← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 736–750 · переход к 741.

стр. 736

وقد أدرك جيش غزو الإسلام والمسلمين ذو الأجنحة الثلاثة هذه الحقيقة، فأعد لكل عنصر من عناصر قوى المسلمين المختلفة خطط تفتيت وهدم وتوهين. وتآزرت الأجنحة على محاربة هذه العناصر، واعتبرت محاربتها أهدافاً مشتركة تعمل على تحقيقها، وانطلق كل جناح يستعمل الأسلحة التي يقدر على استعمالها، ضمن خطوط السير التي ترسمها وتملي تعليماتها غرفة العمليات العليا لقيادة هذا الجيش الظالم الآثم. فبينما تكون أسلحة الجناح السياسي والعسكري دائرة بين مصاولات ومداورت الخداع السياسي والحربي، تكون أسلحة الجناح الذي يضطلع بمهماته المستشرقون دائرة بين محاورات فكرية ودسائس علمية وبحوث ومؤلفات دينية واجمتاعية ونفسية وتاريخية مملوءة بالدس والتحوير والتلاعب بالحقائق ومملوءة بالانتقادات والتهجمات المزورة الملفقة على المفاهيم والأفكار والأحكام والشرائع الإسلامية، ومشتملة على أكاذيب موضوعة على التاريخ الإسلامي، وعلى ما يستطيعون من تعاليم الإسلام، وفي الوقت ذاته تكون أسلحة الجناح التبشيري دائرة في ميادين التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية بمختلف المستويات. ولذلك نجد السلطات الاستعمارية سياسية كانت أو عسكرية تدعم كلاً من الجناحين الاستشراقي والتبشيري دعماً كبيراً جداً بالمال والحماية وتذليل المهمات والإنقاذ عند اشتداد الأزمات والتزويد بالمعلومات السياسية والعسكرية عند الحاجة وبكل ما لديها من خبرات سياسية وإدارية، ولكنها تحاول بقدر الإمكان أن لا تتظاهر بذلك. وفي هذا الدعم تتلقى المؤسسات التبشيرية المساعدات الجمة من مختلف الدول الكبرى على شكل مخصصات ذات أرقام عالية جداً تستطيع أن تدعم بها ميزانياتها الضخمة وأن تنشئ بها المؤسسات التعليمية والثقافية الصحية والاجتماعية في معظم البلاد، وأن تعد البعوث وما تسميه بالإرساليات إعداداً عالياً، حتى تستطيع القيام بمهماتها على أكمل وجه ممكن لها، ويضاف إلى هذه المخصصات الدولية سيل عظيم من المساعدات المالية التي يقدمها أثرياء العالم من الذين يؤمنون بالرسالة التي يقوم

стр. 737

بها المبشرون، وكذلك سيل أرباح هذه المؤسسات من الأسر الإسلامية التي تدفع أبناءها إليها. والأنكى من ذلك ما يدفعه بعض أغنياء المسلمين لهم من تبرعات تتجمع لدى مؤسسات التبشير ميزانيات قد تفوق ميزانيات دول ذات وزن. ويتلقى المبشرون أيضاً دعماً مماثلاً من كل السلطات الاستعمارية والمؤسسات التبشيرية إذ تغدق عليهم المرتبات الضخمة منها، وتعطى لهم كل إمكانات التفرغ للبحث والمتابعة. ثم تتلقى ما ينتجونه من أعمال تلقي الصادي المتلفه. فتكافئهم عليه وتعمل على نشره وتوزيعه توزيعاً واسعاً، وإحاطته بكل دعايات التمجيد والإكبار، وتدفع بالمنتجين إلى مراكز الصدارة العلمية بين العلماء الباحثين، وقد يكونون من القماءة والضآلة بحال لا يستحقون معها إلا أن يكونوا خاملي الذكر قابعين في زوايا الإهمال، إلا أن القوى المساندة المساعدة هي التي رفعتهم وأشادت بهم. وفي مقابل ذلك تجد السلطات الاستعمارية لها سنداً مقنَّعاً عند كل من جناحي المستشرقين والمبششرين، ففي المراكز التبشيرية مكاتب استخبارات تزود السلطات الاستعمارية بالمعلومات المطلوبة. وفيها أيضاً مكاتب دس لتصدير الإشاعات وتصيد الأجراء، وشراء الضمائر والذمم، وقد يكون فيها مرابض قوى مادية تستعمل عند اشتداد الأزمات على السلطات الاستعمارية، وأجهزة خاصة لتقديم التقارير والتوصيات. كما أن المستشرقين يقومون بإعداد ما يلزم من تقارير ونصائح تستفيد منها السلطات الاستعمارية فوائد جمة، وتعمل بوحيها وإشاراتها. * * *

