← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وحكمه، أو فيما غاب عنكم ولم تطلعوا على كنهه، والظرف متعلق فيما تعلق به الجار في قوله سبحانه: كَمَثَلِ آدَمَ أي كصفته وحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لوجه الشبه باعتبار أن في كل الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين، ويحتمل أنه جيء بها لبيان أن المشبه به أغرب وأخرق للعادة فيكون ذلك أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته، ومِنْ لابتداء الغاية متعلقة بما عندها، والضمير المنصوب- لآدم- والمعنى ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي صر بشرا فصار، فالتراخي على هذا زماني إذ بين إنشائه، مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحما ودما زمان طويل، فقد روي أنه بعد أن خلق قالبه بقي ملقى على باب الجنة أربعين سنة لم تنفخ فيه الروح والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذانا بأنه من الأمور المستغربة العجيبة الشأن، وجوز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل بالنظر إلى ما قبله، وذهب كثير من المحققين إلى أن ثُمَّ للتراخي في الأخبار لا في المخبر به، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضر تقدم القول على الخلق في هذا الترتيب والتراخي- كما لا يخفى، والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول- بأنه عائد على عيسى- ليس بشيء لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه، قيل: وفي الآية دلالة على صحة النظر والاستدلال لأنه سبحانه احتج على النصارى وأثبت جواز خلق عيسى ﵇ من غير أب يخلق آدم ﵇ من غير أب ولا أم، ثم إن الظاهر أن عيسى ﵇ خلقه الله سبحانه من نطفة مريم ﵍ بجعلها قابلة لذلك ومستعدة له كما أشرنا إليه فيما تقدم. والقول- بأنه خلق من الهواء كما خلق آدم من التراب- مما لا مستند له من عقل ولا نقل «ونفخنا فيه من روحنا» (١) لا يدل عليه بوجه أصلا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر لمحذوف أي هو الحق، وهو راجع إلى البيان، والقصص المذكور سابقا، والجار والمجرور حال من الضمير في الخبر، وجوز أن يكون الْحَقُّ مبتدأ، ومِنْ رَبِّكَ خبره، ورجح الأول بأن المقصود الدلالة على كون عيسى مخلوقا كآدم ﵉ هو الْحَقُّ لا ما يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يتأتى إلا بتكلف إرادة أن كل حق، أو جنسه من الله تعالى، ومن جملته هذا الشان، أو حمل اللام على العهد بإرادة الْحَقُّ المذكور، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله تعالى عليه وسلم من اللطافة الظاهرة فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب له صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه ﵊ كما في قوله تعالى: «فلا تكونن من المشركين» (٢) بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين: «إحداهما» أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نورا على نور «وثانيتهما» أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطف بغيره، وجوز أن يكون خطابا لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب فَمَنْ حَاجَّكَ أي جادلك وخاصمك من وفد نصارى نجران إذ هم المتصدون لذلك فِيهِ أي في شأن عيسى

стр. 737

عليه السلام لأنه المحدث عنه وصاحب القصة، وقيل: الضمير للحق المتقدم لقربه وعدم بعد المعنى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي الآيات الموجبة للعلم، وإطلاق العلم عليها إما حقيقية لأنها كما قيل: نوع منه، وإما مجاز مرسل، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة، والجار والمجرور الأخير حال من فاعل جاءَكَ الراجع إلى ما الموصولة، ومِنْ من ذلك تبعيضية، وقيل: لبيان الجنس فَقُلْ أي لمن حاجّك- تَعالَوْا أي أقبلوا بالرأي والعزيمة، وأصله طلب الإقبال إلى مكان مرتفع، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه للمباهلة، وفي تقديم من قدم على النفس في المباهلة مع أنها من مظان التلف والرجل يخاطر لهم بنفسه إيذانا بكمال أمنه صلى الله تعالى عليه وسلم وكمال يقينه في إحاطة حفظ الله تعالى بهم، ولذلك- مع رعاية الأصل في الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الاسناد- قدم صلى الله تعالى عليه وسلم جانبه على جانب المخاطبين ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل، فالافتعال هنا بمعنى المفاعلة، وافتعل وتفاعل أخوان في كثير من المواضع- كاشتور وتشاور، واجتور وتجاور. والأصل في البهلة- بالضم، والفتح فيه- كما قيل- اللعنة، والدعاء بها، ثم شاعت في مطلق الدعاء كما يقال: فلان يبتهل إلى الله تعالى في حاجته، وقال الراغب: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليته ثم استعمل في الاسترسال في الدعاء سواء كان لعنا أو لا إلا أنه هنا يفسر باللعن لأنه المراد الواقع كما يشير إليه قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أي في أمر عيسى ﵇ فإنه معطوف على نبتهل مفسر للمراد منه أي نقول لعنة الله على الكاذبين، أو اللهم العن الكاذبين. أخرج البخاري، ومسلم «أن العاقب والسيد أتيا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال: قم يا أبا عبيدة فلما قام قال هذا أمين هذه الأمة، وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء، والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ منهم العاقب، والسيد فأنزل الله تعالى فَقُلْ تَعالَوْا الآية فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وقالوا: هو النبي الذي نجده في التوراة فصالحوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ألف حلة في صفر وألف في رجب ودراهم» وروي أنهم صالحوه على أن يعطوه في كل عام ألفي حلة وثلاثا وثلاثين درعا وثلاثة وثلاثين بعيرا وأربعا وثلاثين فرسا. وأخرج في الدلائل أيضا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس «أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد- وهو الكبير- والعاقب- وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم- فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أسلما قالا: أسلمنا قال: ما أسلمتما قالا: بلى قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما، عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدا، ونزل إِنَّ مَثَلَ عِيسى الآية فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، ونزل فَمَنْ حَاجَّكَ الآية فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل ولئن لاعنتموه أنه لاستئصالكم وما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبث صغيرهم فإن أنتم لن تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج ومعه

стр. 738

علي، والحسن، والحسين، وفاطمة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن أنا دعوت فآمنوا أنتم فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية» . وعن الشعبي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه: «لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» وعن جابر «والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا» . وروي أن أسقف نجران «لما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقبلا ومعه علي، وفاطمة، والحسنان ﵃ قال: يا معشر النصارى: إني لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا وتهلكوا» . هذا وإنما ضم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النفس الأبناء والنساء مع أن القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب وهو يختص به وبمن يباهله لأن ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، وأكمل نكاية بالعدو وأوفر إضرارا به لو تمت المباهلة، وفي هذه القصة أوضح دليل على نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم وإلا لما امتنعوا عن مباهلته، ودلالتها على فضل آل الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مما لا يمتري فيها مؤمن، والنصب جازم الإيمان، واستدل بها الشيعة على أولوية علي كرم الله تعالى وجهه بالخلافة بعد رسول الله ﷺ بنار على رواية مجيء علي كرم الله تعالى وجهه مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ووجه أن المراد حينئذ بأبنائنا الحسن. والحسين، وبنسائنا فاطمة، وبأنفسنا الأمير، وإذا صار نفس الرسول- وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل- تعين أن يكون المراد المساواة، ومن كان مساويا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟! فهو أفضل وأولى بالتصرف من غيره، ولا معنى للخليفة إلا ذلك، وأجيب عن ذلك أما أولا فبأنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير بل المراد نفسه الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم، ويجعل الأمير داخلا في الأبناء، وفي العرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، ويلتزم عموم المجاز إن قلنا: إن إطلاق الابن على ابن البنت حقيقة، وإن قلنا: إنه مجاز لم يحتج إلى القول بعمومه وكان إطلاقه على الأمير وابنيه رضي الله تعالى عنهم على حد سواء في المجازية. وقول الطبرسي، وغيره من علمائهم- إن إرادة نفسه الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم من أنفسنا لا تجوز لوجود نَدْعُ والشخص لا يدعو نفسه- هذيان من القول، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث- دعته- نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، وطوعت له نفسه، وآمرت نفسي، وشاورتها إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فيكون حاصل نَدْعُ أَنْفُسَنا نحضر أنفسنا وأي محذور في ذلك على أنا لو قررنا الأمير من قبل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم وأبناءهم ونساءهم بعد قوله: تَعالَوْا كما لا يخفى. وأما ثانيا فبأنّا لو سلمنا أن المراد بأنفسنا الأمير لكن لا نسلم أن المراد من النفس ذات الشخص إذ قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين والملة. ومن ذلك قوله تعالى «يخرجون أنفسهم من ديارهم» (١) وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: ١٢] فلعله لما كان للأمير اتصال بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في النسب والمصاهرة واتحاد في الدين عبر عنه بالنفس، وحينئذ لا تلزم المساواة التي هي عماد استدلالهم على أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم الاشتراك في النبوة والخاتمية والبعثة إلى كافة الخلق ونحو ذلك- وهو باطل بالإجماع- لأن التابع دون المتبوع ولو كان المراد المساواة في البعض لم يحصل الغرض لأن المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل

стр. 739

وأولى بالتصرف بالضرورة، وأما ثالثا فبأن ذلك لو دل على خلافة الأمير كما زعموا لزم كون الأمير إماما في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم- وهو باطل بالاتفاق- وإن قيد بوقت دون وقت فمع أن التقييد مما لا دليل عليه في اللفظ لا يكون مفيدا للمدعي إذ هو غير متنازع فيه لأن أهل السنة يثبتون إمامته في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائما في محل النزاع، ولضعف الاستدلال به في هذا المطلب بل عدم صحته كالاستدلال به على أفضلية الأمير علي كرم الله تعالى وجهه على الأنبياء والمرسلين ﵈ لزعم ثبوت مساواته للأفضل منهم فيه لم يقمه محققو الشيعة على أكثر من دعوى كون الأمير، والبتول، والحسين أعزة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما صنع عبد الله المشهدي في كتابه- إظهار الحق. وقد أخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ إلخ دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي» وهذا الذي ذكرناه من دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم هؤلاء الأربعة المتناسبة رضي الله تعالى عنهم هو المشهور المعول عليه لدى المحدثين. وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهم «أنه لما نزلت هذه الآية جاء بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعلي، وولده» وهذا خلاف ما رواه الجمهور. واستدل ابن أبي علان من المعتزلة بهذه القصة أيضا على أن الحسنين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين، وذهب الإمامية إلى أنها يشترط فيها كمال العقل والتمييز، وحصول ذلك لا يتوقف على البلوغ فقد يحصل كمال قبله ربما يزيد على كمال البالغين فلا يمتنع أن يكون الحسنان إذ ذاك غير بالغين إلا أنهما في سن لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أنه يجوز أن يخرق الله تعالى العادات لأولئك السادات ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به- وهم القوم الذين لا تحصى خصائصهم. وذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع فيها أن يحضر الأولاد والنساء، وزعموا رفعهم الله تعالى لا قدرا، وحطهم ولا حط عنهم وزرا أن ما وقع منه صلى الله تعالى عليه وسلم كان لمجرد إلزام الخصم وتبكيته وأنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وأنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان، وأثر من مس الشيطان: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ومن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان بينه وبين آخر شيء فدعاه إلى المباهلة، وقرأ الآية ورفع يديه فاستقبل الركن وكأنه يشير بذلك رضي الله تعالى عنه إلى كيفية الابتهال وأن الأيدي ترفع فيه، وفيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك وأنها ترفع حذو المناكب إِنَّ هذا أي المذكور في شأن عيسى ﵇ قاله ابن عباس لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ جملة اسمية خبر إِنَّ ويجوز أن يكون- هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والْقَصَصُ هو الخبر، وضمير الفصل يفيد القصر الإضافي كما يفيده تعريف الطرفين والْحَقُّ صفة القصص وهو المقصود بالإفادة أي- إن هذا هو الحق- لا ما يدعيه النصارى من كون المسيح ﵇ إلها. وابن الله سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون علوا كبيرا، وقيل: إن الضمير للقصر والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيد ذلك

стр. 740

وإن كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد، والأول هو المشهور- وعليه الجمهور ولعله الأوجه، واللام لام الابتداء والأصل فيها أن تدخل على المبتدأ إلا أنهم يزحلقونها إلى الخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيد وإذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ فافهم. الْقَصَصُ على ما في البحر مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا، وأصله تتبع الأثر يقال: خرج فلان يقص أثر فلان أي يتتبعه ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: ١١] أي تتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام لأنه يتتبع خبرا بعد خبر، أو يتتبع المعاني ليوردها، وهو هنا فعل بمعنى مفعول أي المقصوص الحق، وقرئ «لهو» بسكون الواو وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ رد النصارى في تثليثهم، وكذا فيه رد على سائر الثنوية ومِنْ زائدة للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان- كما قال الشهاب- أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها بذلك في الأكثر، وقد توقف محب الدين في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية، وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان، واعترض بأن هذا حوالة على مجهول فلا تفيد فالأولى أن يقال: إنها وضعية لكنه من باب الوضع النوعي فتدبر وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب غلبة تامة، أو القادر قدرة كذلك، أو الذي لا نظير له الْحَكِيمُ أي المتقن فيما صنع، أو المحيط بالمعلومات، والجملة تذييل لما قبلها، والمقصود منها أيضا قصر الإلهية عليه تعالى ردا على النصارى أي قصر إفراد فالفصل والتعريف هنا كالفصل والتعريف هناك فما قيل: إنهما ليسا للحصر إذ الغالب على الأغيار لا يكون إلا واحدا فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب والمقام لا يلائمه مما لا عصام له كما لا يخفى فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات، وهذا على تقدير أن يكون الفعل ماضيا، ويحتمل أن يكون مضارعا وحذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، وأصله تتولوا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ أي بهم، أو بكم، والجملة جواب الشرط في الظاهر لكن المعنى على ما يترتب على علمه بِالْمُفْسِدِينَ من معاقبته لهم، فالكلام للوعيد ووضع الظاهر موضع الضمير تنبيها على العلة المقضية للجزاء والعقاب وهي الإفساد، وقيل: المعنى على أن اللَّهَ عَلِيمٌ بهؤلاء المجادلين بغير حق وبأنهم لا يقدمون على مباهتلك لمعرفتهم نبوتك وثبوت رسالتك، والجملة على هذا أيضا عند التحقيق قائمة مقام الجواب إلا أنه ليس الجزاء والعقاب، والكلام منساق لتسليته صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يخفى ما فيه. «ومن باب الإشارة في الآيات» فَلَمَّا أَحَسَّ أي شاهد عيسى بواسطة النور الإلهي المشرق عليه مِنْهُمُ الْكُفْرَ أي ظلمته، أو نفسه فإن المعاني تظهر للكمل على صور مختلفة باختلافها فيرونها. وحكي عن الباز قدس سره أنه قال: إن الليل والنهار يأتياني فيخبراني بما يحدث فيهما، وعن بعض العارفين أنه يشاهد أعمال العباد كيف تصعد إلى السماء ويرى البلاء النازل منها قالَ مَنْ أَنْصارِي في حال دعوتي إلى الله سبحانه بأن يلتفت إلى الاشتغال بتكميل نفسه وتهذيب أخلاقها حتى يصلح لتربية الناقصين فينصرني ويعينني في تكميل الناقص وإرشاد الضال قالَ الْحَوارِيُّونَ المبيضون ثياب وجودهم بمياه العبادة ومطرقة المجاهدة وشمس المراقبة نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أعوان الفانين فيه الباقين به ومنهم عيسى ﵇ آمَنَّا بِاللَّهِ الإيمان الكامل وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي مقادون لأمرك حيث إنه أمر الله سبحانه رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وهو ما نورت به قلوب أصفيائك من علوم غيبك وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فيما أظهر من أوامرك ونواهيك رجاء أن يوصلنا ذلك إلى محبتك فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع من يشهدك ولا يشهد معك سواك، أو الحاضرين لك المراقبين لأمرك وَمَكَرُوا

