← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22842

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

جمال الدين القاسمي

Полный текст (327 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ إِنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ أَذًى احْتَمَلَهُ وَخُسْرَانٍ أَصَابَهُ ثَوَابٌ، فَلَا يَضِيعُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ اللَّهِ . وَيُقَالُ: «مِنْ عَلَامَةِ قَبُولِ الْحَجِّ تَرْكُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَنْ يَتَبَدَّلَ بِإِخْوَانِهِ الْبَطَّالِينَ إِخْوَانًا صَالِحِينَ، وَبِمَجَالِسِ اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ مَجَالِسَ الذِّكْرِ وَالْيَقَظَةِ» . طَرِيقُ الِاعْتِبَارِ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ الْبَاطِنَةِ وَالتَّذَكُّرُ لِأَسْرَارِهَا وَمَعَانِيهَا: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَذَكِّرِ وَعِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ إِذَا انْفَتَحَ بَابُهَا انْكَشَفَ لِكُلِّ خَارِجٍ مِنْ أَسْرَارِهَا مَا يَقْتَضِيهِ صَفَاءُ قَلْبِهِ وَغَزَارَةُ فَهْمِهِ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ، وَنَصَبَهُ مَقْصِدًا لِعِبَادِهِ، وَجَعَلَ مَا حَوَالَيْهِ حَرَمًا لِبَيْتِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ، وَأَكَّدَ حُرْمَةَ الْمَوْضِعِ بِتَحْرِيمِ صَيْدِهِ وَشَجَرِهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى مِثَالِ حَضْرَةِ الْمُلُوكِ يَقْصِدُهُ الزُّوَّارُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَمِنْ كُلِّ أَوْبٍ سَحِيقٍ شُعْثًا غُبْرًا مُتَوَاضِعِينَ لِرَبِّ الْبَيْتِ خُضُوعًا لِجَلَالِهِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ بَيْتٌ أَوْ يَكْتَنِفَهُ بَلَدٌ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي رِقِّهِمْ وَعُبُودِيَّتِهِمْ وَأَتَمَّ فِي إِذْعَانِهِمْ وَانْقِيَادِهِمْ. وَفِي الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ نِدَاءِ اللَّهِ ، وَفِي دُخُولِ مَكَّةَ تَذَكُّرُ الِانْتِهَاءِ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ، فَلْيَخْشَ أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِلْقُرْبِ وَلْيَرْجُ الرَّحْمَةَ. وَفِي مُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ إِحْضَارُ عَظَمَةِ الْبَيْتِ فِي الْقَلْبِ وَتَقْدِيرُ مُشَاهَدَتِهِ لِرَبِّ الْبَيْتِ لِشِدَّةِ تَعْظِيمِهِ إِيَّاهُ، وَفِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ تَشَبُّهٌ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ الْحَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ الطَّائِفِينَ حَوْلَهُ، وَمَا الْقَصْدُ طَوَافُ الْجِسْمِ بَلْ طَوَافُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ الرَّبِّ، وَفِي التَّعَلُّقِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَالِالْتِصَاقِ بِالْمُلْتَزَمِ طَلَبُ الْقُرْبِ حُبًّا وَشَوْقًا لِلْبَيْتِ وَلِرَبِّ الْبَيْتِ وَتَبَرُّكًا بِالْمُمَارَسَةِ وَالْإِلْحَاحِ فِي طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَسُؤَالِ الْأَمَانِ كَالْمُذْنِبِ الْمُتَعَلِّقِ بِثِيَابِ مَنْ أَذْنَبَ إِلَيْهِ الْمُتَضَرِّعِ إِلَيْهِ فِي عَفْوِهِ عَنْهُ الْمُظْهِرِ لَهُ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ ذَيْلَهُ إِلَّا بِالْعَفْوِ عَنْهُ. وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُضَاهَاةُ تَرَدُّدِ الْعَبْدِ بِفَنَاءِ الْمُلْكِ جَائِيًا وَذَاهِبًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِظْهَارًا لِلْخُلُوصِ فِي الْخِدْمَةِ وَرَجَاءً لِلْمُلَاحَظَةِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ كَالَّذِي دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ وَخَرَجَ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا الَّذِي يَقْضِي بِهِ الْمَلِكُ فِي حَقِّهِ مِنْ قَبُولٍ أَوْ رَدٍّ، فَلَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ عَلَى فِنَاءِ الدَّارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى يَرْجُو أَنْ يُرْحَمَ فِي الثَّانِيَةِ إِنْ لَمْ يُرْحَمْ فِي الْأُولَى. وَفِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَرُؤْيَةِ ازْدِحَامِ الْخَلْقِ وَارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ تَذَكُّرُ اجْتِمَاعِ الْأُمَمِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَتَحَيُّرِهِمْ فِي ذَلِكَ الصَّعِيدِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَفِي تَذَكُّرِ ذَلِكَ إِلْزَامُ الْقَلْبِ الضَّرَاعَةَ وَالِابْتِهَالَ إِلَى اللَّهِ ، وَرَجَاءُ الْحَشْرِ فِي زُمْرَةِ الْفَائِزِينَ الْمَرْحُومِينَ وَتَحْقِيقُ الرَّجَاءِ بِالْإِجَابَةِ فَالْمَوْقِفُ شَرِيفٌ، وَالرَّحْمَةُ إِنَّمَا تَصِلُ مِنْ حَضْرَةِ الْجَلَالِ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ بِوَاسِطَةِ الْقُلُوبِ النَّقِيَّةِ، وَلَا يَنْفَكُّ الْمَوْقِفُ عَنْ طَبَقَاتٍ مِنَ الصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هِمَمُهُمْ وَتَجَرَّدَتْ لِلضَّرَاعَةِ وَالِابْتِهَالِ قُلُوبُهُمْ وَارْتَفَعَتْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَيْدِيهِمْ وَامْتَدَّتْ إِلَيْهِ أَعْنَاقُهُمْ وَشَخَصَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ أَبْصَارُهُمْ مُجْتَمِعِينَ بِهِمَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّهُ يُخَيِّبُ أَمَلَهُمْ وَيُضَيِّعُ سَعْيَهُمْ وَيَدَّخِرُ عَنْهُمْ رَحْمَةً تَغْمُرُهُمْ. وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ انْقِيَادٌ لِلْأَمْرِ إِظْهَارًا لِلرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَقَصْدُ رَمْيِ وَجْهِ الشَّيْطَانِ وَقَصْمُ ظَهْرِهِ. وَفِي زِيَارَةِ الْمَدِينَةِ وَمُشَاهَدَتِهَا تَذَكُّرُ أَنَّهَا الْبَلْدَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَجَعَلَ إِلَيْهَا هِجْرَتَهُ، وَأَنَّهَا دَارُهُ الَّتِي شَرَعَ

стр. 72

فِيهَا فَرَائِضَ رَبِّهِ وَسُنَنَهُ وَجَاهَدَ عَدُوَّهُ وَأَظْهَرَ بِهَا دِينَهُ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، وَأَنَّهَا الْعَرْصَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ وَلِأَوَّلِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَلِهِمْ عِصَابَةً، وَأَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوَّلُ مَا أُقِيمَتْ فِي تِلْكَ الْعَرْصَةِ وَأَنَّهَا جَمَعَتْ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ﷺ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ.

стр. 73

كِتَابُ آدَابِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ قَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِنَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ، وَكِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ حَتَّى اتَّسَعَ عَلَى أَهْلِ الِافْتِكَارِ طَرِيقُ الِاعْتِبَارِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ، وَاتَّضَحَ بِهِ سُلُوكُ الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، بِمَا فَصَّلَ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَهُوَ الضِّيَاءُ وَالنُّورُ، وَبِهِ النَّجَاةُ مِنَ الْغُرُورِ، وَفِيهِ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فَقَدْ هُدِيَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ فَقَدْ فَازَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الْحَجْرِ: ٩] . وَمِنْ أَسْبَابِ حِفْظِهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْمَصَاحِفِ اسْتِدَامَةُ تِلَاوَتِهِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى دِرَاسَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِآدَابِهِ وَشُرُوطِهِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالْآدَابِ الظَّاهِرَةِ، وَذَلِكَ مَا لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَتَفْصِيلِهِ. فَضْلُ الْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ وَذَمُّ الْمُقَصِّرِينَ فِي تِلَاوَتِهِ: قَالَ ﷺ : " مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ رَأَى أَحَدًا أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ". وَقَالَ ﷺ : " أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ ". وَقَالَ ﷺ : " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ". وَقَالَ " ابْنُ مَسْعُودٍ ": " إِذَا أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ فَانْثُرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ". وَقَالَ " عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ": " مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدْ أُدْرِجَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ ". وَقَدْ جَاءَ فِي ذَمِّ تِلَاوَةِ الْغَافِلِينَ قَوْلُهُ ﷺ : " مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ ". وَقَوْلُهُ ﷺ : " اقْرَأِ الْقُرْآنَ مَا نَهَاكَ فَإِنْ لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ ". وَقَالَ أنس: " رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ ". وَقَالَ " ابْنُ مَسْعُودٍ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِيَعْمَلُوا بِهِ فَاتَّخَذُوا دِرَاسَتَهُ عَمَلًا، إِنَّ

стр. 74

أَحَدَهُمْ لَيَقْرَأُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يُسْقِطُ مِنْهُ حَرْفًا وَقَدْ أَسْقَطَ الْعَمَلَ بِهِ ". وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَيَلْعَنُ نَفْسَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ يَقُولُ: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هُودٍ: ١٨] وَهُوَ ظَالِمٌ نَفْسَهُ أَلَا: (لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٦١] وَهُوَ مِنْهُمْ. ظَاهِرُ آدَابِ التِّلَاوَةِ: الْأَدَبُ الْأَوَّلُ فِي حَالِ الْقَارِئِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوُضُوءِ وَاقِفًا عَلَى هَيْئَةِ الْأَدَبِ وَالسُّكُونِ إِمَّا قَائِمًا وَإِمَّا جَالِسًا، مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ مُطْرِقًا رَأْسَهُ غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ وَلَا مُتَّكِئٍ وَلَا جَالِسٍ عَلَى هَيْئَةِ التَّكَبُّرِ، فَإِنْ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا فِي الْفِرَاشِ فَلَهُ أَيْضًا فَضْلٌ وَلَكِنَّهُ دُونَ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] فَأَثْنَى عَلَى الْكُلِّ وَلَكِنْ قَدَّمَ الْقِيَامَ فِي الذِّكْرِ ثُمَّ الْقُعُودَ ثُمَّ الذِّكْرَ مُضْطَجِعًا. الثَّانِي فِي مِقْدَارِ الْقِرَاءَةِ: وَلِلْقُرَّاءِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الِاسْتِكْثَارِ وَالِاخْتِصَارِ، وَالْمَأْثُورُ عَنْ «عثمان وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتِمُونَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ يُقَسِّمُونَهُ سَبْعَةَ أَحْزَابٍ. الثَّالِثُ: التَّرْتِيلُ: هُوَ الْمُسْتَحَبُّ فِي هَيْئَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّا سَنُبَيِّنُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ التَّفَكُّرُ، وَالتَّرْتِيلُ مُعِينٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ نَعَتَتْ «أم سلمة» ﵂ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هِيَ تَنْعِتُ قِرَاءَتَهُ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا. قَالَ «ابْنُ عَبَّاسٍ» ﵄: «لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ أُرَتِّلُهُمَا وَأَتَدَبَّرُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ هَذْرَمَةً» وَجَلِيٌّ أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتُّؤَدَةَ أَقْرَبُ إِلَى التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْهَذْرَمَةِ وَالِاسْتِعْجَالِ. الرَّابِعُ الْبُكَاءُ: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ مَعَ الْقِرَاءَةِ، وَمَنْشَؤُهُ الْحُزْنُ وَذَلِكَ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا فِيهِ مِنَ

стр. 75

التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ تَقْصِيرَهُ فِي أَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ فَيَحْزَنُ لَا مَحَالَةَ وَيَبْكِي. الْخَامِسُ: أَنْ يُرَاعِيَ حَقَّ الْآيَاتِ فَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ سَجْدَةٍ سَجَدَ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ سَجْدَةً سَجَدَ إِذَا سَجَدَ التَّالِي، وَلَا يَسْجُدُ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ ; وَقَدْ قِيلَ فِي كَمَالِهَا: إِنَّهُ يُكَبِّرُ رَافِعًا يَدَيْهِ لِتَحْرِيمِهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلِارْتِفَاعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ. السَّادِسُ: أَنْ يَقُولَ فِي مُبْتَدَأِ قِرَاءَتِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَفِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَسْبِيحٍ سَبَّحَ وَكَبَّرَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ اسْتِغْفَارٍ دَعَا وَاسْتَغْفَرَ، وَإِنْ مَرَّ بِمَرْجُوٍّ سَأَلَ، أَوْ بِمُخَوِّفٍ اسْتَعَاذَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ. السَّابِعُ: الْإِسْرَارُ بِالْقِرَاءَةِ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ يَخَافُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْفَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَهْرِ مَا يُشَوِّشُ عَلَى مُصَلٍّ فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَطْرُدُ النَّوْمَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَيَزِيدُ فِي نَشَاطِهِ لِلْقِرَاءَةِ وَيُقَلِّلُ مِنْ كَسَلِهِ، فَمَتَى حَضَرَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّيَّاتِ فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ. الثَّامِنُ: تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيبُهَا مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ مُفْرِطٍ يُغَيِّرُ النَّظْمَ فَذَلِكَ سُنَّةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَفِي آخَرَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» فَقِيلَ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ التَّرَنُّمَ وَتَرْدِيدَ الْأَلْحَانِ بِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَاسْتَمَعَ ﷺ إِلَى قِرَاءَةِ «أبي موسى» فَقَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» وَيُرْوَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا أَمَرُوا أَحَدَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ. أَعْمَالُ الْبَاطِنِ فِي التِّلَاوَةِ وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ: فَهْمُ عَظَمَةِ الْكَلَامِ وَعُلُوِّهِ وَفَضْلِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ فِي إِيصَالِ كَلَامِهِ إِلَى أَفْهَامِ خَلْقِهِ.

