← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

سورة الهمزة مكية وآيها تسع بلا خلاف في الأمرين. ولما ذكر سبحانه فيما قبلها أن الإنسان سوى من استثنى في خسر بيّن فيها أحوال بعض الخاسرين فقال عز من قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ تقدم الكلام على إعراب مثل هذه الجملة والهمزة الكسر كالهزم واللمز الطعن كاللهز شاعا في الكسر من أعراض الناس والغض منهم واغتيابهم والطعن فيهم، وأصل ذلك كان استعارة لأنه لا يتصور الكسر والطعن الحقيقيان في الأجسام فصار حقيقة عرفية ذلك وبناء فعلة يدل على الاعتياد فلا يقال: ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود قال زيادة الأعجم: إذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الإخوان. وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد: الهمزة الطعان في الناس واللمزة الطعان في الأنساب. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الهمز في الوجه واللمز في الخلف، وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن جريج الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان. وقيل غير ذلك وما تقدم أجمع. وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» بسكون الميم فيهما على البناء الشائع في معنى المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم ويهمز ويلمز ونزل ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر في أبيّ بن خلف، وعلى ما أخرج عن السدي في أبيّ بن عمر والثقفي الشهير بالأخنس بن شريق فإنه كان مغتابا كثير الوقيعة وعلى ما قال ابن إسحاق في أمية بن خلف الجمحي وكان يهمز النبي ﷺ ويعيبه، وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد في جميل بن عامر، وعلى ما قيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله ﷺ وغضه منه، وعلى قول في

стр. 6407

العاص بن وائل ويجوز أن يكون نازلا في جميع من ذكر لكن استشكل نزولها في الأخنس بأنه على ما صححه ابن حجر في الإصابة أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم فلا يتأتى الوعيد الآتي في حقه فإما أن لا يصح ذلك أو لا يصح إسلامه. وأيضا استشكلت قراءة الباقر رضي الله تعالى عنه بناء على ما سمعت في معناها وكون الآية نازلة في الوليد بن المغيرة ونحوه من عظماء قريش وبه اندفع ما في التأويلات من أنه كيف عيب الكافر بهذين الفعلين مع أن فيه حالا أقبح منهما وهو الكفر وأما ما أجاب به من أن الكفر غير قبيح لنفسه بخلافهما فلا يخفى ضعفه لأن فوت الاعتقاد الصحيح أقبح من كل شيء قبيح. وقوله تعالى الَّذِي جَمَعَ مالًا بدل كل بدل من كل، وقيل بدل بعض من كل وقال الجاربردي: يجوز أن يكون صفة له لأنه معرفة على ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١] إذ جعل جملة معها سائق حالا من كل نفس لذلك ولا يخفى ما فيه. ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم وتنكير مالًا للتفخيم والتكثير، وقد كان عند القائلين أنها نزلت في الأخنس أربعة آلاف دينار وقيل عشرة آلاف وجوز أن يكون للتحقير والتقليل باعتبار أنه عند الله تعالى أقل وأحقر شيء. وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر والأخوان «جمّع» بشد الميم للتكثير وهو أوفق بقوله تعالى وَعَدَّدَهُ أي عده مرة بعد أخرى حبا له وشغفا به. وقيل: جعله أصنافا وأنواعا كعقار ونقود حكاه في التأويلات. وقال غير واحد: أي جعله عدة ومدخرا لنوائب الدهر ومصائبه. وقرأ الحسن والكلبي «وعدده» بالتخفيف فقيل معناه وعده فهو فعل ماض فكّ إدغامه على خلاف القياس كما في قوله: مهلا أعاذل هل جربت من خلقي ... إني أجود لأقوام وإن ضننوا وقيل: هو اسم بمعنى العدد المعروف معطوف على مالَهُ أي جمع ماله وضبط عدده وأحصاه وليس ذلك على ما في الكشف من باب: علفتها تبنا وماء باردا، لأن جمع العدد عبارة عن ضبطه وإحصائه فلا يحتاج إلى تكلف. وعلى الوجهين أيّد بالقراءة المذكورة المعنى الأول لقراءة الجمهور. وقيل هو اسم بمعنى الأتباع والأنصار يقال: فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم وهو معطوف على ماله أيضا أي جمع ماله وقومه الذين ينصرونه. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ جملة حالية أو استئنافية وأخلده وخلده بمعنى أي تركه خالدا أي ماكثا مكثا لا يتناهى أو مكثا طويلا جدا والكلام من باب الاستعارة التمثيلية، والمراد أن المال طول أمله ومناه الأماني البعيدة فهو يعمل من تشييد البنيان وغرس الأشجار وكري الأنهار ونحو ذلك عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتعبير بالماضي للمبالغة في المعنى المراد. وجوز أن يراد أنه حاسب ذلك حقيقة لفرط غروره واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أمامه من قوارع الآخرة أو لزعمه أن الحياة والسلامة عن الأمراض والآفات تدور على مراعاة الأسباب الظاهرة، وأن المال هو المحور لكرتها والملك المطاع في مدينتها. وقيل: المراد أنه يحسب المال من المخلدات ولا نظر فيه إلى أن الخلود دنيوي أو أخروي ذكرا أو عينا إنما النظر في إثبات هذه الخاصة للمال والغرض منه التعريض بأن ثم مخلدا ينبغي للعاقل أن يكب عليه وهو السعي للآخرة وهو بعيد جدا ولذا لم يجعل بعض الأجلّة التعريض وجها مستقلا. وزعم عصام الدين أنه يحتمل أن يكون فاعل أخلد الحاسب ومفعوله المال، أي يظن أن يحفظ ماله أبدا ولا يعرف أنه معرض للحوادث أو للمفارقة بالموت كما قيل: بشر مال البخيل بحادث أو وارث وهو لعمري مما لا عصام له كَلَّا ردع له عن ذلك الحسبان الباطل أو عنه وعن جمع المال وحبه

стр. 6408

المفرط على ما قيل، واستظهر أنه ردع عن الهمز واللمز وتعقب بأنه بعيد لفظا ومعنى وأنا لا أرى بأسا في كون ذلك ردعا له عن كل ما تضمنته الجمل السابقة من الصفات القبيحة. وقوله تعالى لَيُنْبَذَنَّ جواب قسم مقدر والجملة استئناف مبين لعلة الردع أي والله ليطرحن بسبب أفعاله المذكورة فِي الْحُطَمَةِ أي في النار التي من شأنها أن تحطم كل من يلقى فيها، وبناء فعلة لتنزيل الفعل لكونه طبيعيا منزلة المعتاد. والحطم كسر الشيء كالهشم ثم استعمل لكل كسر متناه وأنشدوا: إنا حطمنا بالقضيب مصعبا ... يوم كسرنا أنفه ليغضبا ويقال: رجل حطمة أي أكول تشبيها له بالنار ولذا قيل في أكول كأنما في جوفه تنور وفسر الضحاك الحطمة هنا بالدرك الرابع من النار. وقال الكلبي: هي الطبقة السادسة من جهنم. وحكى القشيري عنه أنها الدرك الثاني. وقال الواحدي: هي باب من أبواب جهنم، وزعم أبو صالح أنها النار التي في قبورهم وليس بشيء. وقوله تعالى وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ لتهويل أمرها ببيان أنها ليست من الأمور التي تنالها عقول الخلق. وقرأ عليّ كرم الله تعالى وجهه والحسن بخلاف عنه وابن محيصن وحميد وهارون عن أبي عمرو «لينبذان» بضمير الاثنين العائد على الهمزة وماله. وعن الحسن أيضا «لينبذن» بضم الذال وحذف ضمير الجمع فقيل هو راجع لكل همزة باعتبار أنه متعدد وقيل له ولعدده أي اتباعه وأنصاره بناء على ما سمعت في قراءته هناك. وعن أبي عمرو «لننبذنه» بنون العظمة وهاء النصب ونون التأكيد. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه «في الحاطمة وما أدراك ما الحاطمة» نارُ اللَّهِ خبر مبتدأ محذوف والجملة لبيان شأن المسئول عنها أي هي نار الله الْمُوقَدَةُ بأمر الله وفي إضافتها إليه سبحانه ووصفها بالإيقاد من تهويل أمرها ما لا مزيد عليه الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها وتخصيصها بالذكر لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى أذى يمسه، أو لأنه محل العقائد الزائغة والنيات الخبيثة والملكات القبيحة ومنشأ الأعمال السيئة فهو أنسب بما تقدم من جميع أجزاء الجسد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في الآية: تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده ابتدأ خلقه، وجوز أن يراد الاطلاع العلمي والكلام على سبيل المجاز وذلك أنه لما كان لكل من المعذبين عذاب من النار على قدر ذنبه المتولد من صفات قلبه قيل إنها تطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب فتعلم ما فيها فتجازي كلّا بحسب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب. وأرباب الإشارة يقولون: إن ما ذكر إشارة إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد العذاب إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي مطبقة وتمام الكلام مر في سورة البلد فِي عَمَدٍ جمع عمود كما قال الراغب والفرّاء. وقال أبو عبيدة: جمع عماد وفي البحر وهو اسم جمع الواحد عمود. وقرأ الأخوان وأبو بكر عمد بضمتين وهارون عن أبي عمرو بضم العين وسكون الميم وهو في القراءتين جمع عمود بلا خلاف. وقوله تعالى مُمَدَّدَةٍ صفة عمد في القراءات الثلاث أي طوال، والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير المجرور في عَلَيْهِمْ أي كائنين في عمد ممددة أي موثقين فيها مثل المقاطر وهي خشب أو جذوع كبار فيها خروق يوضع فيها أرجل المحبوسين من اللصوص ونحوهم، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم كائنون في عمد موثقون فيها وهي والعياذ بالله تعالى على ما روي عن ابن زيد عمد من حديد. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها من نار. واستظهر بعضهم أن العمد تمدد على

стр. 6409

الأبواب بعد أن تؤصد عليهم تأكيدا ليأسهم واستيثاقا في استيثاق. وفي حديث طويل أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة مرفوعا: أن الله تعالى بعد أن يخرج من النار عصاة المؤمنين وأطولهم مكثا فيها من يمكث سبعة آلاف سنة يبعث إلى أهل النار ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار، فيطبق عليهم بتلك الأطباق ويشد بتلك المسامير وتمدد تلك العمد ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم، وينساهم الجبار على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها أبدا وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا» . وفيه فذلك قوله تعالى إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار. وعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقا بمؤصدة حالا من الضمير فيها كما قال صاحب الكشف وحكاه الطيبي. وفي الإرشاد عن أبي البقاء أنه صفة لمؤصدة. وقال بعض: لا مانع عليه أن يكون صلة مؤصدة على معنى الأبواب أوصدت بالعمد وسدت بها وأيد بما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية أدخلهم في عمد وتمددت عليهم في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب ثم إن ما ذكر لإشعاره بالخلود وأشدية العذاب يناسب كون المحدث عنهم كفارا همزوا ولمزوا خير البشر ﷺ وما تقدم من حمل العمد على المقاطر قيل يناسب العموم لأن المغتاب كأنه سارق من اعراض الناس فيناسب أن يعذب بالمقاطر كاللصوص فلا يلزم الخلود. وقد يقال: من تأمل في هذه السورة ظهر له العجب العجاب من التناسب فإنه لما بولغ في الوصف في قوله تعالى هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قيل الْحُطَمَةُ للتعادل ولما أفاد ذلك كسر الأعراض قوبل بكسر الأضلاع المدلول عليه بالحطمة وجيء بالنبذ المنبئ عن الاستحقار في مقابلة ما ظن الهامز اللامز بنفسه من الكرامة ولما كان منشأ جمع المال استيلاء حبه على القلب جيء في مقابله تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ولما كان من شأن جامع المال المحب له أن يأصد عليه قيل في مقابله إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ولما تضمن ذلك طول الأمل قيل في مقابله عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ وقد صرح بذلك بعض الأجلّة فليتأمل والله تعالى أعلم.

стр. 6410

سورة الفيل مكية وآيها خمس بلا خلاف فيهما، وكأنه لما تضمن الهمز واللمز من الكفرة نوع كيد له ﵊ عقب ذلك بقصة أصحاب الفيل للإشارة إلى أن عقبى كيدهم في الدنيا تدميرهم فإن عناية الله برسوله ﷺ أقوى وأتم من عنايته سبحانه بالبيت، فالسورة مشيرة إلى مآلهم في الدنيا إثر بيان مآلهم في الأخرى، ويجوز أن تكون كالاستدلال على ما أشير إليه فيما قبلها من أن المال لا يغني من الله تعالى شيئا، أو على قدرته على إنفاذ ما توعد به أولئك الكفرة في قوله سبحانه لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: ٤] إلخ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ الظاهر أن الخطاب لرسول الله ﷺ والهمزة لتقرير رؤيته ﵊ بإنكار عدمها وهي بصرية تجوز بها عن العلم على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل لأنها سببية، ويجوز جعلها علمية من أول الأمر إلّا أن ذاك أبلغ وعلمه ﷺ بذلك لما أنه سمعه متواترا. وكَيْفَ في محل نصب على المصدرية بفعل، والمعنى أي فعل فعل. وقيل على الحالية من الفاعل والكيفية حقيقة للفعل ب أَلَمْ تَرَ لمكان الاستفهام، والجملة سادة مسد المفعولين لتر. وجوز بعضهم نصب كَيْفَ بتر لإنسلاخ معنى الاستفهام عنه كما في شرح المفتاح الشريفي. وصرح أبو حيان بامتناعه لأنه يراعي صدارته إبقاء لحكم أصله وتعليق الرؤية بكيفية فعله تعالى شأنه لا بنفسه بأن يقال ألم تر ما فعل ربك إلخ. لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالّة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته وغريبته وشرف رسوله ﷺ فإن ذلك كما قال غير واحد من الإرهاصات لما روي أن القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبي ﷺ . قال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري: لا يشك في ذلك أحد من العلماء وعليه الإجماع وكل ما خالفه وهم أي من أنها كانت قبل بعشر سنين أو بخمس عشرة سنة أو بثلاث وعشرين سنة أو بثلاثين سنة أو بأربعين سنة أو بسبعين سنة الأقوال المذكورة في كتب السير وعلى الأول

