذا القول لا تعلق له بما بعده من عدم استطاعتهم للصرف والنصر أصلا وإنما الذي يستتبعه تكذيبهم في زعمهم أنهم آلهتهم وناصروهم وفيه نظر كما سنشير إليه قريبا إن شاء الله تعالى، وقيل: الخطاب للمعبودين أي فقد كذبكم العابدون أيها المعبودون في قولكم سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء حيث زعموا أنكم آلهة، والمراد الحكم على أولئك المكذبين بالكفر على وجه فيه استزادة غيظ المعبودين عليهم وجعله مفرعا عليه ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والفاء أيضا فصيحة، والجملة جزاء باعتبار الأخبار، وقيل: هو خطاب للمؤمنين في الدنيا فقد كذبكم أيها المؤمنون الكفرة في الدنيا فيما تقولونه من التوحيد وجيء بالكلام ليفرع عليه ما بعد وكلا القولين كما ترى والثاني أبعدهما، وقرأ أبو حيوة «يقولون» بالياء آخر الحروف وهي رواية عن ابن كثير وقنبل الخطاب في كَذَّبُوكُمْ للعابدين وضمير الجمع فيه وفي «يقولون» للمعبودين أي فقد كذبكم أيها العبدة المعبودون بزعمكم بقولهم سبحانك إلخ والباء للملابسة أو الاستعانة، وفيه أيضا القولان السابقان أي فقد كذبكم أيها المعبودون العبدة بقولهم إنكم آلهة أو فقد كذبكم أيها المؤمنون الكفار في التوحيد بقولهم: إن هؤلاء المحكي عنهم آلهة فَما تَسْتَطِيعُونَ أي فما تملكون أيها العبدة صَرْفاً أي دفعا للعذاب عن أنفسكم بوجه من الوجوه كما يعرب عنه التنكير أي لا بالذات ولا بالواسطة، وقيل: حيلة من قولهم: إنه ليصرف في أموره أي يحتال فيها، وقيل: توبة، وقيل: فدية والأول أظهر فإن أصل الصرف رد الشيء من حالة إلى أخرى وإطلاقه على الحيلة أو التوبة أو الفدية مجاز، والمراد فما تملكون دفعا للعذاب قبل حلوله وَلا نَصْراً أي فردا من أفراد النصر أي العون لا من جهة أنفسكم ومن جهة غيركم بعد حلوله، وقيل: نصرا جمع ناصر كصحب جمع صاحب وليس بشيء، والفاء لترتيب عدم الاستطاعة على ما قبلها من التكذيب لكن لا على معنى أنه لولاه لوجدت الاستطاعة حقيقة بل في زعمهم حيث كانوا يزعمون أنهم يدفعون عنهم العذاب وينصرونهم وفيه ضرب تهكم بهم، والمراد من التكذيب المرتب عليه ما ذكر تكذيبهم بقولهم إنهم آلهة، ويجوز أن يراد به تكذيبهم بقولهم: هؤلاء أضلونا وهو متضمن نفي كونهم آلهة وبذلك يتم أمر الترتيب.
وقرأ عليّ كرم الله تعالى وجهه وأكثر السبعة «يستطيعون» بالياء التحتية
أي فما يستطيع آلهتكم دفعا للعذاب عنكم، وقيل حيلة لدفعه، وقيل فدية عنكم ولا نصرا لكم، وقيل في معنى الآية على تقدير كون الخطاب السابق للمؤمنين إنه سبحانه أراد أن هؤلاء الكفرة شديد والشكيمة في التكذيب الموجب للتعذيب فما تستطيعون أنتم صرفهم عنه ولا نصرا لكم فيما يصيبهم مما يستوجبه من العذاب هذا على قراءة حفص «تستطيعون» بالتاء الفوقية وأما على قراءة الجماعة «يستطيعون» بالياء فالمعنى ما يستطيعون صرفا لأنفسهم عما هم عليه ولا نصرا لها فيما استوجبوه
стр. 4106
بتكذيبهم من العذاب أو فما يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أنتم عليه ولا نصرا لأنفسهم من العذاب انتهى وهو كما ترى وَمَنْ يَظْلِمْ أي يكفر مِنْكُمْ أيها المكلفون ويعبد من دون الله تعالى إلها آخر كهؤلاء الكفرة نُذِقْهُ في الآخرة عَذاباً كَبِيراً لا يقادر قدره وهو عذاب النار، وقرىء «يذقه» على أن الضمير لله ، وقيل:
لمصدر يظلم أي يذقه الظلم والإسناد مجازي، وتفسير الظلم بالكفر هو المروي عن ابن عباس، والحسن وابن جريج وأيد بأن المقام يقتضيه فإن الكلام في الكفر ووعيده من مفتتح السورة، وجوز أن يراد به ما يعم الشرك وسائر المعاصي والوعيد بالعذاب لا ينافي العفو بالنسبة إلى غير المشرك لما حقق في موضعه. واختار الطيبي التفسير الأول وجعل الخطاب للكفار أيضا لأن الكلام فيهم من أول وقد سبق فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ وهذه الآية لما يجري عليهم من الأهوال والنكال من لدن قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: ١٢] ومعنى وَمَنْ يَظْلِمْ حينئذ ومن يدم على الظلم، وفي الكشف الوجه أن الخطاب عام والظلم الكفر وَمَنْ يَظْلِمْ مظهر أقيم مقام المضمر تنبيها على توغلهم في الكفر وتجاوزهم حد الإنصاف والعدل إلى محض الاعتساف والجدل فيما رموا به رسول الله ﷺ وكان الأصل فلا يستطيعون صرفا ولا نصرا ونذيقهم عذابا كبيرا أو نذيقكم على اختلاف القراءتين والحمل على من يدم على الظلم منكم ليختص الخطاب بالكفار صحيح أيضا ولكن تفوته النكتة التي ذكرناها انتهى. ولا يخفى أن كونه من إقامة المظهر مقام المضمر خلاف الظاهر فتأمل.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ قيل هو تسلية له ﷺ عن قولهم مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق بأن لك في سائر الرسل ﵈ أسوة حسنة فإنهم كانوا كذلك، وقال الزجاج: احتجاج عليهم في قولهم ذلك كأنه قيل كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فكيف يكون محمد ﷺ بدعا من الرسل ﵈. ورده الطيبي بأنه لا يساعد عليه النظم الجليل لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ [الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩] وتعقبه في الكشف بقوله: ولقائل أن يقول هذا جواب آخر كما أجيب هنالك من أوجه على ما نقل عن الإمام وجعل قوله تعالى:
بَلْ كَذَّبُوا جوابا ثالثا وعقبه بقوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ لمكان المناسبة وتم الوعيد ثم أجابهم سبحانه جوابا آخر يتضمن التسلية أيضا وهذا يساعد عليه النظم الجليل، والجملة التي بعد إلا قيل صفة ثانية لموصوف مقدر قبل مِنَ الْمُرْسَلِينَ والمعنى ما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين. وتعقب بأن فيه الفضل بين الموصوف والصفة بإلا وقد رده أكثر النحاة كما في المغني، ومن هنا جعلها بعضهم صفة لموصوف مقدر بعد إلا وذلك بدل مما حذف قبل وأقيمت صفته مقامه، والمعنى ما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا رجالا أو رسلا أنهم إلخ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه وهو جائز عندهم. وقدر الفراء بعد إلا من وهي تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون نكرة موصوفة، وجعل بعضهم الجملة في محل نصب بقول محذوف وجملة القول صفة أي إلا رجالا أو رسلا قيل إنهم إلخ وهو كما ترى، وقال ابن الأنباري: الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وأنهم. قال أبو حيان: وهو المختار، وقدر الواو بناء على أن الاكتفاء في مثل هذه الجملة الحالية بالضمير غير فصيح، وربما يختار عدم التقدير ويمنع دعوى عدم الفصاحة أو يحمل ذلك على غير المقترن بإلا لأنه في الحقيقة بدل، ووجه كسر إن وقوعها في الابتداء ووقوع اللام بعدها أيضا. وقرىء «أنهم» بالفتح على زيادة اللام بعدها وتقدير جار قبلها أي لأنهم يأكلون إلخ. والمراد ما جعلناهم رسلا إلى الناس إلا لكونهم مثلهم،
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد الله «يمشّون» بتشديد الشين المفتوحة مع ضم الياء مبنيا للمفعول
أي يمشيهم حوائجهم أو الناس والتضعيف للتكثير كما في قول الهذلي:
стр. 4107
يمشي بيننا حانوت خمر وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما في البحر «يمشون» بضم الياء والشين مع التشديد مبنيا للفاعل وهو مبالغة يمشي المخفف فهي مطابقة للقراءة المشهورة ولا يحتاج إلى تقدير يمشيهم حوائجهم ونحوه. وأنشدوا قوله:
ومشى بأغصان المباءة وابتغى ... قلائص منها صعبة وذلول
وقوله (١) :
فقد تركت خزينة كل وغد ... يمشي بين خاتام وطاق
وفي بعض نسخ الكشاف ما يدل على أنه لم يظفر بهذه القراءة، وقوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ قيل تسلية له ﷺ أيضا لكن عن قولهم: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ [الفرقان: ٨] أي وجعلنا أغنياءكم أيها الناس ابتلاء لفقرائكم لننظر هل يصبرون وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي عالما بالصواب فيما يبتلى به وغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم، وقيل: تصبير له ﵊ على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد الاحتجاج عليهم بسائر الرسل، والكلام من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر الرسل ﵈ بطريق التغليب على ما اختاره بعضهم، والمراد بالبعض الأول كفار الأمم واختصاصهم بالرسل مصحح لأن يعدوا بعضا منهم وبالبعض الثاني رسلهم على معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين على من الرسل كأنه قيل وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة فتنة لرسولها المعين. وإنما لم يصرح بذلك تعويلا على شهادة الحال، وحاصله جرت سنتنا بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإطلاق ألسنتهم فيهم بالأقاويل الخارجة عن حد الإنصاف وسلوكهم في أذاهم كل مسلك لنعلم صبرهم أو هو خطاب الناس كافة على ما قيل وهو الظاهر، والبعض الأول أعم من الكفار والأغنياء والأصحاء وغيرهم ممن يصلح أن يكون فتنة والبعض الثاني أعم من الرسل والقراء والمرضى وغيرهم ممن يصلح أن يفتن. والكلام عليه مفيد لتصبره ﷺ على ما قالوه وزيادة، وقيل: المراد بالبعض الأول من لا مال له من المرسلين وبالبعض الثاني أممهم ويدخل في ذلك نبينا ﷺ وأمته دخولا أوليا فكأنه قيل جعلناك فتنة لأمتك لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا وإنما بعثناك لا مال لك ليكون طاعة من يطيعك منهم خالصة لوجه الله تعالى من غير طمع دنيوي وكذا حال سائر من لا مال له من المرسلين مع أممهم والأظهر عموم الخطاب والبعضين وهو الذي تقتضيه الآثار وإليه ذهب ابن عطية فقال: ذلك عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض والغني فتنة للفقير والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لاشراف الناس الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب انتهى. واختار ذلك أبو حيان. ولا يضر فيه خصوص سبب النزول فقد روي عن الكلبي أنها نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم قالوا: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالا بالسابقة. والاستفهام إما في حيز التعليل للجعل ومعادله محذوف كما حذف فيما لا يحصى من الأمثلة والتقدير لنعلم أتصبرون أم لا أي ليظهر ما في علمنا. وقرينة تقدير العلم تضمن الفتنة إياه. وإما أن لا يكون في حيز التعليل وليس هناك معادل محذوف بأن يكون للترغيب والتحريض والمراد اصبروا فإني ابتليت بعضكم
стр. 4108
ببعض. ويجوز أن لا يقدر معادل على تقدير اعتبار التعليل أيضا بأن يكون الخطاب للرسل ﵈ على ما سمعت. وجعل ابن عطية الخطاب فيما سبق عاما وفي أَتَصْبِرُونَ خاصا بالمؤمنين الذين جعل إمهال الكفار فتنة لهم في ضمن العموم السابق وقدر معادلا فقال: كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين ثم وقفهم أتصبرون أم لا. وجعل قوله تعالى: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً وعدا للصابرين ووعيدا للعاصين. وجعله بعضهم وعدا للرسول ﷺ بالأجر الجزيل لصبره الجميل مع مزيد تشريف له ﵊ بالالتفات إلى اسم الرب مضافا إلى ضميره ﷺ . وجوز أن يكون وعيدا لأولئك المعاندين له ﵊ جيء به إتماما للتسلية أو التصبر وليس بذاك واستدل بالآية على القضاء والقدر فإنها أفادت أن أفعال العباد كعداوة الكفار وإيذائهم بجعل الله تعالى وإرادته والفتنة بمعنى الابتلاء وإن لم تكن من أفعال العباد إلا أنها مفضية ومستلزمة لما هو منها. وفيه من الخفاء ما فيه. وقوله تعالى.
