← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وهم يحتجون لقولهم يقولون: هو الله تعالى فإنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله تعالى: بأنه لم يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد وصنع ما لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله، ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة: إن الله تعالى يقول فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فلو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وخلقت وقضيت ولكنه هو وعيسى ومريم، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فيه قولهم فلما كلمه الحبران وهما- العاقب، والسيد- كما في رواية الكلبي، والربيع عن أنس قال لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما منكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير؟ قالا: فمن أبوه يا محمد؟ وصمت فلم يجب شيئا فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوا وتوحيده إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد، واحتج عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي ليس معك غيره شريك في أمره الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى ﵇ في قولهم: الْقَيُّومُ القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى، وفي رواية ابن جرير عن الربيع قال: «إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان فقال لهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذي الصبي ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا فأنزل الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن الجامع للأصول والفروع ولما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية الأفراد في الانطواء على كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم التوراة والإنجيل، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير الخطاب، وإيثار- على- على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله تعالى عليه وسلم والتنويه برفعة شأنه ﵊ والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر للاسم الجليل أو هي الخبر، وما قبل كله اعتراض أو حال، الْحَيُّ الْقَيُّومُ صفة أو بدل، وقرأ الأعمش نَزَّلَ بالتخفيف، ورفع الكتاب والجملة حينئذ منقطعة عما قبلها، وقيل: متعلقة به بتقدير من عنده بِالْحَقِّ أي بالصدق في أخباره أو بالعدل- كما نص عليه الراغب- أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي متلبسا بالحق أو محقا، وفي البحر يحتمل أن يكون الباء للسببية أي بسبب إثبات الحق مُصَدِّقاً حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي الكتب السالفة والظرف مفعول مصدقا واللام لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ذكرهما تعيينا لما بين يديه وتبيينا لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا

стр. 632

عليه والتعبير- بأنزل- فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة، ونزول من ذلك إليه صلى الله تعالى عليه وسلم منجما في ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه: نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل: إن- نزل- يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] حيث قرن- نزل- بكونه جملة، وقوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ [النساء: ١٤٠] وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئا فشيئا كما في تسلسل، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة- نزل- تدل عليه، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام. واختلف في اشتقاق التوراة والإنجيل فقيل: اشتقاق الأول من ورى الزناد إذ قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور بالنسبة لما عدا القرآن تجلو ظلمة الضلال وقيل: من ورى في كلام إذا عرض لأن فيها رموزا كثيرة وتلويحات جليلة، ووزنها عند الخليل. وسيبويه فوعلة كصومعة، وأصله وورية بواوين فأبدلت الأولى تاء وتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصارت- توراة- وكتبت بالياء تنبيها على الأصل ولذلك أميلت، وقال الفراء: وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفا وفعل ذلك تخفيفا كما قالوا في توصية توصاة، واعترضه البصريون بأن هذا البناء قليل وبأنه يلزم منه زيادة التاء أولا وهي لا تزاد كذلك إلا في مواضع ليس هذا منها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها تفعلة بفتح العين فقلبت الياء ألفا، وقيل: اشتقاق الثاني من- النجل- بفتح فسكون وهو الماء الذي ينز من الأرض، ومنه النجيل لما ينبت فيه ويطلق على الوالد والولد وهو أعرف فهو ضد- كما قاله الزجاج- وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ وظاهر منه أو من التوراة، وقيل: من النجل وهو التوسعة، ومنه عين نجلاء لسعتها لأن فيه توسعة ما لم تكن في التوراة إذ حلل فيه بعض ما حرم فيها، وقيل: مشتق من التناجل وهو التنازع يقال تناجل الناس إذا تنازعوا وسمي به لكثرة التنازع فيه- كذا قيل- ولا يخفى أن أمر الاشتقاق والوزن على تقدير عربية اللفظين ظاهر، وأما على تقدير- أنهما أعجميان أولهما عبراني والآخر سرياني وهو الظاهر- فلا معنى له على الحقيقة لأن الاشتقاق من ألفاظ أخر أعجمية مما لا مجال لإثباته، ومن ألفاظ عربية كما سمعت استنتاج للضب من الحوت فلم يبق إلا أنه بعد التعريب أجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة والأصالة وفرضوا له أصلا ليتعرف ذلك كما أشرنا إليه فيما قبل. والاستدلال- على عربيتهما بدخول اللام لأن دخولها في الإعلام العجمية محل نظر- محل نظر لأنهم ألزموا بعض الأعلام الأعجمية الألف واللام علامة للتعريف- كما في الإسكندرية- فإن أبا زكريا التبريزي قال: إنه لا يستعمل بدونها مع الاتفاق على أعجميته. ومما يؤيد أعجمية الإنجيل ما روي عن الحسن أنه قرأه بفتح الهمزة، وأفعيل ليس من أبنية العرب مِنْ قَبْلُ متعلق- بأنزل- أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، وقيل: من قبلك والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان كذا قالوا برمتهم، وأنا أقول التصريح به للرمز إلى أن إنزالهما متضمن للإرهاص لبعثته ﷺ : حيث قيد الإنزال المقيد بمن قبل بقوله سبحانه: هُدىً لِلنَّاسِ أي أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان به ﷺ واتباعه حين يبعث لما اشتملتا عليه من البشارة به والحث على طاعته ﵊ والهداية بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنما هي من هذا الوجه لا غير، والقول بأنه يهتدي بهما أيضا فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدقها القرآن- ليس بشيء لأن الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدق لا بهما كما لا يخفى على المنصف، ويجوز أن ينتصب هدى على أنه حال منهما والإفراد لما أنه مصدر جعلا نفس

стр. 633

الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى، وجعله حالا من الكتاب مما لا ينبغي أن يرتكب فيه وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه القرآن فرق به بين الحق والباطل فأحل فيه حلاله وحرم حرامه وشرع شرائعه وحد حدوده وفرائضه وبين بيانه وأمر بطاعته ونهى عن معصيته، وذكر بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه ورفعا لمكانه، وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى ﵇ وغيره، وأيد هذا بأن صدر السورة كما قدمنا نزلت في محاجة النصارى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أمر أخيه عيسى ﵇ وعليه يكون المراد- بالفرقان- بعض القرآن ولم يكتف باندراجه في ضمن الكل اعتناء به، ومثل هذا القول ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن المراد به كل آية محكمة، وقيل: المراد به جنس الكتب الإلهية عبر عنها بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر، وقيل: نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وقيل: المراد به الزبور وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولا لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام وشيوع اقترانهما في الذكر، واعترض بأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق والباطل من الأحكام، وأجيب بأن المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضا ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه بأن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى يغني عن ذكر موصوفه والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقيل: المراد به المعجزات المقرونة بإنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق والمبطل، وعلى أي تقدير كان فهو مصدر في الأصل كالغفران أن أطلق الفاعل مبالغة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يحتمل أن تكون الإضافة للعهد إشارة إلى ما تقدم من آيات الكتب المنزلة، ويحتمل أن تكون للجنس فتصدق الآيات على ما يتحقق في ضمن ما تقدم وعلى غيره كالمعجزات وأضافها إلى الاسم الجليل تعيينا لحيثية كفرهم وتهويلا لأمرهم وتأكيدا لاستحقاقهم العذاب، والمراد بالموصول إما من تقدم في سبب النزول أو أهل الكتابين أو جنس الكفرة وعلى التقديرين يدخل أولئك فيه دخولا أوليا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ابتداء وخبر في موضع خبر إن ويجوز أن يرتفع العذاب بالظرف والتنكير للتفخيم ففيه إشارة إلى أنه لا يقدر قدره وهو مناط الحصر المستفاد من تقديم الظرف والتعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية وهو معنى تضمنه الشرط وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ذُو انْتِقامٍ افتعال من النقمة وهي السطوة والتسلط يقال: انتقم منه إذا عاقبه بجنايته، ومجرده- نقم- بالفتح والكسر وجعله بعضهم بمعنى كره لا غير والتنوين للتفخيم، واختار هذا التركيب على منتقم مع اختصاره لأنه أبلغ منه إذ لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقا، والجملة اعتراض تذييلي مقرر للوعيد مؤكد له. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ استئناف لبيان سعة علمه سبحانه وإحاطته بجميع ما في العالم الذي من جملته إيمان من آمن وكفر من كفر إثر بيان كمال قدرته وعظيم عزته وفي بيان ذلك تربية للوعيد وإشارة إلى دليل كونه حيا وتنبيه على أن الوقوف على بعض المغيبات كما وقع لعيسى ﵇ بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الإلهية، والمراد من الأرض والسماء العالم بأسره، وجعله الكثير مجاز من إطلاق الجزء وإرادة الكل، ومن قال: إنه لا يصح في «كل» كل وجزء بناء على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء جعل المذكور كناية لا مجازا، وتقديم الأرض على السماء إظهارا للاعتناء بشأن أحوال أهلها واهتماما بما يشير إلى وعيد ذوي الضلالة منهم وليكون ذكر السماء بعد من باب العروج قيل: ولذا وسط حرف النفي بينهما، والجملة

стр. 634

المنفية خبر لأن، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة- في- متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء ما كائن في العالم بأسره كيفما كانت الظرفية، والتعبير بعدم الخفاء أبلغ من التعبير بالعلم، وجوز أبو البقاء تعلق الظرف- بيخفى.. وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ جملة مستأنفة على الصحيح ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى مشيرة إلى تقرير علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل وجودها، والتصوير- جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف، والْأَرْحامِ جمع رحم وهي معلومة وكأنها أخذت من الرحمة لأنها مما يتراحم بها ويتعاطف، وكلمة فِي متعلقة- بيصور- وجوز أن يكون حالا من المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ، وكَيْفَ في موضع نصب- بيشاء- وهو حال، والمفعول محذوف تقديره يشاء تصويركم، وقيل: كَيْفَ ظرف- ليشاء- والجملة في موضع الحال أي يُصَوِّرُكُمْ على مشيئته أي مريدا إن كان الحال من الفاعل أو يصوركم متقلبين على مشيئته تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا- ثم، وثم- وفي الاتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك، وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى ﵇ مع تقلبه في الأطوار ودوره في فلك هذه الأدوار حسبما شاءه الملك القهار وركاكة عقولهم ما لا يخفى، وقرأ طاوس- تصوركم- على صيغة الماضي من التفعل أي اتخذ صوركم لنفسه وعبادته فهو من باب توسد التراب أي اتخذه وسادة فما قيل: كانه من تصورت الشيء بمعنى توهمت صورته فالتصديق أنه توهم محض لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كرر الجملة الدالة على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارها فيه توكيدا لما قبلها ومبالغة في الرد على من ادعى إلهية عيسى ﵇ وناسب مجيئها بعد الوصفين السابقين من العلم والقدرة إذ من هذان الوصفان له هو المتصف بالألوهية لا غيره ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير أو التناهي في القدرة والحكمة لأن خلقهم على ما ذكر من النمط البديع أثر من آثار ذلك هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ استئناف لإبطال شبه الوفد وإخوانهم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت المسيح ﵇ إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه. قيل: إن الوفد قالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله تعالى وروح منه؟ قال: بلى قالوا: فحسبنا ذلك فنفى سبحانه عليهم زيفهم وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه- كذا قيل- ومنه يعلم وجه مناسبة الآية لما قبلها، واعترض بأن هذا الأثر لم يوجد له أثر في الصحاح ولا سند يعول عليه في غيرها، وقصارى ما وجد عن الربيع أن المراد بالموصول الآتي الوفد، وفيه أن الأثر بعينه أخرجه في الدر المنثور عن أبي حاتم، وابن جرير عن الربيع، وعن بعضهم أن الآية نزلت في اليهود، وذلك حين «مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: ١، ٢] فأتى أخاه حي بن أخطب في رجال من يهود فقال: أتعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه الم ذلِكَ الْكِتابُ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم فمشى حي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك الم ذلِكَ الْكِتابُ؟ فقال: بلى فقال: لقد بعث الله تعالى قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة هل مع هذا غيره؟ قال: نعم المص [الأعراف: ١] قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع

стр. 635

هذا غيره؟ قال: نعم الر [يونس: ١] قال: هذه أثقل وأطول هل مع هذا غيره؟ قال: بلى المر [الرعد: ١] قال: هذه أثقل وأطول ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قال: قوموا ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: وما يدريكم لعله لقد جمع هذا كله لمحمد؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره» . وقد أخرج ذلك البخاري في التاريخ، وابن جرير، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن فيه فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم وهو مؤذن بعدم الجزم بذلك ومع هذا يبعده ما تقدم من رواية «إن الله تعالى أنزل في شأن أولئك الوفد من مصدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية» وعلى تقدير الإغماض عن هذا يحتمل أن يكون وجه اتصال الآية بما قبلها أن في المتشابه خفاء كما أن تصوير ما في الأرحام كذلك أو أن في هذه تصوير الروح بالعلم وتكميله به وفيما قبلها تصوير الجسد وتسويته فلما أن في كل منهما تصويرا وتكميلا في الجملة ناسب ذكره معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف، وقوله سبحانه: مِنْهُ آياتٌ الظرف فيه خبر مقدم، وآياتٌ مبتدأ مؤخر أو بالعكس، ورجح الأول بأنه الأوفق بقواعد الصناعة، والثاني بأنه أدخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب، والجملة إما مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائنا على هذه الحالة أي منقسما إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال آياتٌ مرتفع به على الفاعلية مُحْكَماتٌ صفة آيات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعا- أمّا- والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد- الأم- مع أن الآيات متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة وَأُخَرُ نعت لمحذوف معطوف على آياتٌ أي- وآيات أخر- وهي كما قال الرضى جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد تأخرا فمعنى- جاءني زيد، ورجل آخر- جاءني زيد، ورجل أشد تأخرا منه في معنى من المعاني، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا فيما هو من جنس المذكور أو لا فلا يقال جاءني زيد وحمار آخر ولا امرأة أخرى، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل التفضيل أعني- من- والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما هو له نحو رجلان آخران، ورجال آخرون، وامرأة أخرى، وامرأتان أخريان، ونسوة أخر، وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا: لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقرونا بالألف واللام- كالكبر والصغر- فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجردا ما لا يعطي غيره إلا مقرونا، وقيل: الدليل على عدل أُخَرُ أنه لو كان مع من المقدرة كما في- الله أكبر- للزم أن يقال بنسوة أخر على وزن أفعل لأن أفعل التفضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده، ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف، أو مع سادّ مسد المضاف إليه، أو مع دلالة ما أضيف اليه تابع المضاف أخذا من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام، واعترض عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر وأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى، نعم قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبني، أو إما بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في أُخَرُ إرادة الألف واللام أعرب، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه. وقال ابن جني: إنه معدول عن آخر من، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر كلام أبي حيان اختياره- واستدلوا

стр. 636

عليه بما لا يخلو عن نظر- ووصف آخر بقوله سبحانه مُتَشابِهاتٌ وهي في الحقيقة صفة لمحذوف أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للإجمال، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل: إن واحد مُتَشابِهاتٌ متشابهة، وواحد أُخَرُ أخرى، والواحد هنا لا يصح أن يوصف بهذا الواحد فلا يقال: أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضا- وليس المعنى على ذلك- وإنما المعنى أن كل آية تشبه آية أخرى فكيف صح وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصف مفرده بمفرده؟! ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه بأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليهما صحة إسناده إلى كل واحد كما في فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ [القصص: ١٥] إذ الرجل لا يقتتل، وقيل: إنه لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بها سمي كل ما لا يهتدي العقل إليه متشابها وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في إشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة عليه يكون المتشابه مجازا أو كناية عما لا يتضح معناه مثلا فيكون السؤال مغالطة غير واردة رأسا وهذا الذي ذكره في تفسير المحكم والمتشابه هو مذهب كثير من الناس- وعليه الشافعية.. وتقسيم الكتاب إليهما من تقسيم الكل إلى أجزائه بناء على أن المراد من الكتاب ما بين الدفتين ولامه لتعريف العهد، وحينئذ إما أن يراد بالكتاب الثاني المضاف إليه أم الأول الواقع مقسما كما يشعر به حديث إعادة الشيء معرفة ويكون وضع المظهر موضع المضمر اعتناء بشأن المظهر وتفخيما له والإضافة على معنى في- كما في واحد العشرة- فلا يلزم كون الشيء أصلا لنفسه لأن المعنى على أن الآيات المحكمات التي هي جزء مما بين الدفتين أصل فيما بين الدفتين يرجع إليه المتشابه منه، واعتبار ظرفية الكل للجزء يدفع توهم لزوم ظرفية الشيء لنفسه- وهذا أولى من القول بتقدير مضاف بين المتضايفين- بأن يقال التقدير أم بعض الكتاب فإنه وإن بقي فيه الكتاب على حاله إلا أنه لا يخلو عن تكلف، وإما أن يراد به الجنس فإنه كالقرآن يطلق على القدر المشترك بين المجموع وبين كل بعض منه له به نوع اختصاص كما بين في الأصول، ويراد من هذا الجنس ما هو في ضمن الآيات المتشابهات فاللام حينئذ للجنس والإضافة على معنى اللام ولا يعارضه حديث الإعادة إذ هو أصل كثيرا ما يعدل عنه ولا يتوهم منه كون الشيء- أما- لنفسه أصلا ولا أن المقام مقام الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك، وبعض فضلاء العصر- المعاصرين حميا العلم من كرم أذهانهم الكريمة أحسن عصر- جوز كون الإضافية- لامية- والْكِتابَ المضاف إليه هو الكتاب الأول بعينه وليس في الكلام مضاف محذوف وما يلزم على ذلك من كون الشيء- أما- لنفسه وأصلا لها لا يضر لاختلاف الاعتبار فإن- أمومته- لغيره من المتشابه باعتبار رده إليه وإرجاعه له- وأمومته- لنفسه باعتبار عدم احتياجه لظهور معناه إلى شيء سوى نفسه، ولا يخفى عليك أن- الأم- إن كانت في كلا الاعتبارين حقيقة لزم استعمال المشترك في معنييه وإن كانت في كليهما مجازا لزم الجمع بين معنيين مجازيين، وإن كانت حقيقة في الأصل باعتبار ما يرجع إليه غيره كما يفهم من بعض عباراتهم مجازا في الأصل بمعنى المستغني عن غيره لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا مخلص عن ذلك إلا بارتكاب عموم المجاز، هذا وجوز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم والمتشابه من تقسيم الكلي إلى جزئياته فأل في- الكتاب- للجنس أولا وآخرا إلا أن المراد من الكتاب في الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر المعروف في مثل هذا التقسيم، وفي الثاني الماهية باعتبار تحققها في ضمن بعض