стр. 6411

المرجح الذي عليه الجمهور قيل ولادته ﵊ في اليوم الذي بعث الله تعالى فيه الطير على أصحاب الفيل من ذلك العام وهو المذكور في تاريخ ابن حبان وهو ظاهر قول ابن عباس: ولد ﵊ يوم الفيل. وذهب السهيلي أنه ﷺ ولد بعدها بخمسين يوما وكانت في المحرم والولادة في شهر ربيع الأول. وقال الحافظ الدمياطي: بخمسة وخمسين يوما، وقيل بأربعين، وقيل بشهر. والمشهور ما ذهب إليه السهيلي. وفي قوله تعالى رَبُّكَ نوع رمز إلى الإرهاص وكون ذلك لشرف البيت ودعوة الخليل ﵇ لا ينافي الإرهاص وكذا لا ينافيه قوله ﷺ في الحديبية لما بركت ناقته وقال الناس: خلأت أي حرنت: «ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل» إذ لم يدع أن ما كان للإرهاص لا غير ومثل هذه العلل لا يضر تعددها، ويؤيد الإرهاص قصة القرامطة وغيرهم. وتفصيل القصة أن أبرهة الأشرم بن الصباح الحبشي كما قال ابن إسحاق وغيره وهو الذي يكنى بأبي يكسوم بالسين المهملة ولا يأباه التسمية بأبرهة بناء على أن معناه بالحبشة الأبيض الوجه كما لا يخفى. وقيل: إنه الحميري خرج على أرباط ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي- بكسر النون- بعد سنتين من سلطانه فتبارزا وقد أرصد الأشرم خلفه غلامه عتورة فحمل عليه أرباط بحربة فضربه يريد يافوخه فوقعت على جبهته فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ولذا سمي الأشرم، فحمل عتورة من خلف أبرهة فقتله وملك مكانه، فغضب النجاشي فاسترضاه فرضي فأثبته. ثم إنه بنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها سمّاها القليس بقاف مضمومة ولام مفتوحة مشددة كما في ديوان الأدب أو مخففة كما قيل وبعدها ياء مثناة سفلية ثم سين مهملة، وكان ينقل إليها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب على ما يقال من قصر بلقيس زوج سليمان ﵇، وكتب إلى النجاشي: إنني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتابه ذلك غضب رجل من النساءة أحد بني فقيم بن عدي من كنانة فخرج حتى أتاها فقعد فيها أي أحدث ولطخ قبلتها بحدثه ثم خرج ولحق بأرضه، فأخبر أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: رجل من أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة غضب لما سمع قولك أصرف إليها حج العرب ففعل ذلك، فاستشاط أبرهة غضبا وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. وقيل: أججت رفقة من العرب نارا حولها فحملتها الريح فأحرقتها فغضب لذلك فأمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، فخرج في ستين ألفا على ما قيل منهم ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره وقيل ثماني وروي ذلك عن الضحاك، وقيل ألف فيل وقيل معه محمود فقط وهو قول الأكثرين الأوفق بظاهر الآية، فسمعت العرب بذلك فأعظموه وقلقوا به ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر بمن أطاعه من قومه وسائر العرب فقاتله فهزم وأخذ أسيرا فأراد قتله فقال: أيها الملك لا تقتلني فعسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه وحبسه عنده حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي بمن معه من قومه وغيرهم فقاتله فهزم وأخذ أسيرا فهم بقتله فقال نحو ما سبق فخلى سبيله وخرج به يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معيب بن مالك الثقفي في رجال من ثقيف فقال له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سماعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا الذي تريد يعنون بيت اللات إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال فخرج ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس- كمعظم- موضع بطريق الطائف معروف، فلما نزله مات أبو رغال ودفن هناك فرجمت قبره العرب كما قال ابن إسحاق. وقيل القبر الذي هناك لأبي رغال رجل من ثمود وهو أبو ثقيف كان بالحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه

стр. 6412

بالمغمس فدفن فيه واختاره صاحب القاموس ذاكرا فيه حديثا رواه أبو داود في سننه وغيره عن ابن عمر مرفوعا وقال فيما تقدمه بعد نقله عن الجوهري ليس بجيد، وجمع بعض بجواز أن يكون قبران لرجلين كل منهما أبو رغال ثم إن أبرهة بعث وهو بالمغمس رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصور حتى انتهى إلى مكة فساق أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير وقيل أربعمائة بعير لعبد المطلب وكان يومئذ سيد قريش، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بحربه فعرفوا أن لا طاقة لهم به فكفوا. وبعث أبرهة حياطة الحميري إلى مكة وقال: قل لسيد أهل هذا البلد إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حياطة دل على عبد المطلب فقال له ما أمر به فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا به طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه منه فهو بينه وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه. ثم انطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان صديقه فدخل عليه فقال له: هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلّا أن أنيسا سائس الفيل سأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: حسبي، فبعث إليه فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة ويطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب الملك له مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت. فقال: أفعل. فكلم أبرهة ووصف عبد المطلب بما وصفه به ذو نفر فأذن له، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم، فلما رآه أكرمه عن أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه والقول بأنه أعظمه لما رأى من نور النبوة الذي كان في وجهه ضعيف لما فيه من الدلالة على كون القصة قبل ولادة عبد الله وهو خلاف ما علمت من القول المرجح اللهم إلّا أن يقال إنه تجلى فيه ذلك النور وإن كان قد انتقل. ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يرد عليّ الملك إبلي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه. فقال عبد المطلب إني رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه. قال ما كان ليمنع مني قال: أنت وذاك. وفي رواية أنه دخل عليه مع عبد المطلب ثفانة بن عدي سيد بني بكر وخويلد بن واثلة سيد هذيل فعرضا عليه ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع ولا يهدم البيت فأبى فرد الإبل على عبد المطلب فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر فتحرزوا في شعف الجبال تخوفا من معرة الجيش ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه فقال وهو آخذ بالحلقة: لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك

стр. 6413

إن كنت تاركهم وكعب ... تنا فأمر ما بدا لك وقال أيضا: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا فناكا ثم أرسل الحلقة وانطلق هو ومن معه إلى شعف الجبال ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها، فلما أصبح تهيأ للدخول وعبى جيشه وهيأ الفيل، فلما وجهوه إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه فأخذ بأذنه، فقال: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك أي سقط وخرج نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل فضربوا الفيل وأوجعوه ليقوم فأبى ووجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول إلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك، فسقوه الخمر ليذهب تمييزه فلم ينجع ذلك. وقيل: إن عبد المطلب هو الذي عرك أذنه وقال له ما ذكر وكان ذلك عند وادي محسر، وأرسل الله تعالى طيرا من البحر قيل سودا وقيل خضرا وقيل بيضا مثل الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب أحدا منهم إلّا هلك، ويروى أنه يلقيها على رأس أحدهم فتخرج من دبره ويتساقط لحمه، فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما نزل بهم: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب وقال أيضا: ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم عن الإصباح عينا ردينة لو رأيت ولا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمري ... ولا تأسي على ما فات بينا فكل القوم تسأل عن نفيل ... كأن عليه للحبشان دينا وجعلوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون في كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة تبعها منه مدة ثم دم وقيح حتى قدموا صنعاء وهو مثل فرح الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وقد أشار إلى ذلك ابن الزبعرى بقوله من أبيات يذكر فيها مكة: سائل أمير الحبش عنا ما ترى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها ولهم في ذلك شعر كثير ذكر ابن هشام جملة منه في سيره، وفيها أن الطير لم تصب كلهم وذكر بعضهم أنه لم ينج منهم غير واحد دخل على النجاشي فأخبره الخبر والطير على رأسه، فلما فرغ ألقي عليه الحجر فخرقت البناء ونزلت على رأسه فألحقته بهم. وقيل: إن سائس الفيل وقائده تخلفا في مكة فسلما. فعن عائشة أنها قالت: أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس. وعن عكرمة أن من أصابه الحجر جدرته وهو أول جدري ظهر أي بأرض العرب، فعن يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رئي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام أيضا.

стр. 6414

ويروى أن عبد المطلب لما ذهب إلى شعف الجبال بمن معه بقي ينتظر ما يفعل القوم وما يفعل بهم، فلما أصبح بعث أحد أولاده على فرس له سريع ينظر ما لقوا فذهب فإذا القوم مشدخين جميعا فرجع رافعا رأسه كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: ألا إن ابني أفرس العرب وما كشف عن عورته إلّا بشيرا أو نذيرا، فلما دنا من ناديهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا فخرج عبد المطلب وأصحابه إليهم فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب: أنت منعت الحبش والأفيالا ... وقد رعوا بمكة الأحبالا وقد خشينا منهم القتالا ... وكل أمر منهم معضالا شكرا وحمدا لك ذا الجلالا هذا ومن أراد استيفاء القصة على أتم مما ذكر فعليه بمطولات كتب السير. وقرأ السلمي «ألم تر» بسكون الراء جدا في إظهار أثر الجازم لأن جزمه بحذف آخره فإسكان ما قبل الآخر للاجتهاد في إظهار أثر الجازم، قيل: والسر فيه هنا الإسراع إلى ذكر ما يهم من الدلالة على أمر الألوهية والنبوة أو الإشارة إلى الحثّ في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر من لم يسارع إلى رؤيته لم يدركه حق إدراكه، وتعقب هذا بأن تقليل البنية يدل على قلة المعنى وهو الرؤية لا على قلة زمانه. وقيل لعل السر فيه الرمز من أول الأمر إلى كثرة الحذف في أولئك القوم فتدبر. وقوله تعالى أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ إلخ بيان إجمالي لما فعل الله تعالى بهم والهمزة للتقرير كما سبق ولذلك عطف على الجملة الاستفهامية ما بعدها كأنه قيل قد جعل كيدهم في تعطيل الكعبة وتخريبها وصرف شرف أهلها لهم في تضييع وإبطال بأن دمرهم أشنع تدمير، وأصل التضليل من ضل عنه إذا ضاع فاستعير هنا للإبطال، ومنه قيل لامرىء القيس الضليل لأنه ضلل ملك أبيه وضيعه. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ أي جماعات جمع إبّالة بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة، وحكى الفراء إبالة مخففا وهي حزمة الحطب الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها وتستعمل أيضا في غيرها ومنه قوله: كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل وقيل واحده أبول مثل عجول، وقيل إبيل مثل سكين وقيل أبال. وقال أبو عبيدة والفرّاء: لا واحد له من لفظه كعباديد الفرق من الناس الذاهبون في كل وجه، والشماطيط القطع المتفرقة وجاءت هذه الطير على ما روي عن جمع من جهة البحر ولم تكن نجدية ولا تهامية ولا حجازية. وزعم بعض أن حمام الحرم من نسلها ولا يصح ذلك، ومثله ما نقل عن حياة الحيوان من أنها تعشش وتفرخ بين السماء والأرض وقد تقدم الخلاف في لونها. وعن عكرمة كأن وجوهها مثل وجوه السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ صفة أخرى لطير، وعبر بالمضارع لحكاية الحال واستحضار تلك الصورة البديعة. وقرأ أبو حنيفة وأبو يعمر وعيسى وطلحة في رواية: «يرميهم» بالياء التحتية والضمير المستتر للطير أيضا والتذكير لأنه اسم جمع وهو على ما حكى الخفاجي لازم التذكير فتأنيثه لتأويله بالجماعة، وقيل يجوز الأمران وهو ظاهر كلام أبي حيان. وقيل الضمير عائد على ربك وليس بذاك، ونسبة القراءة المذكورة لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه حكاها في البحر وعن صاحب النشر أنه رضي الله تعالى عنه لا قراءة له وأن القراءات المنسوبة له موضوعة مِنْ سِجِّيلٍ صفة حجارة أي كائنة من طين متحجر معرب سنك كل وقيل: هو عربي من السجل بالكسر وهو الدلو الكبيرة،

стр. 6415

ومعنى كون الحجارة من الدلو أنها متتابعة كثيرة كالماء الذي يصب من الدلو ففيه استعارة مكنية وتخييلية. وقيل من الإسجال بمعنى الإرسال والمعنى من مثل شيء مرسل، ومِنْ في جميع ذلك ابتدائية وقيل من السجل وهو الكتاب أخذ منه السجين وجعل علما للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، والمعنى من جملة العذاب المكتوب المدون فمن تبعيضيه. واختلف في حجم تلك الطير وكذا في حجم تلك الحجارة فمر أنها مثل الخطاطيف وأن الحجارة أمثال الحمص والعدس. وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية الديلمي أنه قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر بحتمة (١) كأنها جزع ظفار. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أنه قال: حجارة مثل البندق. وفي رواية ابن مردويه عنه مثل بعر الغنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير أنه قال في الاية: هى طير خرجت من قبلة البحر كأنها رجال السند معها حجارة أمثال الإبل البوارك وأصغرها مثل رؤوس الرجال لا تريد أحدا منهم إلا أصابته ولا أصابته إلا قتلته، والمعول عليه أن الطير في الحجم كالخطاطيف، وأن الحجارة منها ما هو كالحمصة ودوينها وفويقها. وروى ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه مكتوب على الحجر اسم من رمي به واسم أبيه وأنه رأى ذلك عند أم هانىء فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقى صفرا منه، والكلام على هذا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو على الإسناد المجازي والتشبيه بذلك لذهاب أرواحهم وبقاء أجسادهم، أو لأن الحجر بحرارته يحرق أجوافهم. وذهب غير واحد إلى أن المعنى كتبن أكلته الدواب وراثته والمراد كروث إلا أنه لم يذكر بهذا اللفظ لهجنته فجاء على الآداب القرآنية فشبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، ففيه إظهار تشويه حالهم وقيل: المعنى كتبن تأكله الدواب وتروثه والمراد جعلهم في حكم التبن الذي لا يمنع عنه الدواب أي مبتذلين ضائعين لا يلتفت إليهم أحد ولا يجمعهم ولا يدفنهم كتبن في الصحراء تفعل به الدواب ما شاءت لعدم حافظ له إلّا أنه وضع مأكول موضع أكلته الدواب لحكاية الماضي في صورة الحال وهو كما ترى. وكأنه لما أن مجيئهم لهدم الكعبة ناسب إهلاكهم بالحجارة ولما أن الذي أثار غضبهم عذرة الكناني شبههم فيما فعل سبحانه بهم على القول الأخير بالروث أو لما أن الذي أثاره احتراقها بما حملته الريح من نار العرب على ما سمعت شبههم فيما فعل جل شأنه بهم بعصف أكل حبه على ما أشرنا إليه أخيرا. وقرأ أبو الدرداء فيما نقل ابن خالويه «مأكول» بفتح الهمزة اتباعا لحركة الميم وهو شاذ وهذا كما أتبعوا في قولهم «محموم» بفتح الحاء لحركة الميم والله تعالى أعلم.

