← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قرأ تبارك الذي بيده الملك والم تنزيل السجدة بين المغرب والعشاء الآخرة فكأنما قام ليلة القدر» . وروى نحوه هو، والثعلبي، والواحدي من حديث أبي بن كعب، والثعلبي دونهم من حديث ابن عباس، وتعقب ذلك الشيخ ولي الدين قائلا: لم أقف عليه وهذه الروايات كلها موضوعة، لكن رأيت في الدر المنثور أن الخرائطي أخرج في مكارم الأخلاق من طريق حاتم بن محمد عن طاوس أنه قال: ما على الأرض رجل يقرأ الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك في ليلة إلّا كتب له مثل أجر ليلة القدر، قال: حاتم: فذكرت ذلك لعطاء فقال: صدق طاوس والله ما تركتهن منذ سمعت بهن إلّا أن أكون مريضا، ولم أقف على ما قيل في هذا الخبر صحة وضعفا ووضعا، وفيه أخبار كثيرة في فضلها غير هذا الله تعالى أعلم بحالها، وكان ﵊ يقرؤوها وهَلْ أَتى [الإنسان: ١] في صلاة فجر الجمعة وهو مشعر بفضلها والحديث في ذلك صحيح لا مقال فيه. أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة عن أبي هريرة قال «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان» وأخرج أبو داود، وهؤلاء إلا البخاري نحوه عن ابن عباس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم إن جعل اسما للسورة أو القرآن فحمله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا ألم، وقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر بعد خبر على أنه مصدر باق على معناه لقصد المبالغة أو بتقدير مضاف أو هو مؤول باسم المفعول أي منزل وإضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بيانية بمعنى من، وقوله سبحانه: لا رَيْبَ فِيهِ خبر ثالث، وقوله تعالى: مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ خبر رابع، وجوز أن يكون الم مبتدأ وما بعده أخبار له أي المسمى بألم الكتاب المنزل لا ريب فيه كائن من رب العالمين، وتعقب بأن ما يجعل عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد بالنسبة قبل فحقها الإخبار بها. وقال أبو البقاء: الم يجوز أن يكون مبتدأ وتَنْزِيلُ بمعنى منزل خبره ولا رَيْبَ فِيهِ حال من

стр. 4587

الْكِتابِ والعامل فيها المضاف وهي حال مؤكدة وهي حال مؤكدة ومِنْ رَبِّ متعلق بتنزيل، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف هو حال من الضمير المجرور في فِيهِ والعامل فيها الظرف لا رَيْبَ لأنه هنا مبني وفيه ما سمعت، وهذا التعليق يجوز أيضا على تقدير أن يكون الم خبر مبتدأ محذوف وما بعده أخبارا لذلك المحذوف، وإن جعل الم مسرودا على نمط التعديد فلا محل له من الإعراب، وفي إعراب ما بعد عدة أوجه، قال البقاء: يجوز أن يكون تَنْزِيلُ مبتدأ ولا رَيْبَ فِيهِ الخبر ومِنْ رَبِّ حال كما تقدم، ولا يجوز على هذا أن يتعلق بتنزيل لأن المصدر قد أخبر عنه، ويجوز أن يكون الخبر مِنْ رَبِّ ولا رَيْبَ حالا من الْكِتابِ وأن يكون خبرا بعد خبر انتهى. ووجه منع التعليق بالمصدر بعد ما أخبر عنه أنه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله لما بعد الخبر وعن التزام حديث التوسع في الظرف سعة هنا أو أن المتعلق من تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه، وجوز ابن عطية تعلق مِنْ رَبِّ ريب وفيه أنه بعيد عن المعنى المقصود، وجوز الحوفي كون تَنْزِيلُ خبر مبتدأ محذوف أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب، وقال أبو حيان: الذي أختاره أن يكون تَنْزِيلُ مبتدأ ولا رَيْبَ فِيهِ اعتراض لا محل له من الإعراب ومِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ الخبر وضمير فِيهِ راجع لمضمون الجملة أعني كونه منزلا من رب العالمين لا للتنزيل ولا للكتاب كأنه قيل: لا ريب في ذلك أي في كونه منزلا من رب العالمين وهذا ما اعتمد عليه الزمخشري وذكر أنه الوجه ويشهد لوجاهته قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ فإن قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين أي فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه وهو كونه من رب العالمين جلّ شأنه، وقيل: أي فلا بد من أن يكون مورده حكما مقصودا بالإفادة لا قيد للحكم بنفي الريب عنه، وفيه بحث، وكذا قوله سبحانه: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فإن تقرير لما قبله فيكون مثله في الشهادة ثم قال في نظم الكلام على ذلك: إنه أسلوب صحيح محكم أثبت سبحانه أولا أن تنزيله من رب العالمين وإن ذلك مما لا ريب فيه أي لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله تعالى وهو أبعد شيء منه لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك أصلا عنه وهو كونه معجزا للبشر، ثم أضرب جلّ وعلا عن ذلك إلى قوله تعالى: «أم يقولون افتراه» لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور عجز بلغائهم عن مثل أقصر سورة منه فهو أما قول متعنت مكابر أو جاهل عميت منه النواظر، ثم أضرب سبحانه عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك، وفي الكشف أن الزمخشري بين وجاهة كون تَنْزِيلُ الْكِتابِ مبتدأ ولا رَيْبَ فِيهِ اعتراضا ومِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ خبرا بحسن موقع الاعتراض إذ ذاك حسن الإنكار على الزاعم إنه مفتري مع وجود نافي الريب ومميطه ثم إثبات ما هو المقصود وعدم الالتفات إلى شغب هؤلاء المكابرة بعد التلخيص البليغ بقوله تعالى: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وما في إيثار لفظ الْحَقُّ وتعريفه تعريف الجنس من الحسن ويقرب عندي من هذا الوجه جعل تَنْزِيلُ مبتدأ وجملة لا رَيْبَ فِيهِ في موضع الحال من الْكِتابِ ومِنْ رَبِّ خبرا فتدبر ولا تغفل، وزعم أبو عبيدة أن أَمْ بمعنى بل الانتقالية وقال: إن هذا خروج من حديث إلى حديث وليس بشيء. والظاهر أن مِنْ رَبِّكَ في موضع الحال أي كائنا من ربك، وقيل: يجوز جعله خبر ثانيا وإضافة الرب إلى العالمين أولا ثم إلى ضمير سيد المخاطبين صلى الله تعالى عليه وسلم ثانيا بعد ما فيه من حسن التخلص إلى إثبات النبوة وتعظيم شأنه علا شأنه فيه أنه ﵊ العبد الجامع الذي جمع فيه ما فرق في العالم بالأسر، ووروده على أسلوب الترقي دلّ على أن جمعيته صلى الله تعالى عليه وسلم أتم مما لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله تعالى وسلامه عليه لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ بيان للمقصود من تنزيله فقيل هو متعلق بتنزيل، وقيل:

стр. 4588

بمحذوف أي أنزله لتنذر إلخ، وقيل: بما تعلق به مِنْ رَبِّكَ وقَوْماً مفعول أول لتنذر والمفعول الثاني محذوف أي العقاب وما نافية كما هو الظاهر ومِنْ الأولى صلة وَنَذِيرٌ فاعل أَتاهُمْ ويطلق على الرسول وهو المشهور وعلى ما يعمه والعالم الذي ينذر عنه قيل: وهو المراد هنا كما في قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] . وجوز أن يكون النذير هاهنا مصدرا بمعنى الإنذار ومِنْ قَبْلِكَ أي من قبل إنذارك أو من قبل زمانك متعلق بأتى والجملة في موضع الصفة لقوما، والمراد بهم قريش على ما ذهب إليه غير واحد، قال في الكشف: الظاهر أنه لم يبعث رسول منهم قبل رسول الله ﷺ وكانوا ملزمين بشرائع الرسل من قبل وإن كانوا مقصرين في البحث عنها لا سيما دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ إن قلنا: إن دعوتي موسى، وعيسى ﵉ لم تعما وهو الأظهر، وقد تقدم لك القول بانقطاع حكم نبوة كل نبي ما عدا نبينا ﷺ بعد موته فلا يكلف أحد مطلقا يجيء بعده باتباعه والقول بالانقطاع إلا بالنسبة لمن كان من ذريته، والظاهر أن قريشا كانوا ملزمين بملة ابراهيم وإسماعيل ﵉ وإنهم لم يزالوا على ذلك إلى أن فشت في العرب عبادة الأصنام التي أحدثها فيهم عمرو الخزاعي لعنه الله تعالى فلم يبق منهم على الملة الحنيفية إلّا قليل بل أقل من القليل فهم داخلون في عموم قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ فإنه عام للرسول وللعالم ينذر كذا قيل. واستشكل مع ما هنا، وأجيب بأن المراد ما أتاهم نذير منهم من قبلك وإليه يشير كلام الكشف وهناك أو من غيرها أو يحمل النذير فيه على الرسول، وفي تلك الآية على الأعم قال أبو حيان: في تفسير سورة الملائكة إن الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد ﷺ والآيات التي تدل على أن قريشا ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم وآباءهم الأقربين قربين وإما أن النذارة انقطعت فلا نعم لما شرعت آثارها تندرس بعث محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وما ذكره أهل علم الكلام من حال أهل الفترات فإن ذلك على حسب الفرض لا أنه واقع فلا توجد أمة على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله وعبادته انتهى. وفي القلب منه شيء، ومقتضاه أن المنفي هاهنا إتيان نذير مباشر أي نبي من الأنبياء ﵈ قريشا الذين كانوا في عصره ﵊ قبله ﷺ وأنه كان فيهم من ينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده بالنقل أي عن نبي كان يدعو إلى ذلك، والأول مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان بل لا ينبغي أن يتوقف فيه إنسان، والثاني مظنون التحقق في زيد بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد أحد العشرة فإنه عاصر النبي ﷺ واجتمع وآمن به قبل بعثته عليه والصلاة السلام ولم يدركها إذ قد مات وقريش تبني الكعبة وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنين، وكان على ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉، فقد صح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفسي بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، وفي بعض طرق الخبر عنه أيضا بزيادة، وكان يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحلته، وذكر موسى بن عقبة في المغازي سمعت من أرضي يحدث أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى وصح أنه لم يأكل من ذبائح المشركين التي أهل بها لغير الله، وأخرج الطيالسي في مسنده عن ابنه سعيد أنه قال: قلت للنبي ﷺ : إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك أفأستغفر له: قال، نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ولا يبعد ممن كان هذا شأنه الإنذار والدعوة إلى عبادة الله تعالى بل من أنصف يرى تضمن كلامه الذي حكته أسماء وإنكاره على قريش الذبح لغير الله تعالى الذي ذكره الطيالسي الدعوة إلى دين إبراهيم ﵇ وعبادة الله سبحانه وحده، وكذا تضمن كلامه النقل أيضا، ويعلم مما نقلناه أن الرجل رضي الله تعالى عنه

стр. 4589

لم يكن نبيا وهو ظاهر، وزعم بعضهم أنه كان نبيا، واستدل على ذلك بأنه كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: هلموا إلى فإنه لم يبق على دين الخليل غيري وصحة ذلك ممنوعة، وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على المقصود كما لا يخفى على من له أدنى ذوق، ومثل زيد رضي الله تعالى عنه قس بن ساعدة الإيادي فإنه رضي الله تعالى عنه كان مؤمنا بالله داعيا إلى عبادته سبحانه وحده وعاصر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومات قبل البعثة على الملة الحنيفية وكان من المعمرين، ذكر السجستاني أنه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وقال المرزباني: ذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة وذكروا في شأنه أخبارا كثيرة لكن قال الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة قد أفرد بعض الرواة طريق قس وفيه شعره وخطبته هو في الطوالات للطبراني وغيرها وطرقه كلها ضعيفة وعد منها ما عد فليراجع، ثم إن الإشكال إنما يتوهم لو أريد بقريش جميع أولاد قصي أو فهر أو النضر أو الياس أو مضر أما إذا أريد من كان منهم حين بعث ﷺ فلا كما لا يخفى على المتأمل فتأمل، وقيل: المراد بهم العرب قريش وغيرهم ولم يأت المعاصرين منهم رسول الله ﷺ نذير من الأنبياء ﵈ غيره ﷺ وكان فيهم من ينذر ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده وليس بنبي على ما سمعت آنفا، وأما العرب غير المعاصرين فلم يأتهم من عهد إسماعيل ﵇ نبي منهم بل لم يرسل إليهم نبي مطلقا، وموسى. وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس بنبي، وخبر ورود بنت له عجوز على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لها: مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه ونحوه من الأخبار مما للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال، وفي شروح الشفاء والإصابة للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك، وقيل: المراد بهم أهل الفترة من العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب، والمعنى ما أتاهم نذير من قبلك بعد الضلال الذي حدث فيهم. هذا وكأني بك تحمل النذير هنا على الرسول الذي ينذر عن الله وكذا في قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ليوافق قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل: ٣٦] وأظن أنك تجعل التنوين في أمة للتعظيم أي وأن من أمة جليلة معتنى بأمرها إلّا خلا فيها نذير ولقد بعثنا في كل أمة جليلة معتنى بأمرها رسولا أو تعتبر العرب أمة وبني إسرائيل أمة ونحو ذلك أمة دون أهل عصر واحد وتحمل من لم يأتهم نذير على جماعة من أمة لم يأتهم بخصوصهم نذير، ومما يستأنس به في ذلك أنه حين ينفي إتيان النذير ينفي عن قوم ونحوه لا عن أمة فليتأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام، وجوز كون ما موصولة وقعت مفعولا ثانيا لتنذر ومِنْ نَذِيرٍ عليه متعلق بأتاهم أي لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك أي على لسان نذير من قبلك واختاره أبو حيان، وعليه لا مجال لتوهم الإشكال لكن لا يخفى أنه خلاف المتبادر الذي عليه أكثر المفسرين، والاقتصار على الإنذار في بيان الحكمة لأنه الذي يقتضيه قولهم: افْتَراهُ دون التبشير لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لأجل أن يهتدوا بإنذارك إياهم أو راجيا لاهتدائهم، وجعل الترجي مستعارا للإرادة منسوبا إليه نزغة اعتزالية: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مرّ بيانه فيما سلف على مذهبي السلف والخلف ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أي ما لكم مجاوزين الله أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى ولي ولا شفيع أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه ﷻ فمن دونه- حال من مجرور لَكُمْ والعامل الجار أو متعلقه، وعلى هذا المعنى لا دليل في الخطاب على أنه تعالى شفيع دون غيره ليقال: كيف ذاك وتعالى جل شأنه أن يكون شفيعا، وكفى في ذلك رده ﷺ على الأعرابي حيث قال: إنا نستشفع بالله تعالى إليك ، وقد يقال: الممتنع اطلاق الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقي وأما إطلاقه عليه سبحانه بمعنى الناصر مجازا فليس بممتنع، ويجوز أن يعتبر ذلك هنا وحينئذ يجوز أن يكون مِنْ دُونِهِ حالا مما بعد قدم عليه لأنه