стр. 4109
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا إلخ شروع في حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر حكاية إبطال أباطيلهم السابقة وذكر ما يتعلق بذلك، والجملة المعطوفة على قوله تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ [الفرقان: ٧] إلى آخره، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما يحكى عنهم في الشناعة بحيث لا يصدر عمن يرجو لقاء الله ، والرجاء في المشهور الأمل وقد فسر أحدهما بالآخر أكثر
стр. 4110
اللغويين، وفي فروق ابن هلال الأمل رجاء يستمر ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمر وطال تأمل، وقيل: الأمل يكون في الممكن والمستحيل والرجاء يخص الممكن. وفي المصباح الأمل ضد اليأس وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله والطمع يكون فيما قرب حصوله والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي يخاف أن لا يحصل مأموله ولذا استعمل بمعنى الطمع انتهى، وفسره أبو عبيدة وقوم بالخوف، وقال الفراء: هذه الكلمة تهامية وهي أيضا من لغة هذيل إذا كان مع الرجاء جحد ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون: فلان لا يرجو ربه سبحانه يريدون لا يخاف ربه سبحانه، ومن ذلك ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [نوح: ١٣] أي لا تخافون لله تعالى عظمة وإذا قالوا: فلان يرجو ربه فهذا على معنى الرجاء لا على معنى الخوف، وقال الشاعر:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل
وقال آخر:
لا يرتجي حين يلاقي الذائدا ... أسبعة لاقت له أو واحدا
انتهى، وذكر أن استعمال الرجاء في معنى الخوف مجاز لأن الراجي لأمر يخاف فواته، وأصل اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته وهو مراد من قال: الوصول إلى الشيء لا المماسة ويطلق على الرؤية لأنها وصول إلى المرئي، ولقاؤه تعالى هنا كناية عن لقاء جزائه يوم القيامة أو المراد ذلك بتقدير مضاف والمعنى على التفسير المشهور للرجاء وقال الذين لا يأملون لقاء جزائنا بالخير والثواب على الطاعة لتكذيبهم بالبعث، وعلى التفسير الآخر وقال الذين لا يخافون لقاء جزائنا بالشر والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث كذا قيل. وقيل: المراد به رؤيته تعالى في الآخرة والرجاء عليه بمعنى الأمل دون الخوف إذ لا معنى لكون الرؤية مخوفة وهو خلاف الظاهر وإن لم يأبه ما بعد إذ يكون المعنى عليه إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مظنة الرؤية لكثير من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست مظنة لذلك، وقد يقال: نفي رجاء لقائه تعالى كناية عن إنكار البعث والحشر ولعله أولى مما تقدم أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا بصدق محمد ﷺ أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا بذلك كما روي عن ابن جريج وغيره وفي طلب إنزال ملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في التكذيب مبلغا لا ينفع معه تصديق ملك واحد وإذا اعتبرت أل في الملائكة للاستغراق الحقيقي كانت الإشارة إلى قوة تكذيبهم أقوى، وتزداد القوة إذا اعتبر في عَلَيْنَا معنى كل واحد منا ولم يعتبر توزيع، ويشير أيضا إلى قوة ذلك تعبيرهم بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي في أَوْ نَرى رَبَّنا كأنهم لم يكتفوا برؤيته تعالى وإخباره سبحانه بصدق رسوله ﷺ حتى يروه سبحانه ويخبرهم مرارا بذلك، ولا يأبى قصد الاستمرار من المضارع كون الأصل في «لولا» التي للتحضيض أو العرض أن تدخل على المضارع وما لم يكن مضارعا يؤول به، ولعل عدولهم إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة المعطوف عليه وإن كان في تأويل المضارع على نحو ما قدمنا في تفسير قوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ [الفرقان: ٧] فتذكر فما في العهد من قدم.
وقيل: المعنى لولا أنزل علينا الملائكة فيبلغون أمر الله تعالى ونهيه بدل محمد ﷺ أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك من غير توسيط أحد ورجح الأول بأن السياق لتكذيبه ﷺ وحاشاه ثم حاشاه من الكذب والتعنت في طلب مصدق له ﵊ لا لطلب من يفيدهم الأمر والنهي سواه ﷺ ، ولا نسلم أن لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ يتكرر عليه مع لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ السابق لظهور الفرق بين المطلوبين فيهما ولو فرض لزوم التكرار بينهما فهو لا يضر كما لا يخفى. وانتصر للأخير بأن المقام ليس إلا لذكر المكذبين وحكاية أباطيلهم الناشئة عن تكذيبهم. وقد عد فيما
стр. 4111
سبق بعضا منها متضمنا تعنتهم في طلب مصدق له ﷺ فالأولى أن يكون ما هنا حكاية نوع آخر منها ليكون أبعد عن التكرار وأدل على العناد والاستكبار. ولعل قوله تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً أنسب بما ذكر. ومعنى اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أوقعوا الاستكبار في شأنها وعدوها كبيرة الشأن، وفيه تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم كما في قوله:
يجرح في عراقيبها نصلي والعتو تجاوز الحد في الظلم وهو المصدر الشائع لعتا، واللام واقعة في جواب القسم أي والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم وتجاوز الحد في الظلم والطغيان تجاوزا كبيرا بالغا أقصى غايته حيث كذبوا الرسول ﵊ ولم ينقادوا لبشر مثلهم يوحى إليه في أمرهم ونهيهم ولم يكترثوا بمعجزاته القاهرة وآياته الباهرة فطلبوا ما لا يكاد ترنو إليه أحداق الأمم وراموا ما لا يحظى به إلا بعض أولي العزم من الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم. وقد فسر اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ بأضمروا الاستكبار وهو الكفر والعناد في قلوبهم وهو أظهر مما تقدم وما تقدم أبلغ وأوفق لما انتصر له. وكذا فسر العتو بالنبو عن الطاعة وما تقدم أبلغ وأوفق بذلك أيضا. وفي تعقب حكاية باطل أولئك الكفرة بالجملة القسمية إيذان بغاية قبح ما هم عليه وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم وهو من الفحوى في الحقيقة ومثل ذلك شائع في الكلام تقول لمن جنى جناية: فعلت كذا وكذا استعظاما وتعجبا منه ويستعمل في سائر الألسنة وجعل الزمخشري من ذلك قول مهلهل:
وجارة جساس أبأنا بنابها ... كليبا غلت ناب (١) كليب بواؤها
والطيبي قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف: ٥] ، وتعقب بأن ذلك ليس من هذا القبيل لأن الثلاثي المحول إلى فعل لفظا أو تقديرا موضوع للتعجب كما صرح به النحاة وذكر الإمام مختار القول الأول في تفسير لَوْلا أُنْزِلَ إلخ أن هذه الجملة جواب لقولهم: «لولا أنزل» إلخ من عدة أوجه، أحدها أن القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد ثبتت نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح هذه الآيات إلا محض استكبار. وثانيها أن نزول الملائكة ﵈ لو حصل لكان أيضا من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزا فيكون قبول ذلك ورد الآخر ترجيحا لأحد المثلين من غير مرجح. وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب سبحانه وتصديقه لرسوله ﷺ لا يستفيدون علما أزيد من تصديق المعجز إذ لا فرق بين أن يقول النبي:
اللهم إن كنت صادقا فأحي هذا الميت فيحييه وبين أن يقول: إن كنت صادقا فصدقني فيصدقه فتعيين أحد الطريقين محض العناد، ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي، وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداهما واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء. وسادسها لعل المراد أني لو علمت أنهم ليسوا مستكبرين وعاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت أنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم، وسابعها لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة ﵈ على عوام الخلق ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون انتهى وفيه ما لا يخلو عن بحث.
واستدلت الأشاعرة بقوله تعالى: «لا يرجون لقاءنا» على أن رؤية الله تعالى ممكنة واستدلت المعتزلة بقوله
стр. 4112
سبحانه: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا وعَتَوْا على أنها ممتنعة ولا يخفى ضعف الاستدلالين يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدة الملائكة ﵈ بعد استعظام طلبهم إنزالهم عليهم وبيان كونه في غاية الشناعة. وإنما قيل: يوم يرون دون أن يقال يوم تنزل الملائكة إيذانا من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما طلبوه بل على وجه آخر لم يمر ببالهم «ويوم» منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ فإنه في معنى لا يبشر يومئذ المجرمون والعدول إلى نفي الجنس للمبالغة في نفي البشرى فكأنه قيل لا يبشرون يوم يرون الملائكة، وقدر بعضهم يمنعون البشرى أو يفقدونها والأول أبعد من احتمال توهم تهوين الخطب، وقدر بعضهم لا بشرى قبل يوم وجعله ظرفا لذلك، وجوز أبو البقاء تعلقه بيعذبون مقدرا لدلالة لا بُشْرى إلخ عليه وكونه معمولا لا ذكر مقدرا قال: أبو حيان وهو أقرب.
وقال صاحب الفرائد: يمكن أن يكون منصوبا بينزل مضمرا لقولهم: لولا أنزل علينا الملائكة كأنه قيل ينزل الملائكة يوم يرونهم، ولا يقال: كيف يكون وقت الرؤية وقتا للإنزال لأنا نقول: الظرف يحتمل ذلك لسعته واستحسنه الطيبي فقال هو قول لا مزيد عليه لأنه إذا انتصب بينزل يلتئم الكلامان لأن قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ إلخ نشر لقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إلخ، وقوله سبحانه: وَقَدِمْنا نشر لقوله أَوْ نَرى رَبَّنا ولم يجوز الأكثرون تعلقه ببشرى المذكور لكونه مصدرا وهو لا يعمل متأخرا وكونه منفيا بلا ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها ويَوْمَئِذٍ تأكيد للأول أو بدل منه أو خبر ولِلْمُجْرِمِينَ تبيين متعلق بمحذوف كما في سقيا له أو خبر ثان أو هو ظرف لما يتعلق به اللام أو لبشرى إن قدرت منونة غير مبنية مع لا فإنها لا تعمل إذ لو عمل اسم لا طال وأشبه المضاف فينتصب.
وفي البحر احتمل بشرى أن يكون مبنيا مع لا واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإن كان مبنيا مع لا احتمل أن يكون الخبر يَوْمَئِذٍ وللمجرمين خبر بعد خبر أو نعت لبشرى أو متعلق بما تعلق به الخبر، وأن يكون يَوْمَئِذٍ صفة لبشرى والخبر لِلْمُجْرِمِينَ ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس لا أو للمبتدأ الذي هو مجموع لا وما بني معها. وإن كان في نية التنوين وهو معرب جاز أن يكون يَوْمَئِذٍ معمولا لبشرى وأن يكون صفة والخبر «للمجرمين» ، وجاز أن يكون يَوْمَئِذٍ خبرا ولِلْمُجْرِمِينَ صفة، وجاز أن يكون يَوْمَئِذٍ خبرا ولِلْمُجْرِمِينَ خبرا بعد خبر والخبر إذا كان الاسم ليس مبنيا للإنفسها بالإجماع.
وقال الزمخشري: يومئذ تكرير ولا يجوز ذلك سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظي أم أريد به البدل لأن «يوم» منصوب بما تقدم ذكره من اذكر أو من يفقدون وما بعد لا العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها وعلى تقديره يكون العامل فيه ما قبلها انتهى. ولا يخفى عليك ما في الاحتمالات التي ذكرها. وأما ما اعترض به على الزمخشري فتعقب بأن الجملة المنفية معمولة لقول مضمر وقع حالا من الملائكة التي هي معمول ليرون ويَرَوْنَ معمول ليوم فلا وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنه معمولا لبعض ما في حيزه ومثله لا يعد محذورا مع أن كون لا لها الصدر مطلقا أو إذا بني معها اسمها ليس بمسلم عند جميع النحاة لأنها لكثرة دورها خرجت عن الصدارة فتأمل، هذا ما وقفنا عليه للمتقدمين في إعراب الآية وما فيه من الجرح والتعديل.
وقال بعض العصريين: يجوز تعلق يَوْمَ بكبير أو تقييد كبره بذلك اليوم ليس لنفي كبره في نفسه بل لظهور موجبه في ذلك اليوم ونظيره لزيد علم عظيم يوم يباحث الخصوم وتكون جملة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
стр. 4113
استئنافا لبيان ذلك وهو كما ترى، وأيا ما كان فالمراد بذلك اليوم على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يوم الموت، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم القيامة لقوله تعالى بعد وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا إلخ وفيه نظر.
ونفي البشرى كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [آل عمران: ٣٢] كناية عن البغض والمقت فيدل على ثبوت النذرى لهم على أبلغ وجه، والمراد بالمجرمين أولئك الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ووضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر والعناد وإيذانا بعلة الحكم، ومن اعتبر المفهوم في مثله ادعى إفادة الآية عدم تحقق الحكم في غيرهم، وقد دل قوله تعالى في حق المؤمنين تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا [فصلت: ٣٠] إلخ على حصول البشرى لهم، وقيل: المراد بهم ما يعم العصاة والكفار الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ويفيد الكلام سلب البشرى عن الكفار على أتم وجه لدلالته على أن المانع من حصول البشرى هو الإجرام ولا إجرام أعظم من إجرام الذين لا يرجون لقاءه ويقولون ما يقولون فهم أولى به. ويتم استدلال المعتزلة بالآية عليه في نفي العفو والشفاعة للعصاة لأنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات فيجوز أن يبشر العصاة بما ذكر في وقت آخر.
وتعقب بأن الجملة قبل النفي لكونها اسمية تفيد الاستمرار فبعد دخول النفي إرادة نفي استمرار البشرى للمجرمين بمعنى أن البشرى تكون لهم لكن لا تستمر مما لا يظن أن أحدا يذهب إليه فيتعين إرادة استمرار النفي كما في قوله تعالى في حق أضدادهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] فحينئذ لا يتسنى قوله: إنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات، فالأولى أن يراد بالمجرمين من سمعت حديثهم وَيَقُولُونَ عطف على لا يبشرون أو يمنعون البشرى أو نحوه المقدر قبل يَوْمَ.