стр. 6416

سورة قريش ويقال سورة لإيلاف قريش، وهي مكية في قول الجمهور مدنية في قول الضحاك وابن السائب، وآيها خمس في الحجازي وأربع في غيره، ومناسبتها لما قبلها أظهر من أن تخفى بل قالت طائفة إنهما سورة واحدة واحتجوا عليه بأن أبيّ بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة بما روي عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقرأ في الركعة الأولى والتين، وفي الثانية ألم تر ولإيلاف قريش من غير أن يفصل بالبسملة، وأجيب بأن جمعا أثبتوا الفصل في مصحف أبيّ والمثبت مقدم على النافي، وبأن خبر ابن ميمون إن سلمت صحته محتمل لعدم سماعه ولعله قرأها سرا، ويدل على كونها سورة مستقلة ما أخرج البخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «فضل الله تعالى قريشا بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم: أني فيهم وفي لفظ النبوة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله تعالى سبع سنين. وفي لفظ عشر سنين لم يعبده سبحانه أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش» . وجاء نحو هذا الأخير في خبرين آخرين أحدهما عن الزبير بن العوام يرفعه والثاني عن سعيد بن المسيب عنه ﷺ ويؤيد الاستقلال كون آيها ليست على نمط آي ما قبلها وأنت تعلم أنه بعد ثبوت تواتر الفصل لا يحتاج إلى شيء مما ذكر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ الإيلاف على ما قال الخفاجي مصدر ألفت الشيء وآلفته من الإلف وهو كما قال الراغب اجتماع مع التئام. وقال الهروي في الغريبين: الإيلاف عهود بينهم وبين الملوك فكان هاشم يؤالف ملك الشام والمطلب كسرى وعبد شمس ونوفل يؤالفان ملك مصر والحبشة. قال: ومعنى يؤالف يعاهد ويصالح، وفعله آلف على وزن فاعل، ومصدره إلاف بغير ياء بزنة قبال أو ألف الثلاثي ككتب كتابا، ويكون الفعل منه أيضا على وزن أفعل مثل آمن ومصدره إيلاف كإيمان، وحمل الإيلاف على العهود

стр. 6417

خلاف ما عليه الجمهور كما لا يخفى على المتتبع. وفي البحر إيلاف مصدر آلف رباعيا وإلاف مصدر ألف ثلاثيا يقال: ألف الرجل الأمر ألفا وآلافا وآلف غيره إياه وقد يأتي آلف متعديا لواحد كألف ومنه قوله: من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في جيدها يتوضح وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في ذلك من القراءات وقريش ولد النضر بن كنانة وهو أصح الأقوال وأثبتها عند القرطبي. قيل: وعليه الفقهاء لظاهر ما روي أنه ﵊ سئل من قريش فقال: «من ولد النضر» وقيل ولد فهر ابن مالك بن النضر وحكي ذلك عن الأكثرين، بل قال الزبير بن بكار أجمع النسابون من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر واسمه عند غير واحد قريش وفهر لقبه ويكنى بأبي غالب. وقيل ولد مخلد بن النضر وهو ضعيف. وفي بعض السير أنه لا عقب للنضر بن كنانة إلّا مالك وأضعف من ذلك بل هو قول رافضي يريد به نفي حقية خلافة الشيخين أنهم ولد قصي بن حكيم، وقيل: عروة المشهور بلقبه كلاب لكثرة صيده أو لمكالبته أي مواثبته في الحرب للأعداء. نعم قصي جمع قريشا في الحرم حتى اتخذوه مسكنا بعد أن كانوا متفرقين في غيره وهذا الذي عناه الشاعر بقوله: أبونا قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر فلا يدل على ما زعمه أصلا وهو في الأصل تصغير قرش بفتح القاف اسم لدابة في البحر أقوى دوابه تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى وبذلك أجاب ابن عباس معاوية لما سأله: لم سميت قريش قريشا؟ وتلك الدابة تسمى قرشا كما هو المذكور في كلام الحبر، وتسمى قريشا وعليه قول تبع كما حكاه عنه أبو الوليد الأزرقي وأنشده أيضا الحبر لمعاوية إلّا أنه نسبه للجمحي: وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تت ... رك يوما لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا وقال الفرّاء: هو من التقرش بمعنى التكسب، سموا بذلك لتجارتهم. وقيل من التقريش وهو التفتيش ومنه قول الحارث بن حلزة: أيها الشامت المقرش عنا ... عند عمرو فهل لنا إبقاء سموا بذلك لأن أباهم كان يفتش عن أرباب الحوائج ليقضي حوائجهم وكذا كانوا هم يفتشون على ذي الخلة من الحاج ليسدوها، وقيل من التقرش وهو التجمع ومنه قوله: إخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم سموا بذلك لتجمعهم بعد التفرق والتصغير إذا كان من المزيد تصغير ترخيم وإذا كان من ثلاثي مجرد فهو على أصله وأيّا ما كان فهو للتعظيم مثله في قوله: وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل والنسبة إليه قرشي وقريشي كما في القاموس وأجمعوا على صرفه هنا راعوا فيه معنى الحي، ويجوز منع صرفه ملحوظا فيه معنى القبيلة للعلمية والتأنيث وعليه قوله: وكفى قريش المعضلات وسادها

стр. 6418

وعن سيبويه أنه قال في نحو معد وقريش وثقيف هذه للأحياء أكثر أو إن جعلت أسماء للقبائل فجائز حسن، واللام في لِإِيلافِ للتعليل والجار والمجرور متعلق عند الخليل بقوله لْيَعْبُدُوا والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم الله تعالى غير محصورة، فإن لم يعبدوا لسائر نعمه سبحانه فليعبدوا لهذه النعمة الجليلة، ولما لم تكن في جواب شرط محقق كانت في الحقيقية زائدة فلا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها. وقوله تعالى إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ بدل من (إيلاف) قريش ورِحْلَةَ مفعول به لإيلافهم على تقدير أن يكون من الألفة، أما إذا كان من المؤالفة بمعنى المعاهدة فهو منصوب على نزع الخافض أي معاهدتهم على أو لأجل رحلة إلخ. وإطلاق لإيلاف ثم إبدال المقيد منه للتفخيم. وروي عن الأخفش أن الجار متعلق بمضمر أي فعلنا ما فعلنا من إهلاك أصحاب الفيل لإيلاف قريش. وقال الكسائي والفرّاء كذلك إلّا أنهما قدرا الفعل بدلالة السياق أعجبوا كأنه قيل أعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة الله تعالى الذي أعزهم ورزقهم وآمنهم فلذا أمروا بعبادة ربهم المنعم عليهم بالرزق والأمن عقبه وقرن بالفاء التفريعية: وعن الأخفش أيضا أنه متعلق بجعلهم كعصف في السورة قبله والقرآن كله كالسورة الواحدة فلا يضر الفصل بالبسملة خلافا لجمع. والمعنى أهلك سبحانه من قصدهم من الحبشة ولم يسلطهم عليهم ليبقوا على ما كانوا عليه من إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ أو أهلك من قصدهم ليعتبر الناس ولا يجترىء عليهم أحد فيتم لهم الأمن في رحلتهم، ولا ينافي هذا كون إهلاكهم لكفرهم باستهانة البيت لجواز تعليله بأمرين فإن كلّا منهما ليس علة حقيقية ليمتنع التعدد. وقال غير واحد: إن اللام للعاقبة وكان لقريش رحلتان رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بصرى من أرض الشام كما روي عن ابن عباس، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله تعالى وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب. وعن ابن عباس أيضا أنهم كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم وأفردت الرحلة مع أن المراد رحلتا الشتاء والصيف لأمن اللبس وظهور المعنى ونظيره قوله: حمامة بطن الواديين ترنمي حيث لم يقل بطني الواديين وقوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص حيث لم يقل بطونكم بالجمع لذلك. وقول سيبويه إن ذلك لا يجوز إلّا في الضرورة فيه نظر. وقال النقاش: كانت لهم أربع رحل، وتعقبه ابن عطية بأنه قول مردود. وفي البحر: لا ينبغي أن يرد فإن أصحاب الإيلاف كانوا أربعة إخوة وهم: بنو عبد مناف: هاشم كان يؤالف ملك الشام أخذ منه خيلا فأمن به في تجارته إلى الشام، وعبد شمس يؤالف إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس فكان هؤلاء يسمون المتجرين فيختلف تجر قريش بخيل هؤلاء الإخوة فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف شبه الإجارة بالخفارة فإن كان كذلك جاز أن يكون لهم رحل أربع باعتبار هذه الأماكن التي كانت التجارة في خفارة هؤلاء الأربعة فيها فيكون رحلة هنا اسم جنس يصلح للواحد وللأكثر، وفي هؤلاء الإخوة يقول الشاعر: يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف الآخذون العهد من آفاقها ... والراحلون لرحلة الإيلاف والرائشون وليس يوجد رائش ... والقائلون هلم للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم ... حتى يصير فقيرهم كالكافي

стр. 6419

انتهى. وفيه مخالفة لما نقلناه سابقا عن الهروي، ثم إن إرادة ما ذكر من الرحل الأربع غير ظاهرة كما لا يخفى. وقرأ ابن عامر «لإلاف قريش» بلا ياء. ووجه ذلك ما مر. ولم تختلف السبعة في قراءة إِيلافِهِمْ بالياء كما اختلف في قراءة الأول، ومع هذا رسم الأول في المصاحف العثمانية بالياء، ورسم الثاني بغير ياء كما قاله السمين وجعل ذلك أحد الأدلة على أن القراء يتقيدون بالرواية سماعا دون رسم المصحف وذكر في وجه ذلك أنها رسمت في الأول على الأصل، وتركت في الثاني اكتفاء بالأول وهو كما ترى فتدبر. وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ بهمزتين فيهما الثانية ساكنة وهذا شاذ وإن كان الأصل وكأنهم إنما أبدلوا الهمزة التي هي فاء الكلمة لثقل اجتماع همزتين. وروى محمد بن داود النقار عن عاصم «إئيلافهم» بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة ناشئة عن حركة الهمزة الثانية لما أشبعت، والصحيح رجوعه عن القراءة بهمزتين وأنه قرأ كالجماعة. وقرأ أبو جعفر فيما حكى الزمخشري «لإلف قريش» وقرأ فيما حكى ابن عطية إلفهم وحكيت عن عكرمة وابن كثير، وأنشدوا: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف وعن أبي جعفر أيضا وابن عامر «إلافهم» على وزن فعال. وعن أبي جعفر أيضا «ليلاف» بياء ساكنة بعد اللام ووجهه بأنه لما أبدل الثانية ياء حذف الأولى حذفا على غير قياس. وعن عكرمة «لتألف قريش» على صيغة المضارع المنصوب بأن مضمرة بعد اللام ورفع قريش على الفاعلية، وعنه أيضا لتأليف على الأمر وعنه وعن هلال بن فتيان بفتح لام الأمر. والظاهر أن إيلافهم على جميع ذلك منصوب على المصدرية ولم أر من تعرض له. وقرأ أبو السمال «رحلة» بضم الراء وهي حينئذ بمعنى الجهة التي يرحل إليها وأما مكسور الراء فهو مصدر على ما صرح به في البحر. لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ هو الكعبة التي حميت من أصحاب الفيل. وعن عمر أنه صلى بالناس بمكة عند الكعبة فلما قرألْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ جعل يومي بإصبعه إليها وهو في الصلاة بين يدي الله تعالى الَّذِي أَطْعَمَهُمْ بسبب تينك الرحلتين اللتين تمكنوا منهما بواسطة كونهم من جيرانه مِنْ جُوعٍ شديد كانوا فيه قبلهما وقيل أريد به القحط الذي أكلوا فيه الجيف والعظام وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ عظيم لا يقادر قدره وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم أو خوف الجذام كما أخرج ذلك ابن جرير وغيره عن ابن عباس، فلا يصيبهم في بلدهم فضلا منه تعالى كالطاعون. وعنه أيضا أنه قال: أطعمهم من جوع بدعوة إبراهيم ﵇ حيث قال وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: ٧٣] وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ حيث قال إبراهيم ﵇ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: ٥٣] . ومِنْ قيل تعليلية أي أنعم عليهم وأطعمهم لإزالة الجوع عنهم. ويقدر المضاف لتظهر صحة التعليل أو يقال: الجوع علة باعثة ولا تقدير. وقيل بدلية مثلها في قوله تعالى أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة: ٣٨] وحكى الكرماني في غرائب التفسير أنه قيل في قوله تعالى وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أن الخلافة لا تكون إلّا فيهم وهذا من البطلان بمكان كما لا يخفى، وقرأ المسيبي عن نافع «من خوف» بإخفاء النون في الخاء، وحكي ذلك عن سيبويه وكذا إخفاؤها مع العين نحو من على مثلا والله تعالى أعلم.

стр. 6420

سورة الماعون وتسمى سورة أرأيت والدين والتكذيب. وهي مكية في قول الجمهور وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير كما في الدر المنثور. وفي البحر أنها مدنية في قول ابن عباس وقتادة وحكي ذلك أيضا عن الضحاك. وقال هبة الله المفسر الضرير: نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، ونصفها في المدينة في عبد الله بن أبي المنافق. وآيها سبع في العراقي وست في الباقية. ولما ذكر سبحانه في سورة قريش أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [قريش: ٤] ذم هنا من لم يحض على طعام المسكين ولما قال تعالى هناك لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [قريش: ٣] ذم سبحانه هنا من سها عن صلاته أو لما عدد نعمة تعالى على قريش وكانوا لا يؤمنون بالبعث والجزاء أتبع سبحانه امتنانه عليهم بتهديدهم بالجزاء وتخويفهم من عذابه فقال عز قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ استفهام أريد به تشويق السامع إلى تعرف المكذب وأن ذلك مما يجب على المتدين ليحترز عنه وعن فعله، وفيه أيضا تعجيب منه والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، والرؤية بمعنى المعرفة المتعدية لواحد. وقال الحوفي: يجوز أن تكون بصرية، وعلى الوجهين يجوز أن يتجوز بذلك عن الإخبار فيكون المراد بأرأيت أخبرني وحينئذ تكون متعدية لاثنين أولهما الموصول وثانيهما محذوف تقديره من هو أو أليس مستحقا للعذاب. والقول بأنه لا تكون الرؤية المتجوز بها إلّا بصرية فيه نظر وكذا إطلاق القول بأن كاف الخطاب لا تلحق البصرية إذ لا مانع من ذلك بعد التجوز فلا يرجح كونها علمية قراءة عبد الله «أرأيتك» بكاف الخطاب المزيدة لتأكيد التاء. و (الدين) الجزاء وهو أحد معانيه ومنه كما تدين تدان. وفي معناه قول مجاهد الحساب أو الإسلام كما هو الأشهر ولعله مراد من فسره بالقرآن. وكذا من فسره كابن عباس بحكم الله . وقرأ الكسائي: أريت بحذف الهمزة كأنه حمل الماضي في حذف همزته على مضارعه المطرد فيه حذفها وهذا كما ألحق تعد بيعد في الإعلال ولعل تصدير الفعل هنا بهمزة الاستفهام

стр. 6421

سهل أمر الحذف فيه لمشابهته للفظ المضارع المبدوء بالهمزة ومن هنا كانت هذه القراءة أقوى توجيها مما في قوله: صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في العلاب وقيل: ألحق بعد همزة الاستفهام بأرى ماضي الأفعال لشدة مشابهته به وعدم التفاوت إلّا بفتحة هي لخفتها في حكم السكون وليس بذاك وإن زعم أنه الأوجه. والفاء في قوله تعالى فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ قيل للسببية وما بعدها مسبب عن التشويق الذي دل عليه الكلام السابق. وقيل واقعة في جواب شرط محذوف على أن ذلك مبتدأ والموصول خبره. والمعنى هل عرفت الذي يكذب بالجزاء أو بالإسلام إن لم تعرفه فذلك الذي يكذب بذلك هو الذي يدع اليتيم أي يدفعه دفعا عنيفا ويزجره زجرا قبيحا. ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للدلالة على التحقير، وقيل للإشعار بعلة الحكم أيضا وفي الإتيان بالموصول من الدلالة على تحقق الصلة ما لا يخفى. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن وأبو رجاء واليماني «يدع» بالتخفيف أي يترك اليتيم لا يحسن إليه ويجفوه وَلا يَحُضُّ أي ولا يبعث أحدا من أهله وغيرهم من الموسرين عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي بذل طعام المسكين وهو ما يتناول من الغذاء، والتعبير بالطعام دون الإطعام مع احتياجه لتقدير المضاف كما أشرنا إليه للإشعار بأن المسكين كأنه مالك لما يعطى له كما في قوله تعالى فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩] فهو بيان لشدة الاستحقاق. وفيه إشارة للنهي عن الامتنان. وقيل الطعام هنا بمعنى الإطعام وكلام الراغب محتمل لذلك فلا يحتاج إلى تقدير لمضاف. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «لا يحاض» مضارع حاضت وهذه الجملة عطف على جملة الصلة داخلة معها في حيّز التعريف للمكذب، فيكون قد جعل علامته الإقدام على إيذاء الضعيف وعدم بذل المعروف على معنى أن ذلك من شأنه ولوازم جنسه. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ أي غافلون غير مبالين بها حتى تفوتهم بالكلية أو يخرج وقتها أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله ﷺ والسلف ولكن ينقرونها نقرا ولا يخشعون وينجدون فيها ويتهمون وفي كل واد من الأفكار الغير المناسبة لها. يهيمون فيسلم أحدهم منها ولا يدري ما قرأ فيها إلى غير ذلك مما يدل على قلة المبالاة بها. وللسلف أقوال كثيرة في المراد بهذا السهو ولعل كل ذلك من باب التمثيل، فعن أبي العالية هو الالتفات عن اليمين واليسار، وعن قتادة عدم مبالاة المرء أصلى أم لم يصل، وعن ابن عباس وجماعة تأخيرها عن وقتها وفيه حديث أخرجه غير واحد عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا وقال الحاكم والبيهقي وقفه أصح، وعن أبي العالية هو أن لا يدري المرء عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر. وفسر بعضهم السهو عنها بتركها وقال: المراد بالمصلين المتسمون بسمة أهل الصلاة إن أريد بالترك الترك رأسا وعدم الفعل بالكلية أو المصلون في الجملة إن أريد بالترك الترك أحيانا الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ الناس فيعملون حيث يروا الناس ويرونهم طلبا للثناء علهم وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ أي الزكاة كما جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وابنه محمد بن الحنفية وابن عباس وابن عمر وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة ومنه قول الراعي: أخليفة الرحمن إنّا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى الله من أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ما عونهم ويضيعوا التهليلا وعن محمد بن كعب والكلبي المعروف كله. وأخرج جماعة عن ابن مسعود تفسيره بما يتعاوره الناس