стр. 738

الفصْل الثاني خلاَصَة وتوجيه لِلمسْلمين :١- مقدمة. ٢- العناصر الغازية. ٣- نتائج حققها الغزاة. ٤- خطوات العودة الحميدة.

стр. 739

(١) مقدمة بعد امتحان الغزو المادي المسلح الخائب الذي قام به الغزاة ضد الإسلام والمسلمين، استطاعوا أن يصلوا إلى خطة غزو جديدة ذات شطرين الشطر الأول منهما: خطة غزو هدفها امتلاك نفوس أبناء المسلمين وأجيالهم الناشئة بالشهوات ومرضيات الأهواء والنزعات. وقد وضع الغزاة تفصيلات واسعة جداً لتنفيذ هذه الخطة وصيد أبناء المسلمين وبناتهم بها داخل البلاد الإسلامية وخارجها حينما يذهب هؤلاء إلى بلاد الغزاة زائرين أو دارسين أو أصحاب مصالح. الشطر الثاني منهما: خطة غزوٍ هدفها السيطرة على عقول أبناء المسلمين وأجيالهم الناشئة بالأفكار وأنواع الثقافات التي يراد لها أن تحل محل المفاهيم الإسلامية الأصيلة. ولا بد أن تكون هذه الأفكار وأنواع الثقافات بعيدة عن العلوم المادية البحتة والتكنولوجيا، لأن هذه العلوم لا بد أن تخضع للتجربة المادية ولا بد أن تمتحن بنتائجها. فإذا كانت مزيفة فلا بد أن يظهر زيفها بسرعة لدى فشلها في تقديم نتائجها المرجوة منها، على أن هذه لا تمس المفاهيم الإسلامية الصحيحة. إذن فالأفكار والثقافات الغازية ينبغي أن تكون مما يمس المفاهيم الإسلامية التي هي الحصن الأعظم الجامع للشعوب الإسلامية والحامي لها. وينبغي أيضاً أن تهيأ لها الظروف الملائمة والوسائل الكافية لتزاحم المفاهيم الإسلامية ثم تبعدها وتحل محلها. وعندئذٍ يظفر العدو بتحقيق كامل خطته

стр. 740

بسهولة ويسر. فإن لم يتيسر له ذلك، فلا أقل من أن تسلك الأفكار والثقافات الغازية طريقاً ولو طويلاً ومتعرجاً يمكن أن ينتهي في آخر مسيرة الغزو إلى مزاحمة المفاهيم الإسلامية وإبعادها واحتلال محلها. فماذا عسى أن تكون ميادين هذه الأفكار والثقافات الغازية؟ إنها لا بد أن تكون ميادين لقسمين من العلوم: القسم الأول: العلوم المتصلة بفلسفة الوجود ونشأته والغاية منه ومصير الحياة ومصير الإنسان بعد هذه الحياة. لأن هذه العلوم أو بالأ؛ رى ما يسمى علوماً من أفكار لا سند لها من علم أو تجربة هي التي يمكن أن تمس كبريات العقائد الإسلامية. إذ معظم المفاهيم الإسلامية النظرية الجذرية تدور في هذا الفلك. وفي هذا القسم تدخل علوم الفلسفة ونشأة الكون ونشأة الحياة وأصل الإنسان والتطور وما إلى ذلك من بحوث. القسم الثاني: العلوم المتصلة بسلوك الإنسان في هذه الحياة، فرداً كان أو جماعة، لأن معظم المفاهيم الإسلامية العملية تدور في هذا الفلك. وفي هذا القسم تدخل جملة من العلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق وعلم الاقتصاد وعلم السياسة والفنون الجمالية المختلفة وبعض النظريات التي ليس لها نتائج عملية من نظريات العلوم المادية البحتة. فمن شأن هذه العلوم - إذا صيغت ضمن نظريات مزخرفة وأحيطت بهالة من التقديس العلمي المزور - أن تكون قادرة على غزو عقول الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين وبناتهم، لا سيما إذا جاءت مقترنة ببعض الحقائق الظاهرة الخاضعة للتجربة والملاحظة، والتي ليس في إمكان الإنسان أن يزورها، والتي تقدم برهان صدقها من نتائجها المادية الظاهرة. إذن فليكن عبور خطة الغزو الفكري أو الغزو الثقافي ضمن هذين الفلكين الثقافيين.

