← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

داخلة على أشهد الرباعي المبني للمفعول، وفي رواية أنه سهل هذه الهمزة فجعلها بين الهمزة والواو وهي رواية عن أبي عمرو، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس ومجاهد، وفي أخرى أنه سهلها وأدخل بينها وبين الأولى ألفا كراهة اجتماع همزتين ونسبت إلى جماعة، والاكتفاء بالتسهيل أوجه، وقرأ الزهري وناس «أشهدوا» بغير استفهام مبنيا للمفعول رباعيا فقيل المعنى على الاستفهام نحو قوله: قالوا تحبها قلت بهرا وهو الظاهر، وقيل: على الاخبار، والجملة صفة إِناثاً وهم وإن لم يشهدوا خلقهم لكن نزلوا لجراءتهم على ذلك منزلة من أشهد أو المراد أنهم أطلقوا عليهم الإناث المعروفات لهم اللاتي أشهدوا خلقهن لا صنفا آخر من الإناث ولا يخفى ما في كلا التأويلين من التكلف سَتُكْتَبُ في ديوان أعمالهم شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على الملائكة ﵈، وقيل: سألهم الرسول ﷺ ما يدريكم أنهم إناث فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال الله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ عنها يوم القيامة، والكلام وعيد لهم بالعقاب والمجازاة على ذلك والسين للتأكيد، وقيل: يجوز أن تحمل على ظاهرها من الاستقبال ويكون ذلك إشارة إلى تأخير كتابة السيئات لرجاء التوبة والرجوع كما ورد في الحديث إن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أراد أن يكتبها قال له: توقف فيتوقف سبع ساعات فإن استغفر وتاب لم يكتب فلما كان ذلك من شأن الكتابة قرنت بالسين، وكونهم كفارا مصرين على الكفر لا يأباه. وقرأ الزهري «سيكتب» بالياء التحتية مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن كالجمهور إلا أنه قرأ «شهاداتهم» بالجمع وهي قولهم: إن لله سبحانه جزء وإن له بنات وإنها الملائكة، وقيل: المراد ما أريد بالمفرد والجمع باعتبار التكرار، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجحدري والأعرج «سنكتب» بالنون مبنيا للفاعل «شهادتهم» بالنصب والإفراد. وقرأت فرقة «سيكتب» بالياء التحتية مبنيا للفاعل وبإفراد «شهادتهم» ونصبها أي سيكتب الله تعالى شهادتهم. وقرىء «يسّاءلون» من المفاعلة للمبالغة وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ عطف على قوله سبحانه: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ إلخ إشارة إلى أنه من جنس ادعائهم أنوثة الملائكة في أنهم قالوه من غير علم، ومرادهم بهذا القول على ما قاله بعض الأجلة الاستدلال بنفي مشيئة الله تعالى ترك عبادة الملائكة ﵈ على امتناع النهي عنها أو على حسنها فكأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يشأ ترك عبادتها الملائكة ولو شاء سبحانه ذلك لتحقق بل شاء جل شأنه العبادة لأنها المتحققة فتكون مأمورا بها أو حسنة ويمتنع كونها منهيا عنها أو قبيحة، وهو استدلال باطل لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض حسنا كان أو قبيحا فلذلك جهلوا بقوله سبحانه: ما لَهُمْ بِذلِكَ القول على الوجه الذي قصدوه منه، وحاصله يرجع إلى الإشارة إلى زعمهم أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها أو حسن ما تعلقت به مِنْ عِلْمٍ يستند إلى سند ما. إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي يكذبون كما فسره به غير واحد، ويطلق الخرص على الحزر وهو شائع بل قيل: إنه الأصل وعلى كل هو قول عن ظن وتخمين، وقوله تعالى: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ إضراب عن نفي أن يكون لهم بذلك علم من طريق العقل إلى إبطال أن يكون لهم سند من جهة النقل فأم منقطعة لا متصلة معادلة لقوله تعالى: أَشَهِدُوا كما قيل لعبده

стр. 5322

وضمير قَبْلِهِ للقرآن لعلمه من السياق أو الرسول ﵊، وسين مستمسكون للتأكيد لا للطلب أي بل آتيناهم كتابا من قبل القرآن أو من قبل الرسول ﷺ ينطق بصحة ما يدعونه فهم بذلك الكتاب متمسكون وعليه معولون، وقوله جلّ وعلا: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ إبطال لأن يكون لهم حجة أصلا أي لا حجة لهم على ذلك عقلية ولا نقلية وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم، والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي كالرحلة للرجل العظيم الذي يقصد في المهمات يقال: فلان لا أمة له أي لا دين ولا نحلة، قال الشاعر: وهل يستوي ذو أمة وكفور. وقال قيس بن الحطيم: كنا على أمة آبائنا ... ويقتدي بالأول الآخر وقال الجبائي: الأمة الجماعة والمراد وجدنا آباءنا متوافقين على ذلك، والجمهور على الأول وعليه المعول، ويقال فيها إمة بكسر الهمزة أيضا وبها قرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والجحدري. وقرأ ابن عياش «أمّة» بفتح الهمزة، قال في البحر: أي على قصد وحال، وعَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ قيل خبران لأن، وقيل: عَلى آثارِهِمْ صلة مُهْتَدُونَ ومُهْتَدُونَ هو الخبر، هذا وجعل الزمخشري الآية دليلا على أنه تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما شاء سبحانه الإيمان، وكفر أهل السنة القائلين بأن المقدورات كلها بمشيئة الله تعالى، ووجه ذلك بأن الكفار لما ادعوا أنه تعالى شاء منهم الكفر حيث قالوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ إلخ أي لو شاء ﷻ منا أن نترك عبادة الأصنام تركناها رد الله تعالى ذلك عليهم وأبطل اعتقادهم بقوله سبحانه: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إلخ فلزم حقيقة خلافه وهو عين ما ذهب إليه، والجملة عطف على قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً أو على جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ إلخ فيكون ما تضمنته كفرا آخر ويلزمه كفر القائلين بأن الكل بمشيئته ، ومما سمعت يعلم رده، وقيل: في رده أيضا: يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى أصل الدعوى وهو جعل الملائكة ﵈ بنات الله عن ذلك علوا كبيرا دون ما قصدوه من قولهم: لَوْ شاءَ إلخ وما ذكر بعد أصل الدعوى من تتمتها فإنه حكاية شبهتهم المزيفة لأن العبادة للملائكة وإن كانت بمشيئته تعالى لكن ذلك لا ينافي كونها من أقبح القبائح المنهي عنها وهذا خلاف الظاهر. وقال بعض الأجلة: إن كفرهم بذلك لأنهم قالوه على جهة الاستهزاء، ورده الزمخشري بأن السياق لا يدل على أنهم قالوه مستهزئين على الله تعالى قد حكى عنهم على سبيل الذم والشهادة بالكفر أنهم جعلوا له سبحانه جزءا وأنه جلّ وعلا اتخذ بنات واصطفاهم بالبنين وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا وأنهم عبدوهم وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء لكان النطق بالمحكيات قبل هذا المحكي الذي هو إيمان عنده لوجدوا بالنطق به مدحا لهم من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء فبقي أن يكونوا جادين ويشترك كلها في أنها كلمات كفر، فإن جعلوا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء دون ما قبله فما بهم إلا تعويج كتاب الله تعالى ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزأ لم يكن لقوله سبحانه: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إلخ معنى لأن الواجب فيمن تكلم بالحق استهزاء أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب، ولا يخفى أن رده بأنه لا يدل عليه السياق صحيح، وأما ما ذكر من حكاية الله سبحانه والتعويج فلا لأنه تعالى ما حكى عنهم قولا أولا بل أثبت لهم اعتقادا يتضمن قولا أو فعلا وقد بين أنهم مستخفون في ذلك العقد كما أنهم مستخفون في هذا القول فقوله: لو نطقوا إلخ لا مدخل له في السابق وليس

стр. 5323

فيه تعويج البتة من هذا الوجه وكذلك قوله: لم يكن لقوله تعالى: ما لَهُمْ إلخ معنى مردود لأن الاستهزاء باب من الجهل كما يدل عليه قول موسى ﵇ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ وقد تقدم في [البقرة: ٦٧] ، وأما الكذب فراجع إلى مضمونه والمراد منه كما سمعت فمن قال لا إله إلا الله استهزاء مكذب فيما يلزم من أنه إخبار عن إثبات التعدد لأنه إخبار عن التوحيد فافهم كذا في الكشف. وفيه أيضا أن قولهم: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ إلخ فهم منه كونه كفرا من أوجه. أحدها أنه اعتذار عن عبادتهم الملائكة ﵈ التي هي كفر وإلزام أنه إذا كان بمشيئته تعالى لم يكن منكرا. والثاني أن الكفر والإيمان بتصديق ما هو مضطر إلى العلم بثبوته بديهة أو استدلالا متعلقا بالمبدأ والمعاد وتكذيبه لا بإيقاع الفعل على وفق المشيئة وعدمه. والثالث أنهم دفعوا قول الرسول بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة ثم إنهم ملزمون على مساق هذا القول لأنه إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى شأنه فقد شاء إرسال الرسل وشاء دعوتهم للعباد وشاء سبحانه جحودهم وشاء جلّ وعلا دخولهم النار فالإنكار والدفع بعد هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة، وإليه الإشارة بقوله تعالى في مثله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩] وفيه أنهم يعجزون الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضد المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا ما أمر سبحانه وبه ولا ينهى جل شأنه إلا وهو سبحانه لا يريده وهذا تعجيز من وجهين. إخراج بعض المقدورات عن أن يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه وهذا بعينه مذهب إخوانهم من القدرية ولهذه النكتة جعل قولهم: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ معتمد الكلام ولم يقل: وعبدوا الملائكة وقالوا: لو شاء ونظير قولهم في أنه إنما أتى به لدفع ما علم ضرورة قوله تعالى عنهم: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: ٢٤] فالدفع كفر والتعجيز كفر في كفر، وقوله تعالى: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ يحتمل أن يرجع إلى جميع ما سبق من قوله تعالى وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ إلى هذا المقام ويحتمل أن يرجع إلى الأخير فقد ثبت أنهم قالوه من غير علم وهو الأظهر للقرب وتعقيب كل بإنكار مستقل وطباقه لما في الأنعام، وقوله سبحانه: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ على هذا التكذيب المفهوم منه راجع إلى استنتاج المقصود من هذه اللزومية فقد سبق أنها عليهم لا لهم ولوح إلى طرف منه في سورة الأنعام أو إلى الحكم بامتناع الانفكاك مع تجويز الحاكم الانفكاك حال حكمه فإن ذلك يدل على كذبه وإن كان ذلك الحكم في نفسه حقا صحيحا يحق أن يعلم كما تقول زيد قائم قطعا أو البتة وعندك احتمال نقيضه. وليس هذا رجوعا إلى مذهب من جعل الصدق بطباقه للمعتقد فافهم، على أنه لما كان اعتذارا على ما مر صح أن يرجع التكذيب إلى أنه لا يصلح اعتذارا أي إنهم كاذبون في أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها، وهذا ما آثره الإمام. والعلامة. والقاضي، والظاهر ما قدمناه. وتعقيب الخرص على وجه البيان أو الاستئناف عن قوله تعالى: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ وقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ في سورة الأنعام دليل على ما أشرنا فقد لاح للمسترشد أن الآية تصلح حجة لأهل السنة لا للمعتزلة وقال في آية سورة الأنعام: إن قولهم هذا إما لدعوى المشروعية ردا للرسل أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذارا بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق بفعلهم المشروع وغيره فما شاء الله تعالى أن يقع منهم مشروعا وقع كذلك وما شاء الله تعالى أن يقع لا كذلك وقع لا كذلك. ولا شك أن من توهم أن كون الفعل بمشيئته تعالى ينافي مجيء الرسل ﵈ بخلاف ما عليه المباشر من الكفر والضلال فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللزومية، وظاهر الآية مسوق

стр. 5324

لهذا المعنى، والثاني على ما فيه من حصول المقصود وهو الاعتراف بالبطلان باطل أيضا إذ لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا اختيارا منهم والعلم تعلق كذلك فهو يؤكد دفع القدر لا أنه يحققه وإليه الإشارة بقوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] ثم إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقا فضلا عن العلم وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله سبحانه فرع العلم بذاته جل وعلا والإيمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون، ونقل العلامة الطيبي نحوا من الكلام الأخير عن إمام الحرمين عليه الرحمة في الإرشاد اهـ. وقد أطال العلماء الأعلام الكلام في هذا المقام وأرى الرجل سقى الله تعالى مرقده صيب الرضوان قد مخض كل ذلك وأتى بزبده بل لم يترك من التحقيق شيئا لمن أتى من بعده فتأمل والله هو الموفق. وَكَذلِكَ أي والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة مطلقا وتشبثهم بذيل التقليد، وقوله سبحانه: ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ استئناف مبين لذلك دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم لأسلافهم وأن متقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد قالَ حكاية لما

стр. 5325

جرى بين المنذرين وبين أممهم عند تعللهم بتقليد آبائهم أي قال: كل نذير من أولئك المنذرين لأمته أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ أي أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بِأَهْدى بدين أهدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء، وإنما عبر عنها بذلك مجاراة معهم على مسلك الإنصاف. وقرأ الأكثرون «قل» على أنه حكاية أمر ماض أوحي إلى كل نذير أي فقيل أو قلنا للنذير قل إلخ، واستظهر في البحر كونه خطابا لنبينا ﷺ ، والظاهر هو ما تقدم لقوله تعالى: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فإنه ظاهر جدا في أنه حكاية عن الأمم السالفة أي قال كل أمة لنذيرها إنا بما أرسلتم به إلخ وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما قرر في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: ٥١] . وجعله حكاية عن قومه ﵊ بحمل صيغة الجمع على تغليبه ﷺ على سائر المنذرين وتوجيه كفرهم إلى ما أرسل به الكل من التوحيد لإجماعهم ﵈ عليه كما في نحو قوله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٢٣] تمحل بعيد، وأيضا يأباه ظاهر قوله سبحانه: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ فإن ظاهره كون الانتقام بعذاب الاستئصال وصاحب البحر يحمله على الانتقام بالقحط والقتل والسبي والجلاء. وقرأ أبي وأبو جعفر وشيبة وابن مقسم والزعفراني وغيرهم «أو لو جئناكم» بنون المتكلمين وهي تؤيد ما ذهبنا إليه والأمر بالنظر فيما انتهى إليه حال المكذبين تسلية له ﷺ وإرشاد إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه إياه ﵊ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي واذكر لهم وقت قوله ﵊ لِأَبِيهِ آزر وَقَوْمِهِ المكبين على التقليد كيف تبرأ مما هم فيه بقوله: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ وتمسك بالبرهان، والكلام تمهيد لما أهل مكة فيه من العناد والحسد والإباء عن تدبر الآيات وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى أن يقلدوا أباهم الأفضل الأعلم الذي هم يفتخرون بالانتماء إليه وهو إبراهيم ﵇ فكأنه بعد تعييرهم على التقليد يعيرهم على أنهم مسيئون في ترك اختياره أيضا. وبراء مصدر كالطلاق نعت به مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث. وقرأ الزعفراني والقورصي عن أبي جعفر وابن المناذري عن نافع «براء» بضم الباء هو اسم مفرد كطوال وكرام بضم الكاف، وقرأ الأعمش «بري» وهو وصف كطويل وكريم وقراءة العامة لغة العالية وهذه لغة نجد. وقرأ الأعمش أيضا «إنّي» بنون مشددة دون نون الوقاية إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي استثناء متصل إن قلنا إن ما عامة لذوي العلم وغيرهم وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى والأصنام وليس هذا من الجمع بين الله تعالى وغيره سبحانه الذي يجب اجتنابه لما فيه من إيهام التسوية بينه سبحانه وبين غيره جل وعلا لظهور ما يدل على خلاف ذلك في الكلام أو منقطع بناء على أن ما مختصة بغير ذوي العلم وأنه لا يناسب التغليب أصلا وأنهم لم يكونوا يعبدونه تعالى أو أنهم كانوا يعبدونه إلا أن عبادته سبحانه مع الشرك في حكم العدم، وعلى الوجهين محل الموصول النصب، وأجاز الزمخشري أن يكون في محل جر على أنه بدل من ما المجرور بمن، وفيه بحث لأنه يصير استثناء من الموجب ولم يجوزوا فيه البدل، ووجهه أنه في معنى النفي لأنه معنى إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ لا أعبد ما تعبدون فهو نظير قوله تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة: ٣٢] إلا أن ذلك في المفرغ وهذا فيما ذكر فيه المستثنى منه وهم لا يخصونه بالمفرغ ولا بألفاظ مخصوصة أيضا كأبى وقلما، نعم إن أبا حيان يأبى إلا أنه موجب ولا يعتبر النفي معنى،