стр. 637

الأفراد وهو المتشابه، ويجوز أن يراد من الثاني أيضا مجموع ما بين الدفتين والكلام فيه حينئذ على نحو ما سبق، قيل: وقصارى ما يلزم من هذا التقسيم بعد تحمل القول بأنه خلاف الظاهر صدق الكتاب على الأبعاض وهو مما لا يتحاشى منه بل هو غرض من فسر الكتاب بالقدر المشترك، وأنت تعلم أن فيه غير ذلك إلا أنه يمكن دفعه بالعناية فتدبر. وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ، والمتشابه الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال، أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال- المحكمات- ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، والمتشابهات- ما يؤمن به ولا يعمل به، وأخرج الفريابي عن مجاهد قال- المحكمات- ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه، وأخرج عبيد بن عمير عن الضحاك قال- المحكمات- ما لم ينسخ- والمتشابهات- ما قد نسخ، وقال الماوردي: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، وقيل: المحكم ما لم يتكرر ألفاظه، المتشابه ما يقابله، وقيل: غير ذلك، وهذا الخلاف في- المحكم، والمتشابه- هنا وإلا فقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم، والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضا في البلاغة، وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن وعلى ذلك خرج قوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: ١] وقوله سبحانه: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: ٢٣] فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي عدول عن الحق وميل عنه إلى الأهواء. وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين- وزاغ. وزال. ومال- متقاربة لكن زاغ لا يقال: إلا فيما كان عن حق إلى باطل ومصدره زيغا وزيغوغة وزيغانا وزيوغا، والمراد بالموصول نصارى نجران أو اليهود- وإليه ذهب ابن عباس- وقيل: منكر والبعث، وقيل: المنافقون، وأخرج الإمام أحمد. وغيره عن أبي أمامة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم الخوارج وظاهر اللفظ العموم لسائر من زاغ عن الحق فليحمل ما ذكر على بيان بعض ما صدق عليه العام دون التخصيص، وفي جعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد. وزيغ مبتدأ أو فاعل فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي يتعلقون بذلك وحده بأن لا ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم ويردوه إليه وهو إما بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادا منهم وكفرا ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك وهذا هو المراد بقوله سبحانه: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي طلب أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه- كما نقل عن الواقدي- وطلب أن يؤولوه حسبما يشتهونه، فالإضافة في تَأْوِيلِهِ للعهد أي بتأويل مخصوص وهو ما لم يوافق المحكم بل ما كان موافقا للتشهي، والتأويل التفسير- كما قاله غير واحد- وقال الراغب: إنه من الأول وهو الرجوع إلى الأصل- ومنه الموئل- للموضع الذي يرجع إليه وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا، ومن الأول ما ذكر هنا، ومن الثاني قوله: وللنوى قبل يوم البين تأويل وقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣] أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه وقوله سبحانه: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] قيل: أحسن ترجمة ومعنى، وقيل: أحسن ثوابا في الآخرة انتهى. وجوز في هاتين الطلبتين أن تكونا على سبيل التوزيع بأن يكون ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلبة بعض وابتغاء التأويل حسب التشهي طلبة آخرين، ويجوز أن يكون الاتباع لمجموع الطلبتين وهو الخليق بالمعاند لأنه لقوة عناده ومزيد

стр. 638

فساده يتشبث بهما معا وأن يكون ذلك لكل واحدة منهما على التعاقب وهو المناسب بحال الجاهل لأنه متحير تارة يتبع ظاهره وتارة يؤوله بما يشتهيه لكونه في قبضة هواه يتبعه كلما ادعاه، ومن الناس من حمل الفتنة على المال فإن الله سبحانه قد سماه فتنة في مواضع من كلامه ولا يخفى أنه ليس بشيء مدعى- ودليلا، وفي تعليل الاتباع- بابتغاء تأويله- دون نفس تَأْوِيلِهِ وتجريد- التأويل- عن الوصف بالصحة والحقية إيذان بأنهم ليسوا من التأويل- في عير ولا نفير، ولا قبيل ولا دبير- وأن ما يتبعونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ في موضع الحال من ضمير- يتبعون- باعتبار العلة الأخيرة أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن التأويل المطابق للواقع كما يشعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله تعالى مخصوص به سبحانه وبمن وفقه عز شأنه من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال الأقدام ومداحض الإفهام دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة هذا ما يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين، وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي قال: «سمعت أنس بن مالك يقول: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: من صدق حديثه وبر في يمينه وعف بطنه وفرجه فذلك الراسخون في العلم ولعل ذلك بيان علامتهم وما ينبغي أن يكونوا عليه، والمراد بالعلم العلم الشرعي المتقبس من مشكاة النبوة فإن أهله هم الممدوحون.» يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ استئناف موضح لحال الراسخين ولهذا فصل، والنحاة يقدرون له مبتدأ دائما- أي هم يقولون- وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وجوز أن يكون حالا من الراسخين- والضمير المجرور راجع إلى المتشابه وعدم التعرض لإيمانهم بالمحكم لظهوره وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضا لأن ماله كل من أجزاء الكتاب أو جزئياته وذلك لا يخلو عن الأمرين، ثم هذا القول وإن لم يخص- الراسخين- لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريق لا يليق من تأويله على ما مر فكأن غيرهم ليس بمؤمن كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا من تمام مقولهم مؤكد لما قبله ومقرر له أي كل واحد منه ومن المحكم- أو كل واحد من متشابهه ومحكمه منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما، وفي التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابه، والحكمة فيه لما أنه متضمن معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولا فأولا، وقد قالوا: إنما أنزل المتشابه لذلك ليظهر فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد به من الأحكام الحقيقية فينالوا بذلك وبإتعاب القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني اللائقة المدارج العالية ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رفرف الإيقان وعرش الاطمئنان ويفوزوا بالمشاهد السامية وحينئذ ينكشف لهم الحجاب ويطيب لهم المقام في رياض الصواب، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية ونهاية في رعاية المصلحة ليس وراءها نهاية. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ عطف على جملة يَقُولُونَ سيق من جهته تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر ما أنهم قد تجردت عقولهم عما يغشاها من الركون إلى الأهواء الزائغة المكدرة لها واستعدوا إلى الاهتداء إلى معالم الحق والعروج إلى معارج الصدق، وللإشارة إلى ذلك وضع الظاهر موضع الضمير هذا على تقدير أن يكون الوقف على الرَّاسِخُونَ وهو الذي ذهب إليه الشافعية، وسائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه، وأما على تقدير أن يكون الوقف على إِلَّا اللَّهُ وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة يَقُولُونَ خبر عنه، ورجح الأول بوجوه: أما أولا فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلا لبيان حظ الزائغين لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون، وأما ثانيا فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم، وأما ثالثا فلأنه لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر

стр. 639

العبارة حيث لم يقل- ومنه متشابهات- لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكما ولا متشهابا بالمعنى المذكور وهو كثير جدا، وأما رابعا فلأن المحكم حينئذ لا يكون- أم الكتاب- بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلا، وأما خامسا فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى، وأما سادسا فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول: أنا ممن يعلم تأويله، وأما سابعا فلأنه مدح الراسخين بالتذكر في هذا المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك، وأما ثامنا فلأنه يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته، والقول: بأن- أما- للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ليتحقق التفصيل. غاية الأمر أنه حذفت- أما- والفاء، وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه: أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ والتقسيم في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ والتفريق في قوله عز شأنه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إلخ مجاب عنه بأن كون- أما- للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم. ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني يَقُولُونَ إلخ كاف في ذلك، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ولم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره- ويد الله تعالى مع الجماعة- ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة، الأول ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ- وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به- فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه على من دونه، وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضا- ويقول الراسخون في العلم. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود- وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به- الثاني ما أخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا الله تعالى» . «الحديث الثالث» ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به» . الرابع ما أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا» . وأخرج البيهقي في الشعب نحوه عن أبي هريرة، الخامس ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا «أنزل

стр. 640

القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب» إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، وذهب بعض المحققين إلى أن كلا من الوقف والوصل جائز- ولكل منهما وجه وجيه- وبين ذلك الراغب بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعض ثلاثة أضرب محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى، ومن جهتهما معا. فالأول ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة أما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون، أو الاشتراك كاليد والعين. وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [النساء: ٣] وضرب لبسطه نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع. وضرب لنظم الكلام نحو أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [الكهف: ١] إذ تقديره- أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا- والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه، والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب. الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ. والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] . والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها الآية نحو وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧] فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه، والخامس من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشرط الصلاة والنكاح، ثم قال: وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة وغير ذلك، وقسم للانسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة، وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم. وهو المشار إليه بقوله ﷺ لابن عباس رضي الله تعالى عنه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» . وإذا عرفت هذا ظهر جواز الأمرين الوقف على إِلَّا اللَّهُ والوقف على الرَّاسِخُونَ وقال بعض أئمة التحقيق: الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إِلَّا اللَّهُ وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى، وأما إذا فسر بما دل القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان: فمنهم من يجوز الخوض فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه، ومنهم من يمنع الخوض فيه فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده. والذاهبون إلى الوقف من السادة الحنفية أجابوا عما ذكره غيرهم في ترجيح ما ذهبوا إليه من الوجوه، فعن الأول بأنه أريد ببيان حظ الراسخين مقابلا لبيان حظ الزائغين إلا أنه لم يقل- وأما الراسخون- مبالغة في الاعتناء بشأن الراسخين حيث لم يسلك بهم سبيل المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين وصينوا عن أن يذكروا معهم كما يذكر المتقابلان في الأغلب في مثل هذه المقامات وقريب من هذا قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧] حيث لم يقل- والطاغوت أولياء الذين كفروا، ولا الذين آمنوا وليهم الله- تعظيما لشأنه تعالى ورعاية للاعتناء بشأن المؤمنين،

стр. 641

وعن الثاني بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه عليه تعالى لأنه إذا لم يعلموه هم كما يشعر به الحكم عليهم بأنهم يقولون آمنا به فغيرهم أولى بعدم العلم فلم يبق عالم به إلا الله تعالى. وعن الثالث بأنه يلتزم القول بعدم الحصر، وفي الإتقان أن بعضا قال: إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه ولولا ذلك لأشكل قوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] لأن المحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه فما هذا الذي يبينه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ وعن الرابع بالتزام أن إضافة- أم- إلى الْكِتابَ على معنى في، والمحكم- أم- في الْكِتابَ ولكن لا للمتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه بل هو- أم- وأصل في فهم العبادات الشرعية كوجوب معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة للكتاب باعتبار بعضه وهو الواسطة بين القسمين لأن متضح الدلالة كثيرا ما يرجع إليه في خفيها مما لم يصل إلى حد الاستئثار، وعن الخامس بأن التأويل الذي دعا به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابن عباس لا يتعين حمله على تأويل ما اختص علمه به تعالى بل يجوز حمله على تفسير ما يخفى تفسيره من القسم المتردد بين الأمرين اللذين ذكرهما الراغب كما ذكره. وعن السادس بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله معارضة بما هو أصح منها بدرجات فتسقط عن درجة الاعتبار، وعلى تقدير تسليم اعتبارها يمكن أن يقال: مراده رضي الله تعالى عنه- أنا ممن يعلم تأويله- أي المتشابه في الجملة حسبما دعا لي به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا وإن قيل: إنه متشابه لكنه في الحقيقة واسطة بين المحكم والمتشابه بالمعنى المراد، وعن السابع بأن مدح الراسخين بالتذكر ليس لأن لهم حظا في معرفته بل لأنهم اتعظوا فخالفوا هواهم ووقفوا عند ما حدّ لهم مولاهم ولم يسلكوا مسلك الزائغين ولم يخوضوا مع الخائضين ويمكن على بعد أن يراد بالتذكر الانتفاع مجازا أي إن الراسخين هم الذين ينتفعون به حيث يؤمنون به لخلوص عقولهم عن غشاوة الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب وهذا بخلاف الزائغين حيث صار المتشابه ضررا عليهم ووبالا لهم إذ ضلوا فيه كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل، وقد قال سبحانه من قبل فيما ضربه من المثل: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: ٢٦] وعن الثامن بأنه لا بعد في أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلى سبحانه عباده بتكاليف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد حقيقة السر فيها، والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل، وكسر سورة الفكر، وإذهاب عجب طاوس النفس ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية ويخضع تحت سرادقات الربوبية ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة هذا إذا أريد بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ما لا سبيل لأحد منهم إلى معرفته من طريق الفكر، وأما إذا أريد ما لا سبيل إلى معرفته مطلقا سواء كانت على الإجمال أو التفصيل بالوحي أو بالإلهام لنبي أو لوليّ فوجود مثل هذا المخاطب به في القرآن في حيز المنع، ولعل القائل يكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا يمنع تعليمه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بواسطة الوحي مثلا ولا إلقاءه في روع الوليّ الكامل مفصلا لكن لا يصل إلى درجة الإحاطة- كعلم الله تعالى- وإن لم يكن مفصلا فلا أقل من أن يكون مجملا ومنع هذا وذاك مما لا يكاد يقول به من يعرف رتبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ورتبة أولياء أمته الكاملين وإنما المنع من الإحاطة ومن معرفته على سبيل النظر والفكر وهو الطريق المعتاد والسبيل المسلوك في معرفة المشكلات واستحصال النظريات ولتبادر هذا المعنى من يعلم إذا أسند إلى الراسخين منع إسناده إليهم ومتى أريد منه العلم لا من طريق الفكر صح الإسناد وجاز العطف ولكن دون توهم هذه الإرادة من ظاهر