стр. 6422

بينهم من القدر والدلو والفأس ونحوها من متاع البيت وجاء ذلك عن ابن عباس أيضا في خبر رواه عنه الضياء في المختارة والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم ورووا فيه عدة أحاديث مرفوعة، ومنع ذلك قد يكون محظورا في الشريعة كما إذا استعير عن اضطرار وقبيحا في المروءة كما إذا استعير في غير حال الضرورة وهو على ما أخرج ابن أبي شيبة عن الزهري المال بلسان قريش. وقال أبو عبيدة والزجاج والمبرد: هو في الجاهلية كل ما فيه منفعة من قليل أو كثير وأريد به في الإسلام الطاعة. واختلف في أصله فقال قطرب: أصله فاعول من المعن وهو الشيء القليل، وقالوا ما له معنة أي شي قليل. وقيل أصله معونة والألف عوض من الهاء فوزنه مفعل في الأصل كمكرم فتكون الميم زائدة، ووزنه بعد زيادة الألف عوضا ما فعل. وقيل هو اسم مفعول من أعان يعين وأصله معوون فقلب فصارت عينه مكان فائه فصار موعون، ثم قلبت الواو ألفا فصار ماعونا مفعول بتقديم العين على الفاء. والفاء في قوله تعالى فَوَيْلٌ إلخ جزائية والكلام ترق من ذلك المعرف إلى معرف أقوى أي إذا كان دع اليتيم والحض بهذه المثابة فما بال المصلي الذي هو ساه عن صلاته التي هي عماد الدين؟ والفارق بين الإيمان والكفر مركتب للرياء في أعماله الذي هو شعبة من الشرك، ومانع للزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام أو مانع لإعارة الشيء الذي تعارف الناس إعارته فضلا عن إخراج الزكاة من ماله فذاك العلم على التكذيب الذي لا يخفى، والمعرف له الذي لا يوفى والغرض التغليظ في أمر هذه الرذائل التي ابتلي بها كثير من الناس وأنها لما كانت من سيماء المكذب بالدين كان على المؤمن المعتقد له أن يبعد عنها بمراحل ويتبين أن أم كل معصية التكذيب بالدين، والمراد بالمكذب على هذا الجنس والإشارة لا تمنع منه كما لا يخفى. وقيل هو أبو جهل وكان وصيا ليتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا. وقال ابن جريج: هو أبو سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما فقرعه بعصاه. وقيل الوليد بن المغيرة وقيل العاص بن وائل وقيل عمرو بن عائذ وقيل منافق بخيل، وعلى جميع هذه الأقوال يكون معينا وحينئذ فالقول بأن الساهين عن الصلاة المرائين أيضا معرف. قال صاحب الكشف: غير ملائم بل يكون شبه استطراد مستفاد من الوصف المعرف أعني دع اليتيم على معنى أن الدع إذا كان حاله أنه علم المكذب فما حال السهو عن الصلاة وما عطف عليه وهما أشد من ذلك وأشد؟ وإنما جعل شبه استطراد على ما قال لأن الكلام في التكذيب لا في التحذير من الدع بالأصالة، والمراد الجنس الصادق بالجمع وكون ذلك تكلفا واضحا كما قيل غير واضح فكأنه قيل أخبرني ما تقول فيمن يكذبون بالدين وفيمن يؤذون اليتيم أحسن حالهم وما يصنعون أم قبيح؟ والغرض بت القول بالقبح على أسلوب قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] ثم قيل فويل للمصلين على معنى إذا علم أن حالهم قبيح فويل لهم فوضع المصلين موضع الضمير دلالة على أنهم مع الاتصاف بالتكذيب متصفون بهذه الأشياء أيضا. وجعل بعضهم الفاء في فَوَيْلٌ على العطف المذكور للسببية وهذا الوجه يقتضي اتحاد المصلين والمكذبين، وعليه قيل المراد بهم المنافقون بل روي إطلاق القول بأنهم المرادون عن ابن عباس ومجاهد والإمام مالك. وقال في البحر: يدل عليه الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ويصح أن يراد بالمصلين على الاتحاد المكلفون بالصلاة ولو كفارا غير منافقين وبسهوهم عن الصلاة تركهم إياها بالكلية، ويلتزم القول بأن الكفار مكلفون بالفروع مطلقا. واعترض أبو حيان ذلك الوجه بأن التركيب عليه تركيب غريب وهو كقولك أكرمت الذي يزورني فذاك الذي يحسن إليّ، والمتبادر إلى الذهن منه أن فَذلِكَ مرفوع بالابتداء وعلى تقدير النصب بالعطف يكون التقدير أكرمت الذي يزورني فأكرمت ذلك الذي يحسن إليّ، واسم الإشارة فيه غير متمكن تمكن ما هو فصيح إذ لا حاجة إليه بل الفصيح أكرمت الذي يزورني فالذي

стр. 6423

يحسن إليّ، أو أكرمت الذي يزورني فيحسن إليّ، وقيل إن اسم الإشارة هنا مقحم للإشارة إلى بعد المنزلة في الشر والفساد فتأمل. وجوز أيضا أن يكون العطف عطف ذات على ذات فالاستخبار عن حال المكذبين وحال الداعين أحسن هو أم قبيح على قياس ما مر. وتعقبه في الكشف بأنه لا يلائم المقام رجوع الضمير إلى الطائفتين حتى يوضع موضع المصلين فافهم. وقرأ ابن إسحاق والأشهب «يرؤون» بالقصر وتشديد الهمزة وفي رواية أخرى عن ابن إسحاق أنه قرأ بالقصر وترك التشديد والله تعالى أعلم.

стр. 6424

سورة الكوثر وتسمى كما قال البقاعي سورة النحر. وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، ونسب في البحر إلى الجمهور، مدنية في قول الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد، وفي الإتقان أنه الصواب ورجحه النووي عليه الرحمة في شرح صحيح مسلم لما أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه وغيرهم عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقال: «إنه أنزل عليّ آنفا سورة» فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ حتى ختمها الحديث. وفي أخبار سبب النزول ما يقتضي كلّا من القولين وستسمع بعضا منها إن شاء الله تعالى. ومن هنا استشكل أمرها وذكر الخفاجي أن لبعضهم تأليفا صحح فيه أنها نزلت مرتين وحينئذ فلا إشكال. وآيها ثلاث بلا خلاف وليس في القرآن كما أخرج البيهقي عن ابن شبرمة سورة آيها أقل من ذلك بل قد صرحوا بأنها أقصر سورة في القرآن. وقال الإمام: هي كالمقابلة للتي قبلها لأن السابقة وصف الله تعالى فيها المنافق بأربعة أمور البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة فذكر في هذه السورة في مقابلة البخل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١] أي الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة فَصَلِّ [الكوثر: ٢] أي دم على الصلاة، وفي مقابلة الرياء لِرَبِّكَ [الكوثر: ٢] أي لرضاه لا للناس وفي مقابلة منع الماعون وَانْحَرْ [الكوثر: ٣] وأراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي. ثم قال: فاعتبر هذه المناسبة العجيبة انتهى فلا تغفل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني «أنطيناك» بالنون وهي على ما قال التبريزي لغة العرب العرباء من أولى قريش، وذكر غيره أنها لغة بني تميم وأهل اليمن وليست من الإبدال الصناعي في شيء. ومن كلامه ﷺ : «اليد العليا المنطية واليد السفلى المنطاة» وكتب ﵊ لوائل: «أنطوا الثبجة- أي الوسط- في الصدقة» . الْكَوْثَرَ فيه أقوال كثيرة. فذهب أكثر المفسرين إلى أنه نهر في الجنة لقوله ﷺ في آخر الحديث المتقدم آنفا المروي عن الإمام أحمد ومسلم ومن معهما: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم. قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك»

стр. 6425

وقوله ﵊ على ما أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة وآخرون عن أنس عنه ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى» . وجاء في حديث عن أنس أيضا قال: دخلت على رسول الله فقال: «قد أعطيت الكوثر» قلت: «يا رسول الله وما الكوثر؟ قال: «نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيشعث أبدا، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي» . وروي عن عائشة أنها قالت: هو نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد، خص الله تعالى به نبيه محمد ﷺ من بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقالت: ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلّا سمع خرير ذلك النهر . وهو على التشبيه البليغ. وقيل: هو حوض له ﵊ في المحشر. وقول بعضهم الاختلاف في الروايات سببه ملاحظة اختلاف سرعة السير وعدمها وهو قبل الميزان والصراط عند بعض وبعدهما قريبا من باب الجنة حيث يحبس أهلها من أمته ﷺ ليتحاللوا من المظالم التي بينهم عند آخرين، ويكون على هذا في الأرض المبدلة. وقيل له ﷺ حوضان حوض قبل الصراط وحوض بعده ويسمى كل منهما على ما حكاه القاضي زكريا كوثرا وصحح رحمه الله تعالى أنه بعد الصراط، وأن الكوثر في الجنة وأن ماءه ينصب فيه ولذا يسمى كوثرا وليس هو من خواصه ﵊ كالنهر السابق بل يكون لسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرده مؤمنو أممهم. ففي حديث الترمذي: «إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة» . وهو كما قال حديث حسن غريب. وهذه الحياض لا يجب الإيمان بها كما يجب الإيمان بحوضه ﵊ عندنا خلافا للمعتزلة النافين له لكون أحاديثه بلغت مبلغ التواتر بخلاف أحاديثها فإنها آحاد بل قيل: لا تكاد تبلغ الصحة. ورأيت في بعض الكتب أن الكوثر هو النهر الذي ذكره أولا وهو الحوض وهو على ظهر ملك عظيم يكون مع النبيّ ﷺ حيث يكون فيكون في المحشر إذ يكون ﵊ فيه، وفي الجنة إذ يكون ﵊ فيها، ولا يعجز الله تعالى شيء. وقيل: هو أولاده ﵊ لأن السورة نزلت ردا على من عابه ﷺ وهم والحمد لله تعالى كثيرون قد ملؤوا البسيطة. وقال أبو بكر بن عباس ويمان بن وثاب: أصحابه وأشياعه ﷺ إلى يوم القيامة، وقيل: علماء أمته ﷺ وهم أيضا كثيرون في كل قطر وإن كانوا اليوم في بعض الأقطار والأمر لله تعالى أقل قليل. وعن الحسن أنه القرآن وفضائله لا تحصى. وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع. وقيل: هو الإسلام. وقال هلال: هو التوحيد. وقال عكرمة: هو النبوة. وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: هو نور قلبه ﷺ . وقيل هو العلم والحكمة. وقال ابن كيسان: هو الإيثار. وقيل هو الفضائل الكثيرة المتصف بها ﵊. وقيل المقام المحمود وقيل غير ذلك. وقد ذكر في التحرير ستة وعشرين قولا فيه وصحح في البحر قول النهر وجماعة أنه الخير الكثير والنعم الدنيوية والأخروية من الفضائل والفواضل، ورواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد وهو المشهور عن الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقد أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه ﵊. قال أبو بشر: قلت لسعيد فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة. قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه ﷺ . وحكي هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضا وفيه إشارة إلى أن ما صح في الأحاديث من تفسيره ﷺ إياه بالنهر من باب التمثيل والتخصيص لنكتة وإلا فبعد أن صح

стр. 6426

الحديث في ذلك بل كاد يكون متواترا كيف يعدل عنه إلى تفسير آخر؟ وكذا يقال في سائر ما في الأقوال السابقة وغيرها. وهو فوعل من الكثرة صيغة مبالغة الشيء الكثير كثرة مفرطة. قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر. وقال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا وفي حذف موصوفه ما لا يخفى من المبالغة على ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك فإن الإعطاء دونه كثيرا ما يستعمل في ذلك ومنه قوله تعالى لسليمان ﵇ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ص: ٣٩] بعد قوله هَبْ لِي مُلْكاً [ص: ٣٥] . وقيل فيه إشارة إلى أن المعطى وإن كان كثيرا في نفسه قليل بالنسبة إلى شأنه ﵊ بناء على أن الإيتاء لا يستعمل إلّا في الشيء العظيم كقوله تعالى وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة: ٢٥١] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ: ١٠] وآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧] والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال تعالى أَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى [النجم: ٣٤] ففيه من تعظيمه ﵊ ما فيه، وقيل التعبير بذلك لأنه بالتفضل أشبه بخلاف الإيتاء فإنه قد يكون واجبا ففيه إشارة إلى الدوام والتزايد أبدا لأن التفضل نتيجة كرم الله تعالى الغير المتناهي. وفي جعل المفعول الأول ضمير المخاطب دون الرسول أو نحوه إشعار بأن الإعطاء غير معلل بل هو من محض الاختيار والمشيئة. وفيه أيضا من تعظيمه ﵊ بالخطاب ما لا يخفى. وجوز أن يكون في إسناد الإعطاء إلى «نا» إشارة إلى أنه مما سعى فيه الملائكة والأنبياء المتقدمون ﵈، وفي التعبير بالماضي قيل إشارة إلى تحقق الوقوع، وقيل إلى إشارة تعظيم الإعطاء وأنه أمر مرعي لم يترك إلى أن يفعل بعد. وقيل: إشارة إلى بشارة أخرى كأن قيل: إنا هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية؟ وقيل: إشارة إلى أن حكم الله تعالى بالإغناء والإفقار والإسعاد والإشقاء ليس أمرا محدثا بل هو حاصل في الأزل. وبني الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوي، وجوز أن يكون للتخصيص على بعض الأقوال السابقة في الكوثر وفي تأكيد الجملة بأن ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر وقيل لرد استبعاد السامع الإعطاء لما أنه لم يعلل والمعطى في غاية الكثرة وجوز أن يكون لرد الإنكار على بعض الأقوال في الكوثر أيضا. والفاء في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إعطاءه تعالى إياه ﵊ ما ذكر من العطية التي لم يعطها أحدا من العالمين مستوجب للمأمور به أي استجاب أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك ما أفاض من الخير خالصا لوجهه خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحق شكره تعالى على ذلك فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، ولذا قيل فَصَلِّ دون «فاشكر» وَانْحَرْ البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنع منهم الماعون كذا قيل. وجعل السورة عليه كالمقابلة لما قبلها كما فعل الإمام، ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين. وقال الشهاب الخفاجي: إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمنا وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضا في غاية الظهور، والمراد بالصلاة عند أبي مسلم الصلاة المفروضة. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك وأخرجه الأول وابن المنذر عن ابن عباس، وذهب جمع إلى أنها جنس الصلاة. وقيل: المراد بها صلاة العيد