стр. 5326

وأجاز أيضا أن تكون إِلَّا صفة بمعنى غير على أن (ما) في ما تَعْبُدُونَ نكرة موصوفة والتقدير إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني فهو نظير قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] واعتبار ما نكرة موصوفة بناء على أن إلا لا تكون صفة إلا لنكرة وكذا اعتبارها بمعنى الجمع بناء على اشتراط كون النكرة الموصوفة بها كذلك، والمسألة خلافية، فمن النحويين من قال إن ألا يوصف بها المعرفة والنكرة مطلقا وعليه لا يحتاج إلى اعتبار كون ما نكرة بمعنى آلهة، وفي جعل الصلة فَطَرَنِي تنبيه على أنه لا يستحق العبادة إلا الخالق للعابد فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ يثبتني على الهداية فالسين للتأكيد لا للاستقبال لأنه جاء في الشعراء يهدين بدونها والقصة واحدة، والمضارع في الموضعين للاستمرار، وقيل: المراد سَيَهْدِينِ إلى وراء ما هداني إليه أولا فالسين على ظاهرها والتغاير في الحكاية والمحكي بناء على تكرر القصة وَجَعَلَها الضمير المرفوع المستتر لإبراهيم ﵇ أو لله والضمير المنصوب لكلمة التوحيد أعني لا إله إلا الله كما روي عن قتادة ومجاهد والسدي ويشعر بها قوله: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلخ، وجوز أن يعود على هذا القول نفسه وهو أيضا كلمة لغة كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ في ذريته ﵇ فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده . وقرأ حميد بن قيس «كلمة» بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة فيها، وقرىء «في عقبه» بسكون القاف تخفيفا وعَقِبِهِ أي من عقبه أي خلفه ومنه تسمية النبي ﷺ بالعاقب لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ تعليل للجعل أي جعلها باقية في عقبه كي يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحد أو بسبب بقائها فيهم، والضميران للعقب وهو بمعنى الجمع، والأكثرون على أن الكلام بتقدير مضاف أي لعل مشركيهم أو الإسناد من إسناد ما للبعض إلى الكل وأولوا لعل بناء على أن الترجي من الله سبحانه وهو لا يصح في حقه تعالى أو منه ﵇ لكنه من الأنبياء في حكم المتحقق ويجوز ترك التأويل كما لا يخفى بل هو الأظهر إذا كان ذاك من إبراهيم ﵇. بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ أي أهل مكة المعاصرين للرسول ﷺ وَآباءَهُمْ بالمد في العمر والنعمة حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ دعوة التوحيد أو القرآن وَرَسُولٌ مُبِينٌ ظاهر الرسالة بما له من المعجزات الباهرات أو مبين للتوحيد بالآيات البينات والحجج القاطعات، والمراد بالتمتيع ما هو سبب له من استمتاعهم بما متعوا واشتغالهم بذلك عن شكر المنعم وطاعته والغاية لذلك فكأنه قيل: اشتغلوا حتى جاء الحق وهي غاية له في نفس الأمر لأن مجيء الرسول مما ينبه عن سنة الغفلة ويزجر عن الاشتغال بالملاذ لكنهم عكسوا فجعلوا ما هو سبب للتنصل سببا للتوغل فهو على أسلوب قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله سبحانه: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ١- ٤] ، وبَلْ مَتَّعْتُ إضراب عن قوله جل شأنه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ كأنه قيل بل متعت مشركي مكة وأشغلتهم بالملاهي والملاذ فاشتغلوا فلم يرجعوا أو فلم يحصل ما رجاه من رجوعهم عن الشرك، وهو في الحقيقة إضراب عن التمهيد الذي سمعت وشروع في المقصود لكن روعي فيه المناسبة بما قرب من جملة الإضراب أعني لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وفي الحواشي الشهابية أنه إضراب عن قوله تعالى: وَجَعَلَها إلخ أي لم يرجعوا فلم أعاجلهم بالعقوبة بل أعطيتهم نعما أخر غير الكلمة الباقية لأجل أن يشكروا منعمها ويوحدوه فلم يفعلوا بل زاد طغيانهم لاغترارهم أو التقدير ما اكتفيت في هدايتهم بجعل الكلمة باقية فيهم بل متعتهم وأرسلت رسولا. وقرأ قتادة والأعمش بَلْ مَتَّعْتُ بتاء الخطاب ورواها يعقوب عن نافع وهو من كلامه تعالى على سبيل التجريد لا الالتفات وإن قيل به في مثله أيضا كأنه تعالى اعترض بذلك على نفسه جل شأنه في قوله سبحانه: وَجَعَلَها إلخ لا لتقبيح فعله سبحانه بل لقصد زيادة توبيخ

стр. 5327

المشركين كما إذا قال المحسن على من أساء مخاطبا لنفسه: أنت الداعي لإساءته بالإحسان إليه ورعايته فيبرز كلامه في صورة من يعترض على نفسه ويوبخها حتى كأنه مستحق لذلك وفي ذلك من توبيخ المسيء ما فيه، وقال صاحب اللوامح: هو من كلام إبراهيم ﵇ ومناجاته ربه ، وقال في البحر: الظاهر أنه من مناجاة الرسول ﷺ على معنى قل يا رب متعت، والأول أولى وهو الموافق للأصل المشهور، وقرأ الأعمش «متّعنا» بنون العظمة. وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ لينبههم عما هم فيه من الغفلة ويرشدهم إلى التوحيد قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به فسموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا رسول الله ﷺ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ أي من إحدى القريتين مكة والطائف أو من رجالهما فمن ابتدائية أو تبعيضية، وقرىء «رجل» بسكون الجيم عَظِيمٍ بالجاه والمال قال ابن عباس: الذي من مكة الوليد بن المغيرة المخزومي والذي من الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة ابن عبد ياليل، وقال قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش وكان يقول: لو كان ما يقول محمد ﷺ حقا لنزل علي أو على أبي مسعود يعني عروة بن مسعود وكان يكنى بذلك، وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة وذلك أنهم أنكروا أولا أن يكون النبي بشرا ثم لما بكتوا بتكرير الحجج ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك جاؤوا بالإنكار من وجه آخر فتحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين وقولهم هذا القرآن ذكر له على وجه الاستهانة لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليما بل إنكارا كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه لو كان حقا لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم وهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية دون التزخرف بالزخارف الدنيوية، وقوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا، والرحمة يجوز أن يكون المراد بها ظاهرها وهو ظاهر كلام البحر ونزل تعيينهم لمن ينزل عليه الوحي منزلة التقسيم لها وتدخل النبوة فيها، ويجوز أن يكون المراد بها النبوة وهو الأنسب لما قبل وعليه أكثر المفسرين، وفي إضافة الرب إلى ضميره ﷺ من تشريفه ﵊ ما فيه، وفي إضافة الرحمة إلى الرب إشارة إلى أنها من صفات الربوبية نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ أسباب معيشتهم. وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وسفيان «معايشهم» على الجمع فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله تعالى: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ في الرزق وسائر مبادئ المعاش دَرَجاتٍ متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف التمام بهذه الحالة فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد من مناط العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها، والسخري على ما سمعت نسبة إلى السخرة وهي التذليل والتكليف، وقال الراغب: السخري هو الذي يقهر أن يتسخر بإرادته، وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء أي ليهزأ الغني بالفقير واستبعده أبو حيان. وقال السمين: إنه غير مناسب للمقام.

стр. 5328

وقرأ عمرو بن ميمون وابن محيصن وابن أبي ليلى وأبو رجاء والوليد بن مسلم «سخريا» بكسر السين والمراد به ما ذكرنا أيضا، وفي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا إلخ ما يزهد في الانكباب على طلب الدنيا ويعين على التوكل على الله والانقطاع إليه ﷻ : فاعتبر نحن قسمنا بينهم ... تلقه حقا وبالحق نزل وَرَحْمَتُ رَبِّكَ أي النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين، وقيل: الهداية والإيمان، وقال قتادة، والسدي: الجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا الدنية فالعظيم من رزق تلك الرحمة دون ذلك الحطام الدنيء الفاني. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة قدره عند الله ، والمعنى أن حقارة شأنه بحيث لولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر ويطبقوا عليه لأعطيناه على أتم وجه من هو شر الخلائق وأدناهم منزلة، فكراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع كل كافر والبسط عليه لا أن المانع كون متاع الدنيا له قدر عندنا، والكراهة المذكورة هي وجه الحكمة في ترك تنعيم كل كافر وبسط الرزق عليه فلا محذوف في تقديرها وليس ذلك مبنيا على وجوب رعاية المصلحة وإرادة الإيمان من الخلق ليكون اعتزالا كما ظن، وكأن وجه كون البسط على الكفار سببا للاجتماع على الكفر مزيد حب الناس للدنيا فإذا رأوا ذلك كفروا لينالوها، وهذا على معنى أن الله تعالى شأنه علم أنه لو فعل ذلك لدعا الناس إذ ذاك حبهم للدنيا إلى الكفر، فلا يقال: إن كثيرا من الناس اليوم يتحقق الغنى التام لو كفر ولا يكفر ولو أكره عليه بالقتل، وكون المراد بالأمر الواحد الذي يقتضيه كونهم أمة واحدة فإنه بمعنى اجتماعهم على أمر واحد الكفر بقرينة الجواب، ولِبُيُوتِهِمْ بدل اشتمال من قوله تعالى: لِمَنْ يَكْفُرُ واللام فيهما للاختصاص أو هما متعلقان بالفعل لا على البدلية ولام لمن صلة الفعل لتعديه باللام فهو بمنزلة المفعول به ولام لِبُيُوتِهِمْ للتعليل فهو بمنزلة المفعول له، ويجوز أن تكون الأولى للملك والثانية للاختصاص كما في قولك: وهبت الحبل لزيد لدابته وإليه ذهب ابن عطية، ولا يجوز على تقدير اختلاف اللامين معنى البدلية إذ مقتضى إعادة العامل في البدل الاتحاد في المعنى وإلى هذا ذهب أبو حيان، وقال الخفاجي: لا مانع من أن يبدل المجموع من المجموع بدون اعتبار إعادة، والسقف جمع سقف كرهن جمع رهن، وعن الفراء أنه جمع سقيفة كسفن جمع سفينة، والمعارج جمع معرج وهو عطف على سُقُفاً أي ولجعلنا لهم مصاعد عليها يعلون السطوح والعلالي وكأن المراد معارج من فضة بناء على أن العطف ظاهر في التشريك في القيد وإن تقدم، وقال أبو حيان: لا يتعين ذلك، وقرأ أبو رجاء «سقفا» بضم السين وسكون القاف تخفيفا وفي البحر هي لغة تميم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين والسكون على الإفراد لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وما فوقه وهو المراد بقرينة البيوت وقرىء بفتح السين والقاف وهي لغة في سقف وليس ذلك تحريك ساكن لأنه لا وجه له. وقرىء «سقوفا» وهو جمع سقف كفلوس جمع فلس، وقرأ طلحة «معاريج» جمع معراج وَلِبُيُوتِهِمْ أي ولجعلنا لبيوتهم، وتكرير ذكر بيوتهم لزيادة التقرير ولأنه ابتداء أية أَبْواباً وَسُرُراً أي من فضة على ما سمعت، وقرىء «سررا» بفتح السين والراء وهي لغة لبني تميم وبعض كلب وذلك في جمع فعيل المضعف إذا كان اسما باتفاق وصفه نحو ثوب جديد وثياب جدد باختلاف بين النحاة عَلَيْها أي على السرر يَتَّكِؤُنَ كما هو شأن الملوك لا يهمهم شيء وَزُخْرُفاً قال الحسن: أي نقوشا وتزاويق، وقال ابن زيد: الزخرف أثاث البيت وتحملاته وهو

стр. 5329

عليهما عطف على سُقُفاً. وقال ابن عباس وقتادة والشعبي والسدي والحسن أيضا في رواية الزخرف الذهب، وأكثر اللغويين ذكروا له معنيين هذا والزينة فقيل الظاهر أنه حقيقة فيهما، وقيل: إنه حقيقة في الزينة ولكون كمالها بالذهب استعمل فيه أيضا، ويشير إليه كلام الراغب قال: الزخرف الزينة المزوقة ومنه قيل للذهب زخرف، وفي البحر جاء في الحديث إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان، وقال ابن عطية: الحسن أحمر والشهوات تتبعه ولبعض شعراء المغرب: وصبغت درعك من دماء كماتهم ... لما رأيت الحسن يلبس أحمرا وهو على هذا عطف على محل مِنْ فِضَّةٍ كأن الأصل سقفا من فضة وزخرف يعني بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفا على المحل، وجوز عطفه على سُقُفاً أيضا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة الا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا وفي معناه ما قرىء «وما كل ذلك إلا متاع لدنيا» وقرأ الجمهور «لما» بفتح اللام والتخفيف على أن إِنْ هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها وما زائدة أو موصولة بتقدير لما هو متاع كما في قوله تعالى: «تماما على الذي أحسن» في قراءة من رفع النون، وقرأ رجاء وفي التحرير أبو حيوة «لما» بكسر اللام والتخفيف على أن إِنْ هي المخففة واللام حرف جر وما موصولة في محل جر بها والجار والمجرور في موضع الخبر لكل وصدر الصلة محذوف كما سمعت آنفا. وحق التركيب في مثله الإتيان باللام الفارقة فيقال للما: متاع لكنها حذفت لظهور إرادة الإثبات كما في قوله: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن بل لا يجوز في البيت إدخال اللام كما لا يخفى على النحوي وَالْآخِرَةُ أي بما فيها من فنون النعيم التي لا يحيط بها نطاق البيان عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ خاصة لهم، والمراد بهم من اتقى الشرك، وقال غير واحد: من اتقى ذلك والمعاصي، وفي الآية من الدلالة على التزهيد في الدنيا وزينتها والتحريض على التقوى ما فيها، وقد أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه عن سهل بن سعدة قال: «قال رسول الله ﷺ لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» وعن علي كرم الله تعالى وجهه: الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم ، هذا واستدل بعضهم بقوله تعالى: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو لأنه منسوب إلى البيت وَمَنْ يَعْشُ أي يتعام ويعرض عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ وهو القرآن، وإضافته إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين، وجوز أن يكون مصدرا أضيف إلى المفعول أي من يعش عن أن يذكر الرحمن. وأن يكون مصدرا أضيف إلى الفاعل أي عن تذكير الرحمن عباده سبحانه، وقرأ يحيى بن سلام البصري «يعش» بفتح الشين كيرض أي يعم يقال: عشى كرضي إذا حصلت الآفة في بصره وعشا كغزا إذا نظر نظر العشى لعارض قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد أي تنظر إليها نظر العشى لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ولو لم يكن كذلك لم يكن لكلمة الغاية موقع وأظهر منه في المقصود قول حاتم: أعشو إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر

стр. 5330

لأنه قيد بالوقت وأتى بالغاية وما هو خلقي لا يزول، وقال بعضهم: لم أر أحدا يجيز عشوت عنه إذا أعرضت وإنما يقال تعاشيت وتعاميت عن الشيء إذا تغافلت عنه كأنك لم تره ويقال: عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر ضعيف، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشى وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة وعرج بفتحها لمن استدللت عليها ببصر ضعيف، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشى وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة وعرج بفتحها لمن مشى مشية العرجان من غير عرج على ما في الكشاف، وفيه خلاف لأهل اللغة ففي القاموس يقال: عرج أي بالفتح إذا أصابه شيء في رجله وليس بخلقة فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة، وقرأ زيد بن علي «يعشو» بإثبات الواو وخرج ذلك الزمخشري على أن من موصولة لا شرطية جازمة، وجوز أن تكون شرطية والمدة إما للإشباع أو على لغة من يجزم المعتل الآخر بحذف الحركة على ما حكاه الأخفش، وجوز كون الفعل مجزوما بحذف النون والواو ضمير الجمع، وقد روعي فيه معنى من، وتخريج الزمخشري مبني على الفصيح المطرد المتبادر. نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي نتح له شيطانا ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض وهو القشر الأعلى. فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ دائما لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وهذا عقاب على الكفر بالختم وعدم الفلاح كما يقال: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيئات، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه: والسلمي والأعمش ويعقوب وأبو عمرو بخلاف عنه. وحماد عن عاصم وعصمة عن الأعمش وعن عاصم والعليمي عن أبي بكر «يقيض» بالياء على إسناده إلى ضمير الرَّحْمنِ، وقرأ ابن عباس «يقيض» بالياء والبناء للمفعول «شيطان» بالرفع والفعل في جميع القراءات مجزوم ولم نسمع أنه قرىء بالرفع، وفي الكشاف حق من قرأ «من يعشو» بالواو أن يرفعه أي بناء على تخريجه ذلك على أن من موصولة، وجوز على ذلك أيضا أن يكون «يقيّض» مرفوعا لكنه سكن تخفيفا. وفي البحر يجوز أن تكون مَنْ موصولة وجزم نُقَيِّضْ تشبيها للموصول باسم الشرط وإذا كان ذلك مسموعا في الذي وهو لم يكن اسم شرط قط فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولا وشرطا، قال الشاعر: لا تحفرن بئرا تريد أخا بها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ... تصبه على رغم عواقب ما صنع أنشدهما ابن الاعرابي وهو مذهب للكوفيين، وله وجه من القياس وهو أنه كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يشبه به فينجزم الخبر إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسببا عن الصلة بشروطه المذكورة في النحو وهذا لا يقيسه البصريون وَإِنَّهُمْ أي الشياطين الذين قيض وقدر كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو لَيَصُدُّونَهُمْ أي ليصدون قرناءهم وهم الكفار المعبر عنهم بمن يعش، وجمع ضمير الشيطان لأن المراد به الجنس. وجمع ضمير من رعاية للمعنى كما أفرد أولا رعاية للفظ. وفي الانتصاف أن في هذه الآية نكتتين بديعتين الأولى الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم وهي مسألة أضرب فيها الأصوليون وإمام الحرمين من القائلين بإفادتها العموم حتى استدرك على الأئمة إطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات تخص، وقال إن الشرط يعم والنكرة في سياقه تعم وقد رد عليه الفقيه أبو الحسن علي الأبياري شارح كتابه ردا عنيفا، وفي هذه الآية للإمام ومن قال بقوله كفاية، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكرا في سياق شرط ونحن نعلم أنه إنما أريد عموم الشياطين لا واحد لوجهين. أحدهما أنه قد ثبت أن لكل أحد شيطانا فكيف بالعاشي عن ذكر الله تعالى والآخر من الآية وهو أنه أعيد عليه الضمير مجموعا في قوله تعالى: «وإنهم» فإنه عائد إلى الشيطان قولا واحدا ولولا إفادته عموم الشمول لما