стр. 642

الكلام خرط القتاد، فلهذا شاع القول بعدم العطف وكان القول به أسلم. ويؤيد ما قلنا ما ذكره الإمام الشعراني قال: أخبرني شيخنا علي الخواص قدس سره إن الله تعالى أطلعه على معاني سورة الفاتحة فخرج منها مائتي ألف علم وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعين علما وكان يقول: لا يسمى عالما أي عند أهل الله تعالى إلا من عرف كل لفظ جاءت به الشريعة، وقال في الكشف في نحو ق [ق: ١] ، ص [ص: ١] حم [غافر: ١، فصلت: ١، الشورى: ١، الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١] طس [النمل: ١] : لعل إدراك ما تحته عند أهله كإدراكنا للأوليات ولا يستبعد، ففيض الباري عم نواله غير محصور، واستعداد الإنسان الكامل عن القبول غير محسور، ومن لم يصدق إجمالا- بأن وراء مدركات الفكرة ومباديها طورا أو أطوارا حظ العقل منها حظ الحسّ من المعقولات- فهو غير متخلص عن مضيق التعطيل أو التشبيه وإن لم يتدارك حاله بقي بعد كشف الغطا في هذا التيه، ولتتحقق من هذا أن المراتب مختلفة وأن الإحاطة على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلة إلا للباري جل ذكره وأنه لا بد للعارف وإن وصل إلى أعلى المراتب أن يبقى له ما يجب الإيمان به غيبا وهو من المتشابه الذي يقول الراسخون فيه: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فهذا ما يجب أن يعتقد كي لا يلحد. ثم اعلم أن كثيرا من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم- كما أبانت عن حاله الإبانة (١) - أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل، وذهب الخلف إلى تأويلها وتعيين مراد الله تعالى منها فيقولون: الاستواء مثلا بمعنى الاستيلاء والغلبة، وذلك أثر من آثار بعض الصفات الثمانية التي ليس لله تعالى عندهم وراءها صفة حتى ادعى السكوتي- وليته سكت- أن ما وراء ذلك ممتنع إذ لا يلزم من نفيه محال وكل ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون واجبا، والله تعالى لا يتصف إلا بواجب، وذكر الشعراني في الدرر المنثورة أن مذهب السلف أسلم وأحكم إذ المؤول انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه السلطاني الحادث وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول شاعر: قد- استوى- بشر على العراق ... من غير حرب ودم مهراق وأين استواء- بشر على العراق- من استواء الرحمن على العرش، ونهاية الأمر يحتاج إلى القول بأن المراد استيلاء يليق بشأن الرحمن جل شأنه فليقل من أول الأمر قبل تحمل مؤنة هذا التأويل استواء يليق بشأن من عز شأنه وتعالى عن إدراك العقول سلطانه، وهذا أليق بالأدب وأوفق بكمال العبودية وعليه درج صدر الأمة وساداتها- وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها- وإليها دعا أئمة الحديث في القديم والحديث حتى قال محمد بن الحسن كما أخرجه عنه اللالكائي: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، وورد عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ضبيع: قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله ضبيع فأخذ عمر عرجونا من تلك

стр. 643

العراجين فضربه حتى أدمى رأسه- وفي رواية- فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برئ فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين «لا يقال» إن تركت أمثال هذه المتشابهات على ظواهرها دلت على التجسيم وإن لم ترد ظواهرها فقد أولت لأن التأويل على ما قالوا: إخراج الكلام عن ظاهره لأنا نقول: نختار الشق الثاني ولا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره مطلقا بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلا بمعنى الاستيلاء على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يصدق شيء منهما على نفس الظاهر من غير تعيين للمراد، أحدهما ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له، وثانيهما بيان حقيقته وإبرازها إما بالعلم أو بالعقل فإن من قال: بعد التنزيه لا أدري من هذه المتشابهات سوى أن الله تعالى وصف بها نفسه وأراد منها معنى لائقا بجلاله ﷻ ، ولا أعرف ذلك المعنى لم يقل في حقه أنه ترجم وأوضح ولا بيّن الحقيقة وأبرز المراد حتى يقال إنه أول، ومن أمعن النظر في مأخذ التأويل لم يشك في صحة ما قلنا. نعم ذهبت شرذمة قليلة من السلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها إلا أنهم ينفون لوازمها المنقدحة للذهن الموجبة لنسبة النقص إليه عز شأنه ويقولون: إنما هي لوازم لا يصح انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة، وأما في صفات من ليس كمثله شيء فليست بلوازم في الحقيقة ليكون القول بانفكاكها سفسطة- وأين التراب من رب الأرباب- وكأنهم إنما قالوا ذلك ظنا منهم أن قول الآخرين من السلف تأويل، والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لا يذهبون إليه أو أنهم وجدوا بعض الآثار يشعر بذلك مثل ما حكى مقاتل. والكلبي عن ابن عباس في «استوى» أنه بمعنى استقر، وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] إنها قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر. وقريب من هذا القول ما يصرح به كلام كثير من ساداتنا الصوفية فإنهم قالوا: إن هذه المتشابهات تجري على ظواهرها مع القول بالتنزيه الدال عليه قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] حيث إن وجود الحق تعالى شأنه لا تقيده الأكوان وإن تجلى فيما شاء منها إذ له كمال الإطلاق حتى عن قيد الإطلاق، ولا يخفى أن إجراء المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء طور العقل وبحر لا يسبح فيه إلا من فاز بقرب النوافل. وذكر بعض أئمة التدقيق أن العقل سبيله في العلم بالصفات الثمانية المشهورة كعلمه بتلك الصفات التي يدعي الخلف رجوعها إليها إذا أحد النظر، فقد قام البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتا وصفات أيضا لكن صفاته المتعالية وأسماؤه الحسنى قسمان: قسم يناسب ما عندنا من الصفات نوع مناسبة وإن كانت بعيدة، ولا يقال: فلا بد فيه في أفهامنا معاشر الناقصين من أن يسمى بتلك الأسماء المشتهرة عندنا فيسمى علما مثلا- لا دواة ولا قلما- وقسم ليس كذلك وهو المشار إليه بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو استأثرت به في علم الغيب عندك فقد يذكر له أسماء مشوقة لأن منه ما للانسان الكامل منه نصيب بطريق التخلق والتحقق فيذكر تارة اليد والنزول والقدم ونحو ذلك من المخيلات مع العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزهه تعالى عن كل كمال يتصوره الإنسان ويحيط به فضلا عن النقصان، فيعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم بالإجمال ويتوجه إذ ذاك بكليته شطر كعبة الجلال والجمال فيفاض عليه من ينبوع الكمال ما يستأنس عنده وينكشف له جليلة الحال، وإذ ليس له مناسبة بما عندنا لا توجد عبارة يترجم عنها إلا على سبيل الخيال، وإليه الإشارة بقوله ﵊: «من عرف الله تعالى كل لسانه» وأخرى بين مقصد الكل ومن أحبه سبحانه ما يصان عن تهمة إدراك الأغيار من نحو تلك الفواتح، ولعل إدراكها عند أهلها

стр. 644

كإدراك الأوليات إلا أنه لا إحاطة بل لا بد من بقاء شيء كما أشير إليه، وعلى هذا أيضا الأليق أن يوقف لأنه شعار من لنا فيهم الأسوة الحسنة مع ظهور وجهه لكن لا تجعل الآية حجة على من تأول نحو وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: ٦٧] مثلا إذ لا يسلم أنه داخل في ذلك المتشابه والحمل على المجاز الشائع في كلام العرب والكناية البالغة في الشهرة مبلغ الحقيقة أظهر من الحمل على معنى مجهول. نعم لو قيل: إن تصوير العظمة على هذا الوجه دال على أن العقل غير مستقل بإدراكها وأنها أجل من أن تحيط بها العقول فالكنه من المتشابه الذي دلت الآية عليه ويجب الإيمان به كان حسنا، وجمعا بين ما عليه السلف ومشى عليه الخلف وهو الذي يجب أن يعتقد كيلا يلزم ازدراء بأحد الفريقين كما فعل ابن القيم حتى قال: لام الأشعرية كنون اليهودية أعاذنا الله تعالى من ذلك، وعلى هذا يجب أن يفسر المتشابه في الآية بما يعم القسمين، والمحكم أُمُّ يرجع إليه في تمييز القسمين أحدهما فرعه الإيماني. والثاني فرعه الإيقاني، وابن دقيق العيد توسط في مسألة التأويل، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدقق أخيرا من المتشابه فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا معهودا من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له فليفهم هذا المقام فكم زلت فيه أقوام بعد أقوام رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا يحتمل أن يكون من تمام مقالة الراسخين، ويحتمل أن يكون على معنى التعليم- أي قولوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى معالم الحق من التفويض في المتشابه أو الإيمان بالقسمين، أو التأويل الصحيح، ويؤول المعنى إلى لا تضلنا بعد الهداية لأن زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقابلة الهداية الإضلال، وصحة نسبة ذلك إلى الله تعالى- على مذهب أهل السنة في أفعال العباد- ظاهرة، والمعتزلة يؤولون ذلك بنحو لا تبلنا ببلايا تزيغ بسببها قلوبنا ولا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا، وإنما دعوا بذلك أو أمروا بالدعاء به لأن القلوب لا تتقلب، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا ما يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه» . وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال: «قال رسول الله ﷺ إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة تقمصه ومرة تنزعه» والروايات بمعنى ذلك كثيرة وهي تدل على جواز عروض الكفر بعد الإيمان بطرو الشك مثلا والعياذ بالله تعالى، وفي كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضا ما يدل على ذلك فقد أخرج ابن سعد عن أبي عطاف أن أبا هريرة كان يقول: أي رب لا أزنين أي رب لا أسرقن أي رب لا أكفرن قيل له: أو تخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب ثلاثا، وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني قال: اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى على ما يشاء ثم قال: يا عويمر هذه مجالس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك بينا أنت قد نزعته إذ لبسته وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته يا عويمر للقلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا. وعن أبي أيوب الأنصاري: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان. وادعى بعضهم أن هذا بالنسبة إلى الإيمان الغير الكامل وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما بعد حصول الإيمان الكامل والتصديق الجازم والعلم الثابت المطابق فلا يتصور رجعة وكفر أصلا لئلا يلزم انقلاب العلم جهلا وهو محال

стр. 645

والتزم تأويل جميع ما يدل على ذلك، ولا يخفى أن هذا القول مما يكاد يجر إلى الأمن من مكر الله تعالى والتزام تأويل النصوص لشبهة اختلجت في الصدر هي أوهن من بيت العنكبوت في التحقيق مما لا يقدم عليه من له أدنى مسكة كما لا يخفى فتدبر، وبَعْدَ منصوب على الظرفية والعامل فيه تُزِغْ، وإِذْ مضاف إليه وهي متصرفة كما ذكره أجلة النحويين، وأما القول بأنها بمعنى أن المصدرية المفتوحة الهمزة، والمعنى- بعد هدايتنا فمما ذكره الحوفي في إعراب القرآن ولم ير لغيره، والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فتؤول مع ما بعدها بالمصدر نحو وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: ٣٩] أي لظلمكم فإن كان أخذ من هذا فهو كما ترى، وقرئ- «لا تزغ» - بالياء والتاء ورفع القلوب وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ كلا الجارين متعلق- بهب- وتقديم الأول اعتناء به وتشويقا إلى الثاني، ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من المفعول أي كائنة من لدنك، ومِنْ لابتداء الغاية المجازية، ولدن- ظرف، وهي لأول غاية زمان، أو مكان، أو غيرهما من الذوات نحو- من لدن زيد- وليست مرادفة لعند بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيدها بظرف المكان وهي ملازمة للإضافة فلا تنفك عنها بحال، فتارة تضاف إلى المفرد، وتارة إلى الجملة الاسمية أو الفعلية وقلما تخلو عن مِنْ، وفيها لغتان، الإعراب- وهي لغة قيس- والبناء وهي اللغة المشهورة- وسببه شبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد وامتناع الإخبار بها بخلاف- عند، ولديّ- فانهما لا يلزمان استعمالا واحدا إذ يكونان فضلة، وعمدة، وغاية، وغير غاية، قيل: ولقوة هذا الشبه لا تعرب إذا أضيفت في المشهور واللغتان المذكورتان من الإعراب والبناء مختصان- بلدن- المفتوحة اللام المضمومة الدال الواقع آخرها نون، وأما بقية لغاتها فإنها فيها مبنية عند جميع العرب وفيها لغات المشهورة منها ما تقدم- ولدن ولدن- بفتح الدال وكسرها- ولدن، ولدن- بفتح اللام وضمها مع سكون الدال- ولدن- بفتح اللام وضم الدال وبإبدال الدال تاء ساكنة ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وجب رد النون رَحْمَةً مفعول- لهب- وتنوينه للتفخيم، والمراد بالرحمة الإحسان والإنعام مطلقا، وقيل: الإنعام المخصوص وهو التوفيق للثبات على الحق، وفي سؤال ذلك بلفظ لأنه إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض من غير شائبة وجوب عليه عز شأنه وتأخير المفعول الصريح للتشويق إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تعليل للسؤال أو لاعطاء المسئول، وأَنْتَ إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد لاسم- إن- وحذف المعمول لإفادة العموم كما في قولهم: فلان يعطي واختيار صيغة المبالغة على فعال قيل: لمناسبة رؤوس الآي رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ المكلفين وغيرهم لِيَوْمٍ أي لحساب يوم، أو لجزاء يوم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلا لما يقع فيه، وقيل: اللام بمعنى إلى أي جامعهم في القبور إلى يوم لا رَيْبَ فِيهِ أي لا ينبغي أن يرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء. وقيل: الضمير المجرور للحكم أي لا ريب في هذا الحكم، فالجملة على الأول صفة ليوم، وعلى الثاني لتأكيد الحكم ومقصودهم من هذا- كما قال غير واحد- عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسنى عندهم، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة لمزيد الرغبة في استنزال طائر الإجابة. وقرئ جامِعُ النَّاسِ بالتنوين إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب، وقيل: تأكيد بعد تأكيد للحكم السابق وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات للاشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب الهائل، وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف وهذا بخلاف ما في آخر السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الانعام، وقال الكرخي: الفرق بينهما أن ما هنا متصل بما قبله اتصالا لفظيا فقط وما في الآخر متصل اتصالا معنويا ولفظيا لتقدم لفظ الوعد، وجوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين فلا التفات حينئذ، قال السفاقسي: وهو الظاهر، والْمِيعادَ مصدر ميمي بمعنى الحدث لا بمعنى الزمان والمكان وهو اللائق بمفعولية-

стр. 646

يخلف- وياؤه منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها، واستدل بها الوعيدية على وجوب العقاب للعاصي عليه تعالى وإلا يلزم الخلف، وأجيب عنه بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقا، وقيل: هو إنشاء فلا يلزم محذور في تخلفه، وقيل: ما في الآية ليس محلا للنزاع لأن الميعاد فيه مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأن الأول مقتضى الكرم كما قال: وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي واعترض بأن الوعيد الذي هو محل النزاع داخل تحت الوعد بدليل قوله تعالى: قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: ٤٤] وأجيب بأنا لا نسلم الدخول والآية من باب التهكم فهي على حد فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] واعترض أيضا بأن كون- الخلف في الإيعاد- مقتضى الكرم لا يجوز الخلف على الله تعالى لأنه يلزم حينئذ صحة أن يسمى الله تعالى مكذب نفسه وهو مما لا يقدم عليه أحد من المسلمين، وأجيب عنه بما تركه أصوب من ذكره فالحق الرجوع إلى الجواب الأول. هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» الم تقدم الكلام عليه، وذكر بعض ساداتنا فيه أنه أشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل لأن أإشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق، ول إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، وم إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذي هو آخر الوجود، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم. وقال بعضهم: إن ل ركبت من ألفين أي وضعت بإزاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا إليها فهو اسم من أسمائه تعالى، وأما م فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات والأفعال التي احتجبت بها في الصورة المحمدية التي هي اسم الله تعالى الأعظم بحيث لا يعرفها إلا من يعرفها ألا ترى أن أالتي هي لصورة الذات كيف احتجبت فيها فإن الميم فيها الياء وفي الياء ألف ولتضمن الم الإشارة إلى مراتب الوجود والحقيقة المحمدية ناسب أن تفتتح بها هذه الآيات المتضمنة للرد على النصارى الذين أخطؤوا في التوحيد ولم يعرفوه على وجهه، ولهذا أردفه سبحانه بقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا موجود في سائر العوالم حقيقة إلا هو إذ لا أحد أغير من الله تعالى ﷻ الْحَيُّ أي المتصف بالحياة الكاملة على وجه يليق بذاته الْقَيُّومُ القائم بتدبير الأعيان الثابتة بظهوره فيها حسب استعدادها الأزلي الغير المجعول نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وهو العلم المفيد لمقام الجمع وهو التوحيد الذي تفنى فيه الكثرة ولا يشاهد فيه التعدد متلبسا بالحق وهو الثابت الذي لا يعتريه تغير في ذاته مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من التوحيد الأول الأزلي السابق المعلوم في العهد الأول المخزون في غيب الاستعداد وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ إلى معالم التوحيد وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ وهو التوحيد التفصيلي الذي هو الحق باعتبار الفرق وهو منشأ الاستقامة ومبدأ الدعوة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي احتجبوا عن هذين التوحيدين بالمظاهر والأكوان ورؤية الأغيار ولم يؤمنوا بآيات الله تعالى الدالة على أن له سبحانه رتبة الإطلاق وله الظهور والتجلي بما شاء لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في البعد والحرمان عن حظائر العرفان وَاللَّهُ عَزِيزٌ قاهر ذُو انْتِقامٍ شديد بمقتضى صفاته الجلالية هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في أرحام الوجود كَيْفَ يَشاءُ لأنكم المظاهر لأسمائه والمجلى لذاته لا إِلهَ في الوجود إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ القاهر للأعيان الثابتة فلا تشم رائحة الوجود بنفسها أبدا الْحَكِيمُ الذي يظهرها بوجوده الحق ويتجلى بها حسبما تقتضيه الحكمة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ متنوعا في الظهور مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أحكمت من أن يتطرق إليها الاحتمال والاشتباه فلا تحتمل إلا معنى واحدا هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ والأصل وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ تحتمل معنيين

стр. 647

فأكثر ويقع فيها الاشتباه وذلك أن الحق تعالى له وجه واحد وهو المطلق الباقي بعد فناء خلقه لا يحتمل التكثر من ذلك الوجه وله وجوه متكثرة بحسب المرايا والمظاهر بها يقع الاشتباه فورد التنزيل كذلك فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الذي يرجع إليه إلا الله ويعلمه الراسخون في العلم- الذين لم يحتجبوا بأحد الأمرين عن الآخر بعلمه الذي منحوه بواسطة قرب النوافل لا بالعلم الفكري الحاصل بواسطة الأقيسة المنطقية، وبهذا يحصل الجمع بين الوقف على إِلَّا اللَّهُ والوقف على الرَّاسِخُونَ وَما يَذَّكَّرُ بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ الذين صفت عقولهم بنور الهداية وتجردت عن قشر الهوى والعادة رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بالنظر إلى الأكوان والاحتجاب بها عن مكونها بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بنورك إلى صراطك المستقيم ومشاهدتك في مراتب الوجود والمرايا المتعددة وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً خاصة تمحو صفاتنا بصفاتك وظلماتنا بأنوارك إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ المعطي للقوابل حسب القابليات رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ على اختلاف مراتبهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يوم الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة عند كشف الغطا وطلوع شمس العيان إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ لتظهر صفاته الجمالية والجلالية ولذلك خلق الخلق وتجلى للأعيان فأظهرها كيف شاء، هذا ثم لما بين سبحانه الدين الحق والتوحيد وذكر أحوال الكتب الناطقة به وشرح حال القرآن العظيم وكيفية إيمان الراسخين به أردف ذلك ببيان حال من كفر به بقوله جل شأنه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الظاهر أن المراد بهم جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف، وقيل: وفد نجران، أو اليهود من قريظة والنضير، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أو مشركو العرب لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أي لن تنفعهم، وقرئ بالتذكير وسكون الياء وهو من الجد في استثقال الحركة على حروف اللين أَمْوالُهُمْ التي أعدوها لدفع المضار وجلب المصالح وَلا أَوْلادُهُمْ الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة ويعولون عليهم في الملمات المدلهمة وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف النفي- كما قال الشيخ الإسلام إما لعراقتهم في كشف الكروب أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب مِنَ اللَّهِ أي من عذابه تعالى- فمن- لابتداء الغاية كما قال المبرد، وقوله تعالى: شَيْئاً نصب على المصدرية أي شيئا من الإغناء، وجوز أن يكون مفعولا به لما في «أغنى» من معنى الدفع ومِنَ للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة له إلا أنها قدمت عليه فصارت حالا، وأن يكون مفعولا ثانيا بناء على أن معنى أغنى عنه كفاه ولا يخفى ما فيه، وقال أبو عبيدة: مِنَ هنا بمعنى عند وهو ضعيف، وقال غير واحد: هي بدلية مثلها في قوله: فليت لنا «من» ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان ومن ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ [الزخرف: ٦٠] والمعنى لن تغني عنهم بدل رحمة الله تعالى، أو بدل طاعته سبحانه أموالهم ولا أولادهم ونفى ذلك سبحانه مع أن احتمال سد أموالهم وأولادهم مسد رحمة الله تعالى وطاعته عز شأنه مما يبعد بل لا يكاد يخطر ببال حتى يتصدى لنفيه إشارة إلى أن هؤلاء الكفار قد ألهتهم أموالهم وأولادهم عن الله تعالى والنظر فيما ينبغي له إلى حيث يخيل للرائي أنهم ممن يعتقد أنها تسد مسد رحمة الله تعالى وطاعته. وقريب من ذلك قوله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [سبأ: ٣٧] واعترض بأن أكثر النحاة- كما في البحر- ينكرون إثبات البدلية- لمن- مع أن الأول هو الأليق في الظاهر بتهويل أمر الكفرة والأنسب بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ وكذا بما بعد، والوقود- بفتح الواو- وهي قراءة الجمهور-

стр. 648

الحطب- أي أولئك المتصفون بالكفر المبعدون عن عز الحضور- حطب النار التي تسعر به لكفرهم، وقيل: الوقود بالفتح لغة في الوقود بالضم- وبه قرأ الحسن- مصدر بمعنى الإيقاد فيقدر حينئذ مضاف أي أهل وقودها- والأول هو الصحيح- وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره، أو للإيذان بأن حقيقة حالهم ذلك وأنهم في حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم، وهي إما مستأنفة مقررة لعدم الإغناء أو معطوفة على الجملة الأولى الواقعة خبرا لأن، وهُمْ يحتمل أن يكون مبتدأ ويحتمل أن يكون فصلا. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الدأب العادة والشأن، وأصله من دأب في الشيء دأبا ودؤوبا إذا اجتهد فيه وبالغ- أي حال هؤلاء في الكفر واستحقاق العذاب كحال آل فرعون فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف والجملة منفصلة عما قبلها مستأنفة استئنافا بيانيا بتقدير- ما سبب هذا- على ما قاله بعض المحققين. ومن الناس من جوز أن يكون الجار متعلقا بمحذوف وقع صفة لمصدر- تغنى- أي إغناء كائنا كعدم إغناء أو بوقود أي توقد بهم كما توقد بأولئك- ولا يخفى ما في الوجهين- أما الأول فقد قال فيه أبو حيان: إنه ضعيف للفصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي، وأُولئِكَ إلخ إذا قدرت معطوفة فإن قدرت استئنافية وهو بعيد جاز. وأما الثاني فقد اعترضه الحلبي بأن الوقود على المشهور الأظهر فيه اسم لما يوقد به وإذا كان اسما فلا عمل له «فإن قيل» إنه مصدر كما في قراءة الحسن صح لكنه لم يصح وأورد عليهما معا أنهما خلاف الظاهر لأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيب والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كون مِنْ بدلية- ولا- لإيقاد النار (١) فليفهم وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهم كفار الأمم الماضية فالضمير لآل فرعون، وقيل: للذين كفروا، والمراد بالموصول معاصر ورسول الله ﷺ كَذَّبُوا بِآياتِنا تفسير لدأبهم الذي فعلوا على سبيل الاستئناف البياني، والمراد «بالآيات» إما المتلوة في كتب الله تعالى أو العلامات الدالة على توحيد الله تعالى وصدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ تفسير- لدأبهم- الذي فعل بهم أي فعاقبهم الله تعالى ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا، وقيل: إن جملة كَذَّبُوا إلخ في حيز النصب على الحال من آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بإضمار قد، ويجوز على بعد أن تكون في حيز الرفع على أنها خبر عن الذين والالتفات للتكلم أولا في آياتنا للجري على سنن الكبرياء، وإلى الغيبة ثانيا بإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة. بِذُنُوبِهِمْ أي بسببها أو متلبسين بها غير تائبين، والمراد من الذنوب- على الأول- التكذيب بالآيات المتعددة، وجيء بالسببية تأكيدا لما تفيده الفاء، وعلى الثاني سائر الذنوب، وفي ذلك إشارة إلى أن لهم ذنوبا أخر، وأصل الذنب التلو والتابع، ثم أطلق على الجريمة لأنها يتلو- أي يتبع- عقابها فاعلها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر بآياته، والجملة تذييل مقررة لمضمون ما قبلها من الأخذ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ﵊ ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا يرد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله ﷺ شكوا وقالوا: لا والله ما هو به وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف إلى ستين راكبا إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا:

стр. 649

لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا «أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله تعالى بما أصاب قريشا فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تكن مثلنا» فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله سبحانه: لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٣] فالمراد من الموصول اليهود، والسين لقرب الوقوع أي تغلبون عن قريب وأريد منه في الدنيا، وقد صدق الله تعالى وعده رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتل- كما قيل- من بني قريظة في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع وأمر السياف بضرب أعناقهم وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم- وهذا من أوضح شواهد النبوة- وَتُحْشَرُونَ عطف على سَتُغْلَبُونَ والمراد في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ وهي غاية حشرهم ومنتهاه- فإلى- على معناها المتبادر، وقيل: بمعنى- في- والمعنى أنهم يجمعون فيها، والآية كالتوكيد لما قبلها فإن الغلبة تحصل بعدم الانتفاع بالأموال والأولاد، والحشر إلى جهنم مبدأ كونهم وقودا لها، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم- سيغلبون ويحشرون- بالياء، والباقون بالتاء، وفرق بين القراءتين بأن المعنى على تقدير تاء الخطاب أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخبرهم من عند نفسه بمضمون الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة أمره بأن يؤدي ما أخبر الله تعالى به من الحكم بأنهم- سيغلبون- بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى، وقوله سبحانه: وَبِئْسَ الْمِهادُ إما من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها، ومهاد- كفراش لفظا ومعنى، والمخصوص بالذام مقدر وهو جهنم، أو ما مهدوه لأنفسهم. قَدْ كانَ لَكُمْ من تتمة القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضا- واختاره شيخ الإسلام- وذهب إليه البلخي أي قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم آيَةٌ أي علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم- ستغلبون- فِي فِئَتَيْنِ أي فرقتين أو جماعتين من الناس كانت المغلوبة منهما مدلة بكثرتها معجبة بعزتها فأصابها ما أصابها الْتَقَتا يوم بدر فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فهي في أعلى درجات الإيمان ولم يقل مؤمنة مدحا لهم بما يليق بالمقام ورمزا إلى الاعتداد بقتالهم، وقرئ- يقاتل- على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق وَأُخْرى كافِرَةٌ بالله تعالى فهي أبعد من أن تقاتل في سبيله وإنما لم توصف بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطا لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذانا بأنه لم يتصدوا له لما عراهم من الهيبة والوجل، وكانَ ناقصة- وعليه جمهور المعربين وآيَةٌ اسمها وترك التأنيث في الفعل لأن المرفوع غير حقيقي التأنيث ولأنه مفصول ولأن الآية والدليل بمعنى، وفي الخبر وجهان: أحدهما لَكُمْ وفِي فِئَتَيْنِ نعت- لآية- والثاني أن الخبر هو هذا النعت ولَكُمْ متعلق ب كانَ على رأي من يرى ذلك، وجوز أن يكون لَكُمْ في موضع نصب على الحال- وقد تقدم مرارا أن وصف النكرة إذا قدم عليها كان حالا والْتَقَتا في حيز الجر نعت- لفئتين- وفئة خبر لمحذوف أي إحداهما فئة وأخرى نعت لمقدر أي- وفئة أخرى- والجملة مستأنفة لتقرير ما في الفئتين من الآية، وقيل: فئة وما عطف عليها بدل من الضمير في الْتَقَتا وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضمير أي فئة منهما تقاتل إلخ، وجوز أن يكون كل من المتعاطفين مبتدأ وما بعدهما خبر أي فئة منهما تقاتل إلخ، وفئة أخرى كافرة، وقيل: كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة إلخ، وقرئ- فئة

стр. 650

وأخرى كافرة- بالنصب فيهما وهو على المدح في الأولى والذم في الثانية، وقيل: على الاختصاص، واعترضه أبو حيان بأن المنصوب عليه لا يكون نكرة، وأجيب بأن القائل لم يعن الاختصاص المبوب له في النحو كما في «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وإنما عنى النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصا- كما قاله الحلبي- وجوز أن يكونا حالين كأنه قيل: الْتَقَتا مؤمنة وكافرة، وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال، وقرئ بالجر فيهما على البدلية من فِئَتَيْنِ بدل بعض من كل والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر على نحو ما مر ويسمى بدلا تفصيليا كما في قوله: وكنت كذي رجلين- رجل صحيحة ... ورجل رماها صائب الحدثان وقوله سبحانه: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ في حيز الرفع صفة للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبينة لكيفية الآية. والمراد كما قال السدي: ترى الفئة الأخيرة الكافرة الفئة الأولى المؤمنة مثلي عدد الرائين وقد كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا كلهم شاكو السلاح، وعن علي كرم الله تعالى وجهه، وابن مسعود كانوا ألفا وسقف بيت حلهم وربطهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم من صناديد قريش ورؤساء الضلال أبو جهل، وأبو سفيان، وغيرهما، ومن الإبل والخيل سبعمائة بعير ومائة فرس، روى محمد بن الفرات عن سعيد بن أوس أنه قال: أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا وأرادوا ألفا وتسعمائة- وهو المراد من يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ وزعم الفراء أنه يحتمل إرادة ثلاثة أمثالهم لأنك إذا قلت: عندي ألف وأحتاج إلى مثليها فإنما تريد إلى ألفين مضافين إليها لا بدلا منها فهم كانوا يرونهم ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا عدة المرسلين سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمهاجرين علي الكرار كرم الله تعالى وجهه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان معهم من الإبل سبعون بعيرا، ومن الخيل فرسان فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، ومن السلاح ست أدرع وثمانية سيوف وكان أكثرهم رجالة، واستشهد منهم يومئذ أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار- وقد مرت إليه الإشارة- وإنما أراهم الله تعالى كذلك مع أنهم ليسوا كذلك ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم وهو نوع من التأييد والمدد المعنوي وكان ذلك عند تداني الفئتين بعد أن قللهم الله تعالى في أعينهم عند الترائي ليجترئوا عليهم ولا يرهبوا فيهربوا حيث ينفع الهرب، وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم ليثبتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦] قال شيخ الإسلام مولانا مفتي الديار الرومية: والأول هو أولى لأن رؤية المثلين غير معينة من جانب المؤمنين بل وقد وقعت رؤية المثل بل أقل منه أيضا فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل من أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة فأسرنا منهم رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقل من عددهم في نفس الأمر- كما في الأنفال- لكانت رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم على أن إبانة آثار قدرة الله تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيرا والضعيف قويا وإلقاء الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وأقرب إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتهم للكفرة المشاهدين للحال وكذا تعلق الفعل

стр. 651

بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلا وأبعدهما مفعولا سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة أولى من العكس انتهى. ويمكن أن يقال من طرف الجمهور الذاهبين إلى أن المراد رؤية المؤمنين المشركين مثلي أنفسهم بأنه التفسير المأثور عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولا نسلم أن رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم لجواز أن تكون الآية والعلامة لليهود على أنهم سيغلبون قتال المؤمنين لهؤلاء المشركين وغلبتهم عليهم مع وجود السبب العادي للجبن وهو رؤية المؤمنين إياهم أكثر من أنفسهم وأوفر من عددهم فكأنه قيل: يا معشر اليهود تحققوا قتال المسلمين لكم وغلبتهم عليكم ولا تغتروا بعلمهم بقلتهم وكثرتكم فإنهم يقدمون على قتال من يرونه أكثر منهم عددا ولا يجبنون ولا يهابون وينتصرون فما ذاك إلا لأن الله تعالى قد ملأ قلوبهم إيمانا وشدة على من خالفهم وأحاطهم بتأييده ونصره ووعدهم الوعد الجميل. «لا يقال» : إن الأوفق لهذا الغرض أن يرى المؤمنون المشركين على ما هم عليه من كون المشركين ثلاثة أمثالهم أو يرونهم أكثر من ذلك لأن إقدامهم حينئذ على قتالهم أدل على سبب الغلبة على اليهود لأنا نقول: نعم الأمر كما ذكر إلا أن هذه الرؤية لوفائها بالمقصود مع تضمنها مدح المؤمنين بالثبات الناشئ من قوة الإيمان بالنصر الموعود آخرا بقوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦] اختيرت على ما ليس فيها إلا أمر واحد غير متضمن لذلك المدح المخصوص وعلى هذا لا يحتاج إلى التزام كون التثنية مجازا عن التكثير كما في قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤] ولا إلى القول بأن ضمير مِثْلَيْهِمْ راجع إلى- الفئة- الأخيرة أي ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي عدد الفئة الكافرة أعني قريبا من ألفين- وإن ذهب إلى ذلك البعض- ويرد أيضا على قوله: على أن إبانة إلخ بعد تسليم أن الإراءة نفسها كانت هي الآية أن إراءة القليل كثيرا لم تقع لليهود المخاطبين بصدر الآية لتكون إبانة آثار قدرته تعالى بذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وكون ذلك أقرب لاعترافهم لكثرة مخالطتهم الكفرة الرائين يتوقف على أن الرائين قد أخبروهم بذلك وأنهم صدقوا به ولم يحملوه على أنه خيل لهم لخوفهم بسبب عدم علمهم بالحرب والخائف- يخيل إليه أن أشجار البيداء شجعان شاكية، وأسد ضارية- وإثبات كل من هذه الأمور صعب على أن فيما روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- من أن اليهود قالوا له صلى الله تعالى عليه وسلم بعد تلك الواقعة: لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ولئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس- ما يشعر في الجملة بأنهم لو أخبروهم بذلك وصدّقوا لحملوه على نحو ما ذكرنا، وما ذكر من أن تعلق الفعل بالفاعل أشد إلخ، فمسلم إلا أنا لا نسلم أنه يستدعي أولوية جعل أول المذكورين السابقين فعلا وأبعدهما مفعولا من العكس مطلقا بل ذلك إذا لم يكن في العكس معنى لطيف تحسن مراعاته نظرا للمقام- وهنا قد كان ذلك- لا سيما وقد سبق مدح الفئة الأولى بالمقاتلة في سبيل الله تعالى وعدل عن مدحهم بالإيمان الذي هو الأساس إليه ولا شك أن مقاتلتهم للمشركين مع رؤيتهم إياهم أكثر من أنفسهم ومثليهم أمدح وأمدح كما لا يخفى، وقرأ نافع، ويعقوب ترونهم بالتاء- واستشكلت- على تقدير كون الخطاب لليهود بأنهم لم يروا المؤمنين مثلي أنفسهم ولا مثلي الكافرين ولم يروا الكافرين أيضا مثلي أنفسهم ولا مثلي المؤمنين، وأجيب بأنه يصح أن يقال: إنهم رأوا المؤمنين مثلي أنفسهم أو مثلي الكافرين على سبيل المجاز حيث نزلت رؤية المشركين منزلة رؤيتهم لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقا لعروض مثل تلك الحالة لهم، وكذا يصح أن يقال: إنهم