стр. 6427

وبالنحر التضحية. أخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل عليهما الصلاة والسلام فقال انحر وارجع، فقام رسول الله ﷺ فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين ثم انصرف إلى البدن فنحرها فذلك قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ واستدل به على وجوب تقديم الصلاة على التضحية وليس بشيء وأخرج عبد الرزاق وغيره عن مجاهد وعطاء وعكرمة أنهم قالوا: المراد صلاة الصبح بمزدلفة والنحر بمنى والأكثرون على أن المراد بالنحر نحر الأضاحي واستدل به بعضهم على وجوب الأضحية لمكان الأمر مع قوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٥] وأجيب بالتخصص بقوله ﷺ : «ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحية والوتر» وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص أنه قال وَانْحَرْ أي استقبل القبلة بنحرك وإليه ذهب الفرّاء وقال: يقال منازلهم تتناحر أي تتقابل، وأنشد قوله: أبا حكم هل أنت عم مجالد ... وسيد أهل الأبطح المتناحر وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ إِنَّا أَعْطَيْناكَ إلخ قال رسول الله ﵊ لجبريل ﵇: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي» ؟ فقال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة . وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك: ترفع يديك أول ما تكبر في الافتتاح. وأخرج البخاري في تاريخه والدارقطني في الافراد وآخرون عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: ضع يدك اليمنى على ساعد اليسرى ثم ضعهما على صدرك في الصلاة. وأخرج نحوه أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس مرفوعا ورواه جماعة عن ابن عباس- وروي عباس- وروي عن عطاء أن معناه: اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك. وعن الضحاك وسليمان التيمي أنهما قالا: معناه ارفع يديك عقيب الصلاة عند الدعاء إلى نحرك ولعل في صحة الأحاديث عند الأكثرين مقالا وإلّا فما قالوا الذي قالوا وقد قال الجلال السيوطي في حديث عليّ كرم الله تعالى وجهه الأول أنه أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك بسند ضعيف وقال فيه ابن كثير إنه حديث منكر جدا بل أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الجلال في الحديث الآخر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم بسند لا بأس به، ويرجع قول الأكثرين إن لم يصح عن النبيّ ﷺ ما يخالفه أن الأشهر استعمال النحر في نحر الإبل دون تلك المعاني وأن سنة القرآن ذكر الزكاة بعد الصلاة وما ذكر بذلك المعنى قريب منها بخلافه على تلك المعاني، وأن ما ذكروه من المعاني يرجع إلى آداب الصلاة أو أبعاضها فيدخل تحت فَصَلِّ لِرَبِّكَ ويبعد عطفه عليه دون ما عليه الأكثر مع أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فالأنسب أن يؤمر ﷺ في مقابلتهم بالصلاة والنحر له ، هذا واعتبار الخلوص في فصل إلخ كما أشرنا إليه لدلالة السياق عليه، وقيل لدلالة لام الاختصاص. وفي الالتفات عن ضمير العظمة إلى خصوص الرب مضافا إلى ضميره ﵊ تأكيد لترغيبه ﷺ في أداء ما أمر به على الوجه الأكمل. إِنَّ شانِئَكَ أي مبغضك كائنا من كان هُوَ الْأَبْتَرُ الذي لا عقب له حيث لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان. وأصل البتر القطع وشاع في قطع الذنب وقيل لمن لا عقب له أبتر على الاستعارة شبه الولد

стр. 6428

والأثر الباقي بالذنب لكونه خلفه فكأنه بعده وعدمه بعدمه وفسره قتادة بالحقير الذليل وليس بذاك كما يفصح عنه سبب النزول وفيها عليه دلالة على أن أولاد البنات من الذرية كما قال غير واحد، واسم الفاعل أعني شانىء هاهنا قيل بمعنى الماضي ليكون معرفة بالإضافة فيكون الأبتر خبره ولا يشكل بمن كان يبغضه ﵊ قبل الإيمان من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم هداه الله تعالى للإيمان وذاق حلاوته فكان ﷺ أحب إليه من نفسه وأعز عليه من روحه ولم يكن أبتر لما أن الحكم على المشتق يفيد علية مأخذه فيفيد الكلام أن الأبترية معللة بالبغض فتدور معه، وقد زال في أولئك الأكابر رضي الله تعالى عنهم. واختار بعضهم في دفع ذلك حمل اسم الفاعل على الاستمرار فهم لم يستمروا على البغض والظاهر أنه انقطع نسل كل من كان مبغضا له ﵊ حقيقة وقيل انقطع حقيقة أو حكما لأن من أسلم من نسل المبغضين انقطع انتفاع أبيه منه بالدعاء ونحوه لأنه لا عصمة بين مسلم وكافر. وما أشرنا إليه من أن هو ضمير فصل هو الأظهر وجوز أن يكون مبتدأ خبره الْأَبْتَرُ والجملة خبر شانِئَكَ وحينئذ يجوز صناعة أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال وحمل شانِئَكَ على الجنس هو الظاهر وخصه بعضهم بمن جاء في سبب النزول واحدا أو متعددا وفيه روايات أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله ﷺ القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية، فمات القاسم ﵇ وهو أول ميت من ولده ﵊ بمكة، ثم مات عبد الله ﵇ فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو ابتر فأنزل الله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن شمر بن عطية قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول إنه لا يبقى للنبي ﷺ عقب وهو أبتر، فأنزل الله تعالى فيه إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إن هذا الصابىء قد بتر الليلة، فأنزل الله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ السورة. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس أنه قال في الآية هو أبو جهل أي لأنها نزلت فيه وهذا المقدار في الرواية عن ابن عباس لا بأس به، وحكاية عنه أنه لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد ﵊، فأنزل الله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ لا تكاد تصح لأن هلاك اللعين أبي جهل على التحقيق قبل وفاة إبراهيم ﵇. وعن عطاء أنها نزلت في أبي لهب والجمهور على نزولها في العاصي بن وائل وأيّا ما كان فلا ريب في ظهور عموم الحكم والجملة كالتعليل لما يفهمه الكلام فكأنه قيل: إنا أعطيناك ما لا يدخل تحت الحصر من النعم فصل وانحر خالصا لوجه ربك ولا تكترث بقول الشانئ الكريه فإنه هو الأبتر لا أنت. وتأكيدها قيل للاعتناء بشأن مضمونها وقيل هو مثله في نحو قوله تعالى وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون: ٢٧] وذلك لمكان فلا تكترث إلخ المفهوم من السياق. وفي التعبير بالأبتر دون المبتور على ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يخفى من المبالغة وعمم هذا الشيخ عليه الرحمة كلا من جزأي الجملة، فقال: إنه سبحانه يبتر شانىء رسول الله ﷺ من كل خير فيبتر أهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته تعالى ومحبته والإيمان برسله ﵈، ويبتر أعماله فلا يستعمله سبحانه في طاعته، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرا ولا عونا، ويبتره من جميع القرب فلا يذوق لها طعما ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها وهذا جزاء كل من شنأ ما جاء به الرسول ﷺ لأجل هواه كمن تأول آيات الصفات أو أحاديثها على غير مراد الله تعالى ومراد رسوله عليه

стр. 6429

الصلاة والسلام أو تمنى أن لا تكون نزلت أو قيلت. ومن أقوى العلامات على شنآنه نفرته عنها إذا سمعها حين يستدل بها السلفي على ما دلت عليه من الحق وأي شنآن للرسول ﵊ أعظم من ذلك، وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والدفوف والشبابات فإذا سمعوا القرآن يتلى أو قرىء في مجلسهم استطالوه واستثقلوه، وكذلك من آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة إلى غير ذلك ولكل نصيب من الانتبار على قدر شنآنه انتهى وفي بعضه نظر لا يخفى. وقرأ ابن عباس «شنيك» بغير ألف فقيل مقصور من شاني كما قالوا برد في بارد وبر في بار، وجوز أن يكون بناء على فعل. هذا وأعلم أن هذه السورة الكريمة على قصرها وإيجازها قد اشتملت على ما ينادى على عظيم إعجازها، وقد أطال الإمام فيها الكلام وأتى بكثير مما يستحسنه ذو والأفهام وذكر أن قوله تعالى وَانْحَرْ متضمن الاخبار بالغيب وهو سعة ذات يده ﷺ وأمته وقيل مثله في ذلك إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. وذكر أنه روي أن مسيلمة الكذاب عارضها بقوله إنا أعطيناك الزماجر فصل لربك وهاجر إن مبغضك رجل كافر. ثم بيّن الفرق من عدة أوجه وهو لعمري مثل الصبح ظاهر، ومن أراد الاطلاع على أزيد مما ذكر فليرجع إلى تفسير الإمام والله تعالى ولي التوفيق والإنعام.

стр. 6430

سورة الكافرون وتسمى المقشقشة كما أخرجه ابن أبي حاتم على زرارة بن أوفى وهو من قشقش المريض إذا صح وبرأ أي المبرئة من الشرك والنفاق. وتسمى أيضا كما في جمال القراء سورة العبادة وكذا تسمى سورة الإخلاص وهي عند ابن عباس والجمهور مكية. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير أنها مدنية وحكاه في البحر عن قتادة على خلاف ما في مجمع البيان من أنه قائل بمكيتها وأيّا ما كان فقول الدواني إنها مكية بالاتفاق ليس في محله. وآيها ست بلا خلاف وفيها إعلان ما فهم مما قبلها من الأمر بإخلاص العبادة له ويكفي ذلك في المناسبة بينهما. وقال رسول الله ﷺ لجبلة بن حارثة وهو أخو زيد بن حارثة وقد قال له ﵊ علمني شيئا أقوله عند منامي نحو ذلك كما في حديث أخرجه الإمام أحمد والطبراني في الأوسط، وأمر ﷺ أنسا بأن يقرأها عند منامه أيضا معللا لذلك بما ذكر كما أخرجه البيهقي في الشعب وأمر ﵊ خبابا بذلك أيضا كما في حديث أخرجه البزار وابن مردويه. وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس مرفوعا «ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تعالى تقرءون قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون: ١] عند منامكم» . وروى الديلمي عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله ﷺ : «المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ويسن قراءتها أيضا مع سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] في ركعتي سنة الفجر التي هي عند الأكثرين أفضل السنن الرواتب وكذا في الركعتين بعد المغرب (١) وهي حجة على من قال من الأئمة إنه لا يسن في سنة الفجر ضم سورة إلى الفاتحة. وجاء في حديث أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر مرفوعا وفي آخر أخرجه في الصغير عن سعد بن أبي وقاص كذلك أنها تعدل ربع القرآن ووجه ذلك الإمام بأن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات وكل منهما إما أن يتعلق بالقلب أو بالجوارح فيكون أربعة أقسام وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بالقلب فتكون كربع

стр. 6431

القرآن، وتعقب بأن العبادة أعم من القلبية والقالبية والأمر والنهي المتعلقان بها لا يختصان بالمأمورات والمنهيات القلبية والقالبية، وأن مقاصد القرآن العظيم لا تنحصر في الأمر والنهي المذكورين بل هو مشتمل على مقاصد أخرى كأحوال المبدأ والمعاد ومن هنا قيل لعل الأقرب أن يقال إن مقاصد القرآن التوحيد والأحكام الشرعية وأحوال المعاد والتوحيد عبارة عن تخصيص الله تعالى بالعبادة وهو الذي دعا إليه الأنبياء ﵈ أولا بالذات والتخصيص إنما يحصل بنفي عبادة غيره تعالى وعبادة الله إذ التخصيص له جزآن النفي عن الغير والإثبات للمخصص به، فصارت المقاصد بهذا الاعتبار أربعة. وهذه السورة تشتمل على ترك عبادة غيره سبحانه والتبري منها فصارت بهذا الاعتبار ربع القرآن ولكونها ليس فيها التصريح بالأمر بعبادة الله كما أن فيها التصريح بترك عبادة غيره تعالى لم تكن كنصف القرآن وقيل: إن مقاصد القرآن صفاته تعالى والنبوات والأحكام والمواعظ وهي مشتملة على أساس الأول وهو التوحيد ولذا عدلت ربعه، وذكر بعض أجلّة أحبابي المعاصرين أوجها في ذلك أحسنها فيما أرى أن الدين الذي تضمنه القرآن أربعة أنواع: عبادات ومعاملات وجنايات ومناكحات، والسورة متضمنة للنوع الأول فكانت ربعا. وتعقب بأنه أراد فكانت ربعا من القرآن فلا نسلم صحة تفريعه على كون الدين الذي تضمنه القرآن أربعة أنواع وإن أراد فكانت ربعا من الدين فليس الكلام فيه إنما الكلام في كونها تعدل ربعا من القرآن إذ هو الذي تشعر به الأخبار على اختلاف ألفاظها والتلازم بينهما غير مسلم على أن المقابلة الحقيقية بين ما ذكر من الأنواع غير تامة. وأجيب باحتمال أنه أراد أن مقاصد القرآن هي تلك الأربعة التي هي الدين ولا يبعد أن يكون ما تضمن واحدا منها عدل القرآن كله مقاصده وغيرها. ولا يرد على الحصر أن من مقاصده أحوال المبدأ والمعاد فبدخول ذلك في العبادات بنوع عناية وعدم التقابل الحقيقي لا يضر إذ يكفي في الغرض عدّ أهل العرف تلك الأمور متقابلة ولو بالاعتبار فتأمل جميع ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ قال أجلة المفسرين: المراد بهم كفرة من قريش مخصوصون قد علم الله تعالى أنهم لا يتأتى منهم الإيمان أبدا. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا، فأنزل الله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ حتى انقضت السورة . وفي رواية أن رهطا من عتاة قريش قالوا له ﷺ : هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة. فقال ﵊: «معاذ الله تعالى أن أشرك بالله سبحانه غيره» . فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت فعدا ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام ﵊ على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسوا . ولعل نداءهم «بيا

стр. 6432

أيها» للمبالغة في طلب إقبالهم لئلا يفوتهم شيء مما يلقى إليهم، «وبالكافرون» دون الذين كفروا لأن الكفر كان دينهم القديم ولم يتجدد لهم، أو لأن الخطاب مع الذين يعلم استمرارهم على الكفر فهو كاللازم لهم أو للمسارعة إلى ذكر ما يقال لهم لشدة الاعتناء به وبه دون المشركين مع أنهم عبدة أصنام والأكثر التعبير عنهم بذلك لأن ما ذكر أنكى لهم فيكون أبلغ في قطع رجائهم الفارغ. وقيل: هذا للإشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة ولا يبعد أن يكون في هذه الإشارة إنكاء لهم أيضا وفي ندائه ﵊ بذلك في ناديهم ومكان بسطة أيديهم دليل على عدم اكتراثه ﵊ بهم إذ المعنى قل يا محمد، والمراد حقيقة الأمر خلافا لصاحب التأويلات للكافرين يا أيها الكافرون لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ يتراءى أن فيه تكرارا للتأكيد، فالجملة الثالثة المنفية على ما في البحر توكيد للأولى على وجهه أبلغ لاسمية المؤكدة، والرابعة توكيد للثانية وهو الذي اختاره الطيبي وذهب إليه الفرّاء وقال: إن القرآن نزل بلغة العرب ومن عادتهم تكرار الكلام للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى بلى والممتنع لا لا. وعليه قوله تعالى كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: ٣] وأنشد قوله: كائن وكم عندي لهم من صنيعة ... أيادي سنوها عليّ وأوجبوا وقوله: نعق الغراب ببين ليلى غدوة ... كم كم وكم بفراق ليلى ينعق وقوله: هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا وهو كثير نظما ونثرا، وفائدة التأكيد هاهنا قطع أطماع الكفار وتحقيق أنهم باقون على الكفر أبدا. واعترض بأن تأكيد الجمل لا يكون مع العاطف إلّا بثم وكأن القائل بذاك قاس الواو على ثم، والظاهر أن من قال بالتأكيد جعل الجملة الرابعة معطوفة على الثالثة، وجعل المجموع معطوفا على مجموع الجملتين الأوليين فهناك مجموعان متعاطفان يؤكد ثانيهما أولهما ولمغايرة الثاني للأول بما فيه من الاستمرار عطف عليه بالواو فلا يرد ما ذكر، ويتضمن ذلك معنى تأكيد الجزء الأول من الثاني للجزء الأول من الأول وتأكيد الجزء الثاني من الثاني للجزء الثاني من الأول، وإلّا فظاهر ما في البحر مما لا يكاد يجوز كما لا يخفى والذي عليه الجمهور أنه لا تكرار فيه لكنهم اختلفوا فقال الزمخشري لا أَعْبُدُ أريد به نفي العبادة فيما يستقبل لأن لا لا تدخل إلّا على مضارع في معنى الاستقبال كما أن ما لا تدخل إلّا على مضارع في معنى الحال، والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي، وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم فيه، وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته. والظاهر أنه اعتبر في الجملة الأخيرة استمرار النفي وأنه حمل المضارع فيها على إفادة الاستمرار والتصوير، وفي الثانية استغرق النفي للأزمنة الماضية. وقال الطيبي: إنه جعل القرينتين للأوليين للاستقبال والأخريين للماضي، واعترض عليه بأن الحصرين اللذين ذكرهما في لا وما غير صحيح وإن كانا يشعر بهما ظاهر كلام سيبويه. وقال الخفاجي: ما ذكر أغلبي أو مقيد بعدم القرينة القائمة على ما يخالفه، أو هو كلي ولا حجر في التجوز والحمل على غيره لمقتض كدفع التكرار هنا وإن قيل بتحقق الاستغراب على القول باشتراطه في الحكاية في عابد الأول وعدم ضرر فقده في الثاني لأن النصب به للمشاكلة وقيل: القرينتان الأوليان للاستقبال كما مر،

стр. 6433

والأخريان للحال واختاره أبو حيان أي ولست في الحال بعابد معبوديكم، ولا أنتم في الحال بعابدي معبودي. وقيل بالعكس وعليه كلام الزجاج ومحيي السنة. وقيل الأوليان للماضي والأخريان للمستقبل نقله ابن كثير عن حكاية البخاري وغيره، ونقل أيضا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بقوله سبحانه لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ نفي الفعل لأنها جملة فعلية وبقوله تعالى وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ نفي قبوله ﷺ لذلك بالكلية لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل وكونه ﵊ قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي إمكانه الشرعي، ونوقش في إفادة الجملة الاسمية نفي القبول ولا يبعد أن يقال إن معنى الجملة الفعلية نفي الفعل في زمان معين، والجملة الاسمية معناها نفي الدخول تحت هذا المفهوم مطلقا من غير تعرض للزمان كأنه قيل: أنا ممن لا يصدق عليه هذا المفهوم أصلا وأنتم ممن لا يصدق عليه ذلك المفهوم فتدبر. وقيل: الأوليان لنفي الاعتبار الذي ذكره الكافرون، والأخريان للنفي على العموم أي لا أعبد ما تعبدون رجاء أن تعبدوا الله تعالى، ولا أنتم عابدون رجاء أن أعبد صنمكم. ثم قيل: ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض بوجه من الوجوه، وكذا أنتم لا تعبدون الله تعالى لغرض من الأغراض وإيثار ما في ما أعبد قيل على جميع الأقوال السابقة على من لأن المراد الصفة كأنه قيل ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته، وجوز أن يقال لما أطلقت ما على الأصنام أولا وهو إطلاق في محزه أطلقت على المعبود بحق للمشاكلة ومن يقول إن ما يجوز أن تقع على من يعلم ونسب إلى سيبويه لا يحتاج إلى ما ذكر وقال أبو مسلم: ما في الأوليين بمعنى الذي مفعول به، والمقصود المعبود أي لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله تعالى. وفي الأخريين مصدرية أي ولا أنا عابد مثل عبادتكم المبنية على الشك وإن شئت قلت على الشرك المخرج لها عن كونها عبادة حقيقة ولا أنتم عابدون مثل عبادتي المبنية على اليقين وإن شئت قلت على التوحيد والإخلاص، وعليه لا يكون تكرار أيضا. وقال بعض الأجلّة في هذا المقام إن قوله تعالى لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وقوله سبحانه وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ إما كلاهما نفي الحال أو كلاهما نفي الاستقبال، أو أحدهما للحال والآخر للاستقبال، وعلى التقادير فلفظ ما إما مصدرية في الموضعين وإما موصولة أو موصوفة فيهما، وإما مصدرية في أحدهما وموصولة أو موصوفة في الآخر وهذه ستة احتمالات حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين. ولم يلتفت إلى تقسيم صورة الاختلاف إلى الفرق بين الأولى والأخرى، ولا إلى الفرق بين الموصولة والموصوفة لتكثر الأقسام لأن صور الاختلاف متساوية الاقدام في دفع التكرار، ومؤدى الموصولة والموصوفة متقاربان فيكتفى بإحداهما وكذا الحال في قوله تعالى وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في الموضعين ومعلوم أنه لا تكرار في صورة الاختلاف سواء كان باعتبار الحال والاستقبال أو باعتبار كون ما في أحدهما موصولة أو موصوفة وفي الآخر مصدرية ونفي عبادتهم في الحال أو الاستقبال معبوده ﵊ بناء على عدم الاعتداد بعبادتهم لله تعالى مع الإشراك المحبط لها وجعلها هباء منثورا كما قيل: إذا صافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام ومن هنا قال بعض الأفاضل في إخراج الآية عن التكرار: يحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ نفي عبادة الأصنام، ومن قوله تعالى وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ نفي عبادة الله تعالى من غير تعرض لشيء آخر، ولما كان مظنة أن يقولوا لغفلة عن المراد أو نحوها كيف يسوغ لك أن تنفي عنك عبادة ما نعبد وعنا عبادة ما تعبد ونحن أيضا نعبد الله تعالى غاية ما في الباب أنا نعبد معه غيره، أردف ذلك

стр. 6434

بقوله سبحانه وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ إلخ للإشارة إلى أنهم ما عبدوا الله حقيقة وإنما عبدوا شيئا قالوا إنه الله، والله وراء ذلك أي ولا أنا عابد في وقت من الأوقات الإله الذي عبدتم لأنكم عبدتم شيئا تخيلتموه وذلك بعنوان ما تخيلتم ليس بالإله الذي أعبده، ولا أنتم عابدون في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته لأني إنما أعبد الإله المتصف بالصفات التي قام البرهان على أنها صفات الإله. النفس الأمري ويعلم منه وجه غير ما تقدم للتعبير بالكافرون دون المشركون وكأنه لم يؤت بالقرينتين الأوليين بهذا المعنى ويكتفى بهما عن الأخريين لأنهما أوفق بجوابهم مع أن هذا الأسلوب أنكى لهم فلا تغفل. ومن الناس من اختار كون ما في القرينتين الأوليين موصولة مفعولا به لما قبلها والمراد بها أولا آلهتهم وثانيا إلهه ﵊، والمراد نفي العبادة ملاحظا معها التعلق بما تعلقت به من المفعول بل هو المقصود ومحط النظر كما يقتضي ذلك وقوع القرينتين في الجواب، ويعتبر الاستقبال رعاية للغالب في استعمال لا داخلة على المضارع مع كونه أوفق بالجواب أيضا، ويكون قد تم بهم فكأنه قيل لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في الحال من الآلهة أي لا أحدث ذلك حسبما تطلبونه مني وتدعوني إليه، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد في الحال وكونها في الأخريين مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر وقع مفعولا مطلقا لما قبل كما فعل أبو مسلم ليتضمن الكلام الإشارة إلى بيان حال العبادة في نفسها من غير نظر إلى تعلقها بالمفعول وإن كانت لا تخلو عنه في الواقع إثر الإشارة إلى بيان حالها مع ملاحظة تعلقها بالمفعول، ويراد استمرار النفي في كلتيهما كما في قول تعالى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢ وغيرها] وفي ذلك من إنكائهم ما ليس في الاقتصار على ما تم به الجواب، فكأنه قيل: ولا أنا عابد على الاستمرار عبادة مثل عبادتكم التي أذهبتم بها أعماركم لأن عبادتي مأمور بها وعبادتكم منهي عنها، ولا أنتم عابدون على الاستمرار عبادة مثل عبادتي التي أنا مستمر عليها لأنكم الذين خذلهم الله تعالى وختم على قلوبهم وإني الحبيب المبعوث بالحق، فلا زلتم في عبادة منهي عنها ولا زلت في عبادة مأمور بها ولك أن تعتبر الفرق بين العبادتين بوجه آخر، واعتبار الاستمرار في ما أَعْبُدُ يشعر به العدول عن ما عبدت الذي يقتضيه ما عبدتم قبله إليه، وعن العدول في الثانية إلى ذلك لأن أنواع عبادته ﵊ لم تكن تامة بعد بل كانت تتجدد لها أنواع أخر فأتى بما يفيد الاستمرار التجددي للإشارة إلى حقية جميع ما يأتي به ﷺ من ذلك. وقال الزمخشري: لم يقل ما عبدت كما قيل ما عبدتم لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل البعث وهو ﵊ لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت، وتعقب بأن فيه نظرا لما ثبت أنه ﵊ كان يتحنث في غار حراء قبل البعثة. ونص أبو الوفاء على ابن عقيل على أنه ﷺ كان متدينا قبل بعثه بما يصح عنه أنه من شريعة إبراهيم ﵇، وأما بعد البعث فقال ابن الجوزي في كتاب الوفاء: فيه روايتان عن الإمام أحمد إحداهما أنه كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي لا من جهتهم ولا نقلهم ولا كتبهم المبدلة، واختارها أبو الحسن التميمي وهو قول أصحاب أبي حنيفة الثانية إن لم يكن متعبد إلّا بما يوحى إليه من شريعته وهو قول المعتزلة والأشعرية، ولأصحاب الشافعي وجهان كالروايتين، والقائلون بأنه ﵊ متعبد بشرع من قبله اختلفوا في التعيين فقيل: كان متعبدا بشريعة إبراهيم ﵇ وعليه أصحاب الشافعي، وقيل بشريعة موسى ﵇ إلا ما نسخ في شرعنا. وظاهر كلام أحمد أنه ﷺ كان متعبدا بكل ما صح أنه شريعة لنبي قبله ما لم يثبت نسخه لقوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] وقال ابن قتيبة: لم تزل العرب على بقايا دين إسماعيل ﵇ كالحج والختان وإيقاع الطلاق الثلاث والدية والغسل من

стр. 6435

الجنابة وتحريم المحرم بالقرابة والصهر، وكان ﵊ على ما كانوا عليه من الإيمان بالله تعالى والعمل بشرائعهم انتهى. والمعتزلة لم يجوزوا ذلك لزعمهم أن فيه مفسدة وهو إيجاب النفرة. نعم من أصولهم وجوب التعبد العقلي بالنظر في آيات الله تعالى وأدلة توحيده سبحانه ومعرفته ولا يمكن أن يخلى ﷺ بذلك. وفي الكشف العبادة قد تطلق على أعمال الجوارح الواقعة على سبيل القربة فالإيمان والنية والإخلاص شروط ومنه لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. واختلف أنه ﵊ كان متعبدا بهذا المعنى قبل نبوته بشر أو لا فميل الإمام فخر الدين وجماعة من الشافعية وأبي الحسين البصري وأتباعه إلى أنه ﷺ لم يكن متعبدا، وأجابوا عن الطواف والتحنث وغيرهما من المكارم أنها لا تحرم من غير شرع حتى يقال الآتي بها لا بد أن يكون متعبدا بل هي من اقتضاء العادات المستمرة والمكارم الغريزية دون نظر إلى قربة، والزمخشري اختار ذلك القول وعليه بنى تفسيره. وقد ظهر أنه لم يخالف أصله في وجوب التعبد العقلي بالنظر في الآيات وأدلة التوحيد والمعرفة، ثم قال: والظاهر حمل ما أَعْبُدُ على إفادة الاستمرار والتصوير على أنهم ما كانوا ينكرون ما كان عليه ﷺ فيما مضى عبادة كانت أو لا، بل كانوا يعظمونه ويلقبونه بالأمين إنما كان المنكر ما كان عليه بعد النبوة فلذلك قيل ثانيا وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إذ لو قيل ما عبدت لم يطابق المقام، وفيه أن ما كانوا يتوهمونه من موافقته ﵊ قبل النبوة لم يكن صحيحا بل إنما كان ذلك لأنه لم يكن ﷺ مأمورا بالدعوة انتهى. فتدبره. وزعم بعضهم أن تغاير الأساليب في هذه السورة لتغاير أحوال الفريقين وليس بشيء، وفي تكليف مثل هؤلاء المخاطبين بما ذكر على القول بإفادته الاستمرار على الكفر بالإيمان بحث مذكور في كتب الأصول إن أردته فارجع إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة تبت إشارة ما إلى ذلك. وقوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ هو عند الأكثرين تقرير لقوله تعالى لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وقوله تعالى وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ كما أن قوله تعالى وَلِيَ دِينِ عندهم تقرير لقوله تعالى وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ والمعنى أن دينكم وهو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول كما تطمعون فيه فلا تعلقوا به أمانيكم الفارغة فإن ذلك من المحالات، وأن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم أيضا لأن الله تعالى قد ختم على قلوبكم لسوء استعدادكم أو لأنكم علقتموه بالمحال الذي هو عبادتي لآلهتكم أو استلامي لها، أو لأن ما وعدتموه عين الإشراك وحيث إن مقصودهم شركة الفريقين في كلتا العبادتين كان القصر المستفاد من تقديم المسند قصر إفراد حتما. وجوز أن يكون هذا تقريرا لقوله تعالى وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ والآية على ما ذكر محكمة غير منسوخة كما لا يخفى أو المراد المتاركة على معنى إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فدعوني كفافا ولا تدعوني إلى الشرك فهي على هذا كما قال غير واحد منسوخة بآية السيف. وفسر الدين بالحساب أي لكم حسابكم ولي حسابي لا يرجع إلى كل منا من عمل صاحبه أثر. وبالجزاء أي لكم جزاؤكم ولي جزائي. قيل: والكلام على الوجهين استئناف بياني كأنه قيل فما يكون إذا بقينا على عبادة آلهتنا وإذا بقيت على عبادة إلهك؟ فقيل لَكُمْ إلخ. والمراد يكون لهم الشر ويكون له ﵊ الخير، لكن أتى باللام في لَكُمْ للمشاكلة وعليه لا نسخ أيضا، ويحتمل أن يكون المراد غير ذلك مما تكون عليه الآية منسوخة ولعله لا يخفى. وقد يفسر الدين بالحال كما هو أحد معانيه حسبما ذكره القالي في أماليه وغيره

стр. 6436

أي لكم حالكم اللائق بكم الذي يقتضيه سوء استعدادكم، ولي حالي اللائق بي الذي يقتضيه حسن استعدادي والجملة عليه كالتعليل لما تضمنه الكلام السابق فلا نسخ. والأولى أن تفسر بما لا تكون عليه منسوخة لأن النسخ خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلّا عند الضرورة وللإمام الرازي أوجه في تفسيرها لا يخلو بعضها عن نظر. وذكر عليه الرحمة أنه جرت العادة بأن الناس يتمثلون بهذه الآية عند المتاركة وذلك لا يجوز لأن القرآن ما أنزل ليتمثل به بل ليهتدى به، وفيه ميل إلى سد باب الاقتباس والصحيح جوازه فقد وقع في كلامه ﵊ وكلام كثير من الصحابة والأئمة والتابعين، وللجلال السيوطي رسالة وافية كافية في إزالة الالتباس عن وجه جواز الاقتباس وما ذكر من الدليل فأظهر من أن ينبه على ضعفه. وقرأ سلام ويعقوب «ديني» بياء وصلا ووقفا وحذفها القراء السبعة والله تعالى أعلم.

стр. 6437

سورة النّصر وتسمى سورة إذا جاء. وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع لما فيها من الإيماء إلى وفاته ﵊ وتوديعه الدنيا وما فيها. وجاء في عدة روايات عن ابن عباس وغيره أنه ﷺ قال حين نزلت: «نعيت إليّ نفسي» وفي رواية للبيهقي عنه أنه لما نزلت دعا ﵊ فاطمة رضي الله تعالى عنها وقال: «إنه قد نعيت إليّ نفسي» فبكت ثم ضحكت، فقيل لها فقالت: أخبرني أنه نعيت إليه بنفسه فبكيت، ثم أخبرني بأنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت . وقد فهم ذلك منها عمر رضي الله تعالى عنه وكان يفعل ﵊ بعدها فعل مودع. وهي مدنية على القول الأصح في تعريف المدني، فقد أخرج الترمذي في مسنده والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة وعبد الله بن دينار وصدقة بن بشار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] حتى ختمها الخبر، وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهما، لكن قال الحافظ ابن رجب بعد أن أخرجه عن الأولين إن إسناده ضعيف جدا، وموسى بن عبيدة قال أحمد لا تحل الرواية عنه وعليه إن صح يكون نزولها قريبا جدا من زمان وفاته ﷺ ، فإن ما بين حجة الوداع وإجابته ﵊ داع الحق ثلاثة أشهر ونيف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال: والله ما عاش ﷺ بعد نزول إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قليلا سنتين ثم توفي ﵊. وفي البحر إن نزولها عند منصرفه ﷺ من خيبر، وأنت تعلم أن غزوة خيبر كانت في سنة سبع أواخر المحرم فيكون ما في البين أكثر من سنتين ويدل على مدنيتها أيضا ما أخرجه مسلم وابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة نزلت في القرآن جميعا إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وآيها ثلاث بالاتفاق، وفيها إشارة إلى اضمحلال ملة الأصنام وظهور دين الله على أتم وجه وهو وجه مناسبتها لما قبلها. ويحتمل غير ذلك وهي على ما أخرج الترمذي وغيره من حديث أنس إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ربع القرآن ولم أظفر بوجه ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق به.

стр. 6438

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ أي إعانته تعالى وإظهاره إياك على عدوك وهذا معنى النصر المعدى بعلى، وفسر به لأنه أوفق بقوله تعالى وَالْفَتْحُ وجوز أن يراد به المعدى بمن ومعناه الحفظ والفتح يتضمن النصر بالمعنى الأول فحينئذ يكون الكلام مشتملا على إفادة النصرين والأول هو الظاهر. وإِذا منصوب بسبح والفاء غير مانعة على ما عليه الجمهور في مثل ذلك وأبو حيان على أنها معمولة للفعل بعدها وليست مضافة إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر. والمراد بهذا النصر ما كان في أمر مكة من غلبته ﵊ على قريش، وذكر النقاش عن ابن عباس أن النصر هو صلح الحديبية وكان في آخر سنة ست، وأما الفتح فقد أخرج جماعة عنه وعن عائشة أن المراد به فتح مكة وروي ذلك عن مجاهد وغيره وصححه الجمهور وكان في السنة الثامنة، وقال ابن شهاب: لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان على رأس ثمان سنين ونصف من الهجرة. وخرج ﵊ على ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد لليلتين خلتا من شهر رمضان، وفي رواية أخرى عن أحمد لثمان عشرة، وفي أخرى لثنتي عشرة وعند مسلم لست عشرة. وقال الواقدي خرج ﷺ يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر، وضعفه القسطلاني وكان المسلمون في تلك الغزوة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب. وفي الإكليل اثني عشر ألفا وجمع بأن العشرة خرج بها ﵊ من المدينة ثم تلاحق الألفان، والأولى أن يحمل النصر على ما كان مع الفتح المذكور فإن كانت السورة الكريمة نازلة قبل ذلك فالأمر ظاهر وتتضمن الإعلام بذلك قبل كونه وهو من أعلام النبوة، وإذا كانت نازلة بعده فقال الماتريدي في التأويلات: إن إِذا بمعنى إذ التي للماضي، ومجيئها بهذا المعنى كثير في القرآن وعليه تكون متعلقة بمقدر ككمل الأمر أو أتم النعمة على العباد أو نحو ذلك لا بسبح لأن الكلام حينئذ نحو أضرب زيدا أمس. وقال بعض الأجلّة: هي لما يستقبل كما هو الأكثر في استعمالها، وحينئذ لم يكن بد من أن يجعل شيء من ذلك مستقبلا مترقيا باعتبار أن فتح مكة كان أم الفتوح والدستور لما يكون من بعده فهو مترقب باعتبار ما يدل عليه، وإن كان متحققا باعتباره في نفسه وجوز أن يكون الاستقبال باعتبار مجموع ما في حيّز إِذا فمنه ما هو مستقبل وهو ما تضمنه قوله سبحانه وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ولو باعتبار آخر داخل وهو مما لا بأس به إن لم يكن النزول بعد تمام الدخول. وقيل: المراد جنس نصر الله تعالى لرسوله ﵊ والمؤمنين وجنس الفتح فيعم ما كان في أمر مكة زادها الله تعالى شرفا وغيره وأمر الاستقبال عليه ظاهر، وأيّا ما كان فالمراد بالمجيء الحصول وهو حقيقة فيه على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب. وقال القاضي: مجاز، والظاهر أن الخطاب في رَأَيْتَ للنبيّ ﵊ والرؤية بصرية أو علمية متعدية لمفعولين، والنَّاسَ العرب ودِينِ اللَّهِ ملة الإسلام التي لا دين له تعالى يضاف إليه غيرها، والأفواج جمع فوج وهو على ما قال الراغب: الجماعة المارة المسرعة ويراد به مطلق الجماعة. قال الحوفي: وقياس جمعه أفوج ولكن استثقلت الضمة على الواو فعدل إلى أفواج. وفي البحر قياس فعل صحيح العين أن يجمع على أفعل لا على أفعال ومعتل العين بالعكس فالقياس فيه أفعال كحوض وأحواض، وشذ فيه أفعل كثوب وأثوب. ونصب أَفْواجاً على الحال من ضمير يَدْخُلُونَ وأما جملة يَدْخُلُونَ فهي حال من الناس على الاحتمال الأول في الرؤية ومعفول ثان على الاحتمال الثاني فيها، وكونها حالا أيضا بجعل رأيت بمعنى عرفت كما قال الزمخشري تعقبه أبو حيان بقوله: لا نعلم أن رأيت جاءت بمعنى عرفت، فيحتاج في ذلك إلى استثبات والمراد بدخول الناس في دينه تعالى أفواجا أي جماعات كثيرة إسلامهم من غير قتال وقد كان ذلك بين فتح مكة وموته ﵊، وكانوا قبل الفتح يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين. أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ ، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي.

стр. 6439

وعن الحسن قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قالت الأعراب: أما إذا ظفر بأهل مكة وقد أجارهم الله تعالى من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجا. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يتوقف رسول الله ﷺ وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف منهم من قدم، ومنهم من قد وافده وتأول ذلك ابن عطية فقال: المراد والله تعالى أعلم العرب عبدة الأوثان فإن نصارى بني تغلب ما أراهم أسلموا في حياة رسول الله ﷺ ولكن أعطوا الجزية. ونص بعضهم على أنهم لم يسلموا إذ ذاك فالمراد بالناس عبدة الأوثان من العرب كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن ونحوهم. وقال عكرمة ومقاتل: المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل وأسلموا واحتج له بما أخرجه ابن جرير من طريق الحصين بن عيسى عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال: «الله أكبر الله أكبر جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن» قيل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال «قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم الإيمان والفقه يمان والحكمة يمانية» وأخرج أيضا من طريق عبد الأعلى عن معمر عن عكرمة مرسلا. وقوله ﵊ «الايمان يمان» جاء في حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية» فقيل: قال ﷺ ذلك لأن مكة يمانية ومنها بعث ﷺ وفشا الإيمان. وقيل أراد ﵊ مدح الأنصار لأنهم يمانون وقد تبوءوا الدار والإيمان. وقول ابن عباس في الخبر في المدينة يعارض قول من قال إن ذلك إنما قاله ﷺ بتبوك وكان بينه وبين اليمن مكة والمدينة وهما دارا الإيمان ومظهراه ويحتمل تكرار القول، والظاهر أنه ثناء على أهل اليمن لإسراعهم إلى الإيمان وقبولهم له بلا سيف، ويشمل الأنصار من أهل اليمن وغيرهم، فكأن الإيمان كان في سنخ قلوبهم فقبلوه كما أنهى إليهم كمن يجد ضالته ومثله في الثناء عليهم قوله ﵊: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن» . وقال عصام الدين: يحتمل أن يكون الخطاب في رَأَيْتَ النَّاسَ عاما لكل مؤمن ثم قال: وما يختلج في القلب أن المناسب بقوله تعالى يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً أن يحمل قوله سبحانه وَالْفَتْحُ على فتح باب الدين عليهم انتهى. وكلا الأمرين كما ترى. وقرأ ابن عباس كما أخرج أبو عبيدة وابن المنذر عنه «إذا جاء فتح الله والنصر» وقرأ ابن كثير في رواية يَدْخُلُونَ بالبناء للمفعول. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي فنزهه تعالى بكل ذكر يدل على التنزيه حامدا له جل وعلا زيادة في عبادته والثناء عليه سبحانه لزيادة إنعامه سبحانه عليك، فالتسبيح التنزيه لا التلفظ بكلمة سبحان الله، والباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال والحمد مضاف إلى المفعول. والمعنى على الجمع بين تسبيحه تعالى وهو تنزيهه سبحانه عما لا يليق به من النقائص وتحميده وهو إثبات ما يليق به تعالى من المحامد له لعظم ما أنعم سبحانه به عليه ﵊. وقيل: أي نزهه تعالى عن العجز في تأخير ظهور الفتح وأحمده على التأخير، وصفه تعالى بأن توقيت الأمور من عنده ليس إلا لحمكة لا يعرفها إلّا هو وهو كما ترى، وأيّد ذلك بما في الصحيحين عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن تعني هذا مع قوله تعالى وَاسْتَغْفِرْهُ أي اطلب منه أن يغفر لك وكذا بما في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن عائشة أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قول: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي أخبرني أن سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره» إلخ. وروى ابن جرير من طريق حفص بن عاصم عن الشعبي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلّا قال: «سبحان الله وبحمده» قال: «إني أمرت بها» وقرأ السورة وهو غريب. وفي المسند عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كان

стр. 6440

يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» ثلاثا . وجوز أن تكون الباء للاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل أي سبحانه بما حمد سبحانه به نفسه. قال ابن رجب: إذ ليس كل تسبيح بمحمود، فتسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات وقد كان بشر المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والظاهر الملابسة وجوز أن يكون التسبيح مجازا عن التعجب بعلاقة السببية فإن من رأى أمرا عجيبا قال: سبحان الله، أي فتعجب لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، وأحمده تعالى على صنعه وهذا التعجب تعجب متأمل شاكر يصح أن يؤمر به وليس الأمر بمعنى الخبر بأن هذه القصة من شأنها أن يتعجب منها كما زعم ابن المنير. والتعليل بأن الأمر في صيغة التعجب ليس أمرا بين السقوط. نعم هذا الوجه ليس بشيء والأخبار دالة على أن ذلك أمر له ﷺ بالاستعداد للتوجه إلى ربه تعالى والاستعداد للقائه بعد ما أكمل دينه وأدى ما عليه من البلاغ. وأيضا ما ذكرناه من الآثار آنفا لا يساعد عليه. وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة لاشتمالها عليه ونقله ابن الجوزي عن ابن عباس أي فصل له تعالى حامدا على نعمه. وقد روى ﷺ لما دخل مكة صلى في بيت أم هانىء ثمان ركعات، وزعم بعضهم أنه صلاها داخل الكعبة وليس بالصحيح. وأيّا ما كان فهي صلاة الفتح وهي سنّة وقد صلاها سعد يوم فتح المدائن وقيل: الضحى، وقيل أربع منها للفتح وأربع للضحى وعلى كل ليس فيها دليل على أن المراد بالتسبيح الصلاة والأخبار أيضا تساعد على خلافه واستغفاره ﷺ قيل لأنه كان دائما في الترقي فإذا ترقى إلى مرتبة استغفر لما قبلها. وقيل مما هو في نظره الشريف خلاف الأولى بمنصبه المنيف. وقيل: عما كان من سهو ولو قيل النبوة وقيل لتعليم أمته ﷺ ، وقيل هو استغفار لأمته ﵊ أي واستغفره لأمتك وجوز بعضهم كون الخطاب في رَأَيْتَ عاما وقال: هاهنا يجوز حينئذ أن يكون الأمر بالاستغفار لمن سواه ﵊ وإدخاله ﷺ في الأمر تغليب وهذا خلاف الظاهر جدا، وأنت تعلم أن كل أحد مقصر عن القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغي وأدائها على الوجه اللائق بجلاله ﷻ وعظمته سبحانه وإنما يؤديها على قدر ما يعرف، والعارف يعرف أن قدر الله أعلى وأجلّ من ذلك فهو يستحي من عمله ويرى أنه مقصر، وكلما كان الشخص بالله تعالى أعرف كان له سبحانه أخوف وبرؤية تقصيره أبصر وقد كان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة، فإذا صلى أخذ بلحيته ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فو الله ما رضيتك لله طرفة عين. وعن مالك بن دينار: لقد هممت أن أوصي إذا متّ أن ينطلق بي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده فإذا سألني قلت: يا رب إني لم أرض لك نفسي طرفة عين فيمكن أن يكون استغفاره ﵊ لما يعرف من عظيم جلال الله تعالى وعظمته سبحانه فيرى أن عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين دون ما يليق بذلك الجلال وتلك العظمة التي هي وراء ما يخطر بالبال فيستحيي ويهرع إلى الاستغفار. وقد صح أنه ﵊ كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وللإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليق بجلال المعبود وأن بذل المجهود شرع الاستغفار بعد كثير من الطاعات فذكروا أنه يشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثا وللمتهجد في الأسحار أن يستغفر ما شاء الله تعالى، وللحاج أن يستغفر بعد الحج فقد قال تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩] وروي أنه يشرع لختم الوضوء، وقالوا: يشرع لختم كل مجلس وقد كان ﷺ يقول إذا قام من المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك» ففي الأمر بالاستغفار رمز من هذا الوجه على ما قيل إلى ما فهم من النعي، والمشهور أن ذلك للدلالة على مشارفة تمام أمر الدعوة وتكامل أمر الدين والكلام وإن كان مشتملا على التعليق وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار قيل على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق كما قيل: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله تعالى قبله

стр. 6441

لأن جميع الأشياء مرايا لتجليه ﷻ وذلك لأن في التسبيح والحمد توجها بالذات لجلال الخالق وكماله، وفي الاستغفار توجها بالذات لحال العبد وتقصيراته ويجوز أن يكون تأخير الاستغفار عنهما لما أشرنا إليه في مشروعية تعقيب العبادة بالاستغفار وقيل في تقديمها عليه تعليم أدب الدعاء وهو أن لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسئول منه. إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي منذ خلق المكلفين أي مبالغا في قبول توبتهم فليكن المستغفر التائب متوقعا للقبول فالجملة في موضع التعليل لما قبلها، واختيار تَوَّاباً على غفارا مع أنه الذي يستدعيه استغفره ظاهرا للتنبيه كما قال بعض الأجلّة على أن الاستغفار إنما ينفع إذا كان مع التوبة. وذكر ابن رجب أن الاستغفار المجرد هو التوبة مع طلب المغفرة بالدعاء والمقرون بالتوبة فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه سبحانه هو طلب المغفرة بالدعاء فقط. وقال أيضا: إن المجرد طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع عنه وهذا الذي يمنع الإصرار كما جاء: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، ولا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار» . والمقرون بالتوبة مختص بالنوع الأول فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي فهو دعاء محض، وإن صحبه ندم فهو توبة انتهى. والظاهر أن ذلك الدعاء المحض غير مقبول وفيه من سوء الأدب مع الله تعالى ما فيه. وقال بعض الأفاضل إن في الآية احتباكا والأصل واستغفره إنه كان غفارا وتب إليه إنه كان توابا وأيّد بما قدمناه من حديث الإمام أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها وحمل الزمان الماضي على زمان خلق المكلفين هو ما ارتضاه غير واحد. وقال الماتريدي في التأويلات: أي لم يزل توابا لا أنه سبحانه تواب بأمر اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه سبحانه صار توابا إذ أنشأ الخلق فتابوا فقبل توبتهم، فأما قبل ذلك فلم يكن توابا. وردّ عليه بأن قبول التوبة من الصفات الإضافية ولا نزاع في حدوثها. واختار بعضهم ما ذهب إليه الماتريدي على أن المراد أنه تعالى لم يزل بحيث يقبل التوبة ومآله قدم منشأ قبولها من الصفات اللائقة به جل شأنه وفي ذلك مما يقوي الرجاء به ما فيه. وصح «لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم. وفي الاستغفار خير الدنيا والآخرة» أخرج الإمام أحمد من حديث عطية عن أبي سعيد مرفوعا: «من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت مثل رمل عالج، وإن كانت عدد ورق الشجر» . وأخرج أيضا من حديث ابن عباس: «من أكثر من الاستغفار جعل الله تعالى له من كل هم فرجا» . وأنا أقول سبحان الله وبحمده أستغفر الله تعالى وأتوب إليه وأسأله أن يجعل لي من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا بحرمة كتابه وسيد أحبابه ﷺ .

стр. 6442

سورة المسد وتسمى سورة المسد، وهي مكية وآيها خمس بلا خلاف في الأمرين. ولما ذكر سبحانه فيما قبل دخول الناس في ملة الإسلام عقبه سبحانه بذكر هلاك بعض ممن لم يدخل فيها وخسرانه. على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم كذا قيل في وجه الاتصال، وقيل هو من اتصال الوعيد بالوعد وفي كل مسرة له ﵊ وقال الإمام في ذلك إنه تعالى لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] فكأنه ﷺ قال: «إلهي فما جزائي» فقال الله تعالى: لك النصر والفتح فقال: «فما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام» فقال: تبت يداه. وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر متصلا بقوله تعالى وَلِيَ دِينِ والوعيد راجعا إلى قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ على حد يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] الآية. فتأمل هذه المجانسة الحاصلة بين هذه السور مع أن سورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة، وتبت من أوائل ما نزل بمكة لتعلم أن ترتيبها من الله تعالى وبأمره ثم قال: ووجه آخر وهو أنه لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فكأنه قيل: إلهي ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح. ثم قيل: فما جزاء العاصي؟ قال: الخسار في الدنيا والعقاب في العقبى كما دلت عليه سورة تبت انتهى وهو كما ترى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ أي هلكت كما قال ابن جبير وغيره ومنه قولهم أشابة أم تابة يريدون أم هالكة من الهرم والتعجيز أي خسرت كما قال ابن عباس وابن عمر وقتادة، وعن الأول أيضا خابت، وعن يمان بن وثاب صفرت من كل خير وهي على ما في البحر أقوال متقاربة. وقال الشهاب: إن مادة التباب تدور على القطع وهو مؤد إلى الهلاك ولذا فسر به. وقال الراغب: هو الاستمرار في الخسران ولتضمنه الاستمرار قيل استتب لفلان كذا أي استمر ويرجع هذا المعنى إلى الهلاك يَدا أَبِي لَهَبٍ هو عبد العزّى بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وكان شديد المعاداة والمناصبة له ﵊ ومن ذلك ما في

стр. 6443

المجمع عن طارق المحاربي قال: بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول: أيها الناس قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو محمد ﷺ يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب وأخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عدي» لبطنون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي» ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلّا صدقا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا جمعتنا؟ فنزلت . ويروى أنه مع ذلك القول أخذ بيديه حجرا ليرمي بها رسول الله ﷺ ومن هذا يعلم وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه مما تقدم وإسناده إلى يديه وكذا مما روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أيضا أن أبا لهب قال لما خرج من الشعب وظاهر قريشا: إن محمدا يعدنا أشياء لا نراها كائنة يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديه ثم نفخ في يديه ثم قال تبا لكما ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد ﷺ فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ومما روي عن طارق يعلم وجه الثاني فقط فاليدان على المعنى المعروف والكلام دعاء بهلاكهما. وقوله سبحانه وَتَبَّ دعاء بهلاك كله وجوز أن يكونا إخبارين بهلاك ذينك الأمرين والتعبير بالماضي في الموضعين لتحقق الوقوع. وقال الفرّاء: الأول دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات والنفس لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز من إطلاق الجزء على الكل كما قال محيي السنة والقول في رده أنه يشترط أن يكون الكل يعدم بعدمه كالرأس والرقبة واليد ليست كذلك غير مسلم لتصريح فحول بخلافه هنا، وفي قوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] أو المراد على ما قيل بذلك الشرط يعدم حقيقة أو حكما كما في إطلاق العين على الربيئة واليد على المعطي أو المتعاطي لبعض الأفعال فإن الذات من حيث اتصافها بما قصد اتصافها به تعدم يعدم ذلك العضو، والثاني إخبار بالحصول أي وكان ذلك وحصل كقول النابغة: جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل واستظهر أن هذه الجملة حالية وقد مقدرة على المشهور كما قرأ به ابن مسعود. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس في سبب النزول فنزلت هذه السورة «تبت يدا أبي لهب وقد تب» وعلى هذه القراءة يمتنع أن يكون ذلك دعاء لأن «قد» لا تدخل على أفعال الدعاء. وقيل: الأول إخبار عن هلاك عمله حيث لم يفده ولم ينفعه لأن الأعمال تزاول بالأيدي غالبا. والثاني إخبار عن هلاك نفسه. وفي التأويلات اليد بمعنى النعمة وكان يحسن إلى النبي ﷺ وإلى قريش ويقول إن كان الأمر لمحمد فلي عنده يد، وإن كان لقريش فكذلك، فأخبر أنه خسرت يده التي كانت عند النبيّ ﷺ بعناده له ويده التي عند قريش أيضا بخسران قريش وهلاكهم في يد النبي ﵊ فهذا معنى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ والمراد بالثاني الإخبار بهلاكه نفسه وذكر بكنيته لاشتهاره بها وقد أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له وذكره بأشهر علميه أوفق بذلك. ويؤيد ذلك قراءة من قرأ «يدا أبو لهب» كما قيل عليّ بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، أو لكراهة ذكر اسمه القبيح أو لأنه كما روي عن مقاتل كان يكنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما فذكر بذلك تهكما به وبافتخاره بذلك، أو لتجانس ذات لهب ويوافقه لفظا ومعنى.

стр. 6444

والقول بأنه ليس بتجنيس لفظي لأنه ليس في الفاصلة وهم فإنهم لم يشترطوه فيه أو لجعله كناية عن الجهنمي فكأنه قيل: تبت يدا جهنمي، وذلك لأن انتسابه إلى اللهب كانتساب الأب إلى الولد يدل على ملابسته له وملازمته إياه كما يقال: هو أبو الخير وأبو الشر وأخو الفضل وأخو الحرب لمن يلابس هذه الأمور ويلازمها، وملازمته لذلك تستلزم كونه جهنميا لزما عرفيا فإن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم، فالانتقال من أبي لهب إلى جهنمي انتقال من الملزوم إلى اللازم أو بالعكس على اختلاف الرأيين في الكناية فإن التلازم بينهما في الجملة متحقق في الخارج والذهن إلّا أن هذا اللزوم إنما هو بحسب الوضع الأول أعني الإضافي دون الثاني أعني العلمي، وهم يعتبرون في الكنى المعاني الأصلية. فأبو لهب باعتبار الوضع العلمي مستعمل في الشخص المعين وينتقل منه باعتبار وضعه الأصلي إلى ملابس اللهب وملازمه لينتقل منه إلى أنه جهنمي فهو كناية عن الصفة بالواسطة وهذا ما اختاره العلامة الثاني فعنده كناية بلا واسطة لأن معناه الأصلي أعني ملابس اللهب ملحوظ مع معناه العلمي وأحق مع العلامة لأن أبا لهب يستعمل في الشخص المعين والمتكلم بناء على اعتبارهم المعاني الأصلية في الكنى ينتقل منه إلى المعنى الأصلي ثم ينتقل منه إلى الجهنمي ولا يلاحظ معه معناه الأصلي وإلّا لكان لفظ أبي لهب في الآية مجازا سواء لوحظ معه معناه الأصلي بطريق الجزئية أو التقييد لكونه غير موضوع للمجموع، وما قيل إن المعنى الحقيقي لا يكون مقصودا في الكناية وأن مناط الفائدة والصدق والكذب فيها هو المعنى الثاني. وهاهنا قصد الذات المعين فليس بشيء لأن الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه فيجوز هاهنا أن يكون كلا المعنيين مرادا. وفي المفتاح تصريح بأن المراد في الكناية هو المعنى الحقيقي ولازمه جميعا وزعم السيد أيضا أن الكناية في أبي لهب لأنه اشتهر بهذا الاسم وبكونه جهنميا فدل اسمه على كونه جهنميا دلالة حاتم على أنه جواد فإذا أطلق وقصد به الانتقال إلى هذا المعنى يكون كناية عنه، وفيه أنه يلزم منه أن تكون الكناية في مثله موقوفة على اشتهار الشخص بذلك العلم وليس كذلك فإنهم ينتقلون من الكنية إلى ما يلزم مسماها باعتبار الأصل من غير توقف على الشهرة قال الشاعر: قصدت أنا المحاسن كي أراه ... لشوق كاد يجذبني إليه فلما أن رأيت رأيت فردا ... ولم أر من بنيه ابنا لديه على أن فيه بعد ما فيه. وقرأ ابن محيصن وابن كثير «أبي لهب» بسكون الهاء وهو من تغيير الاعلام على ما في الكشاف. وقال أبو البقاء: الفتح والسكون لغتان وهو قياس على المذهب الكوفي ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ أي لم يغن عنه ماله حين حل به التباب على أن ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية في محل نصب بما بعدها على أنها مفعول به أو مفعول مطلق أي أي إغناء أو أي شيء أغنى عنه ماله وَما كَسَبَ أي والذي كسبه على أن ما موصولة، وجوز أن تكون مصدرية أي وكسبه وقال أبو حيان: إذا كان ما الأولى استفهامية فيجوز أن تكون هذه كذلك أي وأي شيء كسب أي لم يكسب شيئا. وقال عصام الدين: يحتمل أن تكون نافية، والمعنى ما أغنى عنه ماله مضرة وما كسب منفعة، وظاهره أنه جعل فاعل كَسَبَ ضمير المال وهو كما ترى. واستظهر في البحر موصوليتها فالعائد محذوف أي ولذي كسبه به من الأرباح والنتائج والمنافع والوجاهة والاتباع، أو ما أغنى عنه ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه أو ماله والذي كسبه من عمله الخبيث الذي هو كيده في عداوة النبيّ ﷺ كما قال الضحاك، أو من عمله الذي يظن أنه منه على

стр. 6445

شيء كقوله تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣] كما قال قتادة، وعن ابن عباس ومجاهد ما كسب من الولد أخرج أبو داود عن عائشة مرفوعا: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي وكان له ثلاثة أبناء عتبة ومعتب وقد أسلما يوم الفتح، وسرّ النبي ﵊ بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا حنينا والطائف وعتيبة بالتصغير ولم يسلم. وفي ذلك يقول صاحب كتاب الألباء: كرهت عتيبة إذ أجرما ... وأحببت عتبة إذ أسلما كذا معتب مسلم فاحترز ... وخف أن تسب فتى مسلما وكانت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند عتيبة ورقية أختها عند أخيه عتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد ﷺ فطلقاهما إلا أن عتيبة المصغر كان قد أراد الخروج إلى الشام مع أبيه فقال: لآتين محمدا ﵊ وأوذينه فأتاه فقال: يا محمد إني كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل تجاه رسول الله ﷺ ولم يصبه ﵊ شيء وطلق ابنته أم كلثوم فأغضبه ﵊ بما قال وفعل. فقال ﷺ : «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» . وكان أبو طالب حاضرا فكره ذلك وقال له: ما أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة. فرجع إلى أبيه ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير وقال لهم: إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب: أغيثوني يا معشر قريش في هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد ﷺ فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم خوفا من الأسد، فجاء أسد يتشمم وجوههم حتى أتى عتيبة فقتله وفي ذلك يقول حسان: من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع وهلك أبو لهب نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال فاجتنبه أهله مخافة العدوي وكانت قريش تتقيها كالطاعون، فبقي ثلاثا حتى أنتن فلما خافوا العار استأجروا بعض السودان فاحتملوه ودفنوه، وفي رواية حفروا له حفرة ودفعوه بعود حتى وقع فيها فقذفوه بالحجارة حتى واروه وفي أخرى أنهم لم يحفروا له وإنما أسندوه لحائط وقذفوا عليه الحجارة من خلفه حتى توارى فكان الأمر كما أخبر به القرآن. وقرأ عبد الله «وما اكتسب» بناء الافتعال سَيَصْلى ناراً سيدخلها لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها والسين لتأكيد الوعيد والتنوين للتعظيم أي نارا عظيمة ذاتَ لَهَبٍ ذات اشتعال وتوقد عظيم وهي نار جهنم، وجملة ما أَغْنى إلخ قال في الكشف: استئناف جوابا عما كان يقول أنا أفتدي بمالي، ويتوهم من صدقه وفيه تحسير له وتهكم بما كان يفتخر به من المال والبنين، وهذه الجملة تصوير للهلاك بما يظهر معه عدم إغناء المال والولد وهو ظاهر على تفسير ما كسب بالولد. وقال بعض الأفاضل: الأولى إشارة لهلاك عمله وهذه إشارة لهلاك نفسه، وهو أيضا على بعض الأوجه السابقة فتذكر ولا تغفل. وقوله تعالى وَامْرَأَتُهُ عطف على المستكن في سَيَصْلى لمكان الفصل بالمفعول. وقوله تعالى حَمَّالَةَ الْحَطَبِ نصب على الشتم والذم وقيل على الحالية بناء على أن الإضافة غير حقيقية للاستقبال على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. أخرج ابن عساكر عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر رضي الله تعالى عنهما أن عقيل بن أبي طالب دخل على معاوية فقال معاوية له: أين ترى عمك أبا لهب من النار؟ فقال له عقيل: إذا دخلتها فهو على يسارك مفترش عمتك حمالة الحطب والراكب خير من المركوب ولا أظن صحة هذا الخبر
следующие страницы →