стр. 5331

جاز عود ضمير الجمع عليه بلا إشكال، فهذه نكتة تجد سماعها لمخالفي هذا الرأي سكتة. النكتة الثانية أن فمها ردا على من زعم أن العود على معنى من يمنع من العود على لفظها بعد ذلك واحتج لذلك بأنه إجمال بعد تفسير، وهو خلاف المعهود من الفصاحة وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات، واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك أيضا لأنه أعيد الضمير على اللفظ في يَعْشُ ولَهُ وعلى المعنى في لَيَصُدُّونَهُمْ ثم على اللفظ في حَتَّى إِذا جاءَنا وقد قدمت أن الذي منع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستقلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك انتهى. وفي كون ضمير إِنَّهُمْ عائدا على الشيطان قولا واحدا نظر، فقد قال أبو حيان: الظاهر أن ضمير النصب في إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عائد على من على المعنى وهو أولى من عود ضمير إِنَّهُمْ على الشيطان كما ذهب إليه ابن عطية لتناسق الضمائر في إِنَّهُمْ وما بعده فلا تغفل عَنِ السَّبِيلِ المستبين الذي يدعو إليه ذكر الرحمن وَيَحْسَبُونَ أي العاشون إِنَّهُمْ أي الشياطين مُهْتَدُونَ أي إلى ذلك السبيل الحق وإلا لما اتبعوهم أو ويحسب العاشون أن أنفسهم مهتدون فإن اعتقاد كون الشياطين مهتدين مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك لاتحاد مسلكهما. والظاهر أن أبا حيان يختار هذا الوجه للتناسق أيضا، والجملة حال من مفعول «يصدون» بتقدير المبتدأ أو من فاعله أو منهما لاشتمالها على ضميريهما أي وإنهم ليصدونهم عن الطريق الحق وهم يحسبون أنهم مهتدون إليه. وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَنا فإن حَتَّى وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد وأفرد الضمير في جاء وما بعده لما أن المراد حكاية مقالة كل واحد من العاشين لقرينه لتهويل الأمر وتفظيع الحال والمعنى يستمر أمر العاشين على ما ذكر حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة قالَ مخاطبا له: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي في الدنيا، وقيل: في الآخرة بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي بعد كل منهما من الآخر، والمراد بهما المشرق والمغرب كما اختاره الزجاج او الفراء وغيرهما لكن غلب المشرق على المغرب وثنيا كالموصلين للموصل والجزيرة وأضيف البعد إليهما، والأصل بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق وإنما اختصر هذا المبسوط لعدم الإلباس إذ لا خفاء أنه لا يراد بعدهما من شيء واحد لأن البعد من أحدهما قرب من الآخر ولأنهما متقابلان فبعد أحدهما من الآخر مثل في غاية البعد لا بعدهما عن شيء آخر، وإشعار السياق بالمبالغة لا ينكر فلا لبس من هذا الوجه أيضا، وقال ابن السائب: لا تغليب، والمراد مشرق الشمس في أقصر يوم من السنة ومشرقها في أطول يوم منها فَبِئْسَ الْقَرِينُ أي أنت، وقيل: أي هو على أنه من كلامه تعالى وهو كما ترى. وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو بكر والحرميان وقتادة والزهري والجحدري «جاءانا» على التثنية أي العاشي والقرين وقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ إلخ حكاية لما سيقال لهم حينئذ من جهة الله توبيخا وتقريعا، وفاعل يَنْفَعَكُمُ ضمير مستتر يعود على ما يفهم مما قبل أي لن ينفعكم هو أي تمنيكم لمباعدتهم أو الندم أو القول المذكور الْيَوْمَ أي يوم القيامة إِذْ ظَلَمْتُمْ بدل من الْيَوْمَ أي إذ تبين أنكم ظلمتم في الدنيا قاله غير واحد، وفسر ذلك بالتبين قيل لئلا يشكل جعله وهو ماض بدلا من الْيَوْمَ وهو مستقبل لأن تبين كونهم ظالمين عند أنفسهم إنما يكون يوم القيامة فاليوم وزمان التبين متحدان وهذا كقوله: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة وأورد عليه أن السؤال عائد لأن إِذْ ظرف لما مضى من الزمان ولا يخرج عن ذلك باعتبار التبين وتفصي

стр. 5332

بعضهم عن الإشكال بأن إذ قد تخرج من المضي إلى الاستقبال على ما ذهب إليه جماعة منهم ابن مالك محتجا بقوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ [غافر: ٧٠، ٧١] وإلى الحال كما ذهب إليه بعضهم محتجا بقوله سبحانه: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: ٦١] فلتكن هنا للاستقبال، وأهل العربية يضعفون دعوى خروجها من المضي. وقال الجلبي: لعل الأظهر حملها على التعليل فيتعلق بالنفي، فقد قال سيبويه: إنها بمعنى التعليل حرف بمنزلة لام العلة، نعم أنكر الجمهور هذا القسم لكن إثبات سيبويه إياه يكفي حجة. فإن القول ما قالت حذام. وتعقب بأنه لا يكفي في تخريج كلام الله سبحانه إثبات سيبويه وحده مع إطباق جميع أئمة العربية على خلافه، وأيضا تعليل النفي بعد يبعده وقال أبو حيان: لا يجوز البدل على بقاء إذ على موضوعها من كونها ظرفا لما مضى من الزمان فإن جعلت لمطلق الوقت جاز، ولا يخفى أن ذلك مجاز فهل تكفي البدلية قرينة له فإن كفت فذاك، وقال ابن جني: راجعت أبا علي في هذه المسألة يعني الإبدال المذكور مرارا وآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله سبحانه وعلمه جل شأنه لا يجري عليه زمان فكأن إِذْ مستقبل أو الْيَوْمَ ماض فصح ذلك، ورد بأن المعتبر حال الحكاية والكلام فيها وارد على ما تعارفه العرب ولولاه لسد باب النكات ولغت الاعتبارات في العبارات ومثله غني عن البيان، وقال أبو البقاء: التقدير بعد إذ ظلمتم فحذف المضاف للعلم به، وقال الحوفي: إِذْ متعلقة بما دل عليه المعنى كأنه قيل ولن ينفعكم اليوم اجتماعكم إذ ظلمتم مثلا. ومن الناس من استشكل الآية من حيث إن فيها إعمال يَنْفَعَكُمُ الدال على الاستقبال لاقترانه بلن في اليوم وهو الزمان الحاضر وإذ وهو للزمان الماضي، وأجيب بأنه يدفع الثاني بما قدروه من التبين لأن تبين الحال يكون في الاستقبال والأول بأن الْيَوْمَ تعريفه للعهد وهو يوم القيامة لا للحضور كتعريف الآن وإن كان نوعا منه. وقيل: يدفع بأن الاستقبال بالنسبة إلى وقت الخطاب وهو بعض أوقات اليوم وهو كما ترى فتأمل ولا تغفل. وقوله تعالى: أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ تعليل لنفي النفع أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا. وجوز أن يكون الفعل مسندا إليه أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته أو لن ينفعكم ذلك من حيث التأسي فإن المكروب يتأسى ويتروح بوجدان المشارك وهو الذي عنته الخنساء بقولها: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره بكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي فهؤلاء يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه أو لن ينفعكم ذلك من حيث التشفي أي لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم تدعون عليهم بقولكم: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٨] وقولكم: فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] لتتشفوا بذلك، واعترض على الوجه الأول من هذه الأوجه الثلاثة بأن الانتفاع بالتعاون في تحمل أعباء العذاب ليس ما يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه، وأجيب بأنه غير بعيد أن يخطر ذلك ببالهم لمكان المقارنة والصحبة والغريق يتشبث بالحشيش والظمآن يحسب السراب شرابا.

стр. 5333

وقرأ ابن عامر «إنكم» بكسر الهمزة وهو تقوى ما ذكر أولا من إضمار الفاعل وتقدير اللام في أنكم معنى ولفظا لأنه لا يمكن أن يكون فاعلا فيتعين الإضمار، ولأن الجملة عليها تكون استئنافا تعليليا فيناسب تقدير اللام لتتوافق القراءتان، وقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ إنكار تعجيب من أن يكون ﷺ هو الذي يقدر على هدايتهم وهو قد تمرنوا في الكفر واعتادوه واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم من العشى عمى مقرونا بالصمم وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عطف على العمى باعتبار تغاير الوصفين أعني العمى والضلال بحسب المفهوم وإن اتحدا مآلا، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط الذي لا يخفى لا توهم القصور منه ﵊ ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وحده بالقسر والإلجاء وقد كان ﷺ يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غيا وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاما عما يسمعونه من بينات القرآن فنزلت أَفَأَنْتَ إلخ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ لا محالة في الدنيا والآخرة واقتصر بعضهم على عذاب الآخرة لقوله تعالى في آية أخرى: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] والقرآن يفسر بعضه بعضا، وما ذكرنا أتم فائدة وأوفق بإطلاق الانتقام، وأما تلك الآية فليس فيها ذكره، وما مزيدة للتأكيد وهي بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ أي أو أردنا أن نريك العذاب الذي وعدناهم فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ بحيث لا مناص لهم من تحت ملكنا وقهرنا واعتبار الإرادة لأنها أنسب بذكر الاقتدار بعد، وفي التعبير بالوعد وهو سبحانه لا يخلف الميعاد إشارة إلى أنه هو الواقع، وهكذا كان إذ لم يفلت أحد من صناديدهم في بدر وغيرها إلا من تحصين بالإيمان، وقرىء «نرينك» بالنون الخفيفة فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تسلية له ﷺ وأمر له ﵊ أو لأمته بالدوام على التمسك بالآيات والعمل بها، والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا كان أحد هذين الأمرين واقعا لا محالة فاستمسك بالذي أوحيناه إليك، وقوله تعالى: إِنَّكَ إلخ تعليل للاستمساك أو للأمر به. وقرأ بعض قراء الشام «أوحي» بإسكان اللام، وقرأ الضحاك «أوحى» مبنيا للفاعل وَإِنَّهُ أي ما أوحى إليك والمراد به القرآن لَذِكْرٌ لشرف عظيم لَكَ وَلِقَوْمِكَ هم قريش على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. وأخرج ابن عدي وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور فإذا قالوا: لمن الملك بعدك أمسك فلم يجبهم بشيء لأنه ﵊ لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فكان ﷺ بعد إذا سئل قال لقريش: فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: «كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ فقال: ألا إن الله تعالى علم ما في قلبي من حبي لقومي فبشرني فيهم فقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ الآية فجعل الذكر والشرف لقومي في كتابه» الحديث ، وفيه «فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي والشهيد من قومي إن الله تعالى قلب العباد ظهرا وبطنا فكان خير العرب قريش وهي الشجرة المباركة إلى أن قال عدي: ما رأيت رسول الله ﷺ ذكر عنده قريش بخير قط إلا سره حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم وكان ﵊ كثيرا ما يتلو هذه الآية وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ إلخ ، وقيل هم العرب مطلقا لما أن القرآن نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص

стр. 5334

فالأخص منهم حتى يكون الشرف لقريش أكثر من غيرهم ثم لبني هاشم أكثر مما يكون لسائر قريش، وفي رواية عن قتادة هم من اتبعه ﷺ من أمته. وقال الحسن: هم الأمة والمعنى وإنه لتذكرة وموعظة لك ولأمتك، والأرجح عندي القول الأول. وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه، وقال الحسن والكلبي والزجاج: تسألون عن شكر ما جعله الله تعالى لكم من الشرف، قيل إن هذه الآية تدل على إن الإنسان يرغب في الثناء الحسن والذكر الجميل إذ لو لم يكن مرغوبا فيه ما امتن الله تعالى به على رسوله ﷺ والذكر الجميل قائم مقام الحياة ولذا قيل ذكر الفتى عمره الثاني، وقال ابن دريد: وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى وقال آخر: إنما الدنيا محاسنها ... طيب ما يبقى من الخبر ويحكى أن الطاغية هلاكو سأل أصحابه: من الملك؟ فقالوا له: أنت الذي دوخت البلاد وملكت الأرض وطاعتك الملوك وكان المؤذن إذ ذاك يؤذن فقال لا الملك هذا له أزيد من ستمائة سنة قد مات وهو يذكر على المآذن في كل يوم وليلة خمس مرات يريد محمدا رسول الله ﷺ .

стр. 5335

وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ أي هل حكمنا بعبادة غير الله سبحانه وهل جاءت في ملة من ملل المرسلين ﵈ والمراد الاستشهاد بإجماع المرسلين على التوحيد والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه ﷺ حتى يكذب ويعادى له، والكلام بتقدير مضاف أي واسأل أمم من أرسلنا أو على جعل سؤال الأمم بمنزلة سؤال المرسلين إليهم. قال الفراء: هم إنما يخبرون عن كتب الرسل فإذا سألهم ﵊ فكأنه سأل المرسلين ﵈، وعلى الوجهين المسئول الأمم، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء وهو رواية عن ابن عباس أيضا. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات واسأل من أرسلنا إليهم رسلنا قبلك. وأخرج هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان عبد الله يقرأ واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا، وعن ابن مسعود أنه قرأ واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل مؤمني أهل الكتاب، وجعل بعضهم السؤال مجازا عن النظر والفحص عن مللهم في سؤال الديار والاطلال ونحوها من قولهم: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك. وروي عن ابن عباس أيضا وابن جبير والزهري وابن زيد أن الكلام على ظاهره وأنه ﵊ قيل له ذلك ليلة الإسراء حين جمع له الأنبياء في البيت المقدس فافهم ولم يسأل ﵊ إذ لم يكن في شك. وفي بعض الآثار أن ميكال قال لجبريل ﵉: هل سأل محمد ﷺ عن ذلك؟ فقال: هو أعظم يقينا وأوثق إيمانا من أن يسأل. وتعقب هذا القول بأن المراد بهذا السؤال الزام المشركين وهم منكرون الإسراء، وللبحث فيه مجال. والخطاب على جميع ما سمعت لنبينا ﵊. وفي البحر الذي يظهر أنه خطاب للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات قيل له اسأل أيها الناظر أتباع الرسل أجاءت رسلهم بعبادة غير الله فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع ولا يمكن أن يأتوا به ولعمري إنه خلاف الظاهر جدا، ومما يقضي منه العجب ما قيل: إن المعنى واسألني أو واسألنا عمن أرسلنا وعلق اسأل فارتفع من وهو اسم استفهام على الابتداء وأرسلنا خبره والجملة في موضع نصب باسأل بعد إسقاط الخافض كأن سؤاله من أرسلت يا رب قبلي من رسلك أجعلت في رسالته آلهة تعبد ثم السؤال فحكى المعنى فرد الخطاب إلى النبي ﷺ في قوله تعالى مِنْ قَبْلِكَ انتهى، واسأل من قرأ أبا جاد أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ملتبسا بها إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أشراف قومه وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع فَقالَ لهم إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم وأريد باقتصاص ذلك تسلية رسول الله ﷺ وإبطال قولهم: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] لأن موسى ﵇ مع عدم زخارف الدنيا لديه كان له مع فرعون وهو ملك جبار ما كان وقد أيده الله سبحانه بوحيه وما أنزل عليه، والاستشهاد بدعوته ﵇ إلى التوحيد أثر ما أشير إليه من إجماع جميع الرسل ﵈ عليه ويعلم من ذلك وجه مناسبة الآيات لما قبلها، وقال أبو حيان: مناسبتها من وجهين الأول أنه ذكر فيما قبل قول المشركين: لَوْلا نُزِّلَ إلخ وفيه زعم أن العظم بالجاه والمال وأشير في هذه الآيات إلى أن مثل ذلك سبق إليه فرعون في قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: ٥١] إلخ فهو قدوتهم في ذلك وقد انتقم منه فكذلك ينتقم منهم، الثاني أنه سبحانه لما قال: وَسْئَلْ إلخ ذكر جلّ وعلا قصة موسى وعيسى ﵉ وهما أكثر أتباعا ممن سبق من الأنبياء وكل جاء بالتوحيد فلم يكن فيما جاءا به إباحة