стр. 76

الثَّانِي: التَّعْظِيمُ لِلْمُتَكَلِّمِ، فَالْقَارِئُ عِنْدَ الْبِدَايَةِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ فِي قَلْبِهِ عَظَمَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ، وَلَنْ تَحْضُرَهُ عَظَمَةُ الْمُتَكَلِّمِ مَا لَمْ يَتَفَكَّرْ فِي صِفَاتِهِ وَجَلَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَإِذَا حَضَرَ بِبَالِهِ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَشْجَارِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْخَالِقَ لِجَمِيعِهَا وَالْقَادِرَ عَلَيْهَا وَالرَّازِقَ لَهَا وَاحِدٌ وَأَنَّ الْكُلَّ فِي قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَبَيْنَ نِقْمَتِهِ وَسَطْوَتِهِ، إِنْ أَنْعَمَ فَبِفَضْلِهِ، وَإِنْ عَاقَبَ فَبِعَدْلِهِ، فَبِالتَّفَكُّرِ فِي أَمْثَالِ هَذَا يَحْضُرُ تَعْظِيمُ الْمُتَكَلِّمِ ثُمَّ تَعْظِيمُ الْكَلَامِ. الثَّالِثُ: حُضُورُ الْقَلْبِ وَتَرْكُ حَدِيثِ النِّفْسِ وَالتَّجَرُّدُ لَهُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَصَرْفُ الْهَمِّ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ، كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا قَرَأَ سُورَةً لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ فِيهَا أَعَادَهَا ثَانِيَةً، وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَتَوَلَّدُ عَمَّا قَبْلَهَا مِنَ التَّعْظِيمِ، فَإِنَّ الْمُعَظِّمَ لِلْكَلَامِ الَّذِي يَتْلُوهُ وَيَسْتَبْشِرُ بِهِ وَيَسْتَأْنِسُ لَا يَغْفُلُ عَنْهُ، وَفِي الْقُرْآنِ مَا يَسْتَأْنِسُ بِهِ الْقَلْبُ إِنْ كَانَ التَّالِي أَهْلًا لَهُ فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْأُنْسَ بِالْفِكْرِ فِي غَيْرِهِ. الرَّابِعُ التَّدَبُّرُ: وَهُوَ وَرَاءَ حُضُورِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَفَكَّرُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَتَدَبَّرُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْقِرَاءَةِ التَّدَبُّرُ، وَلِذَلِكَ سُنَّ فِيهِ التَّرْتِيلُ لِأَنَّ التَّرْتِيلَ فِي الظَّاهِرِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّدَبُّرِ بِالْبَاطِنِ، قَالَ " علي " ﵁: " لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا فِقْهَ فِيهَا وَلَا فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا "، وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّدَبُّرِ إِلَّا بِتَرْدِيدٍ فَلْيُرَدِّدْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَ إِمَامٍ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ لَيْلَةً بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا. الْخَامِسُ: التَّفَهُّمُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْضِحَ عَنْ كُلِّ آيَةٍ مَا يَلِيقُ بِهَا، إِذِ الْقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ صِفَاتِ اللَّهِ وَذِكْرِ أَفْعَالِهِ، وَذِكْرِ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحْوَالِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَيْفَ أُهْلِكُوا، وَذِكْرِ أَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَمَّا صِفَاتُ اللَّهِ فَكَقَوْلِهِ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشُّورَى: ١١] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) [الْحَشْرِ: ٢٣] فَلْيَتَأَمَّلْ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِيَنْكَشِفَ لَهُ أَسْرَارُهَا. وَأَمَّا أَفْعَالُهُ تَعَالَى فَكَذِكْرِهِ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، فَلْيَفْهَمِ التَّالِي مِنْهَا صِفَاتِ اللَّهِ جَلَالُهُ إِذِ الْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الْفَاعِلِ فَتَدُلُّ عَظَمَتُهُ عَلَى عَظَمَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ فِي الْفِعْلِ الْفَاعِلَ دُونَ الْفِعْلِ، فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ رَآهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِهَذَا يَنْبَغِي إِذَا قَرَأَ التَّالِي قَوْلَهُ : (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٦٣] (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٥٨] (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٦٨] (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٧١] فَلَّا يَقْصُرُ نَظَرُهُ عَلَى الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْحَرْثِ وَالْمَنِيِّ بَلْ يَتَأَمَّلُ فِي الْمَنِيِّ وَهُوَ نُطْفَةٌ مُتَشَابِهَةُ الْأَجْزَاءِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي كَيْفِيَّةِ انْقِسَامِهَا إِلَى اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعُرُوقِ وَالْعَصَبِ، وَكَيْفِيَّةِ تَشَكُّلِ أَعْضَائِهَا بِالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ: مِنَ الرَّأْسِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالْكَبِدِ، وَالْقَلْبِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ إِلَى مَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الصِّفَاتِ الشَّرِيفَةِ: مِنَ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْعَقْلِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ إِلَى مَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ: مِنَ الْغَضَبِ، وَالشَّهْوَةِ، وَالْكِبْرِ، وَالْجَهْلِ، وَالتَّكْذِيبِ، وَالْمُجَادَلَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)

стр. 77

[يس: ٧٧] فَيَتَأَمَّلُ هَذِهِ الْعَجَائِبَ لِيَتَرَقَّى مِنْهَا إِلَى أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ وَهُوَ الصَّنْعَةُ الَّتِي مِنْهَا صَدَرَتْ هَذِهِ الْأَعَاجِيبُ، فَلَا يَزَالُ يَنْظُرُ إِلَى الصَّنْعَةِ وَيَرَى الصَّانِعَ. وَأَمَّا أَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَإِذَا سَمِعَ مِنْهَا أَنَّهُمْ كُذِّبُوا وَضُرِبُوا وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ سَمِعَ نُصْرَتَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَهِمَ قُدْرَةَ اللَّهِ وَإِرَادَتَهُ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ. وَأَمَّا أَحْوَالُ الْمُكَذِّبِينَ كَعَادٍ وَثَمُودَ وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ فَلْيَكُنْ فَهْمُهُ مِنْهُ اسْتِشْعَارَ الْخَوْفِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَنِقْمَتِهِ، وَلْيَكُنْ حَظُّهُ مِنْهُ الِاعْتِبَارَ فِي نَفْسِهِ. السَّادِسُ: التَّخَلِّي عَنْ مَوَانِعِ الْفَهْمِ: فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ مُنِعُوا عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ لِأَسْبَابٍ وَحُجُبٍ أَسْدَلَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمْ عَجَائِبُ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ حُجُبِ الْفَهْمِ أَنْ يَكُونَ الْهَمُّ مُنْصَرِفًا إِلَى تَحْقِيقِ الْحُرُوفِ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ مَخَارِجِهَا وَهَذَا يَتَوَلَّى حِفْظَهُ شَيْطَانٌ وُكِّلَ بِالْقُرَّاءِ لِيَصْرِفَهُمْ عَنْ فَهْمِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ ، فَلَا يَزَالُ يَحْمِلُهُمْ عَلَى تَرْدِيدِ الْحُرُوفِ يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَخْرَجِهِ، فَهَذَا يَكُونُ تَأَمُّلُهُ مَقْصُورًا عَلَى مَخَارِجِ الْحُرُوفِ فَأَنَّى تَنْكَشِفُ لَهُ الْمَعَانِي، وَأَعْظَمُ ضَحِكَةٍ لِلشَّيْطَانِ مَنْ كَانَ مُطِيعًا لِمِثْلِ هَذَا التَّلْبِيسِ. السَّابِعُ التَّخْصِيصُ: وَهُوَ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ خِطَابٍ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ سَمِعَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا قَدَّرَ أَنَّهُ الْمَنْهِيُّ وَالْمَأْمُورُ، وَإِنْ سَمِعَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَمِعَ قَصَصَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلِمَ أَنَّ السَّمَرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ تَعْتَبِرَ بِهِ وَتَأْخُذَ مِنْ بِضَاعَتِهِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَمَا مِنْ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَسِيَاقُهَا لِفَائِدَةٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هُودٍ: ١٢٠] فَلْيُقَدِّرِ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ ثَبَّتَ فُؤَادَهُ بِمَا قَصَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَصَبْرِهِمْ عَلَى الْإِيذَاءِ وَثَبَاتِهِمْ فِي الدِّينِ لِانْتِظَارِ نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَيْفَ لَا يُقَدِّرُ هَذَا وَالْقُرْآنُ مَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً بَلْ هُوَ شِفَاءٌ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَنُورٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَافَّةَ بِشُكْرِ نِعْمَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] وَإِذَا قَصَدَ بِالْخِطَابِ جَمِيعَ النَّاسِ فَقَدْ قَصَدَ الْآحَادَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الْأَنْعَامِ: ١٩] . قَالَ " محمد القرظي ": مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكَأَنَّمَا كَلَّمَهُ اللَّهُ " وَإِذَا قَدَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَتَّخِذْ دِرَاسَةَ الْقُرْآنِ عَمَلَهُ بَلْ يَقْرَؤُهُ كَمَا يَقْرَأُ الْعَبْدُ كِتَابَ مَوْلَاهُ الَّذِي كَتَبَهُ إِلَيْهِ لِيَتَأَمَّلَهُ وَيَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَلِذَلِكَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: " هَذَا الْقُرْآنُ رَسَائِلُ أَتَتْنَا مِنْ قِبَلِ رَبِّنَا بِعُهُودِهِ نَتَدَبَّرُهَا فِي الصَّلَوَاتِ وَنُنَفِّذُهَا فِي الطَّاعَاتِ " الثَّامِنُ التَّأَثُّرُ: وَهُوَ أَنْ يَتَأَثَّرَ قَلْبُهُ بِآثَارٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْآيَاتِ فَيَكُونُ لَهُ بِحَسَبِ كُلِّ فَهْمٍ حَالٌ وَوَجْدٌ يَتَّصِفُ بِهِ قَلْبُهُ مِنَ الْحُزْنِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَغَيْرِهِ، وَمَهْمَا تَمَّتْ مَعْرِفَتُهُ

стр. 78

كَانَتِ الْخَشْيَةُ أَغْلَبَ الْأَحْوَالِ عَلَى قَلْبِهِ فَإِنَّ التَّضْيِيقَ غَالِبٌ عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ، فَلَا تَرَى ذِكْرَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ إِلَّا مَقْرُونًا بِشُرُوطٍ يَقْصُرُ الْعَارِفُ عَلَى نَيْلِهَا كَقَوْلِهِ : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ) [طه: ٨٢] ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ (لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [الْعَصْرِ: ١ - ٣] ذَكَرَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ وَحَيْثُ اقْتَصَرَ ذَكَرَ شَرْطًا جَامِعًا فَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الْأَعْرَافِ: ٥٦] فَالْإِحْسَانُ يَجْمَعُ الْكُلَّ، وَهَكَذَا مَنْ يَتَصَفَّحُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ. وَمَنْ فَهِمَ ذَلِكَ فَجَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ حَالُهُ الْخَشْيَةَ وَالْحُزْنَ، وَإِلَّا كَانَ حَظُّهُ مِنَ التِّلَاوَةِ حَرَكَةَ اللِّسَانِ مَعَ صَرِيحِ اللَّعْنِ عَلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هُودٍ: ١٨] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصَّفِّ: ٣] وَفِي قَوْلِهِ: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [النَّجْمِ: ٢٩] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الْحُجُرَاتِ: ١١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، فَالْقُرْآنُ يُرَادُ لِلْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ حَرَكَةِ اللِّسَانِ فَقَلِيلُ الْجَدْوَى وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ حَقَّ تِلَاوَتِهِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ اللِّسَانُ وَالْعَقْلُ وَالْقَلْبُ، فَحَظُّ اللِّسَانِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ بِالتَّرْتِيلِ، وَحَظُّ الْعَقْلِ تَفْسِيرُ الْمَعَانِي، وَحَظُّ الْقَلْبِ الِاتِّعَاظُ وَالتَّأَثُّرُ بِالِانْزِجَارِ وَالِائْتِمَارِ، فَاللِّسَانُ يُرَتِّلُ وَالْعَقْلُ يُتَرْجِمُ وَالْقَلْبُ يَتَّعِظُ.

стр. 79

كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ (فَضِيلَةُ الذِّكْرِ) مِنَ الْآيَاتِ قَوْلُهُ : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ١٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الْأَحْزَابِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] وَقَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) [النِّسَاءِ: ١٠٣] قَالَ «ابْنُ عَبَّاسٍ» : «أَيْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [الْأَعْرَافِ: ٢٠٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ: (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النِّسَاءِ: ١٤٢] . وَمِنَ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ. وَقَالَ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ . وَسُئِلَ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ . وَقَالَ ﷺ قَالَ اللَّهُ ﵎: إِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا الْحَدِيثَ. وَمِنَ الْآثَارِ قَوْلُ الْحَسَنِ: «الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ذِكْرُ اللَّهِ بَيْنَ نَفْسِكَ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهُ وَأَعْظَمَ أَجْرَهُ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ » . فَضِيلَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ

стр. 80

وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ عِنْدَهُ. فَضِيلَةُ التَّهْلِيلِ: قَالَ ﷺ : أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَقَالَ ﷺ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ الْحَدِيثَ. فَضِيلَةُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ: قَالَ ﷺ : مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ. وَقَالَ ﷺ : مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ. وَقَالَ ﷺ : أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ. وَقَالَ ﷺ : كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ. سِرُّ فَضِيلَةِ الذِّكْرِ: إِنْ قُلْتَ: مَا بَالُ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَعَ خِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ فِيهِ صَارَ أَفْضَلَ وَأَنْفَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهَا؟ فَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ هَذَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِعِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يُسْمَحُ بِذِكْرِهِ فِي عِلْمِ الْمُعَامَلَةِ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ النَّافِعَ هُوَ الذِّكْرُ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، فَأَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ لَاهٍ فَهُوَ قَلِيلُ الْجَدْوَى، بَلْ حُضُورُ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ أَوْ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْعِبَادَاتِ، بَلْ بِهِ تَشْرُفُ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ غَايَةُ ثَمَرَةِ الْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ. وَلِلذِّكْرِ أَوَّلُ وَآخِرُ: فَأَوَّلُهُ يُوجِبُ الْأُنْسَ وَالْحُبَّ، وَآخِرُهُ يُوجِبُ الْأُنْسَ وَالْحُبَّ وَيَصْدُرُ عَنْهُ، وَالْمَطْلُوبُ ذَلِكَ الْأُنْسُ وَالْحُبُّ.

стр. 81

فَضِيلَةُ الدُّعَاءِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) [الْبَقَرَةِ: ١٨٦] وَقَالَ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الْأَعْرَافِ: ٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غَافِرٍ: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] . وَقَالَ ﷺ : الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ. وَقَالَ ﷺ : سَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ. آدَابُ الدُّعَاءِ: الْأَوَّلُ: يَتَرَصَّدُ لِدُعَائِهِ الْأَوْقَاتَ الشَّرِيفَةَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ مِنَ السَّنَةِ وَرَمَضَانَ مِنَ الْأَشْهُرِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنَ الْأُسْبُوعِ وَوَقْتِ السَّحَرِ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ تَعَالَى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذَّارِيَاتِ: ١٨] . الثَّانِي: أَنْ يَغْتَنِمَ الْأَحْوَالَ الشَّرِيفَةَ كَحَالِ زَحْفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَعِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَحَالَةِ السُّجُودِ. وَبِالْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ شَرَفُ الْأَوْقَاتِ إِلَى شَرَفِ الْحَالَاتِ أَيْضًا إِذْ وَقْتُ السَّحَرِ وَقْتُ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَإِخْلَاصِهِ وَفَرَاغِهِ مِنَ الْمُشَوِّشَاتِ. وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْهَمِّ وَتَعَاوُنِ الْقُلُوبِ عَلَى اسْتِدْرَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ . الثَّالِثُ: أَنْ يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ. قَالَ «عمر» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَقَالَ «ابْنُ عَبَّاسٍ» : كَانَ ﷺ إِذَا دَعَا ضَمَّ كَفَّيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ فَهَذِهِ هَيْئَاتُ الْيَدِ، وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ. الرَّابِعُ: خَفْضُ الصَّوْتِ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ، قَالَتْ عائشة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] أَيْ بِدُعَائِكَ، وَقَدْ أَثْنَى تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا ﵇ حَيْثُ قَالَ: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) [مَرْيَمَ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) [الْأَعْرَافِ: ٥٥] . الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُجَاوِزَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةَ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْتَدِي فِي دُعَائِهِ فَيَسْأَلُ مَا لَا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُ، فَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الدُّعَاءَ.

стр. 82

السَّادِسُ: التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ، قَالَ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) [الْأَعْرَافِ: ٥٥] . السَّابِعُ: أَنْ يَجْزِمَ الدُّعَاءَ وَيُوقِنَ بِالْإِجَابَةِ وَيُصَدِّقَ رَجَاءَهُ فِيهِ قَالَ ﷺ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَعَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ. وَقَالَ ﷺ : إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ. وَقَالَ ﷺ : ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ. الثَّامِنُ: أَنْ يُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ وَيُكَرِّرَهُ ثَلَاثًا وَأَنْ لَا يَسْتَبْطِئَ الْإِجَابَةَ. التَّاسِعُ: أَنْ يَفْتَتِحَ الدُّعَاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَبْدَأَ بِالسُّؤَالِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَخْتِمَ بِهَا أَيْضًا. الْعَاشِرُ: وَهُوَ الْأَدَبُ الْبَاطِنُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِجَابَةِ: التَّوْبَةُ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ، فَذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ فِي الْإِجَابَةِ. فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الْأَحْزَابِ: ٥٦] . وَقَالَ ﷺ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَقِيلَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ "؟ فَقَالَ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَرُوِيَ أَنَّ " عمر " ﵁ سُمِعَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي وَيَقُولُ: " بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ فَقَالَ : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النِّسَاءِ: ٨٠] بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنْ أَخْبَرَكَ بِالْعَفْوِ عَنْكَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَكَ بِالذَّنْبِ فَقَالَ تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) [التَّوْبَةِ: ٤٣] بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَطَاعُوكَ وَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا يُعَذَّبُونَ يَقُولُونَ: (يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ) [الْأَحْزَابِ: ٦٦] بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُوسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ حَجَرًا تَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ فَمَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَصَابِعِكَ حِينَ نَبَعَ مِنْهَا الْمَاءُ صَلَّى

стр. 83

اللَّهُ عَلَيْكَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ أَعْطَاهُ اللَّهُ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَمَاذَا بِأَعْجَبَ مِنَ الْبُرَاقِ حِينَ سِرْتَ عَلَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ صَلَّيْتَ الصُّبْحَ مِنْ لَيْلَتِكَ بِالْأَبْطَحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَئِنْ كَانَ " عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " أَعْطَاهُ اللَّهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى فَمَاذَا بِأَعْجَبَ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ حِينَ كَلَّمَتْكَ وَهِيَ مَشْوِيَّةٌ فَقَالَتِ الذِّرَاعُ: لَا تَأْكُلْنِي فَإِنِّي مَسْمُومَةٌ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدِ اتَّبَعَكَ فِي قِلَّةِ سِنِّكَ وَقِصَرِ عُمُرِكَ مَا لَمْ يَتْبَعْ نُوحًا فِي كَثْرَةِ سِنِّهِ وَطُولِ عُمُرِهِ، وَلَقَدْ آمَنَ بِكَ الْكَثِيرُ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَلَقَدْ لَبِسْتَ الصُّوفَ، وَرَكِبْتَ الْحِمَارَ، وَأَرْدَفْتَ خَلْفَكَ وَوَضَعْتَ طَعَامَكَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَعِقْتَ أَصَابِعَكَ تَوَاضُعًا مِنْكَ فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ. فَضِيلَةُ الِاسْتِغْفَارِ قَالَ اللَّهُ : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النِّسَاءِ: ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النَّصْرِ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٧] وَقَالَ تَعَالَى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذَّارِيَاتِ: ١٧، ١٨] . وَكَانَ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَقَالَ ﷺ : مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وَقَالَ ﷺ : إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. وَكَانَ ﷺ يَقُولُ فِي الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَعَنِ «الفضيل» ﵀: اسْتِغْفَارٌ بِلَا إِقْلَاعٍ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ. وَعَنْ «رابعة العدوية» رَحِمَهَا اللَّهُ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ.

стр. 84

وَأَمَّا أَوْرَادُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَخَلْفِ الصَّلَوَاتِ وَفِي السَّحَرِ فَلَنَا فِيهَا كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ. آدَابُ النَّوْمِ: الْأَوَّلُ: الطَّهَارَةُ وَالسِّوَاكُ. الثَّانِي: أَنْ يُعِدَّ طَهُورَهُ وَسِوَاكَهُ وَيَنْوِيَ الْقِيَامَ لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ التَّيَقُّظِ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَبِيتَ مَنْ لَهُ وَصِيَّةٌ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْقَبْضَ مِنَ النَّوْمِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَنَامَ تَائِبًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ سَلِيمَ الْقَلْبِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِظُلْمِ أَحَدٍ وَلَا يَعْزِمَ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِنِ اسْتَيْقَظَ. الْخَامِسُ: أَنْ يَقْتَصِدَ فِي تَمْهِيدِ الْفُرُشِ النَّاعِمَةِ. السَّادِسُ: أَنْ لَا يَنَامَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ النَّوْمُ وَلَا يَتَكَلَّفَ اسْتِجْلَابَهُ إِلَّا إِذَا قَصَدَ بِهِ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى الْقِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. السَّابِعُ: أَنْ يَنَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. الثَّامِنُ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النَّوْمِ بِمَا وَرَدَ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَنْفُثُ بِهِنَّ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَسَائِرَ جَسَدِهِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالتَّسْبِيحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالتَّحْمِيدُ كَذَلِكَ وَالتَّكْبِيرُ كَذَلِكَ. التَّاسِعُ: أَنْ يَتَذَكَّرَ عِنْدَ النَّوْمِ أَنَّ النَّوْمَ نَوْعُ وَفَاةٍ وَالتَّيَقُّظَ نَوْعُ بَعْثٍ وَلْيَتَحَقَّقْ أَنَّهُ يُتَوَفَّى عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ لِقَائِهِ أَوْ حُبِّ الدُّنْيَا وَيُحْشَرُ عَلَى مَا يُتَوَفَّى عَلَيْهِ. الْعَاشِرُ: الدُّعَاءُ عِنْدَ التَّنَبُّهِ وَلْيَقُلْ أَوَّلًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. ثُمَّ لِيَقْرَأْ خَوَاتِمَ «آلِ عِمْرَانَ» [١٩٠ - ١٩٤]- (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الْآيَاتِ، وَلْيُسَبِّحْ عَشْرًا وَلْيَحْمَدْ كَذَلِكَ وَلْيُكَبِّرْ كَذَلِكَ وَلْيُهَلِّلْ كَذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى مَا تَيَسَّرَ لَهُ وَيَخْتِمُ بِالْوِتْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى

стр. 85

الْوِتْرَ. وَكَانَ رُبَّمَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ وَرُبَّمَا أَسَرَّ. وَأَكْثَرُ مَا صَحَّ عَنْهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. بَيَانُ أَنَّ الْأَوْرَادَ لِلْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَوْرَادَ وَالْأَذْكَارَ الْمَرْوِيَّةَ وَالْوَظَائِفَ اللَّيْلِيَّةَ وَالنَّهَارِيَّةَ إِنَّمَا تُسْتَحَبُّ لِلْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ الَّذِي لَا شُغْلَ لَهُ غَيْرُهَا أَصْلًا بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَ الْعِبَادَةَ لَجَلَسَ بَطَّالًا، وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ فِي فَتْوَى أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ تَصْنِيفٍ فَتَرْتِيبُهُ الْأَوْرَادَ يُخَالِفُ تَرْتِيبَ الْعَابِدِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُطَالَعَةِ لِلْكُتُبِ وَإِلَى التَّصْنِيفِ وَالْإِفَادَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُدَّةٍ لَهَا لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِغْرَاقُ الْأَوْقَاتِ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَاتِ وَرَوَاتِبِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فَضِيلَةِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَفِي الْعِلْمِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأَمُّلُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ رَسُولُهُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةُ الْخَلْقِ وَهِدَايَتُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَرُبَّ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَعَلَّمُهَا الْمُتَعَلِّمُ فَيُصْلِحُ بِهَا عِبَادَةَ عُمْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا لَكَانَ سَعْيُهُ ضَائِعًا. وَأَمَّا الْعَامِّيُّ وَالْمُتَعَلِّمُ فَحُضُورُهُ مَجَالِسَ الْعِلْمِ وَالْوَعْظِ أَفْضَلُ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِالْأَوْرَادِ، وَكَذَلِكَ الْمُحْتَرِفُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ الْعِيَالَ وَيَسْتَغْرِقَ الْأَوْقَاتَ فِي الْعِبَادَاتِ بَلْ وِرْدُهُ فِي وَقْتِ الصِّنَاعَةِ حُضُورُ السُّوقِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْسَى ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِنَاعَتِهِ. فَضِيلَةُ قِيَامِ اللَّيْلِ: مِنَ الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) [الزُّمَرِ: ٩] وَقَوْلُهُ : (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الْفُرْقَانِ: ٦٤] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذَّارِيَاتِ: ١٧ - ١٩] . وَمِنَ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ ﷺ : رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الْعَبْدُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ. الْأَسْبَابُ الْمُسَهِّلَةُ لِقِيَامِ اللَّيْلِ مِنْهَا أَنْ لَا يُكْثِرَ الْأَكْلَ فَيُكْثِرَ الشُّرْبَ فَيَغْلِبَهُ النَّوْمُ وَيَثْقُلَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتْرُكَ الْقَيْلُولَةَ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهَا سُنَّةُ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَمِنْهَا أَنْ يَعْرِفَ فَضْلَ قِيَامِ اللَّيْلِ بِسَمَاعِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ حَتَّى يَسْتَحْكِمَ بِهِ رَجَاؤُهُ وَشَوْقُهُ إِلَى ثَوَابِهِ فَيُهَيِّجُهُ الشَّوْقُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ وَالرَّغْبَةِ

стр. 86

فِي دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، وَمِنْهَا، وَهُوَ أَشْرَفُ الْبَوَاعِثِ، الْحُبُّ وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ فِي قِيَامِهِ لَا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ إِلَّا وَهُوَ مُنَاجٍ بِهِ رَبَّهُ وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خِطَابٌ مَعَهُ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ لَا مَحَالَةَ الْخَلْوَةَ بِهِ وَتَلَذَّذَ بِالْمُنَاجَاةِ، فَتَحْمِلُهُ لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ بِالْحَبِيبِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ. بَيَانُ لَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ عَقْلًا وَنَقْلًا لَا يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَبْعَدَ هَذِهِ اللَّذَّةُ إِذْ يَشْهَدُ لَهَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ ; فَأَمَّا الْعَقْلُ فَلْيَعْتَبِرْ حَالَ الْمُحِبِّ لِشَخْصٍ بِسَبَبِ جَمَالِهِ أَوْ لِمَلِكٍ بِسَبَبِ إِنْعَامِهِ وَأَمْوَالِهِ أَنَّهُ كَيْفَ يَتَلَذَّذُ بِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَمُنَاجَاتِهِ حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ النَّوْمُ طُولَ لَيْلِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ الْجَمِيلَ يُتَلَذَّذُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيلُ الْمَحْبُوبُ وَرَاءَ سِتْرٍ أَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ لَكَانَ الْمُحِبُّ يَتَلَذَّذُ بِمُجَاوَرَتِهِ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مَعْلُومًا عِنْدَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ يَنْتَظِرُ جَوَابَهُ فَيَتَلَذَّذُ بِسَمَاعِ جَوَابِهِ وَلَيْسَ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ وَيَسْكُتُ عَنْهُ فَقَدْ بَقِيَتْ أَيْضًا لَذَّةٌ فِي عَرْضِ أَحْوَالِهِ عَلَيْهِ وَرَفْعِ سَرِيرَتِهِ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَالْمُوقِنُ يَسْمَعُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَى خَاطِرِهِ فِي أَثْنَاءِ مُنَاجَاتِهِ فَيَتَلَذَّذُ بِهِ، وَكَذَا الَّذِي يَخْلُو بِالْمَلِكِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ حَاجَاتِهِ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ يَتَلَذَّذُ بِهِ فِي رَجَاءِ إِنْعَامِهِ، وَالرَّجَاءُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَصْدَقُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ أَبْقَى وَأَنْفَعُ مِمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَكَيْفَ لَا يَتَلَذَّذُ بِعَرْضِ الْحَاجَاتِ عَلَيْهِ فِي الْخَلَوَاتِ. وَأَمَّا النَّقْلُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَحْوَالُ قُوَّامِ اللَّيْلِ فِي تَلَذُّذِهِمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَاسْتِقْصَارِهِمْ لَهُ كَمَا يَسْتَقْصِرُ الْمُحِبُّ لَيْلَةَ وِصَالِ الْحَبِيبِ، حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: كَيْفَ أَنْتَ وَاللَّيْلُ؟ قَالَ مَا رَاعَيْتُهُ قَطُّ يُرِينِي وَجْهَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَمَا تَأَمَّلْتُهُ بَعْدُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ: «مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا أَحْزَنَنِي شَيْءٌ سِوَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . وَقَالَ «الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ» : «إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَرِحْتُ بِالظَّلَامِ لِخَلْوَتِي بِرَبِّي وَإِذَا طَلَعَتْ حَزِنْتُ لِدُخُولِ النَّاسِ عَلَيَّ» . وَقَالَ أبو سليمان: «أَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَلَذُّ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ، وَلَوْلَا اللَّيْلُ مَا أَحْبَبْتُ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَقْتٌ يُشْبِهُ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا يَجِدُهُ أَهْلُ التَّمَلُّقِ فِي قُلُوبِهِمْ بِاللَّيْلِ مِنْ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْجَنَّةِ أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ لَا يَجِدُهَا سِوَاهُمْ» ، وَقَالَ

стр. 87

ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: «مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا إِلَّا ثَلَاثٌ: قِيَامُ اللَّيْلِ وَلِقَاءُ الْإِخْوَانِ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ» . وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: «كَيْفَ اللَّيْلُ عَلَيْكَ؟» فَقَالَ: «سَاعَةٌ أَنَا فِيهَا بَيْنَ حَالَتَيْنِ أَفْرَحُ بِظُلْمَتِهِ إِذَا جَاءَ وَأَغْتَمُّ بِفَجْرِهِ إِذَا طَلَعَ مَا تَمَّ فَرَحِي بِهِ قَطُّ» . طُرُقُ الْقِسْمَةِ لِأَجْزَاءِ اللَّيْلِ إِحْيَاءُ اللَّيْلِ لَهُ سَبْعُ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: إِحْيَاءُ كُلِّ اللَّيْلِ وَهُوَ شَأْنُ الْأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَلَذَّذُوا بِمُنَاجَاتِهِ وَصَارَ ذَلِكَ غِذَاءً لَهُمْ وَحَيَاةً لِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَتْعَبُوا بِطُولِ الْقِيَامِ وَرَدُّوا الْمَنَامَ إِلَى النَّهَارِ ; اشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْ أَرْبَعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُومَ ثُلْثَ اللَّيْلِ مِنَ النِّصْفِ الْأَخِيرِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُومَ سُدْسَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ أَوْ خُمْسَهُ. الْخَامِسَةُ: أَنْ لَا يُرَاعِيَ التَّقْدِيرَ فَيَنَامَ وَيَقُومَ فِي أَجْزَاءِ اللَّيْلِ مُطْلَقًا. السَّادِسَةُ: أَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ وَحَيْثُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمِلَ الْقِيَامَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَقْتَ السَّحَرِ وَلَا يُدْرِكَهُ الصُّبْحُ نَائِمًا، وَهَذِهِ هِيَ الرُّتْبَةُ السَّابِعَةُ.

стр. 88

وَأَمَّا قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ بَلْ رُبَّمَا كَانَ يَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ ثُلُثَيْهِ أَوْ سُدُسَهُ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ مِنَ اللَّيَالِي، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] فَأَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ كَأَنَّهُ نِصْفُهُ وَنِصْفُ سُدُسِهِ، فَإِنْ كُسِرَ قَوْلُهُ: (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) ، كَانَ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ وَثُلُثَهُ فَيَقْرُبُ مِنَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَإِنْ نُصِبَ كَانَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَثُلُثَهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ ﷺ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ يَعْنِي الدِّيكَ، وَهَذَا يَكُونُ السُّدُسَ فَمَا دُونَهُ.