وجوز أن يكون عطفا على ما قبله باعتبار ما يفهم منه كأنه قيل: يشاهدون أهوال القيامة ويقولون، وأن يكون عطفا على يَرَوْنَ وجملة لا بُشْرى حال بتقدير القول فلا يضر الفصل به، وضمير الجمع على ما استظهره أبو حيان لأنهم المحدث عنهم وحكاه الطبرسي عن مجاهد وابن جريج للذين لا يرجون أي ويقول أولئك الكفرة حِجْراً مَحْجُوراً وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور وهجوم نازلة هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم فكأن المعنى نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا.
وقال الخليل: كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول: حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشرّ، وقال أبو عبيدة: هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة، وقال أبو علي الفارسي: مما كانت العرب تستعمله ثم ترك قولهم حجرا محجورا، وهذا كان عندهم لمعنيين، أحدهما أن يقال عند الحرمان إذا سئل الإنسان فقال ذلك علم السائل أنه يريد أن يحرمه، ومنه قول المتلمس:
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس (١)
والمعنى الآخر الاستعاذة كان الإنسان إذا سافر فرأى ما يخاف قال: حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي انتهى. وذكر سيبويه «حجرا» من المصادر المنصوبة غير المتصرفة وأنه واجب إضمار ناصبها، وقال: ويقول الرجل
стр. 4114
للرجل أتفعل كذا فيقول: حجرا وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله تعالى أن يمنع المكروه من أن يلحقه والأصل فيه فتح الحاء، وقرىء به كما قال أبو البقاء لكن لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول فلما تغير معناه تغير لفظه عما هو أصله وهو الفتح إلى الكسر وقد جاء فيه الضم أيضا وهي قراءة أبي رجاء والحسن والضحاك ويقال فيه حجرى بألف التأنيث أيضا ومثله في التغيير عن أصله قعدك الله تعالى بسكون العين وفتح القاف، وحكى كسرها عن المازني وأنكره الأزهري وقعيدك وهو منصوب على المصدرية، والمراد رقيبك وحفيظك الله تعالى ثم نقل إلى القسم قعدك أو قعيدك الله تعالى لا تفعل، وأصله بإقعاد الله تعالى أي إدامته سبحانه لك وكذا عمرك الله بفتح الراء وفتح العين وضمها وهو منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم، وأصله بتعميرك الله تعالى أي بإقرارك له بالبقاء، وما ذكر من أنه لازم النصب على المصدرية بفعل واجب الإضمار اعترض عليه في الدر المصون بما أنشده الزمخشري:
قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
فإنه وقع فيه مرفوعا، ووصفه بمحجورا للتأكيد كشعر شاعر وموت مايت وليل أليل، وذكر أن مفعولا هنا للنسب أي ذو حجر وهو كفاعل يأتي لذلك، وقيل: إنه على الإسناد المجازي وليس بذاك، والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة ﵈ وهم إذ رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم فزعا شديدا، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول بأس فظيع، وقيل: ضمير يقولون للملائكة وروى ذلك عن أبي سعيد الخدري والضحاك وقتادة وعطية ومجاهد على ما في الدر المنثور قالوا: إن الملائكة يقولون للكفار حجرا محجورا أي حراما محرما عليكم البشرى أي جعلها الله تعالى حراما عليكم.
وفي بعض الروايات أنهم يطلبون البشرى من الملائكة ﵈ فيقولون ذلك لهم
وقال بعضهم: يعنون حراما محرما عليكم الجنة وحكاه في مجمع البيان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: الغفران، وفي جعل حِجْراً نصبا على المفعولية لجعل مقدرا كما أشير إليه بحث، والظاهر على ما ذكر أن إيراد هذه الكلمة للحرمان وهو المعنى الأول من المعنيين اللذين ذكرهما الفارسي وَيَقُولُونَ على هذا القول قيل معطوف على ما عطف عليه على القول بأن ضميره للكفرة، وقيل: معطوف على جملة يقولون المقدرة قبل لا بُشْرى الواقعة حالا.
وقال الطيبي: هو حال من الْمَلائِكَةَ بتقدير وهم يقولون نظير قولهم: قمت وأصك وجهه وعلى الأول هو عطف على يَرَوْنَ وَقَدِمْنا أي عمدنا وقصدنا كما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد إِلى ما عَمِلُوا في الدنيا مِنْ عَمَلٍ فخيم كصلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضعيف ومن على أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها، والجار والمجرور بيان لما وصحة البيان باعتبار التنكير كصحة الاستثناء في إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا [الجاثية: ٣٢] لكن التنكير هاهنا للتفخيم كما أشرنا إليه.
وجوز أن يكون للتعميم ودفع ما يتوهم من العهد في الموصول أي عمدنا إلى كل عمل عملوه خال عن الإيمان، ولعل الأول أنسب بقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً
مثل هباء في الحقارة وعدم الجدوى، وهو على ما أخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي حاتم عن علي كرّم الله تعالى وجهه
وهج الغبار يسطع ثم يذهب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الشرر الذي يطير من النار إذا اضطرمت، وفي رواية أخرى عنه أنه الماء المهراق. وعن يعلى بن عبيد أنه الرماد.
стр. 4115
وأخرج جماعة عن مجاهد والحسن وعكرمة وأبي مالك وعامر أنه شعاع الشمس في الكوة وكأنهم أرادوا ما يرى فيه من الغبار كما هو المشهور عند اللغويين، قال الراغب: الهباء دقاق التراب وما انبثّ في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة ويقال: هبا الغبار يهبو إذا ثار وسطع، ووصف بقوله تعالى: مَنْثُوراً مبالغة في إلغاء أعمالهم فإن الهباء تراه منتظما مع الضوء فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب فلم يكف أن شبه أعمالهم بالهباء حتى جعل متناثرا لا يمكن جمعه والانتفاع به أصلا، ومثل هذا الإرداف يسمى في البديع بالتتميم والإيغال، ومنه قول الخنساء:
أغر أبلج تأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
حيث لم يكفها أن جعلته علما في الهداية حتى جعلته في رأسه نار، وقيل: وصف بالمنثور أي المتفرق لما أن أغراضهم في أعمالهم متفرقة فيكون جعل أعمالهم هباء متفرقا جزاء من جنس العمل، وجوز أن يكون مفعولا بعد مفعول لجعل وهو مراد من قال: مفعولا ثالثا لها على معنى جعلناه جامعا لحقارة الهباء والتناثر، ونظير ذلك قوله تعالى:
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة: ٦٥، الأعراف: ١٦٦] أي جامعين للمسخ والخسء، وفيه خلاف ابن درستويه حيث لم يجوز أن يكون لكان خبر إن وقياس قوله: أن يمنع أن يكون لجعل مفعول ثالث، ومع هذا الظاهر الوصفية، وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث مثلت حال هؤلاء الكفرة وحال أعمالهم التي عملوها في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها وجعلها شذر مذر ولم يترك لها من عين ولا أثر، واللفظ المستعار وقع فيه استعمال- قدم- بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه وإن كان مجازا كما يشير إليه كلام الأساس، ويسمى القصد الموصل إلى المقصد قدوما لأنه مقدمته، وتضمن التمثيل تشبيه أعمالهم المحبطة بالهباء المنثور بدون استعارة، فلا إشكال على ما قيل، والكلام في ذلك طويل فليطلب من محله. وجعل بعضهم القدوم في حقه عبارة عن حكمه، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي قدم ملائكتنا، وأسند ذلك إليه لأنه عن أمره سبحانه، ونقل عن بعض السلف أنه لا يؤول في قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [البقرة: ٢١٠] على ما هو عادتهم في الصفات المتشابهة، وقياس ذلك عدم التأويل في الآية، ولعله من هنا قيل: إن تأويل الزمخشري لها بناء على معتقده من إنكار الصفات، والقلب إلى التأويل فيها أميل.
وأنت إن لم تؤول القدوم فلا بد لك أن تؤول جعلها هباء منثورا بإظهار بطلانها بالكلية وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجه من الوجوه، ولا يأبى ذلك السلف أَصْحابُ الْجَنَّةِ هم المؤمنون المشار إليهم في قوله تعالى: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الفرقان: ١٥] يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يكون ما ذكر من القدوم إلى أعمالهم وجعلها هباء منثورا، أو من هذا وعدم التبشير، وقولهم: حجرا محجورا خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا المستقر المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس والتحادث وَأَحْسَنُ مَقِيلًا المقيل المكان الذي يؤوي إليه للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن، سمي بذلك لأن التمتع به يكون وقت القيلولة غالبا، وقيل: هو في الأصل مكان القيلولة- وهي النوم نصف النهار- ونقل من ذلك إلى مكان التمتع بالأزواج لأنه يشبهه في كون كل منهما محل خلوة واستراحة فهو استعارة، وقيل: أريد به مكان الاسترواح مطلقا استعمالا للمقيد في المطلق فهو مجاز مرسل، وإنما لم يبق على الأصل لما أنه لا نوم في الجنة أصلا.
стр. 4116
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وقرأ «إن مقيلهم لإلى الجحيم» وأخذ منه بعضهم أن المراد بالمستقر موضع الحساب، وبالمقيل محل الاستراحة بعد الفراغ منه، ومعنى يقيل هؤلاء يعني أصحاب الجنة ينقلون إليها وقت القيلولة، وقيل:
المستقر والمقيل في المحشر قبل دخول الجنة، أو المستقر فيها والمقيل فيه.
فقد أخرج ابن جرير عن سعيد الصواف قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض حتى يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وفي وصفه بزيادة الحسن مع حصول الخيرية بعطفه على المستقر رمز إلى أن لهم ما يتزين به من حسن الصور وغيره من التحاسين. فإن حسن المنزل إن لم يكن باعتبار ما يرجع لصاحبه لم تتم المسرة به، والتفضيل المعتبر فيهما المسرة إما لإرادة الزيادة على الإطلاق، أي هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل، وإما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في الدنيا أو إلى ما لهم في الآخرة بطريق التهكم بهم، هذا وتفسير المستقر والمقيل بالمكانين حسبما سمعت هو المشهور وهو أحد احتمالات تسعة. وذلك أنهم جوزوا أن يكون كلاهما اسم مكان أو اسم زمان أو مصدرا وأن يكون الأول اسم مكان والثاني اسم زمان أو مصدرا وأن يكون الأول اسم زمان والثاني اسم مكان أو مصدرا وأن يكون الأول مصدرا والثاني اسم مكان أو اسم زمان، وما شئت تخيل في خيرية زمان أصحاب الجنة وأحسنيته وكذا في خيرية استقرارهم وأحسنية استراحتهم يومئذ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ العامل في يَوْمَ إما اذكر أو ينفرد الله تعالى بالملك الدال عليه قوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وقيل: العامل ذاك بمعناه المذكور. وقيل: إنه معطوف على يَوْمَئِذٍ أو يَوْمَ يَرَوْنَ وتَشَقَّقُ تتفتح والتعبير به دونه للتهويل، وأصله تتشقق فحذفت إحدى التاءين كما في تَلَظَّى [الليل: ١٤] وقرأ الحرميان وابن عامر بإدغام التاء في الشين لما بينهما من المقاربة والظاهر أن المراد بالسماء المظلة لنا وبالغمام السحاب المعروف والباء الداخلة عليه باء السبب. أي تشقق السماء بسبب طلوع الغمام منها. ولا مانع من أن تشقق به كما يشق السنام بالشفرة والله تعالى على كل شيء قدير، وحديث امتناع الخرق على السماء حديث خرافة.
وقيل: باء الحال وهي باء الملابسة. واستظهره بعضهم أي تشقق متغيمة، وقيل: بمعنى عن وإليه ذهب الفراء.