стр. 5336

اتخاذ آلهة من دون الله تعالى كما اتخذت قريش فناسب ذكر قصتهما الآية التي قبلها. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ أي فاجأهم الضحك منها أي استهزؤوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها، وفي الكشاف جاز أن تجاب لما بإذا المفاجاة لأن فعل المفاجأة مقدر معها وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضحكهم. فالجواب عنده ذلك الفعل وهو العامل في لما، وقدر ماضيا لأنه المعروف في جوابها، وإذا مفعول به لا ظرف، وقال أبو حيان: لا نعلم نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه هذا الرجل من أن إذا الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره فاجأ بل المذاهب فيها ثلاثة. الأول أنها حرف فلا تحتاج إلى عامل. الثاني أنها ظرف مكان فإن صرح بعد الاسم بعدها بخبر له كان ذلك الخبر عاملا فيها نحو خرجت فإذا زيد قائم فقائم هو الناصب لها والتقدير خرجت ففي المكان الذي خرجت فيه زيد قائم. الثالث أنها ظرف زمان والعامل فيها الخبر أيضا كأنه قيل: ففي الزمان الذي خرجت فيه زيد قائم: وإذا لم يذكر بعد الاسم خبر أو ذكر اسم منصوب على الحال كانت إذا خبرا للمبتدأ: فإن كان جثة وقلنا: إذا ظرف مكان الأمر واضحا وإن قلنا ظرف زمان كان الكلام على حذف مضاف أي ففي الزمان حضور زيد ثم إن المفاجأة التي ادعاها لا يدل المعنى على أنها تكون من الكلام السابق بل يدل على أنها تكون من الكلام التي هي فيه تقول خرجت فإذا الأسد فالمعنى ففاجأني الأسد انتهى، وقال الخفاجي ما قيل إن نصبها بفعل المفاجأة المقدر هكذا لم يقله أحد من النحاة لا يلتفت إليه وتفصيله في شروح المغني وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ من الآيات: إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها أي من آية مثلها في كونها آية دالة على النبوة واستشكل بأنه يلزم كون كل واحدة من الآيات فاضلة ومفضولة معا وهو يؤدي إلى التناقض وتفضيل الشيء على نفسه لعموم آية في النفي، وأجيب بأن الغرض من هذا الكلام انهن موصوفات بالكبر لا يكدن يتفاوتن فيه على معنى أن كل واحدة لكمالها في نفسها إذا نظر إليها قيل هي أكبر من البواقي لاستقلالها بإفادة المقصود على التمام كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري وإذا لوحظ الكل توقف عن التفضيل بينهن، ولقد فاضلت فاطمة بنت خرشب الأنمارية بين أولادها الكملة ربيعة الحفاظ. وعمارة الوهاب. وأنس الفوارس ثم قال: أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، وقال بعض الأجلة: المراد بأفعل الزيادة من وجه أي ما نريهم من آية الا هي مختصة بنوع من الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار، ولا ضمير في كون الشيء الواحد فاضلا ومفضولا باعتبارين، وقد أطال الكلام في ذلك جلال الدين الدواني في حواشيه على الشرح الجديد للتجريد فليراجع ذلك من أراده، وفي البحر قيل: كانت آياته ﵇ من كبار الآيات وكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها فعلى هذا يكون ثم صفة محذوفة أي من أختها السابقة عليها ولا يبقى في الكلام تعارض، ولا يكون ذلك الحكم في الآية الأولى لأنه لم يسبقها شيء فتكون أكبر منه، وذكر بعضهم في الأكبرية أن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما منضما إلى علم الأولى فيزداد الرجوع انتهى، والأولى ما تقدم لشيوع إرادة ذلك المعنى من مثل هذا التركيب وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ كالسنين والجراد والقمل وغيرها: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لكي يرجعوا ويتوبوا عما هم عليه من الكفر وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ قال الجمهور: وهو خطاب تعظيم فقد كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لاستعظامهم علم السحر، وحكاه في مجمع البيان عن الكلبي والجبائي، وقيل: المعنى يا غالب السحرة من ساحره فسحره كخاصمه فخصمه فهو خطاب تعظيم أيضا، وقيل:

стр. 5337

الساحر على المعنى المعروف فيه وقد تعودوا ﵇ بذلك قبل، ومقتضى مقام طلب الدعاء منه ﵇ أن لا يدعوه به إلا أنهم لفرط حسرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به، وقيل: هو خطاب استهزاء وانتقاص دعاهم إليه شدة شكيمتهم ومزيد حماقتهم وروي ذلك عن الحسن. ودفع الزمخشري المنافاة بين هذا الخطاب وقولهم الآتي: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ بأن ذلك القول وعد منوي إخلافه وعهد معزوم على نكثه معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب وفيه أن الوعد وإن كان منوي الأخلاف لكن إظهار الأخلاف حال التضرع إليه ﵇ ينافيه لأنهم في استلانة قلبه ﵇. وقيل الأظهر أنهم قالوا يا موسى كما في الأعراف لكن حكي الله تعالى كلامهم هنا على حسب حالهم ووفق ما في قلوبهم تقبيحا لذلك وتسلية لحبيبه ﷺ ويكون ذلك على عكس قوله سبحانه إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء: ١٥٧] وجعل على هذا قولهم الآتي مجمل ما فصل هنالك من الإيمان وإرسال بني إسرائيل فلا يحتاج إلى التزام كون القولين في مجلسين للجمع بين ما هنا وما هناك، ولا يخلو عن بعد والالتزام المذكور لا أرى ضررا فيه. وقرىء «يا أيه» بضم الهاء ادْعُ لَنا رَبَّكَ ليكشف عنا العذاب بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بعهده عندك، والمراد به النبوة وسميت عهدا إما لأن الله تعالى عاهد نبيه ﵇ أن يكرمه بها وعاهد النبي ربه سبحانه على أن يستقل بأعبائها أو لما فيها من الكلفة بالقيام بأعبائها ومن الاختصاص كما بين المتواثقين أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد أو من العهد الذي يكتب للولاة كأن النبوة منشور من الله تعالى بتولية من أكرمه بها والباء إما صلة لادع. أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير فيه أي متوسلا إليه تعالى بما عهد أو بمحذوف دل عليه التماسهم مثل أسعفنا إلى ما نطلب، وإما أن تكون للقسم والجواب ما يأتي، وهي على هذا للقسم حقيقة وعلى ما قبله للقسم الاستعطافي وعلى الوجه الأول للسببية، وإدخال ذلك في الاستعطاف خروج عن الاصطلاح، وجوز أن يراد بالعهد عهد استجابة الدعوة كأنه قيل: بما عاهدك الله تعالى مكرما لك من استجابة دعوتك أو عهد كشف العذاب عمن اهتدى، وأمر الباء في الوجهين على ما مر وأن يراد بالعهد الإيمان والطاعة أي بما عهد عندك فوفيت به على أنه من عهد إليه أن يفعل كذا أي أخذ منه العهد على فعله ومنه العهد الذي يكتب للولاة، وعِنْدَكَ يغني عن ذكر الصلة مع إفادة أنه محفوظ مخزون عند المخاطب، والأولى على هذا أن تكون ما موصولة، وهذا الوجه فيه كما في الكشف نبو لفظا ومعنى وسياقا ما لا يخفى على الفطن. إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ لمؤمنون ثابتون على الإيمان وهو إما معلق بشرط كشف العذاب كما في قولهم المحكي في سورة الأعراف لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك أو غير معلق ويجب حينئذ أن يكون هذا منهم في مجلس آخر، وإن قلنا: لم يصدر منهم طلب الدعاء إلا مرة أو أكثر منها لكن على طرز واحد قيل هنا: أرادوا من الاهتداء الإيمان وإرسال بني إسرائيل كما سمعت آنفا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ أي بدعوته ففي الكلام حذف أي فدعانا بكشف العذاب فكشفناه فلما كشفناه عنهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ فاجأهم نكث عهدهم بالاهتداء أو فاجؤوا وقت نكث عهدهم. وقرأ أبو حيوة «ينكثون» بكسر الكاف. وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أي رفع صوته بنفسه فيما بين قومه بذلك القول، ولعله جمع عظماء القبط في محله الذي هو فيه به أن كشف العذاب فنادى فيما بينهم بذلك لتنتشر مقالته في جميع القبط ويعظم في نفوسهم مخافة أن يؤمنوا بموسى ﵇ ويتركوه. ويجوز أن يكون إسناد النداء إليه مجازا والمراد أمر بالنداء بذلك في الأسواق والأزقة ومجامع الناس وهذا كما

стр. 5338

يقال بنى الأمير المدينة، وَنادى قيل معطوف على فاجأ المقدر ونزل منزلة اللازم وعدي بفي كقوله: يجرح في عراقيبها نصلي. للدلالة على تمكين النداء فيهم، وعنى بملك مصر ضبطها والتصرف فيها بالحكم ولم يرد مصر نفسها بل هي وما يتبعها وذلك من اسكندرية إلى أسوان كما في البحر، والأنهار الخلجان التي تخرج من النيل المبارك كنهر الملك. ونهر دمياط. ونهر تنيس ولعل نهر طوطون كان منها إذ ذاك لكنه اندرس فجدده أحمد بن طولون ملك مصر في الإسلام وأراد بقوله مِنْ تَحْتِي من تحت أمري. وقال غير واحد كانت أنهار تخرج من النيل وتجري من تحت قصره وهو مشرف عليها، وقيل: كان له سرير عظيم مرتفع تجري من تحته أنهار أخرجها من النيل، وقال قتادة: كانت له جنان وبساتين بين يديه تجري فيها الأنهار، وفسر الضحاك الأنهار بالقواد والرؤساء الجبابرة، ومعنى كونهم يجرون من تحته أنهم يسيرون تحت لوائه ويأتمرون بأمره، وقد أبعد جدا وكذا من فسرها بالأموال ومن فسرها بالخيل وقال: كما يسمى الفرس بحرا يسمى نهرا بل التفاسير الثلاثة تقرب من تفاسير الباطنية فلا ينبغي أن يلتفت إليها، والواو في وَهذِهِ إلخ إما عاطفة لهذه الأنهار على الملك فجملة تجري حال منها أو للحال فهذه مبتدأ والْأَنْهارُ صفة أو عطف بيان وجملة تَجْرِي خبر للمبتدأ وجملة هذه إلخ حال من ضمير التكلم، وجوز أن تكون للعطف وهذِهِ تَجْرِي مبتدأ وخبر والجملة عطف على اسم وخبرها، وقوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ على تقدير المفعول أي أفلا تبصرون ذلك أي ما ذكر، ويجوز أن ينزل منزلة اللازم والمعنى أليس لكم بصر أو بصيرة، وقرأ عيسى «تبصرون» بكسر النون فتكون الياء الواقعة مفعولا محذوفة، وقرأ فهد بن الصقر «يبصرون» بياء الغيبة ذكره في الكامل للهزلي والساجي عن يعقوب ذكره ابن خالويه، ولا يخفى ما بين افتخار اللعين بملك مصر ودعواه الربوبية من البعد البعيد، وعن الرشيد أنه لما قرأ هذه الآية قال لأولينها- يعني مصر- أخس عبيدي فولاها الخطيب وكان على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: هي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثنى عنانه أَمْ أَنَا خَيْرٌ مع هذه البسطة والسعة في الملك والمال مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ أي ضعيف حقير أو مبتذل ذليل فهو من المهانة وهي القلة أو الذلة وَلا يَكادُ يُبِينُ أي الكلام، والجمهور أنه ﵇ كان بلسانه بعض شيء من أثر الجمرة لكن اللعين بالغ. ومن ذهب إلى أن الله تعالى كان أجاب سؤاله حل عقدة من لسانه فلم يبق فيه منها أثر قال: المعنى ولا يكاد يبين حجته الدالة على صدقه فيما يدعى لا أنه لا قدرة له على الإفصاح باللفظ وهو افتراء ﵇ ألا ترى إلى مناظرته له ورده عليه وإفحامه إياه، وقيل: عابه بما كان به ﵇ من الحبسة أيام كان عنده وأراد اللعين أنه ﵇ ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسان وإبانة الكلام، وأَمْ على ما نقل عن سيبويه والخليل متصلة، وقد نزل السبب بعدها منزلة المسبب على ما ذهب إليه الزمخشري، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع أَمْ أَنَا خَيْرٌ موضع أم تبصرون. وإيضاح ذلك أن فرعون عليه اللعنة لما قدم أسباب البسطة والرياسة بقوله أَلَيْسَ لِي إلخ وعقبه بقوله أفلا تبصرون استقصارا لهم وتنبيها على أنه من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين قال في مقابله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ بمعنى أم تبصرون أني أنا المقدم المتبوع، وفي العدول تنبيه على أن هذا الشق هو المسلم لا محالة عندكم فكأنه يحكيه عن لسانهم بعد ما أبصروا وهو أسلوب عجيب وفن غريب، وجعله الزمخشري من إنزال السبب مكان المسبب لأن كونه خيرا في نفسه أن محصلا له أسباب التقدم والملك سبب لأن يقال فيه أنت خير منه وقولهم: أنت خير سبب

стр. 5339

لكونهم بصراء وسبب السبب قد يقال له سبب فلا يرد ما يقال إن السبب قولهم: أنت خير لا قوله: أنا خير، وقال القاضي البيضاوي: إنه من إنزال المسبب منزلة السبب لأن علمهم بأنه خبر مستفاد من الابصار. وفيه أن المذكور أنا خير لا أم تعلمون أني خير، وله أن يقول: ذلك يغني غناه لأنه جعله مسلما معلوما ما عندهم فقال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ لا أم تعلمون كما سلف، ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري أظهر كذا في الكشف، وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك: إن قوله: أنا خير سبب لقولهم من جهة بعثه على النظر في أحواله واستعداده لما ادعاه وقولهم: أنت خير سبب لكونهم بصراء عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم به، وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن إبصارهم سبب لقوله أنت خير فتأمل، وبالجملة إن ما بعد أَمْ مؤول بجملة فعلية معلولة لفظا ومعنى هي ما سمعت ونحو ذلك من حيث التأويل أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [الأعراف: ١٢٣] أي أم صمتم، وقوله: أمخدج اليدين أم أتمت أي أم متما، وقيل: حذف المعادل لدلالة المعنى عليه، والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون أنا خير إلخ، وتعقب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعد أم لا نحو أيقوم زيد أم لا أي أم لا يقوم فأما حذفه دون لا فليس من كلامهم، وجوز أن يكون في الكلام طي على نهج الاحتباك والمعنى أهو خير مني فلا تبصرون ما ذكرتكم به أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه، ولا ينبغي الالتفات إليه، وجوز غير واحد كون أَمْ منقطعة مقدرة بيل والهمزة التي للتقرير كأن اللعين قال أثر ما عدد أسباب فضله ومبادي خيريته: أثبت عندكم واستقر لديكم أني خير وهذه حالي من هذا إلخ، ورجحه بعضهم لما فيه من عدم التكلف في أمر المعادل اللازم أولا لحسن في المتصلة، وقال السدي. وأبو عبيدة: أم بمعنى بل فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خير كقول الشاعر: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح وقال أبو البقاء: إنها منقطعة لفظا متصلة وأراد ما تقدم من التأويل، وليس فيه مخالفة لما أجمع عليه النحاة كما توهم، وجملة «لا يكاد يبين» معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حالية. وقرىء «أما أنا خير» بإدخال الهمزة على ما النافية، وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه «يبين» بفتح الياء من بان إذا ظهر فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ كناية عن تمليكه، قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب علامة لسؤدده، فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب إن كان صادقا، وهذا من اللعين لزعمه أن الرياسة من لوازم الرسالة كما قال كفار قريش في عظيم القريتين، والأسورة جمع سوار نحو خمار وأخمرة، وقرأ الأعمش «أساور» ورويت عن أبي، وعن أبي عمرو جمع اسورة فهو جمع الجمع، وقرأ الجمهور «أساورة» جمع أسوار بمعنى السوار والهاء عوض من ياء أساوير فإنها تكون في الجمع المحذوف مدته للعوض عنها كما في زنادقة جمع زنديق. وقد قرأ «أساوير» عبد الله وأبي في الرواية المشهورة، وقرأ الضحاك ألقى مبنيا للفاعل أي الله تعالى أساورة بالنصب أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ من قرنته به فاقترن، وفسر بمقرونين أي به لأنه لازم معناه بناء على هذا، وفسر أيضا بمتقارنين من اقترن بمعنى تقارن والاقتران مجاز أو كناية عن الإعانة. ولذا قال ابن عباس: يعينونه على من خالفه، وقيل: عن التصديق ولولا ذلك لم يكن لذكره بعد قوله معه فائدة، وهو الأول حسي وعلى الثاني معنوي، وقيل: متقارنين بمعنى مجتمعين كثيرين، وعن قتادة متتابعين. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فطلب منهم الخفة في مطاوعته على أن السين للطلب على حقيقتها، ومعنى الخفة السرعة

стр. 5340

لإجابته ومتابعته كما يقال هم خفوف إذا دعوا وهو مجاز مشهور وقال ابن الأعرابي استخف أحلامهم أي وجدهم خفيفة أحلامهم أي قليلة عقولهم فصيغة الاستفعال للوجدان كالأفعال كما يقال أحمدته وجدته محمودا وفي نسبته ذلك للقوم تجوز. فَأَطاعُوهُ فيما أمرهم به إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ فلذلك سارعوا إلى طاعة ذلك الفاسق الغوي فَلَمَّا آسَفُونا أي أسخطونا كما قال علي كرم الله تعالى وجهه. وفي معناه ما قيل أي أغضبونا أشد الغضب أي بأعمالهم. والغضب عند الخلف مجاز عن إرادة العقوبة فيكون صفة ذات أو عن العقوبة فيكون صفة فعل. وقال أبو عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه: إن الله سبحانه لا يأسف كأسفنا ولكن له جل شأنه أولياء يأسفون ويرضون فجعل سبحانه رضاهم رضاه وغضبهم غضبه تعالى، وعلى ذلك قال : «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» وقال سبحانه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] وعليه قيل: المعنى فلما أسفوا موسى ﵇ ومن معه، والسلف لا يؤولون ويقولون: الغضب فينا انفعال نفساني وصفاته سبحانه ليست كصفاتنا بوجه من الوجوه، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأسف بالحزن وأنه قال هنا: أي أحزنوا أولياءنا المؤمنين نحو السحرة وبني إسرائيل. وذكر الراغب أن الأسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا، ولذلك سئل ابن عباس عنهما فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظا وغضبا ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزنا وجزعا، وبهذا النظر قال الشاعر: فحزن كل أخي حزن أخو الغضب انتهى، وعلى جميع الأقوال آسف منقول بالهمزة من أسف. انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ في اليم فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قال ابن عباس وزيد بن أسلم. وقتادة أي متقدمين إلى النار. وقال غير واحد: قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون بهم في استيجاب مثل عقابهم ونزوله بهم، والكلام على الاستعارة لأن الخلف يقتدي بالسلف فلما اقتدوا بهم في الكفر جعلوا كأنهم اقتدوا بهم في معلول الغضب وهو مصدر نعت به ولذا يصح إطلاقه على القليل والكثير، وقيل: جمع سالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا يحتمل أن يراد بالجمع فيه ظاهره ويحتمل أن يراد به اسم الجمع فإن فعلا ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات، والمشهور في جمعه أسلاف وجاء سلاف أيضا. وقرأ أبو عبد الله وأصحابه وسعيد بن عياض والأعمش والأعرج وطلحة وحمزة والكسائي «سلفا» بضمتين جمع سليف كفريق لفظا ومعنى، سمع القاسم بن معن العرب تقول: مضى سليف من الناس يعنون فريقا، منهم وقيل: جمع سلف كصبر جمع صابر أو جمع سلف كجنب. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد والأعرج أيضا «سلفا» بضم ففتح إما على أنه أبدلت فيه ضمة اللام فتحة تخفيفا كما يقال في جدد بضم الدال جدد بفتحها أو على أنه جمع سلفة بمعنى الأمة والجماعة من الناس أي فجعلناهم أمة سلفت، والسلف بالضم فالفتح في غير هذا ولد القبج والجمع سلفان كصردان ويضم.

стр. 5341

وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أي عظة لهم، والمراد بهم الكفار بعدهم، والجار متعلق على التنازع بسلفا ومثلا، ويجوز أن يراد بالمثل القصة العجيبة التي تسير مسير الأمثال ومعنى كونهم مثلا للكفار أن يقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون، ويجوز تعلق الجار بالثاني وتعميم الآخرين بحيث يشمل المؤمنين، وكونهم قصة عجيبة للجميع ظاهر وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إلخ بيان لعناد قريش بالباطل والرد عليهم، فقد روي أن عبد الله بن الزبعري قبل إسلامه، قال للنبي ﷺ وقد سمعه يقول: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] أليست النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبيا وعبدا من عباد الله تعالى صالحا فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ فالمعنى ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا وحاجك بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجدلا، والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة قيل لها مثل أو المثل بمعنى المثال أي جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله ﵊: إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى ﵇ نفسه مثلا من باب «الحج عرفة» . وقرأ أبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب وابن عامر ونافع والكسائي «يصدّون» بضم الصاد من الصدود، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه القراءة وهو قبل بلوغه تواترها، والمعنى عليها إذا قومك من أجل ذلك يعرضون عن الحق بالجدل بحجة داحضة واهية، وقيل: المراد يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض. وقال الكسائي والفراء: يصدون بالكسر ويصدون بالضم لغتان بمعنى واحد مثل يعرشون ويعرشون ومعناهما يضجون، وجوز أن يكون يعرضون وَقالُوا تمهيدا لما بنوا عليه من الباطل المموه بما يغتر به السفهاء أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي ظاهر عندك أن عيسى ﵇ خير من آلهتنا فحيث كان هو في النار فلا بأس بكونها وإيانا فيها، وحقق الكوفيون الهمزتين همزة الاستفهام والهمزة الأصلية وسهل باقي السبعة الثانية بين بين، وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر بهمزة واحدة على مثال الخبر، والظاهر أنه على حذف همزة الاستفهام، وقوله تعالى: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إبطال لباطلهم إجمالا اكتفاء بما فصل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ [الأنبياء: ١٠١] وتنبيها على أنه مما لا يذهب على ذي مسكة بطلانه فكيف على غيره ولكن العناد يعمي ويصم أي ما ضربوا لك ذلك إلا لأجل الجدال والخصام لا لطلب الحق فإنه في غاية البطلان بل هم قوم لد شداد الخصومة مجبولون على المحك أي سؤال الخلق واللجاج، فجدلا منتصب على أنه مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي مجادلين، وقرأ ابن مقسم «جدالا» بكسر الجيم وألف بعد الدال، وقوله تعالى: إِنْ هُوَ أي ما عيسى ابن مريم إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة وروادفها فهو مرفوع المنزلة على القدر لكن ليس له من استحقاق المعبودية من نصيب، كلام حكيم مشتمل على ما اشتمل عليه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ولكن على سبيل الرمز وعلى فساد رأي النصارى في إيثارهم عبادته ﵇ تعريضا بمكان عبادة قريش غيره ، وقوله تعالى: وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أي أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة لِبَنِي إِسْرائِيلَ حيث خلقناه من غير أب وجعلنا له من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك ما لم نجعل لغيره في زمانه، كلام أجمل فيه وجه الافتتان به وعليه، ووجه دلالته على قدرة خالقه تعالى شأنه وبعد استحقاقه ﵇ عما قرف به إفراطا وتفريطا، وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا إلخ تذييل لوجه دلالته على القدرة وأن الافتتان من عدم التأمل وتضمين للإنكار على من اتخذ الملائكة آلهة كما اتخذ عيسى ﵈ أي ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر لجعلنا بطريق التوليد ومآله لولدنا

стр. 5342

مِنْكُمْ يا رجال مَلائِكَةً كما ولدنا عيسى من غير أب فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ أي يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم أو يكونون خلفا ونسلا لكم ليعرف تميزنا بالقدرة الباهرة وليعلم أن الملائكة ذوات ممكنة تخلق توليدا كما تخلق إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إليه بالبنوة، وجوز أن يكون معنى لجعلنا إلخ لحولنا بعضكم ملائكة فمن ابتدائية أو تبعيضية ومَلائِكَةً مفعول ثان أو حال، وقيل: من للبدل كما في قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة: ٣٨] وقوله: ولم تذق من البقول الفستقا أي ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة يكونون مكانكم بعد إذهابكم، وإليه يشير كلام قتادة ومجاهد، والمراد بيان كمال قدرته تعالى لا التوعد بالاستئصال وإن تضمنه فإنه غير ملائم للمقام، وقيل: لا مانع من قصدهما معا نعم كثير من النحويين لا يثبتون لمن معنى البدلية ويتأولون ما ورد مما يوهم ذلك والأظهر ما قرر أولا. وذكر العلامة الطيبي عليه الرحمة أن قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ إلخ جواب عن جدل الكفرة في قوله سبحانه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ إلخ وإن تقريره ان جدلكم هذا باطل لأنه ﵇ ما دخل في ذلك النص الصريح لأن الكلام معكم أيها المشركون وأنتم المخاطبون به وإنما المراد بما تعبدون الأصنام التي تنحتونها بأيديكم وأما عيسى ﵇ فما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر فمن أين تدخل في قولنا: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قوما أهلا للنار وآخرين أهلا للجنة إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم أيها الكفرة ملائكة أي عبيدا مكرمون مهتدون وإلى الجنة صائرون كقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [السجدة: ١٣] اهـ. وعلى ما ذكرنا أن الكلام في إبطال قد تم عند قوله تعالى: خَصِمُونَ وما بعد لما سمعت قبل وهو أدق وأولى مما ذكره بل ما أشار إليه من أن قوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ إلخ لنفي الاعتراض ليس بشيء. وروي أن ابن الزبعرى قال للنبي ﷺ حين سمع قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ﵊: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال: خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيرا، وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا وسكت رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ [الأنبياء: ١٠١] الآية أو نزلت هذه الآية ، وأنكر بعضهم السكوت، وذكر أن ابن الزبعرى حين قال للنبي ﵊: خصمتك رد عليه ﷺ بقوله ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن ما لما يعقل ، وروى محيي السنة في المعالم أن ابن الزبعرى قال له ﵊: أنت قلت: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ قال: نعم قال: أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي ﷺ : بل هم يعبدون الشيطان فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى وهذا أثبت من الخبر الذي قبله. وتعقب ما تقدم في الخبر السابق من سؤال ابن الزبعرى أهذا لنا إلخ، وقوله ﵊: هو لكم إلخ بأنه ليس بثبت. وذكر من أثبته أنه ﷺ إنما لم يجب حين سئل عن الخصوص والعموم بالخصوص عملا بما تقتضيه كلمة ما لأن إخراج المعهودين عن الحكم عند المحاجة وهم للرخصة في عبادتهم في الجملة فعممه ﵊ للكل لكن لا بطريق عبارة النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك في المعبودية من دون الله تعالى ثم بين أنهم بمعزل من أن يكونوا معبوديهم بما جاء في خبر محيي السنة من قوله ﵊: بل هم يعبدون الشيطان كما

стр. 5343

نطق به قوله تعالى: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سبأ: ٤١] الآية، وقد تقدم ما ينفعك تذكره فتذكر. وفي الدر المنثور أخرج الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لقريش: إنه ليس أحد يعبد من دون الله تعالى فيه خير فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عبد الله تعالى صالحا فإن كنت صادقا فإنه كآلهتنا فأنزل الله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إلخ، والكلام في الآيات على هذه الرواية يعلم مما تقدم بأدنى التفات، وقيل: إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: ٥٩] قالوا: نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة فنزلت، فالمثل ما في قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى الآية والضارب هو تعالى شأنه أي ولما بين الله سبحانه حاله العجيبة اتخذه قومك ذريعة إلى ترويج ما هم فيه من الباطل بأنه مع كونه مخلوقا بشرا قد عبد فنحن أهدى حيث عبدنا ملائكة مطهرين مكرمين عليه وهو الذي عنوه بقولهم: أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ فأبطل الله تعالى ذلك بأنه مقايسة باطل بباطل وأنهم في اتخاذهم العبد المنعم عليه إلها مبطلون مثلكم في اتخاذ الملائكة وهم عباد مكرمون، ثم قال سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ دلالة على أن الملائكة ﵈ مخلوقون مثله وأنه سبحانه قادر على أعجب من خلق عيسى ﵇ وأنه لا فرق في ذلك بين المخلوق توالدا وإبداعا فلا يصلح القسمان للإلهية. وفي رواية عن ابن عباس وقتادة أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى الآية قالت قريش: ما أراد محمد ﷺ من ذكر عيسى ﵇ إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى. ومعنى يصدون يضجون ويضجرون، والضمير في أَمْ هُوَ لنبينا ﵊، وغرضهم بالموازنة بينه ﷺ وبين آلهتهم الاستهزاء به ﵊، وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ إلخ رد وتكذيب لهم في افترائهم عليه ﷺ ببيان أن عيسى ﵇ في الحقيقة وفيما أوحى إلى الرسول ﵊ ليس إلا أنه عبد منعم عليه كما ذكر فكيف يرضى ﷺ بمعبوديته أو كيف يتوهم الرضا بمعبودية نفسه ثم بين جل شأنه أن مثل عيسى ليس ببدع من قدرة الله تعالى وأنه قادر على أبدع منه وأبدع مع التنبيه على سقوط الملائكة ﵈ أيضا عن درجة المعبودية بقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ إلخ وفيه أن الدلالة على ذلك المعنى غير واضحة، وكذلك رجوع الضمير إلى نبينا ﵊ في قوله تعالى: أَمْ هُوَ مع رجوعه إلى عيسى في قوله سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ وفيه من فك النظم ما يجب أن يصان الكتاب المعجز عنه، ولا يكاد يقبل القول برجوع الضمير الثاني إليه ﷺ ، ولعل الرواية عن الخبر غير ثابتة، وجوز أن يكون مرادهم التنصل عما أنكر عليهم من قولهم: الملائكة ﵈ بنات الله سبحانه ومن عبادتهم إياهم كأنهم قالوا: ما قلنا بدعا من القول ولا فعلنا منكرا من الفعل فإن النصارى جعلوا المسيح ابن الله فنحن أشف منهم قولا وفعلا حيث نسبنا إليه تعالى الملائكة ﵈ وهم نسبوا إليه الأناسي، وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ إلخ عليه كما في الوجه الثاني وَإِنَّهُ أي عيسى ﵇ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي إنه بنزوله شرط من أشراطها أو بحدوثه بغير أب أو بإحيائه الموتى دليل على صحة البعث الذي هو معظم ما ينكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة، وأيا ما كان فعلم الساعة مجاز عما تعلم به والتعبير به للمبالغة. وقرأ أبي «لذكر» وهو مجاز كذلك. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك الغفاري وزيد بن علي وقتادة ومجاهد والضحاك ومالك بن دينار والأعمش والكلبي قال ابن عطية وأبو نصرة «لعلم» بفتح العين واللام أي لعلامة. وقرأ عكرمة قال ابن خالويه وأبو نصرة «لا لعلم» معرفا بفتحتين والحصر إضافي، وقيل: باعتبار أنه أعظم

стр. 5344

العلامات، وقد نطقت الأخبار بنزوله ﵇ فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ ينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية وليتركن القلاص فلا يسقى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» ، وفي رواية «وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فليقاتل الناس على الإسلام» وفيه «ويهلك المسيح الدجال» وفي أخرى قال: «قال رسول الله ﷺ كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» وفي رواية «فأمكم منكم» قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قال: تخبرني قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ ، والمشهور نزوله ﵇ بدمشق والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام وهو المهدي فيقدمه عيسى ﵇ ويصلي خلفه ويقول: إنما أقيمت لك. وقيل بل يتقدم هو ويؤم الناس والأكثرون على اقتدائه بالمهدي في تلك الصلاة دفعا لتوهم نزوله ناسخا وأما في غيرها فيؤم هو الناس لأنه الأفضل والشيعة تأبى ذلك. وفي بعض الروايات أنه ﵇ ينزل على ثنية يقال لها أفيق بفاء وقاف بوزن أمير وهي هنا مكان بالقدس الشريف نفسه ويمكث في الأرض على ما جاء في رواية عن ابن عباس أربعين سنة وفي رواية سبع سنين قيل والأربعون إنما هي مدة مكثه قبل الرفع وبعده ثم يموت ويدفن في الحجرة الشريفة النبوية، وتمام الكلام في البحور الزاخرة للسفاريني، وعن الحسن وقتادة وابن جبير أن ضمير إِنَّهُ للقرآن لما أن فيه الإعلام بالساعة فجعله عين العلم مبالغة أيضا، وضعف بأنه لم يجر للقرآن ذكر هنا مع عدم مناسبة ذلك للسياق، وقالت فرقة: يعود على النبي ﷺ فقد قال ﵊: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وفيه من البعد ما فيه. وكأن هؤلاء يجعلون ضمير أَمْ هُوَ وضمير إِنْ هُوَ له ﷺ أيضا وهو كما ترى فَلا تَمْتَرُنَّ بِها فلا تشكن في وقوعها وَاتَّبِعُونِ أي واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي، وقيل: هو قول الرسول ﷺ مأمورا من جهته فهو بتقدير القول أي وقل اتبعوني هذا أي الذي أدعوكم إليه أو القرآن على أن الضمير في «إنه» له صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ موصل إلى الحق وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ عن اتباعي إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي بين العداوة أو مظهرها حيث أخرج أباكم من الجنة وعرضكم للبلية وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ بالأمور الواضحات وهي المعجزات أو آيات الإنجيل أو الشرائع ولا مانع من إرادة الجميع قالَ لبني إسرائيل قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أي الإنجيل كما قال القشيري: والماوردي، وقال السدي. بالنبوة، وفي رواية أخرى عنه هي قضايا يحكم بها العقل، وقال أبو حيان. أي بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع، وقال الضحاك: أي بالموعظة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ متعلق بمقدر أي وجئتكم لأبين لكم، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حيث جعلت كأنها كلام برأسه. وفي الإرشاد هو عطف على مقدر ينبىء عنه المجيء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو أمر الديانات وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها ككيفية نضد الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلا فإن الأنبياء ﵈ لم يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلا فإن الأنبياء ﵈ لم يبعثوا لبيانه أيضا كما يشير إليه قوله ﷺ في قصة تأبير النخل «أنتم أعلم بأمور دنياكم» . وجوز أن يراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلف بها وأريد بالبيان البيان على سبيل التفصيل وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلا وبعضها مفوض للاجتهاد، وقال أبو عبيدة: المراد بعض الذي حرم عليهم وقد أحل عليهم السلام

стр. 5345

لهم لحوم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت، وقال مجاهد: بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة، وقال قتادة: لأبين لكم اختلاف الذين تحزبوا في أمره ﵇ فَاتَّقُوا اللَّهَ من مخالفتي وَأَطِيعُونِ فيما أبلغه عنه تعالى إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع هذا أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يضل سالكه، وهو إما من تتمة كلام عيسى ﵇ أو استئناف من الله تعالى مقرر لمقالة عيسى ﵇. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الفرق المتحزبة مِنْ بَيْنِهِمْ من بين من بعث إليهم وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته ﵇، وقيل: المراد النصارى وهم أمة إجابته ﵇، وقد اختلفوا فرقا ملكانية ونسطورية ويعقوبية فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا من المختلفين وهم الذين لم يقولوا: إنه عبد الله ورسوله مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ هو يوم القيامة وأليم صفة عذاب أو يوم على الإسناد المجازي. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ الضمير لقريش، وأن تأتيهم بدل من الساعة، والاستثناء مفرغ، وجوز جعل إلا بمعنى غير والاستفهام للإنكار وينظرون بمعنى ينتظرون أي ما ينتظرون شيئا إلا إتيان الساعة فجأة وهم غافلون عنها، وفي ذلك تهكم بهم حيث جعل إتيان الساعة كالمنتظر الذي لا بد من وقوعه.

стр. 5346

ولما جاز اجتماع الفجأة والشعور وجب أن يقيد ذلك بقوله سبحانه: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ لعدم إغناء الأول عنه فلا استدراك، وقيل: يجوز أن يراد بلا يشعرون الإثبات لأن الكلام وارد على الإنكار كأنه قيل: هل يزعمون أنها تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون أي لا يكون ذلك بل تأتيهم وهم فطنون، وفيه ما فيه، وقيل: ضمير يَنْظُرُونَ للذين ظلموا، وقيل: للناس مطلقا وأيد بما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله ﷺ : تقوم الساعة والرجلان يحلبان النعجة والرجلان يطويان الثوب ثم قرأ ﵊ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ الظرف متعلق بعدو والفصل لا يضره، والمراد أن المحبات تنقطع يوم إذ تأتيهم الساعة ولا يبقى إلا محبة المتقين وهم المتصادقون في الله عن وجل لما أنهم يرون ثواب التحاب في الله عن وجل لما أنهم يرون ثواب التحاب في الله تعالى، واعتبار الانقطاع لأن الخل حال كونه خلّا محال أن يصير عدوا. وقيل: المعنى الأخلاء تنقطع خلتهم ذلك اليوم إلا المجتنبين أخلاء السوء، والفرق بين الوجهين أن المتقي في الأول هو المحب لصاحبه في الله تعالى فاتقى الحب أن يشوبه غرض غير إلهي، وفي الثاني هو من اتقى صحبة الأشرار. والاستثناء فيهما متصل، وجوز أن يكون يومئذ متعلقا بالأخلاء والمراد به في الدنيا ومتعلق عدو مقدر أي في الآخرة والآية قيل نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله تعالى يومئذ فهو بتقدير قول أي فيقال لهم يا عبادي إلخ أو فأقول: لهم بناء على أن المنادي هو الله تشريفا لهم، وعن المعتمر بن سليمان أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحدا لا يفزع فينادي مناد يا عباد إلخ فيرجوها الناس كلهم فيتبعها قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ فييأس منها الكفار، فيا عباد عام مخصوص إما بالآية السابقة وإما باللاحقة، والأول أوفق من أوجه عديدة. والموصول إما صفة للمنادى أو بدل أو مفعول لمقدر أي أمدح ونحوه، وجملة وَكانُوا مُسْلِمِينَ حال من ضمير آمَنُوا بتقدير قد أو بدونه، وجوز عطفها على الصلة، ورجحت الحالية بأن الكلام عليها أبلغ لأن المراد بالإسلام هنا الانقياد والإخلاص ليفيد ذكره بعد الإيمان فإذا جعل حالا أفاد بعد تلبسهم به في الماضي اتصاله بزمان الإيمان، وكان تدل على الاستمرار أيضا ومن هنا جاء التأكيد والأبلغية بخلاف العطف، وكذا الحال المفردة بأن يقال: الذين آمنوا بآياتنا مخلصين، وقرأ غير واحد من السبعة «يا عبادي» بالياء على الأصل، والحذف كثير شائع وبه قرأ حفص وحمزة والكسائي، وقرأ ابن محيصن «لا خوف» بالرفع من غير تنوين، والحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى وابن يعمر ويعقوب بفتحها من غير تنوين ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ نساؤكم المؤمنات فالإضافة للاختصاص التام فيخرج من لم يؤمن منهن تُحْبَرُونَ تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره من النضرة والحسن على وجوهكم كقوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] أو تزينون من الحبر بفتح الحاء وكسرها وهو الزينة وحسن الهيئة وهذا متحد بما قبله معنى والفرق في المشتق منه، وقال الزجاج: أي تكرمون إكراما يبالغ فيه، والحبرة بالفتح المبالغة في الفعل الموصوف بأنه جميل ومنه الإكرام فهو في الأصل عام أريد به بعض أفراده هنا يُطافُ عَلَيْهِمْ بعد دخولهم الجنة حيثما أمروا به بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ كذلك، والصحاف جمع صحفة قيل هي كالقصعة، وقيل: أعظم أواني الأكل الجفنة ثم القصعة ثم الصحفة ثم الكيلة. والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وهذا معنى قول مجاهد لا أذن له، وهو على ما روي عن قتادة دون الإبريق، وقال: بلغنا أنه مدور الرأس ولما كانت أواني المأكول أكثر بالنسبة لأواني المشروب عادة جمع الأول جمع

стр. 5347

كثرة والثاني جمع قلة، وقد تظافرت الأخبار بكثرة الصحاف، أخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن أنس قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها ثم يكون ذلك كرشح المسك الأذفر لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون إخوانا على سرر متقابلين» وفي حديث رواه عكرمة «إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل بعده أحد يفسح له في بصره مسيرة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدي عليه كل يوم ويراح بسبعين ألف صحفة في كل صحفة لون ليس في الأخرى مثله شهوته في آخرها كشهوته في أولها لو نزل عليه جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطى لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا» وروى ابن أبي شيبة هذا العدد عن كعب أيضا، وإذا كان ذلك للأدنى فما ظنك بالأعلى، رزقنا الله تعالى ما يليق بجوده وكرمه. وأمال أبو الحرث عن الكسائي كما ذكر ابن خالويه بصحاف وَفِيها أي في الجنة ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ من فنون الملاذ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ أي تستلذ وتقر بمشاهدته، وذكر ذلك الشامل لكل لذة ونعيم بعد ذكر الطواف عليهم بأواني الذهب الذي هو بعض من التنعم والترفه تعميم بعد تخصيص كما أن ذكر لذة العين التي هي جاسوس النفس بعد اشتهاء النفس تخصيص بعد تعميم، وقال بعض الأجلة: إن قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بصحاف دل على الأطعمة وَأَكْوابٍ على الأشربة، ولا يبعد أن يحمل قوله سبحانه: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ على المنكح والملبس وما يتصل بهما ليتكامل جميع المشتهيات النفسانية فبقيت اللذة الكبرى وهي النظر إلى وجه الله تعالى الكريم فكني عنه بقوله وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ولهذا قال رسول الله ﷺ فيما رواه النسائي عن أنس: «حبب إليّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» وقال قيس بن ملوح: ولقد هممت بقتلها من حبها ... كيما تكون خصيمتي في المحشر حتى يطول على الصراط وقوفنا ... وتلذ عيني من لذيذ المنظر ويوافق هذا قول الإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: شتان بين ما تشتهي الأنفس وبين ما تلذ الأعين لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين كأصبع تغمس في البحر لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية لأنها مخلوقة ولا تلذ عين في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية انتهى، ويعلم مما ذكر أن المعنى على اعتبار وفيها ما تلذ الأعين وعلى ذلك بنى الزمخشري قوله: هذا حصر لأنواع النعم لأنها إما مشتهاة في القلوب أو مستلذة في الأعين، وتعقبه في الكشف فقال: فيه نظر لانتقاضه بمستلذات سائر المشاعر الخمس، فإن قيل: إنها من القسم الأول قلنا: مستلذ العين كذلك فالوجه أنه ذكر تعظيما لنعيمها بأنه مما يتوافق فيه القلب والعين وهو الغاية عندهم في المحبوب لأن العين مقدمة القلب وهذا قول بأنه ليس في الجملة الثانية اعتبار موصول آخر بل هي والجملة قبلها صلتان لموصول واحد وهو المذكور، وما تقدم هو الذي يقتضيه كلام الأكثرين، وحذف الموصول في مثل ذلك شائع، ولا مانع من إدخال النظر إلى وجهه تعالى الكريم فيما تلذ الأعين على ما ذكرناه أولا، و «أل» في الأنفس والأعين للاستغراق على ما قيل، ولا فرق بين جمع القلة والكثرة. ولعل من يقول: بأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع ويفرق بين الجمعين في المبدأ والمنتهى يقول: بأن استغراق جمع القلة أشمل من استغراق جمع الكثرة، وقيل: هي للعهد، وقيل: عوض عن المضاف إليه أي ما

стр. 5348

تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم، وجمع النفس والعين الباصرة على أفعل في كلامهم أكثر من جمعهما على غيره بل ليس في القرآن الكريم جمع الباصرة إلا على ذلك، وما أنسب هذا الجمع هنا لمكان الْأَخِلَّاءُ وحمل ما تشتهيه النفس على المنكح والملبس وما يتصل بهما خلاف الظاهر. وفي الأخبار أيضا ما هو ظاهر في العموم، أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه عن بريدة قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هل في الجنة خيل فإنها تعجبني؟ قال: إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء فتطير بك في الجنة حيث شئت، فقال له رجل: إن الإبل تعجبني فهل في الجنة من إبل؟ فقال: يا عبد الله إن أدخلت الجنة فلك فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك» . وأخرج أيضا نحوه عن عبد الرحمن بن سابط وقال: هو أصح من الأول، وجاء نحوه أيضا في روايات أخر فلا يضره ما قيل من ضعف إسناده، ولا يشكل على العموم أن اللواطة (١) مثلا لا تكون في الجنة لأن ما لا يليق أن يكون فيها لا يشتهى بل قيل في خصوص اللواطة أنه لا يشتهيها في الدنيا الأنفس السليمة. واختلف الناس هل يكون في الجنة حمل أم لا فذهب بعض إلى الأول، فقد أخرج الإمام أحمد وهناد والدارمي وعبد بن حميد وابن ماجه وابن حبان والترمذي وحسنه وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا يا رسول الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل الجنة؟ فقال ﵊: إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي» وذهب طاوس وإبراهيم النخعي ومجاهد وعطاء وإسحاق بن إبراهيم إلى الثاني. فقد روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد» وفي حديث لقيط الطويل الذي رواه عبد الله ابن الإمام أحمد وأبو بكر بن عمرو وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم والطبراني وابن حبان ومحمد بن إسحاق ابن منده وابن مردويه وأبو نعيم وجماعة من الحفاظ وتلقاه الأئمة بالقبول وقال فيه ابن منده: لا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة قلت: «يا رسول الله أو لنا فيها- يعني الجنة- أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا توالد» . وقال مجاهد وعطاء قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة: ٢٥، النساء: ٥٧] أي مطهرة من الولد والحيض والغائط والبول ونحوها، وقال إسحاق بن إبراهيم في حديث أبي سعيد السابق: إنه على معنى إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي ولكن لا يشتهي، وتعقب بأن (إذا) لمتحقق الوقوع ولو أريد ما ذكر لقيل: لو اشتهى، وفي حادي الأرواح إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح فرجاله يحتج بهم فيه ولكنه غريب جدا. وقال السفاريني في البحور الزاخرة: حديث أبي سعيد أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم عليه بالغرابة وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق التاجي وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه إذا اشتهى الولد وتارة أنه يشتهي الولد وتارة أن الرجل ليولد له، وإذا قد تستعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقق وغيره، ورجح القول بعدم الولادة بعشرة وجوه مذكورة فيها، وأنا أختار القول بالولادة كما نطق بها حديث أبي سعيد وقد قال فيه الأستاذ أبو

стр. 5349

سهل فيما نقله الحاكم: إنه لا ينكره إلا أهل الزيغ، وفيه غير إسناد، وليس تكون الولد على الوجه المعهود في الدنيا بل يكون كما نطق به الحديث ومتى كان كذلك فلا يستبعد تكونه من نسيم يخرج وقت الجماع، وزعم أن الولد إنما يخلق من المني فحيث لا مني في الجنة كما جاء في الأخبار لا خلق فيه تعجيز للقدرة، ولا ينافي ذلك ما في حديث لقيط لأن المراد هناك نفي التوالد المعهود في الدنيا كما يشير إليه وقوع غير أن لا توالد بعد قوله ﵊: مثل لذاتكم في الدنيا، ويقال نحو ذلك في حديث أبي رزين جمعا بين الأخبار، ثم إن التوالد ليس على سبيل الاستمرار بل هو تابع للاشتهاء ولا يلزم استمراره فالقول بأنه إن استمر لزم وجود أشخاص لا نهاية لها وإن انقطع لزم انقطاع نوع من لذة أهل الجنة ليس بشيء، وما قيل: إنه قد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «يبقى في الجنة فضل فينشىء الله تعالى لها خلقا يسكنهم إياها» ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم الملازمة فيه ممنوعة لجواز أن يقال من يشتهي الولد يشتهي أن يكون معه في منزله، والقول بأن التوالد في الدنيا لحكمة بقاء النوع وهو باق في الجنة بدون توالد فيكون عبثا يرد عليه أنه ما المانع من أن يكون هناك للذة ونحوها كالأكل والشرب فإنهما في الدنيا لشيء وفي الجنة لشيء آخر، وبالجملة ما ذكر لترجيح عدم الولادة من الوجوه مما لا يخفى حاله على من له ذهن وجيه. وقرأ غير واحد من السبعة وغيرهم «ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين» بحذف الضمير العائد على ما من الجملتين المتعاطفتين، وفي مصحف عبد الله «ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين» بالضمير فيهما، والقراءة به في الأول دون الثانية لأبي جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وحفص وَأَنْتُمْ فِيها أي في الجنة، وقيل: في الملاذ المفهومة مما تقدم وهو كما ترى خالِدُونَ دائمون أبد الآبدين، والجملة داخلة في حيز النداء وهي كالتأكيد لقوله تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ونودوا بذلك إتماما للنعمة وإكمالا للسرور فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الأحوال، ولله تعالى در القائل: وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا ... للمرء خير من نعيم زائل وعن النصرآباذي أنه إن كان خلودهم لشهوة الأنفس ولذة الأعين فالفناء خير من ذلك وإن كان لفناء الأوصاف والاتصاف بصفات الحق والمقام فيها على سرر الرضا والمشاهدة فانتم إذا أنتم، وأنت تعلم أن ما ذكره يدخل في عموم ما تقدم دخولا أوليا، وذكر بعضهم هنا أن الخطاب هنا من باب الالتفات وأنه للتشريف. وقال الطيبي: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف في وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ لتقف على ما لا يكتنهه الوصف وَتِلْكَ الْجَنَّةُ مبتدأ وخبر وقوله تعالى: الَّتِي أُورِثْتُمُوها صفة الجنة وقوله سبحانه بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ متعلق بأورثتموها، وقيل: تِلْكَ الْجَنَّةُ مبتدأ وصفة والَّتِي أُورِثْتُمُوها الخبر والجار بعده متعلق به، وقيل: تلك مبتدأ والجنة صفتها والتي أورثتموها صفة الجنة وبما كنتم متعلق بمحذوف هو الخبر. والإشارة على الوجه الأول إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وعلى الأخيرين إلى الجنة الواقعة صفة على ما قيل، والباء للسببية أو للمقابلة، وقد شبه ما استحقوه بأعمالهم الحسنة من الجنة ونعيمها الباقي لهم بما يخلفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق ويلزمه تشبيه العمل نفسه بالمورث اسم فاعل فاستعير الميراث لما استحقوه ثم اشتق أورثتموها فيكون هناك استعارة تبعية، وقال بعض: الاستعارة تمثيلية. وجوز أن تكون مكنية، وقيل: الإرث مجاز مرسل للنيل والأخذ، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فالكافر يرث المؤمن منزله في النار والمؤمن

стр. 5350

يرث الكافر منزله في الجنة وذلك قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولا يخلو الكلام عن مجاز عليه أيضا، وأيّا ما كان فسببية العمل لإيراث الجنة ونيلها ليس إلا بفضل الله تعالى ورحمته ، والمراد بقوله ﷺ : «لن يدخل أحدكم الجنة عمله» ففي إدخال العمل الجنة على سبيل الاستقلال والسببية التامة فلا تعارض. وأخرج هناد. وعبد بن حميد في الزهد عن ابن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله تعالى وتدخلون الجنة برحمة الله تعالى وتقتسمون المنازل بأعمالكم فتأمل. وقرىء «ورثتموها» لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ بحسب الأنواع والأصناف لا بحسب الأفراد فقط مِنْها تَأْكُلُونَ أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها باقية في أشجارها فهي مزينة بالثمار أبدا موقرة بها لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا، وفي الحديث «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها» فمن تبعيضية وجوز كونها ابتدائية، والتقديم للحصر الإضافي وقيل لرعاية الفاصلة. ولعل تكرير ذكر المطاعم في القرآن العظيم مع أنها كلا شيء بالنسبة إلى سائر أنواع نعيم الجنة لما كان بأكثرهم في الدنيا من الشدة والفاقة فهو تسلية لهم، وقيل: إن ذلك لكون أكثر المخاطبين عواما نظرهم مقصور على الأكل والشرب. وتعقب بأنه غير تام للصوفية، كلام سيأتي في مواضع إن شاء الله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أي الراسخين في الإجرام الكاملين فيه وهم الكفار فكأنه قيل: إن الكفار فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ وأيد إرادة ذلك بجعلهم قسيم المؤمنين بالآيات في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا [الزخرف: ٦٩] فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين كما ذهب إليه المعتزلة والخوارج، ولا يضر عدم التعرض لبيان حكمهم بناء على أن المراد بالذين آمنوا المتقون لقوله تعالى: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] والقول بأن الذين آمنوا شامل لهم لأن العلة إيمانهم وإسلامهم لا يخفى ما فيه. والظرف متعلق بخالدون وخالدون خبر إن، وجوز أن يكون الظرف هو الخبر وخالدون فاعله لاعتماده لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أي لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا، والمادة بأي صيغة كانت تدل على الضعف مطلقا وَهُمْ فِيهِ أي في العذاب، وقرأ عبد الله «فيها» أي في جهنم مُبْلِسُونَ حزينون من شدة البأس، قال الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة البأس ومنه اشتق إبليس فيما قيل. ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته انتهى، وقد فسر الإبلاس هنا بالسكوت وانقطاع الحجة وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لسوء اختيارهم، وهُمُ ضمير فصل فيفيد التخصيص، وقرأ عبد الله. وأبو زيد «الظالمون» بالرفع على أن هم مبتدأ وهو خبره، وذكر أبو عمر الجرمي أن لغة تميم جعل ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ ويرفعون ما بعده على الخبر، وقال أبو زيد: سمعتهم يقرؤون «تجدوه عند الله هو خير وأعظم» (١) برفع خير وأعظم، وقال قيس بن ذريح: تحن إلى ليلى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر وقال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول أظن زيدا هو خير منك يعني بالرفع وَنادَوْا أي من شدة العذاب. وفي بعض الآثار يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه العذاب فيقولون: ادعوا مالكا فيدعون يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي ليمتنا من قضى عليه إذا أماته، ومرادهم سل ربك أن يقضي علينا حتى نستريح، واضافتهم الرب إلى ضميره لحثه لا للإنكار، وهذا لا ينافي الإبلاس على التفسير الأول لأنه صراخ وتمني للموت من فرط الشدة، وأما على التفسير الثاني أنه وإن نفاه لكن زمان كل غير زمان الآخر فإن أزمنة العذاب متطاولة وأحقابه

стр. 5351

ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا خلاص لهم ولو بالموت ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم. وتعقب بأنه لا يناسب دوام الجملة الاسمية أعني وهم مبلسون وقيل إن نادوا معطوف بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا، ولا يخفى أن تلك الجملة حالية لا تنفك عن الخلود. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وابن وثاب والأعمش «يا مال» بالترخيم على لغة من ينتظر وقرأ أبو السوار «يا مال» بالترخيم أيضا لكن على لغة من لم ينتظر. قال ابن جني: وللترخيم في هذا الموضع سر وذلك أنهم لعظم ما هم فيه ضعفت قواهم وذلت أنفسهم فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة وبهذا يجاب عن قول ابن عباس وقد حكيت له القراءة به على اللغة الأولى: ما أشغل أهل النار عن الترخيم مشيرا بذلك إلى إنكارها فإن ما للتعجب وفيها معنى الصد يعني أنهم في حالة تشغلهم عن الالتفات إلى الترخيم وترك النداء على الوجه الأكثر في الاستعمال، وحاصل الجواب أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم لقصد التصرف في الكلام والتفنن فيه كما في قوله: يحيي رفات العظام بالية ... والحق يا مال غير ما تصف بل للعجز وضيق المجال عن الإتمام كما يشاهد في بعض المكروبين قالَ أي مالك إِنَّكُمْ ماكِثُونَ مقيمون في العذاب أبدا لا خلاص لكم منه بموت ولا غيره، وهذا تقنيط ونكاية لهم فوق ما هم فيه ولا يضر في ذلك علمه بيأسهم إن قلنا به. وذكر بعض الأجلة أن فيه استهزاء لأنه أقام المكث مقام الخلود والمكث يشعر بالانقطاع لأنه كما قال الراغب ثبات مع انتظار، ويمكن أن يكون وجه الاستهزاء التعبير بما كثون من حيث إنه يشعر بالاختيار وإجابتهم بذلك بعد مدة. قال ابن عباس يجيبهم بعد مضي ألف سنة، وقال نوف: بعد مائة، وقيل ثمانين، وقيل أربعين. لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ خطاب توبيخ وتقريع من جهته تعالى مقرر لجواب مالك ومبين لسبب مكثهم، ولا مانع من خطاب سبحانه الكفرة تقريعا لهم، وقيل: هو من كلام بعض الملائكة ﵈ وهو كما يقول أحد خدم الملك للرعية أعلمناكم وفعلنا بكم قيل لا يجوز أن يكون من قول مالك لا لأن ضمير الجمع ينافيه بل لأن مالكا لا يصح منه أن يقوله لأنه لا خدمة له غير خزنه للنار. وفيه بحث، وقيل: في قالَ ضميره تعالى فالكل مقوله ، وقيل: إن قوله تعالى إِنَّكُمْ ماكِثُونَ خاتمة حال الفريقين، وقوله سبحانه لقد إلخ كلام آخر مع قريش والمراد عليه جئناكم في هذه السورة أو القرآن بالحق، وعلى ما تقدم لقد جئناكم في الدنيا بالحق وهو التوحيد وسائر ما يجب الإيمان به وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب ولكن أكثركم للحق أي حق كان كارهون لا يقبلونه وينفرون منه وفسر الحق بذلك دون الحق المعهود سواء كان الخطاب لأهل النار أو لقريش لمكان أَكْثَرَكُمْ فإن الحق المعهود كلهم كارهون له مشمئزون منه، وقد يقال: الظاهر العهد وعبر بالأكثر لأن من الأتباع من يكفر تقليدا. وقرىء «لقد جئتكم» وقوله تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً كلام مبتدأ ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول الله ﷺ ، وأَمْ منقطعة وما فيها معنى بل للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء والهمزة للانكار فإن أريد بالإبرام الأحكام حقيقة فهي لإنكار الوقوع واستبعاده، وإن أريد الأحكام صورة فهي لإنكار الواقع واستقباحه أي بل أبرم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله ﷺ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ كيدنا حقيقة لا هم أو فانا مبرمون كيدنا بهم حقيقة كما أبرموا كيدهم صورة كقوله تعالى أَمْ

стр. 5352

يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور: ٤٢] والآية إشارة إلى ما كان منهم من تدبير قتله ﵊ في دار الندوة وإلى ما كان منه من تدميرهم، وقيل: هو من تتمة الكلام السابق، والمعنى أم أبرموا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته فإنّا مبرمون أمرا في مجازاتهم، فإن كان ذاك خطابا لأهل النار فإبرام الأمر في مجازاتهم هو تخليدهم في النار معذبين، وإن كان خطابا لقريش فهو خذلانهم ونصر النبي ﷺ عليهم فكأنه قيل: فإنا مبرمون أمرا في مجازاتهم وإظهار أمرك، وفيه إشارة إلى أن إبرامهم لا يفيدهم، ولا يغني عنهم شيئا والعدول عن الخطاب في أكثركم إلى الغيبة في أبرموا على هذا القيل للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم ويؤيده ما ذكر أولا على ما قيل قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ لأنه يدل على أن ما أبرموه كان أمرا قد أخفوه فيناسب الكيد دون تكذيب الحق لأن الكفرة مجاهرون فيه والمراد بالسر هنا حديث النفس أي بل أيحسبون أنا لا نسمع حديث أنفسهم بذلك الكيد وَنَجْواهُمْ أي تناجيهم وتحادثهم سرا. وقال غير واحد: السر ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي بَلى نسمعهما ونطلع عليهما وَرُسُلُنا الذي يحفظون عليهم أعمالهم لَدَيْهِمْ ملازمون لهم يَكْتُبُونَ أي يكتبونهما أو يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر. والمضارع للاستمرار التجددي، وهو مع فاعله خبر ولَدَيْهِمْ حال قدم للفاصلة أو خبر أيضا وجملة المبتدأ والخبر إما عطف على ما يترجم عنه بل أو حال أي نسمع ذلك والحال أن رسلنا يكتبونه، وإذا كان المراد بالسر حديث النفس فالآية ظاهرة في أن السر والكلام المخيل مسموع له تعالى، وكذا هي ظاهرة في أن الحفظة تكتبه كغيره من أقوالهم وأفعالهم الظاهرة، ولا يبعد ذلك بأن يطلعهم الله تعالى عليه بطريق من طرق الاطلاع فيكتبوه. ومن خص كتابهم بالأمور الغير القلبية خص السر بما حدث به الغير في مكان خال والظاهر أن حسبانهم ذلك حقيقة ولا يستبعد من الكفرة الجهلة، فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة عند الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي فقال واحد منهم ترون الله تعالى يسمع كلامنا فقال واحد: إذا جهرتم وإذا أسررتم لم يسمع فنزلت أَمْ يَحْسَبُونَ الآية. وقيل: إنهم نزلوا في إقدامهم على الباطل وعدم خوفهم من الله منزلة من يحسب أن الله سبحانه لا يسمع سره ونجواه قُلْ أي للكفرة تحقيقا للحق وتنبيها لهم على أن مخالفتك لهم بعدم عبادتك ما يعبدون من الملائكة ﵈ ليس لبغضك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي لذلك الولد وكان بمعنى صح كما يقال ما كان لك أن تفعل كذا وهو أحد استعمالاتها، و «أول» أفعل تفضيل والمفضل عليه المقول لهم، وجوز اعتبار ذلك مطلقا، والمراد إظهار الرغبة والمسارعة، والمنساق إلى الذهن الأول. ووجه الملازمة أنه ﵊ أعلم الناس بشؤونه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز أحرصهم على مراعاة حقوقه وما توجيه من تعظيم ولده سبحانه فإن حق الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده لما أن تعظيم الولد تعظيم الوالد. فالمعنى إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه، وهذرا نفي

стр. 5353

لكينونة ولد له سبحانه على أبلغ وجه وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي، فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم البين انتفاؤه وهو عبادته ﷺ للولد على نفي الملزوم وهو كينونة الولد له سبحانه، وذلك نظير قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] لكنه جيء بأن دون لو لجعل ما في حيزها بمنزلة ما لا قطع بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام. وفي الكشف أن في الآية مبالغة من حيث إنه جعل الممكن في نفسه أعني عبادته ﵊ لما يدعونه ولدا محالا فهو نفي لعبادة الولد على أبلغ وجه حيث جعل مسببا عن محال ثم نفى للولد كذلك من طريق آخر وهو أنه لما لم يعبد ﷺ الولد مع كونه أولى بعبادته لو كان دل على نفيه، ونحوها ذكر في الآية مرويا عن قتادة والسدي والطبري. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن المعنى قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول من عبد الله تعالى وحده وكذبكم بما تقولون فالمراد من كونه ﵊ أول العابدين كونه ﷺ أول من ينكر ذلك عليهم، والملازمة في الشرطية باعتبار أن نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يكذبهم النبي ﷺ وأن يكون أول من ينكره لأنه صاحب الدعوة إلى التوحيد، وقد خفي ذلك على الإمام فنفى صحة هذا الوجه، وتكلف بعضهم فقال: إن تسبب الجزاء عن الشرط عليه باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم فإنهم إذا أطبقوا على ذلك الزعم يكون النبي ﷺ أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا محالة، وقيل: إن السببية باعتبار الأخبار والذكر نحو إن تضربني فأنا لا أضربك وهو أولى مما قبله، والإنصاف أن الارتباط خفي لا يظهر إلا لمجاهد، وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يسم أحدا منهم أن الْعابِدِينَ من عبد يعبد كفرح يفرح إذا أنف من الشيء، ومنه قوله: وأعبد أن أهجو كليبا بدارم وقول الآخر: متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالما أي إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من الولد أو من كونه لله سبحانه ونسبته له . وروي نحو هذا عن ابن عباس أخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فقال: أنا أول من ينفر عن أن يكون لله تعالى ولد، وأيد ذلك بقراءة السلمي واليماني «العبدين» جمع عبد كحذر وحذرين وهو للمعروف في معنى أنف وقلما يقال فيه عابد، ومن هنا ضعف ابن عرفة هذا الوجه لما فيه من استعمال ما قل استعماله في كلامهم، وذكر الخليل في كتاب العين أنه قرىء «العبدين» بسكون الباء تخفيفي العبدين بكسرها، وقال أبو حاتم: العبد بكسر الباء الشديد الغضب، وقال أبو عبيدة: العرب تقول عبدني حقي أي جحدني، وروي عن الحسن وابن زيد وزهير بن محمد وهو رواية عن ابن عباس وقتادة والسدي أيضا أن إِنْ نافية أي ما كان للرحمن ولد فانا أول من قال ذلك وعبد ووحد، وكانَ عليه للاستمرار والمقصود استمرار النفي لا نفي الاستمرار والفاء للسببية. وتعقب بأنه خلاف الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها، وزعم مكي أنه لا يجوز لإيهامه نفي الولد فيما مضى وهو كما ترى. وقرأ عبد الله وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي كما قال القاضي «ولد» بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحهما. سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ أي عن وصفهم أو الذي يصفونه به من كونه سبحانه له ولد، وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت

стр. 5354

تحت ملكوته تعالى وربوبيته كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزءا منه سبحانه وهو ينافي وجوب الوجود، وفي تكرير ذلك الاسم الجليل تفخيم لشأن العرش فَذَرْهُمْ فدعهم غير ملتفت إليهم حيث لم يذعنوا للحق بعد ما سمعوا هذا البرهان الجلي يَخُوضُوا في أباطيلهم وَيَلْعَبُوا في دنياهم فإن ما هم فيه من الأقوال والأفعال ليس إلا من باب الجهل، والجزم لجواب الأمر حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وهو يوم القيامة عند الأكثرين، وعن عكرمة. وجماعة أنه يوم بدر وقد وعدوا الهلاك فيه، وقريب منه تفسيره بيوم الموت، وقيل: ينبغي تفسيره به دون يوم القيامة لأن الغاية للخوض واللعب إنما هو يوم الموت لانقطاعهما بالموت، وانتصر للأكثرين بأن يوم القيامة هو اليوم الموعود وبه سمي في لسان الشرع وتفسيره بذاك مخالف لمعروف ولما بعد من ذكر الساعة، وما ذكر من أمر الانقطاع مدفوع بأن الموت وما بعده في حكم القيامة ولذا ورد من مات فقد قامت قيامته ومثله قد يراد به الدلالة على طول المدة مع قطع النظر عن الانتهاء فيقال: لا يزال في ضلالة إلى أن تقوم القيامة. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو «يلقوا» مضارع لقي، والآية قيل منسوخة بآية السيف وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ الظرفان متعلقان بإله لأنه صفة بمعنى معبود من أله بمعنى عبد وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو إله وذلك عائد الموصول وحذف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه. وقال غير واحد: الجار متعلق بإله باعتبار ما ينبىء عنه من معنى المعبودية بالحق بناء على اختصاصه بالمعبود بالحق وهذا كتعلق الجار بالعلم المشتهر بصفة نحو قولك: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، وعلى هذا تخرج قراءة عمر وعلي وعبد الله وأبي والحكم بن أبي العالي وبلال بن أبي بردة وابن يعمر وجابر وابن زيد وعمر بن عبد العزيز وأبو شيخ الهنائي وحميد وابن مقسم وابن السميفع «وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله» فيعلق الجار بالاسم الجليل باعتبار الوصف المشتهر به، واعتبر بعضهم معنى الاستحقاق للعبادة وعلل ذلك بأن العبادة بالفعل لا تلزم، وجوز كون الجار والمجرور صلة الموصول، و «إله» خبر مبتدأ محذوف أيضا على أن الجملة بيان للصلة وأن كونه سبحانه في السماء على سبيل الإلهية لا على معنى الاستقرار. واختير كون إِلهٌ في هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف على كونه خبرا آخر للمبتدأ المذكور أو بدلا من الموصول أو من ضميره بناء على تجويزه لأن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا أفادت ما لم يستفد أولا كما هنا جائز حسن على ما قال أبو علي في الحجة لأن البيان هاهنا أتم وأهم فلذا رجح مع ما فيه من التقدير وحينئذ فلا فاصل أجنبي بين المتعاطفين، ولا يجوز كون الجار والمجرور خبر مقدما وإله مبتدأ مؤخرا للزوم خلو الجملة عن العائد مع فساد المعنى، وفي الآية نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاص الإلهية به لما فيها من تعريف طرفي الإسناد. والموصول في مثل ذلك كالمعرف بالأداة وللاعتناء بكل من إلهيته تعالى في السماء وإلهيته في الأرض قيل وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ولم يقل: وهو الذي في السماء وفي الأرض إله أو هو الذي في السماء والأرض إله، وحديث الإعادة قيل مما لا يجري هاهنا لأن القاعدة أغلبية كأكثر قواعد العربية. وقال بعض الأفاضل: يجوز إجراء القاعدة فيه والمغايرة بين الشيئين أعم من أن تكون بالذات أو بالوصف والاعتبار والمراد هنا الثاني ولا شك أن طريق عبادة أهل السماء له تعالى غير طريق عبادة أهل الأرض على ما يشهد به تتبع الآثار فإذا كان إله بمعنى معبود كان معنى الآية أنه تعالى معبود في السماء على وجه ومعبود في الأرض على وجه آخر، وإن كان بمعنى التحير فيه فالتحير في أهل السماء غير التحير في أهل الأرض فلا جرم تكون أطوارهم مخالفة لأطوار أهل الأرض، ومن ذلك اختلاف علومهم فإن علوم أهل الأرض إن كانت ضرورية فأكثرها مستندة إلى الحس وإن كانت نظرية كانت مكتسبة من النظر فإذا انسد طريق النظر والحسن عجزوا وتحيروا ولا كذلك أهل السماء

стр. 5355

لتنزههم عن الكسب والحسن فتحيرهم على نحو آخر، أو نقول التحير في إدراك ذاته تعالى وصفاته إنما ينشأ من مشاهدة آثار عظمته وكمال قدرته سبحانه ولا شك أن تلك الآثار في السماء أعظم من الآثار في الأرض وعليه فيجوز أن يكون الإله بمعنى المتحير فيه ويكون مجازا عن عظيم الشأن من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم فيكون المعنى أنه تعالى عظيم الشأن في السماء على نحو وعظيم الشأن في الأرض على نحو آخر اهـ، ولا يخلو عن شيء كما لا يخفى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ كالدليل على النفي والاختصاص المشار إليهما فإن من لا يتصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحق الإلهية. وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كالهواء ومخلوقات الجو المشاهدة وغيرها وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي العلم بالساعة أي الزمان الذي تقوم القيامة فيه فالمصدر مضاف لمفعوله، والساعة بمعناها اللغوي وهو مقدار قليل من الزمان، ويجوز أن يراد بها معناها الشرعي وهو يوم القيامة، والمحذور مندفع بأدنى تأمل، وفي تقديم الخبر إشارة إلى استئثاره تعالى بعلم ذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء، والالتفات إلى الخطاب للتهديد، وقرأ الأكثر بياء الغيبة والفعل في القراءتين مبني للمفعول وقرىء بفتح تاء الخطاب والبناء للفاعل، وقرىء «تحشرون» بتاء الخطاب أيضا والبناء للمفعول وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ أي ولا يملك آلهتهم الذين يدعونهم مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ، وقرىء «تدعون» بتاء الخطاب والتخفيف والسلمي وابن وثاب بها وشد الدال إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ الذي هو التوحيد وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي يعلمونه، والجملة في موضع الحال، وقيد بها لأن الشهادة عن غير علم بالمشهود به لا يعول عليها، وجمع الضمير باعتبار معنى من كما أن الأفراد أولا باعتبار لفظه، والمراد به الملائكة وعيسى وعزير وأضرابهم صلاة الله تعالى وسلامه عليهم، والاستثناء قيل: متصل إن أريد بالذين يدعون من دونه كل ما يعبد من دون الله ومنفصل إن أريد بذلك الأصنام فقط، وقيل: هو منفصل مطلقا وعلل بأن المراد نفي ملك الآلهة الباطلة الشفاعة للكفرة ومن شهد بالحق منها لا يملك الشفاعة للمؤمنين فكأنه قيل على تقدير التعميم: ولا يملك الذين يدعونهم من دون الله تعالى كائنين ما كانوا الشفاعة لهم لكن من شهد بالحق يملك الشفاعة لمن شاء الله سبحانه من المؤمنين فالكلام نظير قولك: ما جاء القوم إلي إلا زيدا جاء إلى عمرو فتأمل. وقال مجاهد وغيره: المراد بمن شهد بالحق المشفوع فيهم، وجعل الاستثناء عليه متصلا والمستثنى منه محذوفا كأنه قيل: ولا يملك هؤلاء الملائكة واضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحد عن إيقان وإخلاص ومثله في حذف المستثنى منه قوله: نجا سالم والنفس منه بشرقة ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا أي واستدل بالآية على أن العلم مما لا بد منه في الشهادة دون المشاهدة. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ أي سألت العابدين أو المعبودين لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لتعذر المكابرة في ذلك من فرط ظهوره ووجه قول المعبودين ذلك أظهر من أن يخفى فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ فكيف يصرفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره سبحانه ويشركونه معه مع إقرارهم بأنه تعالى خالقهم أو مع علمهم بإقرار آلهتهم بذلك، والفاء جزائية أي إذا كان الأمر كذلك فإني إلخ، والمراد التعجب من إشراكهم مع ذلك، وقيل: المعنى فكيف يكذبون بعد علمهم بذلك فهو تعجب من عبادة غيره تعالى وإنكارهم للتوحيد مع أنه مركوز في فطرتهم، وأيّاما كان فهو متعلق بما قبله من التوحيد والإقرار بأنه تعالى هو الخالق، وأما كون المعنى فكيف أو أين يصرفون عن التصديق بالبعث مع أن الإعادة

стр. 5356

أهون من الإبداء وجعله متعلقا بأمر الساعة كما قيل فيأباه السياق. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو «تؤفكون» بتاء الخطاب وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ بحر «قيلة» وهي قراءة عاصم وحمزة والسلمي وابن وثاب. والأعمش. وقرأ الأعرج وأبو قلابة ومجاهد والحسن وقتادة ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة شاذة. وقرأ الجمهور بنصبه، واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه لفظ الساعة في قوله تعالى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي عنده علم قيله، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل: يعلم الساعة ويعلم قيله، والرفع على عطفه على عِلْمُ السَّاعَةِ على حذف مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه الأول لأبي علي والثالث لابن جني وجميع الأوجه للزجاج وضمير قِيلِهِ عليها للرسول ﷺ المفهوم من قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد، والمنادى وما في حيزه مقول القول، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم إيمان أولئك القوم، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير لهم وتبرّ منهم لسوء حالهم، والمراد من أخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده سبحانه إياهم، وقيل: الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفا والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل المقول يا رب وقوله سبحانه إِنَّ هؤُلاءِ إلخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة وضمير قِيلِهِ كما سبق، والكلام إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه بقوله ﷺ : يا رب لرفع شأنه ﵊ وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى، والواو عنده للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف، وفيه أن الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وايمن الله واضح الوجه على الأوجه الثلاثة، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا يخلو عن ضعف، وقيل: الجر على أن الواو واو القسم والجواب محذوف أي لننصرنه أو لنفعلن بهم ما نشاء حكاه في البحر وهو كما ترى، وقيل: النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم وأفعالهم وقيله يا رب إلخ وليس بشيء، وقيل: بشيء، هو على العطف على مفعول يعلمون أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل إلخ، وهو قول لا يكاد يعقل، وعن الأخفش أنه على العطف على سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ورد بأنه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم. وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وأنا لا نسمع قيله إلخ وهو منتظم أتم انتظام، وعنه أيضا أنه على إضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة ابن مسعود «وقال الرسول» والجملة معطوفة على ما قبلها. ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى فَاصْفَحْ به، وقال العلامة الطيبي في توجيهه: إن قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ تقديره وقلنا لك: ولئن سألتهم إلخ وقلت: يا رب يأسا من إيمانهم وإنما جعل غائبا على طريق الالتفات لأنه كأنه ﷺ فاقد نفسه لتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده، وقيل: الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فأنّى يؤفكون وقد قال الرسول يا رب إلخ، وحاصله فأنّى يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والإسلام إصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر، وقيل: الرفع على الابتداء والخبر يا رب إلى لا يؤمنون أو هو محذوف أي مسموع أو متقبل فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو معطوفة، ولا يخفى ما في ذلك، والأوجه عندي ما نسب إلى الزجاج،

стр. 5357

والاعتراض عليه بالفصل هين، وبضعف المعنى والتنافر غير مسلم، ففي الكشف بعد ذكر تخريج الزجاج الجر أن الفاصل أعني من قوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- إلى- يُؤْفَكُونَ يصلح اعتراضا لأن قوله سبحانه وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ مرتبط بقوله تعالى: حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ على ما لا يخفى، والكلام مسوق للوعيد البالغ بقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى قوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ متصل بقوله تعالى: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ اتصال العصا بلحاها، وقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ خطاب لمن يتأتى منه السؤال تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أوعدوه لعنادهم البالغ، ومنه يظهر وقوع التعجب في قوله سبحانه فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ وعلى هذا ظهر ارتباط وعلم قيله بقوله تعالى: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وأن الفاضل متصل بهما اتصالا يجل موقعه، ومن هذا التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن، ولك أن ترجحه على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين، وأن حمل وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ على الخطاب المتروك إلى غير معين أوفق بالمقام من حمله على خطابه ﵊ وسلامته من إضمار القول قبل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مع أن السياق غير ظاهر الدلالة عليه اهـ، وهو أحسن ما رأيته للمفسرين في هذا المقام. وقرأ أبو قلابة «يا رب» بفتح الباء ووجه ظاهر فَاصْفَحْ فأعرض عَنْهُمْ ولا تطمع في إيمانهم، وأصل الصفح ليّ صفحة العنق فكني به عن الإعراض. وَقُلْ لهم سَلامٌ أي امري سلام تسلم منكم ومتاركة فليس ذلك أمرا بالسلام عليهم والتحية وإنما هو أمر بالمتاركة، وحاصله إذا أبيتم القبول فأمري التسلم منكم، واستدل بعضهم بذلك على جواز السلام على الكفار وابتدائهم بالتحية، أخرج ابن أبي شيبة. عن شعيب بن الحبحاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي فمر علينا يهودي أو نصراني فسلم عليه قال شعيب: فقلت: إنه يهودي أو نصراني فقرأ علي آخر سورة الزخرف وَقِيلِهِ يا رَبِّ إلى الآخر، وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن عون بن عبد الله أنه قال قلت لعمر بن عبد العزيز كيف تقول أنت في ابتداء أهل الذمة بالسلام؟ فقال: ما أرى بأسا أن نبتدئهم قلت لم؟ قال: لقوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ ومما ذكرنا يعلم ضعفه، وقال السدي المعنى قل خيرا بدلا من شرهم، وقال مقاتل: اردد عليهم معروفا، وحكى الماوردي أي قل ما تسلم به من شرهم والكل كما ترى والحق ما قدمنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حالهم السيئة وإن تأخر ذلك وهو وعيد من الله سبحانه لهم وتسلية لرسوله ﷺ ، وقرأ أبو جعفر والحسن والأعرج ونافع وهشام «تعلمون» بتاء الخطاب على أنه داخل في حيز قُلْ وإن أريد من الآية الكف عن القتال فهي منسوخة وإن أريد الكف عن مقابلتهم بالكلام فليست بمنسوخة والله تعالى أعلم.

стр. 5358

سورة الدّخان مكية كما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم واستثنى بعض قوله تعالى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [الدخان: ١٥] وآيها كما قال الداني تسع وخمسون في الكوفي وسبع في البصري وست في عدد الباقين. واختلافها على ما في مجمع البيان أربع آيات حم [الدخان: ١] وإِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ [الدخان: ٣٤] كوفي شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الدخان: ٤٣] عراقي شامي والمدني الأول في الْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] عراقي مكي والمدني الأخير. ووجه مناسبتها لما قبلها أنه ختم ما قبل بالوعيد والتهديد وافتتح هذه بشيء من الإنذار الشديد وذكر سبحانه هناك قول الرسول ﷺ : يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف: ٨٨] وهنا نظيره فيما حكي عن أخيه موسى عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [الدخان: ٢٢] وأيضا ذكر فيما تقدم فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف: ٨٩] وحكى سبحانه عن موسى ﵇ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: ٢٠، ٢١] وهو قريب من قريب إلى غير ذلك، وهي إحدى النظائر التي كان يصلي بهن رسول الله ﷺ كما أخرج الطبراني عن ابن مسعود الذاريات والطور والنجم واقتربت والرحمن والواقعة ونون والحاقة والمزمل ولا أقسم بيوم القيامة وهل أتى على الإنسان والمرسلات وعم يتساءلون والنازعات وعبس وويل للمطففين وإذا الشمس كورت والدخان، وورد بفضلها أخبار. أخرج الترمذي ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» وأخرج المذكورون عنه أيضا يرفعه من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورا له» وفي رواية للبيهقي وابن الضريس عنه مرفوعا «من قرأ ليلة الجمعة حم الدخان ويس أصبح مغفورا له» وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن النبي ﷺ قال «من قرأ سورة الدخان في ليلة غفر له ما تقدم من ذنبه» وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة أو يوم جمعة بنى الله تعالى له بيتا في الجنة» .

стр. 5359

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ الكلام فيه كالذي سلف في السورة السابقة. إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي الكتاب المبين الذي هو القرآن على القول المعول عليه فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ هي ليلة القدر على ما روي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير ومجاهد، وابن زيد والحسن وعليه أكثر المفسرين والظواهر معهم، وقال عكرمة. وجماعة: هي ليلة النصف من شعبان. وتسمى ليلة الرحمة والليلة المباركة وليلة الصك وليلة البراءة، ووجه تسميتها بالأخيرين أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة والصك كذلك أن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة والصك في هذه الليلة. وظاهر كلامهم هنا أن البراءة وهي مصدر برىء براءة إذا تخلص تطلق على صك الأعمال والديون وما ضاهاها وأنه ورد في الآثار ذلك وهو مجاز مشهور وصار بذلك كالمشترك، وفي المغرب بريء من الدين والعيب براءة، ومنه البراءة لخط الإبراء والجمع براءات وبروات عامية اهـ. وأكثر أهل اللغة على أنه لم يسمع من العرب وأنه عامي صرف وإن كان من باب المجاز الواسع. قال ابن السيد في المقتضب البراءة في الأصل مصدر برىء براءة، وأما البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فتسميتها بذلك إما على أنها من بريء من دينه إذا أداه وبرئت من الأمر إذا تخليت منه فكأن المطلوب منه أمر تبرأ إلى الطالب أو تخلى، وقيل: أصله أن الجاني كان إذا جنى وعفا عنه الملك كتب له كتاب أمان مما خافه فكان يقال: كتب السلطان لفلان براءة ثم عمم ذلك فيما كتب من أولي الأمر وأمثالهم اهـ. وذكروا في فضل هذه الليل أخبارا كثيرة، منها ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي كرم الله وجهه قال: «قال رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر» وما أخرجه الترمذي وابن أبي شيبة والبيهقي وابن ماجه عن عائشة قالت: «فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال يا عائشة: أكنت تخافين أن يحيف الله تعالى عليك ورسوله؟ قلت: ما بي من ذلك ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» . وما أخرجه أحمد بن حنبل في المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن وقاتل نفس» وذكر بعضهم فيها صلاة مخصوصة وأنها تعدل عشرين حجة مبرورة وصيام عشرين سنة مقبولا، وروي في ذلك حديثا طويلا عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقد أخرجه البيهقي ثم قال: يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعا وهو منكر وفي رواته مجهولون وأطال الوعاظ الكلام في هذه الليلة وذكر فضائلها وخواصها، وذكروا عدة أخبار في أن الآجال تنسخ فيها. وفي الدر المنثور طرف غير يسير من ذلك وسنذكر بعضا منه إن شاء الله تعالى. وفي البحر قال الحافظ أبو بكر بن العربي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها ولا يخلو من مجازفة والله تعالى أعلم.

стр. 5360

والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملة إلى السماء الدنيا من اللوح فالإنزال المنجم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أن المحل الذي أنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها. وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل القرآن جملة على جبريل ﵇ وكان جبريل ﵇ يجيء به بعد إلى النبي ﷺ . وقال غير واحد: المراد ابتداء إنزاله في تلك الليلة على التجوز في الطرف أو النسبة واستشكل ذلك بأن ابتداء السنة المحرم أو شهر ربيع الأول لأنه ولد فيه ﷺ ومنه اعتبر التاريخ في حياته ﵊ إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وهو الأصح، وقد كان الوحي إليه ﷺ على رأس الأربعين سنة من مدة عمره ﵊ على المشهور من عدة أقوال فكيف يكون ابتداء الإنزال في ليلة القدر من شهر رمضان أو في ليلة البراءة من شعبان. وأجيب بأن ابتداء الوحي كان مناما في شهر ربيع الأول ولم يكن بإنزال شيء من القرآن والوحي يقظة مع الإنزال كان في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وقيل لسبع منه، وقيل لأربع وعشرين ليلة منه، وأنت تعلم كثرة اختلاف الأقوال في هذا المقام فمن يقول بابتداء إنزاله في شهر يلتزم منها ما لا يأباه. واختلف في أول ما نزل منه، ففي صحيح مسلم أنه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] وتعقبه النووي في شرحه فقال: إنه ضعيف بل باطل والصواب أن أول ما نزل على الإطلاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] كما صرح به في حديث عائشة، وأما يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة، عن جابر. وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر اهـ والكلام في ذلك مستوفى في الإتقان فليرجع إليه من أراده. ووصف الليلة بالبركة لما أن إنزال القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وفضيلة العبادة أو لما فيها من ذلك وتقدير الأرزاق وفصل الأقضية كالآجال وغيرها وإعطاء تمام الشفاعة له ﵊، وهذا بناء على أنها ليلة البراءة، فقد روي أنه ﷺ سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله تعالى شراد البعير، وأياما كان فقد قيل: إن التعليل إنما يحتاج إليه بناء على القول بما اختاره العز بن عبد السلام من أن الأمكنة والأزمنة كلها متساوية في حد ذاتها لا يفضل بعضها بعضا إلا بما يقع فيها من الأعمال ونحوها، وزاد بعضهم أو يحل لتدخل البقعة التي ضمته ﷺ فإنها أفضل البقاع الأرضية والسماوية حتى قيل وبه أقول إنها أفضل من العرش. والحق أنه لا يبعد أن يخص الله سبحانه بعضها بمزيد تشريف حتى يصير ذلك داعيا إلى إقدام المكلف على الأعمال فيها أو لحكمة أخرى، وجملة إِنَّا أَنْزَلْناهُ جواب القسم، وفي ذلك مبالغة نحو ما في قوله: وثناياك إنها إغريض. وقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ استئناف يبين المقتضي للإنزال، وقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ استئناف أيضا لبيان التخصيص بالليلة المباركة فكأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزاله
следующие страницы →