стр. 741

أي الذين أحس منهم الكفر واحتالوا مع أهل الله بتدبير النفس فكان مكرهم مكر الحق عليهم لأنه المزين ذلك لهم كما قال سبحانه: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: ١٠٨] فهو الماكر في الحقيقة وهذا معنى وَمَكَرَ اللَّهُ عند بعض، والأولى القول باختلاف المكرين على ما يقتضيه مقام الفرق، وقد سئل بعضهم كيف يمكر الله؟ فصاح وقال: لا علة لصنعه وأنشأ يقول: فديتك قد جبلت على هواكا ... ونفسي لا تنازعني سواكا أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا ويقبح من- سواك الفعل- عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا

стр. 742

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن رسم الحدوثية وَرافِعُكَ إِلَيَّ بنعت الربوبية وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بشغل سرك عن مطالعة الأغيار، أو متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية ومطهرك من إرادتك بالكلية، وقيل: إن عيسى ﵊ لما أحس منهم الكفر وعلم أنهم بعثوا من يقتله قال للحواريين: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم السماوي أي متصل بروح القدس ومتطهر من علاقة عالم الرجس فأمدكم بالفيض كي تستجاب دعوتكم الخلق بعدي، فشبه للقوم صورة جسدانية هي مظهر عيسى روح الله تعالى بصورة حقيقة عيسى فظنوها هو فصلبوها ولم يعلموا أن الله تعالى رفعه إلى السماء الرابعة التي هي فلك الشمس، وحكمة رفعه إلى ذلك أن روحانيته عبارة عن إسرافيل ﵊ ويشاركه المسيح في سر النفخ. ومن قال: إنه رفع إلى السماء الدنيا بين الحكمة بأن إفاضة روحه كانت بواسطة جبريل ﵇ وهو عبارة عن روحانية فلك القمر، وبأن القمر في السماء الدنيا وهو آية ليلية تناسب علم الباطن الذي أوتيه المسيح ﵇، ولم يعتبر الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم القول: بأنه يدور حول العرش لأن ذلك مقام النهاية في الكمال، ولهذا لم يعرج إليه سوى صاحب المقام المحمود صلى الله تعالى عليه وسلم الجامع بين الظاهر والباطن إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ في أن كلا منهما خارق للعادة خارج عن دائرتها وإن افترقا في أن عيسى ﵊ بلا ذكر

стр. 743

بل من نطفة أنثى فقط كان في بعضها قوة العقد وفي البعض الآخرة قوة الانعقاد كسائر النطف المركبة من منيين في أحدهما القوة العاقدة وفي الأخرى المنعقدة، وأن آدم ﵊ بلا ذكر ولا أنثى خلقه من تراب أي صور قالبه من ذلك ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إشارة إلى نفخ الروح فيه وكونه من عالم الأمر نظرا إلى روحه المقدسة التي لم ترتكض في رحم فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ أي الحق، أو في عيسى ﵇ بالحجج الباطلة فَقُلْ تَعالَوْا إلخ أي فادعه إلى المباهلة بالهيئة المذكورة. قال بعض العارفين: اعلم أن لمباهلة الأنبياء ﵈ تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله تعالى إياهم به وهو المؤثر بإذن الله تعالى في العالم العنصري فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال أبداننا من روحنا بالعوارض الواردة عليه، كالغضب، والخوف، والفكر في أحوال المعشوق، وغير ذلك. وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر قوانا من عوارض أرواحنا فإذا اتصل نفس قدسي به، أو ببعض أرواح الأجرام السماوية والنفوس الملكوتية كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصالي تأثير ما يتصل به فينفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الانسانية منه بما أراد حسب ذلك الاتصال ولذا انفعلت نفوس النصارى من نفسه ﵊ بالخوف وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة بقبول الجزية انتهى. وادعى بعضهم أن لكل نفس تأثيرا لكنه يختلف حسب اختلاف مراتب النفوس وتفاوت مراتب التوجهات إلى عام التجرد- وفيه كلام طويل- ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه، هذا وتطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس ظاهر لمن أحاط خبرا بما قدمناه في الآيات الأول، والله تعالى الموفق. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ نزلت في وفد نصارى نجران- قاله السدي، والحسن، وابن زيد، ومحمد بن جعفر بن الزبير- وروي عن قتادة، والربيع، وابن جريج أنها نزلت في يهود المدينة. وذهب أبو علي الجبائي أنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب، واستظهره بعض المحققين لعمومه تَعالَوْا أي هلموا إِلى كَلِمَةٍ أي كلام- كما قال الزجاج- وإطلاقها على ذلك في كلامهم من باب المجاز المرسل وعلاقته تجوز إطلاقها على المركب الناقص إلا أنه لم يوجد بالاستقراء، وقيل: إنه من باب الاستعارة وليس بالبعيد- وقرىء كَلِمَةٍ بكسر الكاف وإسكان اللام على التخفيف والنقل سَواءٍ أي عدل- قاله ابن عباس، والربيع، وقتادة- وقيل: إن سَواءٍ مصدر بمعنى مستوية أي لا يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن، أو لا اختلاف فيها بكل الشرائع، وهو في قراءة الجمهور مجرور على أنه نعت- لكلمة- وقرئ بنصبه على المصدر. بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ متعلق بسواء أَلَّا نَعْبُدَ أي نحن وأنتم إِلَّا اللَّهَ بأن نوحده بالعبادة ونخلص فيها، وفي موضع أن وما بعدها وجهان- كما قال أبو البقاء- الأول الجر على البدلية من كَلِمَةٍ، والثاني الرفع على الخبرية لمحذوف أي هي أن لا نعبد إلا الله، ولولا عمل أن لجاز أن تكون تفسيرية، وقيل: إن الكلام تم على سَواءٍ ثم استؤنف فقيل: بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أن لا نعبد، فالظرف خبر مقدم، وأن وما بعدها مبتدأ مؤخر وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من الأشياء على معنى لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لأن يعبد، وبهذا المعنى يكون الكلام تأسيسا والظاهر أنه تأكيد لما قبله إلا أن التأسيس أكثر فائدة، وقيل: المراد لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من الشرك وهو بعيد جدا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله تعالى- قاله ابن جريج- ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم «أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم

стр. 744

فقال ﵊ هو ذاك» قيل: وإلى هذا أشار سبحانه بقوله عز من قائل: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] وعن عكرمة أن هذا الاتخاذ هو سجود بعضهم لبعض، وقيل: هو مثل اعتقاد اليهود في عزيز أنه ابن الله، واعتقاد النصارى في المسيح نحو ذلك، وضمير- نا- على كل تقدير للناس لا للممكن- وإن أمكن- حتى يشمل الأصنام لأن أهل الكتاب لم يعبدوها. وفي التعبير- بالبعض- نكتة وهي الإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكونون أربابا؟ «فإن قلت» إن المخاطبين لم يتخذوا البعض أربابا من دون الله بل اتخذوهم آلهة معه سبحانه «أجيب» بأنه أريد من دون الله وحده، أو يقال: بأنه أتى بذلك للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلا- قاله بعضهم- وللنصارى- سود الله تعالى حظهم- الحظ الأوفر من هذه المنهيات، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان فرقهم وتفصيل كفرهم على أتم وجه فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ المراد فان تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبوا عنادا فقولوا لهم: أنصفوا واعترفوا بأنا على الدين الحق وهو تعجيز لهم أو هو تعريض بهم لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا: إنا لسنا كذلك، وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وقيل: المراد فإن تولوا فقولوا: إنا لا نتحاشى عن الإسلام ولا نبالي بأحد في هذا الأمر- فاشهدوا بأنا مسلمون- فإنا لا نخفي إسلامنا كما أنكم تخافون وتخفون كفركم ولا تعرفون به لعدم وثوقكم بنصر الله تعالى، ولا يخفى أن هذا على ما فيه إنما يحسن لو كان الكلام في منافقي أهل الكتاب لأن المنافقين هم الذين يخافون فيخفون، وأما هؤلاء فهم معترفون بما هم عليه كيف كان فلا يحسن هذا الكلام فيهم، تَوَلَّوْا هنا ماض ولا يجوز أن يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن فَقُولُوا خطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين، وتتولوا خطاب للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب يا أَهْلَ الْكِتابِ خطاب لليهود والنصارى لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي تنازعون وتجادلون فيه ويدعي كل منكم أنه ﵇ كان على دينه، أخرج ابن إسحق. وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «اجتمعت نصارى نجران. وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» والظرف الأول متعلق بما بعده وكذا الثاني، وما- استفهامية، والغرض الإنكار والتعجب- عند السمين- وحذفت ألفها لما دخل الجار للفرق بينها وبين الموصولة، والكلام على حذف مضاف أي دين إبراهيم أو شريعته لأن الذوات لا مجادلة فيها وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ على موسى ﵇ وَالْإِنْجِيلُ على عيسى ﵇ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ حيث كان بينه وبين موسى ﵉ خمسمائة وخمس وستون سنة، وقيل: سبعمائة، وقيل: ألف سنة وبين موسى، وعيسى ﵉ ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة، وقيل ألفا سنة، وهناك أقوال أخر أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بالعاطف المذكور على رأي- أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان قولكم- أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه، وهذا تجهيل لهم في تلك الدعوى وتحميق، وهو ظاهر إن كانوا قد ادعوا- كما قال الشهاب- إنه ﵇ منهم حقيقة، وإن كان مدعاهم أن دين إبراهيم يوافق دين موسى، أو دين عيسى فهو يهودي، أو نصراني بهذا المعنى فتجهيلهم، ونفي العقل عنهم بنزول التوراة الإنجيل بعده- مشكل إلا أن يدعي بأن المراد أنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى ﵇ التوراة، ولا عيسى ﵇ الإنجيل بل كانا يؤمران بتبليغ صحف إبراهيم- كذا قيل- وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل إذ لقائل أن يقول: أي مانع من اتحاد الشريعة مع إنزال هذين الكتابين لغرض آخر غير بيان شريعة جديدة على أن الصحف لم تكن

стр. 745

مشتملة على الأحكام بل كانت أمثالا ومواعظ كما جاء في الحديث، ثم ما قاله الشهاب- إن كان وجه التجهيل عليه ظاهرا، إلا أن صدور تلك الدعوى من أهل الكتاب في غاية البعد لأن القوم لم يكونوا بهذه المثابة من الجهالة، وفيهم أحبار اليهود، ووفد نجران، وقد ذكر أن الأخيرين كانت لهم شدة في البحث، فقد أخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث الزبيدي أنه قال: «سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: ليت بيني وبين أهل نجران حجابا فلا أراهم ولا يروني» من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اللهم إلا أن يقال: إن الله تعالى أعمى بصائرهم في هذه الدعوى ليكونوا ضحكة لأطفال المؤمنين، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ليغيظ كل منهم صاحبه، أو ليوهموا بعض المؤمنين ظنا منهم أنهم لكونهم أميين غير مطلعين على تواريخ الأنبياء السالفين يزلزلهم مثل ذلك ففضحهم الله تعالى، أو أن القوم في حدّ ذاتهم جهلة لا يعلمون وإن كانوا أهل كتاب- وما ذكره ابن الحرث- لا يدل على علمهم كما لا يخفى، وقيل: إن مراد اليهود بقولهم: إن إبراهيم ﵇ كان يهوديا أنه كان مؤمنا بموسى ﵇ قبل بعثته على حدّ ما يقوله المسلمون في سائر المرسلين عليهم الصلاة والسلام من أنهم كانوا مؤمنين بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم قبل بعثته كما يدل عليه تبشيرهم به، وأن مراد النصارى بقولهم: إن إبراهيم كان نصرانيا نحو ذلك فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أي ومن شأن المتأخر أن يشتمل على أخبار المتقدم لا سيما مثل هذا الأمر المهم، والمفخر العظيم، والمنة الكبرى أَفَلا تَعْقِلُونَ ما فيهما لتعلموا خلوهما عن الأخبار بيهوديته ونصرانيته اللتين زعمتموهما، ثم نبه سبحانه على حماقتهم بقوله جل وعلا: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي أنتم هؤُلاءِ الحمقى حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ كأمر موسى، وعيسى ﵉ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وهو أمر إبراهيم ﵇ حيث لا ذكر لدينه في كتابكم، أو لا تعرض لكونه آمن بموسى. وعيسى قبل بعثتيهما أصلا، وليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما المراد هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه على ما يلوح لكم من خلال عبارات كتابكم وإشاراته في زعمكم فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ولا ذكر، ولا رمز له في كتابكم البتة؟! وها حرف تنبيه، واطرد دخولها على المبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة نحو- ها أنا ذا- وكررت هنا للتأكيد، وذهب الأخفش أن الأصل أأنتم على الاستفهام فقلبت الهمزة هاء، ومعنى الاستفهام عنده التعجب من جهالتهم، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحسن ذلك لأنه لم يسمع إبدال همزة الاستفهام هاء في كلامهم إلا في بيت نادر، ثم الفصل بين الهاء المبدلة. وهمزة أَنْتُمْ لا يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين، وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاء، والإشارة للتحقير والتنقيص، ومنها فهم الوصف الذي يظهر به فائدة الحمل، وجملة حاجَجْتُمْ مستأنفة مبينة للأولى، وقيل: إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيرا نحو- ها أنا ذا قائما- وهذه الحال لازمة وقيل: إن الجملة غبر عن أَنْتُمْ وهؤُلاءِ منادى حذف منه حرف النداء، وقيل: هؤُلاءِ بمعنى الذين خبر المبتدأ، وجملة حاجَجْتُمْ صلة وإليه ذهب الكوفيون، وقراؤهم يقرؤون ها أَنْتُمْ بالمد والهمز، وقرأ أهل المدينة، وأبو عمرو بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكن، وقرأ ابن كثير. ويعقوب بالهمز والقصر بغير مد، وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز وَاللَّهُ يَعْلَمُ حال إبراهيم وما كان عليه. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك، ولك أن تعتبر المفعول عاما ويدخل المذكور فيه دخولا أوليا، والجملة تأكيد لنفي العلم عنهم في شأن إبراهيم ﵇ ثم صرح بما نطق به البرهان المقرر فقال سبحانه: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا كما قالت اليهود وَلا نَصْرانِيًّا كما قالت النصارى وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً أي مائلا عن العقائد الزائغة مُسْلِماً