стр. 4590

نكرة ودون بمعنى غير، والمعنى ما لكم ولي ولا ناصر غير الله تعالى، ويجوز أن يكون حالا من المجرور كما في الوجه السابق، والمعنى ما لكم إذا جاوزتم ولايته ونصرته جل وعلا ولي ولا ناصر، ويظهر لي أن التعبير بالشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم هؤلاء شفعاؤنا ويزعمون أن كل واحد منها شفيع لهم أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ أي ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكار على الأول متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معا، وعلى الثاني إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قيل: أي أمر الدنيا وشؤونها، وأصل التدبير النظر في دابر الأمر والتفكر فيه ليجيء محمود العاقبة وهو في حقه مجاز عن إرادة الشيء على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة والفعل مضمن معنى الإنزال والجار أن في قوله تعالى: مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ متعلقان به ومن ابتدائية وإلى انتهائية أي يريده تعالى على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة منزلا له من السماء إلى الأرض، وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه فإن أسبابه سماوية من الملائكة ﵈ وغيرهم ثُمَّ يَعْرُجُ أي يصعد ويرتفع ذلك الأمر بعد تدبيره إِلَيْهِ وهذا العروج مجاز عن ثبوته في علمه تعالى أي تعلق علمه سبحانه به تعلقا تنجيزيا بأن يعمله جلّ وعلا موجودا بالفعل أو عن كتابته في صحف الملائكة ﵈ القائمين بأمره موجودا كذلك فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي في برهة متطاولة من الزمان فليس المراد حقيقة العدد، وعبر عن المدة المتطاولة بالألف لأنها منتهى المراتب وأقصى الغايات وليس مرتبة فوقها إلا ما يتفرع منها من أعداد مراتبها، والفعلان متنازعان في الجار والمجرور وقد أعمل الثاني منهما فيه فتفيد الآية طول امتداد الزمان بين تعلق إرادته سبحانه بوجود الحوادث في أوقاتها متقنة مراعي فيها الحكمة وبين وجودها كذلك، وظاهرها يقتضي أن وجودها لا يتوقف على تعلق الإرادة مرة أخرى بل يكفي فيه التعلق السابق وقيل: فِي يَوْمٍ متعلق بيعرج وليس الفعلان متنازعين فيه، والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبيره سبحانه إياه وصول خبر وجوده بالفعل كما دبر جل وعلا بواسطة الملك وعرضه ذلك في حصرة قد أعدها سبحانه للاختبار بما هو ﷻ أعلم به اظهار الكمال عظمته ﵎ وعظيم سلطنته جلت سلطنته وهذا كعرض الملائكة ﵈ أعمال العباد الوارد في الأخبار، وألف سنة على حقيقتها وهي مسافة ما بين الأرض ومحدب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر فإن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وثخن السماء كذلك كما جاء في الأخبار الصحيحة والملك يقطع ذلك في زمان يسير فالكلام على التشبيه فكأنه قيل: يريد تعالى الأمر متقنا مراعي فيه الحكمة بأسباب سماوية نازلة آثارها وأحكامها إلى الأرض فيكون كما أراد سبحانه فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفع خبره إلى حضرته سبحانه في زمان هو كألف سنة مما تعدون، وقيل: العروج إليه تعالى صعود خبر الأمر مع الملك إليه كما هو مروي عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك والفعلان متنازعان في يَوْمٍ والمراد أنه زمان تدبير الأمر لو دبره البشر وزمان العروج لو كان منهم أيضا وإلا فزمان التدبير والعروج يسير، وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا بإظهاره في اللوح المحفوظ فينزل الملك الموكل به من السماء إلى الأرض ثم يرجع الملك أو الأمر مع الملك إليه تعالى في زمان هو نظر للنزول والعروج كألف سنة مما تعدون، وأريد به مقدار ما بين الأرض ومقعر سماء الدنيا ذهابا وإيابا، والظاهر أن يُدَبِّرُ عليه مضمن معنى الإنزال، والجاران متعلقان به لا بفعل محذوف أي فينزل به الملك من السماء إلى الأرض كما قيل، وزعم بعضهم أن ضمير إِلَيْهِ للسماء وهي قد تذكر كما في قوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل: ١٨] وقيل: المعنى يدبر سبحانه أمر الدنيا كلها من السماء

стр. 4591

الى الأرض لكل يوم من أيام الرب جلّ شأنه وهو ألف سنة كما قال سبحانه: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٤٧] ثم يصير إليه تعالى ويثبت عنده ويكتب في صحف ملائكته جلّ وعلا كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر أيضا ليوم آخر وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة، ويشير إلى هذا ما روي عن مجاهد قال: إنه تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من سنينا وهو اليوم عنده تعالى فإذا فرغت ألقي إليهم مثلها، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه ولا تضمين في يُدَبِّرُ والعروج إليه تعالى مجاز عن ثبوته وكتبه في صحف الملائكة وأَلْفَ سَنَةٍ على ظاهره وفِي يَوْمٍ يتعلق بالفعلين واعمل الثاني كأنه قيل: يدبر الأمر ليوم مقداره كذا ثم يعرج إليه تعالى فيه كما تقول: قصدت ونظرت في الكتاب أي قصدت إلى الكتاب ونظرت فيه، ولا يمنع اختلاف الصلتين من التنازع، وتكرار التدبير إلى يوم القيامة يدل عليه العدول إلى المضارع مع أن الأمر ماض كأنه قيل: يجدد هذا الأمر مستمرا وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه تعالى ذلك الأمر كله أي يصير إليه سبحانه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال له كما في سابقه، والعروج إليه تعالى الصيرورة إليه سبحانه لا ليثبت في صحف الملائكة بل ليحكم جلّ وعلا فيه. وفِي يَوْمٍ متعلق بالعروج ولا تنازع، والمراد بيوم مقداره كذا يوم القيامة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤] بناء على أحد الوجهين فيه لتفاوت الاستطالة على حسب الشدة أو لأن ثم خمسين موطنا كل موطن ألف سنة، وقيل: المعنى ينزل الوحي مع جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه تعالى ما كان من قبوله أو رده مع جبريل ﵇ في يوم مقدار مسافة السير فيه ألف سنة وهو ما بين السماء والأرض هبوطا وصعودا، فالأمر عليه مراد به الوحي كما في قوله تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافر: ١٥] والعروج إليه تعالى عبارة عن خبر القبول والرد مع عروج جبريل ﵇ والتدبير والعروج في اليوم لكن على التوسع والتوزيع فالفعلان متنازعان في الظرف ولكن لا اختلاف في الصلة ولا تنافي الآية على هذا قوله تعالى شأنه: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ بناء على الوجه الآخر فيه وستعرفهما إن شاء الله تعالى لأن العروج فيه إلى العرش وفيها الى السماء الدنيا وكلاهما عروج إلى الله تعالى على التجوز. وقيل: المراد بالأمر المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحات، والمعنى ينزل سبحانه ذلك مدبرا من السماء إلى الأرض ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه تعالى ذلك المأمور به خالصا يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة الخلص من العباد وعليه يُدَبِّرُ مضمن معنى الإنزال ومن وإلى متعلقان به، ومعنى العروج الصعود كما في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] والغرض من الألف استطالة المدة، والمعنى استقلال عبادة الخلص واستطالة مدة ما بين التدبير والوقوع، وثُمَّ للاستبعاد، واستدل لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠، المؤمنون: ٧٨، السجدة: ٩] لأن الكلام بعضه مربوط بالبعض وقلة الشكر مع وجود تلك الإنعامات دالة على الاستقلال المذكور. وقيل: المعنى يدبر أمور الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض وزمان طلوعها إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع مقداره في المسافة ألف سنة وهي تقطع ذلك في يوم وليلة. هذا ما قالوه في الآية الكريمة في بيان المراد منها، ولا يخفى على ذي لب تكلف أكثر هذه الأقوال

стр. 4592

ومخالفته للظاهر جدا وهي بين يديك فاختر لنفسك ما يحلو، ويظهر لي أن المراد بالسماء جهة العلو مثلها في قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [الملك: ١٦] وبعروج الأمر إليه تعالى صعود خبره كما سمعت عن الجماعة وفِي يَوْمٍ متعلق بالعروج بلا تنازع، وأقول: إن الآية من المتشابه وأعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشؤونها ويريدها متقنة وهو سبحانه مستو على عرشه وذلك هو التدبير من جهة العلو ثم يصعد خبر ذلك مع الملك إليه إظهارا لمزيد عظمته جلت عظمته وعظيم سلطنته عظمت سلطنته إلى حكم هو جلّ وعلا أعلم بها وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله، وقول بعضهم: العرش موضع التدبير وما دونه موضع التفصيل وما دون السماوات موضع التصريف فيه رائحة ما مما ذكرنا، وأما تقدير يوم العروج هنا بألف سنة وفي آية أخرى بخمسين ألف سنة فقد كثر الكلام في توجيهه وقد تقدم لك بعض منه. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فسأله عن قوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال رضي الله تعالى عنه: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله تعالى أعلم بهما وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنسان فلم يخبر ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما سمعت من ابن عباس؟ قال: بلى أخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني. وبعض المتصوفة يسمون اليوم المقدر بألف سنة باليوم الربوبي واليوم المقدر بخمسين ألف سنة باليوم الإلهي، ومحيي الدين قدس سره يسمى الأول يوم الرب والثاني يوم المعارج، وقد ذكر ذلك وأياما أخر كيوم الشأن ويوم المثل ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل وأيام سائر السيارة ويوم الحمل وأيام سائر البروج في الفتوحات. وقد سألت رئيس الطائفة الكشفية الحادثة في عصرنا في كربلاء عن مسألة فكتب في جوابها ما كتب واستطرد بيان إطلاقات اليوم وعد من ذلك أربعة وستين إطلاقا، منها إطلاقه على اليوم الربوبي وإطلاقه على اليوم الإلهي وأطال الكلام في ذلك المقام، ولعلنا إن شاء الله تعالى ننقل لك منه شيئا معتدا به في موضع آخر، وسنذكر إن شاء الله تعالى أيضا تمام الكلام فيما يتعلق بالجمع بين هذه الآية وقوله سبحانه تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤] وقوله تعالى: مِمَّا تَعُدُّونَ صفة أَلْفَ أو صفة سَنَةٍ. وقرأ ابن أبي عبلة «يعرج» بالبناء للمفعول والأصل يعرج به فحذف الجار واستتر الضمير. وقرأ جناح بن حبيش «ثم يعرج الملائكة» إليه بزيادة الملائكة قال أبو حيان: ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف. وقرأ السلمي، وابن وثاب، والأعمش والحسن بخلاف عنه «يعدون» بياء الغيبة ذلِكَ أي الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامة والحكمة العامة عالِمُ الْغَيْبِ أي كل ما غاب عن الخلق وَالشَّهادَةِ أي كل ما شاهده الخلق فيدبر سبحانه ذلك على وفق الحكمة، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا الْعَزِيزُ الغالب على أمره الرَّحِيمُ للعباد، وفيه إيماء بأنه متفضل فيما يفعل جلّ وعلا، واسم الإشارة مبدأ والأوصاف الثلاثة بعده أخبار له، ويجوز أن يكون الأول خبرا والأخيران نعتان للأول. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بخفض الأوصاف الثلاثة على أن ذلك إشارة إلى الأمر مرفوع المحلى

стр. 4593

على أنه فاعل يَعْرُجُ والأوصاف مجرورة على البدلية من ضمير إِلَيْهِ وقرأ أبو زيد النحوي بخفض الوصفين الأخيرين على أن ذلِكَ إشارة إلى الله تعالى مرفوع المحل على الابتداء وعالِمُ خبره والوصفان مجروران على البدلية من الضمير، وقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ خبر رابع أو نعت ثالث أو نصب على المدح، وجوز أبو البقاء كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي، وكون الْعَزِيزُ مبتدأ والرَّحِيمُ صفته وهذا خبره وجملة خَلَقَهُ في محل جر صفة شَيْءٍ ويجوز أن تكون في محل نصب صفة كُلَّ واحتمال الاستئناف بعيد أي حسن سبحانه كل مخلوق من مخلوقاته لأنه ما من شيء منها إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة واستدعته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت في مراتب الحسن كما يشير إليه قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] ونفى التفاوت في خلقه تعالى في قوله سبحانه: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [الملك: ٣] على معنى ستعرفه إن شاء الله تعالى غير مناف لما ذكر، وجوز أن يكون المعنى علم كيف يخلقه من قوله، قيمة المرء ما يحسن وحقيقته يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإيقان، ولا يخفى بعده. وقرأ العربيان، وابن كثير «خلقه» بسكون اللام فقيل: هو بدل اشتمال من كُلَّ والضمير المضاف إليه له وهو باق على المعنى المصدري، وقيل: هو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله تعالى وهو بمعنى المخلوق، وقيل: هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى أي أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل، وقيل: هو المفعول الأول وكُلَّ شَيْءٍ المفعول الثاني وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء أو التعريف كما قال أبو البقاء، والمعنى أللهم أو عرف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى معنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] . واختار أبو علي في الحجة ما ذكره سيبويه في الكتاب أنه مفعول مطلق لأحسن من معناه والضمير لله تعالى نحو قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ [النمل: ٨٨] ووَعْدَ اللَّهِ [النساء: ١٢٢ وغيرها] وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ أي آدم ﵇ مِنْ طِينٍ أو بدأ خلق هذا الجنس المعروف مِنْ طِينٍ حيث بدأ خلق آدم ﵇ خلقا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا منه، وقرأ الزهري «بدا» بالألف بدلا من الهمزة قال في البحر: وليس القياس في هدأ هدا بإبدال الهمزة ألفا بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين على أن الأخفش حكى في قرأت قريت قيل: وهي لغة الأنصار فهم يقولون في بدأ بدي بكسر عين الكلمة وياء بعدها، وطيىء يقولون في فعل هذا نحو بقي بقي كرمي فاحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة بأن يكون الأصل بدى ثم صار بدا، وعلى لغة الأنصار قال ابن رواحة: باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ أي ذريته سميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل منه مِنْ سُلالَةٍ أي خلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ممتهن لا يعتنى به وهو المني ثُمَّ سَوَّاهُ عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي، وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية، وثُمَّ للترتيب الرتبي أو الذكري وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أضاف الروح إليه تعالى تشريفا له كما في بيت الله تعالى وناقة الله تعالى وإشعارا بأنه خلق عجيب وصنع بديع، وقيل: إضافة لذلك إيماء إلى أن له شأنا له مناسبة ما إلى حضرة الربوبية. ومن هنا قال أبو بكر الرازي: من عرف نفسه فقد عرف ربه، ونفخ الروح قيل: مجاز عن جعلها متعلقة بالبدن