стр. 741

وهنا قامت في وجه الغزاة أسوار العلوم الإسلامية الرصينة وحصون النصوص الإسلامية الحصينة وأمجاد تاريخ المسلمين الناصع في جملته. (٢) العناصر الغازية وبعد البحث والتأمل والاختبار والتجربة والملاحظة وتقويم النتائج رأى الغزاة أن يهاجموا هذه الأسوار والحصون بخطة ماكرة جداً، تشتمل على عناصر كثيرة جداً منها العناصر التالية: العنصر الأول: إثارة الشبهات حول المبادئ والمفاهيم الإسلامية، وإثارة الشبهات حول النصوص المشتملة في مضمونها على هذه المبادئ والمفاهيم، وبعد العناء الطويل لم يظفروا من ذلك بطائل كبير يذكر، أو يستطيع التأثير في العقول النيرة الواعية البصيرة، وقام الباحثون من المسلمين يفندون هذه الشبهات، ويكشفون حقيقة الإسلام الناصعة. العنصر الثاني: تشويه المفاهيم الإسلامية، بدس أفكار غير إسلامية في أصلها، ثم يجعل بعض المسلمين يأخذونها على أنها من الإسلام، ثم بحاربة الإسلام بها. إن الغزاة في هذا يحاولون أن يقذفوا فينا الوباء بدسائسهم ليوجهوا لنا النقذ اللاذع بعد ذلك، وليقولوا لنا: أنتم موبوءون، وما كان فينا هذا الوباء الذي ينتقدوننا به إلا بأسباب من دسائسهم. العنصر الثالث: تجهيل المسلمين بإسلامهم، أو صرفهم عن تفهمه تفهماً صحيحاً بدسائس كثيرة ومكايد خطيرة، وللعملاء والأجراء، والمخدوعين بهم دور كبير وخطير في حمل هذه الدسائس، وتنفيذ هذه المكايد. والغرض من هذا التجهيل أن تكون عقول المسلمين ونفوسهم وقلوبهم مستعدة بفراغها لتقبل ما تمليه عليهم خطة الغزو. وفي تنفيذ خطة التجهيل هذه يحاربون كل نشاط تعليمي صحيح مشرق