والفرق بين قولك انشقت الأرض بالنبات وانشقت عنه أن معنى الأول أن الله تعالى شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى الثاني أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه، وقيل: المراد بالغمام غمام أبيض رفيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه الغمام الذي يأتي الله تعالى فيه يوم القيامة المذكور في قوله سبحانه:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ قال ابن جريج: وهو غمام زعموا أنه في الجنة، وعن مقاتل أن المراد بالسماء ما يعم السماوات كلها وتشقق سماء سماء، وروي ذلك عن ابن عباس، فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قرأ هذه الآية إلى قوله تعالى:
وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا أي تنزيلا عجيبا غير معهود فقال: يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بجميعهم فتقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن
стр. 4117
والإنس وجميع الخلق ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والدنيا وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم ينزل أهل السماء الرابعة وهم أكثر من أهل الثالثة والثانية والأولى وأهل الأرض، ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر ممن تقدم، ثم أهل السماء السادسة كذلك. ثم أهل السماء السابعة وهم أكثر من أهل السماوات وأهل الأرض، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن وجميع الخلق لهم قرون ككعوب القنا وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام وما فوق ذلك خمسمائة عام، ونزول الرب جل وعلا من المتشابه، وكذا قوله: «وحوله الكروبيون» وأهل التأويل يقولون: المراد بذلك نزول الحكم والقضاء، فكأنه قيل: ثم ينزل حكم الرب وحوله الكروبيون أي معه، وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وعظم أجسامهم فلا يمنع عنه ما يشاهد من صغر الأرض لأن الأرض يومئذ تمتد بحيث تسع أهلها وأهل السماوات أجمعين، وسبحان من لا يعجزه شيء، ثم الخبر ظاهر في أن الملائكة ﵈ لا ينزلون في الغمام، وذكر بعضهم في الآية أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف الأعمال، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «ونزل» ماضيا مبنيا للفاعل مشددا، وعنه أيضا «وأنزل» مبنيا للفاعل وجاء مصدره تنزيلا وقياسه إنزالا إلا أنه لما كان معنى أنزل ونزل واحدا جاء مصدر أحدهما للآخر كما قال الشاعر:
حتى تطويت انطواء الخصب كأنه قال: حتى انطويت، وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية «وأنزل» ماضيا رباعيا مبنيا للمفعول، وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبي عمرو «ونزل» ثلاثيا مخففا مبنيا للفاعل، وقرأ أبو معاذ وخارجة عن أبي عمرو «ونزل» بضم النون وشد الزاي وكسرها ونصب «الملائكة» وخرجها ابن جني بعد أن نسبها إلى ابن كثير وأهل مكة على أن الأصل «ننزل» كما وجد في بعض المصاحف فحذفت النون التي هي فاء الفعل تخفيفا لالتقاء النونين، وقرأ أبي «ونزّلت» ماضيا مشددا مبنيا للمفعول بتاء التأنيث، وقال صاحب اللوامح عن الخفاف عن أبي عمرو «ونزّل» مخففا مبنيا للمفعول و «الملائكة» بالرفع فإن صحت القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والتقدير ونزل نزول الملائكة فحذف النزول ونقل إعرابه إلى الملائكة بمعنى نزل نازل الملائكة لأن المصدر يكون بمعنى الاسم اهـ، وقال الطيبي: قال ابن جني: نزل بالبناء للمفعول غير معروف لأن نزل لا يتعدى إلى مفعول به ولا يقاس بجن حيث إنه مما لا يتعدى إلى المفعول فلا يقال جنه الله تعالى بل أجنه الله تعالى، وقد بني للمفعول لأنه شاذ والقياس عليه مرود فإما أن يكون ذلك لغة نادرة وإما أن يكون من حذف المضاف أي نزل نزول الملائكة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال العجاج:
حتى إذا اصطفوا له حذارا فحذارا منصوب مصدرا لا مفعولا به يريد اصطفوا له اصطفافا حذارا ونزل نزول الملائكة على حد قولك: هذا نزول منزول وصعود مصعود وضرب مضروب وقريب منه، وقد قيل قول وقد خيف منه خوف فاعرف ذلك فإنه أمثل ما يحتج به لهذه القراءة اه. وهو أحسن من كلام صاحب اللوامح. وعن أبي عمرو أيضا أنه قرأ «وتنزلت الملائكة» فهذه مع قراءة الجمهور وما في بعض المصاحف عشرة قراءات وما كان منها بصيغة المضارع وجهه ظاهر، وأما ما كان بصيغة الماضي فوجهه على ما قيل الإشارة إلى سرعة الفعل.
стр. 4118
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ أي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له ثابت للرحمن يوم إذ تشقق السماء وتنزل للملائكة، فالملك مبتدأ والْحَقُّ صفته ولِلرَّحْمنِ خبره ويَوْمَئِذٍ ظرف لثبوت الخبر للمبتدأ، وفائدة التقييد أن ثبوت الملك له تعالى خاصة يومئذ وأما فيما عداه من أيام الدنيا فيكون لغيره أيضا تصرف صوري في الجملة واختار هذا بعض المحققين، ولعل أمر الفصل بين الصفة والموصوف بالظرف المذكور سهل، وقيل: الْمُلْكُ مبتدأ ويَوْمَئِذٍ متعلق به وهو بمعنى المالكية والْحَقُّ خبره ولِلرَّحْمنِ متعلق بالحق. وتعقب بأنه لا يظهر حينئذ نكتة إيراد المسند معرفا فإن الظاهر عليه أن يقال: الملك يومئذ حق للرحمن، وأجيب بأن في تعلقه بما ذكر تأكيدا لما يفيد تعريف الطرفين، وقيل: هو متعلق بمحذوف على التبيين كما في سقيا لك والمبين من له الملك، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة للحق وهو كما ترى، وقيل يَوْمَئِذٍ هو الخبر والْحَقُّ نعت للملك ولِلرَّحْمنِ متعلق به، وفيه الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر فلا تغفل.
ومنعوا تعلق يَوْمَئِذٍ فيما إذا لم يكن خبرا بالحق وعللوا ذلك بأنه مصدر والمصدر لا تتقدم عليه صلته ولو ظرفا وفيه بحث، والجملة على أكثر الاحتمالات السابقة في عامل يوم استئناف مسوق لبيان أحوال ذلك اليوم وأهواله، وإيراده تعالى بعنوان الرحمانية للإيذان بأن اتصافه بغاية الرحمة لا يهون الخطب على الكفرة المشار إليه بقوله تعالى: وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي وكان ذلك اليوم مع كون الملك فيه لله تعالى المبالغ في الرحمة بعباده شديدا على الكافرين، والمراد شدة ما فيه من الأهوال، وفسر الراغب العسير بما لا يتيسر فيه أمر والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، وفيها إشارة إلى كون ذلك اليوم يسيرا للمؤمنين
وفي الحديث: «إنه يهون على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا»
. وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قال الطبرسي: العامل في يَوْمَ اذكر محذوفا ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، والظاهر أن أل في الظالم للجنس فيعم كل ظالم وحكي ذلك أبو حيان عن مجاهد وأبي رجاء، وذكر أن المراد بفلان فيما بعد الشيطان، وقيل: لتعريف العهد، والمراد بالظالم عقبة بن أبي معيط لعنه الله تعالى وبفلان أبي بن خلف،
فقد روي أنه كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا عليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ويعجبه حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: اطعم يا ابن أخي فقال ﷺ : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم ﵊ من طعامه فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة وكان خليله فقال: والله ما صبوت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتفعل كذا وذكر فعلا لا يليق إلا بوجه القائل اللعين ففعل عقبة (١) فقال له رسول الله ﷺ : لا ألقاك خارجا عن مكة إلا علوت رأسك بالسيف
،
وفي رواية إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي
стр. 4119
صبرا فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله تعالى المشركين رحل به جمله في جدد من الأرض فأخذ أسيرا في سبعين من قريش وقدم إلى رسول الله ﷺ فأمر عليا كرّم الله تعالى وجهه.
وفي رواية ثابت بن أبي الأفلح بأن يضرب عنقه فقال أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم قال: بم؟ قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله تعالى ورسوله ﵊
، وفي رواية أنه ﷺ صرح له بما فعل معه ثم ضربت عنقه.
وأما أبي بن خلف فمع فعله ذلك قال: والله لأقتلن محمدا ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﵊
فقال: بل أقتله إن شاء الله تعالى فأفزعه ذلك وقال لمن أخبره: أنشدك بالله تعالى أسمعته يقول ذلك؟ قال نعم فوقعت في نفسه لما علموا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال قولا إلا كان حقا فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين فجعل يلتمس غفلة النبي ﵊ ليحمل عليه فيحول رجل من المسلمين بين النبي ﵊ وبينه فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال لأصحابه: خلوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه فخر يخور كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور فقالوا: ما هذا فو الله ما بك إلا خدش فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا أقتله، والله لو أن الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم فما لبث إلا يوما أو نحو ذلك حتى ذهب إلى النار فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي هذا القول عن ابن عباس وجماعة
، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن الظالم أبي بن خلف وفلان عقبة، وعض اليدين إما على ظاهره، وروي ذلك عن الضحاك. وجماعة قالوا: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت وإما كناية عن فرط الحسرة والندامة، وكذا عض الأنامل والسقوط في اليد وحرق الأسنان والأدم ونحوها لأنها لازمة لذلك في العادة والعرف، وفي المثل يأكل يديه ندما ويسيل دمعه دما، وقال الشاعر:
أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله
والفعل عض على وزن فعل مكسور العين، وحكى الكسائي عضضت بفتح العين.
يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا الجملة مع موضع الحال من الظالم أو جملة مستأنفة أو مبينة لما قبلها ويا لَيْتَنِي إلخ مقول القول، ويا إما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه أو المنادى محذوف يا قومي ليتني، وأل في الرَّسُولِ إما للجنس فيعم كل رسول وإما للعهد فالمراد به رسول هذه الأمة محمد ﷺ والأول إذا كانت أل في الظالم للجنس والثاني إذا كانت للعهد، وتنكير سَبِيلًا إما للشيوع أو للوحدة وعدم تعريفه لادعاء تعينه أي يا ليتني اتخذت طريقا إلى النجاة أي طريق كان أو طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة.
يا وَيْلَتى بقلب ياء المتكلم ألفا كما في صحارى، وقرأ الحسن وابن قطيب يا ويلتي بكسر التاء والياء على الأصل، وقرأت فرقة بالإمالة، قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن لأن الأصل في هذه اللفظة الياء فأبدلت الكسرة فتحة والياء ألفا فرارا من الياء فمن أمال رجع إلى الذي عنه فر أولا، وأيا ما كان فالمعنى يا هلكتي تعالي واحضري فهذا أوانك لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا أراد بفلان الشيطان أو من أضله في الدنيا كائنا من كان أو أبيا إن كان الظالم عقبة أو عقبة إن كان الظالم أبيا، وهو كناية عن علم مذكر وفلانة عن علم مؤنث، واشترط ابن الحاجب في فلان أن يكون محكيا بالقول كما هنا، ورده في شرح التسهيل بأنه سمع خلافه كثيرا كقوله:
وإذا فلان مات عن أكرومة ... دفعوا معاوز فقره بفلان
стр. 4120
وتقدير القول فيه غير ظاهر، والفلان والفلانة كناية عن غير العاقل من الحيوانات كما قال الراغب، وفل وفلة كناية عن نكرة من يعقل فالأول بمعنى رجل والثاني بمعنى امرأة، ووهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط كما في البحر في قولهم: فل كناية عن العلم كفلان ويختص بالنداء إلا ضرورة كما في قوله:
في لجة أمسك فلان عن فل وليس مرخم فلان خلافا للفراء، واختلفوا في لام فل وفلان فقيل واو، قيل: ياء، وكنوا بهن بفتح الهاء وتخفيف النون عن أسماء الأجناس كثيرا، وقد كنى به عن الأعلام كما في قوله:
والله أعطاك فضلا عن عطيته ... على هن وهن فيما مضى وهن
فإنه على ما قال الخفاجي أراد عبد الله وإبراهيم وحسنا والخليل من الخلة بضم الخاء بمعنى المودة أطلق عليها ذلك إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وأنشد:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبه سمّي الخليل خليلا
وإما لأنها تخلها فتؤثر فيها تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها، وهذا التمني وإن كان مسوقا لإبراز الندم والحسرة لكنه متضمن لنوع تعلل واعتذار بتوريك جنايته إلى الغير، وقوله تعالى لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ تعليل لتمنيه المذكور وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته أي والله لقد أضلني فلان عن ذكر الله تعالى أو عن موعظة الرسول ﵊ أو عن كلمة الشهادة أو عن القرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي أي وصل إليّ وعلمته أو تمكنت منه فلا دلالة في الآية على إيمان من أنزلت فيه ثم ارتداده وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا مبالغا في الخذلان وهو ترك المعاونة والنصرة وقت الحاجة ممن يظن فيه ذلك، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله إما من جهته تعالى أو من تمام كلام الظالم على أنه سمى خليله شيطانا بعد وصفه بالإضلال الذي هو أخص الأوصاف الشيطانية أو على أنه أراد بالشيطان إبليس لأنه الذي حمله على مجالسة المضلين ومخالفة الرسول الهادي ﵊ بوسوسته وإغوائه فإن وصفه بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا ويمنيه بأن ينفعه في الآخرة وهو أوفق لحال إبليس عليه اللعنة.
وَقالَ الرَّسُولُ عطف على قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [الفرقان: ٢١] إلخ وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه وبيان ما يحيق بهم من الأهوال والخطوب، والمراد بالرسول نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة لتحقيق الحق والرد على نحورهم حيث كان ما حكي عنهم قدحا في رسالته ﷺ أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه والشكوى عليهم يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم مَهْجُوراً أي متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأسا ولم يتأثروا بوعيده ووعده، فمهجورا من الهجر بفتح الهام بمعنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك عن مجاهد والنخعي وغيرهما واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه، وكان ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر النظم الكريم فإن ظاهره ذم الهجر مطلقا وإن كان المراد به عدم القبول لا عدم الاشتغال مع القبول ولا ما يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك وإلا فليطلب دليل آخر للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبرا وهو
«من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه
стр. 4121
جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه»
وقد تعقب هذا الخبر العراقي بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلا باحترام القرآن والاعتناء به كره بل حرم وإلا فلا.
وقيل: مهجورا من الهجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحش القول والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجورا فيه إما على زعمهم الباطل نحو ما قالوا: إنه أساطير الأولين اكتتبها وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرىء لئلا يسمع كما قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦] وجوز أن يكون مصدرا من الهجر بالضم كالمعقول بمعنى العقل والمجلود بمعنى الجلادة أي اتخذوه نفس الهجر والهذيان، ومجيء مفعول مصدرا مما أثبته الكوفيون لكن على قلة، وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.