стр. 4594

وهو أوفق بمذهب القائلين بتجرد الروح وأنها غير داخلة في البدن من الفلاسفة وبعض المتكلمين كحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة، وقيل: هو على حقيقته والمباشر له الملك الموكل على الرحم وإليه ذهب القائلون بأن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن سريان ماء الورد في الورد والنار في الجمر، وهو الذي تشهد له ظواهر الأخبار وأقام العلامة ابن القيم عليه نحو مائة دليل. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ التفات إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح وتشريفه بخلعة الخطاب حين صلح للخطاب والجعل ابداعي واللام متعلقة به، والتقدم على المفعول الصريح لما مرّ مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، وتقديم السمع لكثرة فوائده فإن أكثر أمور الدين لا تعلم إلّا من جهته وأفرد لأنه في الأصل مصدر. وقيل: للإيماء إلى أن مدركه نوع واحد وهو الصوت بخلاف البصر فإنه يدرك الضوء واللون والشكل والحركة والسكون وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك مدركات الحواس بواسطتها وزيادة على ذلك أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها مع كونها في أنفسها نعما جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا كلا منها إلى ما خلق هو له فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم الآيات التكوينية الشاهدة بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيتهما، وقوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي والقلة بمعنى النفي كما ينبىء عنه ما بعده. ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف وقع معمولا لتشكرون أي شكرا قليلا تشكرون أو زمانا قليلا تشكرون. واستظهر الخفاجي عليه الرحمة كون الجملة حالية لا اعتراضية

стр. 4595

وَقالُوا كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات إيذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعم موجب للاعراض عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، وروي أن القائل أبي بن خلف فضمير الجمع لرضا الباقين بقوله أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي ضعنا فيه بأن صرنا ترابا مخلوطا بترابها بحيث لا نتميز منه فهو من ضل المتاع إذا ضاع أو غبنا فيها بالدفن وإن لم نصر ترابا وإليه ذهب قطرب، وأنشد قول النابغة يرثي النعمان بن المنذر: وآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل وقرأ يحيى بن يعمر، وابن محيصن، وأبو رجاء، وطلحة، وابن وثاب «ضللنا» بكسر اللام ويقال: ضل يضل كضرب يضرب وضل يضل كعلم يعلم وهما بمعنى والأول اللغة المشهورة الفصيحة وهي لغة نجد والثاني لغة أهل العالية. وقرأ أبو حيوة ضللنا بضم الضاد المعجمة وكسر اللام ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه. وقرأ الحسن، والأعمش، وأبان بن سعيد بن العاصي «صللنا» بالصاد المهملة وفتح اللام ونسبت إلى علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن الحسن أنه كسر اللام ويقال فيه نحو ما يقال في ضل بالضاد المعجمة وزيادة أصل بالهمزة كافعل، قال الفراء: والمعنى صرنا بين الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة كأنها من الصليل لأن اليابس الصلب إذا انشق يكون له صليل. وقيل: أنتنا من الصلة وهو النتن، وقيل للأرض الصلة لأنها است الدنيا وتقول العرب ضع الصلة على الصلة، وقال النحاس لا نعرف في اللغة صللنا ولكن يقال أصل اللحم وصل وأخم وخم إذا نتن وهذا غريب منه. وقرأ ابن عامر «إذا» بترك الاستفهام والمراد الإخبار على سبيل الاستهزاء والتهكم والعامل في «إذا» ما دلّ عليه قوله تعالى: إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو نبعث أو يجدد خلقنا، ولا يصح أن يكون هو العامل لمكان الاستفهام وإن وكل منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله ويعتبر ما ذكر من نبعث أو يجدد خلقنا جوابا لإذا إذا اعتبرت شرطية لا ظرفية محضة والهمزة للإنكار والمراد تأكيد الإنكار لا إنكار التأكيد كما هو المتبادر من تقديمها على أداته فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار وتقديمها عليها لقوة اقتضائها الصدارة. وقرأ نافع، والكسائي، ويعقوب «إنا» بترك الاستفهام على نحو ما ذكر آنفا بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ إضراب وانتقال عن بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه وهو كفرهم بلقاء ملائكة ربهم عند الموت وما يكون بعده جميعا، وقيل: هو إضراب وترق من التردّد في البعث واستبعاده إلى الجزم بجحده بناء على أن لقاء الرب كناية عن البعث، ولا يضر فيه على ما يقال الخفاجي كون الاستفهام السابق إنكاريا وهو يؤول إلى الجحد فتأمل

стр. 4596

قُلْ ردا عليهم يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا من أجزائها أو لا يترك شيئا من جزئياتها ولا يبقي أحدا منكم، وأصل التوفي أخذ الشيء بتمامه، وفسر بالاستيفاء لأن التفعل والاستفعال يلتقيان كثيرا كتقضيته واستقضيته وتعجلته واستعجلته، ونسبة التوفي إلى ملك الموت باعتبار أنه ﵊ يباشر قبض الأنفس بأمره كما يشير إلى قوله سبحانه: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي بقبض أنفسكم ومعرفة انتهاء آجالكم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على رجل من الأنصار يعوده فإذا ملك الموت ﵇ عند رأسه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم فيصرح أهله فأقوم في جانب من الدار فأقول والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر وما خلق الله تعالى من أهل بيت ولا مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلّا وأنا أتصفحهم فيه كل يوم وليلة خمس مرات حتى أني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم والله يا محمد إني لا أقدر أقبض روح بعوضة حتى يكون الله ﵎ الذي يأمر بقبضه، وأخرج نحوه الطبراني، وأبو نعيم، وابن منده ونسبته إليه في قوله سبحانه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر: ٤٢] باعتبار أن أفعال العباد كلها مخلوطة له جلّ وعلا لا مدخل للعباد فيها بسوى الكسب كما يقوله الأشاعرة أو باعتبار أن ذلك بإذنه تعالى ومشيئته جلّ شأنه ونسبته إلى الرسل في قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: ٦١] وإلى الملائكة في قوله سبحانه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النحل: ٢٨] لما أن ملك الموت لا يستقل به بل له أعوان كما جاء في الآثار يعالجون نزع الروح حتى إذا قرب خروجها قبضها ملك الموت، وقيل: المراد بملك الموت الجنس، وقال بعضهم: إن بعض الناس يتوفاهم ملك الموت وبعضهم يتوفاهم الله بنفسه، أخرج ابن ماجة عن أبي أمامة قال: «سمعت رسول الله ﷺ : يقول إن الله تعالى وكل ملك الموت ﵇ بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم» . وجاء ذلك أيضا في خبر آخر يفيد أن ملك الموت للأنس غير ملك الموت للجن والشياطين وما لا يعقل. أخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وكل ملك الموت ﵇ بقبض أرواح المؤمنين فهو الذي يلي قبض أرواحهم وملك في الجن وملك في الشياطين وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل فهم أربعة أملاك والملائكة يموتون في الصعقة الأولى وأن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ثم يموت وأما الشهداء في البحر فإن الله تعالى يلي قبض أرواحهم لا يكل ذلك إلى ملك الموت بكرامتهم عليه سبحانه. والذي ذهب إليه الجمهور أن ملك الموت لمن يعقل وما لا يعقل من الحيوان واحد وهو عزرائيل ومعناه عبد الله فيما قيل نعم له أعوان كما ذكرنا، وخبر الضحاك عن ابن عباس الله تعالى أعلم بصحته ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ بالبعث للحساب والجزاء. ومناسبة هذه الآية لما قبلها على ما ذكرنا في توجيه الإضراب ظاهرة لأنهم لما جحدوا لقاء ملائكة ربهم عند الموت وما يكون بعده ذكر لهم حديث توفى ملك الموت إياهم إيماء إلى أنهم سيلاقونه وحديث الرجوع إلى الله تعالى بالبعث للحساب والجزاء، وأما على ما قيل فوجه المناسبة أنهم لما أنكر والبعث والمعاد رد عليهم بما ذكر لتضمن قوله تعالى: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ البعث وزيادة ذكر توفي ملك الموت إياهم وكونه موكلا بهم لتوقف البعث على وفاتهم ولتهديدهم وتخويفهم وللإشارة إلى أن القادر على الإماتة قادر على الإحياء، وقيل: إن ذلك لرد ما يشعر به كلامهم من أن الموت بمقتضى الطبيعة حيث أسندوه إلى أنفسهم في قولهم: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ فليس عندهم بفعل الله تعالى ومباشرة ملائكته، ولا يخفى بعده. وأبعد منه ما قيل في المناسبة:

стр. 4597

إن عزرائيل وهو عبد من عبيده تعالى إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانها فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الجمر فكيف لا يقدر خالق القوى والقدر جل شأنه على تمييز أجزائهم المختلطة بالتراب وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له لما أن ذلك السريان مما خفي على العقلاء حتى أنكره بعضهم فكيف بجهلة المشركين فتأمل. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «ترجعون» بالبناء للفاعل وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ وهم القائلون: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أو جنس المجرمين وهو من حملتهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ مطرقوها من الحياء والخزي عِنْدَ رَبِّهِمْ حين حسابهم لم يظهر من قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «نكسوا رؤوسهم» فعلا ماضيا ومفعولا رَبَّنا بتقدير القول الواقع حالا والعامل فيه ناكِسُوا أي يقولون ربنا إلخ وهو أولى من تقدير يستغيثون بقولهم: ربنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عميا صما لا ندرك شيئا فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً حسبما تقتضيه تلك الآيات وهذا على ما قيل ادعاء منهم لصحة مشعري البصر والسمع، وقوله تعالى: إِنَّا مُوقِنُونَ استئناف لتعليل ما قبله، وقيل: استئناف لم يقصد به التعليل، وعلى التقديرين هو متضمن لادعائهم صحة الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما يوجبها، وفيه من إظهار الثبات على الإيقان وكمال رغبتهم فيه ما فيه، وكأنه لذلك لم يقولوا: أبصرنا وسمعنا وأيقنا فارجعنا إلخ، ولعل تأخير السمع لأن أكثر العمل الصالح الموعود يترتب عليه دون البصر فكان عدم الفصل بينهما بالبصر أولى، ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه بأن يقال: أبصرنا البعث الذي كنا ننكره وما وعدتنا به على إنكاره وسمعنا منك ما يدل على تصديق رسلك ﵈ ويراد به نحو قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الأنعام: ١٣٠] لا الإخبار الصريح بلفظ أن رسلي صادقون مثلا أو يقال أبصرنا البعث وما وعدتنا به وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان أو يقال: أبصرنا قبح أعمالنا التي كنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا قول الملائكة لنا إن مردكم إلى النار، وقيل: أرادوا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم حين كنا في الدنيا أو أبصرنا آياتك التكوينية وسمعنا آياتك التنزيلية في الدنيا فلك الحجة علينا وليس لنا حجة فارجعنا إلخ، ولا يخفى حال هذا القيل، وعلى سائر هذه التقادير وجه تقديم الأبصار على السماع ظاهر، و «لو» هي التي سماها غير واحد امتناعية وجوابها محذوف تقديره لرأيت أمرا فظيعا لا يقادر قدره. والخطاب في «ترى» لكل أحد ممن يصح منه الرؤية إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعته، وقيل: لأن القصد إلى بيان أن حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا يختص برؤيتها راء دون راء، والجواب المقدر أوفق بما ذكر أولا، والفعل منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول أي لو تكن منك رؤية في ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا، وجوز أن يكون الخطاب خاصا بسيد المخاطبين ﷺ ولَوْ للتمني كأنه قيل: ليتك ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم لتشمت بهم، وحكم التمني منه تعالى حكم الترجي وقد تقدم، ولا جواب لها حينئذ عند الجمهور، وقال أبو حيان، وابن مالك: لا بد لها من الجواب استدلالا بقول مهلهل في حرب البسوس: فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقر عينا ... وكيف لقاء من تحت القبور