стр. 742

منير، هدفه تعليم العلوم الإسلامية الحقة، وفق الأساليب المعاصرة، ووفق الصور السليمة المقنعة القادرة على الصمود والثبات، ضدّ كلّ أنواع الغزو الثقافي الماكر. وهذه المحاربة تتخذ طريقين: طريقاً تنتهي بإلغاء مواد تعليمية قادرة على التبصير الصحيح للأجيال الناشئة، مع اصطناع المبررات المزيفة لذلك. وطريقاً تنتهي بتعقيد المعارف الإسلامية، وجعلها في وضع عقيم الإنتاج، غير صالح لمسايرة معارف العصر، ومناهضة الثقافة الغازية، ولهذه الطريق نتيجة أخرى هم يرجونها، ألا وهي تنفير الأجيال الناشئة تفي البلاد الإسلامية من العلوم الإسلامية. مع العلم بأن المعارف الإسلامية والمفاهيم الإسلامية لو صيغت صياغة مسايرة لأساليب التعليم الحديث، مع احتفاظها بمضمونها الحق، قادرة على أن تكون هي الغازية حقاً، لأنها في مستوى القمة، بالنسبة إلى الميادين التي عالجتها في المفاهيم الكبرى والصغرى، وفي تحديد كمال السلوك الإنساني، الذي يحقق أرقى مستوى من السعادة التي يمكن تحقيقها في ظروف هذه الحياة الدنيا للفرد وللجماعة. العنصر الرابع: تشويه واقع تاريخ المسلمين تشويهاً يجعل المسلمين يفقدون مشاعرهم بأمجادهم، وينظرون إلى تاريخهم نظرات استهانة ونقد، مع أن في تاريخهم العظيم ما ليس في تاريخ أية أمة من الأمم، علماً وحضارة وإنسانية مثالية ومجداً كبيراً. العنصر الخامس: محاولة إقامة حجب وعقبات كثيرة بين أبناء المسلمين وبين العلوم المادية البحتة العالية والعلوم التكنولوجية الكبرى، لإقامة حاجز بينهم وبين مياادين القوة المادية الحقيقية، ثم شغلهم بسيول هائلة من العلوم الأخرى التي تشتمل على الأفكار والثقافات الغازية، والإيحاء لهم بأن الاشتغال بها هو طريق التقدم العلمي الصحيح للارتقاء الحضاري. العنصر السادس: قيادة حركة التعليم العالية خطة ومناهج

стр. 743

ومضامين وعناصر عمل وتنفيذ، ثم القبض على نواصي وثائق المعرفة وصكوكها الورقية التي ترتبط بها الألقاب العلمية، وكراسي التعليم في كل معاهد التعليم وجامعاته. وكان من ضمن المعارف التي زحف الغزاة إلى قيادة التعليم فيها لمنح أعلى الوثائق فيها العلوم الإسلامية والعربية، لاستقدام أبناء المسلمين إلا بلادهم واستدراجهم إلى شبكة الصيد التي نصبوها لهم، بغية أن ينفذوا خطتهم العامة عن طريق من يستطيعون تصيده من هؤلاء الأبناء، ومتى تولى قيادة العلوم الإسلامية والعلوم العربية الخادمة لها، حملة ألقاب عليا مطبوعون بخاتم العدو مرصوصون في قالبه، فإن خطة الغزو تكون أكثر إحكاماً وأعظم نفاذاً. ويخرج زمرٌ من أبناء المسلمين إليهم، فيسقط من يسقط منهم في حبائل الفكر والثقافات المدسوسة المزيفة، ويسقط من يسقط منهم في حبائل الشهوات والمطامع، ومرضيات الأهواء والنزغات، وينجو من ينجو منهم بفضل الله وعصمته، إلا أنه كما ينجو من الحريق من يدخل النار وهو يلبس الألبسة الواقية، أو كما ينجو من الغرق من يتوغل سابحاً في عباب البحر الهائج. وهنا نقول: إن أخذ هذه العلوم الإسلامية والعلوم العربية على أيدي أعداء هذه العلوم - وإن نا فقوا لها وتظاهروا بالإخلاص لها في البحث العلمي - يمثل خطراً عظيماً على الأمة الإسلامية، ويمهد للغزاة سبيل الغزو للإسلام نفسه ولو بعد حين. ولكن ثقتنا بالله أن الله لن يمكنهم من ذلك لأنه تكفل بحفظ كتابه، وإن من حفظ الله أن يتخذ المسلمون الخطط والوسائل اللازمة للحماية. ومن العجيب أن كراسي العلوم الإسلامية في الجامعات العالمية إنما يتولاها في هذه الجامعات من لا يدين بالإسلام، بينما لا يتولى كراسي العلوم النصرانية إلا عالم من علماء النصرانية، ولا يتولى كراسي العلوم اليهودية إلا عالم بالهيودية من علماء اليهود، فماذا فعل المسلمون تجاه واجبهم الذي يقضي عليهم بانتداب علماء من المسلمين يتولون كراسي العلوم الإسلامية في الجامعات العالمية!؟.