وقيل: إن قالَ إلخ عطف على يَعَضُّ الظَّالِمُ، والمراد ويقول الرسول إلا أنه عدل إلى الماضي لتحقق الوقوع مع عدم قصد الاستمرار التجددي المراد بمعونة المقام في بعض وإن كان إخبارا عما في الآخرة.
وحال عطفه على وَكانَ الشَّيْطانُ إلخ على أنه من كلامه تعالى لا يخفى حاله، وقول الرسول ذلك يوم القيامة وهو كالشهادة على أولئك الكفرة وليس بتخويف وإلى ذلك ذهبت فرقة منهم أبو مسلم، والأول أنسب بقوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ فإنه تسلية لرسول الله ﷺ وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الأنبياء ﵈، والبلية إذا عمت هانت، والعدو يحتمل أن يكون واحدا وجمعا أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة والدعوة إليها عدوا من مرتكبي الجرائم والآثام ويدخل في ذلك آدم ﵇ لدخول الشياطين وقابيل في المجرمين ويكتفي بدخول قابيل إن أريد بالمجرمين مجرمو الإنس أو مجرمو أمة النبي وقيل: الكلية بمعنى الكثرة، والمراد بجعل الأعداء جعل عداوتهم وخلقها وما ينشأ منها فيهم لا جعل ذواتهم، ففي ذلك رد على المعتزلة في زعمهم إن خالق الشر غيره تعالى شأنه، وقوله تعالى: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً وعد كريم له ﵊ بالهداية إلى كافة مطالبه والنصر على أعدائه أي كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هاديا لك إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات التي من جملتها تبليغ ما أنزل إليك وإجراء أحكامه في أكناف الدنيا إلى أن يبلغ الكتاب أجله وناصرا لك عليهم على أبلغ وجه.
وقدر بعضهم متعلق هادِياً إلى طريق قهرهم، وقيل: المعنى هاديا لمن آمن منهم ونصيرا لك على غيره، وقيل: هاديا للأنبياء إلى التحرز عن عداوة المجرمين بالاعتصام بحبله ونصيرا لهم عليهم وهو كما ترى. ونصب الوصفين على الحال أو التمييز وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا حكاية لنوع آخر من أباطيلهم، والمراد بهم المشركون كما صح عن ابن عباس وهم القائلون أولا، والتعبير عنهم بعنوان الكفر لذمهم به والإشعار بعلة الحكم، وقيل: المراد بهم طائفة من اليهود لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر فلا قصد فيه إلى التدريج المكان جُمْلَةً واحِدَةً فإنه لو قصد ذلك لتدافعا إذ يكون المعنى لولا فرق القرآن جملة واحدة والتفريق ينافي الجملية، وقيل: عبر بذلك للدلالة على كثرة المنزل في نفسه، ونصب جُمْلَةً على الحال وواحِدَةً على أنه صفة مؤكدة له أي هلا أنزل القرآن عليه ﵊ دفعة غير مفرق كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور على ما تدل عليه الأحاديث والآثار حتى كاد يكون إجماعا كما قال السيوطي ورد على من أنكر ذلك من فضلاء عصره، فقول ابن
стр. 4122
الكمال إن التوراة أنزلت منجمة في ثماني عشرة سنة ويدل عليه نصوص التوراة ولا قاطع بخلافه من الكتاب والسنة ناشىء من نقصان الإطلاع.
وهذا الاعتراض مما لا طائل تحته لأن الإعجاز مما لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقا مع أن للتفريق فوائد، منها ما ذكره الله تعالى بعد، وقيل: إن شاهد صحة القرآن إعجازه وذلك ببلاغته وهي بمطابقته لمقتضى الحال في كل جملة منه ولا يتيسر ذلك في نزوله دفعة واحدة فلا يقاس بسائر الكتب فإن شاهد صحتها ليس الإعجاز. وفيه أن قوله:
ولا يتيسر إلخ ممنوع فإنه يجوز أن ينزل دفعة واحدة مع رعاية المطابقة المذكورة في كل جملة لما يتجدد من الحوادث الموافقة لها الدالة على أحكامها. وقد صح أنه نزل كذلك إلى السماء الدنيا فلو لم يكن هذا لزم كونه غير معجز فيها ولا قائل به بل قد يقال إن هذا أقوى في إعجازه والبليغ يفهم من سياق الكلام ما يقتضيه المقام فافهم كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ استئناف وارد من جهته تعالى لرد مقالتهم الباطلة وبيان بعض الحكم في تنزيله تدريجا، ومحل الكاف نصب على أنها صفة لمصدر مؤكد لمضمر معلل بما بعده، وجوز نصبها على الحالية، «وذلك» إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي تنزيلا مثل ذلك التنزيل الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه لا تنزيلا مغايرا له أو نزلناه مماثلا لذلك التنزيل لنقوي به فؤادك فإن في تنزيله مفرقا تيسيرا لحفظ النظم وفهم المعاني وضبط الكلام والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم والمصالح وتعدد نزول جبريل ﵇ وتجدد إعجاز الطاعنين فيه في كل جملة مقدار أقصر سورة تنزل منه، ولذلك فوائد غير ما ذكر أيضا، منها معرفة الناسخ المتأخر نزوله من المنسوخ المتقدم نزوله المخالف لحكمه ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على معرفة البلاغة لأنه بالنظر إلى الحال يتنبه السامع لما يطابقها ويوافقها إلى غير ذلك، وقيل: قوله تعالى كَذلِكَ من تمام كلام الكفرة والكاف نصب على الحال من القرآن أو الصفة لمصدر نزل المذكور أو لجملة، والإشارة إلى تنزيل الكتب المتقدمة، ولام لِنُثَبِّتَ لام التعليل والمعلل محذوف نحو ما سمعت أولا أي نزلناه مفرقا لنثبت إلخ، وقال أبو حاتم: هي لام القسم، والتقدير والله لنثبتن فحذف النون وكسرت اللام وقد حكى ذلك عنه أبو حيان والظاهر أنها عنده كذلك على القولين في كَذلِكَ. وتعقبه بأنه قول في غاية الضعف وكأنه ينحو إلى مذهب الأخفش إن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل منه «ولتصغي إليه أفئدة» إلخ وهو مذهب مرجوح، وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي ليثبت الله تعالى.
وقوله تعالى: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا عطف على الفعل المحذوف المعلل بما ذكر، وتنكير «ترتيلا» للتفخيم أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلا بديعا لا يقادر قدره، وترتيله تفريقه آية بعد آية قاله النخعي والحسن وقتادة.
وقال ابن عباس: بينّاه بيانا فيه ترسل، وقال السدي: فصلناه تفصيلا، وقال مجاهد: جعلنا بعضه إثر بعض وقيل: هو الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل ﵇ شيئا فشيئا في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل وهو مأخوذ من قولهم: ثغر مرتل أي مفلج الأسنان غير متلاصقها وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ من الأمثال التي من جملتها اقتراحاتهم القبيحة الخارجة عن دائرة العقول الجارية لذلك مجرى الأمثال أي لا يأتونك بكلام عجيب هو مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك ويظهرونه لك إِلَّا جِئْناكَ في مقابلته بِالْحَقِّ أي بالجواب الحق الثابت الذي ينحي عليه بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال كما مر من الأجوبة الحقة القالعة لعروق أسئلتهم الشنيعة الدامغة لها بالكلية، وقوله تعالى: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً عطف على «الحق» أي جئناك بأحسن تفسيرا أي بما هو أحسن أو على محل بِالْحَقِّ أي استحضرنا لك وأنزلنا عليك الحق وأحسن تفسيرا أي كشفا وبيانا على معنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته لا أن ما يأتون به
стр. 4123
له حسن في الجملة وهذا أحسن منه، وهذا نظير قولهم: الله تعالى أكبر أي له غاية الكبرياء في حد ذاته وبعضهم قدر مفضلا عليه فقال: أي وأحسن تفسيرا من مثلهم وحسنه على زعمهم أو هو تهكم، وتعقب الأول بأنه يفوت عليه معنى التسلية لأن المراد لا يهلك ما اقترحوه من قولهم: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً فإن تنزيله مفرقا أحسن مما اقترحوه لفوائد شتى وفيه منع ظاهر، وقيل: المراد بالتفسير المعنى، والمراد وأحسن معنى لأنه يقال: تفسير كذا كذا أي معناه فهو مصدر بمعنى المفعول لأن المعنى مفسر كدرهم ضرب الأمير، ورد بأن المفسر اسم مفعول هو الكلام لا المعنى لأنه يقال فسرت الكلام لا معناه.
وقال الطيبي: وضع التفسير موضع المعنى من وضع السبب موضع المسبب لأن التفسير سبب لظهور المعنى وكشفه، وقيل عليه: إنه فرق بين المعنى وظهوره فلا يتم التقريب وقد يكتفى بسببيته له في الجملة.
وأيا ما كان فهو نصب على التمييز والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال فالجملة في محل النصب على الحالية أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال أي إلا حال إنزالنا عليك واستحضارنا لك الحق وأحسن تفسيرا، وجعل ذلك مقارنا لإتيانهم وإن كان بعده للدلالة على المسارعة إلى إبطال ما أتوا به تثبيتا لفؤاده ﷺ ، وجوز أن يكون المثل عبارة عن الصفة الغريبة التي كانوا يقترحون كونه ﵊ عليها من الاستغناء عن الأكل والشرب وحيازة الكنز والجنة ونزول القرآن عليه جملة واحدة على معنى لا يأتوك بحالة عجيبة يقترحون اتصافك بها قائلين هلا كان على هذه الحالة إلا أعطيناك نحن من الأحوال الممكنة ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن، وتعقب بأنه يأباه الاستثناء المذكور فإن المتبادر منه أن يكون ما أعطاه الله تعالى من الحق مترتبا على ما أتوا به من الأباطيل دامغا لها ولا ريب في أن ما أتاه الله تعالى من الملكات السنية الطائفة بالرسالة قد أتاه من أول الأمر لا بمقابلة ما حكي عنهم من الاقتراحات لأجل دمغها، وإبطالها.
وأجيب بأن معنى إِلَّا جِئْناكَ إلخ على ذلك إلا أظهرنا فيك ما يكشف عن بطلان ما أتوا به وهو كما ترى فالحق التعويل على الأول. والمشهور أن الإتيان والمجيء بمعنى لكن عبر أولا بالإتيان، وثانيا بالمجيء للتفنن وكراهة أن يتحد ما ينسب إليه وما ينسب إليهم لفظا مع كون ما أتوا به في غاية القبح والبطلان وما جاء به سبحانه في غاية الحقية والحسن، وفرق الراغب بينهما فقال المجيء كالإتيان لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتى وأتاوى، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصول والمجيء يقال اعتبارا بالحصول، ولعل في التعبير بالإتيان أولا والمجيء ثانيا على هذا إشارة إلى أن ما يأتون به من الأمثال في نفسه من الأمور التي تتخيل بسهولة ولا تحتاج إلى إعمال فكر بخلاف ما يكون في مقابلته فإنه في نفسه من الأمور العقلية التي صقلها الفكر فلا يجد أحد سبيلا إلى ردها والطعن فيها أو إلى أن فعلهم لخروجه عن حيز القبول منزل منزلة العدم حتى كأنهم لم يتحقق منهم القصد دون الحصول بخلاف ما كان من قبله فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أي يحشرون ماشين على وجوههم.
فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم إما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك»
وهذا يحتمل أن يكون بمس وجوههم وسائر ما في جهتها من صدورهم
стр. 4124
وبطونهم ونحوها الأرض وأن يكون بنكسهم على رؤوسهم، وجعل وجوههم إلى ما يلي الأرض وارتفاع أقدامهم وسائر أبدانهم، ولعل الحديث أظهر في الأول، وقيل: إن الملائكة ﵈ تسحبهم وتجرهم على وجوههم إلى جهنم والأمر عليه ظاهر لا غرابة فيه، وقيل: الحشر على الوجه مجاز عن الذلة المفرطة والخزي والهوان، وقيل: هو من قول العرب مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين ذهب، وقيل: الكلام كناية أو استعارة تمثيلية والمراد أنهم يحشرون متعلقة قلوبهم بالسفليات من الدنيا وزخارفها متوجهة وجوههم إليها، ولعل كون هذه الحال في الحشر باعتبار بقاء آثارها وإلا فهم هناك في شغل شاغل عن التوجه إلى الدنيا وزخارفها وتعلق قلوبهم بها، ومحل الموصول قيل إما النصب بتقدير أذم أو أعني أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين أو على أنه مبتدأ، وقوله تعالى:
أُوْلئِكَ بدل منه أو بيان له، وقوله تعالى: شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا خبر له أو اسم الإشارة مبتدأ ثان وشَرٌّ خبره، والجملة خبر الموصول، وقال صاحب الفرائد: يمكن أن يكون الموصول بدلا من الضمير في يأتونك وأُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً كلام مستأنف، ولعل الأقرب كون الموصول مبتدأ وما بعده خبره قال الطيبي. وذلك من باب كلام المنصف وإرخاء العنان وفصل الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عما قبله استئنافا لأن التسلية السابقة حركت منه ﷺ بأن يسأل فإذا بماذا أجيبهم وما يكون قولي لهم؟ فقيل قل لهم الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم إلخ يعني مقصودكم من هذا التعنت تحقير مكاني وتضليل سبيلي وما أقول لكم أنتم كذلك بل أقول الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم شر مكانا وأضل سبيلا فانظروا بعين الإنصاف وتفكروا من الذي هو أولى بهذا الوصف منا ومنكم لتعلموا أن مكانكم شر من مكاننا وسبيلكم أضل من سبيلنا. وعليه قوله تعالى: إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] فالمكان الشرف والمنزلة. ويجوز أن يراد به الدار والمسكن. وشَرٌّ وأَضَلُّ محمولان على التفضيل على طريقة قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة:
٦٠] وجعل صاحب الفرائد ذلك لإثبات كل الشر لمكانهم وكل الضلال لسبيلهم. ووصف السبيل بالضلال من باب الإسناد المجازي للمبالغة والآية على ما سمعت متصلة بما قبلها من قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ إلخ وقال الكرماني هي متصلة بقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ الآية قيل ويجوز أن تكون متصلة بقوله سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ انتهى. وما ذكر أولا أبعد مغزى، وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ إلخ جملة مستأنفة سيقت لتأكيد ما مر من التسلية والوعد بالهداية والنصر في قوله تعالى: كَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً على ما قدمناه بحكاية ما جرى بين من ذكر من الأنبياء ﵈ وبين قومهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود. واللام واقعة في جواب القسم أي والله تعالى لقد آتينا موسى التوراة أي أنزلناها عليه بالآخرة، وقيل: المراد بالكتاب الحكم والنبوة ولا يخفى بعده وَجَعَلْنا مَعَهُ الظرف متعلق بجعلنا، وقوله تعالى: أَخاهُ مفعول أول له وقوله سبحانه: هارُونَ بدل من أَخاهُ أو عطف بيان له وقوله وَزِيراً مفعول ثان له وتقدم معنى الوزير ولا ينافي هذا قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم: ٥٣] لأنه وإن كان نبيا فالشريعة لموسى ﵇ وهو تابع له فيها كما أن الوزير متبع لسلطانه.