стр. 652

رأوا حقيقة الكافرين مثلي المؤمنين، وتحمل الرؤية على العلم والاعتقاد الناشئ عن الشهرة والتواتر ويلتزم كون الآية لهم قتال المؤمنين الكافرين وغلبة الأولين الآخرين مع كونهم أكثر منهم إلا أنه اقتصر على أقل اللازم ويعلم منه كون قتال المؤمنين وغلبتهم على الفئة الكافرة مع كونها ثلاثة أمثالهم في نفس الأمر المعلوم لهم أيضا آية من باب أولى. ولما في هذين الجوابين- كيفما كان- التزم بعضهم كون الخطاب من أول الأمر للمشركين ليتضح أمر هذه القراءة وأوجب عليه أن يكون قوله سبحانه: قَدْ كانَ لَكُمْ خطابا لهم بعد ذلك ولا يكون داخلا تحت الأمر بناء على أن الوعيد كان بوقعة بدر ولا معنى للاستدلال بها قبل وقوعها، وجعل ذلك داخلا في مفعول الأمر إلا أنه عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقق وقوعه لا يخلو عن شيء، وجعل بعضهم الخطاب في قراءة نافع للمؤمنين والتزم كون الخطاب السابق لهم أيضا على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به، وقيل: إنه لجميع الكفرة، وقال بعض أئمة التحقيق: القول بأن الخطاب عام للمؤمنين واليهود ومشركي مكة هو الذي يقتضيه المقام لئلا يقتطع الكلام ويقع التذييل بقوله سبحانه: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ إلخ موقع المسك في الختام، ثم إن من عد التعبير عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة مع التعبير بعد عن البعض بطريق آخر يخالفه منها من الالتفات قال بوجوده في الآية على بعض احتمالاتها، ومن لم يعد ذلك منه كما هو الظاهر أنكر الالتفات فيها وبهذا يجمع بين أقوال الناظرين في الآية من هذه الحيثية واختلافهم في وجود الالتفات وعدمه فيها فأمعن النظر فإنه لمثل هذا المبحث كله يدخر. وقرأ ابن مصرف- يرونهم- على البناء للمفعول بالياء والتاء أي يريهم الله تعالى ذلك بقدرته رَأْيَ الْعَيْنِ مصدر مؤكد- ليرونهم- على تقدير جعلها بصرية- فمثليهم- حينئذ حال، ويجوز أن يكون مصدرا تشبيهيا على تقدير جعلها علمية اعتقادية- أي رأيا مثل رأي العين- فمثليهم حينئذ مفعول ثان، وقيل: إن- رأى- منصوب على الظرفية أي في رأي العين وَاللَّهُ المتصف بصفات الجمال والجلال يُؤَيِّدُ أي يقوي بِنَصْرِهِ أي بعونه، وقيل: بحجته وليس بالقوى مَنْ يَشاءُ أن يؤيده من غير توسط الأسباب المعتادة كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله وهو من تمام القول المأمور به إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من النصر، وقيل: من تلك الرؤية لَعِبْرَةً أي اتعاظا ودلالة، وهي فعلة من العبور كالركبة والجلسة وهو التجاوز، ومنه عبرت النهر وسمي الاتعاظ عبرة لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم ومن الهلاك إلى النجاة، والتنوين للتعظيم أي عبرة عظيمة كائنة لِأُولِي الْأَبْصارِ جمع بصر بمعنى بصيرة مجازا أو بمعناه المعروف أي لذوي العقول والبصائر أو لمن أبصرهم ورآهم بعيني رأسه، وهذه الجملة إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقررة لما قبلها بطريق التذييل وإما واردة من جهته تعالى تصديقا لمقالة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 653

زُيِّنَ لِلنَّاسِ كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي كثيرا ما يقع القتال بسببها إثر بيان حال الكفرة والتنصيص على عدم نفع أموالهم وأولادهم لهم وقد كانوا يتعززون بذلك، والمراد من الناس الجنس حُبُّ الشَّهَواتِ أي المشهيات وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي، أو تنبيها على خستها لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله تعالى، والمزين هو الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن- الشيطان- والله زينها لهم لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها. وفي الانتصاف التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها، وكلام الحسن رحمه الله تعالى محمول على التزين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله تعالى إلى غيره والاسناد في كل حقيقة كما أشرنا إليه فيما تقدم، ومن قال: الظاهر أنه من قبيل- أقدمني بلدك حق لي عليك- إذ لا إقدام هنا بل قدوم محض أثبت له مقدم للمبالغة، والمراد أن الشهوات زينت في أعينهم لنقصانهم ولا زينة لها في الحقيقة من غير أن يكون هناك مزين إلا أنه أثبت مزين مبالغة في الزينة وتنزيلا لسبب الزينة منزلة الفاعل فقد تعسف وتصلف، ومن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به. والقائل: بأنه هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطئ في الدعوى وغير مصيب في الدليل فالمخطئ ابن أخت خالته، وقرأ مجاهد- زين- بالبناء للفاعل ونصب حُبُّ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ في محل النصب على الحال من الشهوات وهي مفسرة لها في المعنى، وقيل: مِنَ لبيان الجنس وقدم النساء لعراقتهن في

стр. 654

معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان، وقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» ويقال: فيهن، فتنتان قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام، وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء في الفتن، وقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «الولد مبخلة مجبنة» ويقال فيهم فتنة واحدة وهي جمع المال، ولم يتعرض لذكر البنات لعدم الاطراد في حبهن، وقيل: إن البنين تشملهن على سبيل التغليب وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ جمع قنطار وهو المال الكثير كما أخرجه ابن جرير عن الضحاك. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «القنطار إثنا عشر ألف أوقية» وأخرج الحاكم عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك فقال: «القنطار ألف أوقية» . وفي رواية ابن أبي حاتم عنه القنطار ألف دينار، وأخرج ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «القنطار ألف أوقية ومائتا دينار» وعن معاذ ألف ومائتا أوقية، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اثنا عشر ألف درهم وألف دينار، وفي رواية أخرى عنه ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال. وعن أبي سعيد الخدري ملء جلد الثور ذهبا، وعن مجاهد سبعون ألف دينار، وعن ابن المسيب ثمانون ألفا، وعن أبي صالح مائة رطل، وعن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفا من الورق، وعن أبي جعفر خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وقيل: القنطار عند العرب وزن لا يحد، وقيل: ما بين السماء والأرض من مال وغير ذلك، ولعل الأولى كما قيل: ما روي عن الضحاك ويحمل التنصيص على المقدار المعين في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص، والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات، واختلف في وزنه فقيل: فعلال، وقيل: فعنلان فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة، ولفظ الْمُقَنْطَرَةِ مأخوذ منه، ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة- كظل ظليل- وهو كثير في وزن فاعل ويرد في المفعول ك حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: ٢٢ و ٥٣] ونَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: ٢٣] وقيل: المقنطرة المضعفة، وخصها بعضهم بتسعة قناطير، وقيل: المقنطرة المحكمة المحصنة من قنطرت الشيء إذا عقدته وأحكمته، وقيل: المضروبة دنانير أو دراهم، وقيل: المنضدة التي بعضها فوق بعض، وقيل: المدفونة المكنوزة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بيان للقناطير وهو في موضع الحال منها، والذهب مؤنث يقال: هي الذهب الحمراء ولذلك يصغر على ذهيبة، وقال الفراء: وربما ذكر، ويقال في جمعه: أذهاب وذهوب وذهبان، وقيل: إنه جمع في المعنى لذهبة واشتقاقه من الذهاب، والفضة تجمع على فضض واشتقاقه من انفض الشيء إذا تفرق وَالْخَيْلِ عطف على النِّساءِ أو الْقَناطِيرِ لا على الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لأنها لا تسمى قنطارا وواحدة خائل وهو مشتق من الخيلاء مثل طائر وطير، وقال قوم: لا واحد له من لفظه بل هو اسم جمع واحده فرس ولفظه لفظ المصدر وجوز أن يكون مخففا من خيل الْمُسَوَّمَةِ أي الراعية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه فهي من سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان- قاله مجاهد- فهي من السما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل- قاله عكرمة- فهي من السمة أو السومة بمعنى العلامة وَالْأَنْعامِ أي الإبل والبقر والغنم وسميت بذلك لنعومة مشيها ولينه، والنعم مختصة بالإبل وَالْحَرْثِ مصدر بمعنى المفعول أي المزروع سواء كان حبوبا أم بقلا أم ثمرا ذلِكَ أي ما زين لهم من المذكور- ولهذا ذكر- وأفرد اسم الاشارة ويصح أن يكون ذلك لتذكير الخبر وإفراده وهو مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي ما يتمتع به أياما قلائل ثم يزول عن صاحبه وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع الحسن فالمآب مفعل من آب يؤوب أي رجع وأصله مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ثم قلبت ألفا وهو اسم مصدر ويقع اسم مكان وزمان والمصدر أوب وإياب.

стр. 655

أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال: حُسْنُ الْمَآبِ حسن المنقلب وهي الجنة، وفي تكرير الإسناد إلى الاسم الجليل زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب فيما عند الله تعالى من النعيم المقيم والتزهيد في ملاذّ الدنيا السريعة الزوال، ومن غريب ما استنبط من الآية- كما قال أبو حيان- وجوب الزكاة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة، والثاني النساء والبنون ولا يخفى ما فيه. قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ تقرير وتثبيت لما فهم مما قبل من أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا، والمراد من الإنباء الإخبار ذلِكُمْ إشارة إلى المذكور من النساء وما معه، والقراء فيما إذا اجتمع همزتان أولاهما مفتوحة والثاني مضمومة كما هنا وكما في سورة ص أَأُنْزِلَ [ص: ٨] وسورة القمر أَأُلْقِيَ [القمر: ٢٥] على خمس مراتب: إحداها مرتبة قالون وهي تسهيل الثانية بين بين وإدخال ألف بين الهمزتين. الثانية مرتبة ورش، وابن كثير وهي تسهيل الثانية أيضا بين بين من غير إدخال ألف بينهما. الثالثة مرتبة الكوفيين. وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف. الرابعة مرتبة هشام وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه: الأول التحقيق وعدم إدخال ألف بين الهمزتين. الوجه الثاني التحقيق وإدخال ألف بينهما في السور الثلاث. الوجه الثالث التفرقة بين السور فيحقق ويقصر هنا ويمد في الأخيرتين. الخامسة مرتبة أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه والظرف الأول متعلق بالفعل قبله. والثاني متعلق بأفعل التفضيل ولا يجوز أن يكون صفة- كما قال أبو البقاء- لأنه يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضا لما زهدوا عنه من الأموال ونحوها، وقوله تعالى: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن الذين خبر مقدم، وجَنَّاتٌ مبتدأ مؤخر، وعِنْدَ رَبِّهِمْ يحتمل وجهين كونه ظرفا للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالا منها، وفي ذكر ذلك إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم، والمراد منهم المتبتلون إليه تعالى المعرضون عمن سواه- كما ينبئ عن ذلك الأوصاف الآتية- وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات عليه. وجوز أن تكون اللام متعلقة- بخبر- أيضا أو بمحذوف صفة له، وجنات- حينئذ خبر لمحذوف- أي- هي جنات- والجملة مبينة- لخير- وعند ربهم- حينئذ إما أن يتعلق بالفعل على معنى ثبت تقواهم عنده شهادة لهم بالإخلاص، وجاز أن يجعل خبرا مقدما فلا يحتاج إلى حذف المبتدأ، واعترض بأنه يقال: عند الله تعالى الثواب ولا يقال عند الله تعالى الجنة، وبذلك يصرح كلام السعد وغيره- وفي النفس منه شيء- وقرئ- جنات- بكسر التاء وفيه وجهان: أحدهما أنه مجرور على البدلية من لفظ- خير- وثانيهما أنه منصوب على إضمار أعني مثلا أو البدلية من محل- بخير- تَجْرِي في محل الرفع أو النصب أو الجر صفة- لجنات- على القراءتين مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ تقدم ما فيه خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من المستكن في- للذين- والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وجوز أبو البقاء كونه حالا من الهاء في- تحتها- أو من الضمير في- اتقوا- ولا يخفى ما فيه وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي منزهة مما يستقذر من النساء خلقا وخلقا، والعطف على- جنات- على قراءة الرفع وأما على قراءة النصب فلا بدّ من تقدير- لهم- في الكلام وَرِضْوانٌ أي رضا عظيم على ما يشعر به التنوين، وقرأه عاصم- بضم الراء- وهما لغتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة: ١٦] فإنه بالكسر بالاتفاق، وقيل: المكسور اسم والمضموم مصدر وهو قول لا ثبت له مِنَ اللَّهِ صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلا ويعاقب المسيء عدلا، أو خبير بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم ما أعدّ، فالعباد على الأول عام

стр. 656

وعلى الثاني خاص، وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولا بذكر- المقرّ- وهو الجنات، ثمّ ثنّى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة، ثم ثلث بذكر ما هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله . «و في الحديث» أنه سبحانه «يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمحذوف كأنه قيل: من أولئك المتقون؟ فقيل: هم الذين إلخ، وأن يكون في موضع نصب على المدح، وأن يكون في حيز الجر على أنه تابع- للذين اتقوا- نعتا أو بدلا، أو العباد كذلك، واعترض كونه نعتا للعباد بأن فيه تخصيص الإبصار ببعض العباد، وفيه أن ذلك التخصيص لا يوهم الاختصاص لظهور الأمر بل يفيد الاهتمام بشأنهم ورفعة مكانهم، واعترض أيضا كونه تابعا للمتقين بأنه بعيد جدا لا سيما إذا جعل اللام متعلقا- بخير- لكثرة الفواصل بين التابع والمتبوع، وأجيب بأنه لا بأس بهذا الفصل كما لا بأس بالفصل بين الممدوح والمدح إذ الصفة المادحة المقطوعة تابعة في المعنى ولهذا يلزم حذف الناصب أو المبتدأ لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية فالفرق بين هذه وسائر التوابع في قبح الفصل وعدمه خفي لا بد له من دليل نبيل، وفيه أن قياس التبعية لفظا ومعنى على التبعية معنى فقط مما لا ينبغي من جاهل فضلا عن عالم فاضل، والتزام حذف الناصب أو المبتدأ في صورة القطع للمدح أو للذم قد يقال: إنه لدفع توهم الأخبار، والمقصود الإنشاء لا لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشئ من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب طلب المغفرة في قوله تعالى: فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ على مجرد الإيمان دليل على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار من غير توقف على الطاعات، والمراد من الذنوب الكبائر والصغائر الصَّابِرِينَ يجوز أن يكون مجرورا وأن يكون منصوبا صفة- للذين- إن جعلته في موضع جر أو نصب وإذا جعلته في محل رفع كان هذا منصوبا على المدح. والمراد بالصبر- الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن محارمه- قاله قتادة، وحذف المتعلق يشعر بالعموم فيشمل الصبر على البأساء والضراء وحين البأس وَالصَّادِقِينَ في نياتهم وأقوالهم سرا- وعلانية وهو المروي عن قتادة أيضا وَالْقانِتِينَ أي المطيعين- قاله ابن جبير- أو المداومين على الطاعة والعبادة- قاله الزجاج- أو القائمين بالواجبات- قاله القاضي- وَالْمُنْفِقِينَ من أموالهم في حق الله تعالى- قاله ابن جبير- أيضا وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ قال مجاهد والكلبي. وغيرهما: أي المصلين بالإسحار. وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا فيعاود الصلاة فإذا قال: نعم قد يستغفر الله تعالى ويدعو حتى يصبح، وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة» وروى الرضا عن أبيه عن أبي عبد الله «أن من استغفر الله تعالى في وقت السحر سبعين مرة فهو من أهل هذه الآية» والباء في- بالأسحار- بمعنى في، وهي جمع- سحر- بفتح الحاء المهملة وسكونها سميت أواخر الليالي بذلك لما فيها من الخفاء- كالسحر- للشيء الخفي. وقال بعضهم: السحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر. وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة إذا العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع

стр. 657

أجمع، وفي الصحيح «أنه تعالى وتنزه عن سمات الحدوث ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» . وأخرج ابن جرير. وأحمد عن سعيد الجريري قال: «بلغنا أن داود ﵊ سأل جبريل ﵇ فقال: يا جبريل أيّ الليل أفضل قال: يا داود ما أدري سوى أن العرش يهتز في السحر» وتوسيط الواو بين هذه الصفات المذكورة إما لأن الموصوف بها متعدد وإما للدلالة على استقلال كل منها وكمالهم فيها، وقول أبي حيان: لا نعلم أن العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال رده الحلبي بأن علماء البيان علموه وهم هم. هذا «ومن باب الاشارة في الآيات» قَدْ كانَ لَكُمْ يا معشر السالكين إلى مقصد الكل آيَةٌ دالة على كمالكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا للحرب فِئَةٌ منهما وهي فئة القوى الروحانية التي هي جند الله تعالى تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وطريق الوصول إليه وَأُخْرى منهما وهي جنود النفس وأعوان الشيطان كافِرَةٌ ساترة للحق محجوبة عن حظائر الصدق ترى الفئة الأخيرة الفئة الأولى لحول عين بصيرتها مِثْلَيْهِمْ عند الالتقاء في معركة البدن رؤية مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها مثل رؤية العين، وذلك لتأييد الفئة المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجبروتية، وخذلان الفئة الكافرة بما استولى عليها من تراكم ظلمات الطبيعة وذل البعد عن الحضرة وَاللَّهُ تعالى يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ تأييده لقبول استعداده لذلك إِنَّ فِي ذلِكَ التأييد لعبرة أي اعتبارا أو أمرا يعتبر به في الوصول إلى حيث المأمول للمستبصرين الفاتحين أعين بصائرهم لمشاهدة الأنوار الأزلية في آفاق المظاهر الإلهية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ بسبب ما فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية مِنَ النِّساءِ وهي النفوس وَالْبَنِينَ وهي الخيالات المتولدة منها الناشئة عنها وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة، أو الأصول والفروع وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو وَالْأَنْعامِ وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية وَالْحَرْثِ وهو زرع الحرص وطول الأمل ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم. ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها فإن النفوس المنغمسة في أوحال الطبيعة لها ميل كلي إلى ذلك أيضا قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ المذكور للذين اتقوا النظر إلى الأغيار جَنَّاتٌ جنة يقين. وجنة مكاشفة. وجنة مشاهدة. وجنة رضا. وجنة لا أقولها- وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر- وليس في تلك الجنة عند العارفين إلا الله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أنهار التجليات المترعة بماء الغيوب خالِدِينَ فِيها ببقائهم بعد فنائهم وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهي الأرواح المقدسة عن أدناس الطبيعة المقصورة في خيام الصفات الإلهية وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ لا يقدر قدره وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ في تقلب أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار الجبروت حبا لجواره وشوقا إلى لقائه يجازيها بقدر همومها في طلب وجهه الأزلي وجماله الأبدي الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا بأنوار أفعالك وصفاتك فَاغْفِرْ لَنا ذنوب وجوداتنا بذاتك وَقِنا عَذابَ نار الحرمان ووجود البقية الصَّابِرِينَ على مضض المجاهدة والرياضة وَالصَّادِقِينَ في المحبة والإرادة وَالْقانِتِينَ في السلوك إليه وَالْمُنْفِقِينَ ما عداه فيه وَالْمُسْتَغْفِرِينَ من ذنوب تلوناتهم وتعيناتهم في أسحار التجليات، ويقال: الصَّابِرِينَ الذين صبروا على الطلب ولم يحتشموا من التعب وهجروا كل راحة وطرب فصبروا على البلوى ورفضوا الشكوى حتى وصلوا إلى المولى ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى وَالصَّادِقِينَ الذين صدقوا في الطلب فوردوا، ثم صدقوا فشهدوا، ثم صدقوا فوجدوا، ثم صدقوا ففقدوا فحالهم قصد. ثم ورود. ثم شهود. ثم وجود.

стр. 658

ثم خمود وَالْقانِتِينَ الذين لازموا الباب وداوموا على تجرع الاكتئاب وترك المحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب وَالْمُنْفِقِينَ الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، ثم جادوا بميسورهم من الأموال، ثم جادوا بقلوبهم لصدق الأحوال، ثم جادوا بكل حظ لهم في العاجل والآجل استهلاكا في أنوار الوصال وَالْمُسْتَغْفِرِينَ هم الذين يستغفرون عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا وإشراق أنوار جماله على آفاق النفس وندائه «هل من سائل. هل من مستغفر. هل من كذا. هل من كذا» ثم لما مدح سبحانه أحبابه أرباب الدين وذم أعداءه الكافرين عقب ذلك ببيان الدين الحق والعروة الوثقى على أتم وجه وآكده فقال سبحانه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ قال الكلبي: لما «ظهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا: أنت أحمد؟ قال: نعم قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك فقال لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: سلاني فقالا له: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى الآية وأسلما. وقيل: نزلت في نصارى نجران لما حاجّوا في أمر عيسى ﵇ وهو الذي يشعر به ما أشرنا إليه قبل من الآثار- ويميل إليه كلام محمد ابن جعفر بن الزبير- وقيل: نزلت في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية، وقيل: إنهم قالوا ديننا أفضل من دينك فنزلت. والجمهور على قراءة شَهِدَ بلفظ الماضي وفتح همزة أَنَّهُ على معنى بأنه أو على أنه، وقرئ «إنه» بكسر الهمزة إما بإجزاء شَهِدَ مجرى قال، وإما يجعل الجملة اعتراضا وإيقاع الفعل على إِنَّ الدِّينَ إلخ على قراءة من يفتح الهمزة كما ستراه والضمير راجع اليه تعالى، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن وقرئ- شهداء لله- بالنصب والرفع على أنه جمع شهيد- كظرفاء- في جمع ظريف، أو جمع شاهد- كشعراء- في جمع شاعر، والنصب إما على الحالية من المذكورين، وإما على المدح، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ومآله المدح أي هم شهداء، والاسم الجليل في الوجهين مجرور باللام متعلق بما عنده، وقرئ- شهداء الله- بالرفع والإضافة. وفي شَهِدَ مسندا إلى الله تعالى استعارة تصريحية تبعية لأن المراد أنه سبحانه دل على وحدانيته بل وسائر كمالاته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وما نصبه من الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وبما أوحى من آياته الناطقة بذلك- كسورة الإخلاص، وآية الكرسي- وغيرهما فشبه سبحانه تلك الدلالة الواضحة بشهادة الشاهد في البيان والكشف ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه ثم سرت الاستعارة من المصدر إلى الفعل، وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل تبعي لما أن البيان لازم للشهادة، وقد ذكر اللفظ الدال عن الملزوم وأريد به اللازم، وهذا الحمل ضروري على قراءة الجمهور دون القراءة الشاذة وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ عطف على الاسم الجليل ولا بد حينئذ من حمل الشهادة على معنى مجازي شامل لما يسند إلى هذين الجمعين بطريق عموم المجاز أي أقر الملائكة بذلك وآمن العلماء به واحتجوا عليه، وبعضهم قدر في كل من المعطوفين لفظ شَهِدَ مرادا منه ما يصح نسبته إلى ما أسند إليه، ولعل القول بعموم المجاز أولى منه، وقيل: والمراد- بأولو العلم- الأنبياء ﵈، وقيل: المهاجرون والأنصار، وقيل: علماء مؤمني الكتاب، وقيل: جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة والحجج الباهرة، وقدم- الملائكة- لأن فيهم من هو واسطة لإفادة العلم لذويه، وقيل: لأن علمهم كله ضروري بخلاف البشر فإن علمهم ضروري واكتسابي، ثم إن ارتفاع هذين المرفوعين على ما شذ من القراءة على الابتدائية والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي وَالْمَلائِكَةُ

стр. 659

وَأُولُوا الْعِلْمِ شهداء بذلك، وقيل: بالعطف على الضمير في شهداء وصح ذلك للفصل، واعترض بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدي إلى تقييد حال المذكورين بشهادة الملائكة وأولو العلم- وليس فيه كثير فائدة كما لا يخفى. وقوله تعالى: قائِماً بِالْقِسْطِ بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته، والقسط- العدل، والباء للتعدية أي مقيما بالعدل، وفي انتصاب قائِماً وجوه: الأول أن يكون حالا لازمة من فاعل شَهِدَ ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذ قامت قرينة تعينه معنوية أو لفظية، ومنه وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [الأنبياء: ٧٢] وأخرت الحال عن المعطوفين للدلالة على علو مرتبتهما وقرب منزلتهما، والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناء بشأنه ولعله السر في تقديمه على المعطوفين مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به، والثاني أن يكون منصوبا على المدح وهو وإن كان معروفا في المعرفة لكنه ثابت في غيرها أيضا، والثالث أن يكون وصفا لاسم- لا- المبني، واستبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصل ليس أجنبيا من كل وجه، والمعطوف على فاعل شَهِدَ أجنبي مما هو في صلة- أن- لفظا ومعنى، وبأنه متلبس بالحال فينبغي على هذا أن يرفع حملا على محل اسم- لا- رفعا للالتباس. والرابع أن يكون مفعول العلم أي وَأُولُوا المعرفة قائِماً بِالْقِسْطِ ولا يخفى بعده، الخامس- ولعله الأوجه- أن يكون حالا من الضمير والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد أو أحقه لأنها حال مؤكدة ولا يضر تخلل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة لأن الحال المؤكدة في هذا القسم جارية مجرى جملة مفسرة نوع تفسير فناسب أن يقدم المعطوفان لأن المشهود به واحد فهو نوع من تأكيده تمم بالحال المفسرة وعلى تقدير الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به وعلى تقدير النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج لا محالة. وقرأ عبد الله- القائم بالقسط- على أنه خبر لمبتدأ محذوف وكونه بدلا من هُوَ لا يخلو عن شيء، وقرأ أبو حنيفة: «قيما بالقسط» لا إِلهَ إِلَّا هُوَ تكرير للمشهود به للتأكيد، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته ولينبني عليه قوله تعالى: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيعلم أنه المنعوت بهما، وقيل: لا تكرار لأن الأول شهادة الله تعالى وحده، والثاني شهادة الملائكة، وأولي العلم، وهو ظاهر عند من يرفع- الملائكة- بفعل مضمر، ووجه الترتيب تقدم العلم بقدرته التي يفهمها الْعَزِيزُ على العلم بحكمته تعالى التي يؤذن بها الْحَكِيمُ، وجعل بعضهم الْعَزِيزُ ناظرا إلى قوله سبحانه: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والْحَكِيمُ ناظرا إلى قوله تعالى: قائِماً بِالْقِسْطِ ورفعهما على الخبرية لمبتدأ محذوف أو البدلية من هُوَ أو الوصفية له بناء على ما ذهب إليه السكاكي من جواز وصف ضمير الغائب، وجعلهما نعتا لفاعل شَهِدَ بعيد، وقد روى في فضل الآية أخبار. أخرج الديلمي عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا «لما نزلت الحمد لله رب العالمين. وآية الكرسي. وشهد الله وقل اللهم مالك الملك- إلى بغير حساب- تعلقن بالعرش وقلن: أتنزلنا على قوم يعملون بمعاصيك؟ فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت له كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة» . وأخرج ابن عدي، والطبراني، والبيهقي- وضعفه- والخطيب، وابن النجار عن غالب القطان قال «أتيت الكوفة

стр. 660

فنزلت قريبا من الأعمس فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام بتهجد من الليل فمر بهذه الآية شَهِدَ اللَّهُ إلخ فقال: وأنا أشهد بما شهد الله تعالى به واستودع الله تعالى هذه الشهادة وهي لي وديعة عند الله تعالى قالها مرارا فقلت: لقد سمع فيها شيئا فسألته فقال: حدثني أبو وائل بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد إلي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» وروي عن سعيد بن جبير «أنه كان حول المدينة ثلاثمائة وستون صنما فلما نزلت هذه الآية الكريمة خررن سجدا للكعبة» . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مبتدأة وقعت تأكيدا للأولى، وتعريف الجزئين للحصر- أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام- وهو على ما أخرج ابن جرير عن قتادة «شهادة أن لا إله إلا الله تعالى والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به» . وروى علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال في خطبة له: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل، وقرأ أبيّ- إن الدين عند الله للإسلام- والكسائي- أن الدين- بفتح الهمزة على أنه بدل الشيء من الشيء إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد به الإقرار بوحدانية الله تعالى والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم وكذا إن فسر بالتصديق بما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة لأن ذلك عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلا، وأما إذا فسر بالشريعة فالبدل بدل اشتمال لأن الشريعة شاملة للايمان والإقرار بالوحدانية، وفسرها بعضهم بعلم الأحكام وادعى أولوية هذا الشق نظرا لسياق الكلام مستدلا بأنه لم يقيد علم الأصول بالعندية لأنها أمور بحسب نفس الأمر لا تدور على الاعتبار ولهذا تتحد فيها الأديان الحقة كلها، وقيد كون الدين الإسلام بالعندية لأن الشرائع دائرة على اعتبار الشارع ولهذا تغير وتبدل بحسب المصالح والأوقات، ولا يخفى ما فيه، أو على أن شَهِدَ واقع عليه على تقدير قراءة- إنه- بالكسر كما أشير إليه، وعِنْدَ على كل تقدير ظرف العامل فيه الثبوت الذي يشير إليه الجملة، وقيل: متعلق بكون خاص ينساق إليه الذهن يقدر معرفة وقع صفة للدين أي- إن الدين المرضي عند الله الإسلام- وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا من الدين، وقيل: متعلق به، وقيل: متعلق بمحذوف وقع خبرا عن مبتدأ محذوف، والجملة معترضة أي هذا الحكم ثابت عند الله، وأرى الكل ليس بشيء «أما الأول» فلأنه خلاف القاعدة المعروفة في الظروف إذا وقعت بعد النكرات، وأما الثاني فلأن المشهور أن إِنَّ لا تعمل في الحال، وأما الثالث فلأنه لا وجه للتعلق بلفظ الدِّينَ إلا أن يكتفى بأنه في الأضل بمعنى الجزاء، وأما الرابع فلأن التكلف فيه المستغني عنه أظهر من أن يخفى، هذا وقد اختلف في إطلاق الإسلام على غير ما جاء به نبينا ﷺ ، والأكثرون على الإطلاق وأظن أنه بعد تحرير النزاع لا ينبغي أن يقع اختلاف وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قيل: المراد بهم اليهود واختلفوا فيما عهد إليهم موسى ﵊، أخرج ابن جرير عن الربيع قال: «إن موسى ﵊ لما حضره الموت دعا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع بن نون فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا العلم من أبناء السبعين حتى أهراقوا بينهم الدماء ووقع الشر طلبا لسلطان الدنيا وملكها وخزائنها وزخرفها فسلط الله تعالى عليهم جبابرتهم» ، وقيل: النصارى، واختلفوا في التوحيد. وقيل: المراد بالموصول اليهود والنصارى، وبالكتاب- الجنس، واختلفوا في

стр. 661

التوحيد، وقيل: في نبوته ﷺ ، وقيل: في الإيمان بالأنبياء، والظاهر أن المراد من الموصول ما يعم الفريقين، والذي اختلفوا فيه الإسلام كما يشعر به السياق والتعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح، وقوله تعالى: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القباحة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات، والمراد من مجيء العلم التمكن منه لسطوع براهينه، أو المراد منه حصول العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل ولم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي، وقوله سبحانه: بَغْياً بَيْنَهُمْ زيادة تشنيع، والاسم المنصوب مفعول له لما دل عليه مَا وإِلَّا من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبا، فلا دلالة للكلام على حصر الباعث، وادعاه بعضهم أي إن الباعث لهم على الاختلاف هو البغي والحسد لا الشبهة وخفاء الأمر، ولعل انفهام ذلك من المقام أو من الكلام بناء على جواز تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول: ما ضرب إلا زيد عمرا- أي ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ قيل: المراد بها حججه، وقيل: التوراة، وقيل: هي والإنجيل، وقيل: القرآن، وقيل: آياته الناطقة بأن الدين عند الله الإسلام، والظاهر العموم أي أية آية كانت، والمراد- بمن- أيضا أعم من المختلفين المذكورين وغيرهم ولك أن تخصه بهم فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام جواب الشرط علة له- أي ومن يكفر يعاقبه الله تعالى ويجازه عن قريب- فإنه سريع الحساب- أي يأتي حسابه عن قريب. أو يتم ذلك بسرعة، وقيل: إن سرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فتفيد الجملة الوعيد، وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء من غير حاجة إلى تقدير، ولعله أولى وأدق نظرا. وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة وإدخال الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثر بيان حال أولئك المذكورين إيذان بشدّة عقابهم فَإِنْ حَاجُّوكَ أي جادلوك في الدين بعد أن أقمت الحجج، والضمير- للذين أوتوا الكتاب- من اليهود والنصارى- قاله الحسن- وقال أبو مسلم: لجميع الناس، وقيل: وفد نصارى نجران وإلى هذا يشير كلام محمد بن جعفر بن الزبير فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أي أخلصت وخضعت بقلبي وقالبي لِلَّهِ لا أشرك به غيره، وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه لأنه إنما يكون في أمر خفي والذي خالدوا به أمر مكشوف، وحكم حاله معروف وهو الدين القويم فلا تكون المحاجة والمجادلة إلا مكابرة، وحينئذ يكون هذا القول إعراضا عن مجادلتهم، وقيل: إنه محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقا للعبادة فكأنه قال: هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه، وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك فاليهود يدعون التشبيه والجسمية. والنصارى يدعون إلهية عيسى ﵇، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون فعليهم الإثبات، ونظير ذلك قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً [آل عمران: ٦٤] وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم ﵇: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: ٧٩] فكأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريق إبراهيم ﵇ وأنتم معترفون بأنه كان محقا في قوله صادقا في دينه فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلا تحت قوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] ولعل القول بالإعراض أولى لما فيه من الإشارة إلى سوء حالهم وحظ مقدارهم، وعبر عن الجملة- بالوجه- لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة وبه يحصل التوجه إلى كل شيء، وفتح الياء نافع. وابن عامر، وحفص، وسكنها الباقون وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على الضمير المتصل في أَسْلَمْتُ وحسن للفصل. أو

стр. 662

مفعول معه وأورد عليهما أنهما يقتضيان اشتراكهم معه صلى الله تعالى عليه وسلم في إسلام وجهه وليس المعنى أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح- أكلت رغيفا وزيدا وو زيدا، وقد أكل كل منهما رغيفا، فالواجب أن يكون- من- متبدأ والخبر محذوف أي وَمَنِ اتَّبَعَنِ كذلك، أو يكون معطوفا على الجلالة وإسلامه ﷺ لمن اتبعه بالحفظ والنصيحة، وأجيب بأن فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ كلا الأمرين ويستغني بذلك عن مؤونة الحذف وتكلف خلاف الظاهر جدا، وأثبت الياء في- اتبعني- على الأصل أبو عمرو، ونافع، وحذفها الباقون- وحذفها أحسن- لموافقة خط المصحف، وقد جاء الحذف في مثل ذلك كثيرا كقول الأعشى: فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن (يأتين) وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ عطف على الجملة الشرطية، والمعنى فإن حاجّك أهل الكتاب فقابلهم بذلك فإن أجدى فعمم الدعوة وقل للأسود والأحمر أَسْلَمْتُمْ متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد جاءكم من الآيات ما يوجبه ويقتضيه أم أنتم على كفركم بآيات الله تعالى وإصراركم على العناد- وهذا كما تقول إذا لخصت لسائل مسألة ولم تدع من طرق البيان مسلكا إلا سلكته- فهل فهمتها على طرز فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] إثر تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم تعاطيه، وفي ذلك تعيير لهم بالمعاندة وقلة الانصاف وتوبيخ بالبلادة وجمود القريحة، والكثيرون على أن الاستفهام للتقرير وفي ضمنه الأمر ووضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين المتعاطفين، والمراد من الأميين الذين لا يكتبون من مشركي العرب قاله ابن عباس وغيره. فَإِنْ أَسْلَمُوا أي اتصفوا بالإسلام والدين الحق فَقَدِ اهْتَدَوْا على تضمين معنى الخروج أي اهتدوا خارجين من الضلال كذا قيل، وبعض يفسر الاهتداء باللازم وهو النفع أي فقد نفعوا أنفسهم قالوا: وسبب إخراجه عن ظاهره أن الإسلام عين الاهتداء فإن فسر على الأصل اتحد الشرط والجزاء، وفيه منع ظاهر. وَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ قائم مقام الجواب أي لا يضرك شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه، وهذا قبل الأمر بالقتال فهو منسوخ بآية السيف وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ تذييل فيه وعد على الإسلام ووعيد على التولي عنه. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أية آية كانت، ويدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقيقة الإسلام دخولا أوليا وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ هم أهل الكتاب الذين كانوا في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم إذ لا معنى لإنذار الماضين قال القطب: وإسناد القتل إليهم ولم يصدر منهم قتل لوجهين: أحدهما أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت إضافتها إليهم إذ صنع الأب قد يضاف إلى الابن لا سيما إذا كان راضيا به، الثاني أن المراد من شأنهم القتل إن لم يوجد مانع، والتقييد بغير حق لما تقدم وتركت- أل- هنا دون ما سبق لتفاوت مخرج الجملتين وقد مر ما ينفعك في هذه الآية فتذكر. وقرأ الحسن «يقتلون النبيين» وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ أي بالعدل، ولعل تكرير الفعل للاشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت، أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح «قال: قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر- ثم قرأ الآية- ثم قال ﷺ : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل وسبعون رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار من

стр. 663

ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله تعالى» وقرأ حمزة- «ويقاتلون الذين» - وقرأ عبد الله- «وقاتلوا» - وقرأ أبيّ- «ويقتلون النبيين» و «الذين يأمرون» - فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ خبر إِنَّ ودخلت الفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط ولا يمنع الناسخ الذي لم يغير معنى الابتداء من الدخول ومتى غير- كليت، ولعل- امتنع ذلك إجماعا- وسيبويه، والأخفش يمنعانه عند النسخ مطلقا فالخبر عندهما قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وجملة فبشرهم معترضة بالفاء كما في قولك زيد- فافهم- رجل صالح، وقد صرح به النحاة في قوله: فاعلم- فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا ومن لم يفهم هذا قال: إن الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير زيد رجل صالح وإذا قلنا لك ذلك- فافهم- وعلى الأول هو استئناف، وأُولئِكَ مبتدأ، وما فيه من البعد على المشهور للايذان ببعد منزلتهم في فظاعة الحال، والموصول خبره- أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الشنيعة الذين بطلت أعمالهم وسقطت عن حيز الاعتبار وخلت عن الثمرة في الدنيا حيث لم تحقن دماؤهم وأموالهم ولم يستحقوا بها مدحا وثناء وفي الآخرة حيث لم تدفع عنهم العذاب ولم ينالوا بسببها الثواب- وهذا شامل للأعمال المتوقفة على النية ولغيرها. ومن الناس من ذهب إلى أن العمل الغير المتوقف على النية كالصدقة وصلة الرحم ينتفع به الكافر في الآخرة ولا يحبط بالكفر، فالمراد بالأعمال هنا ما كان من القسم الأول، وإن أريد ما يشمل القسمين التزم كون هذا الحكم مخصوصا بطائفة من الكفار وهم الموصوفون بما تقدم من الصفات وفيه تأمل وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم من بأس الله تعالى وعذابه في أحد الدارين، وجمع- الناصر- لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعدد الأنصار لكل واحد منهم وقد يدعي أن مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء المفرد لأنه رأس آية، والمراد من انتفاء- الناصرين- انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع والفوائد وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أولى، ثم إن هذا الحكم وإن كان عاما لسائر الكفار كما يؤذن به قوله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [البقرة: ٢٧٠، آل عمران: ١٩٢، المائدة: ٧٢] إلا أن له هنا موقعا حيث إن هؤلاء الكفرة وصفوا بأنهم يقتلون الذين يأمرون بالقسط وهم ناصرو الحق- على ما أشار إليه الحديث- ولا يوجد فيهم ناصر يحول بينهم وبين قتل أولئك الكرام فقوبلوا لذلك بعذاب لا ناصر لهم منه ولا معين لهم فيه. ومن الناس من زعم أن في الآية مقابلة ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء الكفر بالعذاب، وقتل الأنبياء بحبط الأعمال. وقتل الآمرين بانتفاء الناصر وهو كما ترى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ تعجب للنبي ﷺ ولكل من يتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وأنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة، وفيه تقرير لما سبق من أن الاختلاف إنما كان بعد مجيء العلم. وقيل: إنه تنوير لنفي الناصر لهم حيث يصيرون مغلوبين عند تحكيم كتابهم، والمراد بالموصول اليهود- وبالنصيب- الحظ، ومِنَ إما للتبعيض وإما للبيان على معنى نَصِيباً هو الكتاب، أو نصيب منه لأن الوصول إلى كنه كلامه تعالى متعذر فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم وإن جعل تبعيضا كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه، وعلى التقديرين اللام في الْكِتابِ للعهد، والمراد به التوراة- وهو المروي عن كثير من السلف- والتنوين للتكثير، وجوز أن يكون اللام في الْكِتابِ للعهد والمراد به اللوح، وأن يكون للجنس وعليه- النصيب- التوراة، ومِنَ للابتداء في الأول ويحتملها، والتبعيض في الثاني والتنوين للتعظيم، ولك أن تجعله على الوجه السابق أيضا كذلك، وجوز على تقدير أن يراد- بالنصيب- ما حصل لهم من العلم أن يكون المقصود تعييرهم بتمردهم واستكبارهم بالنصيب الحقير عن متابعة من له علم لا يوازنه علوم المرسلين كلهم، والتعبير عما أوتوه

стр. 664

بالنصيب للاشعار بكمال اختصاصه بهم وكونه حق من حقوقهم التي يجب مراعاتها والعمل بموجبها، وقوله تعالى: يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ إما جملة مستأنفة مبينة لمحل التعجب، وإما حال من الموصول. والمراد بكتاب الله التوراة والإظهار في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة، والإضافة للتشريف وتأكيد وجوب المراجعة، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره. وقد أخرج ابن إسحق وجماعة عنه قال: «دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله تعالى فقال النعمان بن عمرو، الحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله تعالى الآية» وفي البحر «زنى رجل من اليهود بامرأة ولم يكن بعد في ديننا الرجم فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تخفيفا على الزانيين لشرفهما فقال رسول الله ﷺ : إنما أحكم بكتابكم فأنكروا الرجم فجيء بالتوراة فوضع حبرهم ابن صوريا يده على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله فأظهرها فرجما فغضبت اليهود فنزلت» وهو المروي عن ابن جريج- وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضا - وذهب الحسن. وقتادة إلى أن المراد بكتاب الله تعالى القرآن دعوا إليه لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الديانة وأركان الشريعة والصفة التي تقدمت البشارة بها أو لأنهم لا يشكون في أنه كتاب الله تعالى المنزل على خاتم رسله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ قيل: أي ليفصل الحق من الباطل بين الذين أوتوا- وهم اليهود- وبين الداعي لهم- وهو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أمر إبراهيم ﵇. أو في حكم الرجم. أو في شأن الإسلام. أو بين من أسلم منهم ومن لم يسلم حيث وقع بينهم اختلاف في الدين الحق، وعلى هذا- وهو المرضي عند البعض وإن لم يوافق سبب النزول- وربما أحوج إلى ارتكاب مجاز في مرجع الضمير لا يتعين أن يكون الداعي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقرئ «ليحكم» على البناء للمفعول ونسب ذلك إلى أبي حنيفة ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ عطف على يدعون، وثُمَّ للتراخي الرتبي، وفيه استبعاد توليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه، ومِنْهُمْ صفة لفريق، ولعل المراد بهذا الفريق أكثرهم علما ليعلم تولي سائرهم من باب الأولى قيل: وهذا سبب العدول عن- ثم يتولون- وقيل: الذين لم يسلموا، ووجه العدول عليه ظاهر فتدبر وَهُمْ مُعْرِضُونَ جوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فالواو للعطف، وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في مِنْهُمْ أو من فَرِيقٌ لتخصيصه بالصفة فالواو حينئذ للحال وهي إما مؤكدة لأن التولي والاعراض بمعنى، وإما مبينة لاختلاف متعلقيهما بناء على ما قيل: إن التولي عن الداعي والاعراض عن المدعو إليه أو التولي بالبدن والأعراض بالقلب. أو الأول كان من العلماء. والثاني من أتباعهم، وجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب بأن تكون تذييلا أو معترضة، والمراد وهم قوم ديدنهم الاعراض، وبعضهم فسر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية ولعله رأى أنه لا يمنع عنها ذلِكَ أي المذكور من التولي والإعراض وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقادهم له وهونوا به الخطوب ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب، والمراد- بالأيام المعدودات- أيام عبادتهم العجل، وجاء هنا مَعْدُوداتٍ بصيغة الجمع دون ما في البقرة فإنه مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] بصيغة المفرد تفننا في التعبير، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال: هذه جبال راسية، وإن شئت قلت راسيات، وجمال ماشية وإن شئت ماشيات، وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفة وذلك أليق بمقام التعجيب والتشنيع وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ

стр. 665

أي أطمعهم في غير مطمع وخدعهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي افتراؤهم وكذبهم أو الذي كانوا يفترونه من قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلخ- قاله مجاهد- أو من قولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]- قاله قتادة- أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: «إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم» والظرف متعلق- بما عنده- أو- بيفترون- واعترضه الخطيب بأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله وأجيب بالتوسع فَكَيْفَ استعظام وتهويل وهدم لما استندوا إليه، وكلمة الاستفهام في موضع نصب على الحال والعامل فيه محذوف- أي كيف تكون حالهم- أو كيف يصنعون أو كيف يكونون، وجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي كيف حالهم، وقوله تعالى: إِذا جَمَعْناهُمْ ظرف محض من غير تضمين شرط والعامل فيه العامل في كيف إن قدر أنها منصوبة بفعل مقدر، وإن قلنا: إنها خبر لمبتدأ مضمر كان العامل في إِذا ذلك المقدر أي كيف حالهم في وقت جمعهم لِيَوْمٍ أي في يوم أو لجزاء يوم. لا رَيْبَ فِيهِ أي في وقوعه ووقوع ما فيه، روي أنه أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي ما عملت من خير أو شر، والمراد جزاء ذلك إلا أنه أقيم المكسوب مقام جزائه إيذانا بكمال الاتصال والتلازم بينهما حتى كأنهما شيء واحد وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ شيئا فلا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون في عذابهم بل يعطى كل منهم مقدار ما كسبه، والضمير راجع إلى كل إنسان المشعر به كل نفس، وكل يجوز مراعاة معناه فيجمع ضميره ووجه التذكير ظاهر قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تأكيد لما تشعر به الآية السابقة من مزيد عظمته تعالى وعظيم قدرته، وفيه أيضا إفحام لمن كذب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ورد عليه لا سيما المنافقين الذين هم أسوأ حالا من اليهود والنصارى، وبشارة له صلى الله تعالى عليه وسلم بالغلبة الحسية على من خالفه كغلبته بالحجة على من جادله، وبهذا تنظيم هذه الآية الكريمة بما قبلها. روى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟!! فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو الحسن الثعالبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي، وحذيفة، والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا فأخرج الله تعالى من بطن الخندق صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا: يا سليمان إرق إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن تعدل عنها أو يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال: فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شفير الخندق فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم وكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح فكبر المسلمون ثم ضربها ﷺ الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم وكبر ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها ﵊ الثالثة فكسرها وبرق منها برق كذلك فكبر ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون وأخذ بيد سلمان ورقي

стр. 666

فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر فقال المنافقون: ألا تعجبون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال فأنزل الله تعالى القرآن وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ١٢] وأنزل هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ إلخ، وأصل اللَّهُمَّ- يا الله- فحذفت «يا» وعوض عنها- الميم- وأوثرت لقربها من الواو التي هي حرف علة، وشددت لكونها عوضا عن حرفين وجمعها مع- يا- كما في قوله: إني إذا ما حدث ألمّا ... أقول- (يا اللهم) - يا اللهما شاذ، وهذا من خصائص الاسم الجليل كعدم حذف حرف النداء منه من غير ميم ودخوله عليه مع حرف التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه واللام في القسم التعجبي نحو- لله لا يؤخر الأجل- ودخول أيمن ويمين عليه في القسم أيضا، وميم في- م الله- ووقوع همزة الاستفهام خلفا عن حرف القسم نحو الله وحرف التنبيه في نحو- لاها الله ذا- وغير ذلك فسبحانه من إله كل شأنه غريب، وزعم الكوفيون أن أصله- يا الله آمنا بخير- أي اقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، ويجوز الجمع عندهم بين يا- والميم بلا بأس- ولا يخفى ما فيه- ويقتضي أن لا يلي هذه الكلمة أمر دعائي آخر إلا بتكلف الإبدال من ذلك الفعل أو العطف عليه بإسقاط حرف العطف- وأل- في الملك للجنس أو الاستغراق، والْمُلْكِ بالضم على ما ذكره بعض أئمة التحقيق- نسبة بين من قام به ومن تعلق، وإن شئت قلت: صفة قائمة بذاته متعلقة بالغير تعلق التصرف التام المقتضي استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه ولهذا لم يصح على الإطلاق إلا لله تعالى جده وهو أخص من الملك بالكسر لأنه تعلق باستيلاء مع ضبط وتمكن من التصرف في الموضوع اللغوي وبزيادة كونه حقا في الشرع من غير نظر إلى استغناء وافتقار- فمالك الملك- هو الملك الحقيقي المتصرف بما شاء كيف شاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير مشارك ولا مانع، ولهذا لا يقال «ملك الملك» إلا على ضرب من التجوز، وحمل الْمُلْكِ على هذا المعنى أوفق بمقام المدح، وقيل: المراد منه النبوة وإليه ذهب مجاهد- وقيل: المال والعبيد، وقيل: الدنيا والآخرة، وانتصاب مالِكَ على الوصفية عند المبرد. والزجاج، وسيبويه يوجب كونه نداء ثانيا، ولا يجوز أن يكون صفة- لأللهم- لأنه لاتصال الميم به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف، ونقض دليل سيبويه بسيبويه فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت تركب معه وصار كبعض حروف الكلمة بخلاف ما نحن فيه، ومن هنا قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد- اللهم- ولذلك خالف سائر الأسماء ودخل في حيز ما لا يوصف نحو حيهل فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف- والعلامة التفتازاني على هذا- وأيد أيضا بأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما فلو جاز الوصف لكان مكان الخلف بعده تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ جملة مستأنفة مبينة لبعض وجوه التصرف الذي يستدعيه مالكية

стр. 667

الْمُلْكِ وجوز جعلها حالا من المنادى وفي انتصاب الحال عنه خلاف، وصحح الجواز لأنه مفعول به، والحال تأتي منه كما تأتي من الفاعل، وجعل الجملة خبرا لمبتدأ محذوف أي أنت تؤتي- وإن اختاره أبو البقاء- ليس فيه كثير نفع وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ عطف على تُؤْتِي وحكمة حكمه، ومفعول تَشاءُ في الموضعين محذوف أي من تشاء إيتاءه إياه ممن تشاء نزعه منه، والْمُلْكِ الثالث هو الثاني واللام فيهما للجنس. أو العهد وليسا هما عين الأول لأن الأول عند المحققين حقيقي عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبتهما إلى صاحبهما مجازية، واعتبر بعضهم في التفرقة كون المراد من الأول الجميع ومن الآخرين البعض ضرورة أن المؤتي لا يمكن أن يكون الجميع والمنزع هو ذاك لأنه معرفة معادة، ويراد بها إن لم يمنع مانع عن الأول ولأنه إذا لم يمكن إيتاء الكل لم يمكن نزع الكل لأن الثاني مسبوق بالأول. ومن الناس من حمل الْمُلْكِ هنا على النبوة ومعنى نزعها هنا نقلها من قوم إلى قوم أي تؤتي النبوة بني إسرائيل وتنقلها منهم إلى العرب، وقيل: المعنى تعطي أسباب الدنيا محمدا ﷺ وأمته وتسلبها من الروم وفارس فلا تقوم الساعة حتى تفتح بلادهم ويملك ما في أيديهم المسلمون، وروي ذلك عن الكبي، وقيل: تنزعه من صناديد قريش وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ أن تعزه في الدنيا والآخرة. أو فيهما بالنصر والتوفيق وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ أن تذله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعة الغير، وقيل: المراد تعز محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بأن تدخلهم مكة ظاهرين وَتُذِلُّ أبا جهل وأضغاث الشرك بالقتل والإلقاء في القليب، وقال عطاء: تُعِزُّ المهاجرين والأنصار وَتُذِلُّ فارس والروم، وقيل: تُعِزُّ المؤمنين بالظفر والغنيمة وَتُذِلُّ اليهود بالقتل والجزية، وقيل: تُعِزُّ بالإخلاص وَتُذِلُّ بالرياء، وقيل: تُعِزُّ الأحباب بالجنة والرؤية وَتُذِلُّ الأعداء بالنار والحجاب وقيل: تُعِزُّ بالقناعة والرضا وَتُذِلُّ بالحرص والطمع «وقيل: وقيل:» وينبغي حمل سائر الأقوال على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية، وتُعِزُّ مضارع أعز ضد أذل، والمجرد من الهمزة منه- عز- ومضارعه يعز بكسر العين، ومنه ما في دعاء قنوت الشافعية، وله استعمالان آخران الضم والفتح، وقد نظم ذلك الإمام السيوطي بقوله: يا قارئا كتب الآداب كن يقظا ... وحرر الفرق في الأفعال نحريرا «عز» المضاعف يأتي في مضارعه ... تثليث عين بفرق جاء مشهورا فما كقل وضد «الذل» مع عظم ... كذا كرمت علينا جاء مكسورا وما- كعز- علينا الحال أي صعبت ... فافتح مضارعه إن كنت نحريرا وهذه الخمسة الأفعال لازمة ... واضمم مضارع فعل ليس مقصورا «عززت» زيدا بمعنى قد غلبت كذا ... أعنته فكلا ذا جاء مأثورا وقيل: إذا كنت في ذكر القنوت ولا ... «يعز» يا رب من عاديت مكسورا واشكر لأهل علوم الشرع إذ شرحوا ... لك الصواب وأبدوا فيه تذكيرا بِيَدِكَ الْخَيْرُ جملة مستأنفة، وأجراها بعضهم على طرز ما قبلها، وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي بِيَدِكَ التي لا يكتنه كنهها، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك، وإنما خص الخير بالذكر تعليما لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير والشر كلاهما بيده سبحانه، وكذا قوله تعالى المسوق لتعليل ما سبق، وتحقيقه إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا يبعد أن تكون الآية من باب الاكتفاء، وقيل: إنما اقتصر عليه لما أن سبب نزول الآية

стр. 668

ما آتى الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات، وقيل: لما أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام: الأول ما لا شر فيه أصلا، والثاني ما يغلب خيره على شره، والثالث ما يكون شرا محضا، والرابع ما يكون شره غالب على خيره، والخامس ما يتساوى الخير والشر فيه. والموجود من هذه الأقسام في العالم- القسم الأول، والثاني- والشر الذي فيه غير مقصود بالذات بل إنما قضاه الله تعالى لحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعا والشر اليسير متى كان وسيلة إلى الخير الكثير كان ارتكابه مصلحة تقتضيها الحكمة ولا يأباها الكرم المطلق، ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة يحسن ارتكابه في مقتضى الحكمة ويعد خيرا لا شرا وصحة لا مرضا وكل قضاء الله تعالى بما نراه شرا من هذا القبيل، ولهذا ورد في الحديث «لا تتهم الله تعالى على نفسك» وورد «ولا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين» . وجاء «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب» ومن هنا قيل: يا من إفساده صلاح فما قدر من المفاسد لتضمنه المصالح العظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونه وسيلة إليها وما أدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله تعالى لكونه لم يقصد بالذات لأن أحكام القضاء والقدر كما قالوا: جارية على سنن ما اتفقت عليه الشرائع كلها من النظر إلى جلب المصالح ودبّ المفاسد بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم والنفع الأتم يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه خير فدخل في قوله سبحانه: بِيَدِكَ الْخَيْرُ فلذا اقتصر على الخير على وجه أنه شامل لما قصد أصلا ولما وقع استلزاما، وهذا من باب- ليس في الإمكان أبدع مما كان- وقد درج حكماء الإسلام عليه ولا يعبأ بمن وجه سهام الطعن إليه، وفي شرح الهياكل أن الشر مقضي بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشر القليل فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشر القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشر وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شر لتضمنه فوات ذلك الخير فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء وليس هذا من القول بوجوب الأصلح، ولا ينافيه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء: ٢٣] إذ لا يفعل ما يسأل عنه كرما وحكمة وجودا ومنة «ولو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع» .

стр. 669

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ الولوج في الأصل الدخول والإيلاج الإدخال واستعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان- وروي ذلك عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد- ولا يضر تساوي الليل والنهار دائما عند خط الاستواء لأنه يكفي الزيادة والنقصان فيهما في الأغلب، وقال الجبائي: المراد بإيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، وعلى التقديرين الظاهر من الليل والنهار ليل التكوير ونهاره وهما المشهوران عند العامة الذين يفهمون ظاهر القول: ووراء ذلك أيام السلخ التي يعرفها العارفون وأيام الإيلاج الشانية التي يعقلها العلماء الحكماء. وبيان ذلك على وجه الاختصار أن اليوم على ما ذكره القوم الإلهيون عبارة عن دورة واحدة من دورات فلك الكواكب وهو من النطح إلى النطح ومن الشرطين إلى الشرطين ومن البطين إلى البطين وهكذا إلى آخر المنازل، ومن درجة المنزلة ودقيقتها إلى درجة المنزلة ودقيقتها، وأخفى من ذلك إلى أقصى ما يمكن الوقوف عنده وما من يوم من الأيام المعروفة عند العامة وهي من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس أو من غروبها إلى غروبها أو من استوائها إلى استوائها أو ما بين ذلك إلى ما بين ذلك إلا وفيه نهاية ثلاثمائة وستين يوما فاليوم طوله ثلاثمائة وستون درجة لأنه يظهر فيه الفلك كله وتعمه الحركة وهذا هو اليوم الجسماني، وفيه اليوم الروحاني فيه تأخذ العقول معارفها والبصائر مشاهدها والأرواح أسرارها كما تأخذ الأجسام في هذا اليوم الجسماني أغذيتها، وزيادتها، ونموها، وصحتها، وسقمها، وحياتها، وموتها، فالأيام من جهة أحكامها الظاهرة في العالم المنبعثة من القوة الفعالة للنفس الكلية سبعة من يوم الأحد إلى آخره ولهذه الأيام أيام روحانية لها أحكام في الأرواح والعقول تنبعث من القوة العلامة للحق الذي قامت به السموات والأرض وهو الكلمة الإلهية، وعلى هذه السبعة الدوارة يدور فلك البحث فنقول قال الله تعالى في المشهود من الأيام المحسوسة: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥] وأبان عن حقيقتين من طريق الحكم بعد هذا فقال في آية: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧] فهذه أنبأت أن الليل أصل والنهار كان غيبا فيه ثم سلخ، وليس معنى السلخ معنى التكوير فلا بد أن يعرف ليل كل نهار من غيره حتى ينسب كل ثوب إلى لابسه، ويرد كل فرع إلى أصله، ويلحق كل ابن بأبيه، وقال في الآية الكريمة كاشفا عن حقيقة أخرى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الحج: ٦١، لقمان: ٢٩، فاطر: ١٣، الحديد: ٦] فجعل بين الليل والنهار نكاحا معنويا لما كانت الأشياء تتولد منهما معا وأكد هذا المعنى بقوله عز قائلا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤، الرعد: ٣] ولهذا كان كل منهما مولجا ومولجا فيه فكل واحد منهما لصاحبه أصل وبعل فكلما تولد في النهار فأمه النهار وأبوه الليل وكلما تولد في الليل فأمه الليل وأبوه النهار فليس إذا حكم الإيلاج حكم السلخ فإن السلخ إنما هو في وقت أن يرجع النهار من كونه مولجا ومولجا فيه والليل كذلك إلا أنه ذكر السلخ الواحد ولم يذكر السلخ الآخر من

стр. 670

أجل الظاهر، والباطن، والغيب، والشهادة، والروح والجسم، والحرف، والمعنى- وشبه ذلك- فالإيلاج روح كله والتكوير جسم هذا الروح الإيلاجي ولهذا كرر الليل والنهار في الإيلاج كما كررهما في التكوير هذا في عالم الجسم وهذا في عالم الروح، فتكوير النهار لإيلاج الليل وتكوير الليل لإيلاج النهار، وجاء السلخ واحدا للظاهر لأربابه، وقد اختلف العجم والعرب في أصالة أي المكورين على الآخر، فالعجم يقدمون النهار على الليل وزمانهم شمسي فليلة السبت عندهم مثلا الليلة التي تكون صبيحتها يوم الأحد وهكذا، والعرب يقدمون الليل على النهار وزمانهم قمري أولئك كتب في قلوبهم الإيمان فليلة الجمعة عندهم مثلا هي الليلة التي يكون صبيحتها يوم الجمعة وهم أقرب من العجم إلى العلم فإنه يعضدهم السلخ في هذا النظر غير أنهم لم يعرفوا الحكم فنسبوا الليلة إلى غير يومها كما فعل أصحاب الشمس وذلك لأن عوامّهم لا يعرفون إلا أيام التكوير والعارفون من أهل هذه الدولة، وورثة الأنبياء يعلمون ما وراء ذلك من أيام السلخ وأيام الإيلاج الشاني، ولما كانت الأيام شيئا وكل شيء عندهم ظاهر، وباطن، وغيب، وشهادة، وروح، وجسم، وملك، وملكوت، ولطيف، وكثيف قالوا: إن اليوم نهار وليل في مقابلة باطن وظاهر، والأيام سبعة ولكل يوم نهار وليل من جنسه، والنهار ظل ذلك الليل وعلى صورته لأنه أصله المدرج هو فيه المنسلخ هو منه بالنفخة الإلهية، وقد أطلق سبحانه في آية السلخ ولم يبين أي نهار سلخ من أية ليلة ولم يقل ليلة كذا سلخ منها نهار كذا ليعقلها من ألهمه الله تعالى رشده فينال فصل الخطاب، فعلى المفهوم من اللسان العربي بالحساب القمري أن ليلة الأحد سلخ الله تعالى منها نهار الأربعاء وسلخ من ليلة الاثنين نهار الخميس، ومن ليلة الثلاثاء نهار الجمعة، ومن ليلة الأربعاء نهار السبت، ومن ليلة الخميس نهار الأحد، ومن ليلة الجمعة نهار الاثنين ومن ليلة السبت نهار الثلاثاء فجعل سبحانه بين كل ليلة ونهارها المسلوخ منها ثلاث ليال وثلاثة نهارات فكانت ستة وهي نشأتك ذات الجهات، فالليالي منها للتحت والشمال والخلف، والنهارات منها للفوق واليمين والأمام فلا يكون الإنسان نهارا ونورا تشرق شمسه وتشرق به أرضه حتى ينسلخ من ليل شهوته ولا يقبل على من لا يقبل الجهات حتى يبعد عن جهات هيكله، وإنما نسبوا هذه النسبة من جهة الاشتراك في الشأن الظاهر لستر الحكمة الإلهية على يد الموكلين بالساعات، وفي اليوم الإيلاجي الشاني يعتبرون ليلا ونهارا أيضا وهو عندهم أربع وعشرون ساعة قد اتحد فيها الشأن فلم ينبعث فيها إلا معنى واحد ويتنوع في الموجودات بحسب استعدادتها ولهذا قال سبحانه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] ولم يقل- في شؤون- وتنوينه للتعظيم الظاهر باختلاف القوابل وتكثر الأشخاص فإذا ساعات ذلك اليوم تحت حكم واحد ونظر وال واحد قد ولاه من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وتولاه وخصه بتلك الحركة وجعله أميرا في ذلك، والمتصرف الحقيقي هو الله تعالى لا هو من حيث هو، فاليوم الشاني ما كانت ساعاته كلها سواء ومتى اختلفت فليس بيوم واحد ولا يوجد هذا في أيام التكوير وكذا في أيام السلخ إلا قليلا فطلبنا ذلك في الأيام الإيلاجية فوجدناه مستوفى فيه، وقد أرسل سبحانه آية الإيلاج ولم يقل: يُولِجُ اللَّيْلَ [الحج: ٦١، لقمان: ٢٩، فاطر: ١٣، الحديد: ٦] الذي صبيحته الأحد في الأحد ولا النهار الذي مساؤه ليلة الاثنين في الاثنين فإذا لا يلتزم أن ليلة الأحد هي ليلة الكور ولا ليلة السلخ وإنما يطلب وحدانية اليوم من أجل أحدية الشأن فلا ينظر إلا إلى اتحاد الساعات، والحاكم المولى من قبل المولى فليلة الأحد الإيلاجي مركبة من الساعة الأولى من ليلة الخميس، والثانية منها، والثالثة من يوم الخميس، والعاشرة منها، والخامسة من ليلة الجمعة، والثانية عشرة منها، والسابعة من يوم الجمعة، والثامنة من ليلة السبت، والتاسعة منها، والرابعة من يوم السبت، والحادية عشرة منه، والسادسة من ليلة الأحد فهذه ساعات ليله. وأما ساعات نهاره من أيام التكوير فالأولى من يوم الأحد. والثامنة. والثالثة من يوم الاثنين. والعاشرة منه،
следующие страницы →