стр. 744

وفتنتنا الكبرى بشهادات الماجستير والدكتوراه، نبهت الغزاة إلى خطة يسلكونها عن طريق هذه الشهادات. جاء في كتاب المشكلة الشرقية "Eastern Problem London ١٩٥٧-p.١٤٩" ما يلي: "لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تماماً. ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية. فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة والشخصية الممزقة والسلوك المنحل من الشرق ولا سيما من البلاد الإسلامية وتمنحهم المنح الدراسية. وحتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر، ليكونوا المبشرين المجهولين لنا، لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبو إليه في البلاد الإسلامية. إن اعتقادي القوي بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالاً تاماً جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات، واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا ومآربنا، باسم تهذيب المسلمين والإسلام". العنصر السابع: تشويه الإسلام بتحريف معانيه ونصوصه، وإخراجها عن مواقع دلالاتها المرادة. (٣) نتائج حققها الغزاة ووقع المسلمون من جراء أعمال الغزاة، وبأسباب من أنفسهم، في أمراض وانحرافات، يجب عليهم أن يتخلصوا منها، حتى يستعديوا مجدهم في العالم، ويحتلوا مراكز القيادة الحضارية المثلى. ومن هذه الأمراض والانحرافات ما يلي: ١- مفاهيم غير صحيحة، مسيطرة على أفكار كثيرين منهم، منها مستحدث، ومنها موروث من عصور الانحطاط.

стр. 745

٢- الانبهار بظواهر الحضارة المادية الحديثة، وهذا الانبهار يسوق إلى التقليد الأعمى، الذي تغدو فيه القوى الفكرية والنفسية والإرادية معطلة مشلولة، وتغدو فيه القوى الجسدية المختلفة مندفعة اندفاعاً أرعن وراء جهة الانبهار. ٣- التخلف العلمي والعملي عما يجب أن يكونوا عليه، والسابقين إليه قبل كل سابق من أمم الأرض، بموجب قوة الدفع الحضاري الموجود في تعاليم الإسلام وتوجيهاته ووصاياه. ٤- تلقي الضربات المتتاليات من قبل أعدائهم وأعداء دينهم، الطامعين ببلادهم والعاملين على إخراجهم من دينهم وأخلاقهم الإسلامية، وتفتيت وحدتهم الكبرى إلى أجزاء صغرى لا كيان لها ولا وزن لها بين أمم الأرض. ومن شأن هذه الضربات المتتاليات أن ترسم في النفوس الضعيفة صوراً من اليأس والقنوط، وترسم في النفوس القوية صوراً من الأمل والرغبة بالتنافس والتحدي، ولكن هجر عامة المسلمين لإسلامهم أضعف نفوسهم. ٥- تأثر معظم طلائع الأجيال الحديثة بحملات الغزو الفكري والنفسي والاجتماعي والسياسي والسلوكي الذي غزانا به أعداء الإسلام من مختلف الأشكال والأجناس والألوان. وبعض هذا الغزو قد جاءت حملاته إلينا، وبعض هذا الغزو قد حُمل أبناؤنا إليه. ٦- تخلي معظم المسلمين عن التطبيقات الإسلامية، وارتداد كثيرين من أبناء المسلمين عن العقيدة والمفاهيم الإسلامية ارتداداً كلياً. ٧- انتشار الجهل بالمفاهيم والتعاليم الإسلامية الصحيحة، وانشغال النفوس والأفكار بمطالب الأجساد والشهوات والأهواء.