стр. 4125
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا هم فرعون وقومه والظاهر تعلق بآياتنا ب كَذَّبُوا. والمراد بها دلائل التوحيد المودعة في الأنفس والآفاق أو الآيات التي جاءت بها الرسل الماضية ﵈ أو التسع المعلومة.
والتعبير عن التكذيب بصيغة الماضي على الاحتمالين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل لتنزيل المستقبل لتحققه منزلة الماضي وتعقب بأنه لا يناسب المقام، وقال العلامة أبو السعود: لم يوصف القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات التسع عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن الأمر به بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله ﷺ بيانا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير وبحث فيه بما فيه تأمل، وجوز أن يكون الظرف متعلقا باذهبا فمعنى كَذَّبُوا فعلوا التكذيب فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً عجيبا هائلا لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه والمراد به أشد الهلاك. وأصله كسر الشيء على وجه لا يمكن إصلاحه والفاء فصيحة والأصل فقلنا اذهبا إلى القوم فذهبا إليهم ودعواهم إلى الإيمان فكذبوهما واستمروا على ذلك فدمرناهم فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود. وقيل: معنى فدمرناهم فحكمنا بتدميرهم فالتعقيب باعتبار الحكم وليس في الإخبار بذلك كثير فائدة.
وقيل: الفاء لمجرد الترتيب وهو كما ترى.
стр. 4126
وعطف (قلنا) على جَعَلْنا المعطوف على آتَيْنا بالواو التي لا تقتضي ترتيبا على الصحيح فيجوز تقدمه مع ما يعقبه على إيتاء الكتاب فلا يرد أن إيتاء الكتاب وهو التوراة بعد هلاك فرعون وقومه فلا يصح الترتيب والتعرض لذلك في مطلع القصة مع أنه لا مدخل له في إهلاك القوم لما أنه بعد للإيذان من أول الأمر ببلوغه ﵇ غاية الكمال التي هي إنجاء بني إسرائيل من ملكة فرعون وإرشادهم إلى طريق الحق بما في التوراة من الأحكام إذ به يحصل تأكيد الوعد بالهداية على الوجه الذي ذكر سابقا.
وقرأ علي كرّم الله تعالى وجهه والحسن ومسلمة بن محارب فدمراهم على الأمر لموسى وهارون ﵉
وعن علي كرّم الله تعالى وجهه أيضا كذلك إلا أنه مؤكد بالنون الشديدة
،
وعنه كرّم الله تعالى وجهه «فدمرا» أمرا لهما بهم بباء الجر
وكأن ذلك من قبيل:
تجرح في عراقيبها نصلي
وحكي في الكشاف عنه أيضا كرّم الله تعالى وجهه «فدمرتهم» بتاء الضمير
وَقَوْمَ نُوحٍ منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى: فَدَمَّرْناهُمْ أي ودمرنا قوم نوح، وجوز الحوفي وأبو حيان كونه معطوفا على مفعول فدمرناهم ورد بأن تدمير قوم نوح ليس مترتبا على تكذيب فرعون وقومه فلا يصح عطفه عليه.
وأجيب بأنه ليس من ضرورة ترتب تدميرهم على ما قبله ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين سببه بقوله تعالى: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أي نوحا ومن قبله من الرسل ﵈ أو نوحا وحده فإن تكذيبه ﵇ تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد أو أنكروا جواز بعثة الرسل مطلقا، وتعريف الرسل على الأول عهدي، ويحتمل أن يكون للاستغراق إذ لم يوجد وقت تكذيبهم غيرهم، وعلى الثاني استغراقي لكن على طريق المشابهة والادعاء، وعلى الثالث للجنس أو للاستغراق الحقيقي، وكأن المجيب أراد أن اعتبار العطف قبل الترتيب فيكون المرتب مجموع المتعاطفين ويكفي فيه ترتب البعض. وقيل: المقصود من العطف التسوية والتنظير كأنه قيل: دمرناهم كقوم نوح فتكون الضمائر لهم. والرسل نوح وموسى وهارون ﵈ ولا يخفى ما فيه. واختار جمع كونه منصوبا باذكر محذوفا، وقيل: هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: أَغْرَقْناهُمْ ويرجحه على الرفع تقدم الجمل الفعلية. ولا يخفى أنه إنما يتسنى ذلك على مذهب الفارسي من كون- لما- ظرف زمان وأما إذا كانت حرف وجود لوجود فلا لأن أَغْرَقْناهُمْ حينئذ يكون جوابا لها فلا يفسر ناصبا. ولعل أولى الأوجه الأول، وأَغْرَقْناهُمْ استئناف مبين لكيفية تدميرهم كأنه قيل: كيف كان تدميرهم؟ فقيل: أغرقناهم بالطوفان وَجَعَلْناهُمْ أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم لِلنَّاسِ آيَةً أي آية عظيمة يعتبر بها من شاهدها أو سمعها وهو مفعول ثان لجعلنا ولِلنَّاسِ متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالا من آيَةً إذ لو تأخر عنها لكان صفة لها وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً أي جعلناه معدا لهم في الآخرة أو في البرزخ أو فيهما. والمراد بالظالمين القوم المذكورون، والإظهار في موقع الإضمار للإيذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب أو جميع الظالمين الذين لم يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل في زمرتهم قريش دخولا أوليا ويحتمل العذاب الدنيوي وغيره.
وَعاداً عطف على قَوْمَ نُوحٍ أي ودمرنا عادا أو واذكر عادا على ما قيل، ولا يصح أن يكون عطفا إذا نصب على الاشتغال لأنهم لم يغرقوا. وقال أبو إسحاق هو معطوف على- هم- من جَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ويجوز أن يكون معطوفا على محل (الظالمين) فإن الكلام بتأويل وعدنا الظالمين اهـ ولا يخفى بعد الوجهين وَثَمُودَ الكلام فيه وفيما بعده كما فيما قبله.
стр. 4127
وقرأ عبد الله وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى وثمود غير مصروف على تأويل القبيلة، وروي ذلك عن حمزة وعاصم والجمهور بالصرف، ورواه عبد بن حميد عن عاصم على اعتبار الحي أو أنهم سموا بالأب الأكبر وَأَصْحابَ الرَّسِّ عن ابن عباس هم قوم ثمود ويبعده العطف لأنه يقتضي التغاير، وقال قتادة: هم أهل قرية من اليمامة يقال لها الرس والفلج قيل قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود. وقوم صالح، وقال كعب. ومقاتل والسدي: أهل بئر يقال له الرس بإنطاكية الشام قتلوا فيها صاحب يس وهو حبيب النجار.
وقيل: هم قوم قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيه، وقال وهب والكلبي: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة قومان أرسل إليهما شعيب، وكان أصحاب الرس قوما من عبدة الأصنام وأصحاب آبار ومواش فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه ﵇ فبينما هم حول الرس وهي البئر غير المطوية كما روي عن أبي عبيدة انهارت بهم وبدارهم،
وقال علي كرّم الله تعالى وجهه. فيما نقله الثعلبي: هم قول عبدوا شجرة يقال لها: شاة درخت رسّوا نبيهم في بئر حفروه له
في حديث طويل، وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير وكان فيها من كل لون وسميت عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد ولإتيانها بهذا الأمر الغريب سميت مغربا، وقيل: لأنها اختطفت عروسا، وقيل: لغروبها أي غيبتها، وقيل: لأن وكرها كان عند مغرب الشمس، ويقال فيها عنقاء مغرب بالتوصيف والإضافة مع ضم الميم وفتحها فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة فهلكت ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. وقيل: هم قوم أرسل إليهم نبي فأكلوه، وقيل: قوم نساؤهم سواحق وقيل: قوم بعث إليهم أنبياء فقتلوهم ورسوا عظامهم في بئر، وقيل: هم أصحاب الأخدود والرس هو الأخدود. وفي رواية عن ابن عباس أنه بئر أذربيجان: وقيل: الرس ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت. وقيل: هو ماء ونخل لبني أسد. وقيل: نهر من بلاد المشرق بعث الله تعالى إلى أصحابه نبيا من أولاد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمانا فشكا إلى الله تعالى منهم فحفروا له بئرا وأرسلوه فيه وقالوا:
نرجو أن ترضى عنا آلهتنا فكانوا عليه يومهم يسمعون أنين نبيهم فدعا بتعجيل قبض روحه فمات وأظلتهم سحابة سوداء أذابتهم كما يذوب الرصاص.
وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ أن أصحاب الرس أخذوا نبيهم فرسوه في بئر وأطبقوا عليه صخرة فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى البئر فيعينه الله تعالى على تلك الصخرة فيرفعها فيعطيه ما يغذيه به ثم يرد الصخرة على فم البئر إلى أن ضرب الله تعالى على إذن ذلك الأسود فنام أربع عشرة سنة
. وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل ذكر فيه أن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة. وهذا إذا صح كان القول الذي لا يمكن خلافه لكن يشكل عليه إيرادهم هنا. وأجاب عنه الطبري بأنه يمكن أنهم كفروا بعد ذلك فأهلكوا فذكرهم الله تعالى مع من ذكر من المهلكين، وملخص الأقوال إنهم قوم أهلكهم الله تعالى بتكذيب من أرسل إليهم وَقُرُوناً أي أهل قرون وتقدم الكلام في القرن بَيْنَ ذلِكَ أي المذكور من الأمم، وللتعدد حسن بين من غير عطف كَثِيراً يطول الكلام جدا بذكرها، ولا يبعد أن يكون قد علم رسول الله ﷺ مقدارها، وقوله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] ليس نصا في نفي العلم بالمقدار كما لا يخفى. وفي إرشاد العقل السليم لعل الاكتفاء في شؤون تلك القرون بهذا البيان الإجمالي لما أن كل قرن منها لم يكن في الشهرة وغرابة القصة بمثابة الأمم المذكورة.
وَكُلًّا منصوب بمضمر يدل عليه ما بعده فإن ضرب المثل في معنى التذكير والتحذير. والمحذوف الذي عوض عنه التنوين عبارة إما عن الأمم التي لم تذكر أسباب إهلاكهم وإما عن الكل فإن ما حكي عن فرعون وقومه وعن
стр. 4128
قوم نوح ﵇ تكذيبهم للآيات والرسل لا عدم التأثر من الأمثال المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كل واحد من المذكورين ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أي بينا لكل القصص العجيبة الزاجرة عما هم عليه من الكفر والمعاصي بواسطة الرسل ﵈، وقيل: ضمير له للرسول ﵊، والمعنى وكل الأمثال ضربناه للرسول فيكون كُلًّا منصوبا بضربنا والْأَمْثالَ بدلا منه على ما في البحر، وفيه أنه أبعد من ذهب إلى ذلك، وعندي أنه مما لا ينبغي أن يفسر به كلام الله تعالى.
وقوله تعالى: وَكُلًّا مفعول مقدم لقوله سبحانه: تَبَّرْنا تَتْبِيراً وتقديمه للفاصلة، وقيل: لإفادة القصر على أن المعنى كلا لا بعضا، وتعقب بأن لفظ- كل- يفيد ذلك ويمكن توجيه ذلك بالعناية، وأصل التتبير التفتيت، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته ومنه التبر لفتات الذهب والفضة. والمراد به التمزيق والإهلاك أي أهلكنا كل واحد منهم إهلاكا عجيبا هائلا لما أنهم لم يتأثروا بذلك ولم يرفعوا له رأسا وتمادوا على ما هم عليه من الكفر والعدوان وَلَقَدْ أَتَوْا جملة مستأنفة مسوقة لبيان مشاهدة كفار قريش لآثار هلاك بعض الأمم المتبرة وعدم اتعاظهم بها.
وتصديرها بالقسم لتقرير مضمونها اعتناء به. وأتى مضمن معنى مر لتعديه بعلى، والمعنى بالله لقد مر قريش في متاجرهم إلى الشام.
عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ وهي سذوم وهي أعظم قرى قوم لوط سميت باسم قاضيها سذوم بالذال المعجمة على ما صححه الأزهري واعتمده في الكشف، وفي المثل أجور من سذوم أهلكها الله تعالى بالحجارة وهو المراد بمطر السوء وكذا أهلك سائر قراهم وكانت خمسا إلا قرية واحدة وهي زغر لم يهلكها لأن أهلها لم يعملوا العمل الخبيث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأفراد القرية بالذكر لما أشرنا إليه وانتصب مَطَرَ على أنه مفعول ثان لأمطرت على معنى أعطيت أو أوليت أو على أنه مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إمطار السوء كما قيل في أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] ، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة لمحذوف أي إمطارا مثل مطر السوء وليس بشيء.
وقرأ زيد بن علي مطرت ثلاثيا مبنيا للمفعول ومطر مما يتعدى بنفسه. وقرأ أبو السمال «مطر السوء» بضم السين أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها توبيخ على تركهم التذكر عند مشاهدة ما يوجبه. والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتهم لها وتقرير استمرارها حسب استمرار ما يوجبها من إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفي رؤيتهم وتقرير رؤيتهم لها، والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو كانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب.
والمنكر في الأول النظر وعدم الرؤية معا وفي الثاني عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها عادة كذا في إرشاد العقل السليم. ولم يقل: أفلم يرونها مع أنه أخصر وأظهر قصدا لإفادة التكرار مع الاستمرار ولم يصرح في أول الآية بنحو ذلك بأن يقال: ولقد كانوا يأتون بدل ولقد أتوا للإشارة إلى أن المرور ولو مرة كاف في العبرة فتأمل. وقوله تعالى: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة وبيان لكون عدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارهم خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك بذكر ما يستلزمه من إنكار الجزاء الأخروي وقد كنى عن ذلك بعدم رجاء النشور، والمراد بالرجاء التوقع مجازا كأنه قيل: بل كانوا لا يتوقعون النشور المستتبع للجزاء الأخروي وينكرونه ولا يرون لنفس من
стр. 4129
النفوس نشورا أصلا مع تحققه حتما وشموله للناس عموما واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق طائفة خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وإنما يحملونه على الاتفاق، وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم رجاء النشور، وحمل الرجاء على التوقع وعموم النشور أوفق بالمقام. وقيل: هو على حقيقته أعني انتظار الخير والمراد بالنشور نشور فيه خير كنشور المسلمين.
وجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف على لغة تهامة، والمراد بالنشور نشورهم والكل كما ترى. وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ أي ما يتخذونك إِلَّا هُزُواً على معنى ما يفعلون به إلا اتخاذك هزوا أي موضع هزو أو مهزوا به فهزوا إما مصدر بمعنى المفعول مبالغة أو هو بتقدير مضاف وجملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إذا، وهي كما قال أبو حيان وغيره تنفرد بوقوع جوابها المنفي بأن ولا وما بدون فاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط. وقوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مقول قول مضمر أي يقول أهذا إلخ. والجملة في موضع الحال من فاعل يتخذونك أو مستأنفة في جواب ماذا يقولون؟.
وجوز أن تكون الجواب. وجملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ معترضة، وقائل ذلك أبو جهل ومن معه، وروي أن الآية نزلت فيه، والإشارة للاستحقار كما في يا عجبا لابن عمرو هذا، وعائد الموصول محذوف أي بعثه ورَسُولًا حال منه وهو بمعنى مرسل. وجوز أبو البقاء أن يكون مصدرا حذف منه المضاف أي ذا رسول أي رسالة وهو تكلف مستغنى عنه، وإخراج بعث الله تعالى إياه ﷺ رسولا بجعله صلة وهم على غاية الإنكار تهكم واستهزاء وإلا لقالوا:
أبعث الله هذا رسولا. وقيل: إن ذلك بتقدير أهذا الذي بعث الله رسولا في زعمه، وما تقدم أوفق بحال أولئك الكفرة مع سلامته من التقدير إِنْ كادَ إن مخففة من إن واسمها عند بعض ضمير الشأن محذوف أي إنه كاد لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا أي ليصرفنا عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط، والعدول إلى الإضلال لغاية ضلالهم بادعاء أن عبادتها طريق سوي.
لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ثبتنا عليها واستمكنّا بعبادتها، ولَوْلا في أمثال هذا الكلام يجري مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ، وهذا اعتراف منهم بأنه ﷺ قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد وإظهار المعجزات وإقامة الحجج والبينات ما شارفوا به أن يتركوا دينهم لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم، ولا ينافي هذا استحقارهم واستهزائهم السابق لأن هذا من وجه وذاك من وجه آخر زعموه سببا لذلك قاتلهم الله تعالى. وقيل: إن كلامهم قد تناقض لاضطرابهم وتحيرهم فإن الاستفهام السابق دال على الاستحقار وهذا دال على قوة حجته وكمال عقله ﷺ ففيما حكاه سبحانه عنهم تحميق لهم وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه.
وقيل عليه: إنه ليس بصريح في اعترافهم بما ذكر بل الظاهر أنه أخرج في معرض التسليم تهكما كما في قولهم بعث الله رسولا وفيه منع ظاهر والتناقض مندفع كما لا يخفى.
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا أي يعلمون جواب هذا على أن مَنْ استفهامية مبتدأ وأَضَلُّ خبرها والجملة في موضع مفعولي يَعْلَمُونَ إن كانت تعدت إلى مفعولين أو في موضع مفعول واحد إن كانت متعدية إلى واحد أو يعلمون الذي هو أضل على أن من موصولة مفعول يَعْلَمُونَ وأضل خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول، وحذف صدر الصلة وهو العائد
стр. 4130
لطولها بالتمييز، وكان أولئك الكفرة لما جعلوا دعوته ﷺ إلى التوحيد إضلالا حيث قالوا: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا إلخ والمضل لغيره لا بد أن يكون ضالا في نفسه جيء بهذه الجملة ردا عليهم ببيان أنه ﵊ هاد لا مضل على أبلغ وجه فإنها تدل على نفي الضلال عنه ﷺ لأن المراد أنهم يعلمون أنهم في غاية الضلال لا هو ونفي اللازم يقتضي نفي ملزومه فيلزمه أن يكون ﵊ هاديا لا مضلا، وفي تقييد العلم بوقت رؤية العذاب وعيد لهم وتنبيه على أنه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ تعجيب لرسول الله ﷺ من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال والتنبيه على ما لهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه، والظاهر أن- رأى- بصرية ومَنِ مفعولها وهي اسم موصول والجملة بعدها صلة، واتَّخَذَ متعدية لمفعولين أولهما هَواهُ وثانيهما إِلهَهُ وقدم على الأول للاعتناء به من حيث أنه الذي يدور عليه أمر التعجيب لا من حيث إن الإله يستحق التعظيم والتقديم كما قيل أي أرأيت الذي جعل هواه إلها لنفسه بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة وملاحظة البرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه، وقال ابن المنير في تقديم المفعول الثاني هنا نكتة حسنة وهي إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول أَرَأَيْتَ واتَّخَذَ الأصل فيه هواه إلهه على أن هواه مبتدأ خبره إلهه فإذا قيل إلهه هواه كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد الحصر فيكون معنى الآية حينئذ أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه.
وقال صاحب الفرائد: تقديم المفعول الثاني يمكن حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبرا فالمقدم هو المبتدأ فمن جعل ما هنا نظير قولك: علمت منطلقا زيدا فقد غفل عن هذا، ويمكن أن يقال: المتقدم هاهنا يشعر بالثبات بخلاف المتأخر فتقدم إِلهَهُ يشعر بأنه لا بد من إله فهو كقولك اتخذ ابنه غلامه فإنه يشعر بأن له ابنا ولا يشعر بأن له غلاما فهذا فائدة تقديم إلهه على هواه. وتعقب ذلك الطيبي فقال: لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم وأن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره عن أصل المعنى فإذا قيل: زيد الأسد فالأسد هو المشبه به أصالة ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع فإذا جعلته مبتدأ في قولك: الأسد زيد فقد أزلته عن مقره الأصلي للمبالغة، وما نعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه لا القار فيه فالمشبه به هاهنا إلا له والمشبه الهوى لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله فقدم المشبه به الأصلي وأوقع مشبها ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة عندهم أقوى من الإله كقوله تعالى: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] ولمح صاحب المفتاح إلى هذا المعنى في كتابه.
وأما المثال الذي أورده صاحب الفرائد فمعنى قوله: اتخذ ابنه غلامه جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله وقوله: اتخذ غلامه ابنه جعل غلامه كابنه مكرما مدللا اه، وأنت تعلم ما في قوله: إن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ فإن الحق أن الأمر دائر مع القرينة والقرينة هنا قائمة على أن إِلهَهُ الخبر وهي عقلية لأن المعنى على ذلك فلا حاجة إلى جعل ذلك من التقديم المعنوي، وقال شيخ الإسلام: من توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في التعريف فقد زل عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو الملتبس بالحالة الحادثة وفي ذلك رد على أبي حيان حيث أوجب كونهما على الترتيب.
ونقل عن بعض المدنيين أنه قرأ «آلهة» منونة على الجمع وجعل ذلك على التقديم والتأخير، والمعنى جعل كل جنس من هواه إلها، وذكر أيضا أن ابن هرمز قرأ «إلهة» على وزن فعالة وهو أيضا من التقديم والتأخير أي جعل هواه إلهة
стр. 4131
بمعنى مألوهة أي معبودة والهاء للمبالغة فلذلك صرفت، وقيل: بل الإلاهة الشمس ويقال ألاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام التعريف في بعض اللغات صارت بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت كالمنكر بعد التعريف قاله صاحب اللوامح وهو كما ترى. والآية نزلت على ما قيل في الحارث بن قيس السهمي كان كلما هوى حجرا عبده، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية فإذا وجد أحسن منه رمى به وعبد الآخر فأنزل الله تعالى أَرَأَيْتَ إلخ. وزعم بعضهم لهذا ونحوه أن هواه بمعنى مهويه وليس بلازم كما لا يخفى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فالآية شاملة لمن عبد غير الله تعالى حسب هواه ولمن أطاع الهوى في سائر المعاصي وهو الذي يقتضيه كلام الحسن، فقد أخرج عنه عبد بن حميد أنه قيل له: أفي أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم المنافق مشرك إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله تعالى وإن المنافق عبد هواه ثم تلا هذه الآية، والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة.
وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله تعالى أعظم عند الله من هوى يتبع»
ولا يكاد يسلم على هذا من عموم الآية إلا من اتبع ما اختاره الله تعالى لعباده وشرعه سبحانه لهم في كل ما يأتي ويذر، وعليه يدخل الكافر فيما ذكر دخولا أوليا أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا استئناف مسوق لاستبعاد كونه ﷺ حفيظا على هذا المتخذ يزجره عما هو عليه من الضلال ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها وإنكار له، والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل: أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى تعسره على الانقياد إلى الهدى شاء أو أبى، وجوز أن تكون رأى علمية وهذه الجملة في موضع المفعول الثاني وليس بذاك.
وقوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلّى الله تعالى عليه وسلّم إياهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبىء عنه جده ﵊ في الدعوة واهتمامه بالإرشاد والتذكير على معنى أنه لا ينبغي أن يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات القرآنية أو يعقلون ما أظهر لهم من الآيات الآفاقية والأنفسية فتعتني في شأنهم وتطمع في إيمانهم، ولما كان الدليل السمعي أهم نظرا للمقام من الدليل العقلي قيل: يسمعون أو يعقلون، وقيل: المعنى بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن فتجتهد في دعوتهم وتهتم بإرشادهم وتذكيرهم ولعل ما قلناه أولى فتدبر.
وأيا ما كان فضمير أَكْثَرَهُمْ لمن باعتبار معناه وضمير عَلَيْهِ له أيضا باعتبار لفظه واختير الجمع هنا لمناسبة إضافة الأكثر لهم وأفرد فيما قبله لجعلهم في اتفاقهم على الهوى كشيء واحد، وقيل: ضمير أَكْثَرَهُمْ للكفار لا لمن لأن قوله تعالى عليه يأباه وليس بشيء، وضمير الفعلين للأكثر لا لما أضيف إليه، وتخصيص الأكثر لأن منهم من سبقت له العناية الأزلية بالإيمان بعد الاتخاذ المذكور، ومنهم من سمع أو عقل لكنه كابر استكبارا وخوفا على الرياسة، وقوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ إلخ جملة مستأنفة لتكرير النكير وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة والضمير للأكثر أو لمن، واكتفى عن ذكر الأكثر بما قبله أي ما هم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات
стр. 4132
وانتفاء التدبر بما يشاهدونه من الدلائل البينات إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة وعلم في الضلالة بَلْ هُمْ أَضَلُّ منها سَبِيلًا لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها وتعرف من يحسن إليها ومن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوي إلى معاطنها ومرابضها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم سبحانه وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانه تعالى إليهم من إساءة الشيطان المزين لهم اتباع الشهوات الذي هو عدو مبين ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والمورد العذب الروي، ولأنها إن لم تعتقد حقا مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا مستوجبا لاقتراف الشر بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام الشرور ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنة والفساد وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة فيها بل صارفة لها إلى ما خلقت له فلا تقصير من قبلها في طلب الكمال وأما هؤلاء فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها. واستدل بالآية على أن البهائم لا تعلم ربها ، ومن ذهب إلى أنها تعلمه سبحانه وتسبحه كما هو مذهب الصوفية. وجماعة من الناس قال: إن هذا خارج مخرج الظاهر، وقيل: المراد إن هم إلا كالأنعام في عدم الانتفاع بالآيات القرآنية والدلائل الأنفسية والآفاقية فإن الأنعام كذ لك والعلم بالله تعالى الحاصل لها ليس استدلاليا بل هو فطري، وكونهم أضل سبيلا من الأنعام من حيث إنها رزقت علما بربها تعالى فهي تسبحه به وهؤلاء لم يرزقوا ذلك فهم في غاية الضلال.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إلخ بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم، والخطاب لرسول الله ﷺ والهمزة للتقرير والرؤية بصرية لأنها التي تتعدى بإلى، وفي الكلام مضاف مقدر حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي ألم تنظر إلى صنع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله ، وكون- إلى- اسما واحدا لآلاء وهي النعم بعيد جدا، وجوز أن تكون علمية وليس هناك مضاف مقدر وتعديتها بإلى لتضمين معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل والأول أولى.
وذكر بعض الأجلة أنه يحتمل أن يكون حق التعبير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل إشعارا بأن المعقول المفهوم من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، وقال الفاضل الطيبي: لو قيل ألم تر إلى الظل كيف مده ربك كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر والذي عليه التلاوة كان عكسه والمقام يقتضيه لأن الكلام في تقريع القوم وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلها مع وضوح هذه الدلائل ولذلك جعل ما يدل على ذاته تعالى مقدما على أفعاله في سائر آياته وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ [يونس: ٦٧، الفرقان: ٤٧] وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ [الفرقان: ٤٨، فاطر: ٩] ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا [الفرقان: ٥١] وروى السلمي في الحقائق عن بعضهم مخاطبة العام أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] ومخاطبة الخاص أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ انتهى، وفي الإرشاد لعل توجيه الرؤية إليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته ﵊ لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره ﵊ غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره ﷺ معرفة شؤون الصانع المجيد ﷻ ولعل هذا هو سر ما روي عن السلمي، وقيل: إن التعبير المذكور للإشعار بأن المقصود العلم بالرب علما يشبه الرؤية، ونقل الطبرسي عن الزجاج أنه فسر الرؤية بالعلم. وذكر أن الكلام من باب القلب،
стр. 4133
والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ولا حاجة إلى ذلك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵊ لتشريفه ﷺ وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى ورحمته جل وعلا وكَيْفَ منصوب بمد على الحالية وهي معلقة لتر أن لم تكن الجملة مستأنفة، وفي البحر أن الجملة الاستفهامية التي يتعلق عنها فعل القلب ليس باقية على حقيقة الاستفهام وفيه بحث، وذكر بعض الأفاضل أن كيف للاستفهام وقد تجرد عن الاستفهام وتكون بمعنى الحال نحو انظر إلى كيف تصنع، وقد جوزه الدماميني في هذه الآية على أنه بدل اشتمال من المجرور وهو بعيد انتهى، ولا يخفى أنه يستغني على ذلك عن اعتبار المضاف لكنه لا يعادل البعد. والمراد بالظل على ما رواه جماعة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأيوب بن موسى وإبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري وأبي العالية وسعيد بن جبير ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر، ومن هنا كان ظل الجنة مدودا كما قال سبحانه: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: ٣٠] .
وقيل: المراد به ما يكون من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس عند ابتداء طلوعها، ومد الظل من باب ضيق فم القربة، فالمعنى ألم تنظر إلى صنع ربك كيف أنشأ ظلا أي مظلا كان عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا إلى ما شاء الله واختاره شيخ الإسلام. وتعقب ما تقدم بقوله: غير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اهـ وفيه منع ظاهر، وهو أظهر على ما ذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من أنه لا يسمى ظلا فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة الظل ضد الضح وهو أعم من الفيء فإنه يقال: ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس انتهى، وظاهر قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ في وصف الجنة يقتضي أنهم يعدون مثل ما ذكر ظلا. وقيل: هو ما كان من غروب الشمس إلى طلوعها وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي وقيل: هو ما كان يوم خلق الله تعالى السماء وجعلها كالقبة ودحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها وليس بشيء، وإن فسر أَلَمْ تَرَ بألم تعلم لما في تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه من التكلف وارتكاب خلاف الظاهر، وربما يفوت عليه المقصود الذي سيق له النظم الكريم، وربما يختلج في بعض الأذهان جواز أن يراد به ما يشمل جميع ما يصدق عليه أنه ظل فيشمل ظل الليل وما بين الفجر وطلوع الشمس وظل الأشياء الكثيفة المقابلة للشمس كالجبال وغيرها فإذا شرع في تطبيق الآية على ذلك عدل عنه كما لا يخفى، وللصوفية في ذلك كلام طويل سنذكر إن شاء الله تعالى شيئا منه، وجمهور المفسرين على الأول، والقول الثاني أسلم من القال والقيل.
وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً جملة اعتراضية بين المتعاطفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل للأسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على الأول أو قيام الشاخص الكثيف على الثاني، وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة، ومفعول المشيئة محذوف وهو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة في أمثال هذا التركيب أي ولو شاء جعله ساكنا لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله ظلا أبدا كما فعل في ظل الجنة أو لجعله ثابتا على حاله من الطول والامتداد وذلك بأن لا يجعل سبحانه للشمس على نسخه سبيلا بأن يطلعها ولا يدعها تنسخه أو بأن لا يدعها تغيره باختلاف أوضاعها بعد طلوعها، وقيل: بأن يجعلها بعد الطلوع مقيمة على وضع واحد وليس
стр. 4134
بذاك، وإنما عبر عن ذلك بالسكون قيل: لما أن مقابله الذي هو زواله لما كان تدريجيا كان أشبه شيء بالحركة، وقيل:
لما أن مقابله الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين الظل وبين الشمس يرى رأي العين حركة وانتقالا.
وأفاد الزمخشري أنه قوبل مد الظل الذي هو انبساطه وامتداده بقوله تعالى: ساكِناً والسكون إنما يقابل الحركة فيكون قد أطلق مَدَّ الظِّلَّ على الحركة مجازا من باب تسمية الشيء باسم ملابسة أو سببه كما قرره الطيبي وذكر أنه عدل عن حرك إلى مد مع أنه أظهر من مد في تناوله الانبساط والامتداد ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات وهو معرفة أوقات الصلوات فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط وتمم معنى الإدماج بقوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي بالتدرج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات وفيه لمحة من معنى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] اهـ. ولا يبعد أن يقال: إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الأفق الشرقي، وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولا والشمال والجنوب طرفي جهتيها عرضا أو لأن ظهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور أعني مائة وثمانين درجة، والثاني دون ذلك على جميع الأقوال فيه فيكون الظل بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتدا ما بين جهتي شرقيه وغربيه أكثر مما بين جهتي شماليه وجنوبيه، وربما يقال: إن ذلك لما أن مبدأ الظل الفجر الأول وضوؤه يرى مستطيلا ممتدا كذنب السرحان ويلتزم القول بأنه لا يذهب بالكلية وإن ضعف بل يبقى حتى يمده ضوء الفجر الثاني فيرى منبسطا والله تعالى أعلم، وقوله سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا عطف على مَدَّ داخل في حكمه أي ثم جعلنا طلوع الشمس دليلا على ظهوره للحس فإن الناظر إلى الجسم الملون حال قيام الظل عليه لا يظهر له شيء سوى الجسم ولونه ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر له أن الظل كيفية زائدة على الجسم ولونه.
والضد يظهر حاله الضد. قاله الرازي والطبري وغيرهما، وقيل: أي ثم جعلناها دليلا على وجوده أي علة له لأن وجوده بحركة الشمس إلى الأفق وقربها منه عادة ولا يخفى ما فيه أو ثم جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية المعترضة، ومن الغريب الذي لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد أن على بمعنى مع أي ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلا على وحدانيتنا على معنى جعلنا الظل دليلا وجعلنا الشمس دليلا على وحدانيتنا.
والالتفات إلى نون العظمة للإيذان بعظم قدر هذا الجعل لما يستتبعه من المصالح التي لا تحصى أو لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الظل والشمس من الدوران المطرد المنبئ عن السببية من مزيد الدلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة، وثم إما للتراخي الرتبي ويعلم وجهه مما ذكر، وإما للتراخي الزماني كما هو حقيقة معناها بناء على طول الزمان بين ابتداء الفجر وطلوع الشمس، وقوله سبحانه ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً عطف على مَدَّ داخل في حكمه أيضا أي ثم أزلناه بعد ما أنشأناه ممتدا عند إيقاع شعاع الشمس موقعه أو بإيقاعه كذلك ومحوناه على مهل قليلا قليلا حسب سير الشمس، وهذا ظاهر على القول بأن المراد بالظل ظل الشاخص من جبل ونحوه، وأما على القول بأن المراد به ما بين الطلوعين فلأنه إذا عم لا يزول دفعة واحدة بطلوع الشمس في أفق لكروية الأرض واختلاف الآفاق فقد تطلع في أفق ويزول ما عند أهله من الظل وهي غير طالعة في أفق آخر وأهله في طرف من ذلك الظل ومتى ارتفعت عن الأفق الأول حتى بانت من أفقهم زال ما عندهم من الظل فزوال الظل بعد عمومه تدريجى كذا قيل.
стр. 4135
وقيل لا حاجة إلى ذلك فإن زواله تدريجي نظرا إلى أفق واحد أيضا بناء على أنه يبقى منه بعد طلوع الشمس ما لم يقع على موقعه شعاعها لمانع جبل ونحوه ويزول ذلك تدريجا حسب حركة الشمس ووقوع شعاعها على ما لم يقع عليه ابتداء طلوعها، وكأن التعبير عن تلك الإزالة بالقبض وهو كما قال الطبرسي: جمع الأجزاء المنبسطة لما أنه قد عبر عن الأحداث بالمد.
وقوله سبحانه: إِلَيْنا للتنصيص على كون مرجع الظل إليه لا يشاركه حقيقة أحد في إزالته كما أن حدوثه منه سبحانه لا يشاركه حقيقة فيه أحد، وثم يحتمل أن تكون للتراخي الزماني وأن تكون للتراخي الرتبي نحو ما مر، ومن فسر الظل بما كان يوم خلق الله تعالى السماء كالقبة ودحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها جعل معنى ثُمَّ جَعَلْنَا إلخ ثم خلقنا الشمس وجعلناها مسلطة على ذلك الظل وجعلناها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد وينقص ويمتد ويقلص ثم قبضناه قبضا سهلا لا عسر فيه.
ويحتمل أن يكون قبضه عند قيام الساعة بقرينة إلينا وكذا يَسِيراً وذلك بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه، والتعبير بالماضي لتحققه ولمناسبة ما ذكر معه، وثم للتراخي الزماني وفيه ما فيه كما أشرنا إليه وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً بيان لبعض بدائع آثار قدرته وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق، وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقه، واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما بعد من منافعهم، وفي تعقيب بيان أحوال الظل ببيان أحكام الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه أي وهو الذي جعل لنفعكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس وَجعل النَّوْمَ الذي يقع فيه غالبا بسبب استيلاء الأبخرة على القوى عادة، وقيل:
بشم نسيم يهب من تحت العرش ولا يكاد يصح.
سُباتاً راحة للأبدان بقطع الأفاعيل التي تكون حال اليقظة، وأصل السبت القطع، وقيل: يوم السبت لما جرت العادة من الاستراحة فيه على ما قيل، وقيل: لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئا، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة: مسبوت، وإلى هذا ذهب أبو مسلم.
وقال أبو حيان: السبات ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضا فشبه النوم به، والسبت الإقامة في المكان فكان النوم سكونا ما وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي ذا نشور ينتشر فيه الناس لطلب المعاش فهو كقوله تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [النبأ: ١١] وفي جعله نفس النشور مبالغة، وقيل: نشورا بمعنى ناشرا على الإسناد المجازي، وجوز أن يراد بالسبات الموت لما فيه من قطع الإحساس أو الحياة، وعبر عن النوم به لما بينهما من المشابهة التامة في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام: ٦٠] وقوله سبحانه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: ٤٢] وبالنشور البعث أي وجعل النهار زمان بعث من ذلك الثبات أو نفس البعث على سبيل المبالغة. وأبي الزمخشري الراحة في تفسير السبات وقال: إنه يأباه النشور في مقابلته إباء العيوف الورد وهو مرنق، وكأن ذلك لأن النشور في القرآن لا يكاد يوجد بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش، وعلل في الكشف إباء الزمخشري بذلك وبأن الآيات السابقة واللاحقة مع ما فيها من التذكير بالنعمة والقدرة أدمج فيها الدلالة على الإعادة فكذلك ينبغي أن لا يفرق بين هذه وبين أترابها.
وكأنه جعل جعل الليل لباسا والنوم فيه سباتا بمجموعة مقابل جعل النهار نشورا ولهذا كرر جعل فيه لما فى