стр. 746

أي منقادا لطاعة الحق، أو موحدا لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد أيضا قيل: وينصره قوله تعالى: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي عبدة الأصنام كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دينه، أو سائر المشركين ليعم أيضا عبدة النار كالمجوس، وعبدة الكواكب كالصابئة، وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى لقول اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] وقول النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأصل الكلام وما كان منكم إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر للتعريض بأنهم مشركون، والجملة حينئذ تأكيد لما قبلها، وتفسير الإسلام بما ذكر- هو ما اختاره جمع المحققين وادعوا أنه لا يصح تفسيره هنا بالدين المحمدي لأنه يرد عليه أنه كان بعده بكثير فكيف يكون مسلما؟ فيكون كادعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ فيرد عليه ما ورد عليهم، ويشترك الإلزام بينهما، وفسره بعضهم بذلك، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأن القرآن أخبر بأن إبراهيم كان مُسْلِماً وليس في التوراة والإنجيل أنه ﵊ كان يهوديا أو نصرانيا فظهر الفرق، قال العلامة النيسابوري: فإن قيل: قولكم: إن إبراهيم ﵇ على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصا بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم صاحب شريعة بل مقرر لشرع من قبله. قيل: يختار الأول، والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزيز ﵇ إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى ﵇ ثم نسخ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم صاحب شريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع انتهى، ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني من مزيد البعد، بل عدم الصحة لأن نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى، ثم نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا عليهم الصلاة والسلام الموافقة لشريعة إبراهيم لا يجعل نبينا صاحب شريعة جديدة بل يقال له أيضا: إنه مقرر لشرع من قبله وهو إبراهيم ﵇، وأيضا موافقة جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم مما لا يمكن بوجه أصلا إذ من جملة فروع شريعتنا فرضية قراءة القرآن في الصلاة ولم ينزل على غير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بالبديهة، ونحو ذلك كثير. وموافقة المعظم في حيز المنع ودون إثباتها الشم الراسيات، وقوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [النحل: ١٢٣] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع إذ الملمة فيه عبارة عن التوحيد أو عنه وعن الأخلاق كالهدى في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] واعترض الشهاب على الجواب- على الاختيار الأول- بالبعد كاعتراضه على الجواب على الاختيار الثاني بمجرده أيضا، وذكر أن ذلك سبب عدول بعض المحققين عما يقتضيه كلام هذا العلامة من أن المراد يكون إبراهيم مُسْلِماً أنه على ملة الإسلام إلى أن المراد بذلك أنه منقاد بحمل الإسلام على المعنى اللغوي، وادعى أنه سالم من القدح، ونظر فيه- بأن أخذ الإسلام لغويا لا يناسب بحث الأديان، والكلام فيه- فلا يخلو هذا الوجه عن بعد، ولعله لا يقصر عما ادعاه من بعد الجواب الأول كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم. هذا وفي الآية وجه آخر- ولعله يخرج من بين فرث ودم- وهو أن أهل الكتاب لما تنازعوا فقالت اليهود: إبراهيم منا، وقالت النصارى: إنه منا أرادت كل طائفة أنه ﵇ كان إذ ذاك على ما هو عليه الآن من الحال وهو حال مخالف لما عليه نبيهم في نفس الأمر موافق له زعما على معنى موافقة الأصول للأصول، أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد الله تعالى

стр. 747

عليهم بقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحري بالذكر لو كان، ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحماقة على وجه أتم، ثم صرح سبحانه بما أشار أولا فقال: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا أي من الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى ﵇ في نفس الأمر وَلا نَصْرانِيًّا أي من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى ﵇ كذلك وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً أي على دين الإسلام الذي ليس عند الله دين مرضي سواه وهو دين جميع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى ليسوا من الدين في شيء لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل الأنبياء، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرض به من قوله سبحانه: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فعلى هذا يكون المسلم- كما قال الجصاص، وأشرنا إليه فيما مرّ مرارا- المؤمن ولو من غير هذه الأمة خلافا للسيوطي في زعمه أن الإسلام مخصوص بهذه الأمة- هذا ما عندي في هذا المقام- فتدبر فلمسلك الذهن اتساع. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أَوْلَى أفعل تفضيل من وليه يليه وليا وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واوا فلا تكون لامه واوا إذا ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو، وأصل معناه أقرب، ومنه ما في الحديث «لأولى رجل ذكر» ويكون بمعنى أحق كما تقول: العالم أولى بالتقديم، وهو المراد هنا- أي أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي كانوا على شريعته في زمانه، أو اتبعوه مطلقا فالعطف في قوله سبحانه: وَهذَا النَّبِيُّ من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو خبر إِنَّ وقرئ بالنصب عطفا على الضمير المفعول، والتقدير- للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبي- وقرئ بالجر عطفا على إبراهيم أي- إن أولى الناس بإبراهيم، وهذا النبي للذين اتبعوه- واعترض بأنه كان ينبغي أن يثنى ضمير اتَّبَعُوهُ ويقال اتبعوهما، وأجيب بأنه من باب وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] إلا أن فيه على ما قيل الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا إن كان عطفا على- الذين اتبعوه- يكون فيه ذلك أيضا، وإن كان عطفا على هذا النبي- فلا فائدة فيه إلا أن يدعي أنها للتنويه بذكرهم، وأما التزام أنه من عطف الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى، ثم إن كون المتبعين لابراهيم ﵇ في زمانه أولى الناس به ظاهر، وكون نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الابراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر المرسلين لها، وكون المؤمنين من هذه الأمة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيما جاء به ومنه الموافق وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو شأن الولي، ولم يقل- وليهم- تنبيها على الوصف الذي يكون الله تعالى به وليا لعباده- وهو الإيمان- بناء على أن التعليق بالمشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبي بدلالة النص، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهود: الله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخرج عيد بن حميد من طريق شهر بن حوشب قال: حدثني ابن غنم أنه لما خرج أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص، وعمارة بن أبي معيط فأرادوا عنتهم والبغي عليهم فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة يريدون أن يحيلوا عليك ملكك ويفسدوا عليك أرضك ويشتموا ربك فأرسل إليهم النجاشي فلما أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان- لعمرو بن العاص، وعمارة بن أبي معيط- يزعمان إنما جئتم لتحيلوا عليّ ملكي وتفسدوا عليّ أرضي فقال عثمان بن مظعون، وحمزة: إن شئتم خلوا بين أحدنا وبين النجاشي فليكلمه أينا أحدثكم سنا فإن كان صوابا فالله يأتي به، وإن كان أمرا غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر، فجمع النجاشي قسيسيه ورهبانيته وترجمته ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من

стр. 748

عنده جئتم ما يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله تعالى عليه وما قد سمع منه ويأمر بالمعروف، ويأمر بحسن المجاورة، ويأمر باليتيم، ويأمر بأن يعبد الله تعالى وحده ولا يعبد معه إلها آخر فقرأ عليه- سورة الروم. والعنكبوت. وأصحاب الكهف. ومريم فلما أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم قال: والله إنهم يشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى: قال يقول: إن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذي العين فخلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم بما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه فأبشروا ولا تخافوا فلا دهونة- يعني بلسان الحبشة- اللوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص: ما حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم فأنزلت ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله ﷺ وهو المدينة إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ الآية وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ المشهور أنها نزلت حين دعا اليهود حذيفة، وعمارا، ومعاذا إلى اليهودية، فالمراد بأهل الكتاب اليهود، وقيل: المراد بهم ما يشمل الفريقين، والآية بيان لكونهم دعاة إلى الضلالة إثر بيان أنهم ضالون، وأخرج ابن المنذر عن سفيان أنه قال: كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى. ولعله جار مجرى الغالب، ومِنْ للتبعيض، والطائفة رؤساؤهم وأحبارهم، وقيل: لبيان الجنس- والطائفة- جميع أهل الكتاب وفيه بعد، ولَوْ بمعنى أن المصدرية، والمنسبك مفعول- ودّ- وجوز إقرارها على وضعها، ومفعول ودّ محذوف، وكذا جواب لَوْ والتقدير وَدَّتْ إضلالكم لَوْ يُضِلُّونَكُمْ لسروا بذلك، ومعنى يُضِلُّونَكُمْ يردونكم إلى كفركم- قاله ابن عباس- أو يهلكونكم- قاله ابن جرير الطبري- أو يوقعونكم في الضلال ويلقون إليكم ما يشككونكم به في دينكم- قاله أبو علي- وهو قريب من الأول وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ الواو للحال، والمعنى على تقدير إرادة الإهلاك من الإضلال أنهم ما يهلكون إلا أنفسهم لاستحقاقهم بإيثارهم إهلاك المؤمنين سخط الله تعالى وغضبه، وإن كان المراد من الإهلاك الإيقاع في الضلال فيحتاج إلى تأويل لأن القوم ضالون فيؤدي إلى جعل الضال ضالا فيقال: إن المراد من الإضلال ما يعود من وباله إما على سبيل المجاز المرسل، أو الاستعارة أي ما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنهم يضاعف به عذابهم، أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم، وفيه على ما قيل: الإخبار بالغيب فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهود مسلم- ولله تعالى الحمد- وقيل: إن معنى إضلالهم أنفسهم إصرارهم على الضلال بما سولت لهم أنفسهم مع تمكنهم من اتباع الهدى بإيضاح الحجج، ولا يخلو عن شيء وَما يَشْعُرُونَ أي وما يفطنون بكون الإضلال مختصا بهم لما اعترى قلوبهم من الغشاوة- قاله أبو علي- وقيل: وَما يَشْعُرُونَ بأن الله تعالى يعلم المؤمنين بضلالهم وإضلالهم، وفي نفي الشعور عنهم مبالغة في ذمهم يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي لم تكفرون بما يتلى عليكم من آيات القرآن وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد لِمَ تَكْفُرُونَ بما في كتبكم من الآيات الدالة على نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ الحجج الدالة على ذلك، أو لِمَ تَكْفُرُونَ بما في كتبكم من إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وأنتم تشاهدون ذلك، أو لِمَ تَكْفُرُونَ بالحجج الدالة على نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أن ظهور المعجزة يدل على صدق مدعي الرسالة أو- أنتم تشدون- إذ خلوتم بصحة دين الإسلام، أو لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ جميعا وأنتم تعلمون حقيتها بلا شبهة بمنزلة علم المشاهدة. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي تسترونه به، أو تخلطونه به، والباء صلة، وفي المراد أقوال:

стр. 749

أحدها أن المراد تحريفهم التوراة والإنجيل- قاله الحسن. وابن زيد- وثانيها أن المراد إظهارهم الإسلام وإبطانهم النفاق- قاله ابن عباس. وقتادة- وثالثها أن المراد الإيمان بموسى، وعيسى، والكفر بمحمد عليهم الصلاة والسلام، ورابعها أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقية رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم وما يظهرونه من تكذيبه، عن أبي علي، وأبي مسلم، وقرئ تَلْبِسُونَ بالتشديد وهو بمعنى المخفف، وقرأ يحيى بن وثاب تَلْبِسُونَ وهو من لبست الثوب، والباء بمعنى مع، والمراد من اللبس الاتصاف بالشيء، والتلبس به وقد جاء ذلك فيما رواه البخاري في الصحيح عن عائشة «أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه حق، وقيل: تعلمون الأمور التي يصح بها التكليف وليس بشيء. وَقالَتْ طائِفَةٌ أي جماعة وسميت بها لأنه يسوى بها حلقة يطاف حولها مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود لبعضهم آمِنُوا أي أظهروا الإيمان بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وهم أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: النبي ﵊ وأصحابه وَجْهَ النَّهارِ أي أوله كما في قول الربيع بن زياد: من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا «بوجه نهار» وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه، وقيل: لأنه كالوجه في أنه أعلاه وأشرف ما فيه وذكر الثعالبي أنه في ذلك استعارة معروفة وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بسبب هذا الفعل عن اعتقادهم حقية ما أنزل عليهم- قال الحسن، والسدي- تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر، وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد- أول النهار- باللسان دون الاعتقاد- واكتفروا آخر النهار- وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذاك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم فقالوا: إنهم أهل الكتاب وهم أعلم به فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، وقال مجاهد، ومقاتل، والكلبي: كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون، والتعبير بما أنزل بناء على ما يقوله المؤمنون وإلا فهم يكذبون ولا يصدقون أن الله تعالى أنزل شيئا على المؤمنين، وظاهر الآية، يدل على وقوع أمر بعضهم لبعض أن يقولوا ذلك. وأما امتثال الأمر من المأمور فمسكوت عن بيان وقوعه وعدمه، وعن بعضهم أن في الأخبار ما يدل على وقوعه. وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ في نظم الآية ومعناها أوجه لخصها الشهاب من كلام بعض المحققين، أحدها أن التقدير وَلا تُؤْمِنُوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتابا سماويا كالتوراة ونبيا مرسلا كموسى- وبأن يحاجوكم- ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة إلا لاتباعكم، وحاصله أنهم نهوهم عن إظهار هذين الأمرين المسلمين لئلا يزدادوا تصلبا ولمشركي العرب لئلا يبعثهم على الإسلام وأتى- بأو- على وزان وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان: ٢٤] وهو أبلغ. والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وأتى بقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ معترضا بين الفعل ومتعلقه، وفائدة الاعتراض الإشارة إلى أن كيدهم غير ضار لمن لطف الله تعالى به بالدخول في الإسلام أو زيادة التصلب فيه. ويفيد أيضا أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف:

стр. 750

٨] فالمراد بالإيمان إظهاره كما ذكره الزمخشري، أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدي، والمراد من التابعين المتصلب منهم، وإلا وقع ما فروا منه، وثانيها أن المراد وَلا تُؤْمِنُوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أولا وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، وعند هذا تم الكلام، ثم قيل: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي فمن يهدي الله فلا مضل له ويكون قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى إلخ على هذا معللا لمحذوف أي- لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم- ولما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دبرتم ما دبرتم. وحاصله أن داعيكم إليه ليس إلا الحسد، وإنما أتى- بأو- تنبيها على استقلال كل من الأمرين في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا ولو أتى بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأول لأنه إذا كان ما أوتوا حقا غلبوا يوم القيامة مخالفهم لا محالة فلم يكن فيه فائدة زائدة، وأما- أو- فتشعر بأن كلا مستقل في الباعثية على الحسد والاحتشاد في التدبير، والحمل على معنى حتى ليس له موقع يروع السامع وإن كان وجها ظاهرا. ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن كثير- أن يؤتى- بزيادة همزة الاستفهام للدلالة على انقطاعه عن الفعل واستقلاله بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أول النهار بقرينة إن الكلام فيه وتخصيص من تبع بمسلميهم بقرينة المضي فإن غيرهم متبع دينهم الآن أيضا، وعن الزمخشري أن أَنْ يُؤْتى إلخ من جملة المقول كأنه قيل: قل لهم هذين القولين ومعناه أكد عليهم أن الهدى ما فعل الله تعالى من إيتاء الكتاب غيركم، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد مثله- كأنه قيل- قل: إن الهدى هدى الله، وقل- لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم- قلتم ما قلتم وكدتم ما كدتم، وثالثها أن يقرر ولا تؤمنوا على ما قرر عليه الثاني، ويجعل أن يؤتى خبر إِنَّ وهُدَى اللَّهِ بدل من اسمها- وأو- بمعنى حتى على أنها غاية سببية، وحينئذ لا ينبغي أن يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة الحقة كما أشير إليه في البقرة، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام، ورابعها أن يكون وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ إلخ باقيا على إطلاقه أي واكفروا آخره واستمروا على ما كنتم فيه من اليهودية ولا تقروا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة مقول الطائفة ويكون قُلْ إِنَّ الْهُدى إلخ أمرا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقول ذلك في جوابهم على معنى قل: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا وقرينة الإضمار أن وَلا تُؤْمِنُوا إلخ تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فإذا أمر صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجيبهم علم أن ما أنكروه غير منكر وأنه كائن، وحمل- أو- على معناها الأصلي حينئذ أيضا حسن لأنه تأييد للإيتاء وتعريض بأن من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون، وقرئ- أن يؤتى- بكسر همزة إن على أنها نافية- أي قولوا لهم ما يؤتى- وهو خطاب لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء ولا محاجة- فأو- بمعنى حتى، وقدر قولوا توضيحا وبيانا لأنه ليس استئنافا تعليلا، وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى إلخ اعتراض ذكر قبل أن يتم كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه وأرجح الأوجه الثاني لتأيده بقراءة ابن كثير وأنه أفيد من الأول وأقل تكلفا من باقي الأوجه، وأقرب إلى المساق انتهى. «وأقول» ما ذكره في الوجه الرابع من تقرير فلا تنكروا أَنْ يُؤْتى إلخ هو قول قتادة، والربيع، والجبائي لكنهم لم يجعلوا- أو- بمعنى حتى وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما وكذا القول بإبدال أن يؤتى من الهدى قول السدي. وابن جريج إلا أنهم قدروا- لا- بين أن ويؤتى، واعترض عليهما أبو العباس المبرد بأن- لا- ليست مما تحذف هاهنا، والتزم تقدير مضاف شاع تقديره في أمثال ذلك وهو كراهة، والمعنى إن الهدى كراهة- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم- أي ممن خالف دين الإسلام لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله تعالى بعيد من غير المؤمنين، ولا يخفى

стр. 751

أنه معنى متوعر، وليس بشيء، ومثله ما قاله قوم من أن أَنْ يُؤْتى إلخ تفسير للهدى، وأن المؤتى هو الشرع وأن أَوْ يُحاجُّوكُمْ عطف على أوتيتم، وأن ما يحاج به العقل وأن تقدير الكلام أن هدى الله تعالى ما شرع أو ما عهد به في العقل، ومن الناس من جعل الكلام من أول الآية إلى آخرها من الله تعالى خطابا للمؤمنين قال: والتقدير ولا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الإسلام ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبي بعد نبيكم ﵊ ولا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة ولا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير الأديان، وجعل قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضا للتأكيد وتعجيل المسرة- ولا يخفى ما فيه- واختيار البعض له والاستدلال عليه بما قاله الضحاك- إن اليهود قالوا: إنا نحج عند ربنا من خالفنا في ديننا فبين الله تعالى لهم أنهم هم المدحضون المغلوبون وأن المؤمنين هم الغالبون- ليس بشيء لأن هذا البيان لا يتعين فيه هذا الجمل كما لا يخفى على ذي قلب سليم، والضمير المرفوع من يحاجوكم على كل تقدير عائد إلى أحد لأنه في معنى الجمع إذا المراد به غير أتباعهم. واستشكل ابن المنير قطع أَنْ يُؤْتى عن لا تُؤْمِنُوا على ما في بعض الأوجه السابقة بأنه يلزم وقوع أحد في الواجب لأن الاستفهام هنا إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الإيمان بأن النبوة لا تخص بني إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين فهو إثبات محقق، ثم قال: ويمكن أن يقال: روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقته فحسن دخول أحد في سياقه لذلك- وفيه تأمل- فتأمل وتدبر، فقد قال الواحدي: إن هذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيرا قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ رد وإبطال لما زعموه بأوضح حجة، والمراد من الفضل الإسلام- قاله ابن جريج- وقال غيره: النبوة وقيل: الحجج التي أوتيها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنون، وقيل: نعم الدين والدنيا ويدخل فيه ما يناسب المقام دخولا أوليا يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي من عباده وَاللَّهُ واسِعٌ رحمة، وقيل: واسع القدرة يفعل ما يشاء عَلِيمٌ بمصالح العبادة، وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قال الحسن: هي النبوة، وقال ابن جريج: الإسلام والقرآن، وقال ابن عباس هو وكثرة الذكر لله تعالى، والباء داخلة على المقصور وتدخل على المقصور عليه وقد نظم ذلك بعضهم فقال: والباء بعد الاختصاص يكثر ... دخولها على الذي قد قصروا وعكسه مستعمل وجيد ... ذكره الحبر الإمام السيد وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال ابن جبير: يعني الوافر. وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ شروع في بيان نوع آخر من معايبهم، وتَأْمَنْهُ من أمنته بمعنى ائتمنته والباء، قيل: بمعنى على، وقيل: بمعنى في أي في حفظ قنطار والقنطار تقدم- قنطار من الكلام فيه- يروى أن عبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه. وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ كفنحاص بن عازوراء فإنه يروى أنه استودعه قرشي آخر دينارا فجحده، وقيل: المأمون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة. وروي هذا عن عكرمة، والدينار- لفظ أعجمي وياؤه بدل عن نون وأصله دنار فأبدل أول المثلين ياء لوقوعه بعد كسرة، ويدل على الأصل جمعه على دنانير فإن الجمع يردّ الشيء إلى أصله، وهو في المشهور أربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة قالوا: ولم يختلف جاهلية ولا إسلاما، ومن الغريب ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار أنه قال: إنما سمي الدينار دينارا لأنه- دين ونار- ومعناه أن من

стр. 752

أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار، ولعله إبداء إشارة من هذا اللفظ لا أنه في نفس الأمر كذلك كما لا يخفى على- مالك درهم من عقل فضلا عن مالك دينار- وقرئ يُؤَدِّهِ بكسر الهاء مع وصلها بياء في اللفظ بالكسر من غير ياء، وبالإسكان إجراء للوصل مجرى الوقف وبضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ وبضمها من غير واو إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً استثناء من أعم الأحوال، أو الأوقات أي لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك، أو في وقت دوام قيامك، والقيام مجاز عن المبالغة في المطالبة، وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالالحاح، والسدي بالملازمة والاجتماع معه، والحسن بالملازمة والتقاضي، والجمهور على ضم دال- دمت- فهو عندهم كقلت، وقرئ بكسر الدال فهو حينئذ على وزان خفت وهو لغة، والمضارع على اللغة الأولى يدوم كيقوم، وعلى الثانية يدام كيخاف ذلِكَ أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله : لا يُؤَدِّهِ. بِأَنَّهُمْ قالُوا ضمير الجمع عائد على مِنْ في مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ وجمع حملا على المعنى والباء للسببية أي بسبب قولهم لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي ليس علينا فيما أصبناه من أموال العرب عتاب وذم. أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي إنهم كاذبون، وقال الكلبي: قالت اليهود: الأموال كلها كانت لنا فما في أيدي العرب منها فهو لنا وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم، وأخرج ابن المنذر، وغيره عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت «ومن أهل الكتاب» إلى قوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر» والجار والمجرور متعلق بيقولون، والمراد يفترون، ويجوز أن يكون حالا من الكذب مقدما عليه، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه به لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وأجازه غيره لأنه كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره بَلى جواب لقولهم ليس علينا في الأميين سبيل، وإيجاب لما نفوه، والمعنى بَلى عليهم في الأميين سبيل. مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ استئناف مقرر للجملة التي دلت عليها بَلى حيث أفادت بمفهومها المخالف ذم من لم يف بالحقوق مطلقا فيدخلون فيه دخولا أوليا، ومَنْ إما موصولة أو شرطية، وأَوْفى فيه ثلاث لغات: إثبات الهمزة وحذفها مع تخفيف الفاء وتشديدها، والضمير في- عهده- عائد على مَنْ وقيل: يعود على اللَّهِ فهو على الأول مصدر مضاف لفاعله، وعلى الثاني مصدر مضاف لمفعوله، أو لفاعله ولا بد من ضمير يعود على مَنْ من الجملة الثانية، فإما أن يقام الظاهر مقام المضمر في الربط إن كان الْمُتَّقِينَ من أَوْفى وإما أن يجعل عمومه وشموله رابطا إن كان المتقين عاما وإنما وضع الظاهر موضع الضمير على الأول تسجيلا على الموفين بالعهد بالتقوى وإشارة إلى علة الحكم ومراعاة لرؤوس الآي، ورجح الأول بقوة الربط فيه، وقال ابن هشام: الظاهر أنه لا عموم وأن الْمُتَّقِينَ مساو لمن تقدم ذكره والجواب لفظا، أو معنى محذوف تقديره يحبه الله، ويدل عليه فَإِنَّ اللَّهَ إلخ، واعترضه الحلبي بأنه تكلف لا حاجة إليه، وقوله: الظاهر إنه لا عموم في حيز المنع فإن ضمير بِعَهْدِهِ إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة العموم كما هو المعهود في أمثاله قاله بعض المحققين.

стр. 753

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أخرج الستة، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله، إذا يحلف فيذهب مالي فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ» إلخ. وأخرج البخاري، وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت هذه الآية. وأخرج أحمد، وابن جرير- واللفظ له- عن عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضر موت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله تعالى وهو عليه غضبان فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة قال: فإني أشهدك إني قد تركتها» فنزلت، وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع. ولبابة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف. وحيي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة، وروي غير ذلك ولا مانع من تعدد سبب النزول كما حققوه. والمراد- يشترون- يستبدلون، وبالعهد أمر الله تعالى، وما يلزم الوفاء به، وقيل: ما عهده إلى اليهود في التوراة من أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق، والأيمان- الأيمان الكاذبة، وبالثمن القليل- الأعواض النزرة، أو الرشا، ووصف ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ويحصل لهم من العقاب أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لا نصيب لهم من نعيمها بسبب ذلك الاستبدال وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي بما يسرهم بل بما يسوؤهم وقت الحساب لهم- قاله الجبائي- أو لا يكلمهم بشيء أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله تعالى إياهم استهانة بهم، وقيل: المراد إنهم لا ينتفعون بكلمات الله تعالى وآياته ولا يخفى بعده، واستظهر أن يكون ذا كناية عن غضبه سبحانه عليهم. وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل- انظر إليّ- يريد ارحمني، وجعله الزمخشري مجازا عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، وفرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر المفسر بتقليب الحدقة وفيمن لا يجوز عليه ذلك بأن أصله فيمن يجوز عليه الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، وفي الكشف إن في هذا تصريحا بأن الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وإن لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذ تلحق بالمجاز ولا تجعل مجازا إلا بعد الشهرة لأن جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أو لا غير واضحة بخلاف لمعنى المكنى عنه، وبهذا يندفع ما ذكره غير واحد من المخالفة بين قولي الزمخشري في جعل بسط اليد في قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة: ٦٤] مجازا عن الجود تارة وكناية أخرى إذ حاصله أنه إن قطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهم كما توهموه فتدبر.

стр. 754

والظرف متعلق بالفعلين وفيه تهويل للوعيد وَلا يُزَكِّيهِمْ أي ولا يحكم عليهم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة- قاله القاضي- وقال الجبائي: لا ينزلهم منزلة الأزكياء، وقيل: لا يطهرهم عن دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم موجع، والظاهر أن ذلك في القيامة إلا أنه لم يقيد به اكتفاء بالأول، وقيل: إنه في الدنيا بالإهانة وضرب الجزية بناء على أن الآية في اليهود. وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً أي إن من أهل الكتاب الخائنين لجماعة يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي يحرفونه- قاله مجاهد- وقيل: أصل- اللّي- الفتل من قولك: لويت يده إذا فتلتها، ومنه لويت الغريم إذا مطلته حقه قال الشاعر: تطيلين لياني وأنت «ملية» ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا وفي الخبر «ليّ الواجد ظلم» فالمعنى يفتلون ألسنتهم في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييرا يتغير به المعنى ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد، وقريب منه ما قيل: إن المراد يميلون الألسنة بمشابه الكتاب، والألسنة- جمع لسان. وذكر ابن الشحنة أنه يذكر ويؤنث، ونقل عن أبي عمرو بن العلاء أن من أنثه جمعه على ألسن، ومن ذكره جمعه على ألسنة، وعن الفراء أنه قال: اللسان بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكرا ولا يخفى أن المثبت مقدم على النافي والباء صلة، أو للآلة، أو للظرفية، أو للملابسة، والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب، وقرأ أهل المدينة- يلوون- بالتشديد فهو على حد لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [المنافقون: ٥] وعن مجاهد وابن كثير- يلون- على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها كذا قيل، واعترض عليه بأنه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأي حاجة إلى قلب الواو همزة، ورد بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو ثم حركة الواو ثم حذفها على ما عرف في التصريف، ونظر فيه بعض المحققين بأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضا. نعم قرئ- يلؤون- بالهمز في الشواذ وهو يؤيده، وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من- الولي- بمعنى القرب أي يقربون ألسنتهم بميلها إلى المحرف فبعيد من الصحيح قريب إلى المحرف. لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أي لتظنوا أيها المسلمون أن المحرف المدلول عليه- باللي- أو المشابه من كتاب الله تعالى المنزل على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وقرئ ليحسبوه بالياء والضمير أيضا للمسلمين. وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ولكنه من قبل أنفسهم وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي ويزعمون صريحا غير مكتفين بالتورية والتعريض أن المحرف، أو المشابه نازل من عند الله وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي وليس هو نازلا من عند الله تعالى، والواو- للحال والجملة حال من ضمير المبتدأ في الخبر، وفي جملة وَيَقُولُونَ إلخ تأكيد للنفي الذي قبلها وليس الغرض التأكيد فقط وإلا لما توجه العطف بل التشنيع أيضا بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض حتى ارتكبوا هذا التصريح وبهذا حصلت المغايرة المقتضية للعطف، والإظهار في موضع الإضمار لتهويل ما قدموا عليه، واستدل الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق أولئك المحرفون بقولهم هو من عند الله تعالى لكن الله ردّ بأن القوم ما ادعوا أن التحريف منه عند الله وبخلقه وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو حكم من أحكامه فتوجه تكذيب الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زعموا. والحاصل أن المقصود بالنفي كما أشرنا إلى نزوله من عنده سبحانه وهو أخص من كونه من فعله وخلقه، ونفي

стр. 755

الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العبادة مخلوقة لهم لا لله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضا وتصريحا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون عليه سبحانه وهو تسجيل عليهم بأن ما افتروه عن عمد لا خطأ، وقيل: يَعْلَمُونَ ما عليهم في ذلك من العقاب، روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه، وروى غير واحد أنها في طائفة من اليهود، وهم كعب بن الأشرف، ومالك، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر، وشعبة بن عمرو الشاعر غيروا ما هو حجة عليهم من التوراة. واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييرا وقت القراءة أو تأويلا باطلا للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا، واحتجوا لذلك بما أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون: إن ذلك من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول وبأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول لليهود إلزاما لهم: «ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» وهم يمتنعون عن ذلك فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال. وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا وكتبوا ذلك في نفس كتابهم واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ إما لاحتمال التواطؤ أو فعل ذلك في البعض دون البعض وكذا لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك لاحتمال علمه صلى الله تعالى عليه وسلم ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالما عن التغيير إما لجهلهم بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره، وأما ما روي عن وهب فهو على تقدير ثبوته عنه يحتمل إن يكون قولا عن اجتهاد، أو ناشئا عن عدم استقراء تام، ومما يؤيد وقوع التغيير في كتب الله تعالى وأنها لم تبق كيوم نزلت وقوع التناقض في الأناجيل وتعارضها وتكاذبها وتهافتها ومصادمتها بعضها ببعض، فإنها أربعة أناجيل: الأول إنجيل متى وهو من الاثني عشر الحواريين- وإنجيله باللغة السريانية- كتبه بأرض فلسطين بعد رفع المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدد إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا، والثاني إنجيل مرقس وهو من السبعين- وكتب إنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة- وعدد إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحا، والثالث إنجيل لوقا وهو من السبعين أيضا- كتب إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الاسكندرية بعد ذلك- وعدد إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحا، والرابع إنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح- كتب إنجيله بمدينة إفسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة- وعدد إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا. وقد تضمن كل إنجيل من الحكايات والقصص ما أغفله الآخر، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخر على نقيضها أو ما يخالفها، وفيها ما تحكم الضرورة بأنه ليس من كلام الله تعالى أصلا، فمن ذلك أن متى ذكر أن المسيح صلب وصلب معه لصان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعا كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويعيرانه، وذكر لوقا خلاف ذلك فقال: إن أحدهما كان يهزأ به والآخر يقول له: أما تتقي الله تعالى أما نحن فقد جوزينا وأما هذا فلم يعمل قبيحا ثم قال للمسيح: يا سيدي اذكرني في ملكوتك فقال: حقا إنك تكون معي اليوم في الفردوس. ولا يخفى أن هذا يؤول إلى التناقض فإن اللصين عند متى كافران وعند لوقا أحدهما مؤمن والآخر كافر، وأغفل هذه القصة مرقس، ويوحنا، ومنه أن لوقا ذكر أنه قال يسوع: إن ابن الإنسان لم

стр. 756

يأت ليهلك نفوس الناس ولكن ليحيي وخالفه أصحابه، وقالوا بل قال: إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامة لكن سيفا ويضرم فيها نارا، ولا شك أن هذا تناقض، أحدهما يقول جاء رحمة للعالمين، والآخر يقول: جاء نقمة على الخلائق أجمعين، ومن ذلك أن متى قال: قال يسوع للتلاميذ الإثني عشر: أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوسا على اثني عشر كرسيا تدينون اثني عشر سبطا إسرائيل فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال: مضى واحد من التلاميذ الاثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع بثلاثين درهما وجاء بالشرطي فسلم إليهم يسوع فقال يسوع: الويل له خير له أن لا يولد، ومنه أن متى أيضا ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال: أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا: يصلب يصلب فلما رأى عزمهم وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماء وغسل يديه وقال: أنا بريء من دم هذا الصديق وأنتم أبصر، وأكذب يوحنا ذلك فقال: لما حمل يسوع إليه قال لليهود: ما تريدون؟ قالوا: يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم ومتأخيرهم: وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصعاد ويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى سبحان الله هذا من العجب العجاب؟! ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ تنزيه لأنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام إثر تنزيه الله تعالى عن نسبة ما افتراه أهل الكتاب إليه، وقيل: تكذيب وردّ على عبدة عيسى ﵇. وأخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال «قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» فأنزل الله تعالى الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال: «يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى» فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم قال: «كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله تعالى عن موضعه فقال: ما كان لبشر» إلخ، والمعنى ما يصح، وقيل: ما ينبغي، وقيل لا يجوز لأحد، وعبر بالبشر إيذانا بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إلى أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام. والجار خبر مقدم- لكان- والمنسبك من أَنْ والفعل بعد اسمها ولا بد لاستقامة المعنى من ملاحظة العطف إذ لو سكت عنه لم يصح لأن الله تعالى قد آتى كثيرا من البشر الكتاب وأخويه، وعطف الفعل على منصوب أن- بثم- تعظيما لهذا القول فإنه إذا انتفى بعد مهلة كان انتفاؤه بدونها أولى وأحرى فكأنه قيل: إن هذا الإيتاء العظيم لا يجامع هذا القول أصلا وإن كان بعد مهلة من هذا الإنعام والحكم بمعنى الحكمة، وقد تقدم معناها، والعباد- جمع عبد قال القاضي: وهو هنا من العبادة ولم يقل عبيدا لأنه من العبودية وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله تعالى، ولهذا يقال: هؤلاء عبيد زيد ولا يقال: عباده، والظرف الذي بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أي عبادا كائنين لِي

стр. 757

ومِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بلفظ عِباداً لما فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية وأن يكون حالا لتخصيص النكرة بالوصف أي متجاوزين الله تعالى إشراكا وإفرادا- كما قال الجبائي- فإن التجاوز متحقق فيهما حتما، ثم إن هذا الإيتاء في الآية حقيقة على الروايتين الأوليين مجاز على الرواية الأخيرة كما لا يخفى. وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ إثبات لما نفي سابقا، وهو القول المنصوب بأن كأنه قيل: ما كان لذلك البشر أن يقول ذلك لكن يقول كونوا ربانيين، فالفعل هنا منصوب أيضا عطفا عليه، وجوز رفعه على المعنى لأنه في معنى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ وفسر علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس الرباني بالفقيه العالم، وقتادة. والسدي بالعالم الحكيم، وابن جبير بالحكيم التقي، وابن زيد بالمدبر أمر الناس- وهي أقوال متقاربة، وهو لفظ عربي لا سرياني على الصحيح. وزعم أبو عبيدة أن العرب لا تعرفه وهو منسوب إلى الرب كإلهي، والألف والنون يزادان في النسب للمبالغة كثيرا- كلحياني- لعظيم اللحية، والجماني لوافر الجمة، ورقباني بمعنى غليظ الرقبة، وقيل: إنه منسوب إلى ربان صفة كعطشان بمعنى مربى بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ الباء السببية متعلقة- بكونوا- أي كونوا كذلك بسبب مثابرتكم على تعليمكم الكتاب ودراستكم له، والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتد بأحدهما بدون الآخر، وقيل: متعلقة- بربانيين- لأن فيه معنى الفعل، وقيل بمحذوف وقع صفة له- والدراسة- التكرار يقال: درس الكتاب أي كرره، وتطلق على القراءة، وتكرير بِما كُنْتُمْ للإشعار باستقلال كل من استمرار التعليم، واستمرار القراءة المشعر به جعل خبر «كان» مضارعا بالفضل، وتحصيل الربانية، وقدم تعليم الكتاب على دراسته لوفور شرفه عليها، أو لأن الخطاب الأول لرؤسائهم، والثاني لمن دونهم، وقيل: لأن متعلق التعليم الكتاب بمعنى القرآن، ومتعلق الدراسة الفقه- وفيه بعد بعيد- وإن أشعر به كلام بعض السلف. وقرأ نافع، وابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو، ومجاهد «تعلمون» بمعنى عالمين، وقرئ «تدرّسون» بالتشديد من التدريس، وتدرسون من الإدراس بمعناه، ومجيء أفعل بمعنى فعل كثير، وجوز كون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى على أن يكون المراد تدرسونه للناس. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً قرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم، ويعقوب «ولا يأمركم» بالنصب عطفا على يقول، وَلا أما مزيدة لتأكيد معنى النفي الشائع في الاستعمال سيما عند طول العهد وتخلل الفصل، والمعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله تعالى ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً فهو كقولك: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي، وإما غير زائدة بناء على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينهى عن عبادة الملائكة، والمسيح، وعزير ﵈ فلما قيل له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: «ما كان لبشر أن يتخذه الله تعالى نبيا ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء مع أن من يريد أن يستعبد شخصا يقول له: ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي» وعلى هذا يكون المقصود- من عدم الأمر- النهي وإن كان أعم منه لكونه أمسّ، بالمقصود وأوفق للواقع، وقرأ باقي السبعة وَلا يَأْمُرَكُمْ بالرفع على الاستئناف، ويحتمل الحالية، وقيل: والرفع على الاستئناف أظهر، وينصره قراءة «ولن يأمركم» ووجهت الأظهرية بالخلو عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي، وبأن العطف يستدعي تقديمه على لكِنْ وكذا الحالية أيضا. وقرئ بإسكان الراء فرارا من توالي الحركات وعلى سائر القراءات ضمير الفاعل عائد على- بشر- وجوز

стр. 758

عوده في بعضها على الله تعالى، وجوز الأمران أيضا في قوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ والاستفهام فيه للإنكار وكون مرجع الضمير في أحد الاحتمالين نكرة يجعله عاما بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ استدل به الخطيب على أن الآية نزلت في المسلمين القائلين «أفلا نسجد لك؟» بناء على الظاهر، ووجه كون الخطاب للكفار وأن الآية نزلت فيهم بأنه يجوز أن يقال لأهل الكتاب: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي منقادون مستعدون للدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا، والقول- بأن كل مصدق بنبيه مسلم ودعواه أنه أمره نبيه بما يوجب كفره دعوى أنه أمره بالكفر بعد إسلامه فدلالة هذا على أن الخطاب للمسلمين ضعيفة- في غاية السقوط كما لا يخفى. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم- أي اذكر وقت ذلك- واختار السمين كونه معمولا «لأقررتم» الآتي، وضعفه عبد الباقي بأن خطاب أَأَقْرَرْتُمْ بعد تحقق أخذ الميثاق، وفيه تردد، وعطفه على ما تقدم من قوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ كما نقله الطبرسي بعيد. واختلف في المراد من الآية فقيل: إنها على ظاهرها ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لم يبعث الله تعالى نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا الآية وعدم ذكر الأمم فيها حينئذ إما لأنهم معلومون بالطريق الأولى أو لأنه استغنى بذكر النبيين عن ذكرهم، ففي الآية اكتفاء وليس فيها الجمع بين المتنافيين، وقيل: إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم- وإلى هذا ذهب ابن عباس- فقد أخرج ابن المنذر. وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم» إلخ ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن عباس: إنما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومهم، وأشار بذلك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين كما توهم حتى ظن أن ذلك منشأ قول مجاهد فيما رواه عنه ابن المنذر، وغيره أن وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ خطأ من الكتاب- وأن الآية كما قرأ عبد الله- وليس كذلك إذ لا يصلح ذلك وحده منشأ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح بل المنشأ لذلك إن صح، ولا أظن ما يعلم بعد التأمل فيما أسلفناه في المقدمات وبسطنا الكلام عليه- في الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية- وقيل: المراد أمم النبيين على حذف المضاف، وإليه ذهب الصادق رضي الله تعالى عنه وقيل: المضاف المحذوف أولاد، والمراد بهم على الصحيح بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم، وأيد بقراءة عبد الله المشار إليها- وهي قراءة أبي بن كعب- أيضا، وقيل: المراد- وإذ أخذ الله ميثاقا مثل ميثاق النبيين- أي ميثاقا غليظا على الأمم، ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداه التشبيه مبالغة، وقيل: المراد من النبيين بنو إسرائيل وسماهم بذلك تهكما لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون وكانوا منا، وهذا كما تقول لمن ائتمنته على شيء فخان فيه ثم زعم الأمانة: يا أمين ماذا صنعت بأمانتي؟؟ وتعقبه الحلبي بأنه بعيد جدا إذ لا قرينة تبين ذلك، وأجيب بأن القائل به لعله اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية، وقيل: إن الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم بينه بقوله سبحانه: لَما آتَيْتُكُمْ إلخ ولا يخفى أن هذا أيضا من البعد بمكان، وقال الشهاب: لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير كلام هذا القائل، واختار كثير من العلماء القول الأول، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى الله تعالى عليه وسلم- على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته- لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له

стр. 759

صلى الله تعالى عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب، وتعظيم الفائدة إذا كان ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان- كما عليه البعض- ويؤيد القول- بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه ﵊ منهم به- ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق وأنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو النبي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له ﷺ . هذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعرابا وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه. ولنذكر بعض الكلام في ذلك فنقول: قال غير واحد: اللام في لَما آتَيْتُكُمْ على قراءة الفتح والتخفيف- وهي قراءة الجمهور- موطئة للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق لأنه بمعنى الاستحلاف وسميت بذلك لأنها تسهل تفهم الجواب على السامع، وعرفها النحاة كما قال الشهاب: بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء- إن- وغيرها لكنها غلبت في- إن- بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرا لتؤذن أن الجواب له لا للشرط- كقولك: لئن أكرمتني لأكرمنك- ولو قلت أكرمك، أو فإني أكرمك، أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز على ما صرح به ابن الحاجب- وخالفه الفراء فيه- فجوز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأول هو المصحح وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور- وخالف فيه بعض النحاة، قال: يجوز دخولها على غير الشرط إما مطلقا أو بشرط مشابهته للشرط كما الموصولة دون الزائدة وقال الزمخشري في سورة هود: إنه لا يجب دخولها على كلم المجازاة، ونقله الأزهري عن الأخفش، وذكر أن ثعلبا غلطه فيه فالمسألة خلافية، وما- شرطية في موضع نصب- بآتيت- والمفعول الثاني ضمير المخاطب، ومِنْ بيان- لما- واعترض بأن حمل مِنْ على البيان شائع بعد الموصولة، وأما بعد الشرطية محتاج لما ذكر، وأجيب بأن السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة، وفي جنى الداني. ومن الناس من قال: إن مِنْ تزاد بالشروط في غير باب التمييز، وأما فيه فتزاد وإن لم تستوف الشروط نحو لله درّك من رجل، ومن هنا قال مولانا عبد الباقي: يجوز ان تكون مِنْ تبعيضية ذكرت لبيان ما الشرطية، أو زائدة داخلة على التمييز، ولَتُؤْمِنُنَّ جواب القسم وحده على الصحيح، ولدلالته على جواب الشرط واتحاد معناهما تسامح بعضهم فجعله سادّا مسد الجوابين، ولم يرد أنه جواب القسم وجواب الشرط لتنافيهما من حيث إن الأول لا محل له، والثاني له محل، والقول: بأن الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالأمرين باعتبارين التزام لما لا يلزم، وجوزوا كون ما موصولة واللام الداخلة عليها حينئذ لام الابتداء، ويشعر كلام البعض أن اللام بعد موطئة وكأنه مبني على مذهب من جوز دخول الموطئة على غير الشرط من النحاة- كما مر- وهي على هذا التقدير مبتدأ، والخبر إما مقدر أو جملة لَتُؤْمِنُنَّ مع القسم المقدر، والكلام في مثله شهير، وأورد عليه أن الضمير في بِهِ إن عاد على المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم، والمقصود من الآية أخذ الميثاق بالإيمان بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ونصرته، وإن عاد على الرسول كالضمير الثاني المنصوب العائد عليه مطلقا دفعا للزوم التفكيك خلت الجملة التي هي خبر عن العائد، وأجيب بأن الجملة المعطوفة لما كانت مشتملة على ما هو بمعنى المبتدأ الموصول، ولذلك استغنى عن ضميره فيها مع لزومه في الصلتين المتعاطفتين في المشهور وكان ضمير بِهِ راجعا للرسول مع ملاحظة مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ القائم مقام الضمير العائد على ما اكتفى بمجرد ذلك عن ضمير في

стр. 760

خبرها لارتباط الكلام بعضه ببعض، وإلى ذلك يشير كلام الإمام السهيلي في الروض الانف، ولا يخفى أنه مع ما فيه من التكلف مبني على اتحاد ما أوتوه، وما هو معهم، وفي ذلك إشكال- لأن آتيناكم، وجاءكم- إن كان كلاهما مستقبلين فالظاهر أن المراد- بما آتيناكم- القرآن لأنه الذي يؤتوه في المستقبل باعتبار إيتائه للرسول الذي كلفوا باتباعه وبما معهم الكتب التي أوتوها، وحمله على القرآن يأباه الذوق لأنه مع كونه ليس معهم بحسب الظاهر لا يظهر حسن لكون القرآن مصدقا للقرآن وهو لازم عى ذلك التقدير. وإن كانا ماضيين ظهر الفساد من جهة أن هذا الرسول الذي أوجب الله تعالى عليهم الإيمان به ونصرته لم يجئ إذ ذاك، وإن كان الفعل الأول ماضيا. والثاني مستقبلا جاء عدم التناسب بين المعطوفين وهما ماضيان لفظا، وفيه نوع بعد، ولعل المجيب يختار هذا الشق ويتحمل هذا البعد لما أن ثم مع كونه لا يعبأ بمثله لضعفه تهون أمره، وجوز أبو البقاء على ذلك التقدير كون الخبر من كتاب أي الذي آتيتكموه من الكتاب، وجعل النكرة هنا كالمعرفة وسوغ كون العائد على الموصول من المعطوف محذوفا- أي جاءكم به- مع عدم تحقق شروط حذف مثل هذا الضمير عند الجمهور بل مع خلل في المعنى لأن المؤتى كتاب كل نبي في زمان بعثته وشريعته والجائي به الرسول هو القرآن بحسب الظاهر لا كتاب كل نبي، وعود الضمير المقدر يستدعي ذلك، وعلى تقدير التزام كون المؤتى القرآن أيضا كما يقتضيه حمل الفعلين على الاستقبال يرد أنه لا معنى لمجيء الرسول إليهم بالقرآن بعد إيتائهم القرآن بمهلة، والعطف بثم كالنص بهذا المعنى، وعلى تقدير التزام كون الجائي به الرسول هو كتاب كل نبي بنوع من التكلف يكون وصف الرسول بكونه مصدقا لما معكم كالمستغني عنه فتدبر. وقرأ حمزة- لما آتيتكم- بكسر اللام على أن ما مصدرية- واللام- جارّة أجلية متعلقة- بلتؤمنن- أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه، واعترض بأن فيه إعمال ما بعد لام القسم فيما قبلها وهو لا يجوز، وأجيب بأنه غير مجمع عليه فإن ظاهر كلام الزمخشري يشعر بجوازه، ولعل من يمنعه يخصه بما إذا لم يكن المعمول المتقدم ظرفا لأن ذاك يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، نعم الأولى حسبما للنزاع تعلقه بأقسم المحذوف. وجوز أن تكون ما في هذه القراءة موصولة أيضا. والجار متعلق- بأخذ- وروي عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ- لما آتيتكم- بالتشديد. وفيها احتمالان: الأول أن تكون ظرفية بمعنى حين- كما قاله الجمهور- خلافا لسيبويه، وجوابها مقدر من جنس جواب القسم- كما ذهب إليه الزمخشري- أي- لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق وجب عليكم الإيمان به ونصرته- وقدره ابن عطية من جنس ما قبلها- أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق- وكذا وقع في تفسير الزجاج، و «مآل» معناها التعليل، الثاني أن أصلها من «ما» فأبدلت النون ميما لمشابهتها إياها فتوالت ثلاث ميمات فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلا وحصول التكرير بها، ورجحه أبو حيان في البحر. وزعم ابن جني أنها الأولى، ونظر فيه الحلبي، ومِنْ إما مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش، وإما تعليلية على ما اختاره ابن جني قيل: وهو الأصح- لا تضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف- واللام إما زائدة، أو موطئة بناء على عدم اشتراط دخولها على أداة الشرط، وقرأ نافع- آتيناكم- على لفظ الجمع للتعظيم، والباقون- آتيتكم- على التوحيد، ولكل من القراءتين حسن من جهة- فافهم ذاك- فبعيد أن تظفر بمثله يداك قالَ أي الله تعالى للنبيين وهو بيان لأخذ الميثاق، أو مقول بعده للتأكيد أَأَقْرَرْتُمْ بذلك المذكور وَأَخَذْتُمْ أي قبلتم على حدّ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ [المائدة: ٤١] . وقيل: معناه هل أخذتم عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي على الأمم- والإصر- بكسر الهمزة العهد كما قال ابن عباس،

стр. 761

وأصله من- الإصار- وهو ما يعقد به ويشد. وكأنه إنما سمي العهد بذلك لأنه يشد به. وقرئ بالضم. وهو إما لغة فيه- كعبر وعبر- في قولهم ناقة عبر أسفار. أو هو بالضم جمع- إصار- استعير للعهد. وجمع إما لتعدد المعاهدين وهو الظاهر، أو للمبالغة قالُوا استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا: عند ذلك؟ فقيل: قالوا: أَقْرَرْنا، وكان الظاهر في الجواب أقررنا على ذلك إصرك لكنه لم يذكر الثاني اكتفاء بالأول قالَ أي الله تعالى لهم فَاشْهَدُوا أي فليشهد بعضكم على بعض بذلك الإقرار، فاعتبر المقر بعضا، والشاهد بعضا آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد، وقيل: الخطاب فيه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط أمروا بالشهادة على أممهم. ونسب ذلك إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه، وقيل: للملائكة فيكون ذلك كناية عن غير مذكور. ونسب إلى سعيد بن المسيب وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ أي على إقراركم وتشاهدكم- على ما يقتضيه المعنى- لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه. وهنا ما ذكرناه (١) للمقام. وعن ابن عباس إن المراد اعلموا وأنا معكم أعلم. وعلى كل تقدير فيه توكيد وتحذير عظيم، والجار والمجرور خبر- أنا- ومَعَكُمْ حال، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير فَاشْهَدُوا فَمَنْ تَوَلَّى أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونصرته- قاله علي كرم الله وجهه- بَعْدَ ذلِكَ أي الميثاق والإقرار والتوكيد بالشهادة فَأُولئِكَ إشارة إلى من مراعى معناه كما روعي من قبل لفظها هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه، والمشهور عدم دخول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم هذه الشرطية، أو ما هي في حكمها لأنهم أجلّ قدرا من أن يتصور في حقهم ثبوت المقدم ليتصفوا، وحاشاهم بما تضمنه التالي بل هذا الحكم بالنسبة إلى أتباعهم. وجوز أن يراد العموم. والآية من قبيل لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] .

стр. 762

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ذكر الواحدي عن ابن عباس أنه قال: «اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم ﵇ كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فأنزل الله تعالى هذه الآية، والجملة في النظم معطوفة على مجموع الشرط والجزاء، وقيل: على الجزاء فقط، وعطف الإنشاء على الإخبار مغتفر هنا عند المانعين، والهمزة على التقديرين متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه للإنكار، وقيل: إنها معطوفة على محذوف تقديره- أيتولون فغير دين الله يبغون- قال ابن هشام: والأول مذهب سيبويه، والجمهور، وجزم به الزمخشري في مواضع، وجوز الثاني في بعض- ويضعفه ما فيه من التكلف- وأنه غير مطرد، أما الأول فلدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه على قولهم: أقل لفظا مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدر، وأما الثاني فلأنه غير ممكن في نحو أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] انتهى. وتعقبه الشمس ابن الصائغ بأنه أي مانع من تقدير ألا مدبر للموجودات- فمن هو قائم على كل نفس- على الاستفهام التقريري المقصود به تقرير ثبوت الصانع، والمعنى- أينتفي المدبر فلا أحد قائم على كل نفس- ولا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو- وهو أولى من تقدير البدر ابن الدماميني- أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه، وجعله الهمزة للإنكار التوبيخي، وعلى العلات يوشك أن يكون التفصيل في هذه المسألة أولى بأن يقال: إن انساق ذلك المقدر للذهن قيل) بالتقدير، وإلا قيل بما قاله الجماعة، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار لا للحصر كما توهم لأن المنكر اتخاذ غير الله ربا ولو معه، ودعوى أنه إشارة إلى أن دين غير الله لا يجامع دينه في الطلب، فالتقديم للتخصيص، والإنكار متوجه إليه أي أيخصون غير دين الله بالطلب- تكلف، وقول أبي حيان: إن تعليل التقديم بما تقدم لا تحقيق فيه لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع، ولشبه يبغون بالفاصلة لا تحقيق فيه عند ذوي التحقيق لأنا لم ندع توجه الإنكار إلى الذوات كما لا يخفى، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية الحفص، ويعقوب- يبغون- بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على معنى- أتتولون- أو- أتفسقون، وتكفرون فغير دين الله تبغون- وذهب بعضهم إلى أنه التفات فعنده لا تقدير، وعلى تقدير التقدير يجيء قصد الإنكار فيما أشير إليه ولا ينافيه لأنه منسحب عليه وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة حالية مؤكدة للإنكار- أي كيف يبغون ويطلبون غير دينه، والحالة هذه طَوْعاً وَكَرْهاً مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين، وجوز أبو البقاء أن يكونا مصدرين على غير المصدر لأن أسلم بمعنى انقاد وأطاع قيل: وفيه نظر لأنه ظاهر في طَوْعاً لموافقة معناه ما قبله لا في كَرْهاً والقول: بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد يدفع بأن الكره فيه انقياد أيضا، والطوع مصدر طاع يطوع، كالإطاعة مصدر أطاع يطيع ولم يفرقوا بينهما، وقيل: طاعه يطوعه انقاد له، وأطاعه يطيعه بمعنى مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وفي معنى الآية أقوال: الأول أن المراد من الإسلام بالطوع الإسلام الناشئ عن العلم مطلقا سواء كان حاصلا للاستدلال كما في الكثير منا، أو بدون استدلال وإعمال فكر- كما في الملائكة- ومن الإسلام بالكره ما كان حاصلا بالسيف ومعاينة ما

стр. 763

يلجئ إلى الإسلام، الثاني أن المراد انقادوا له تعالى مختارين لأمره- كالملائكة، والمؤمنين- ومسخرين لإرادته كالكفرة- فإنهم مسخرون لإرادة كفرهم إذ لا يقع ما لا يريده تعالى، وهذا لا ينافي على ما قيل: الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فيكون قولا بمذهب الجبرية، ولا يستدعي عدم توجه تعذيبهم على الكفر ولا عدم الفرق بين المؤمن والكافر بناء على أن الجميع لا يفعلون إلا ما أراده الله تعالى بهم كما وهم، الثالث ما أشار إليه بعض ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الإسلام طوعا هو الانقياد والامتثال لما أمر الله تعالى من غير معارضة ظلمة نفسانية وحيلولة حجب الأنانية، والإسلام كرها هو الانقياد مع توسط المعارضات والوساوس وحيلولة الحجب والتعلق بالوسائط، والأول مثل إسلام الملائكة وبعض من في الأرض من المصطفين الأخيار، والثاني مثل إسلام الكثير ممن تقلبه الشكوك جنبا إلى جنب حتى غدا يقول: لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم والكفار من القسم الثاني عند أهل الله تعالى لأنهم أثبتوا صانعا أيضا إلا أن ظلمة أنفسهم حالت بينهم وبين الوقوف على الحق وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: ٢٩] وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وأخرج ابن جرير، وغيره عن أبي العالية أنه قال: كل آدمي أقر على نفسه بأن الله تعالى ربي وأنا عبده فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومن أخلص لله تعالى العبودية فهو الذي أسلم طوعا، وقرأ الأعمش- «كرها» - بالضم وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أي إلى جزائه تصيرون على المشهور فبادروا إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام، وجوزوا في الجملة أن تكون مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد، وأن تكون معطوفة على وَلَهُ أَسْلَمَ فهي حالية أيضا، وقرأ عاصم بياء الغيبة، والضمير- لمن- أو لمن عاد إليه ضمير يَبْغُونَ فإن قرئ بالخطاب فهو التفات، وقرأ الباقون بالخطاب، والضمير عائد لمن عاد إليه ضمير يَبْغُونَ فعلى الغيبة فيه التفات أيضا قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ أمر للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخبر عن نفسه والمؤمنين بالإيمان بما ذكر، فضمير آمنا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والأمة، وقال المولى عبد الباقي: لما أخذ الله تعالى الميثاق من النبيين أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد ﵊ وينصروه أمر محمدا أيضا صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤمن بالأنبياء المؤمنين به وبكتبهم فيكون آمَنَّا في موضع آمنت لتعظيم نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، أو لما عهد مع النبيين وأممهم أن يؤمنوا أمر محمدا ﵊ وأمته أن يؤمنوا بهم وبكتبهم. والحاصل أخذ الميثاق من الجانبين على الإيمان على طريقة واحدة ولم يتعرض هنا لحكمة الأنبياء السالفين إما لأن الإيمان بالكتاب المنزل إيمان بما فيه من الحكمة، أو للإشارة إلى أن شريعتهم منسوخة في زمن هذا النبي ﷺ وكلاهما على تقدير كون الحكمة بمعنى الشريعة ولم يتعرض لنصرته ﵊ لهم إذ لا مجال بوجه لنصرة السلف، ويؤيد دعوى أخذ الميثاق من الجانبين ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن طاوس أنه قال: أخذ الله تعالى ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وهو القرآن المنزل عليه صلى الله تعالى عليه وسلم أولا وعليهم بواسطة تبليغه إليهم، ومن هنا أتى بضمير الجمع، وقد يعتبر الإنزال ﵊ وحده، ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازا على ما قيل، ويحتمل أن تكون النون نون العظمة لا ضمير الجماعة، وعدي الإنزال هنا- بعلى- وفي البقرة- بإلى- لأنه له جهة علو باعتبار ابتدائه، وانتهاء باعتبار آخره، وقد جعل الخطاب هنا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فناسبه الاستعلاء وهناك للعموم فناسب الانتهاء كذا قيل، ويرد عليه قوله تعالى:

стр. 764

آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] والتحقيق أنه لا فرق بين المعدى- بإلى- والمعدى- بعلى- إلا بالاعتبار، فإن اعتبرت مبدأه عديته- بعلى- لأنه فوقاني وإن اعتبرت انتهاء إلى من هو له عديته- بإلى- ويلاحظ أحد الاعتبارين تارة والآخر أخرى تفننا بالعبارة، وفرق الراغب بأن ما كان واصلا من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ- على- المختص بالعلو أولى به، وما لم يكن كذلك كان لفظ- إلى- المختص بالإيصال أولى به وقيل: أنزل عليه يحمل على أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل اليه يحمل على ما خص به نفسه لأن إليه انتهاء الإنزال- وكلا القولين- لا يخلو عن نظر وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ قيل: خص هؤلاء الكرام بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم، والمراد بالموصول الصحف- كما هو الظاهر- وقدم المنزل عليه ﵊ على المنزل عليهم إما لتعظيمه والاعتناء به، أو لأنه المعرف له ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف، والأسباط الأحفاد لا أولاد البنات، والمراد بهم على رأي أبناء يعقوب الاثنا عشر وذراريهم، وليس كلهم أبناء خلافا لزاعمه وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة، والإنجيل، وسائر المعجزات- كما يشعر به إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب- وقيل: هو خاص بالكتابين، وتغيير الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين، وتخصيص هذين النبيين بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى وَالنَّبِيُّونَ عطف على موسى، وعيسى أي- وبما أوتي النبيون- على تعدد أفرادهم واختلاف أسمائهم مِنْ رَبِّهِمْ متعلق بأوتي، وفي التعبير بالرب مضافا إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي بالتصديق والتكذيب- كما فعل اليهود والنصارى- والتفريق بغير ذلك كالتفضيل جائز وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي مستسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه، أو مخلصون له في العبادة، وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة مستدركة بعد جملة الإيمان كما هو ظاهر، وقيل: إن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا كلهم يقرون بالإيمان ولم يكونوا يقرون بلفظة الإسلام فلهذا أردف تلك الجملة بهذه. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ نزلت في جماعة ارتدوا كانوا اثني عشر رجلا وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا، منهم الحرث بن سويد الأنصاري، والإسلام قيل: التوحيد والانقياد، وقيل: شريعة نبينا ﵊ بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه، وانتصاب دِيناً على التمييز من غَيْرَ وهي مفعول يَبْتَغِ وجوز أن يكون دِيناً مفعول يَبْتَغِ وغَيْرَ صفة قدمت فصارت حالا، وقيل: هو بدل من غَيْرَ الْإِسْلامِ والجمهور على إظهار الغينين، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب، وفِي الْآخِرَةِ متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده- أي وهو خاسر في الآخرة- أو متعلق- بالخاسرين- على أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف، والخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب، وقيل: أصل الخسران ذهاب رأس المال، والمراد به هنا تشييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها في حديث «كل مولود يولد على الفطرة» وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨] والتعبير- بالخاسرين- أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله، والمعنى- وهو من جملة الواقعين في الخسران- واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله، وأجيب بأن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان، وإن كان غَيْرَ الْإِسْلامِ

стр. 765

لكنه لا يغاير دين الإسلام بل هو هو بحسب الذات. وإن كان غيره بحسب المفهوم، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة وقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: ١٤] يدل على المغايرة، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والثانية على الوضع اللغوي كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ إلى الدين الحق قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ أخرج عبد بن حميد، وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى رأوا نعت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في كتابهم وأقروا وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس مثله، وقال عكرمة: هم أبو عامر الراهب، والحارث بن سويد في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية فيهم وأكثر الروايات على هذا، والمراد من الآية استبعاد أن يهديهم- أي يدلهم دلالة موصلة- لا مطلق الدلالة قاله بعضهم، وقيل: إن المعنى كيف يسلك بهم سبيل المهديين بالإثابة لهم والثناء عليهم وقد فعلوا ما فعلوا، وقيل: إن الآية على طريق التبعيد كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه ولا طريق غيره، وقيل: إن المراد كيف يهديهم إلى الجنة ويثيبهم والحال ما ترى؟! وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ وهو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حَقٌّ لا شك في رسالته وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي البراهين والحجج الناطقة بحقية ما يدعيه، وقيل: القرآن، وقيل: ما في كتبهم من البشارة به ﵊، وَشَهِدُوا عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأنه بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ [الحديد: ١٨] لا على التوهم كما نوهم واختار بعضهم تأويل المعطوف ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله بأن يقدر معه أن المصدرية أي «إن شهدوا» أي وشهادتهم على حد قوله: ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف وإلى هذا ذهب الراغب، وأبو البقاء، وجوز عطفه على كَفَرُوا وفساد المعنى يدفعه أن العطف لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه، واعترض بأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه، أو قبله وأجيب بالمنع لأنه لا يلزم تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه ولو قصد ذلك لأخر، وقيل: يمنع من ذلك العطف أنهم ليسوا جامعين بين الشهادة والكفر، وأجيب بالمنع بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معا، ومن الناس من جعله معطوفا على كَفَرُوا ولم يتكلف شيئا مما ذكر، وزعم أن ذلك في المنافقين وهو خلاف المنقول والمعقول، والأكثرون من المحققين على اختيار الحالية من الضمير في كَفَرُوا وقد معه مقدرة، ولا يجوز أن يكون العامل- يهدي- لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق وعليه، وعلى تقدير العطف على الإيمان استدل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان، ووجه ذلك أن العطف يقتضي بظاهره المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأن الحالية تقتضي التقييد ولو كان الإقرار داخلا في حقيقة الإيمان خلا ذكره عن الفائدة، ولو كان عينه يلزم تقييد الشيء بنفسه ولا يخفى ما فيه، وادعى بعضهم أن المراد من الإيمان الإيمان بالله، ومن الشهادة المذكورة الإيمان برسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، والأمر حينئذ واضح فتدبر وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه الحق، وعرفه ثم أعرض عنه ويجوز حمل الظلم على مطلقه فيدخل فيه الكفر دخولا أوليا، والجملة اعتراضية أو حالية أُولئِكَ أي المذكورون المتصفون بأشنع الصفات وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: جَزاؤُهُمْ أي جزاء فعلهم

стр. 766

مبتدأ ثان، وقوله عز شأنه: أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول قيل: وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم، ومفهومه ينفي جواز لعن غيرهم، ولعل الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون بسبب خباثة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة الله تعالى بخلاف غيرهم، والخلاف في لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم- كشارب خمر معين مثلا مشهور- والنووي على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال: لعن الله تعالى من فعل هذا وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، وأجيب بأن اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضا، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل إن وراكبها بذلك- والاحتياط لا يخفى- والمراد من- الناس- إما المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة، أو المطلق لأن كل واحد يلعن من لم يتبع الحق، وإن لم يكن غير متبع بناء على زعمه خالِدِينَ فِيها حال من الضمير في عَلَيْهِمْ والعامل فيه الاستقرار، والضمير المجرور- للعنة- أو للعقوبة، أو للنار، وإن لم يجر لها ذكر اكتفاء بدلالة اللعنة عليها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر، أو لا ينظر إليهم ولا يعتد بهم، والجملة إما مستأنفة، أو في محل نصب على الحال. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الكفر الذي ارتكبوه بعد الإيمان وَأَصْلَحُوا أي دخلوا في الصلاح بناء على أن الفعل لازم من قبيل- أصبحوا- أي دخلوا في الصباح، ويجوز أن يكون متعديا والمفعول محذوف- أي أصلحوا ما أفسدوا- ففيه إشارة كما قيل: إلى أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد، والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف لما أخلوا به من الحقوق، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم، فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيان لأن يصلح ما فسد. وأجيب بأنه ليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها، فالمآل واحد عند التحقيق. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فيغفر كفرهم ويثيبهم، وقيل: غَفُورٌ لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم «رحيم» بهم في الآخرة بالعفو عنهم- ولا يخفى بعده- والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال عطاء وقتادة: نزلت في اليهود كفروا بعيسى ﵇، والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم والقرآن، وقيل: في أهل الكتاب آمنوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد والصد عن السبيل، ونسب ذلك إلى الحسن، وقيل: في أصحاب الحارث بن سويد فإنه لما رجع قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحارث، وقيل: في قوم من أصحابه ممن كان يكفر ثم يراجع الإسلام، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانئ. وكُفْراً تمييز محول عن فاعل، والدال الأولى في ازْدادُوا بدل من تاء الافتعال لوقوعها بعد الزاي لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ قال الحسن، وقتادة، والجبائي: لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب، وإنما كانت نفاقا، وقيل: إن هذا من قبيل ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية- كما قال العلامة- دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في الشرع كما لا يخفى، وقيل: إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع

стр. 767

إصرارهم على الكفر فردت عليهم لذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال: هؤلاء اليهود. والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا بذنوب أذنبوها ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم فلم تقبل توبتهم ولو كانوا على الهدى قبلت ولكنهم على ضلالة، وتجيء على هذا مسألة تكليف الكافر بالفروع وقد بسط الكلام عليها في الأصول. وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ عطف إما على خبر إِنَّ فمحلها الرفع، وإما على إِنَّ مع اسمها فلا محل لها، والضَّالُّونَ المخطئون طريق الحق والنجاة، وقيل: الهالكون المعذبون والحصر باعتبار أنهم كاملون في الضلال فلا ينافي وجود الضلال في غيرهم أيضا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي على كفرهم. فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ من مشرقها إلى مغربها ذَهَباً نصب على التمييز، وقرأ الأعمش- ذهب- بالرفع، وخرج على البدلية من مِلْءُ أو عطف البيان، أو الخبر لمحذوف، وقيل: عليه إنه لا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة، وجعله خبرا إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة، أو حالا ولا يخلو عن ضعف، ومِلْءُ الشيء بالكسر مقدار ما يملؤه، وأما مِلْءُ بالفتح فهو مصدر ملأه ملأ، وأما الملاءة بالضم والمد فهي الملحفة وهنا سؤال مشهور وهو أنه لم دخلت الفاء في خبر إِنَّ هنا ولم تدخل في الآية السابقة مع أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور السببية ظاهرا؟ وأجاب غير واحد بأن الصلة في الآية الأولى الكفر، وازدياده وذلك لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل إنما يترتب على الموت عليه إذ لو وقعت على ما ينبغي لقبلت بخلاف الموت على الكفرة في هذه الآية فإنه يترتب عليه ذلك ولذلك لو قال: من جاءني له درهم كان إقرارا بخلاف ما لو قرنه بالفاء- كما هو معروف بين الفقهاء- ولا يرد أن ترتب الحكم على الوصف دليل على السببية لأنا لا نسلم لزومه لأن التعبير بالموصول قد يكون لأغراض كالإيماء إلى تحقق الخبر كقوله: إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت دونها غول وقد فصل ذلك في المعاني وقرئ- «فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض» - على البناء للفاعل وهو الله تعالى ونصب- ملء ومل الأرض- بتخفيف الهمزتين وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال ابن المنير في الانتصاف: إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر تعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى مثاله قولك: أكرم زيدا ولو أساء فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره- أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء- إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى ومنه كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥] فإن معناه- والله تعالى أعلم- لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على أن ما كان أسهل أولى بالوجوب، ولما كانت هذه الآية مخالفة لهذا النمط من الاستعمال لأن قوله سبحانه: وَلَوِ افْتَدى بِهِ يقتضي شرطا آخر محذوفا يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى، والحالة المذكورة أعني حالة افتدائهم- بملء الأرض ذهبا- هي أجدر الحالات بقبول الفدية، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها- خاض المفسرون بتأويلها- فذكر الزمخشري ثلاثة أوجه حاصل الأول: أن عدم قبول- ملء الأرض- كناية عن عدم قبول فدية ما لدلالة السياق على أن القبول يراد للخلاص وإنما عدل تصويرا للتكثير لأنه الغاية التي لا مطمح وراءها في العرف، وفي الضمير يراد مِلْءُ الْأَرْضِ على الحقيقة فيصير المعنى لا تقبل منه فدية ولو افتدى- بملء الأرض ذهبا- ففي الأول نظر إلى العموم وسده مسد فدية ما، وفي الثاني إلى الحقيقة أو لكثرة المبالغة من غير نظر إلى القيام مقامها، وحاصل الثاني: إن المراد

стр. 768

ولو افتدى بمثله معه كما صرع به في آية أخرى ولأنه علم أن الأول فدية أيضا كأنه قيل: لا يقبل ملء الأرض فدية ولو ضوعف، ويرجع هذا إلى جعل الباء بمعنى مع، وتقدير مثل بعده أي مع مثله، وحاصل الثالث: إنه يقدر وصف يعينه المساق من نحو كان متصدقا به، وحينئذ لا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق بل يكون شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه- ملء الأرض ذهبا لو تصدق ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه- وضمير بِهِ للمال من غير اعتبار وصف التصدق فالكلام من قبيل وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ [فاطر: ١١] ، وعندي درهم ونصفه انتهى، ولا يخفى ما في ذلك من الخفاء والتكلف، وقريب من ذلك ما قيل: إن الواو زائدة، ويؤيد ذلك أنه قرئ في الشواذ بدونها وكذا القول: بأن لَوِ ليست وصلية بل شرطية، والجواب ما بعد أو هو ساد مسده، وذكر ابن المنير في الجواب مدعيا أن تطبيق الآية عليه أسهل وأقرب بل ادعى أنه من السهل الممتنع أن قبول الفدية التي هي مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً تكون على أحوال تارة تؤخذ قهرا كأخذ الدية، وكرة يقول المفتدي: أنا أفدي نفسي بكذا ولا يفعل، وأخرى يقول ذلك والفدية عتيدة ويسلمها لمن يؤمل قبولها منه فالمذكور في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهي أن يفتدي بملء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه اختيارا، ومع ذلك لا يقبل منه فلأن لا يقبل منه مجرد قوله: أبذل المال وأقدره عليه، أو ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى فتكون الواو والحالة هذه على بابها تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا يقع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة، وقوله تعالى: لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ [المائدة: ٣٦] مصرح بذلك، والمراد به أنه لا خلاص لهم من الوعيد وإلا فقد علم أنهم في ذلك اليوم أفلس من ابن المذلق لا يقدرون على شيء، ونظير هذا قولك: لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إليّ في يدي انتهى. وقريب منه ما ذكره أبو حيان قائلا: إن الذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أن من مات كافرا لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب لأن حالة الافتداء لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه، وقد قررنا في نحو هذا التركيب أن لَوِ تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصار وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنا لا تندرج فيما قبلها كقوله ﵊: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» «وردوا السائل ولو بظلف محرق» كأن هذه الأشياء مما لا ينبغي أن يؤتي بها لأن كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطى، وكذلك الظلف المحرق لا غناء فيه فكان يناسب أن لا يرد السائل به. وكذلك حالة الافتداء يناسب أن يقبل منه مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً لكنه لا يقبل، ونظيره وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف: ١٧] لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال حتى في حالة صدقهم وهي الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها ولو لتعميم النفي والتأكيد له. هذا وقد أخرج الشيخان. وابن جرير- واللفظ له- عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل فذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ اسم الإشارة مبتدأ والظرف خبر ولاعتماده على المبتدأ رفع الفاعل، ويجوز أن يكون لَهُمْ خبرا مقدما، وعَذابٌ مبتدأ مؤخرا، والجملة خبر عن اسم الإشارة والأول أحسن، وفي تعقيب ما ذكر بهذه الجملة مبالغة في التحذير والإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرما وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ في رفع العذاب أو تخفيفه، ومِنْ مزيدة بعد النفي للاستغراق وتزاد بعده سواء دخلت على مفرد أو

стр. 769

جمع خلافا لمن زعم أن ذلك مخصوص بالمفرد، وصيغة الجمع لمراعاة الضمير، وفيها توافق الفواصل، والمراد ليس لواحد منهم ناصر واحد. «ومن باب الإشارة» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ وهي كلمة التوحيد وترك اتباع الهوى والميل إلى السوي فإن ذلك لم يختلف فيه نبي ولا كتاب قط ما كانَ إِبْراهِيمُ الخليل يهوديا متعلقا بالتشبيه وَلا نَصْرانِيًّا قائلا بالتثليث وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن الكون برؤية المكون مُسْلِماً منقادا عند جريان قضائه وقدره، أو ذاهبا إلى ما ذهب إليه المسلمون المصطفون القائلون لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بشرط التجرد عن الكونين ومنع النفوس عن الالتفات إلى العالمين فإن الخليل لما بلغ حضره القدس زاغ بصره عن عرائس الملك والملكوت قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَهذَا النَّبِيُّ العظيم يعني محمدا عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم أَوْلَى أيضا بمتابعة أبيه الخليل وسلوك منهجه الجليل لأنه زبدة مخيض محبته وخلاصة حقيقة فطرته وَالَّذِينَ آمَنُوا به صلى الله تعالى عليه وسلم وأشرقت عليهم أنواره وأينعت في رياض قلوبهم أسراره وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ كافة يحفظهم عن آفات القهر ويدخلهم في قباب العصمة ويبيح لهم ديار الكرامة وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ جعله أهل الله سبحانه خطابا للمؤمنين كما قال بذلك بعض أهل الظاهر أي لا تفشوا أسرار الحق إلا إلى أهله ولا تقروا بمعاني الحقيقة للمحجوبين من الناس فيقعون فيكم ويقصدون سفك دمائكم قُلْ إِنَّ الْهُدى أعني هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من علم الباطن، أو مثل ما يحاجوكم به في زعمهم عند ربكم وهو علم الظاهر. وحاصل المعنى إِنَّ الْهُدى الجمع بين الظاهر، والباطن. وأما الاقتصار على علم الظاهر وإنكار الباطن فليس بهدى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فيتصرف به حسب مشيئته التابعة لعلم التابع للمعلوم في أزل الآزال وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فكيف يتقيد بالقيود بل يتجلى حسبما تقتضيه الحكمة في المظاهر لأهل الشهود يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ الخاصة مَنْ يَشاءُ من عباده وهي المعرفة به وهي فوق مكاشفة غيب الملكوت ومشاهدة سر الجبروت، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي لا يكتنه بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وهو عهد الروح بنعت الكشف وعهد القلب بتلقي الخطاب، وعهد العقل بامتثال الأوامر والنواهي وَاتَّقى من خطرات النفوس وطوارق الشهوات فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي فهو بالغ مقام حقيقة المحبة إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الآية إشارة إلى من مال إلى حضرة الدنيا وآثرها على مشاهدة حضرة المولى وزين ظاهره بعبادة المقربين ومزجها بحب الرياسة فذلك الذي سقط عن رؤية اللقاء ومخاطبة الحق في الدنيا والآخرة ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ لأن الاستنباء لا يكون إلا بعد الفناء في التوحيد فمن محا الله تعالى بشريته بإفنائه عن نفسه وأثابه وجودا نورانيا حقيقا قابلا للكتاب والحكمة العقلية لا يمكن أن يدعو إلى نفسه إذ الداعي إليها لا يكون إلا محجوبا بها، وبين الأمرين تناقض ولكن يقول كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي منسوبين إلى الرب، والمراد عابدين مرتاضين بالعلم والعمل والمواظبة على الطاعات لتغلب على أسراركم أنوار الرب، ولهم في الرباني عبارات كثيرة، فقال الشبلي: الرباني الذي لا يأخذ العلوم إلا من الرب ولا يرجع في شيء إلا إليه، وقال سهل: الرباني الذي لا يختار على ربه حالا، وقال القاسم: هو المتخلق بأخلاق الرب علما وحكما، وقيل: هو الذي محق في وجوده ومحق عن شهوده. وقيل: هو الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها «وقيل: وقيل:» وكل الأقوال ترد من منهل واحد،

стр. 770

وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً فإنها بعض مظاهره وهو سبحانه المطلق حتى عن قيد الإطلاق أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي أيأمركم بالاحتجاب برؤية الأشكال والنظر إلى الأمثال بعد أن لاح في أسراركم أنوار التوحيد وطلعت في قلوبكم شموس التفريد وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ الآية فيه إشارة إلى أنه سبحانه أخذ العهد من نواب الحقيقة المحمدية في الأزل بالانقياد والطاعة والإيمان بها، وخصهم بالذكر لكونهم أهل الصف الأول ورجال الحضرة، وقيل: إن الله تعالى أخذ عليهم ميثاق التعارف بينهم وإقامة الدين وعدم التفرق وتصديق بعضهم بعضا ودعوة الخلق إلى التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى وطاعة النبي وتعريف بعضهم بعضا لأممهم، وهذا غير الميثاق العام المشار إليه بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ إلخ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ أي بعد ما علم عهد الله تعالى مع النبيين وتبليغ الأنبياء إليه ما عهد إليهم فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن دين الله تعالى ولا دين غيره معتدا به في الحقيقة إلا توهما أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من في عالم الأرواح وعالم النفوس، أو من في عالم الملكوت وعالم الملك طَوْعاً باختياره وشعوره وَكَرْهاً من حيث لا يدري ولا يدري أنه لا يدري بسبب احتجابه برؤية الأغيار، ولهذا سقط عن درجة القبول وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ في العاقبة حين يكشف عن ساق وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ وهو التوحيد دِيناً له فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لعدم وصوله إلى الحق لمكان الحجاب وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ ويوم القيامة الكبرى مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً الآية استبعاد لهداية من فطره الله على غير استعداد المعرفة، وحكم عليه بالكفر في سابق الأزل فإن من لم يكن له استعداد لم يقع في أنوار التجلي، ومن خاض في بحر القهر ولزم قعر بعد البعد لم يكن له سبيل إلى ساحل قرب القرب وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ولله در من قال: إذا المرء لم يخلق سعيدا تحيرت ... ظنون مربيه وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ كلام مستأنف لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم- إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم، وتنال- من تنال نيلا إذا أصاب ووجد، ويقال: نال العلم إذا وصل إليه واتصف به، الْبِرَّ الإحسان وكمال الخير، وبعضهم يفرق بينه وبين الخير بأن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك، والخير هو النفع مطلقا وإن وقع سهوا، وضد الْبِرَّ العقوق، وضد الخير الشر، وأل- فيه إما للجنس والحقيقة، والمراد لن تكونوا أبرارا حتى تُنْفِقُوا وهو المروي عن الحسن، وإما لتعريف العهد، والمراد لن تصيبوا بر الله تعالى يا أهل طاعته حتى تنفقوا، وإلى ذلك ذهب مقاتل وعطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه تفسير الْبِرَّ بالجنة، وروي مثله عن مسروق، والسدي، وعمرو بن ميمون، وذهب بعضهم إلى أن الكلام على حذف مضاف أي- لن تنالوا ثواب البر، وحَتَّى بمعنى إلى، ومن- تبعيضية، ويؤيده قراءة عبد الله بعض ما تحبون، وقيل: بيانية، وعليه أيضا لا تخالف بين القراءتين معنى، و «ما» موصولة، أو موصوفة، وجعلها مصدرية والمصدر بمعنى المفعول جائز على رأي أبي علي. وفي المراد من قوله سبحانه: مِمَّا تُحِبُّونَ أقوال، فقيل المال وكني بذلك عنه لأن جميع الناس يحبون، وقيل: نفائس الأموال وكرائمها، وقيل: ما يعم ذلك وغيره من سائر الأشياء التي يحبها الإنسان ويهواها، والإنفاق على هذا مجاز، وعلى الألين حقيقة وكان السلف رضي الله تعالى عنهم إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى، فقد أخرج الشيخان، والترمذي، والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة وكان

стр. 771

أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله تعالى يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إلى بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» وفي رواية لمسلم. وأبي داود «فجعلها بين حسان بن ثابت، وأبي بن كعب» . وأخرج ابن أبي حاتم، وغيره عن محمد بن المنكدر قال: «لما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة فقبلها رسول الله ﷺ وحمل عليها ابنه أسامة فرأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال: إن الله تعالى قد قبلها منك» . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: «حضرتني هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ إلخ فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله تعالى فلو أني أعوذ في شيء جعلته لله تعالى نكحتها فأنكحتها نافعا، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري السكر يتصدق به فنقول له: لو اشتريت لهم بثمنه طعاما كان أنفع لهم من هذا فيقول: أنا أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله تعالى يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وأن ابن عمر يحب السكر. وظاهر هذه الأخبار يدل على أن الإنفاق في الآية يعم المستحب، وروي عن ابن عباس أن المراد به إخراج الزكاة الواجبة وما فرضه الله تعالى في الأموال فكأنه قيل: لن تنالوا البر حتى تخرجوا زكاة أموالكم- وهو مبني على أن المراد من ما تحبون المال لا كرائمه، فقول النيسابوري: إنه يرد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ناشئ من قلة التأمل، ولو تأمل ما اعترض على ترجمان القرآن، وحبر الأمة، ونقل الواحدي عن مجاهد. والكلبي أن الآية منسوخة بآية الزكاة، وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب في سبيل الله تعالى، واستشكلت هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن الفقير الذي لم ينفق طول عمره مما يحبه لعدم إمكانه لا يكون بارا أو لا يناله برّ الله تعالى بأهل طاعته مع أنه ليس كذلك، وأجيب بأن الكلام خارج مخرج الحث على الإنفاق وهو مقيد بالإمكان وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب، وقيل: الأولى أن يكون المراد لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ الكامل الواقع على أشرف الوجوه حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ والفقير الذي لم ينفق طول عمره لا يبعد القول بأنه لا يكون بارا كاملا ولا يناله برّ الله تعالى الكامل بأهل طاعته، وقيل: الأولى من هذا الأولى أن يقال: إن المراد لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ على الإنفاق حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وحاصله أن الإنفاق من المحبوب يترتب عليه نيل البر وأن الإنفاق مما عداه لا يترتب عليه نيل البر، وليس في الآية ما يدل على حصر ترتب البر على الإنفاق من المحبوب، ونفي ترتب البر على فعل آخر من الأفعال المأمور بها، وحينئذ لا يبعد أن يكون الفقير الغير المنفق بارا أو نائلا برّ الله تعالى بأهل طاعته من جهة أخرى، وربما تستدعي أفعاله الخالية عن إنفاق المال من البرّ ما هو أكمل وأوفر مما يستدعيه الإنفاق المجرد منه وينجر الكلام إلى مسألة تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر، وهي مسألة طويلة الذيل قد ألفت فيها الرسائل وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ أي أي شيء تنفقونه من الأشياء، أو أي شيء تنفقوا طيب تحبونه، أو خبيث تكرهونه- فمن- على الأول متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط، وعلى الثاني في محل نصب على التمييز فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ تعليل لجواب الشرط واقع موقعه- أي فيجازيكم بحسبه- فإنه تعالى عَلِيمٌ بكل ما تنفقونه، وقيل: إنه

стр. 772

جواب الشرط، والمراد أن الله تعالى يعلمه موجود على الحدّ الذي تفعلونه من حسن النية وقبحها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل، وفي الآية ترغيب وترهيب قيل: وفيها إشارة إلى الحث على إخفاء الصدقة (١) .

стр. 773

روح المعاني الجزء الرابع

стр. 774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ روى الواحدي عن الكلبي أنه حين «قال النبي ﷺ : أنا على ملة إبراهيم قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كان ذلك حلالا لإبراهيم ﵇ فنحن نحله فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم» والطعام بمعنى المطعوم، ويراد به هنا المطعومات مطلقا أو المأكولات وهو لكونه مصدرا منعوتا به معنى يستوي فيه الواحد المذكر وغيره وهو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضي: إنه يقال: رجل عدل ورجلان عدلان لأنه رعاية لجانب المعنى، وذكر بعضهم أن هذا التأويل يجعل كلا للتأكيد لأن الاستغراق شأن الجمع المعرف باللام، والحل مصدر أيضا أريد منه حلالا، والمراد الاخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا لا نفس الطعام لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات ولا يقدر نحو الإنفاق وإن صح أن يكون متعلق الحل وربما توهم بقرينة ما قبله لأنه خلاف الغرض المسوق له الكلام. وإِسْرائِيلَ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وعن أبي مجلز أن ملكا سماه بذلك بعد أن صرعه وضرب على فخذه إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ قال مجاهد: حرم لحوم الأنعام، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر، وعن عطاء أنه حرم لحوم الإبل وألبانها وسبب تحريم ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس أنه ﵊ كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه، وفي رواية سعيد بن جبير عنه أنه كان به ذلك الداء فأكل من لحوم الإبل فبات بليلة يزقو فحلف أن لا يأكل أبدا، وقيل: حرمه على نفسه تعبدا وسأل الله تعالى أن يجيز له فحرم سبحانه على ولده ذلك، ونسب هذا إلى الحسن، وقيل: إنه حرمه وكف نفسه عنه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد، اللذائذ على نفسه. وذهب كثير إلى أن التحريم كان بنص ورد عليه، وقال بعض: كان ذلك عن اجتهاد ويؤيده ظاهر النظم، وبه استدل على جوازه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والاستثناء متصل لأن المراد على كل تقدير أنه حرمه على نفسه وعلى أولاده، وقيل: منقطع، والتقدير ولكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم وصحح الأول مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ الظاهر أنه متعلق بقوله تعالى: كانَ حِلًّا ولا يضر الفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز، وذلك على

стр. 775

مذهب الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا أو حالا، وقيل: متعلق بحرم، وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه، واعتذر عنه بأن فائدة ذلك بيان أن التحريم مقدم عليها وأن التوراة مشتملة على محرمات أخر حدثت عليهم حرجا وتضييقا، واختار بعضهم أنه متعلق بمحذوف، والتقدير كانَ حِلًّا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ في جواب سؤال نشأ من سابق المستثنى كأنه قيل: متى كان حلا؟ فأجيب به والذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور فائدة تقييد التحريم ولزوم قصر الصفة قبل تمامها على تقدير جعله قيدا للحل. ولا يخفى ما فيه، والمعنى على الظاهر أن كل الطعام ما عدا المستثنى كان حلالا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم، وفي ذلك رد لليهود في دعواهم البراءة فيما نعي عليهم قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ [النساء: ١٦٠] وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا [الأنعام: ١٤٦] الآيتين، وتبكيت لهم في منع النسخ ضرورة أن تحريم ما كان حلالا لا يكون إلا به ودفع الطعن في دعوى الرسول ﷺ موافقته لأبيه إبراهيم ﵇ على ما دل عليه سبب النزول. وذهب السدي إلى أنه لم يحرم عليهم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب ﵇، وقال الكلبي: لم يحرم سبحانه عليهم ما حرم في التوراة، وإنما حرمه بعدها بظلمهم وكفرهم. فقد كانت بنو إسرائيل إذا أصابت ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا وصب عليهم رجزا، وعن الضحاك أنه لم يحرم الله تعالى عليهم شيئا من ذلك في التوراة ولا بعدها، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم وإضافة تحريمه إلى الله تعالى مجاز وهذا في غاية البعد قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها أمر له صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاما مع اليهود منقطعا عما قبله، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها، روي أنهم لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجرا. وفي ذلك دليل ظاهر على صحة نبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إذ علم بأن ما في التوراة يدل على كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرها من زبر الأولين ومثله لا يكون إلا عن وحي فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي اخترع ذلك بزعمه أن التحريم كان على الأنبياء وأممهم قبل نزول التوراة فَمَنِ عبارة عن أولئك اليهود، ويحتمل أن تكون عامة ويدخلون حينئذ دخولا أوليا، وأصل الافتراء قطع الأديم يقال: فرى الأديم يفريه فريا إذا قطعه، واستعمل في الابتداع والاختلاق، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة وأن تكون منصوبة المحل معطوفة على جملة فَأْتُوا فتدخل تحت القول، ومن يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة وقد روعي لفظها ومعناها مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي أمرهم بما ذكر وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. فَأُولئِكَ أي المفترون المبعدون عن عز القرب هُمُ الظَّالِمُونَ لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم، وقيل: هم الظالمون لأنفسهم بذلك ولأشياعهم بإضلالهم لهم بسبب إصرارهم على الباطل وعدم تصديقهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما قيد بالبعدية- مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله تعالى في كل وقت وفي كل حال- للدلالة على كمال القبح، وقيل: لبيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه ومن كذب فيما ليس بمحجوج فيه فهو بمنزلة الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه وفيه تأمل، ثم مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الأكل إنفاق مما يحب
следующие страницы →