стр. 746

(٤) خطوات العمل الحميدة والعمل للإسلام الحق يتطلب من طلائع الوعي الإسلامية حركة فعالة متزنة تتسم بطول الصبر وسعة الصدر وعدم استعجال النتائج والتخطيط للأمد البعيد بفكر عميق مستفيد من تجارب الماضي وعظاته، لتقف بقوة وثبات بعيدين عن الثورات الانفعالية الآنية في المواجهة المضادة لأعمال الغزو وفي البناء الإيجابي الفعال للفكر الإسلامية وللأمة المسلمة الصحيحة. ولهذه الحركة الإسلامية أن تستفيد من خطة العمل التالي: ١- ينطلق العمل الإسلامي بالاعتماد على عنصرين رئيسين من عناصر العمل الفعالة المنتجة بهدوء واتزان ودأب: العنصر الأول: مثقفون ثقافة إسلامية واعية متسمة بعمق التفكير وسعة الأفق ورحابة الصدر وقوة الحجة والفاعلية الدائبة. العنصر الثاني: جمهور من الملتزمين بالإسلام عقيدة وعملاً، الغيورين عليه، المتحمسين للاضطلاع بمسؤولياتهم نحوه، أياً كانت مجالات عملهم في اكتساب الرزق، مع زاد مناسب من الثقافة الإسلامية. ٢- منهاج العمل: لإعداد عنصري العمل السابقين يمكن رسم بعض الخطوات الرئيسة دون الدخول في التفاصيل. الخطوة الأولى: الانطلاق إلى العمل، وتتم هذه الخطوة بإحدى وسيلتين: أ- إما باندفاع نواة أولى صالحة للاستقطاب، مزودة بكفاءة طيبة للعمل ومعرفة إسلامية واسعة وأخلاق قيادية حكيمة. ب- وإما بتجميع نخبة ممتازة من الباحثين الإسلاميين، ليصدر عنهم مجتمعين الانطلاق إلى العمل، مع التخفيف من مشكلات القيادات الجماعية ما أمكن.

стр. 747

الخطوة الثانية: وضع ميثاق إسلامي عام، يمكن أن يلتقي عليه معظم المسلمين وأن يلتزموا به، ومن طبيعة هذا الميثاق أن يكون بعيداً عن إثارة كل النقاط الخلافية الفرعية. الخطوة الثالثة: وضع منهاج التثقيف الإسلامي العام، باختيار البحوث الإسلامية التي يحتاج إليها المسلم المعاصر. ويتم وضع هذا المنهاج، ثم تؤخذ الموافقة عليه من قبل علماء المسلمين الموثوقين المنبثين في الأقطار الإسلامية. الخطوة الرابعة: إعداد المصنفات الإسلامية الحديثة، أو انتقاء المناسب منها، على أن تتناول بالبحث الموضوعات المقررة للتثقيف الإسلامي العام، وتصدر هذه المصنفات بعد الموافقة على إصدارها من قبل عدد من علماء المسلمين الموثوقين في الأقطار الإسلامية. وينبغي أن تتفادى هذه المصنفات عناصر الخلافات المذهبية العنيفة، ما لم تتصل بجوهر العقيدة الأساسية. وينبغي أيضاً أن تكون هذه المصنفات ذات مستويين أو أكثر، مستوى ابتدائ يُعدّ لتثقيف الجماهير المسلمة بالثقافات الإسلامية المطلوبة، ومستوى متوسط ثم مستوى آخر عال، لتثقيف زمرة العنصر الأول بالثقافات الإسلامية التفصيلية، المدعمة بالحجج والبراهين المقنعة. الخطوة الخامسة: إعداد جيش المثقفين ثقافة إسلامية راقية، مقرونة بوعي والتزام واتزان. ويجب أن تكون دوائر التثقيف الإسلامي الراقي في حالة اتساع مستمر، ومن بين هذا الجيش المثقف بالثقافة الإسلامية الراقية تتفجر القيادة الحكيمة الرزينة، الحريصة على متابعة الجهد التثقيفي، والعمل للإسلام بغيرة وإخلاص. الخطوة السادسة: التوعية الإسلامية العامة، بمستويات تتناسب مع حال الجماهير المختلفة، مع التربية الحكيمة على الالتزام بالتطبيق الدقيق للأحكام