стр. 89

كِتَابُ آدَابِ الْأَكْلِ وَالدَّعْوَةِ وَالضِّيَافَةِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْسَنَ تَدْبِيرَ الْكَائِنَاتِ، فَخَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ وَأَنْزَلَ الْمَاءَ الْفُرَاتَ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ، فَأَخْرَجَ بِهِ الْحَبَّ وَالنَّبَاتَ، وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ وَالْأَقْوَاتَ، وَحَفِظَ بِالْمَأْكُولَاتِ قُوَى الْحَيَوَانَاتِ، وَأَعَانَ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ. فَشُكْرًا لَهُ عَلَى مَمَرِّ الْأَوْقَاتِ. وَلَمَّا كَانَ مَقْصِدُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِ الثَّوَابِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ لِلِقَائِهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِمَا إِلَّا بِسَلَامَةِ الْبَدَنِ، وَلَا تَصْفُوا سَلَامَةُ الْبَدَنِ إِلَّا بِالْأَطْعِمَةِ وَالْأَقْوَاتِ وَالتَّنَاوُلِ مِنْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى تَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الْأَكْلَ مِنَ الدِّينِ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [الْمُؤْمِنُونَ: ٥١] وَهَا نَحْنُ نُرْشِدُ إِلَى وَظَائِفِ الدِّينِ فِي الْأَكْلِ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا. بَيَانُ مَا لَا بُدَّ لِلْآكِلِ مِنْ مُرَاعَاتِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْآدَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ بَعْدَ كَوْنِهِ حَلَالًا فِي نَفْسِهِ طَيِّبًا فِي جِهَةِ مَكْسَبِهِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ وَالْوَرَعِ، لَمْ يُكْتَسَبْ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا بِحُكْمِ هَوًى وَمُدَاهَنَةٍ فِي دِينٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَهُوَ الْحَلَالُ، وَقَدَّمَ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ بِالْبَاطِلِ عَلَى الْقَتْلِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِ الْحَرَامِ وَتَعْظِيمًا لِبَرَكَةِ الْحَلَالِ فَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النِّسَاءِ: ٢٩] فَالْأَصْلُ فِي الطَّعَامِ كَوْنُهُ طَيِّبًا وَهُوَ فِي الْفَرَائِضِ وَأُصُولِ الدِّينِ. الثَّانِي: غَسْلُ الْيَدِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ لَوْثٍ فِي تَعَاطِي الْأَعْمَالِ فَغَسْلُهَا أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ وَالنَّزَاهَةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ بِأَكْلِهِ أَنْ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ مُطِيعًا بِالْأَكْلِ، وَمِنْ

стр. 90

ضَرُورَةِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَمُدَّ الْيَدَ إِلَى الطَّعَامِ إِلَّا وَهُوَ جَائِعٌ فَيَكُونُ الْجُوعُ أَحَدَ مَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْأَكْلِ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ الْيَدَ قَبْلَ الشِّبَعِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنِ الطَّبِيبِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَرْضَى بِالْمَوْجُودِ مِنَ الرِّزْقِ وَالْحَاضِرِ مِنَ الطَّعَامِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَكْثِيرِ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ وَلَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَإِنَّ خَيْرَ الطَّعَامِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي ; وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي فِي آدَابِهِ حَالَةُ الْأَكْلِ: وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِـ «بِسْمِ اللَّهِ» فِي أَوَّلِهِ، وَبِـ «الْحَمْدُ لِلَّهِ» فِي آخِرِهِ، وَيَجْهَرَ بِهِ لِيُذَكِّرَ غَيْرَهُ، وَيَأْكُلَ بِالْيُمْنَى وَيُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُجَوِّدَ مَضْغَهَا، وَمَا لَمْ يَبْتَلِعْهَا لَا يَمُدُّ الْيَدَ إِلَى الْأُخْرَى فَإِنَّ ذَلِكَ عَجَلَةٌ فِي الْأَكْلِ، وَأَنْ لَا يَذُمَّ مَأْكُولًا. كَانَ ﷺ لَا يَعِيبُ مَأْكُولًا، كَانَ إِذَا أَعْجَبَهُ أَكْلُهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ. وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ إِلَّا الْفَاكِهَةَ فَلَهُ أَنْ يُجِيلَ يَدَهُ فِيهَا، وَلَا يَضَعَ عَلَى الْخُبْزِ قَصْعَةً وَلَا غَيْرَهَا إِلَّا مَا يُؤْكَلُ بِهِ، وَلَا يَمْسَحَ يَدَهُ بِالْخُبْزِ وَلَا يَنْفُخَ فِي الطَّعَامِ الْحَارِّ بَلْ يَصْبِرَ إِلَى أَنْ يَسْهُلَ أَكْلُهُ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالنَّوَى فِي طَبَقٍ، وَلَا يَجْمَعَ فِي كَفِّهِ بَلْ يَضَعَ النَّوَاةَ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ ثُمَّ يُلْقِيهَا وَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ عَجَمٌ وَثُفْلٌ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ مَا اسْتَرْذَلَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَطْرَحَهُ فِي الْقَصْعَةِ بَلْ يَتْرُكَهُ مَعَ الثُّفْلِ حَتَّى لَا يَلْتَبِسَ عَلَى غَيْرِهِ فَيَأْكُلَهُ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ الشُّرْبَ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ إِلَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَوْ صَدَقَ عَطَشُهُ. وَأَمَّا الشُّرْبُ: فَأَدَبُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكُوزَ بِيَمِينِهِ وَيَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَيَشْرَبَهُ مَصًّا لَا عَبًّا، وَلَا يَشْرَبَ قَائِمًا وَلَا مُضْطَجِعًا، وَيَنْظُرَ فِي الْكُوزِ قَبْلَ الشُّرْبِ، وَلَا يَتَجَشَّأَ وَلَا يَتَنَفَّسَ فِي الْكُوزِ بَلْ يُنَحِّيَهُ عَنْ فَمِهِ بِالْحَمْدِ وَيَرُدَّهُ بِالتَّسْمِيَةِ. وَالْكُوزُ وَكُلُّ مَا يُدَارُ عَلَى الْقَوْمِ يُدَارُ يَمْنَةً. وَقَدْ شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَبَنًا وأبو بكر ﵁ عَنْ شِمَالِهِ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَنَاوَلَ الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ. وَيَشْرَبَ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي أَوَاخِرِهَا وَيُسَمِّي اللَّهَ فِي أَوَائِلِهَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا يُسْتَحَبُّ بَعْدَ الطَّعَامِ: وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ قَبْلَ الشِّبَعِ ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَهُ وَيَتَخَلَّلَ وَيَرْمِيَ الْمُخْرَجَ بِالْخِلَالِ، وَأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ عَلَى مَا أَطْعَمَهُ فَيَرَى الطَّعَامَ نِعْمَةً مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) [الْبَقَرَةِ: ١٧٢] فَإِنْ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ فَلْيَدْعُ لَهُ وَلْيَقُلْ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ خَيْرَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا رَزَقْتَهُ وَاجْعَلْنَا وَإِيَّاهُ مِنَ الشَّاكِرِينَ» . وَإِنْ أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ فَلْيَقُلْ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ. وَلْيُكْثِرِ الِاسْتِغْفَارَ وَالْحُزْنَ عَلَى مَا أَكَلَ مِنْ شُبْهَةٍ. وَيُسْتَحَبُّ عَقِيبَ الطَّعَامِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا. آدَابُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْأَكْلِ وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَبْتَدِئَ بِالطَّعَامِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ بِكِبَرِ سَنٍّ أَوْ زِيَادَةِ فَضْلٍ إِلَّا أَنْ

стр. 91

يَكُونَ هُوَ الْمَتْبُوعَ وَالْمُقْتَدَى بِهِ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُطَوِّلَ عَلَيْهِمُ الِانْتِظَارَ إِذَا اشْرَأَبُّوا لِلْأَكْلِ وَاجْتَمَعُوا لَهُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَعْرُوفِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَرْفُقَ بِرَفِيقِهِ فِي الْقَصْعَةِ فَلَا يَقْصِدُ أَنْ يَأْكُلَ زِيَادَةً عَمَّا يَأْكُلُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِرِضَا رَفِيقِهِ مَهْمَا كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ الْإِيثَارَ وَلَا يَأْكُلَ تَمْرَتَيْنِ فِي دُفْعَةٍ إِلَّا إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَوِ اسْتَأْذَنَهُمْ، فَإِنْ قَلَّلَ رَفِيقُهُ نَشَّطَهُ وَرَغَّبَهُ فِي الْأَكْلِ وَقَالَ لَهُ: «كُلْ» وَلَا يَزِيدُ فِي قَوْلِهِ: «كُلْ» عَلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّ ذَلِكَ إِلْحَاحٌ وَإِضْجَارٌ، فَأَمَّا الْحَلِفُ عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ فَمَمْنُوعٌ. قَالَ الحسن بن علي ﵄: «الطَّعَامُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُحْلَفَ عَلَيْهِ» . الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُحْوِجَ رَفِيقَهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ: «كُلْ» أَوْ يَتَفَقَّدَهُ فِي الْأَكْلِ بَلْ يَحْمِلَ عَنْ أَخِيهِ مُؤْنَةَ ذَلِكَ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِمَّا يَشْتَهِيهِ لِأَجْلِ نَظَرِ الْغَيْرِ إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَصَنُّعٌ بَلْ يَجْرِي عَلَى الْمُعْتَادِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ عَادَتِهِ شَيْئًا فِي الْوَحْدَةِ، وَلَكِنْ يُعَوِّدُ نَفْسَهُ حُسْنَ الْأَدَبِ فِي الْوَحْدَةِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى التَّصَنُّعِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ. نَعَمْ لَوْ قَلَّلَ مِنْ أَكْلِهِ إِيثَارًا لِإِخْوَانِهِ وَنَظَرًا لَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ زَادَ فِي الْأَكْلِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسَاعَدَةِ وَتَحْرِيكِ نَشَاطِ الْقَوْمِ فِي الْأَكْلِ فَهُوَ حَسَنٌ. الْخَامِسُ: أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ فِي الطَّسْتِ لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ أنس: «إِذَا أَكْرَمَكَ أَخُوكَ فَاقْبَلْ كَرَامَتَهُ وَلَا تَرُدَّهَا» . رُوِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ دَعَا أَبَا مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرَ فَصَبَّ الرشيد عَلَى يَدِهِ فِي الطَّسْتِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «يَا أبا معاوية، أَتَدْرِي مَنْ صَبَّ عَلَى يَدِكَ» فَقَالَ: «لَا» ، قَالَ: «صَبَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ» فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا أَكْرَمْتَ الْعِلْمَ وَأَجْلَلْتَهُ فَأَجَلَّكَ اللَّهُ وَأَكْرَمَكَ كَمَا أَجْلَلْتَ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ» . وَلْيَصُبَّ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بِنَفْسِهِ الْمَاءَ عَلَى يَدِ ضَيْفِهِ هَكَذَا فَعَلَ مالك بالشافعي ﵄ فِي أَوَّلِ نُزُولِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: «لَا يَرُوعُكَ مَا رَأَيْتَ مِنِّي فَخِدْمَةُ الضَّيْفِ فَرْضٌ» . السَّادِسُ: أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَلَا يُرَاقِبَ أَكْلَهُمْ فَيَسْتَحْيُونَ بَلْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْهُمْ

стр. 92

وَيَشْتَغِلَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُمْسِكَ قَبْلَ إِخْوَانِهِ إِذَا كَانُوا يَحْتَشِمُونَ الْأَكْلَ بَعْدَهُ بَلْ يَمُدَّ الْيَدَ وَيَقْبِضَهَا وَيَتَنَاوَلَ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ يَسْتَوْفُوا، فَإِنِ امْتَنَعَ لِسَبَبٍ فَلْيَعْتَذِرْ إِلَيْهِمْ دَفْعًا لِلْخَجْلَةِ عَنْهُمْ. السَّابِعُ: أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُهُ فَلَا يَنْفُضَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ «وِعَاءِ الْأَكْلِ» وَلَا يُقَدِّمَ إِلَيْهَا رَأْسَهُ عِنْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ، وَإِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ فِيهِ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنِ الطَّعَامِ وَأَخَذَ بِيَسَارِهِ، وَلَا يَغْمِسَ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ فَقَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ، وَاللُّقْمَةُ الَّتِي قَطَعَهَا بِسِنِّهِ لَا تُغْمَسُ فِي الْمَرَقَةِ وَالْخَلِّ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَا يُذْكَرُ مِنَ الْمُسْتَقْذَرَاتِ. فَضْلُ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ إِلَى الزَّائِرِينَ وَآدَابُهُ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إِلَى الْإِخْوَانِ فِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، قَالَ الحسن: «كُلُّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا الرَّجُلُ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا إِلَّا نَفَقَتَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ فِي الطَّعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ» . وَقَالَ علي ﵁: «لَأَنْ أَجْمَعَ إِخْوَانِي عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً» . وَكَانَ «ابْنُ عُمَرَ» ﵄ يَقُولُ: «مِنْ كَرَمِ الْمَرْءِ طِيبُ زَادِهِ فِي سَفَرِهِ وَبَذْلُهُ لِأَصْحَابِهِ» . وَكَانُوا ﵃ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ. وَأَمَّا آدَابُهُ: فَبَعْضُهَا فِي الدُّخُولِ، وَبَعْضُهَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ. أَمَّا الدُّخُولُ فَلَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَقْصِدَ قَوْمًا مُتَرَبِّصًا لِوَقْتِ طَعَامِهِمْ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَقْتَ الْأَكْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُفَاجَأَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) [الْأَحْزَابِ: ٥٣] يَعْنِي مُنْتَظِرِينَ حِينَهُ وَنُضْجَهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ جَائِعًا فَقَصَدَ بَعْضَ إِخْوَانِهِ لِيُطْعِمَهُ وَلَمْ يَتَرَبَّصْ بِهِ وَقْتَ أَكْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَفِيهِ إِعَانَةٌ لِأَخِيهِ عَلَى حِيَازَةِ ثَوَابِ الْإِطْعَامِ وَهِيَ عَادَةُ السَّلَفِ، فَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَ الدَّارِ وَكَانَ وَاثِقًا بِصَدَاقَتِهِ عَالِمًا بِفَرَحِهِ إِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِذِ الْمُرَادُ مِنَ الْإِذْنِ الرِّضَاءُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَطْعِمَةِ وَأَمْرُهَا عَلَى السَّعَةِ، فَرُبَّ رَجُلٍ يُصَرِّحُ بِالْإِذْنِ وَيَحْلِفُ وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ فَأَكْلُ طَعَامِهِ مَكْرُوهٌ، وَرُبَّ غَائِبٍ لَمْ يَأْذَنْ وَأَكْلُ طَعَامِهِ مَحْبُوبٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (أَوْ صَدِيقِكُمْ) [النُّورِ: ٦١] قَالَ «الحسن» : «الصَّدِيقُ مَنِ اسْتَرْوَحَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ» . كَانَ «مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ» وَأَصْحَابُهُ يَدْخُلُونَ مَنْزِلَ الحسن فَيَأْكُلُونَ مَا يَجِدُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَكَانَ الحسن يَدْخُلُ وَيَرَى ذَلِكَ فَيُسَرُّ بِهِ وَيَقُولُ: «هَكَذَا كُنَّا» . وَمَشَى قَوْمٌ إِلَى مَنْزِلِ «سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ» فَلَمْ يَجِدُوهُ فَفَتَحُوا الْبَابَ وَأَنْزَلُوا السُّفْرَةَ وَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ، فَدَخَلَ الثَّوْرِيُّ وَجَعَلَ يَقُولُ: «ذَكَّرْتُمُونِي أَخْلَاقَ السَّلَفِ هَكَذَا كَانُوا» . وَأَمَّا آدَابُ التَّقْدِيمِ: فَتَرْكُ التَّكَلُّفِ أَوَّلًا وَتَقْدِيمُ مَا حَضَرَ، كَانَ الفضيل يَقُولُ: «إِنَّمَا

стр. 93

تَقَاطَعَ النَّاسُ بِالتَّكَلُّفِ يَدْعُو أَحَدُهُمْ أَخَاهُ فَيَتَكَلَّفُ لَهُ فَيَقْطَعُهُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ» ، وَمِنَ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ فَيُجْحِفَ بِعِيَالِهِ وَيُؤْذِيَ قُلُوبَهُمْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: «دَخَلْنَا عَلَى جابر ﵁ فَقَدَّمَ لَنَا خُبْزًا وَخَلًّا وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ» . الْأَدَبُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلزَّائِرِ أَنْ لَا يَقْتَرِحَ وَلَا يَتَحَكَّمَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَى الْمَزُورِ إِحْضَارُهُ، فَإِنْ خَيَّرَهُ أَخُوهُ بَيْنَ طَعَامَيْنِ فَلْيَخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ وَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الِاقْتِرَاحُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: «الْأَكْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: مَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ، وَمَعَ الْإِخْوَانِ بِالِانْبِسَاطِ، وَمَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ» . الْأَدَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُشَهِّيَ الْمَزُورُ أَخَاهُ الزَّائِرَ وَيَلْتَمِسَ مِنْهُ الِاقْتِرَاحَ مَهْمَا كَانَتْ نَفْسُهُ طَيِّبَةً بِفِعْلِ مَا يَقْتَرِحُ فَذَلِكَ حَسَنٌ وَفِيهِ أَجْرٌ وَفَضْلٌ جَزِيلٌ. الْأَدَبُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَقُولَ لَهُ: «هَلْ أُقَدِّمُ لَكَ طَعَامًا» ؟ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ إِنْ كَانَ، فَإِنْ أَكَلَ وَإِلَّا فَيَرْفَعُهُ. مَسَائِلُ الْأُولَى: رَفْعُ الطَّعَامِ عَلَى الْمَائِدَةِ فِيهِ تَيْسِيرٌ لِلْأَكْلِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْكِبْرِ وَالتَّعَاظُمِ، وَمَا يُقَالُ إِنَّهُ بِدْعَةٌ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا أُبْدِعَ مَنْهِيًّا بَلِ الْمَنْهِيُّ بِدْعَةٌ تُضَادُّ سُنَّةً ثَابِتَةً وَتَرْفَعُ أَمْرًا مِنَ الشَّرْعِ مَعَ بَقَاءِ عِلَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْمَائِدَةِ إِلَّا رَفْعُ الطَّعَامِ عَنِ الْأَرْضِ لِتَيْسِيرِ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ. الثَّانِيَةُ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مُتَّكِئًا مَكْرُوهٌ مُضِرٌّ لِلْمَعِدَةِ وَمِثْلُهُ الْأَكْلُ مُضْطَجِعًا وَمُنْبَطِحًا. الثَّالِثَةُ: السُّنَّةُ الْبُدَاءَةُ بِالطَّعَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَالْعِشَاءُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ» ، وَكَانَ «ابْنُ عُمَرَ» ﵄ رُبَّمَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَلَا يَقُومُ مِنْ عَشَائِهِ ; نَعَمْ إِنْ كَانَتِ النَّفْسُ لَا تَتُوقُ إِلَى الطَّعَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِي تَأْخِيرِ الطَّعَامِ ضَرَرٌ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ. بَيَانُ مَا يَخُصُّ الدَّعْوَةَ وَالضِّيَافَةَ فَضِيلَةُ الضِّيَافَةِ: قَالَ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَفِي أَثَرٍ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا

стр. 94

يُضِيفُ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا الْإِيمَانُ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَبَذْلُ السَّلَامِ. وَقَالَ ﷺ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. أَمَّا الدَّعْوَةُ: فَيَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يَعْمِدَ بِدَعْوَتِهِ الْأَتْقِيَاءَ دُونَ الْفُسَّاقِ، قَالَ ﷺ : أَكَلَ طَعَامَكَ الْأَبْرَارُ. وَفِي أَثَرٍ: لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ تَقِيٍّ وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ خَاصَّةً بَلْ يَضُمُّ مَعَهُمُ الْفُقَرَاءَ. قَالَ ﷺ : شَرُّ الطَّعَامِ الْوَلِيمَةُ يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُحْرَمُ مِنْهَا الْفُقَرَاءُ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْمِلَ أَقَارِبَهُ فِي ضِيَافَتِهِ فَإِنَّ إِهْمَالَهُمْ إِيحَاشٌ وَقَطْعُ رَحِمٍ، وَكَذَلِكَ يُرَاعِي التَّرْتِيبَ فِي أَصْدِقَائِهِ وَمَعَارِفِهِ فَإِنَّ فِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ إِيحَاشًا لِقُلُوبِ الْبَاقِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِدَعْوَتِهِ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّفَاخُرَ بَلِ اسْتِمَالَةَ قُلُوبِ الْإِخْوَانِ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْعُوَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ وَإِذَا حَضَرَ تَأَذَّى بِالْحَاضِرِينَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْعُوَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ إِجَابَتَهُ. وَأَمَّا الْإِجَابَةُ: فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ قِيلَ بِوُجُوبِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَلَهَا خَمْسَةُ آدَابٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُمَيِّزَ الْغَنِيَّ بِالْإِجَابَةِ عَنِ الْفَقِيرِ فَذَلِكَ هُوَ التَّكَبُّرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَمْتَنِعَ عَنِ الْإِجَابَةِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ لِفَقْرِ الدَّاعِي وَعَدَمِ جَاهِهِ، بَلْ كُلُّ مَسَافَةٍ يُمْكِنُ احْتِمَالُهَا فِي الْعَادَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ لِأَجْلِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَمْتَنِعَ لِكَوْنِهِ صَائِمًا بَلْ يَحْضُرُ فَإِنْ كَانَ يَسُرُّ أَخَاهُ إِفْطَارُهُ فَلْيُفْطِرْ، وَلْيَحْتَسِبْ فِي إِفْطَارِهِ بِنِيَّةِ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَخِيهِ مَا يَحْتَسِبُ فِي الصَّوْمِ وَأَفْضَلَ، وَذَلِكَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مُتَكَلِّفٌ فَلْيَتَعَلَّلْ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «مِنْ أَفْضَلِ الْحَسَنَاتِ إِكْرَامُ الْجُلَسَاءِ بِالْإِفْطَارِ» ، فَالْإِفْطَارُ عِبَادَةٌ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَحُسْنُ خُلُقٍ فَثَوَابُهُ فَوْقَ ثَوَابِ الصَّوْمِ، وَمَهْمَا لَمْ يُفْطِرْ فَضِيَافَتُهُ الطِّيبُ وَالْمِجْمَرَةُ وَالْحَدِيثُ الطَّيِّبُ. الرَّابِعُ: أَنْ يَمْتَنِعَ عَنِ الْإِجَابَةِ إِنْ كَانَ الطَّعَامُ طَعَامَ شُبْهَةٍ أَوْ كَانَ يُقَامُ فِي الْمَوْضِعِ مُنْكَرٌ أَوْ كَانَ الدَّاعِي ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُتَكَلِّفًا طَلَبًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ.

стр. 95

الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْإِجَابَةِ قَضَاءَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ فَيَكُونَ عَامِلًا فِي أَبْوَابِ الدُّنْيَا، بَلْ يُحَسِّنُ نِيَّتَهُ لِيَصِيرَ بِالْإِجَابَةِ عَامِلًا لِلْآخِرَةِ فَيَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَزِيَارَتَهُ لِيَكُونَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ أَنْ يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ فِي امْتِنَاعِهِ وَيُطْلَقَ اللِّسَانُ فِيهِ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَكَبُّرٍ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ أَوِ اسْتِحْقَارِ أَخٍ مُسْلِمٍ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفُ يَقُولُ: أَنَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي فِي كُلِّ عَمَلٍ نِيَّةٌ حَتَّى فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ يَلْتَحِقُ بِوُجُوهِ الْخَيْرَاتِ بِالنِّيَّةِ. وَأَمَّا الْحُضُورُ: فَأَدَبُهُ أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ وَلَا يَتَصَدَّرَ فَيَأْخُذَ أَحْسَنَ الْأَمَاكِنِ بَلْ يَتَوَاضَعَ وَلَا يُطَوِّلَ الِانْتِظَارَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُعَجِّلَ بِحَيْثُ يُفَاجِئُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِعْدَادِ، وَلَا يُضَيِّقَ الْمَكَانَ عَلَى الْحَاضِرِينَ بِالزَّحْمَةِ، بَلْ إِنْ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَكَانِ بِمَوْضِعٍ لَا يُخَالِفُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَتَّبَ فِي نَفْسِهِ مَوْضِعَ كُلِّ وَاحِدٍ فَمُخَالَفَتُهُ تُشَوِّشُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسَ فِي مُقَابَلَةِ بَابِ الْحُجْرَةِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ وَسِتْرِهِمْ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرَهِ، وَيَخُصَّ بِالتَّحِيَّةِ وَالسُّؤَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ إِذَا جَلَسَ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفٌ لِلْمَبِيتِ فَلْيُعَرِّفْهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ عِنْدَ دُخُولِهِ الْقِبْلَةَ وَبَيْتَ الْمَاءِ وَمَوْضِعَ الْوُضُوءِ، وَأَنْ يَغْسِلَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ يَدَهُ قَبْلَ الْقَوْمِ وَقَبْلَ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى كَرَمِهِ، وَيَتَأَخَّرَ فِي آخِرِ الطَّعَامِ عَنْهُمْ، وَعَلَى الضَّيْفِ إِذَا دَخَلَ فَرَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ إِنْ قَدَرَ وَإِلَّا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ وَانْصَرَفَ. وَأَمَّا إِحْضَارُ الطَّعَامِ فَلَهُ آدَابٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: تَعْجِيلُ الطَّعَامِ فَذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَمَهْمَا حَضَرَ الْأَكْثَرُونَ وَغَابَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وَتَأَخَّرُوا عَنِ الْوَقْتِ الْمَوْعُودِ فَحَقُّ الْحَاضِرِينَ فِي التَّعْجِيلِ أَوْلَى مِنْ حَقِّ أُولَئِكَ فِي التَّأْخِيرِ. وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) [الذَّارِيَاتِ: ٢٤] أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا بِتَعْجِيلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [هُودٍ: ٦٩] وَقَوْلُهُ: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) [الذَّارِيَاتِ: ٢٦] وَالرَّوَغَانُ: الذَّهَابُ بِسُرْعَةٍ وَقِيلَ فِي خُفْيَةٍ. قَالَ «حَاتِمٌ الْأَصَمُّ» : (الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا

стр. 96

فِي خَمْسَةٍ فَإِنَّهَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِطْعَامِ الضَّيْفِ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَتَزْوِيجِ الْبِكْرِ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالتَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ) . الثَّانِي: تَرْتِيبُ الْأَطْعِمَةِ بِتَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ أَوَّلًا إِنْ كَانَتْ فَذَلِكَ أَوْفَقُ فِي الطِّبِّ فَإِنَّهَا أَسْرَعُ اسْتِحَالَةً فَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ فِي أَسْفَلِ الْمَعِدَةِ، وَفِي الْقُرْآنِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٢٠] ثُمَّ قَالَ: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) [الْوَاقِعَةِ: ٢١] . ثُمَّ أَفْضَلُ مَا يُقَدَّمُ بَعْدَ الْفَاكِهَةِ اللَّحْمُ وَالثَّرِيدُ، فَإِنْ جَمَعَ إِلَيْهِ حَلَاوَةً بَعْدَهُ فَقَدْ جَمَعَ الطَّيِّبَاتِ، وَدَلَّ عَلَى حُصُولِ الْإِكْرَامِ بِاللَّحْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ضَيْفِ «إِبْرَاهِيمَ» إِذْ أَحْضَرَ الْعِجْلَ الْحَنِيذَ أَيِ الْمَحْنُوذَ وَهُوَ الَّذِي أُجِيدَ نُضْجُهُ، وَهُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيِ الْإِكْرَامِ أَعْنِي تَقْدِيمَ اللَّحْمِ، قَالَ «أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ» ﵁: «أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ يُورِثُ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ» . وَتَتِمُّ هَذِهِ الطَّيِّبَاتُ بِشُرْبِ الْمَاءِ الْبَارِدِ، وَصَبِّ الْمَاءِ الْفَاتِرِ عَلَى الْيَدِ عِنْدَ الْغَسْلِ. قَالَ «الْمَأْمُونُ» : «شُرْبُ الْمَاءِ بِثَلْجٍ يُخْلِصُ الشُّكْرَ» ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الْحَلَاوَةُ بَعْدَ الطَّعَامِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ الْأَلْوَانِ، وَالتَّمَكُّنُ عَلَى الْمَائِدَةِ خَيْرٌ مِنْ زِيَادَةِ لَوْنَيْنِ» . وَتَزْيِينُ الْمَائِدَةِ بِالْبُقُولِ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا. الثَّالِثُ: أَنْ يُقَدِّمَ مِنَ الْأَلْوَانِ أَلْطَفَهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا مَنْ يُرِيدُ وَلَا يُكْثِرَ الْأَكْلَ بَعْدَهُ. وَعَادَةُ الْمُتْرَفِينَ تَقْدِيمُ الْغَلِيظِ لِيَسْتَأْنِفَ حَرَكَةَ الشَّهْوَةِ بِمُصَادَفَةِ اللَّطِيفِ بَعْدَهُ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ حِيلَةٌ فِي اسْتِكْثَارِ الْأَكْلِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ الْأَلْوَانِ دُفْعَةً أَوْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُبَادِرَ إِلَى رَفْعِ الْأَلْوَانِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى يَرْفَعُوا الْأَيْدِيَ عَنْهَا فَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَقِيَّةُ ذَلِكَ اللَّوْنِ أَشْهَى عِنْدَهُ مِمَّا اسْتَحْضَرُوهُ أَوْ بَقِيَتْ فِيهِ حَاجَةٌ إِلَى الْأَكْلِ فَيَتَنَغَّصُ عَلَيْهِ بِالْمُبَادَرَةِ. الْخَامِسُ: أَنْ يُقَدِّمَ مِنَ الطَّعَامِ قَدْرَ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ التَّقْلِيلَ عَنِ الْكِفَايَةِ نَقْصٌ فِي الْمُرُوءَةِ وَالزِّيَادَةَ عَلَيْهِ تَصَنُّعٌ، قَالَ «ابْنُ مَسْعُودٍ» ﵁: «نُهِينَا أَنْ نُجِيبَ دَعْوَةَ مَنْ يُبَاهِي بِطَعَامِهِ» ، وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَكْلَ طَعَامِ الْمُبَاهَاةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَ أَوَّلًا نَصِيبَ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى لَا تَكُونَ أَعْيُنُهُمْ طَامِحَةً إِلَى رُجُوعِ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَعَلَّهُ لَا يَرْجِعُ فَتَضِيقُ صُدُورُهُمْ، وَتَنْطَلِقُ فِي الضِّيفَانِ أَلْسِنَتُهُمْ. فَأَمَّا الِانْصِرَافُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ آدَابٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الضَّيْفِ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَهُوَ سُنَّةٌ وَذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَتَمَامُ الْإِكْرَامِ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَطَيِّبُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَعَلَى الْمَائِدَةِ.

стр. 97

الثَّانِي: أَنْ يَنْصَرِفَ الضَّيْفُ طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَى فِي حَقِّهِ تَقْصِيرٌ فَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّوَاضُعِ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَإِذْنِهِ، وَيُرَاعِيَ قَلْبَهُ فِي قَدْرِ الْإِقَامَةِ. وَإِذَا نَزَلَ ضَيْفًا فَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَرُبَّمَا يَتَبَرَّمُ بِهِ وَيَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِهِ. نَعَمْ، لَوْ أَلَحَّ رَبُّ الْبَيْتِ عَلَيْهِ عَنْ خُلُوصِ قَلْبٍ فَلَهُ الْمُقَامُ إِذْ ذَاكَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِرَاشٌ لِضَيْفٍ يَنْزِلُ بِهِ. آدَابٌ مُتَفَرِّقَةٌ: الْأَوَّلُ: حُكِيَ عَنْ «إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ» أَنَّهُ قَالَ: «الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ» وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِعْلُهُ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِعَادَاتِ الْبِلَادِ وَأَحْوَالِ الْأَشْخَاصِ، فَمَنْ لَا يَلِيقُ ذَاكَ بِهِ لِحَالِهِ أَوْ عَادَةِ بِلَادِهِ كَانَ شَرَهًا وَقِلَّةَ مُرُوءَةٍ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ. الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: «لَا تَنْكِحْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا فَتَاةً، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ اللَّحْمِ إِلَّا فَتِيًّا، وَلَا تَأْكُلِ الْمَطْبُوخَ حَتَّى يَتِمَّ نُضْجُهُ، وَلَا تَشْرَبَنَّ دَوَاءً إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْفَاكِهَةِ إِلَّا نَضِيجَهَا، وَلَا تَأْكُلَنَّ طَعَامًا إِلَّا أَجَدْتَ مَضْغَهُ، وَلَا تَشْرَبَنَّ فَوْقَ الطَّعَامِ، وَلَا تَحْبِسِ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، وَإِذَا أَكَلْتَ بِالنَّهَارِ فَنَمْ، وَإِذَا أَكَلْتَ بِاللَّيْلِ فَامْشِ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ وَلَوْ مِائَةَ خُطْوَةٍ. الثَّالِثُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْمَلَ الطَّعَامُ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَمَّا جَاءَ نَعْيُ» جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «قَالَ ﵊: إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ شُغِلُوا بِمَيِّتِهِمْ عَنْ صُنْعِ طَعَامِهِمْ فَاحْمِلُوا إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَ فَذَلِكَ سُنَّةٌ، وَإِذَا قُدِّمَ ذَلِكَ إِلَى الْجَمْعِ حَلَّ الْأَكْلُ مِنْهُ. الرَّابِعُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ طَعَامَ ظَالِمٍ فَإِنْ أُكْرِهَ فَلْيُقَلِّلِ الْأَكْلَ. تَتِمَّةٌ: حُكِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَيَقُولُ:» انْتِظَارُ الْمَرَقَةِ ذُلٌّ «، وَقَالَ آخَرُ:» إِذَا وُضِعَتْ يَدِي فِي قَصْعَةِ غَيْرِي فَقَدْ ذَلَّتْ لَهُ رَقَبَتِي «. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْكَلَامَ وَقَالَ:» هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ «. قَالَ» الْغَزَالِيُّ «:» وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ذُلٌّ إِذَا كَانَ الدَّاعِي لَا يَفْرَحُ بِالْإِجَابَةِ

стр. 98

وَلَا يَتَقَلَّدُ بِهَا مِنَّةً، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ يَدًا لَهُ عَلَى الْمَدْعُوِّ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْضُرُ لِعِلْمِهِ أَنَّ الدَّاعِيَ لَهُ يَتَقَلَّدُ مِنَّةً وَيَرَى ذَلِكَ شَرَفًا وَذُخْرًا لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ، فَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَثْقِلُ الْإِطْعَامَ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُبَاهَاةً أَوْ تَكَلُّفًا فَلَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ إِجَابَتُهُ بَلِ الْأَوْلَى التَّعَلُّلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: «لَا تُجِبْ إِلَّا دَعْوَةَ مَنْ يَرَى أَنَّكَ أَكَلْتَ رِزْقَكَ وَأَنَّهُ سَلَّمَ إِلَيْكَ وَدِيعَةً كَانَتْ لَكَ عِنْدَهُ، وَيَرَى لَكَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ فِي قَبُولِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ مِنْهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْمَدْعُوُّ أَنَّهُ لَا مِنَّةَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ» .

стр. 99

كِتَابُ آدَابِ النِّكَاحِ (التَّرْغِيبُ فِيهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) [النُّورِ: ٣٢] وَهَذَا أَمْرٌ، وَقَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣٢] وَهَذَا مَنْعٌ مِنَ الْعَضْلِ وَنَهْيٌ عَنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الرُّسُلِ وَمَدْحِهِمْ: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) [الرَّعْدِ: ٣٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَإِظْهَارِ الْفَضْلِ، وَمَدَحَ أَوْلِيَاءَهُ بِسُؤَالِ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ فَقَالَ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الْفُرْقَانِ: ٧٤] الْآيَةَ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ: فَقَوْلُهُ ﷺ : النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَقَدْ رَغِبَ عَنِّي، وَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ التَّرْغِيبِ فِيهِ خَوْفُ الْفَسَادِ فِي الْعَيْنِ وَالْفَرْجِ. وَالْوِجَاءُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ رَضِّ الْخُصْيَتَيْنِ لِلْفَحْلِ حَتَّى تَزُولَ فُحُولَتُهُ فَهُوَ مُسْتَعَارٌ لِلضَّعْفِ عَنِ الْوِقَاعِ بِالصَّوْمِ. وَقَالَ ﷺ : إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا أَيْضًا تَعْلِيلُ التَّرْغِيبِ لِخَوْفِ الْفَسَادِ. وَقَالَ ﷺ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إِلَّا ثَلَاثًا وَلَدًا صَالِحًا يَدْعُو لَهُ. الْحَدِيثَ وَلَا يُوصَلُ إِلَى هَذَا إِلَّا بِالنِّكَاحِ. وَأَمَّا الْآثَارُ: فَقَالَ: «ابْنُ عَبَّاسٍ» ﵁: «لَا يَتِمُّ نُسُكُ النَّاسِكِ حَتَّى يَتَزَوَّجَ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ النُّسُكِ أَوْ تَتِمَّةً لَهُ أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ قَلْبُهُ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ إِلَّا بِالتَّزَوُّجِ وَلَا يَتِمُّ النُّسُكُ إِلَّا بِفَرَاغِ الْقَلْبِ، وَكَانَ يَجْمَعُ غِلْمَانَهُ لَمَّا أَدْرَكُوا وَيَقُولُ: «إِنْ أَرَدْتُمُ النِّكَاحَ أَنْكَحْتُكُمْ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا زَنَى نُزِعَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ» . وَأَمَّا فَوَائِدُ النِّكَاحِ: فَخَمْسَةٌ: الْوَلَدُ، وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَتَدْبِيرُ الْمَنْزِلِ، وَكَثْرَةُ الْعَشِيرَةِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ بِالْقِيَامِ بِهِنَّ.

стр. 100

مَا يُرَاعَى مِنْ أَحْوَالِ الْمَرْأَةِ: الْخِصَالُ الْمُطَيِّبَةُ لِلْعَيْشِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي الْمَرْأَةِ لِيَدُومَ الْعَقْدُ وَتَتَوَفَّرَ مَقَاصِدُهُ ثَمَانٍ: الدِّينُ، وَالْخُلُقُ، وَالْحُسْنُ، وَخِفَّةُ الْمَهْرِ، وَالْوِلَادَةُ وَالْبَكَارَةُ، وَالنَّسَبُ، وَأَنْ لَا تَكُونَ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ. الْأُولَى: أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً ذَاتَ دِينٍ فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاعْتِنَاءُ، فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الدِّينِ فِي صِيَانَةِ نَفْسِهَا وَفَرْجِهَا أَزْرَتْ بِزَوْجِهَا وَسَوَّدَتْ بَيْنَ النَّاسِ وَجْهَهُ وَشَوَّشَتْ بِالْغَيْرَةِ قَلْبَهُ وَتَنَغَّصَ بِذَلِكَ عَيْشُهُ، فَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْرَةِ لَمْ يَزَلْ فِي بَلَاءٍ، وَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ التَّسَاهُلِ كَانَ مُتَهَاوِنًا بِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى قِلَّةِ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ. وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الدِّينِ بِاسْتِهْلَاكِ مَالِهِ أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ لَمْ يَزَلِ الْعَيْشُ مُشَوَّشًا مَعَهُ، فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ شَرِيكًا فِي الْمَعْصِيَةِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التَّحْرِيمِ: ٦] وَإِنْ أَنْكَرَ وَخَاصَمَ تَنَغَّصَ الْعُمْرُ، وَلِهَذَا بَالَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ فَقَالَ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَدِينِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. الثَّانِيَةُ: حُسْنُ الْخُلُقِ فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ سَلِيطَةً بَذِيئَةَ اللِّسَانِ كَافِرَةً لِلنِّعَمِ كَانَ الضَّرَرُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ النَّفْعِ، وَالصَّبْرُ عَلَى لِسَانِ النِّسَاءِ مِمَّا يُمْتَحَنُ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ. الثَّالِثَةُ: حُسْنُ الْوَجْهِ فَذَلِكَ أَيْضًا مَطْلُوبٌ إِذْ بِهِ يَحْصُلُ التَّحَصُّنُ، وَالطَّبْعُ لَا يَكْتَفِي بِالدَّمِيمَةِ غَالِبًا، وَمَا نَقَلْنَاهُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الدِّينِ لَيْسَ زَجْرًا عَنْ رِعَايَةِ الْجَمَالِ بَلْ هُوَ زَجْرٌ عَنِ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْجَمَالِ الْمَحْضِ مَعَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ الْجَمَالَ وَحْدَهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ يُرَغِّبُ فِي النِّكَاحِ وَيُهَوِّنُ أَمْرَ الدِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى مَعْنَى الْجَمَالِ أَنَّ الْإِلْفَ وَالْمَوَدَّةَ تَحْصُلَا بِهِ غَالِبًا، وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى مُرَاعَاةِ أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ النَّظَرَ فَقَالَ: إِذَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نَفْسِ أَحَدِكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا أَيْ يُؤَلَّفَ بَيْنَهُمَا. وَكَانَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ لَا يَنْكِحُونَ كَرَائِمَهُمْ إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ احْتِرَازًا مِنَ الْغُرُورِ، وَقَالَ «الْأَعْمَشُ» : «كُلُّ تَزْوِيجٍ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ نَظَرٍ فَآخِرُهُ هَمٌّ وَغَمٌّ» . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ «عمر» ﵁ وَكَانَ قَدْ خَضَبَ فَنَصَلَ خِضَابُهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَرْأَةِ إِلَى «عمر» وَقَالُوا: «حَسِبْنَاهُ شَابًّا» فَأَوْجَعَهُ «عمر» ضَرْبًا وَقَالَ: «غَرَرْتَ الْقَوْمَ» ، وَالْغُرُورُ يَقَعُ فِي الْجَمَالِ

стр. 101

وَالْخُلُقِ جَمِيعًا فَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الْغُرُورِ فِي الْجَمَالِ بِالنَّظَرِ، وَفِي الْخُلُقِ بِالْوَصْفِ وَالِاسْتِيصَافِ، وَلَا يَسْتَوْصِفُ فِي أَخْلَاقِهَا وَجَمَالِهَا إِلَّا مَنْ هُوَ بَصِيرٌ صَادِقٌ خَبِيرٌ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَا يَمِيلُ إِلَيْهَا فَيُفْرِطَ فِي الثَّنَاءِ، وَلَا يَحْسُدُهَا فَيُقَصِّرَ. وَقَلَّ مَنْ يَصْدُقُ فِيهِ بَلِ الْخِدَاعُ وَالْإِغْرَاءُ أَغْلَبُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ مُهِمٌّ. الرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الْمَهْرِ فَقَدْ نُهِيَ عَنِ الْمُغَالَاةِ فِي الْمَهْرِ. وَتَزَوَّجَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ يُقَالُ قِيمَتُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. وَزَوَّجَ «سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ» ابْنَتَهُ مِنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ» ﵁ عَلَى دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ حَمَلَهَا هُوَ إِلَيْهِ لَيْلًا فَأَدْخَلَهَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ جَاءَهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا. وَفِي خَبَرٍ: مِنْ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ سُرْعَةُ تَزْوِيجِهَا وَسُرْعَةُ رَحِمِهَا أَيِ الْوِلَادَةُ وَيُسْرُ مَهْرِهَا وَكَمَا تُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِي الْمَهْرِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَيُكْرَهُ السُّؤَالُ عَنْ مَالِهَا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْكِحَ طَمَعًا فِي الْمَالِ، وَإِذَا أَهْدَى إِلَيْهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْدِيَ لِيَضْطَرَّهُمْ إِلَى الْمُقَابَلَةِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَهْدَوْا إِلَيْهِ فَنِيَّةُ طَلَبِ الزِّيَادَةِ نِيَّةٌ فَاسِدَةٌ وَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) [الْمُدَّثِّرِ: ٦] أَيْ تُعْطِي لِتَطْلُبَ أَكْثَرَ. الْخَامِسَةُ: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ وَلُودًا فَإِنْ عُرِفَتْ بِالْعُقْرِ فَلْيَمْتَنِعْ عَنْ تَزْوِيجِهَا. السَّادِسَةُ: أَنْ تَكُونَ بِكْرًا، قَالَ ﵇ «لجابر» وَقَدْ نَكَحَ ثَيِّبًا «هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» . السَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ نَسِيبَةً، أَعْنِي أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ فَإِنَّهَا سَتُرَبِّي بَنَاتِهَا وَبَنِيهَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَدَّبَةً لَمْ تُحْسِنِ التَّأْدِيبَ وَالتَّرْبِيَةَ، وَفِي خَبَرٍ تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ نَزَّاعٌ. الثَّامِنَةُ: أَنْ لَا تَكُونَ مِنَ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَلِّلُ الشَّهْوَةَ. فَهَذِهِ هِيَ الْخِصَالُ الْمُرَغِّبَةُ فِي النِّسَاءِ. وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَيْضًا أَنْ يُرَاعِيَ خِصَالَ الزَّوْجِ وَلْيَنْظُرْ لِكَرِيمَتِهِ فَلَا يُزَوِّجْهَا مِمَّنْ سَاءَ

стр. 102

خُلُقُهُ أَوْ خَلْقُهُ أَوْ ضَعُفَ دَيْنُهُ أَوْ قَصَّرَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا أَوْ كَانَ لَا يُكَافِئُهَا فِي نَسَبِهَا، وَمَهْمَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ شَارِبَ خَمْرٍ فَقَدْ جَنَى عَلَى دِينِهِ وَتَعَرَّضَ لِسُخْطِ اللَّهِ لِمَا قَطَعَ مِنْ حَقِّ الرَّحِمِ وَسُوءِ الِاخْتِيَارِ. قَالَ رَجُلٌ للحسن: «قَدْ خَطَبَ ابْنَتِي جَمَاعَةٌ فَمِمَّنْ أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا» . آدَابُ الْمُعَاشَرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى الْفِرَاقِ وَالنَّظَرُ فِيمَا عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَمَّا الزَّوْجُ: فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الِاعْتِدَالِ وَالْآدَابِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَمْرًا، فِي الْوَلِيمَةِ، وَالْمُعَاشَرَةِ، وَالدُّعَابَةِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَالْغَيْرَةِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالْقَسْمِ، وَالتَّأْدِيبِ فِي النُّشُوزِ، وَالْوِقَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالْمُفَارَقَةِ بِالطَّلَاقِ. الْأَدَبُ الْأَوَّلُ: الْوَلِيمَةُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَ «أنس» ﵁: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ» ﵁ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ» ، فَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى» صفية «بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ. وَتُسْتَحَبُّ تَهْنِئَتُهُ فَيَقُولُ مَنْ دَخَلَ عَلَى الزَّوْجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ. وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ النِّكَاحِ، قَالَ ﵇: فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ. الْأَدَبُ الثَّانِي: حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهُنَّ ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى مِنْهُنَّ تَرَحُّمًا عَلَيْهِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النِّسَاءِ: ١٩] وَقَالَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّهِنَّ: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النِّسَاءِ: ٢١] وَقَالَ: (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) [النِّسَاءِ: ٣٦] قِيلَ: هِيَ الْمَرْأَةُ. وَلَيْسَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهَا كَفَّ الْأَذَى عَنْهَا بَلِ احْتِمَالَ الْأَذَى مِنْهَا وَالْحِلْمَ عِنْدَ طَيْشِهَا وَغَضَبِهَا اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ كَانَتْ أَزْوَاجُهُ يُرَاجِعْنَهُ الْكَلَامَ وَتَهْجُرُهُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَى احْتِمَالِ الْأَذَى بِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْمَزْحِ وَالْمُلَاعَبَةِ فَهِيَ الَّتِي تُطَيِّبُ قُلُوبَ النِّسَاءِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْزَحُ مَعَهُنَّ وَيَنْزِلُ إِلَى دَرَجَاتِ عُقُولِهِنَّ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ. وَأَرَى» عائشة «لَعِبَ الْحَبَشَةِ بِالْمَسْجِدِ وَاسْتَوْقَفَتْهُ طَوِيلًا وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: حَسْبُكِ. وَقَالَ ﷺ :

стр. 103

» خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي. وَقَالَ «عمر» ﵁: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِهِ مِثْلَ الصَّبِيِّ» . وَقَالَ ﷺ «لجابر» هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَوَصَفَتْ أَعْرَابِيَّةٌ زَوْجَهَا وَقَدْ مَاتَ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ ضَحُوكًا إِذَا وَلَجَ، سِكِّيتًا إِذَا خَرَجَ، آكِلًا مَا وَجَدَ، غَيْرَ سَائِلٍ عَمَّا فَقَدَ. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَنْبَسِطَ فِي الدُّعَابَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُوَافَقَةِ بِاتِّبَاعِ هَوَاهَا إِلَى حَدٍّ يُفْسِدُ خُلُقَهَا وَيُسْقِطُ بِالْكُلِّيَّةِ هَيْبَتَهُ عِنْدَهَا بَلْ يُرَاعِي الِاعْتِدَالَ فِيهِ، فَلَا يَدَعُ الْهَيْبَةَ وَالِانْقِبَاضَ مَهْمَا رَأَى مُنْكَرًا، وَلَا يَفْتَحُ بَابَ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ الْبَتَّةَ، بَلْ مَهْمَا رَأَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالْمُرُوءَةَ تَنَمَّرَ وَامْتَعَضَ، فَبِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَكُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ انْعَكَسَ عَلَى ضِدِّهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ الِاقْتِصَادِ فِي الْمُخَالَفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَيَتَتَبَّعَ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِيَسْلَمَ مِنْ شَرِّهِنَّ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِنَّ سُوءُ الْخُلُقِ وَلَا يَعْتَدِلُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ إِلَّا بِنَوْعِ لُطْفٍ مَمْزُوجٍ بِسِيَاسَةٍ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَخْلَاقِهَا أَوَّلًا بِالتَّجْرِبَةِ ثُمَّ لِيُعَامِلْهَا بِمَا يُصْلِحُهَا كَمَا يَقْضِيهِ حَالُهَا. الْخَامِسُ: الِاعْتِدَالُ فِي الْغَيْرَةِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتَغَافَلَ عَنْ مَبَادِئِ الْأُمُورِ الَّتِي تُخْشَى غَوَائِلُهَا، وَلَا يُبَالِغَ فِي إِسَاءَةِ الظَّنِّ وَالتَّعَنُّتِ وَتَجَسُّسِ الْبَوَاطِنِ، فَقَدَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَّبَعَ عَوْرَاتُ النِّسَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنْ تُبْغَتَ النِّسَاءُ. وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ قَالَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ: لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا فَخَالَفَهُ رَجُلَانِ فَسَبَقَا فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنْزِلِهِ مَا يَكْرَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ غَيْرَةً يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَهِيَ: غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ. وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَهِيَ مَحْمُودَةٌ وَذَلِكَ فِي الرِّيبَةِ. وَكَانَ قَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ فِي حُضُورِ الْمَسْجِدِ سِيَّمَا فِي الْعِيدَيْنِ، فَالْخُرُوجُ لِلْمَسْجِدِ مُبَاحٌ لِلْمَرْأَةِ الْعَفِيفَةِ مُبَاحٌ بِرِضَاءِ زَوْجِهَا وَلَكِنَّ الْقُعُودَ أَسْلَمُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا لِمُهِمٍّ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لِلنِّظَارَاتِ وَالْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مُهِمَّةً تَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ وَرُبَّمَا تُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ. فَإِذَا خَرَجَتْ فَيَنْبَغِي أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا عَنِ الرِّجَالِ. وَلَسْنَا نَقُولُ إِنَّ وَجْهَ الرَّجُلِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةٌ كَوَجْهِ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّهِ بَلْ هُوَ كَوَجْهِ الصَّبِيِّ الْأَمْرَدِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلَا، إِذْ لَمْ يَزَلِ الرِّجَالُ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ مَكْشُوفِي الْوُجُوهِ، وَالنِّسَاءُ يَخْرُجْنَ مُتَنَقِّبَاتٍ، وَلَوْ كَانَ وُجُوهُ الرِّجَالِ عَوْرَةً فِي حَقِّ النِّسَاءِ لَأُمِرُوا بِالتَّنْقِيبِ أَوْ مُنِعْنَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. السَّادِسُ: الِاعْتِدَالُ فِي النَّفَقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَتِّرَ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِنْفَاقِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرِفَ بَلْ يَقْتَصِدَ، قَالَ تَعَالَى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) [الْأَعْرَافِ: ٣١] . قَالَ «ابْنُ

стр. 104

سِيرِينَ» : «يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَ لِأَهْلِهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ حَلَاوَةً» . وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّصَدُّقِ بِبَقَايَا الطَّعَامِ وَمَا يَفْسُدُ لَوْ تُرِكَ، فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَيْرِ. وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحِ إِذْنٍ مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَنْ أَهْلِهِ بِمَأْكُولٍ طَيِّبٍ فَلَا يُطْعِمُهُمْ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوغِرُ الصُّدُورَ وَيَبْعُدُ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِفَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا لَيْسَ يُرِيدُ إِطْعَامَهُمْ إِيَّاهُ، وَإِذَا أَكَلَ فَيُقْعِدُ الْعِيَالَ كُلَّهُمْ عَلَى مَائِدَتِهِ. وَأَهَمُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاتُهُ فِي الْإِنْفَاقِ أَنْ يُطْعِمَهَا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَا يَدْخُلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ لِأَجْلِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا لَا مُرَاعَاةٌ لَهَا. السَّابِعُ: أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمُتَزَوِّجُ مِنْ عِلْمِ الْحَيْضِ وَأَحْكَامِهِ مَا يَحْتَرِزُ بِهِ الِاحْتِرَازَ الْوَاجِبَ ، وَيُعَلِّمَ زَوْجَتَهُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ وَيُخَوِّفَهَا مِنَ اللَّهِ إِنْ تَسَاهَلَتْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ قَائِمًا بِتَعْلِيمِهَا فَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ لِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ قَصُرَ عِلْمُ الرَّجُلِ وَلَكِنْ نَابَ عَنْهَا فِي السُّؤَالِ فَأَخْبَرَهَا بِجَوَابِ الْمُفْتِي فَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْخُرُوجُ لِلسُّؤَالِ بَلْ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَيَعْصِي الرَّجُلُ بِمَنْعِهَا. الثَّامِنُ: إِذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ وَلَا يَمِيلَ إِلَى بَعْضِهِنَّ فَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ وَأَرَادَ اسْتِصْحَابَ وَاحِدَةٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَإِنْ ظَلَمَ امْرَأَةً بِلَيْلَتِهَا قَضَى لَهَا فَإِنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَبِيتِ، وَأَمَّا فِي الْحُبِّ وَالْوِقَاعِ فَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ. وَكَانَ ﷺ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا فِي مَرَضِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَكُلِّ لَيْلَةٍ فَيَبِيتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. وَمَهْمَا وَهَبَتْ وَاحِدَةٌ لَيْلَتَهَا لِصَاحِبَتِهَا ثَبَتَ الْحَقُّ لَهَا. التَّاسِعُ: التَّأْدِيبُ فِي النُّشُوزِ ، وَمَهْمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا خِصَامٌ وَلَمْ يَلْتَئِمْ أَمْرُهُمَا فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِهِمَا جَمِيعًا أَوْ مِنَ الرَّجُلِ فَلَا تُسَلِّطُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ حَكَمَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِهَا لِيَنْظُرَا بَيْنَهُمَا وَيُصْلِحَا أَمْرَهُمَا: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النِّسَاءِ: ٣٥] ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنَ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النِّسَاءِ: ٣٤] فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا وَيَحْمِلَهَا عَلَى الطَّاعَةِ قَهْرًا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَدَرَّجَ فِي تَأْدِيبِهَا وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ أَوَّلًا الْوَعْظَ وَالتَّحْذِيرَ وَالتَّخْوِيفَ، فَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ فِي الْمَضْجَعِ أَوِ انْفَرَدَ عَنْهَا بِالْفِرَاشِ وَهَجَرَهَا وَهُوَ فِي الْبَيْتِ مَعَهَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ ذَلِكَ فِيهَا ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَا يَضْرِبَ وَجْهَهَا فَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. الْعَاشِرُ فِي آدَابِ الْجِمَاعِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ وَالْمُؤَانَسَةَ، وَأَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَيَغُضَّ صَوْتَهُ. ثُمَّ إِذَا قَضَى وَطَرَهُ فَلْيَتَمَهَّلْ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى تَقْضِيَ هِيَ أَيْضًا نَهْمَتَهَا، وَلَا يَأْتِيَهَا

стр. 105

فِي الْمَحِيضِ حَتَّى تَطْهُرَ. وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَمِيعِ بَدَنِ الْحَائِضِ وَلَا يَأْتِيَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتَى، إِذْ حَرُمَ غَشَيَانُ الْحَائِضِ لِأَجْلِ الْأَذَى وَالْأَذَى فِي غَيْرِ الْمَأْتَى دَائِمٌ فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢٢٣] أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ. وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْنِيَ بِيَدِيهَا وَأَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ بِمَا يَشْتَهِي سِوَى الْوِقَاعِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَاكِلَ الْحَائِضَ وَيُخَالِطَهَا فِي الْمُضَاجَعَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنَ الْآدَابِ أَنْ لَا يَعْزِلَ فَمَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللَّهُ كَوْنَهَا إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ، فَإِنْ عَزَلَ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَبَاحَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَحَلَّهُ بِرِضَاهَا وَحَرَّمَهُ بِدُونِ رِضَاهَا لِئَلَّا يُؤْذِيَهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «جابر» ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: كُنَّا نَعْزِلُ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا «. وَقَدْ يَبْعَثُ عَلَى الْعَزْلِ اسْتِبْقَاءُ جَمَالِ الْمَرْأَةِ وَسِمَنِهَا لِدَوَامِ التَّمَتُّعِ، وَاسْتِبْقَاءُ حَيَاتِهَا خَوْفًا مِنْ خَطَرِ الطَّلْقِ أَوِ الْخَوْفُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَجِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْأَوْلَادِ وَالِاحْتِرَازُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَبِ فِي الْكَسْبِ وَدُخُولِ مَدَاخِلِ السُّوءِ فَإِنَّ قِلَّةَ الْحَرَجِ مُعِينٌ عَلَى الدِّينِ. الْحَادِيَ عَشَرَ فِي آدَابِ الْوِلَادَةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكْثُرَ فَرَحُهُ بِالذَّكَرِ وَحُزْنُهُ بِالْأُنْثَى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي الْخَيْرَ لَهُ فِي أَيِّهِمَا، فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ ابْنٍ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَوْ يَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ بِنْتًا، بَلِ الثَّوَابُ فِيهِنَّ أَكْثَرُ، قَالَ» أنس «: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ. الثَّانِي: أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُسَمِّيَهُ اسْمًا حَسَنًا، وَمَنْ كَانَ لَهُ اسْمٌ مَكْرُوهٌ يُسْتَحَبُّ تَبْدِيلُهُ. الرَّابِعُ: الْعَقِيقَةُ عَنِ الذَّكَرِ بِشَاتَيْنِ وَعَنِ الْأُنْثَى بِشَاةٍ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِوَزْنِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. الْخَامِسُ: أَنْ يُحَنِّكَهُ بِتَمْرَةٍ أَوْ حَلَاوَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ . الثَّانِي عَشَرَ فِي الطَّلَاقِ: وَهُوَ أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبَاحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِيذَاءٌ بِالْبَاطِلِ، وَمَهْمَا طَلَّقَهَا فَقَدْ آذَاهَا، وَلَا يُبَاحُ إِيذَاءُ الْغَيْرِ إِلَّا بِجِنَايَةٍ مِنْ جَانِبِهَا أَوْ بِضَرُورَةٍ مِنْ جَانِبِهِ، قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) [النِّسَاءِ: ٣٤] أَيْ لَا تَطْلُبُوا حِيلَةً لِلْفِرَاقِ. وَإِنْ كَرِهَهَا أَبُوهُ لَا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فَلْيُطَلِّقْهَا بِرًّا بِهِ. وَمَهْمَا آذَتْ زَوْجَهَا وَبَذَتْ عَلَى أَهْلِهِ فَهِيَ جَانِيَةٌ، وَكَذَلِكَ مَهْمَا كَانَتْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ أَوْ فَاسِدَةَ الدِّينِ. وَإِنْ كَانَ الْأَذَى مِنَ الزَّوْجِ فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ بِبَذْلِ مَالٍ، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى فَإِنَّ ذَلِكَ إِجْحَافٌ بِهَا وَتَحَامُلٌ عَلَيْهَا وَتِجَارَةٌ عَلَى الْبُضْعِ، قَالَ تَعَالَى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)

стр. 106

[الْبَقَرَةِ: ٢٢٩] فَرَدُّ مَا أَخَذَتْهُ فَمَا دُونَهُ لَائِقٌ بِالْفِدَاءِ. فَإِنْ سَأَلَتِ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ مَا بَأْسٍ فَهِيَ آثِمَةٌ. ثُمَّ لِيُرَاعِ الزَّوْجُ فِي الطَّلَاقِ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ; فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوِ الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ بِدْعِيٌّ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا. الثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَقْصُودَ وَيَسْتَفِيدُ بِهَا الرَّجْعَةَ إِنْ نَدِمَ فِي الْعِدَّةِ. وَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا رُبَّمَا نَدِمَ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مُحَلِّلٌ وَإِلَى الصَّبْرِ مُدَّةً، وَعَقْدُ الْمُحَلِّلِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَكُونُ هُوَ السَّاعِيَ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَتَلَطَّفَ فِي التَّعَلُّلِ بِتَطْلِيقِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ، وَاسْتِخْفَافٍ وَتَطْيِيبِ قَلْبِهَا بِهَدِيَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِمْتَاعِ وَالْجَبْرِ لِمَا فَجَعَهَا بِهِ مِنْ أَذَى الْفِرَاقِ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَتِّعُوهُنَّ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣٦] . وَجَّهَ» الحسن بن علي «﵄ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِطَلَاقِ امْرَأَتَيْنِ مِنْ نِسَائِهِ وَقَالَ:» قُلْ لَهُمَا اعْتَدَّا «، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ» . الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُفْشِيَ سِرَّهَا لَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا عِنْدَ النِّكَاحِ فَقَدْ وَرَدَ فِي إِفْشَاءِ سِرِّ النِّسَاءِ وَعِيدٌ عَظِيمٌ. حُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ طَاعَةُ الزَّوْجِ فِي كُلِّ مَا طَلَبَ مِنْهَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، قَالَ ﷺ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ. وَقَالَ ﷺ : إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا دَخَلَتْ جَنَّةَ رَبِّهَا. قَالَ «ابْنُ عَبَّاسٍ» : «أَتَتِ» امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: «إِنِّي امْرَأَةٌ أَيِّمٌ وَأُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ فَمَا حَقُّ الزَّوْجِ؟» قَالَ: إِنَّ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِذَا أَرَادَهَا فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرٍ لَا تَمْنَعُهُ. وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا تُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ الْوِزْرُ عَلَيْهَا وَالْأَجْرُ لَهُ، وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطِشَتْ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ تَتُوبَ. فَحُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ كَثِيرَةٌ وَأَهَمُّهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا الصِّيَانَةُ وَالسَّتْرُ، وَالْآخَرُ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ مِمَّا وَرَاءَ الْحَاجَةِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ كَسْبِهِ إِذَا كَانَ حَرَامًا. وَمِنْ حَقِّهَا عَلَى الْوَالِدَيْنِ تَعْلِيمُهَا

стр. 107

حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ وَآدَابَ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ «أَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ الْفَزَارِيَّ» قَالَ لِابْنَتِهِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ: «إِنَّكِ خَرَجْتِ مِنَ الْعُشِّ الَّذِي فِيهِ دَرَجْتِ، فَصِرْتِ إِلَى فِرَاشٍ لَا تَعْرِفِينَهُ، وَقَرِينٍ لَا تَأْلَفِينَهُ، فَكُونِي لَهُ أَرْضًا يَكُنْ لَكِ سَمَاءً، وَكُونِي لَهُ مِهَادًا يَكُنْ لَكِ عِمَادًا، وَكُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَكِ عَبْدًا، لَا تُلْحِفِي بِهِ فَيَقْلَاكِ، وَلَا تَبَاعَدِي عَنْهُ فَيَنْسَاكِ، إِنْ دَنَا مِنْكِ فَاقْرَبِي مِنْهُ، وَإِنْ نَأَى فَابْعُدِي عَنْهُ، وَاحْفَظِي أَنْفَهُ وَسَمْعَهُ وَعَيْنَهُ، فَلَا يَشُمَّنَّ مِنْكِ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا حُسْنًا، وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا جَمِيلًا» . فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ فِي آدَابِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةً فِي قَعْرِ بَيْتِهَا، لَازِمَةً لِمِغْزَلِهَا، لَا يَكْثُرَ صُعُودُهَا وَاطِّلَاعُهَا، قَلِيلَةَ الْكَلَامِ لِجِيرَانِهَا، لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إِلَّا فِي حَالٍ يُوجِبُ الدُّخُولَ. تَحْفَظَ بَعْلَهَا فِي غَيْبَتِهِ وَحَضْرَتِهِ، وَتَطْلُبَ مَسَرَّتَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا، وَلَا تَخُونَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ، وَلَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَمُخْتَفِيَةً فِي هَيْئَةٍ رَثَّةٍ تَطْلُبُ الْمَوَاضِعَ الْخَالِيَةَ دُونَ الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ مُحْتَرِزَةً مِنْ أَنْ يَسْمَعَ غَرِيبٌ صَوْتَهَا أَوْ يَعْرِفَهَا بِشَخْصِهَا، لَا تَتَعَرَّفَ إِلَى صَدِيقِ بَعْلِهَا فِي حَاجَاتِهَا بَلْ تَتَنَكَّرَ عَلَى مَنْ تَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهَا أَوْ تَعْرِفُهُ، هَمُّهَا صَلَاحُ شَأْنِهَا وَتَدْبِيرُ بَيْتِهَا، مُقْبِلَةٌ عَلَى صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ صَدِيقٌ لِبَعْلِهَا عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ الْبَعْلُ حَاضِرًا لَمْ تَسْتَفْهِمْ وَلَمْ تُعَاوِدْهُ فِي الْكَلَامِ غَيْرَةً عَلَى نَفْسِهَا وَبَعْلِهَا. وَتَكُونَ قَانِعَةً مِنْ زَوْجِهَا بِمَا رَزَقَ اللَّهُ وَتُقَدِّمَ حَقَّهُ عَلَى حَقِّ نَفْسِهَا وَحَقِّ سَائِرِ أَقَارِبِهَا، مُتَنَظِّفَةً فِي نَفْسِهَا مُسْتَعِدَّةً فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِلتَّمَتُّعِ بِهِ إِنْ شَاءَ، مُشْفِقَةً عَلَى أَوْلَادِهَا، حَافِظَةً لِلسِّتْرِ عَلَيْهِمْ، قَصِيرَةَ اللِّسَانِ عَنْ سَبِّ الْأَوْلَادِ وَمُرَاجَعَةِ الزَّوْجِ. وَمِنْ آدَابِهَا: أَنْ لَا تَتَفَاخَرَ عَلَى الزَّوْجِ بِجَمَالِهَا وَلَا تَزْدَرِيَ زَوْجَهَا لِقُبْحِهِ. وَمِنْ آدَابِهَا: مُلَازَمَةُ الصَّلَاحِ وَالِانْقِبَاضِ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّعِبِ وَالِانْبِسَاطِ وَأَسْبَابِ اللَّذَّةِ فِي حُضُورِ زَوْجِهَا. وَمِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ: إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ لَا تُحِدَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَتَتَجَنَّبَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، قَالَ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَيَلْزَمُهَا لُزُومُ مَسْكَنِ النِّكَاحِ إِلَى آخِرِ الْعِدَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا الِانْتِقَالُ إِلَى أَهْلِهَا وَلَا الْخُرُوجُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَمِنْ آدَابِهَا: أَنْ تَقُومَ بِكُلِّ خِدْمَةٍ فِي الدَّارِ تَقْدِرُ عَلَيْهَا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ.

стр. 108

كِتَابُ آدَابِ الْكَسْبِ وَالْمَعَاشِ فَضْلُ الْكَسْبِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ: أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النَّبَأِ: ١١] فَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الْأَعْرَافِ: ١٠] فَجَعَلَهَا رَبُّكَ نِعْمَةً وَطَلَبَ الشُّكْرَ عَلَيْهَا، وَقَالَ تَعَالَى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الْجُمُعَةِ: ١٠] . وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ، وَكَانَ ﷺ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرُوا إِلَى شَابٍّ ذِي جَلَدٍ وَقُوَّةٍ وَقَدْ بَكَّرَ يَسْعَى فَقَالُوا: «وَيْحَ هَذَا لَوْ كَانَ شَبَابُهُ وَجَلَدُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» فَقَالَ ﷺ : لَا تَقُولُوا هَذَا فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ، وَقَالَ ﷺ : خَيْرُ الْكَسْبِ كَسْبُ الْعَامِلِ إِذَا نَصَحَ أَيْ بِأَنْ أَتْقَنَ وَتَجَنَّبَ الْغِشَّ وَقَامَ بِحَقِّ الصَّنْعَةِ. وَقَالَ» عمر «﵁:» لَا يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً «. وَقَالَ» ابْنُ مَسْعُودٍ «﵁:» إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا لَا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَلَا فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ «. وَقِيلَ:» لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ «﵁: مَا تَقُولُ فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي» ؟ فَقَالَ: «أحمد» : هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي

стр. 109

تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي. وَقَوْلَهُ ﵇ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ فَقَالَ: تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا فَذَكَرَ أَنَّهَا تَغْدُو فِي طَلَبِ الرِّزْقِ. وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ مَوْرُوثٌ فَلَا يُنْجِيهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْكَسْبُ وَالتِّجَارَةُ ; نَعَمْ تَرْكُ الْكَسْبِ أَفْضَلُ لِعَالِمٍ مُشْتَغِلٍ بِتَرْبِيَةِ عِلْمِ الظَّاهِرِ مِمَّا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ فِي دِينِهِمْ كَالْمُفْتِي - أَيِ الْفَقِيهِ وَالْمُفَسِّرِ وَالْمُحَدِّثِ وَأَمْثَالِهِمْ - أَوْ رَجُلٍ مُشْتَغِلٍ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَالشَّاهِدِ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا كَانَ يُكْفَوْنَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِلْمَصَالِحِ أَوِ الْأَوْقَافِ الْمُسْبَلَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ فَإِقْبَالُهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ أَفْضَلُ مِنِ اشْتِغَالِهِمْ بِالْكَسْبِ، وَلِهَذَا أَشَارَ الصَّحَابَةُ عَلَى «أبي بكر» ﵃ بِتَرْكِ التِّجَارَةِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الْمَصَالِحِ، وَكَانَ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، وَرَأَى ذَلِكَ أَوْلَى، ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ أَوْصَى بِرَدِّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ رَآهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى. بَيَانُ الْعَدْلِ وَاجْتِنَابُ الظُّلْمِ فِي الْمُعَامَلَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ قَدْ تَجْرِي عَلَى وَجْهٍ يَشْتَمِلُ عَلَى ظُلْمٍ يَتَعَرَّضُ بِهِ الْمُعَامِلُ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الظُّلْمُ يَعْنِي بِهِ مَا اسْتَضَرَّ بِهِ الْغَيْرُ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا يَعُمُّ ضَرَرُهُ وَإِلَى مَا يَخُصُّ الْمُعَامِلَ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَعُمُّ ضَرَرُهُ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: الِاحْتِكَارُ فَبَائِعُ الطَّعَامِ يَدَّخِرُ الطَّعَامَ يَنْتَظِرُ بِهِ غَلَاءَ الْأَسْعَارِ وَهُوَ ظُلْمٌ عَامٌّ وَصَاحِبُهُ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ قِلَّةِ الْأَطْعِمَةِ وَحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ ضَرَرٌ مَا، أَمَّا إِذَا اتَّسَعَتِ الْأَطْعِمَةُ وَكَثُرَتْ وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهَا وَلَمْ يَرْغَبُوا فِيهَا إِلَّا بِقِيمَةٍ قَلِيلَةٍ فَانْتَظَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ قَحْطًا فَلَيْسَ فِي هَذَا إِضْرَارٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ قَحْطٍ كَانَ فِي ادِّخَارِهِ إِضْرَارٌ فَلَا رَيْبَ فِي تَحْرِيمِهِ. وَمَعَ عَدَمِ الضِّرَارِ لَا يَخْلُو احْتِكَارُ الْأَقْوَاتِ عَنْ كَرَاهِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ مَبَادِئَ الضِّرَارِ وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ، وَانْتِظَارُ مَبَادِئِ الضِّرَارِ مَحْذُورٌ كَانْتِظَارِ عَيْنِ الضِّرَارِ وَلَكِنَّهُ دُونَهُ، وَانْتِظَارُ عَيْنِ الضِّرَارِ أَيْضًا هُوَ دُونَ الْإِضْرَارِ فَبِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْإِضْرَارِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الْكَرَاهِيَةِ وَالتَّحْرِيمِ. الثَّانِي: تَرْوِيجُ الزَّيْفِ مِنَ الدَّرَاهِمِ فِي أَثْنَاءِ النَّقْدِ فَهُوَ ظُلْمٌ إِذْ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُعَامِلُ إِنْ لَمْ

стр. 110

يَعْرِفْ، وَإِنْ عَرَفَ فَسَيُرَوِّجُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَتَرَدَّدُ فِي الْأَيْدِي وَيَعُمُّ الضَّرَرُ وَيَتَّسِعُ الْفَسَادُ وَيَكُونُ وِزْرُ الْكُلِّ وَوَبَالُهُ رَاجِعًا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ هَذَا الْبَابَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: «إِنْفَاقُ دِرْهَمِ زَيْفٍ أَشَدُّ مِنْ سَرِقَةِ مِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ السَّرِقَةَ مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ تَمَّتْ وَانْقَطَعَتْ» . وَإِنْفَاقُ الزَّيْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ مِائَتَيْ سَنَةٍ إِلَى أَنْ يَفْنَى ذَلِكَ الدِّرْهَمُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا فَسَدَ مِنْ نَقْصِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَطُوبَى لِمَنْ إِذَا مَاتَ مَاتَتْ مَعَهُ ذُنُوبُهُ، وَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ يَمُوتُ وَتَبْقَى ذُنُوبُهُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يُعَذَّبُ بِهَا فِي قَبْرِهِ وَيُسْأَلُ عَنْهَا إِلَى آخِرِ انْقِرَاضِهَا، قَالَ تَعَالَى: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) [يس: ١٢] أَيْ نَكْتُبُ أَيْضًا مَا أَخَّرُوهُ مِنْ آثَارِ أَعْمَالِهِمْ كَمَا نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوهُ، وَفِي مِثْلِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) [الْقِيَامَةِ: ١٣] وَإِنَّمَا أَخَّرَ آثَارَ أَعْمَالِهِ مِنْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عَمِلَ بِهَا غَيْرُهُ. وَفِي الزَّيْفِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ إِذَا رُدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرَحَهُ فِي بِئْرٍ بِحَيْثُ لَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ الْيَدُ، وَإِيَّاهُ أَنْ يُرَوِّجَهُ فِي بَيْعٍ آخَرَ، فَإِنْ أَفْسَدَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ التَّعَامُلُ جَازَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ تَعَلُّمُ النَّقْدِ لِئَلَّا يُسَلِّمَ إِلَى أَحَدٍ زَيْفًا وَهُوَ لَا يَدْرِي فَيَكُونَ آثِمًا بِتَقْصِيرِهِ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، فَلِكُلِّ عَمَلٍ عِلْمٌ بِهِ يَتِمُّ نُصْحُ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي مَالِهِ قِطْعَةٌ نَقْرَتُهَا نَاقِصَةٌ عَنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ مُعَامِلَهُ وَأَنْ لَا يُعَامِلَ بِهِ إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَحِلُّ التَّرْوِيجَ فِي جُمْلَةِ النَّقْدِ بِطَرِيقِ التَّلْبِيسِ، فَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ فَتَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى الْفَسَادِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا وَذَلِكَ مَحْظُورٌ وَإِعَانَةٌ عَلَى الشَّرِّ وَمُشَارَكَةٌ فِيهِ، وَسُلُوكُ طَرِيقِ الْحَقِّ بِمِثَالِ هَذَا فِي التِّجَارَةِ أَشَدُّ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَالتَّخَلِّي لَهَا. الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَخُصُّ ضَرَرُهُ الْمُعَامِلَ: فَكُلُّ مَا يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُعَامِلُ فَهُوَ ظُلْمٌ وَإِنَّمَا الْعَدْلُ بِأَنْ لَا يَضُرَّ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالضَّابِطُ الْكُلِّيُّ فِيهِ أَنْ لَا يُحِبَّ لِأَخِيهِ إِلَّا مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، فَكُلُّ مَا عُومِلَ بِهِ وَشَقَّ عَلَيْهِ وَثَقُلَ عَلَى قَلْبِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَامِلَ غَيْرَهُ بِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ دِرْهَمُهُ وَدِرْهَمُ غَيْرِهِ، هَذِهِ جُمْلَتُهُ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَفِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُثْنِيَ عَلَى السِّلْعَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهَا لِأَنَّهُ كَذِبٌ فَإِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَهُوَ تَلْبِيسٌ وَظُلْمٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ كَذِبٌ وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ. وَأَمَّا الثَّنَاءُ عَلَى السِّلْعَةِ بِذِكْرِ الْقَدْرِ الْمَوْجُودِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ وَإِطْنَابٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ جَاءَ بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى عُرْضَةً لِأَيْمَانِهِ وَقَدْ أَسَاءَ فِيهِ إِذِ الدُّنْيَا أَخَسُّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ تَرْوِيجَهَا بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَفِي الْخَبَرِ: " وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ: بَلَى وَاللَّهِ وَلَا وَاللَّهِ وَوَيْلٌ لِلصَّانِعِ مِنْ غَدٍ وَبَعْدَ غَدٍ ". وَفِي الْخَبَرِ: الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مُنْفِقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ.
следующие страницы →