стр. 4598

فإن لو فيه للتمني بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقر، ورد بأنها شرطية ويخبر عطف على مصدر متصيد من نبش كأنه قيل: لو حصل نبش فأخبار، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقال الخفاجي عليه الرحمة: لو قيل: إنها لتقدير التمني معها كثيرا أعطيت حكمه واستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية ونصب جوابها كان أسهل مما ذكر، وجوز أن يقدر لترى مفعول دلّ عليه ما بعد أي لو ترى المجرمين أو لو ترى نكسهم رؤوسهم والمضي في لو الامتناعية وإذ لأن أخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه بمنزلة الماضي فيستعمل فيه ما دلّ على المضي مجازا كلو وإذ، هذا ومن الغريب قول أبي العباس في الآية: المعنى قل يا محمد للمجرم ولو ترى وقد حكاه عنه أبو حيان ثم قال: رأى أن الجملة معطوفة على يَتَوَفَّاكُمْ داخلة تحت قُلْ السابق ولذا لم يجعل الخطاب فيه للرسول ﵊ انتهى كلامه فلا تغفل. وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها مقدر بقول معطوف على مقدر قبل قوله تعالى: رَبَّنا أَبْصَرْنا إلخ وهو جواب لقولهم فَارْجِعْنا يفيد أنهم لو أرجعوا لعادوا لما نهوا عنه لسوء اختيارهم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى إعطاؤهم الهدى أي ونقول: لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا بأن نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة هداها أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح، وفسره بعضهم بنفس الإيمان والعمل الصالح والأول أولى، وأما تفسيره بما سأله الكثرة من الرجوع إلى الدنيا أو بالهداية إلى الجنة فليس بشيء لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار الجزاء وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي ثبت وتحقق قولي وسبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٤، ٨٥] وهو المعنى بقوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فإنه في الخطاب لإبليس مقدم وتقديمه هناك لأنه الأوفق لمقام تحقير ذلك المخاطب عليه اللعنة، وقيل: التقديم في الموضعين لأن الجهنميين من الجنة أكثر. ويعلم مما ذكرنا وجه العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا إلى ضمير الوحدة في قوله جلّ وعلا: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي وذلك لأن ما ذكر إشارة إلى ما وقع في الرّد على اللعين وقد وقع فيه القول والإملاء مسندين إلى ضمير الوحدة ليكون الكلام على طرز لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ [ص: ٨٢، ٨٣] في توحيد الضمير، وقد يقال: ضمير العظمة أوفق بالكثرة الدال عليها «كل نفس» والضمير الآخر أوفق بما دون تلك الكثرة الدال عليه مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أو يقال: إنه وحد الضمير في الوعيد لما أن المعنى به المشركون فكأنه أخرج الكلام على وجه لا يتوهم فيه متوهم نوعا من أنواع الشركة أصلا أو أخرج على وجه يلوح بما عدلوا عنه من التوحيد إلى ما ارتكبوه مما أوجب لهم الوعيد من الشرك، أو يقال: وحد الضمير في لَأَمْلَأَنَّ لأن الإملاء لا تعدد فيه فتوحيد الضمير أوفق به ويقال نظير ذلك في حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي والإيتاء يتعدد المؤتى فضمير العظمة أوفق به ويقال نظيره في شِئْنا فتدبر، ولا يلزم من قوله تعالى: أَجْمَعِينَ دخول جميع الجن والإنس فيها، وأما قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] فالورود فيه غير الدخول، وقد مرّ الكلام في ذلك لأن أَجْمَعِينَ تفيد عموم الأنواع لا الإفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعا كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعا كذا قيل، ورد بأنه لو قصد ما ذكر لكان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كليهما، واستظهر أنها لعموم الأفراد والتعريف في الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ للعهد والمراد عصاتهما ويؤيده الآية المتضمنة خطاب إبليس، وحاصل الآية لو شئنا إيتاء كل نفس هداها لآتيناها إياه لكن تحقق القول مني لأملأن جهنم إلخ فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم بل

стр. 4599

منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث صرفتم اختياركم إلى الغي بإغوائه ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها فلما لم تختاروا الهدى واخترتم الضلال لم نشأ إعطاءه لكم وإنما أعطيناه الذين اختاروه من البررة وهم المعنيون بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الآية فيكون مناط عدم مشيئته تعالى إعطاء الهدى في الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول، وإنما قيدت المشيئة بما مرّ من التعلق الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها لأن المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم إجمالا متقدمة على تحقق كلمة العذاب فلا يكون عدمها منوطا بتحققها وإنما مناطه علمه تعالى أنه لا يصرف اختيارهم فيما سيأتي إلى الغي وإيثارهم له على الهدى فلو أريدت هي من تلك الحيثية لاستدرك بعدمها بأن يقال: ولكن لم نشأ ونيط ذلك بما ذكر من المناط على منهاج قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣] كذا قال بعض الأجلة. وقد يقال: يجوز أن يراد بالمشيئة المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم ويراد بالقول علم الله تعالى فإنه وكذا كلمة الله سبحانه يطلق على ذلك كما قال الراغب، وذكر منه قوله تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس: ٧] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦] وحاصل المعنى لو شئنا في الأزل إيتاء كل نفس هداها في الدنيا لآتيناها إياه ولكن ثبت وتحقق علمي أزلا بتعذيب العصاة فبموجب ذلك لم نشأ إذ لا بد من وقوع المعلوم على طبق العلم لئلا يلزم انقلاب العلم جهلا ووقوع ذلك يستدعي وجود العصاة إذ تعذيب العصاة فرع وجودهم ومشيئة إيتاء الهدى كل نفس تستلزم طاعة كل نفس ضرورة استلزام العلة للمعلول فيلزم أن تكون النفس المعذبة عاصية طائعة وهو محال وهذا المحال جاء من مشيئته إيتاء كل نفس هداها مع علمه تعالى بتعذيب العصاة فإما أن ينتفي العلم المذكور وهو محال لأن تعلق علمه سبحانه بالمعلوم على ما هو عليه ضروري فتعين انتفاء المشيئة لذلك ويرجح هذا بالآخرة إلى أن سبب انتفاء مشيئته إيتاء الهدى للعصاة سوء ما هم عليه في أنفسهم لأن المشيئة تابعة للعلم والعلم تابع للمعلوم في نفسه فعلمه تعالى بتعذيب العصاة يستدعي علمه سبحانه إياهم بعنوان كونهم عصاة فلا يشاؤهم ﷻ إلّا بهذا العنوان الثابت لهم في أنفسهم ولا يشاؤهم سبحانه على خلافه لأن مشيئته تعالى إياهم كذلك تستدعي تعلق العلم بالشيء على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر وليس ذلك علما. ويمكن أن يبقى العلم على ظاهره ويقال: إنه تعالى لم يشأ هداهم لأنه جلّ وعلا قال لإبليس عليه اللعنة: إنه سبحانه يعذب أتباعه ولا بد ولا يقول تعالى خلاف ما يعلم فلا يشاء ﵎ خلاف ما يقول ويرجع بالآخرة أيضا إلى أنه تعالى لم يشأ هداهم لسوء ما هم عليه في أنفسهم بأدنى تأمل، وما آل الجواب على التقريرين لا فائدة لكم في الرجوع لسوء ما أنتم عليه في أنفسكم، ولا يخفى أن ما ذكر مبني على القول بالأعيان الثابتة وأن الشقي شقي في نفسه والسعيد سعيد في نفسه وعلم الله تعالى إنما تعلق بهما على ما هما عليه في أنفسهما وأن مشيئته تعالى إنما تعلقت بإيجادهما حسبما علم جلّ شأنه فوجدا في الخارج بإيجاده تعالى على ما هما عليه في أنفسهما فإذا تم هذا تم ذاك وإلا فلا، والفاء في قوله تعالى: فَذُوقُوا لترتيب الأمر بالذوق على ما يعرب عنه ما قيل من نفي الرجع إلى الدنيا أو على قوله تعالى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي إلخ، ولعل هذا أسرع تبادرا، وجعلها بعضهم واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا يئستم من الرجوع أو إذا حق القول فذوقوا، وجوز كونها تفصيلية والأمر للتهديد والتوبيخ، والباء في قوله سبحانه: بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا للسببية و (ما) مصدرية وهذا صفة يوم جيء به للتهويل، وجوز كونه مفعول ذُوقُوا وهو إشارة إلى ما هم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم، وعلى الأول يكون مفعول ذُوقُوا

стр. 4600

محذوفا والوصفية أظهر أي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم الهائل وترككم التفكر فيه والتزود له بالكلية، وهذا تصريح بسبب العذاب من قبلهم فلا ينافي أن يكون له سبب آخر حقيقيا كان أو غيره، والتوبيخ به من بين الأسباب لظهوره وكونه صادرا منهم لا يسعهم إنكاره، والمراد بنسيانهم ذلك تركهم التفكر فيه والتزود له كما أشرنا إليه وهو بهذا المعنى اختياري يوبخ عليه ولا يكاد يصح إرادة المعنى الحقيقي وإن صح التوبيخ عليه باعتبار تعمد سببه من الانهماك في اتباع الشهوات، ومثله في كونه مجازا النسيان في قوله تعالى: إِنَّا نَسِيناكُمْ أي تركناكم في العذاب ترك المنسي بالمرة وجعل بعضهم هذا من باب المشاكلة ولم يعتبر كون الأول مجازا مانعا منها قيل: والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس العمل فهو على حد وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] ، وقوله تعالى: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تكرير للتأكيد والتشديد وتعيين المفعول المبهم للذوق والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل به أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا، ولما كان فيه زيادة على الأول حصلت به مغايرته له استحق العطف عليه ولم ينظم الكل في سلك واحد للتنبيه على استقلال كل من النسيان وما ذكر في استيجاب العذاب، وفي إبهام المذوق أولا وبيانه ثانيا بتكرير الأمر وتوسيط الاستئناف المنبئ عن كمال السخط بينهما من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام منهم ما لا يخفى. وقوله تعالى: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا استئناف مسوق لتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى والإشعار بعدم إيمانهم لو أوتوه بتعيين من يستحقه بطريق القصر كأنه قيل: إنكم لا تؤمنون بآياتنا الدالة على شؤوننا ولا تعملون بموجبها عملا صالحا ولو ارجعناكم إلى الدنيا وإنما يؤمن الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها أي وعظوا خَرُّوا سُجَّداً أثر ذي أثير من غير تردّد ولا تلعثم فضلا عن التسويف إلى معاينة ما نطقت به من الوعد والوعيد أي سقطوا ساجدين تواضعا لله تعالى وخشوعا وخوفا من عذابه ، قال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا الركوع. وروي عن ابن جريج، ومجاهد ان الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية ومن مذهب ابن عباس أن القارئ لآية السجدة يركع واستدل بقوله تعالى وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ص: ٢٤] اه. ولا يخفى ما في الاستدلال من المقال وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ونزهوه تعالى عند ذلك عن كل ما لا يليق به سبحانه من الأمور التي من جملتها العجز عن البعث ملتبسين بحمده تعالى على نعمائه جلّ وعلا التي من أجلها الهداية بإيتاء الآيات والتوفيق إلى الاهتداء بها فالحمد في مقابلة النعمة، والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال، والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة التسبيح والتحميد بانهم يفعلونهما بملاحظة ربوبيته تعالى لهم وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبرا كأن لم يسمع الآيات، والجملة عطف على الصلة أو حال من أحد ضميري خَرُّوا وسَبَّحُوا وجوز عطفها على أحد الفعلين، وقوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ جملة مستأنفة لبيان بقية محاسنهم. وجوز أن تكون حالية أو خبرا ثانيا للمبتدأ، والتجافي البعد والارتفاع والجنوب جمع جنب الشقوق، وذكر الراغب أن أصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال، والْمَضاجِعِ جمع المضجع أماكن الاتكاء للنوم أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن مواضع النوم وهذا كناية عن تركهم النوم ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 4601

نبي تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع والمشهور أن المراد بذلك التجافي القيام لصلاة النوافل بالليل وهو قول الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي، وغيرهم. وفي الأخبار الصحيحة ما يشهد له، أخرج أحمد، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجة، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ بن جبل قال: «كنت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإنه يسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتى بلغ يعملون الحديث. وقال أبو الدرداء، وقتادة، والضحاك هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة، وعن الحسن، وعطاء هو أن لا ينام الرجل حتى يصلي العشاء، أخرج الترمذي وصححه، وابن جرير، وغيرهما عن أنس قال: إن هذه الآية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ زلت في انتظار الصلاة التي تدعي العتمة، وفي رواية أخرى عنه أنه قال فيها نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: هو أن يصلي الرجل المغرب ويصلي بعدها إلى العشاء، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن عدي، وابن مردويه عن مالك بن دينار قال: سألت أنس بن مالك عن هذه الآية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ قال: كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وقال قتادة، وعكرمة: هو أن يصلي الرجل ما بين المغرب والعشاء واستدل له بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال: كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: تتجافى جنوبهم لذكر الله تعالى كلما استيقظوا ذكروا الله إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله تعالى، وروى نحوه هو ومحمد بن نصر عن الضحاك، والجمهور عولوا على ما هو المشهور، وفي فضل التهجد ما لا يحصى من الأخبار وأفضله على ما نص عليه غير واحد ما كان في الأسحار. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ حال من ضمير جُنُوبُهُمْ وقد أضيف إليه ما هو جزء، وجوز على احتمال كون جملة تَتَجافى إلخ حالية أن تكون حالا ثانية مما جعلت تلك حالا منه وعلى احتمال كونها خبرا ثانيا للمبتدأ أن تكون خبرا ثالثا، وجوز كونها مستأنفة، والظاهر أن المراد بدعائهم ربهم سبحانه المعنى المتبادر، وقيل: المراد به الصلاة خَوْفاً أي خائفين من سخطه تعالى وعذابه وعدم قبول عبادتهم وَطَمَعاً في رحمته ﵎ فالمصدران حالان من ضمير يَدْعُونَ وجوز أن يكونا مصدرين لمقدر أي يخافون خوفا ويطمعون طمعا وتكون الجملة حينئذ حالا، وأن يكونا مفعولا له ولا يخفى أن الآية على الحالية أمدح. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ إياه من المال يُنْفِقُونَ في وجوه الخير فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ أي كل نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عمن عداهم فإن النكرة في سياق النفي تعم. والفاء سببية أو فصيحة أي أعطوا فوق

стр. 4602

رجاءهم فلا تعلم نفس ما أُخْفِيَ لَهُمْ أي لأولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي ما تقر به أعين، وفي إضافة القرة إلى الأعين على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيه على أن ما أخفي لهم في غاية الحسن والكمال. وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتكم عليه اقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة «لقد أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر» ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وأنه لفي القرآن فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي جوزوا جزاء بسبب ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحة فجزاء مفعول مطلق لفعل مقدر والجملة مستأنفة. وجوز جعلها حالية، وقيل: يجوز جعله مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة المتقدمة، وقيل: يجوز أن يكون مفعولا له لقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ على معنى منعت العلم للجزاء أو لأخفى فإن إخفاءه لعلو شأنه، وعن الحسن أنه قال: أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت أي أخفى ذلك ليكون الجزاء من جنس العمل. وفي الكشف أن هذا يدل على أن الفاء في قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ رابطة للأحق بالسابق وأصله فلا يعلمون والعدول لتعظيم الجزاء، وعدم ذكر الفاعل في أُخْفِيَ ترشيح له لأن جازيه من هو العظيم وحده فلا يذهب وهل إلى غيره سبحانه اه فتأمل. وقرأ حمزة، ويعقوب، والأعمش «أخفي» بسكون الياء فعلا مضارعا للمتكلم، وابن مسعود «نخفي» بنون العظمة، والأعمش أيضا «أخفيت» بالإسناد إلى ضمير المتكلم وحده، ومحمد بن كعب أُخْفِيَ فعلا ماضيا مبنيا للفاعل. وما في جميع ذلك اسم موصول مفعول تَعْلَمُ والعلم بمعنى المعرفة والعائد الضمير المستتر النائب عن الفاعل على قراءة الجمهور وضميره محذوف على غيرها، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون ما استفهامية وموضعها رفع بالابتداء وأُخْفِيَ لَهُمْ خبره على قراءة من فتح الياء وعلى قراءة من سكنها وجعل أُخْفِيَ مضارعا يكون ما في موضع نصب بأخفى ويعلم منه حالها على سائر القراءات، وإذا كانت استفهامية يجوز أن يكون العلم بمعنى المعرفة وأن يكون على ظاهره فيتعدى لمفعولين تسد الجملة الاستفهامية مسدهما، وعلى كل من احتمالي الموصولية والاستفهامية فالإيهام للتعظيم، وقرأ عبد الله، وأبو الدرداء، وأبو هريرة وعون، والعقيلي «من قرأت» على الجمع بالألف والتاء، وهي رواية عن أبي عمرو، وأبي جعفر، والأعمش، وجمع المصدر أو اسمه لاختلاف أنواع القرة، والجار والمجرور في موضع الحال. أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي أبعد ظهور ما بينهما من التباين البين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالفاسق الذي ذكرت أحواله القبيحة العاطلة، وأصل الفسق الخروج من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقا فهو أعم من الكفر وقد يخص به كما في قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: ٥٥] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن مع ما ستسمعه بعد إن شاء الله تعالى: لا يَسْتَوُونَ التصريح به مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة بالمرة على أبلغ وجه وآكده لزيادة

стр. 4603

التأكيد وبناء التفصيل الآتي عليه، والجمع باعتبار معنى من كما أن الافراد فيما سبق باعتبار لفظها، وقيل: الضمير لاثنين وهما المؤمن والكافر والتثنية جمع. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى تفصيل لمراتب الفريقين بعد نفي استوائهما وقيل: بعد ذكر أحوالهما في الدنيا، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علما من البعد وأيا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا. وقرأ طلحة «جنة المأوى» بالإفراد نُزُلًا أي ثوابا وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب والصلة ثم عم كل عطاء، وانتصابه على أنه حال من جَنَّاتُ والعامل فيه الظرف، وجوز أن يكون جمع نازل فيكون حالا من ضمير الَّذِينَ آمَنُوا وقرأ أبو حيوة «نزلا» بإسكان الزاي كما في قوله: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة على أن ما موصولة والعائد محذوف والباء سببية، وكون ذلك سببا بمقتضى فضله تعالى ووعده فلا ينافي حديث «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعارضة كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم أي فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا أي خرجوا عن الطاعة فكفروا وارتكبوا المعاصي فَمَأْواهُمُ أي فمسكنهم ومحلهم النَّارُ وذكر بعضهم أن المأوى صار متعارفا فيما يكون ملجأ للشخص ومستراحا يستريح إليه من الحر والبرد ووهما فإذا أريد هنا يكون في الكلام استعارة تهكمية كما في قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] ، وجوز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة لأنه لما ذكر في أحد القسمين فلهم جنات المأوى ذكر في الآخر فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم والكلام على حد قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] على ما قيل، والمعنى كلما شارفوا الخروج منها وقربوا منه أعيدوا فيها ودفعوا إلى قعرها، فقد روي أنهم يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى أعلاها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم أبدا ، وقيل: الكلام على ظاهره إلا أن فيه حذفا أي كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أعيدوا فيها، ويشير إلى أن الخروج من معظمها قوله تعالى: فِيها دون إليها، وجوز أن يكون الكلام هنا عبارة عن خلودهم فيها، وأيا ما كان لا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ١٦٧] وَقِيلَ لَهُمْ تشديدا عليهم وزيادة في غيظهم. ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ أي بعذاب النار تُكَذِّبُونَ على الاستمرار في الدنيا وأظهرت النار مع تقدمها قبل لزيادة التهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وذكر ابن الحاجب في أماليه وجها آخر للإظهار وهو أن الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار فلا يناسب ذلك وضع الضمير إذ ليس القول حينئذ مقدما عليه ذكر النار وإنما ذكرها سبحانه قبل إخبارا عن أحوالهم، ونظر فيه الطيبي عليه الرحمة بأن هذا

стр. 4604

القول داخل أيضا في حيز الأخبار لعطفه على أُعِيدُوا الواقع جوابا لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه جاز فيه أيضا إن لم يقصد زيادة التهديد والتخويف. ورد بأن المانع أنه حكاية لما يقال لهم يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكي عنه دون تغيير ولا إضمار في المحكي لعدم تقدم ذكر النار فيه. وتعقب بأنه قد يناقش فيه بأن مراده أنه يجوز رعاية المحكي والحكاية وكما أن الأصل رعاية المحكي الأصل الإضمار إذا تقدم الذكر فلا بد من مرجح. وقال بعض المحققين: أراد ابن الحاجب أن الإظهار هو المناسب في هذه الجملة نظرا إلى ذاتها ونظرا إلى سياقها أما الأول فلأنها تقال من غير تقدم ذكر النار، وأما الثاني فلأن سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم الأمر وفي الإظهار من ذلك ما ليس في الإضمار، وهذا بعيد من أن يرد عليه نظر الطيبي، والإنصاف أن كلا من الإضمار والإظهار جائز وأنه رجح الإظهار اقتضاء السياق لذلك ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في درة التنزيل: إنه تعالى قال هاهنا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وقال سبحانه في آية أخرى: عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [سبأ: ٤٢] فذكر جل وعلا هاهنا وأنث سبحانه هناك والسر في ذلك أن النار هاهنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف فأجرى الوصف على العذاب المضاف إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها فلم تقع النار موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى أي الأقرب، وقيل: الأقل وهو عذاب الدنيا فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، واختلف في المراد به فروى النسائي وجماعة وصححه الحاكم عن ابن مسعود أنه سنون أصابتهم وروي ذلك عن النخعي، ومقاتل، وروى الطبراني وآخرون وصححه والحاكم عن ابن مسعود أيضا أنه ما أصابهم يوم بدر. وروي نحوه عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما بلفظ هو القتل بالسيف نحو يوم بدر، وعن مجاهد القتل والجوع. وأخرج مسلم، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو عوانة في صحيحه، وغيرهم عن أبي بن كعب أنه قال: هو مصائب الدنيا والروم والبطشة والدخان، وفي لفظ مسلم أو الدخان. وأخرج ابن المنذر، وابن جرير، عن ابن عباس أنه قال: هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها، وفي رواية عنه وعن الضحاك وابن زيد بلفظ مصائب الدنيا في الأنفس والأموال، وفي معناه ما أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني قال: سألت عبادة بن الصامت عن قوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ الآية فقال: سألت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عنها فقال ﵊: هي المصائب والأسقام والأصار عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت: يا رسول الله فما هي لنا؟ قال: زكاة وطهور، وفي رواية عن ابن عباس أنه الحدود . وأخرج هنا عن أبي عبيدة أنه فسره بعذاب القبر، وحكي عن مجاهد أيضا دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ هو عذاب يوم القيامة كما روي عن ابن مسعود، وغيره، وقال: ابن عطية لا خلاف في أنه ذلك، وفي التحرير إن أكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار، وقيل: هو القتل والسبي والأسر، وعن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما أنه خروج المهدي بالسيف انتهى. وعليهما يفسر العذاب الأدنى بالسنين أو الأسقام أو نحو ذلك مما يكون أدنى مما ذكر، وعن بعض أهل البيت تفسيره بالدابة والدجال، والمعول عليه ما عليه الأكثر. وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الْأَكْبَرِ أو إلّا بعد في مقابلة الْأَدْنى لأن المقصود هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر وبالكبر لا بالبعد، قاله النيسابوري ملخصا له من كلام الإمام، وكذا

стр. 4605

أوجب أبو حيان إلّا أنه قال: إن الأدنى يتضمن الأصغر لأنه منقض بموت المعذب والأكبر يتضمن الأبعد لأنه واقع في الآخرة فحصلت المقابلة من حيث التضمن وصرح بما هو آكد في التخويف لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعل من بقي منهم يتوب قاله ابن مسعود، وقال الزمخشري: أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله تعالى: فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [السجدة: ١٢] وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] ويدل عليه قراءة من قرأ «يرجعون» على البناء للمفعول انتهى. وهو على ما حكي عن مجاهد وروي عن أبي عبيدة فيتعلق لَعَلَّهُمْ إلخ بقوله تعالى: ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى كما في الأول إلا أن الرجوع هنالك التوبة وهاهنا الرجوع الى الدنيا ويكون من باب فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] أو يكون الترجي راجعا إليهم، ووجه دلالة القراءة المذكورة عليه أنه لا يصح الحمل فيها على التوبة، والظاهر التفسير المأثور، والقراءة لا تأباه لجواز أن يكون المعنى عليهم لعلهم يرجعهم ذلك العذاب عن الكفر إلى الإيمان، و (لعل) لترجي المخاطبين كما فسرها بذلك سيبويه، وعن ابن عباس تفسيرها هنا بكى وكأن المراد كي نعرضهم بذلك للتوبة، وجعلها الزمخشري لترجيه سبحانه ولاستحالة حقيقة ذلك منه حمله على إرادته تعالى، وأورد على ذلك سؤالا أجاب عنه على مذهبه في الاعتزال فلا تلتفت إليه، هذا والآيات من قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً إلى هنا نزلت في علي كرم الله وجهه، والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أخرج أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني، والواحدي، وابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي كرم الله تعالى وجهه أنا أحد منك سنانا وأبسط منك لسانا وأملأ للكتيبة منك فقال علي رضي الله تعالى عنه: اسكت فإنما أنت فاسق فنزلت أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً إلخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحو ذلك، وأخرج هذا أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه، والوليد بن عقبة ولم يذكر ما جرى. وفي رواية أخرى عنه أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه، ورجل من قريش ولم يسمه ، وفي الكشاف روي في نزولها أنه شجر بين علي رضي الله تعالى عنه، والوليد بن عقبة يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي أنا أشب منك شبابا وأجلد منك جلدا وأدرب منك لسانا وأحد منك سنانا وأشجع منك جنانا وأملأ منك حشوا في الكتيبة فقال له علي كرم الله تعالى وجهه: اسكت فإنك فاسق فنزلت ، ولم نره بهذا اللفظ مسندا، وقال الخفاجي: قال ابن حجر إنه غلط فاحش فإن الوليد لم يكن يوم بدر رجلا بل كان طفلا لا يتصور منه حضور بدر وصدور ما ذكر. ونقل الجلال السيوطي عن الشيخ ولي الدين هو غير مستقيم فإن الوليد يصغر عن ذلك وأقول: بعض الأخبار تقتضي أنه لم يكن مولودا يوم بدر أو كان صغيرا جدا، أخرج أبو داود في السنن من طريق ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد الله الهمداني عنه أنه قال: لما افتتح رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم فأتي بي إليه ﵊ وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق إلّا أن ابن عبد البر قال: إن أبا موسى مجهول، وأيضا ذكر الزبير، وغيره من أهل العلم بالسير أن أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم في الهدنة سنة سبع خرج أخواها الوليد وعمارة ليرداها، وهو ظاهر في أنه لم يكن صبيا يوم الفتح إذ من يكون كذلك كيف يكون ممن خرج ليرد أخته قبل الفتح، وبعض الأخبار تقتضي أنه كان رجلا يوم بدر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحارث بن

стр. 4606

أبي وجرة بن أبي عمرو بن أمية وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف وقال: حكاه أهل المغازي ولم يتعقبه بشيء، وسوق كلامه ظاهر في ارتضائه ووجه اقتضائه ذلك أن ما تعاطاه من أفعال الرجال دون الصبيان، وهذا الذي ذكرناه عن ابن حجر يخالف ما ذكره عنه الخفاجي عليه الرحمة مما مرّ آنفا، ولا ينبغي أن يقال: يجوز أن يكون صغيرا ذلك اليوم صغرا يمكن معه عادة الحضور فحضر وجرى ما جرى لأن وصفه بالفسق بمعنى الكفر والوعيد عليه بما سمعت في الآيات مع كونه دون البلوغ مما لا يكاد يذهب إليه إلّا من يلتزم أن التكليف بالإيمان إذ ذاك كان مشروطا بالتمييز، ولا أن يقال: يجوز أن تكون هذه القصة بعد إسلامه وقد أطلق عليه فاسق وهو مسلم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦٠] فقد قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن إنها نزلت فيه حيث إنه ﷺ بعثه مصدقا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ولم يكن الأمر كذلك لأن الفسق هاهنا بمعنى الكفر وهناك ليس كذلك، ثم اعلم أن القول بأنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه والوليد لكلام جرى يوم بدر يقتضي أنها مدنية والمختار عند بعضهم خلافه. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها بيان إجمالي لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد، وكلمة ثُمَّ لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر بن علية الحارثي: ولا يكشف الغماء إلّا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها والمراد أن ذلك أظلم من كل ظالم إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ قيل: أي من كل من اتصف بالإجرام وكسب الأمور المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة مُنْتَقِمُونَ فكيف ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرما من كل جارم، ففي الجملة إثبات الانتقام منه بطريق برهاني. وجوز أن يراد بالمجرم المعرض المذكور وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى مَنْ باعتبار معناها وكان الأصل إنا منهم منتقمون ليؤذن بأن علة الانتقام ارتكاب هذا المعرض مثل هذا الجرم العظيم: وفسر البغوي المجرمين هنا بالمشركين. وقال الطيبي عليه الرحمة بعد حكايته: ولا ارتياب أن الكلام في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لأنه يقر أن الكافر إذا وصف بالظلم والإجرام حمل على نهاية كفره وغاية تمرده لأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال المكذبين القائلين: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [السجدة: ٣] وغيرها والتخلص إلى قصة الكليم مسلاة لقلب الحبيب عليهما الصلاة والسلام إلى آخر ما ذكره فليراجع. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي جنس الكتاب فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ أي شك. وقرأ الحسن «مرية» بضم الميم مِنْ لِقائِهِ أي لقائك ذلك الجنس على أن لقاء مصدر مضاف إلى المفعول وفاعله محذوف وهو ضمير النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم والضمير المذكور للكتاب المراد به الجنس وإيتاء ذلك الجنس باعتبار إيتاء التوراة ولقاؤه باعتبار لقاء القرآن، وهذا كقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦] وقوله سبحانه: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: ١٣] وحمل بعضهم الْكِتابَ على العهد أي الكتاب المعهود وهو التوراة ولما لم يصح عود الضمير إليه ظاهرا لأنه ﵊ لم يلق عين ذلك الكتاب قيل: الكلام على تقدير مضاف أي لقاء مثله أو على الاستخدام أو أن الضمير راجع إلى القرآن المفهوم منه، ولا يخفى ما في كل من البعد، والمعنى إنّا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه من الوحي مثل ما لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وخلاصة ما تؤذن به الفاء التفريعية أن معرفتك بأن موسى ﵇ أوتي التوراة

стр. 4607

ينبغي أن تكون سببا لإزالة الريب عنك في أمر كتابك ونهيه ﵊ عن أن يكون في شك المقصود منه نهي أمته صلّى الله تعالى عليه وسلم والتعريض بمن اتصف بذلك، وقيل المصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف هو ضميره ﵊ أي من لقائه إياك وصوله إليك، وفي التعبير باللقاء دون الإيتاء من تعظيم شأنه صلّى الله تعالى عليه وسلم ما لا يخفى على المتدبر، وقد يقال: إن التعبير به على الوجه السابق مؤذن بالتعظيم أيضا لكن من حيثية أخرى فتدبر. وقل: الكتاب التوراة وضمير لِقائِهِ عائد إليه من غير تقدير مضاف ولا ارتكاب استخدام، ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله وفاعله موسى أي من لقاء موسى الكتاب أو مضاف إلى فاعله ومفعوله موسى أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه، فالفاء مثلها في قوله: ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا دخلت على الجملة المعترضة بدل الواو اهتماما بشأنها، وعن الحسن أن ضمير لِقائِهِ عائد على ما تضمنه الكلام من الشدة والمحنة التي لقي موسى ﵇ فكأنه قيل: ولقد آتينا موسى هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من الشدة والمحنة بالناس، والجملة اعتراضية ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل ما قيل: الضمير لملك الموت الذي تقدم ذكره والجملة اعتراضية أيضا، بل ينبغي أن يجل كلام الله تعالى عن مثل هذا التخريج. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والضياء في المختارة بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الآية: أي من لقاء موسى، وأخرج ابن المنذر، وغيره عن مجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أنه قال كذلك فقيل له: أو لقي ﵊ موسى؟ قال: نعم ألا ترى إلى قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزخرف: ٤٥] وأراد بذلك لقاءه صلّى الله تعالى عليه وسلم إياه ليلة الإسراء كما ذكر في الصحيحين، وغيرهما، وروي نحو ذلك عن قتادة وجماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن الزجاج بهذه الآية، وكان المراد من قوله تعالى: «فلا تكن في مرية من لقائه» على هذا وعده تعالى نبيه ﵊ بلقاء موسى وتكون الآية نازلة قبل الإسراء، والجملة اعتراضية بالفاء بدل الواو كما سمعت آنفا. وجعلها مفرعة على ما قبلها غير ظاهر، وبهذا اعترض بعضهم على هذا التفسير، وبالفرار إلى الإعراض سلامة من الاعتراض وكأني بك ترجحه على التفسير الأول من بعض الجهات والله تعالى الموفق وَجَعَلْناهُ أي الكتاب الذي آتيناه موسى، وقال قتادة أي وجعلنا موسى ﵇ هُدىً أي هاديا من الضلالة لِبَنِي إِسْرائِيلَ خصوا بالذكر لما أنهم أكثر المنتفعين به، وقيل: لأنه لم يتعبد بما في كتابه ﵊ ولد إسماعيل صلّى الله تعالى عليه وسلم. وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً قال قتادة: رؤساء في الخير سوى الأنبياء ﵈، وقيل: هم الأنبياء الّذين كانوا في بني إسرائيل يَهْدُونَ بقيتهم بما في تضاعيف الكتاب من الحكم والأحكام إلى طريق الحق أو يهدونهم إلى ما فيه من دين الله تعالى وشرائعه بِأَمْرِنا إياهم بأن يهدوا على أن الأمر واحد الأوامر، وهذا على القول بأنهم أنبياء ظاهر، وأما على القول بأنهم ليسوا بأنبياء فيجوز أن يكون أمره تعالى إياهم بذلك على حد أمر علماء هذه الأمة بقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ الآية. وجوز أن يكون الأمر واحد الأمور والمراد يهدون بتوفيقنا لَمَّا صَبَرُوا قال قتادة: على ترك الدنيا، وجوز

стр. 4608

غيره أن يكون المراد لما صبروا على مشاق الطاعة ومقاساة الشدائد في نصرة الدين، ولَمَّا يحتمل أن تكون هي التي فيها معنى الجزاء نحو لما أكرمتني أكرمتك أي لما صبروا جعلنا أئمة، ويحتمل أن تكون هي التي بمعنى الحين الخالية عن معنى الجزاء، والظاهر أنها حينئذ ظرف لجعلنا أي أئمة حين صبروا، وجوز أبو البقاء كونها ظرفا ليهدون. وقرأ عبد الله، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، ورويس لَمَّا بكسر اللام وتخفيف الميم على أن اللام للتعليل وما مصدرية أي لصبرهم وهو متعلق بجعلنا أو بيهدون. وقرأ عبد الله أيضا «بما» بالباء السببية وما المصدرية أي بسبب صبرهم وَكانُوا بِآياتِنا التي في تضاعيف الكتاب، وقيل: المراد بها ما يعم الآيات التكوينية، والجار متعلق بقوله تعالى: يُوقِنُونَ أي كانوا يوقنون بها لإمعانهم فيها النظر لا بغيرها من الأمور الباطلة، وهو تعريض بكفرة أهل مكة، والجملة معطوفة على صَبَرُوا فتكون داخلة في حيز لَمَّا وجوز أن تكون معطوفة على جَعَلْنا وأن تكون في موضع الحال من ضمير صَبَرُوا. والمراد كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه أو لنجعلنك هدى لأمتك ولنجعلن منهم أئمة يهدون مثل تلك الهداية إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ أي يقضي بَيْنَهُمْ قيل: بين الأنبياء ﵈ وأممهم، وقيل: بين المؤمنين والمشركين يَوْمَ الْقِيامَةِ فيميز سبحانه بين المحق والمبطل فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمور الدين. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوي يقتضيه المقام ويناسب المعطوف معنى على ما اختاره غير واحد، وفعل الهداية أما من قبيل فلان يعطي في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول، وأما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ضمير عائد إلى ما في الذهن ويفسره قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ وكم في محل نصب بأهلكنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم مآل أمرهم أو طريق الحق كثرة من أهلكنا أو كثرة إهلاك من أهلكنا من القرون الماضية مثل عاد، وثمود وقوم لوط، ولا يجوز أن تكون كَمْ فاعلا لصدارتها كما نص على ذلك الزجاج حاكيا له عن البصريين، وقال الفراء: كم في موضع رفع بيهد كأنك قلت: أو لم يهد لهم القرون الهالكة فيتعظوا ولا أن يكون محذوفا لأن الفاعل لا يحذف إلّا في مواضع مخصوصة ليس منها ولا مضمرا عائدا إلى ما بعد لأنه يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة في غير محل جوازه، ولا الجملة نفسها لأنها لا تقع فاعلا على الصحيح إلّا إذا قصد لفظها نحو تعصم لا إله إلّا الله الدماء والأموال، وجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى شأنه لسبق ذكره سبحانه في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ إلخ وأيد بقراءة زيد «نهد لهم» بنون العظمة، قال الخفاجي: والفعل بكم عن المفعول وهو مضمون الجملة لتضمنه معنى العلم فلا تغفل. يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ أي يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم، والجملة حال من ضمير لَهُمْ، وقيل: من الْقُرُونِ، والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وقيل: مستأنفة بيان لوجه هدايتهم. وقرأ ابن السميفع «يمشّون» بالتشديد على أنه تفعيل من المشي للتكثير إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من إهلاكنا للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم لَآياتٍ عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها أَفَلا يَسْمَعُونَ هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ أَوَلَمْ يَرَوْا الكلام فيه كالكلام في أَوَلَمْ يَهْدِ أي أعموا ولم يشاهدوا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ بسوق السحاب الحامل له، وقيل: نسوق نفس الماء بالسيول، وقيل: بإجرائه في الأنهار ومن العيون إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل كما في الكشاف. وفي مجمع البيان الأرض الجرز اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها من قولهم سيف جراز أي

стр. 4609

قطاع لا يبقي شيئا إلّا قطعه وناقة جراز إذا كانت تأكل كل شيء فلا تبقي شيئا إلّا قطعته بفيها ورجل (١) جروز أي أكول، قال الراجز: خب حروز وإذا جاع بكى وقال الراغب: الجرز منقطع النبات من أصله وأرض مجروزة أكل ما عليها، وفي مثل لا ترضى شانئة إلّا بجروزة أي بالاستئصال، والجارز الشديد من السعال تصور منه معنى الجرز وهو القطع بالسيف اهـ، ويفهم مما قاله أن الجرز يطلق على ما انقطع نباته لكونه ليس من شأنه الإنبات كالسباخ وهو غير مناسب هنا لقوله تعالى: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً والظاهر أن المراد الأرض المتصفة بهذه الصفة أي أرض كانت، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام. وأخرج هو وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن، وإلى عدم التعيين ذهب مجاهد، أخرج عنه جماعة أنه قال: الأرض الجرز هي التي لا تنبت وهي أبين ونحوها من الأرض وقرىء «الجرز» بسكون الراء، وضمير بِهِ للماء والكلام على ظاهره عند السلف الصالح وقالت الأشاعرة: المراد فنخرج عنده، والزرع في الأصل مصدر وعبر به عن المزروع والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقا فيشمل الشجر وغيره ولذا قال سبحانه: تَأْكُلُ مِنْهُ أي من ذلك الزرع أَنْعامُهُمْ كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها وَأَنْفُسُهُمْ كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان، وفي البحر يجوز أن يراد بالزرع النبات المعروف وخص بالذكر تشريفا له ولأنه أعظم ما يقصد من النبات، ويجوز أن يراد به النبات مطلقا، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على ذلك والإنسان قد يتغذى بغيره ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرج سنبله، وقيل ليترقى من الأدنى إلى الأشرف وهم بنو آدم. وقرأ أبو حيوة، وأبو بكر في رواية «يأكل» بالياء التحتية أَفَلا يُبْصِرُونَ أي ألا يبصرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى وفضله ، وجعلت الفاصلة هنا يُبْصِرُونَ لأن ما قبله مرئي وفيما قبله يَسْمَعُونَ لأن ما قبله مسموع، وقيل: ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر. وقرأ ابن مسعود «يبصرون» بالتاء الفوقية وَيَقُولُونَ على وجه التكذيب والاستهزاء مَتى هذَا الْفَتْحُ أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وقيل: أي النصر علينا، أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوما يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون: متى هذا الفتح إلخ فنزلت وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في أن الله تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين، وقيل: في أن الله تعالى ينصركم علينا. قُلْ تبكيتا لهم وتحقيقا للحق يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: يوم الفتح يوم القيامة، وهو كما في البحر منصوب بلا ينفع، والمراد بالذين كفروا إما أولئك القائلون المستهزءون فالإظهار في مقام الإضمار لتسجيل كفرهم وبيان علة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وحينئذ يعلم حكم أولئك المستهزئين بطريق برهاني، والمراد من

стр. 4610

قوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ استمرار النفي الظاهر أن الجملة عطف على لا يَنْفَعُ إلخ والقيد معتبر فيها، وظاهر سؤالهم بقولهم مَتى هذَا الْفَتْحُ يقتضي الجواب بتعيين اليوم المسئول عنه إلّا أنه لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم فكأنه قيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم هذا وتفسير يَوْمَ الْفَتْحِ بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة فقد قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يكاد يتسنى على القول بأن المراد به النصر على أولئك القائلين إذا كانوا عانين به النصر والغلبة عليهم في الدنيا كما هو ظاهر مما سمعت عن مجاهد، وعليه قيل: المراد بيوم الفتح يوم بدر، أخرج ذلك الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: يوم فتح مكة، وحكي ذلك عن الحسن، ومجاهد، واستشكل كلا القولين بأن قوله تعالى: يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ ظاهر في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذ مع أنه آمن ناس يوم بدر فقبل منهم وكذا يوم فتح مكة. وأجيب بأن الموصول على كل منهما عبارة عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر، فمعنى لا ينفعهم إيمانهم أنهم لا إيمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف قوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ على المقيد أو على المجموع فتأمل. وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر، وأيضا كون يوم الفتح يوم بدر بعيد عن كون السورة مكية وكذا كونه يوم فتح مكة، ويبعد هذا أيضا قلة المقتولين في ذلك اليوم جدا تدبر. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، وعن ابن عباس أن ذلك منسوخ بآية السيف، ولا يخفى أنه يحتمل أن المراد الإعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين فلا يتعين النسخ. وَانْتَظِرْ النصرة عليهم وهلاكهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ قال الجمهور: أي الغلبة عليكم كقوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥٢] وقيل: الأظهر أن يقال: إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ الآية، ويقرب منه ما قيل: وانتظر عذابنا لهم أنهم منتظرون أي هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون فإن استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة وقرأ اليماني «منتظرون» بفتح الظاء اسم مفعول على معنى أنهم أحقاء أن ينتظر هلاكم أو أن الملائكة المترتب ﵇ ينتظرونه والمراد أنهم هالكون لا محالة هذا. «ومن باب الإشارة» قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها، وقوله سبحانه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ فيه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره لا أثر له فطوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله تعالى واستغنى عن تدبيره الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئا من المخلوقات، وقد حكي أن نوحا ﵇ بصق على كلب أجرب فأنطق الله تعالى الكلب فقال: يا نوح أعبتني أم عبت خالقي فناح ﵇ لذلك زمانا طويلا فالأشياء كلها حسنة كل في بابه والتفاوت إضافي، وفي قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ إلى آخر الآية بعد قوله

стр. 4611

سبحانه: الَّذِي أَحْسَنَ إلخ إشارة إلى التنقل في أطوار الحسن والعروج في معارجه فكم بين الطين والإنسان السميع البصير العالم فإن الإنسان مشكاة أنوار الذات والصفات والطين بالنسبة إليه كلا شيء إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ إشارة إلى حال كاملي الإيمان وعلو شأن السجود والتسبيح والتحميد والتواضع لعظمته تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً إشارة إلى سهرهم في مناجاة محبوبهم وملاحظة جلاله وجماله، وفي قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أي من المعارف وأنواع الفيوضات يُنْفِقُونَ إشارة إلى تكميلهم للغير بعد كما لهم في أنفسهم وذكر القوم أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا، والعذاب الأكبر العذاب على ذلك. وقال بعضهم: الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر، وقيل: الأول حرمان المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف، وقيل: الأول الهوان والثاني الخذلان وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ فيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون المرشد عليه من الأوصاف وهو الصبر على مشاق العبادات وأنواع البليات وحبس النفس عن ملاذ الشهوات والإيقان بالآيات فمن يدعي الإرشاد وهو غير متصف بما ذكر فهو ضال مضلل فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ فيه إشارة إلى أنه ينبغي الإعراض عن المنكرين المستهزئين بالعارفين والسالكين إذا لم ينجع فيهم الإرشاد والنصيحة وإلى أنهم هالكون لا محال فإن الإنكار الذي لا يعذر صاحبه سمّ قاتل وسهم هدفه المقاتل نعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور بحرمة حبيبة إلّا كرم صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 4612

سورة الأحزاب أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نزلت سورة الأحزاب بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وهي ثلاث وسبعون آية قال الطبرسي بالإجماع، وقال الداني هذا متفق عليه، وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والطيالسي، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي والحاكم وصححه، والضياء في المختارة وآخرون عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كائن (١) تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تعدها؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية فقال: اقطع (٢) لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» فرفع فيما رفع وأراد رضي الله تعالى عنه بذلك النسخ، وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة فأكلها الداجن (٣) فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ كذا في الكشاف. وأخرج أبو عبيد في الفضائل، وابن الانباري، وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان رضي الله تعالى عنه المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن، وهو ظاهر في الضياع من القرآن، ومقتضى ما سمعت أنه موضوع، والحق أن كل خبر ظاهره ضياع شيء من القرآن إما موضوع أو مؤول، ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطي تشابه مطلع هذه ومقطع تلك فإن تلك ختمت بأمر النبي ﷺ بالإعراض عن الكافرين وانتظار عذابهم وهذه بدأت بأمره ﵊ بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين واتباع ما أوحى إليه والتوكل عليه حيث قال :

стр. 4613

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ناداه جلّ وعلا بوصفه ﵊ دون اسمه تعظيما له وتفخيما، قال في الكشاف إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء ﵈ بالوصف كرامة له ﵊ وتشريفا وربأ بمحله وتنويها بفضله، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران: ١٤٤] لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ [الفرقان: ٣٠] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦] إلى غير ذلك. وتعقبه في الكشف بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ظاهر أما في قوله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ فلا، على أن قوله تعالى: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [محمد: ٢] ينقض ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء ﵈ في كتبهم أيضا على نحو منه، وحكي في القرآن بأسمائهم دفعا للإلباس، والأشبه أنه لما قل ذكره صلّى الله تعالى عليه وسلم باسمه دلّ على أنه أعظم شأنا

стр. 4614

صلوات الله تعالى وسلامه وعليهم أجمعين، وفيه نظر. واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها، وقيل: الازدياد منها فإن لها بابا واسعا وعرضا عريضا لا ينال مداه وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي المجاهدين بالكفر وَالْمُنافِقِينَ المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم (١) وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت، وذكر الثعلبي والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور (٢) السلمي قدموا عليه ﵊ في زمان الموادعة التي كانت بينه صلّى الله تعالى عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ارفض ذكر آلهتنا وقل: إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت، وقيل: نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فطلبوا منه ﵊ أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل: من قبيل التأكيد، وقيل: متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روى الواحدي، والثعلبي، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك: إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهي عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلا فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً مبالغا في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلّا بما فيه مصلحة ولا ينهاك إلّا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلّا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها. وقيل: المعنى أن الله كان عليما بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيما في هدي من شاء وإضلال من شاء فالجملة تسلية له صلّى الله تعالى عليه وسلم، وليس بشيء، وقوله تعالى: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ عطف على ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى الله تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين، والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً قيل: الخطاب للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم والجمع للتعظيم، وقال أبو البقاء: إنما جاء بالجمع لأنه عنى بقوله تعالى: اتَّبِعْ ما يُوحى إلخ اتبع أنت وأصحابك وقيل: للغائبين من الكفرة المنافقين وبطريق الالتفات ولا يخفى بعده. نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب، وأيا ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه قيل على الأول: إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه

стр. 4615

الصلاح فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتما، وعلى الثاني أن الله تعالى خبير بما يعمل الكفرة والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما يدفعه فلا بد من اتباع ما يوحيه جلّ وعلا إليك، وعلى الثالث أن الله تعالى خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك ويطلعك على كيدهم ومكرهم ويأمرك جلّ شأنه بما يدفع ذلك ويرده فلا بد من اتباع وحيه تعالى والعمل بموجبه. وقرأ أبو عمرو «يعملون» بياء الغيبة على أن الضمير للكفرة والمنافقين. وجوز كونه عاما فلا تغفل وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فوض جميع أمورك إليه وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا حافظا موكولا إليه كل الأمور، والإظهار في مقام الإضمار للتعظيم ولتستقل الجملة استقلال المثل. ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قام النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم فنزلت، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا: إن له قلبين ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة إن له قلبا معكم وقلبا مع أصحابه فنزلت، وقال مقاتل في تفسيره، وإسماعيل بن أبي زياد الشامي، وغيرهما: نزلت في أبي معمر الفهري كان أهل مكة يقولون: له قلبان من قوة حفظه وكانت العرب تزعم أن كل لبيب أريب له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا اشتهر بين أهل مكة بذي القلبين وهو على ما في الإصابة جميل بن أسيد مصغر الأسد، وقيل: ابن أسد مكبرا وسماه ابن دريد عبد الله ابن وهب، وقيل: إن ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة (١) بن جمح الجمحي وهو المعني بقوله: وكيف ثوائي البيت وقد تقدم في تفسيره سورة لقمان، والمعول على ما في الإصابة، وحكي أنه كان يقول: (٢) إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد صلّى الله تعالى عليه وسلم فروي أنه انهزم يوم بدر فمرّ بأبي سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلّا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله وقولهم. وعن الحسن أنه كان جماعة يقول الواحد منهم: نفس تأمرني ونفس تنهاني فنزلت، والجعل بمعنى الخلق ومن سيف خطيب، والمراد ما خلق سبحانه لأحد أو لذي قلب من الحيوان مطلقا قلبين فخصوص الرجل ليس بمقصود وتخصيصه بالذكر لكمال لزوم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأما الصبيان فمآلهم إلى الرجولية، وقوله سبحانه: فِي جَوْفِهِ للتأكيد والتصوير كالقلوب في قوله تعالى: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] وذكر في بيان عدم جعله تعالى قلبين في جوف بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بالقلب المضغة الصنوبرية أن النفس الناطقة وكذا الحيوانية لا بد له من متعلق ومتعلقها هو الروح وهو جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية لأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد مما لا يلي جهة الدماغ والشد لا يمنع إلّا نفوذ الأجسام، والتجارب الطبية أيضا شاهدة بذلك، وحيث إن النفس واحدة فلا بد من عضو واحد يكون تعلقها به أولا ثم بسائر الأعضاء بواسطته.

стр. 4616

وقد ذكر غير واحد أن أول عضو يخلق هو القلب فإنه المجمع للروح فيجب أن يكون التعلق أولا به ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء فمنبع القوى بأسرها منه وذلك يمنع التعدد إذ لو تعدد بأن كان هناك قلبان لزم أن يكون كل منهما أصلا للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلول واحد، ولا يخفى على من له قلب أن هذا مع ابتنائه على مقدمات لا تكاد تثبت عند أكثر الإسلاميين من السلف الصالح والخلف المتأخرين ولو بشق الأنفس أمر إقناعي لا برهان قطعي، على أن للفلسفي أيضا له فيه مقالا، وقد يفسر القلب بالنفس بناء على أن سبب النزول ما روي عن الحسن إطلاقا للمتعلق على المتعلق وقد بينوا وحدة النفس وأنه لا يجوز أن تتعلق نفسان فأكثر ببدن بما يطول ذكره، وللبحث فيه مجال فليراجع، ثم إن هذا التفسير بناء على أن سبب النزول ما ذكر غير متعين بل يجوز تفسير القلب عليه بما هو الظاهر المتبادر أيضا، وحيث إن القلب متعلق النفس يكون نفي جعل القلبين دالا على نفي جعل النفسين فتدبر. وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ إبطال لما كان في الجاهلية من اجزاء أحكام الأمومة على المظاهر منها، والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ويستعمل في معان مختلفة راجعة إليه معنى ولفظا بحسب اختلاف الأغراض فيقال ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره حقيقة وكذا إذا غايظته باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال: قوي ظهره إذا نصره وظاهرت بين ثوبين إذا لبست أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهرا للثوب، ويقال: ظاهر من زوجته إذ قال لها أنت عليّ كظهر أمي نظير لي إذ قال لبيك وأفف إذا قال أف، وكون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازا لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازا أيضا والمراد منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقا منهم. وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد ونحوه مما فيه معنى المجانبة ويتعدى بمن، والظهر في ذلك مجاز على ما قيل عن البطن لأنه إنما يركب البطن فقوله: كظهر أمي بمعنى كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده، قال ابن الهمام: لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقال الأزهري ما معناه: خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذ غشيت فهو كناية تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشي، والمعنى أنت محرمة علي لا تركبين كما لا يركب ظهر الأم وقيل: خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها حراما عندهم فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ، وقيل: كنوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه سيما في الأم وما شابه بها، وليس بذاك وهو في الشرع تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأييد ولو برضاع أو صهرية وزاد في النهاية قيد الاتفاق ليخرج التشبيه بما لا يحل النظر إليه ممن اختلف في تحريمها كالبنت من الزنا، وتحقيق الحق في ذلك في فتح القدير، وخص باسم الظهار تغليبا للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، وركنه اللفظ المشتمل على ذلك التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة وتمام الكلام فيه في كتب الفروع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ذلك في محله. وقرأ قالون، وقنبل هنا وفي المجادلة والطلاق «اللاء» بالهمز من غير ياء، وورش بياء مختلسة الكسرة، والبزي، وأبو عمرو «اللاي» ياء ساكنة بدلا من الهمزة وهو بدل مسموع لا مقيس وهي لغة قريش، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم «تظاهرون» بفتح التاء وتخفيف الظاء وأصله تتظاهرون فحذفت إحدى التاءين. وقرأ ابن عامر «تظّاهرون» بفتح التاء وتشديد الظاء وأصله كما تقدم إلّا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء..

стр. 4617

وقرأ الحسن «تظهّرون» بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشد الهاء المكسورة مضارع ظهر بتشديد الهاء بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية «تظهرون» بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء مضارع أظهر، وقرأ هارون عن أبي عمرو «تظهرون» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع ظهر بتخفيف الهاء، وفي مصحف أبي «تتظهرون» بتاءين ومعنى الكل واحد. وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ إبطال لما كان في الجاهلية أيضا وصدر من الإسلام من أنه إذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت أحكام النبوة عليه، وقد تبنى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة زيد بن حارثة، والخطاب عامر بن ربيعة، وأبو حذيفة مولاه سالما إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد أن قوله تعالى: وَما جَعَلَ إلخ، نزلت في زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. و «أدعياء» جمع دعي وهو الذي يدعى ابنا فهو فعيل بمعنى مفعول وقياسه أن يجمع على فعلى كجريح وجرحى لا على أفعلاء فإن الجميع عليه قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل كتقي وأتقياء فكأنه شبه به في اللفظ فحمل عليه وجمع جمعه كما قالوا في أسير وقتيل أسراء وقتلاء، وقل: إن هذا الجمع مقيس في المعتل مطلقا، وفيه نظر. ذلِكُمْ قيل: إشارة إلى ما يفهم من الجمل الثلاث من أنه قد يكون قلبان في جوف والظهار والادعاء، وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرتين، وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرة قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الواقع ونفس الأمر فإذن هو بمعزل عن القبول أو استتباع الأحكام كما زعمتم. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ الثابت المحقق في نفس الأمر وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي سبيل الحق فدعوا قولكم وخذوا بقوله . وقرأ قتادة على ما في البحر «يهدي» بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، وفي الكشاف أنه قرأ «وهو الذي يهدي السبيل» ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم، أخرج الشيخان، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم ما كنا ندعوه إلّا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ إلخ فقال النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شراحيل ، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيىء فأصيب في نهب من طيىء فقدم به سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته خديجة أن يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا إن قدر عليه فلما قدم وجد زيدا يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها: إني قد ابتعت لك غلاما ظريفا عربيا فإن أعجبك فخذيه وإلّا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما رأته خديجة أعجبها فأخذته فتزوجها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم وهو عندها فأعجب النبي ﵊ ظرفه فاستوهبه (١) منها فقالت: أهبه لك فإن أردت عتقه فالولاء لي فأبى عليها ﵊ فأوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أمسك قال: فشب عند النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام فمرّ بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال: من أنت يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة قال: من أنفسهم؟ قال: لا قال: فحر أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له: أعرابي أنت أم عجمي؟ قال: عربي قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود قال: ويحك ابن

стр. 4618

أنت؟ قال: ابن حارثة بن شراحيل قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي قال: ومن أخوالك؟ قال طيىء قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدي فالتزمه وقال: ابن حارثة ودعا أباه فقال: يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة فلقوا رسول الله ﷺ فقال له حارثة: يا محمد أنتم أهل حرم الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت فقال له رسول الله ﷺ : أعطيكم خيرا من ذلك قالوا: وما هو؟ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني فكفوا عنه فقال: جزاك الله تعالى خيرا فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا زيد أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي وعمي وأخي فقال ﵊: فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد: ما أنا بمختار عليك أحدا أبدا أنت معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه: أيا زيد أتختار العبودية؟ قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم حرصه عليه قال: اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامته عليه ﵊ فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فدعي زيد بن حارثة، وفي بعض الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] ، وأَقْسَطُ أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقا من القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن المقام يقتضي ذكر الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه . وجوز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه زور لا عدل فيه أصلا على سبيل التهكم فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أي تعرفوا آباءَهُمْ فتنسبوهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ أي وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وبهذا المعنى قيل لسالم بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه قبل، وقيل: مَوالِيكُمْ أي بنو أعمامكم، وقيل: معتقوكم ومحرروكم وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط. وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد النهي على أن ما في محل الجر عطفا على ما من فِيما أَخْطَأْتُمْ وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف عليه، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه: إنه حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل أخيه ليكون العطف على المرفوع. وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وأن لا فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما أخطأتم أو ولكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن ما في موضع رفع على الابتداء وخبره جملة مقدرة، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد النسبة في قوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٣٨] وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد، وقيل: كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد، والمعنى لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتم أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه.

стр. 4619

وجوز أن يراد بقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة (١) رضي الله تعالى عنها قالت: «قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد» وحديث ابن عباس (٢) قال: قال ﵊ وضع عن أمتي الخطأ والنسيان «وما أكرهوا عليه» ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده، والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيدا لامتثال ما ندبوا إليه مع ادماج حكم مقصود في نفسه، وجعلها بعضهم عطفا مؤولا بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآباؤهم هو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين فتأثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة، وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيرا ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة. وفي حواشي الخفاجي على تفسير البيضاوي النبوة وإن صح فيها التأويل كالإخوة لكن نهي عنها بالتشبيه بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأولى أن يقال في تعليل النهي: سدا لباب التشبيه بالكفرة بالكلية، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من أرتضيه عن فتاوى ابن حجر الكبرى، وحكم التبني بقوله: هو ابني إن كان عبدا للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره، وعند الشافعي لا عبرة بالتبني فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وتحقيق ذلك في موضعه، ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلا منهما مباح مطلقا حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك، وقيل: لما أن فيه تعظيمه وهو حرام، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضا، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقا ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكرا وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني للإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً فيغفر للعامد إذا تاب رَحِيماً ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطئ، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان، وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» . وأخرج الشيخان أيضا «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفا ولا عدلا» وأخرجا أيضا «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلّا كفر» . وأخرج الطبراني في الصغير من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال: «قال رسول الله ﷺ كفر من تبرأ من نسب وإن دق أو ادعى نسبا لا يعرف» إلى غير ذلك من الأخبار، هذا ومناسبة قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ إلخ لما قبله أنه شروع في ذكر شيء من الوحي الذي أمر ﷺ في اتباعه كذا قيل، وقيل: إنه تعالى لما أمر

стр. 4620

بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما لله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلّا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جلّ وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن أبي مسلم أنه متصل بقوله تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: ٤٨] حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فإما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل: هو متصل- بلا تطع واتبع- والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن واتباع أهل الكفر الطغيان فكني عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل: هو متصل بقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا من حيث إنه مشعر بوحدته فكأنه قيل: وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلا فإنه وحده المدبر لأمور العالم، ثم أشار إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل: إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى: ما جَعَلَ إلخ ضرب مثلا للظهار والتبني أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أما والمتنبي، ابنا، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلا فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبي: إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد، وجعل سبحانه قوله جلّ وعلا: ذلِكُمْ فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له، وثم ذيل الكل بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وتعقبه في الكشف بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية شاهد أصدق بأن الأول مضروب للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقا فإدخاله في قرن مسألة التبني استطرادا هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له كالأول. وانتصر الخفاجي للجماعة فقال: لو كان مثلا للتبني فقط لم يفصل منه، وكون القلبين لرجل وجعل المتبنى ابنا في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبدة مطلقا من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضا فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفته لما روي عنهم انتهى، ويد الله تعالى مع الجماعة، وبين الطيبي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى هاهنا فقال: إن الاستهلال بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ دال على أن الخطاب مشتمل على التنبيه على أمر معتنى بشأنه لائح فيه معنى التهيج والإلهاب، ومن ثم عطف عليه وَلا تُطِعِ كما يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك واتبع ناصرك، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس، ثم أمر بالتوكل تشجيعا على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورهم، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه، وعلل قوله تعالى وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً تتميما للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه، وعلل قوله تعالى: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً تتميما أيضا أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الزائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافىء كلا ما يستحقه وذيل قوله ﵎: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ بقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا تقريرا وتوكيدا على منوال فلان ينطبق بالحق والحق أبلج يعني من حق من يكون كافيا لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه، وفصل قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ

стр. 4621

مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ على سبيل استئناف تنبيها على بعض من أباطيلهم وتمحلاتهم، وقوله تعالى: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ إلخ فذلكة لتلك الأقوال آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلا عن أن يطاع، ثم وصل تعالى وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ إلخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في وَلا تُطِعِ واتَّبِعْ وفصل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وقوله تعالى: النَّبِيُّ إلخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلا لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم انتهى فتأمل ولا تغفل النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ أي أحق وأقرب إليهم مِنْ أَنْفُسِهِمْ أو أشد ولاية ونصرة لهم منها فإنه ﵊ لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلّا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فإنها إما امارة بالسوء وحالها ظاهر أو لا فقد تجهل بعض المصالح وتخفى عليها بعض المنافع وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته ﵊ في جميع الأمور ويعلم من كونه صلّى الله تعالى عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم كونه ﵊ أولى بهم من كل من الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: «ما من مؤمن إلّا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا (١) فليأتني فأنا مولاه» ولا يلزم عليه كون الأنفس هنا مثلها في قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] لأن إفادة الآية المدعي على الظاهر ظاهرة أيضا، وإذا كان صلّى الله تعالى عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين يجب عليه أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه ﵊ عليهم أنفذ من حكمها وحقه آثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وسبب نزول الآية على ما قيل ما روي من أنه ﵊ أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم: يستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت ، ووجه دلالتها على السبب أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى حمل أنفسهم عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفا وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وارثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات، وفرع على هذا القسطلاني في المواهب أنه لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين في الأصح، والطبرسي وهو شيعي أنه لا يقال لإخوانهن أخوال المؤمنين، ولا يخفى أنه يسر حسوا بارتغاء، وفي المواهب أن في جواز النظر إليهن وجهين أشهرهما المنع، ولكون وجه الشبه مجموع ما ذكر قالت عائشة ﵂ لامرأة قالت لها يا أمه: أنا أم رجالكم لا أم نسائكم أخرجه ابن سعد، وابن المنذر والبيهقي في سننه عنها، ولا ينافي هذا استحقاق التعظيم منهن أيضا. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق التعظيم، والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلّى الله تعالى عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبي حاتم عن مقاتل فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في الروضة، وقيل: لا يثبت الحكم لمن فارقها ﵊ في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضا وصحح أمام الحرمين، والرافعي في الصغير تحريم المدخول بها فقط لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولا بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له: ولم هذا؟ وما ضرب

стр. 4622

على حجاب ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها، وذكر في المواهب أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج منهن الدنيا للأزواج طريقين، أحدهما طرد الخلاف والثاني القطع بالحل، واختار هذا الإمام والغزالي، وحكى القول بأن المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: لأن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقي من يشاء من أزواجه ويطلق من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه ﵊ وقد طلق رضي الله تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألفه سليمان بن عبد الله البحراني عليه من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمع من الصحابة حاشى رضي الله تعالى عنهم فرأيت ما نصه: روى أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سعد بن عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا وابن مولانا روي لنا أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولا إلى عائشة وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلّا طلقتك فأخبرنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول صلّى الله تعالى عليه وسلم إلى أمير المؤمنين فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال ﵊: يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال: وروى الطبرسي أيضا في الاحتجاج عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه: والله ما أراني إلّا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلا سمع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريح في وقوع الطلاق اهـ ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعدله. وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولا مرضيا عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده، وأخرج الفريابي، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يقرأ «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم» وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال: كان في الحرف الأول «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم» وفي مصحف أبي رضي الله تعالى عنه كما روى عبد الرزاق، وابن المنذر، وغيرهما «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» وإطلاق الأب عليه صلّى الله تعالى عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضا بل هو ﵊ أحق بالأبوة منه وعن مجاهد كل نبي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط هؤلاء بناتي أنه أراد المؤمنات ووجهه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ما قيل أخوة المؤمنين. ويعلم مما روي عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته ﵊ وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في المواهب من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلّى الله تعالى عليه وسلم من الأنبياء ﵈ من بعدهم على أحد من أممهم وَأُولُوا الْأَرْحامِ أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات لا ما يقابلهم بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في النفع بميراث وغيره من النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره فِي كِتابِ اللَّهِ أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه

стр. 4623

وقضاه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ صلة لأولى فمدخول مِنْ هو المفضل عليه وهي ابتدائية مثلها في قولك: زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون بيانا لأولو الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب، والأول هو الظاهر، وكان في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين ذلك بآية آخر الأنفال أو بهذه الآية، وقيل: بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلّا فهو لا يكون ناسخا كما لا يخفى، ورفع بَعْضُهُمْ يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء وفِي كِتابِ متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالا والعامل فيه معنى أَوْلى ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون حالا من أُولُوا للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذا، وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع كأنه قيل: القريب أولى من الأجنبي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفع من ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلّا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف فالأجنبي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وأما استثناء منقطع بناء على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل: لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفا وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عاما لما عدا الميراث، والمتبادر إلى الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء، ومكي وكذا الطبرسي وجعل المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه. وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناء على أن مِنْ فيما تقدم للابتداء لا للبيان، وأخرج ابن جرير، وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم. عن محمد بن الحنفية أنه قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال: الأولياء القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية، وحكي في البحر عن جماعة منهم الحسن، وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبي المؤمن والكافر وأن المعروف أعم من الوصية. وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعة من الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبر لهم. وعدّي تَفْعَلُوا بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه قيل: إلّا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفا كانَ ذلِكَ أي ما ذكر في الآيتين أعني ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ والنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو إلى ما بعد قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث فِي الْكِتابِ أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة مَسْطُوراً أي مثبتا بالإسطار وعن قتادة أنه قال في بعض القراءات: كان ذلك عند الله مكتوبا أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل. وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ مقدر بأذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفا على خبر كان وهو بعيد وإن كان قريبا، ولما كان ما سبق متضمنا أحكاما شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على البليغ فقال : وَإِذْ إلخ واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج

стр. 4624

البشر من صلب آدم ﵇ كالذر، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضا واتباع بعضهم بعضا، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضا والإعلان بأن محمدا رسول الله وإعلان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أن لا نبي بعده وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجا بينا للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع. واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم نبيا صلّى الله تعالى عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب مرفوعا بدىء بي الخلق وكنت آخرهم في البعث ، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قال: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه ﵊ قال: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسد ، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح ﵇ في آية الشورى أعني قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: ١٣] الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد ﵊ خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن المنير: السر في تقديمه صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي عهد عهد عظيم الشأن أو وثيقا قويا وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [هود: ٥٨] أثر قوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [هود: ٥٨] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل : وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقا غليظا مثلا، وقال سبحانه ما في النظم الكريم، وقيل: الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعد ما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات، وقوله : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ قيل متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان علة الأخذ المذكور وغايته أي فعل الله تعالى ذلك ليسأل إلخ وقيل: متعلق بأخذنا، وتعقب بأن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان علته وغايته بيانا قصديا كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة، والمراد بالصادقين النبيون الذين أخذ ميثاقهم ووضع موضع ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقوا فيما سألوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل الله تعالى يوم القيامة النبيين الذين صدقوا عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم أو عن تصديق أقوامهم إياهم، وسؤالهم ﵈ عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذبين كما في قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] أو المراد بهم المصدقون بالنبيين، والمعنى ليسأل المصدقين للنبيين عن تصديقهم إياهم فيقال: هل صدقتم؟ وقيل: يقال لهم هل كان تصديقكم لوجه الله تعالى؟ وجه إرادة ذلك أن مصدق الصادق صادق وتصديقه صدق، وقيل: المعنى ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم.

стр. 4625

وتعقب بأنه يأباه مقام تذكير ميثاق النبيين وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً قيل عطف على فعل مضمر متعلقا فيما قيل: وقيل: على مقدر دلّ عليه لِيَسْئَلَ كأنه قيل فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين إلخ، وقيل: على أَخَذْنا وهو عطف معنوي كأنه قيل: أكد الله تعالى على النبيين الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين إلخ. وقيل: على (يسئل) بتأويله بالمضارع ولا بد من ملاحظة مناسبة ليحسن العطف وقيل: على مقدر وفي الكلام الاحتباك والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد لهم ثوابا عظيما ويسأل الكاذبين عن كذبهم وأعد لهم عذابا أليما فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر، وقيل: إن الجملة حال من ضمير (يسئل) بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أقلها تكلفا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق، وكانت على ما قال ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وقال مالك: سنة أربع. والنعمة إن كانت مصدرا بمعنى الإنعام فالجار متعلق بها وإلّا فهو متعلق بمحذوف وقع حالا منها أي كائنة عليكم، وقوله تعالى: إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل: منصوب بأذكر على أنه بدل اشتمال من نِعْمَةَ والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير رؤساؤهم حيي ابن أخطب وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنبذه بسعي حيي، وكان مجموعهم عشرة آلاف في قول وخمسة عشر ألفا في آخر، وقيل: زهاء اثني عشر ألفا فلما سمع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بإقبالهم حفر خندقا قريبا من المدينة محيطا بها بإشارة سلمان الفارسي أعطى كل أربعين ذراعا لعشرة، ثم خرج ﵊ في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فدفعوا في الآطام، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن وبحم النفاق كما قص الله تعالى، ومضى قريب من شهر على الفريقين لا حرب بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارة من وراء الخندق إلّا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وكان يعد بألف فارس، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمموا من الخندق مكانا ضيقا فضربوا بخيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع فخرج علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفر من المسلمين رضي الله تعالى عنهم حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت الفرسان معهم وقتل علي كرم الله تعالى وجهه عمرا في قصة مشهورة فانهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان بن عبد الدار. ونوفل بن عبد العزى، وقيل: وجد نوفل في جوف الخندق فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه ينزل بعضكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق أن عليا كرم الله تعالى وجهه طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي ﵊: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى، ثم أنزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً عطف على جاءَتْكُمْ مسوق لبيان النعمة إجمالا وسيأتي أن شاء الله تعالى بقيتها في آخر القصة. وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة ﵈ وكانوا على ما قيل ألفا، روي أن الله تعالى بعث عليهم صبا باردة في ليلة باردة فاخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة ﵈ فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة
следующие страницы →