стр. 748

والأخلاق الإسلامية، دون شدة أو عنف في بعض الفروع الشكلية البحتة. ويدخل في هذه الخطوة تكليف كل مثقف إسلامي - سواء أكان من زمرة العنصر الأول أو من زمرة العنصر الثاني - نقل ما تزود به من معرفة إسلامية، ونقل ما التزم به من سلوك إسلامي إلى غيره، عن طريق الدعوة، أو التأثير بالقدوة الحسنة، وذلك ضمن برنامج تفصيلي محدد، يفرض على كل عامل وظيفة يومية يباشرها في ميدان التثقيف والتوعية الإسلامية. ويجب أن يكون التثقيف بالأساليب المؤثرة، التي لا تثير عصبيات الآخرين، ولا تحرضهم على الاستمساك بالباطل والإصرار عليه، وسلوك مسلك العناد والمخالفة. ومن أمثلة الأساليب الرفيعة المؤثرة، الاستدراج إلى الإقرار بالفكرة، بعد وضع هالة حولها من الحجج الخفية والبراهين غير المباشرة، وذلك قبل الإعلان التام عنها، فبهذا الأسلوب يظن الآخر أنه هو صاحب الفكرة ومبتكرها، فيستمسك بها، ومن الأساليب أيضاً أن يهدي حامل رسالة التوعية صديقاً أو زميلاً له كتاباً إسلامياً، يشعره بأنه اطلع عليه وأعجب به، أو يضعه بين يديه ليقرأه ويبدي فيه رأيه بعد فترة كافية لقراءته، مع متابعته برفق، واستنجازه قراءته برقة متناهية. الخطوة السابعة: تبريد حرارة الخلافات المذهبية، والعمل على تقريب وجهات النظر بطريق لا جدال فيها ولا مشاحنات، مهما دعا الانفعال إلى ذلك. وطريق تبريد حرارة الخلافات المذهبية البث العارض، أو الكتابات المتسمة بالاعتدال والرفق واللين، وتكريم كل جهة من جهات الخلاف، وعرض الحق مقترناً بالدليل، دون إبراز صورة التعصب له. الخطوة الثامنة: فضح دسائس أعداء الإسلام الفكرية والعملية بين المسلمين، وإبراز الصورة الإسلامية المشرقة الحقة، بكل وسيلة من وسائل الإعلام والتنوير العام.

стр. 749

واتخاذ الوسائل الكفيلة بحماية أبناء المسلمين حماية تامة من المواطن التي تكثر فيها شبكات الصيد التي ينصبها الأعداء الغزاة. الخطوة التاسعة: استغلال مختلف المشاعر الإنسانية، لإيقاف المسلمين موقف الحذر في مواجهة كل غزو فكري يمس عقائدهم وعباداتهم وأخلاقم ونظمهم الإسلامية ووحدتهم العالمية. وضرورة هذه الخطوة تظهر حينما نلاحظ افتتان معظم النفوس بالمدنية الحديثة، التي تأتي ومعها المتفجرات السرية لهدم العقائد والأخلاق. الخطوة العاشرة: تجنب أي صراع مباشر مع أية حركة إسلامية مهما كان نوعها، لأن هذا الصراع من ِشأنه أن يبدد طرق طاقات المسلمين تبديداً داخلياً، يسمح لأعداء الإسلام بأن يظفروا بأطراف النزاع، بينما يجب تجميع القوى الإسلامية كلها لتكون في مواجهة أعدائهم الكثيرين. الخطوة الحادية عشر: توجيه قدر كبير من طاقات العمل إلى بلاد الغزاة، لنشر الإسلام الصحيح الصافي فيها، بمختلف وسائل النشر، مع إعطاء صورة سليمة للتطبيق الإسلامي. * * *

стр. 750

خَاتِمَة لا أزعم أنني في هذا السِفّرْ أحصيت كل أنواع المكر التي مكرتها قوى الأجنحة الثلاثة وخوافيها، ولكنني بالتأكيد قد نبهت على معظمها، ووجهت الأنظار إلى الاحتراس منها. ولجأت إلى طريقة التحليل واستخلاص العظة، وبيان ما يجب عمله تجاه القوى المختلفة للأعداء الكثيرين، وإنني واثق من أن الله سينصر أولياءه على أعداء دينه مهما كثرت أعدادهم وعظمت قواتهم، بشرط أن يصدقوا إيماناً وعملاً وجهاداً، ويحققوا في أنفسهم ما يجب عليهم للظفر بالنصر كما أمرهم الله. وكان الفراغ من تنسيقه وتنقيحه في أواخر جمادى الثانية من العام الهجري ١٣٩٥ الموافق لشهر حزيران من العام الميلادي ١٩٧٥. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني