← Акыда

Акыда · id 22862

النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

أحمد عبد الوهاب علي

Полный текст (287 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ . "الأعراف: ٤٣". أما بعد.. فهذا هو الجزء الثاني من سلسلة "دراسة في الأديان". وموضوعه: "النبوة والإنبياء" يصدر عقب فترة وجيزة من صدور الجزء الأول وموضوعه: "الوحي والملائكة". لقد كانت خاتمة ذلك الجزء الأول تقول: "هذا ... وبعد أن عرضنا ركيزتين من ركائز الإيمان هما: الملائكة والوحي، ورأينا كيف تآلفت فيهما اليهودية والمسيحية والإسلام. فإن ما ينتظرنا هو عرض الركيزة الثالثة التي تجمع هذا وذاك. ثم تزيد عليه بما يحقق أمن الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. ألا وهي: النبوة والأنبياء. والتي أرجو أن تكون هي الجزء الثاني من هذه السلسلة". والحق أن الجزأين متكاملان فبالإضافة لكونهما الأساس المشترك لقاعدة "الإيمان" نجد أن "النبوة" ترتبط بـ "الوحي" ارتباطًا تامًا، فلا نبوة بغير الوحي، وكذلك يرتبط الوحي بـ "الملائكة" فجميعها حلقات متصلة لا تقبل الفصل. وإذا كان الجزء الثالث من هذه السلسلة، وموضعه: "المسيح -في مصادر العقائد المسيحية" قد صدر سابقًا لجزأيها الأول والثاني بأكثر من عام، فمرد ذلك إلى ظروف خارجة عن الإرادة ومسائل إجرائية اقتضت ذلك الوضع الذي خشيت معه ألا أتمكن من إصدار الجزأين الأول والثاني، مما دفعني إلى إصدار الجزء الثالث دون ترقيم. بعد أن استنفد من الجهد والعناية المركزة الشيء الكثير.

стр. 2

وفي هذا الكتاب: "النبوة والأنبياء"، نجد حديثًا عن مفهوم النبوة ومظاهر التنبؤ وحقيقة الأنبياء وشيئًا من سلوكهم وأحوالهم، مع بيان الملامح المشتركة بينهم والخصائص المميزة لكل منهم. لقد جرى التركيز على دراسة "النبوة في بني إسرائيل" باعتبارهم طائفة تكاثر فيها الأنبياء. وربطت بوجودهم أثناء حياتهم وبالأسفار التي حملت أسماءهم بعد وفاتهم. إن "إسرائيل" لم تزدحم بالأنبياء الحقيقيين قدر ازدحامها بالأنبياء المحترفين الذين ازدادوا فيها زيادة مخيفة جعلت الجيل الواحد يشهد أكثر من ٤٥٠ من ذلك الصنف الضليل. لقد ربط أولئك المحترفون أنفسهم بأهل الضلال من حكام إسرائيل –وما كان لهم من وسيلة للتعيش سوى ذلك- فأفسد ذلك شعبهم وعجل بنهاية دولتهم رغم جهاد الأنبياء الحقيقيين ضدهم لإنقاذ تلك الأوضاع المتردية ومحاولة الإفلات من سوء المصير المرتقب. فمن المعلوم أن محاولة خلق أول كيان سياسي "لإسرائيل" بدأت على عهد ساول "١٠٢٠-١٠٠٠ ق. م"، وانتهت "بكفاح مرير مع الفلسطينيين الذين أغاروا مرة على المملكة "الوليدة" في قوة كبيرة، ووقعت المعركة الفاصلة على منحدرات جبل جلبوع حيث لقى شاول وثلاثة من أبنائه حتفهم"١. ولقد خلف داود شاول "١٠٠٠-٩٦٥ ق. م" ثم "ورث سليمان داود" "٩٦٥-٩٢٦ ق. م". يقول جيمس باركس: "لقد كانت المملكة التي أقامها داود قصيرة العمر، فقد انقسمت بمجرد موت ابنه سليمان إلى قسمين: أحدهما المملكة الجنوبية أو ممكلة يهوذا "وكانت قليلة العدد تضم سبطين فقط هما يهوذا وبنيامين وعاشت من ٩٢٦ إلى ٥٨٦ ق. م"، وقد اتخذت أورشليم التي استولى عليها داود من اليبوسيين عاصمة لها، وانتسب إليه اليهود فيما بعد.

стр. 3

والثانية المملكة الشمالية أو مملكة إسرائيل "وتضم الأسباط العشرة الآخرين وعاشت من ٩٢٦ إلى ٧٢١ ق. م"، وقد صارت السامرة عاصمة لها وانتسب إليها السامريون. ولقد كان من النادر وجود صفاء بين هاتين الولايتين الصغيرتين، بل كانتا غالبًا في عداء سافر. وعلى أية حال فقد استطاعتا البقاء فترة من الزمن لسبب واحد فقط وهو أن أيا من الإمبراطوريات القديمة "المصرية والآشورية" لم ترغب في مد حدودها على حسابها"١. وأخيرًا جاء الطوفان البشري من الآشوريين الذين اجتاحوا مملكة الشمال ووضعوا نهايتها عام ٧٢١ ق. م وسبوا كل شبعها إلى آشور حيث ذابوا في غيرهم من الشعوب وانقطع خبرهم من التاريخ. بعد ذلك جاء البابليون واكتسحوا مملكة الجنوب ودمروا أورشليم وأحرقوا الهيكل عام ٥٨٦ ق. م وسبوا شعبها إلى بابل. وفي مملكة الشمال ظهر الأنبياء إلياس واليشع وعاموس. كما ظهر في مملكة الجنوب أشعياء وميخا وأرميا، وفي السبي البابلي وجد حزقيال ودانيال. وبجانب هؤلاء وغيرهم من رجال الله، ظهر أنبياء كذبة محترفون. كذلك –جرى التركيز على دراسة "النبوة في بني إسرائيل" لسبب آخر جوهري غير كثرة الأنبياء فيهم –وهو أن أنبياء الله إليهم يعتبرون عنصرًا رئيسيًا من عناصر الإيمان التي يشترك فيه اليهود والمسيحيون والمسلمون. لكن النبوة في "بني إسرائيل" ليست إلا حلقة من سلسلة النبوة في العالم.

стр. 4

"فالحق" يقول: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ ١، ويقول -سبحانه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ٢. من أجل ذلك سوف نتشرف بالحديث عن كبار الأنبياء من أولي العزم من الرسل، أولئك الذين جعلهم الله أئمة يقتدى بهم. وتتردد ذكراهم العطرة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. ولقد دأبت على الاستشهاد بنصوص الكتب المقدسة، بل وتكرر الاستشهاد ببعض النصوص -ولا حرج- فقد يذكر النص لبيان أحد الجوانب، كما يذكر نفس النص مرة أخرى لبيان جانب آخر، وفي هذه الحالة لا داعي لبيان موقعه من الكتب المقدسة اكتفاء بما سبقت الإشارة إليه. وذلك بالإضافة إلى هدف آخر حرصت عليه في كل كتبي التي تتحدث في مثل هذه الموضوعات وهو تعريف أصحاب العقائد المختلفة ما لدى الآخرين من نصوص مقدسة. وإذا بقي ما يقال فهو كلمة شكر تقدم إلى وداد صالح -الزوجة الصالحة- التي هيأت البيئة الصالحة للبحث والدراسة. وتحملت في سبيل ذلك من المشاق الشيء الكثير، راضية شجاعة وخاصة في الشدائد والأزمات. أثابها الله بأكثر مما هي أهل له.. وأخيرًا.. نختتم مقدمة كتاب "النبوة والأنبياء" بقول الحق الذي لا ريب فيه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣.

стр. 5

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١. أحمد عبد الوهاب

стр. 6

الفصل الأول: مدخل لدراسة النبوة والنبيين: دين الله واحد، ما في ذلك شك.. ومحال أن يرسل الله رسلًا ويتخذ أنبياء، ثم يقوم أي منهم بالدعوة إلى غير دين الحق.. دين التوحيد الخالص الذي لا شبهة فيه. فالمنطق يقضي بألا نجد ديانات سماوية متعددة، بل نجد دينًا سماويًا واحدًا جاء به الأنبياء والمرسلون عبر القرون والأزمان. ويمكن البرهنة على أن دين البشرية الأولى كان واحدًا في شكله، توحيديا في موضعه، ويقوم أساسًا على إسلام الوجه وتطويع القلب لله، ومن هذه البراهين: ١- يؤمن أتباع الديانات السماوية الثلاث -اليهودية والمسيحية والإسلام- بأن آدم هو أب البشرية كلها، وهو صنعة الله المباشرة، وأول المؤمنين من البشر؛ فالعقيدة الحقة التي كان عليها آدم هي التوحيد الخالص. تلك حقيقة أولية تتفق عليها الكتب المقدسة. ومن الطبيعي أن تكون هذه هي عقيدة الأجيال اللاحقة له من أبنائه. فإذا حدث خلاف بين البشر وظهرت فيهم عقائد مختلفات -وكما هو حادث الآن- فمرد ذلك ومصدره إلى طغيان الإنسان ومحاولاته التدخل في دين الله بغيًا على الحق بغير حق. وبذلك يكون نتاج اختلاف البشرية الأولى عقائد فاسدة، وأفكارا منحرفة كلها بعيدة عن الحق إلا عقيدة التوحيد الخالص. ٢- أثبتت أبحاث العالم الألماني الدكتور ميللر -الذي كانت له اليد الطولى في حل رموز السنسكريتية بالهند: "أن الناس كانوا في أقدم عهودهم على التوحيد الخالص، وأن الوثنية عرضت عليهم بفعل رؤسائهم الدينيين".١.

стр. 7

٣- وفي دراسة عن عقائد القبائل الوثنية في إقريقيا وجد "أن فكرة الله الأعلى، تكاد تكون موجودة لدى جميع القبائل، بل إن مفهوم الذات الإلهية الكلية الحضور، والذاتية الاكتفاء والشاملة القدرة، نجده بين كثير من القبائل كالزولو بجنوب إفريقيا والبايراوندا والاشانتي بساحل العاج، والآكان بغانا، واليروبابنيجيريا والبوكونجو بأنجولا، والنجومية بالكونغو، ومن اليسير إعطاء أمثلة كثيرة غير ما سبق لولا ضيق المقام. على أننا يجب ألا يفوتنا هنا أن نذكر أن لدى الأقزام وهم أقدم سلالات إفريقيا، كائنا أعلى يطلقون عليه اسم مونجو.. وإلى هذا الكائن الأعلى يعزو الأقزام أيضًا خلق جميع الأشياء وأنها ترجع إليه. كما أن هناك أسطورة من قبائل لشاجا بتنزانيا تروي أن الله قد غضب من أعمال البشر فأهلكهم فيما عدا قلة. وجلي مدى التشابه بين هذه الأسطورة وقصة سيدنا نوح ... ويروي البامبوتي والتشاجا والميروكيف أن الرب حرم أكل ثمار شجرة معينة على الإنسان، وكيف أنه حينما عصى الإنسان الأمر وأكل منها جاء الموت إلى الأرض.. وجميع الأديان الإفريقية التقليدية تعتقد فيما وراء الموت بشكل أو بآخر، كما تعتقد أن المتوفى تستمر حياته في عالم الأرواح. ومفاهيم الخير والشر موجودة أيضًا في هذه الديانات بل لعلها عميقة الجذور فيها إلى حد لا يتصوره الكثيرون.. وتعتقد قبائل التوركانا من كينيا مثلًا أن الله -مع أنه يشفي من المرض- قد يصيب به أولئك الذين يغشون المحارم ويخالفون الطقوس الهامة"١. وخلاصة القول الفصل في هذا المقام هو ما قرره القرآن الكريم إجمالًا في سورة يونس -المكية- إذ يقول:

стр. 8

﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ "يونس: ١٩". ثم ما قرره تفصيلًا في سورة البقرة -المدنية- إذ يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ "البقرة: ٢١٣". ومن هنا يتضح لنا حتمية الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين طالما كانت دعوتهم إلى الله الواحد الأحد خالق السموات والأرض وخالق البشر من أبيهم آدم. ولما كان أنبياء العهد القديم -أو بالحري الذين ورد ذكرهم في أسفار العهد القديم- يمثلون الأساس المشترك الذي تقوم عليه عقائد اليهود والمسيحيين والمسلمون، كان من اللازم أن نركز على ما يذكره العهد القديم في موضوع النبوة والنبيين. الصورة العامة لأنبياء العهد القديم: لقد أولى الكثير من العلماء موضوع الأنبياء في العهد القديم ما يستحقه من دراسة وتمحيص، ومن أمثلة لبعض الدراسات الجادة في هذا الموضوع، ما قام به إريك ويليام هيتون١ في كتابه "أنبياء العهد القديم". ولقد عالج هيتون في دراسته عدة نقاط منها: لقظ النبي، الذي استخدم بكثرة في أسفار العهد القديم، ومدلول هذا اللفظ والأنبياء الحقيقيين والأنبياء المحترفين الكذابين الذين ازدحمت بهم إسرائيل وخاصة في القرنين الثامن

стр. 9

والسابع قبل الميلاد -ومظاهر النبوة ووسائل التنبؤ، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الموضوع. ورغم أن هيتون ركز في دراسته على أنبياء العهد القديم ابتداء من موسى ومن جاء بعده -وكان من الممكن أن يمدها لتشمل الأنبياء الغابرين الذين تذكرهم أسفار العهد القديم، خاصة وأن كتابه هذا إنما هو طبعة حديثة لنفس البحث الذي ظهر لأول مرة عام ١٩٤٩ تحت عنوان: "عبيده الأنبياء" فسوف نعرض لشيء من دراسة هيتون باعتبارها مدخلًا مناسبًا لدراسة "الأنبياء في العهد القديم" وذلك مع التعليق عليها وتطويرها بما يجعل حقيقة النبوة والنبيين في صورتها العامة أكثر وضوحًا. لفظ النبي: يقول هيتون: "لا يمضي الإنسان بعيدًا في قراءة أسفار الأنبياء دون أن تقابله فقرة كهذه: "هكذا قال رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين ينتبئون لكم، فإنهم يجعلونكم باطلًا يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب" "أرميًا ٢٣: ١٦". إن مثل هذا التشهير بالأنبياء على لسان أحدهم، ليوقعنا في أشد الحيرة ما لم نعلم أن ألفاظًا مثل: نبيويتنبأ، لها معاني واسعة جدًا في أسفار العهد القديم. إن الظاهرة المشتركة لكل الأنبياء في العالم القديم هو دعواهم أنهم كانوا يتكلمون بسلطان من إلههم، وكان النبي هو الشخص الذي تكلم بالنيابة عن إلهه. ولقد استخدم لفظ النبي دون تحفظ حتى إنه أطلق على أولئك الذين تكلموا باسم آلهة الوثنيين، مثل: أنبياء البعل الأربعمائة والخمسين الذين استخدمتهم إيزابل، وأنبياء السواري الأربعمائة الذين جاهدهم إيليا فوق جبل الكرمل "الملوك الأول ١٨-١٩، الملوك الثاني ٣: ١٣، ١٠: ٩".

стр. 10

وأطلق لفظ النبي كذلك على أنبياء إسرائيل المحترفين الذين عاشوا في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد. ولهذا فإن دارس أسفار العهد القديم يواجه ضرورة التمييز بين الأنواع المختلفة من الأنبياء، وأن يعرف الصفات التي تجمعهم غير لفظ النبي الذي وصفوا به، وادعاء كل منهم أنه يتكلم بسلطان إلهي. ولا شك أن هذا العمل قد زادته صعوبة كتابات المؤلفين الذين تسلمنا منهم الأسفار العبرية، فبالإضافة إلى تقديم الأنبياء مع الروايات التاريخية كرجال يعلنون مواعظهم للشعب، فإن مؤلفي هذه الأسفار مسئولون إلى حد كبير عن إطلاق لقب النبي على رجال الله من أمثال: عاموس وهوشع وأشعياء وميخا، بالرغم من إمكانية التساؤل هنا عن مدى تقبلهم لهذا اللقب. وتتوقف الإجابة على هذا التساؤال على مقدار فهمنا لقول عاموس، الذي لا يزال يثور جدل كثير حول تفسيره: "فأجاب عاموس وقال لأمصيا: ليست أنا نبيًا ولا أنا ابن نبي، بل أنا راع وجاني جميز فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: اذهب تنبأ لشعبي إسرائيل" "عاموس ٧: ١٤-١٥". ولقد افترض بعض العلماء أن عاموس لا يقدم هنا موعظة صريحة، ولكنه يسأل سؤالًا ساخطًا كما لو كان يقول: كيف تجرؤ على القول بأني لست نبيا حقًا لأني راعي غنم وجاني جميز؟ ألم تعلم أن الرب ناداني؟ على أن البعض الآخر من العلماء يفضل قراءة الفقرة السابقة في صيغة الماضي هكذا: أنا لم أكن نبيًا ولا ابن نبي ... وقال لي الرب: اذهب تنبأ لشعبي إسرائيل. وبناء على وجهة النظر الأخيرة فإن عاموس يدعي أن وضعه الجديد كنبي يقوم على أساس نداء إلهي، وليس بناء على اختيار مهنة أو وظيفة.

стр. 11

ونصل الآن إلى نتيجة هي: أن أي محاولة لتمييز الأنبياء الحقيقين بناء على التعريف النظري المجرد للنبوة، إنما هو عمل مقضي عليه بالفشل. ذلك أن تعريف النبوة -كغيره من تعاريف بعض الكلمات المذكورة في العهد القديم مثل عقيدة وكاهن- لن يقودنا على أحسن الفروض إلا إلى ربط النبوة بمظاهر خاريجية عرفها الناس في حياتهم العادية. ولا شك أن مظاهر النبوة الخارجية -وما كان من سلوك الأنبياء وانفعالاتهم وأفعالهم لهي أقل ما نعتمد عليه في معرفة حقيقة أنبياء الله الكبار الذين نشغل أنفسنا بدراستهم. ونذكر على سبيل المثال الأعمال الرمزية والحركات التمثيلية التي كانت في مظهرها تصرفات عادية مارسها كل من الأنبياء الحقيقين والأنبياء الوثنيين على السواء.. ومنها نبوءة حزقيال على أورشليم: "وأنت يا آدم فخذ لنفسك لبنة وضعها أمامك وارسم عليها مدينة أورشليم، واجعل عليها حصارًا وابن عليها برجًا وأقم عليها مترسة واجعل عليها مجانق حولها. وخذ أنت لنفسك صاجًا من حديد وانصبه سورًا من حديد بينك وبين المدينة وثبت وجهك عليها فتكون في حصار وتحاصرها. تلك آية لبيت إسرائيل". "حزقيال: ٤: ١-٣"١. ومن الواضح أنه لا يوجد معيار حقيقي لتمييز حقيقة الظواهر التي اقترنت بكل من الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذابين. ويتبين ذلك مما نقرأه في سفر التثنية٢:

стр. 12

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا وأعطاك آية أو أعجوبة. ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلًا: لنذهب وراء آلهة آخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" "تثنية ١٣: ١-٣"١. لقد لمس هيتون كبد الحقيقة حين بين هنا -بناء على دراسته وفهمه لأسفار العهد القديم- أن أي محاولة لربط النبوة الحقيقية بحدوث خوارق وظواهر غير عادية أو بصيغة أخرى بمعجزات مادية هو في الواقع وهم وظنون لا تغني عن الحق شيئًا في هذا المقام. وأن النبوة الحقة لا يمكن الحكم عليها إلا بصدق العقيدة التي تقوم على التوحيد الخالص وطهر السلوك والبذل وغير ذلك من جميع الصفات الكريمة. الأنبياء الحقيقيون والأنبياء المحترفون: "لقد عمل الأنبياء المحترفون في بني إسرائيل ذيولًا للدوائر الحكومية، فقد حصلوا على وظائف رسمية في الدولة لأنهم خلعوا هالة القداسة على مشاريع الحزب الحاكم٢ ولقد كان شغلهم الشاغل أن يخبروا مواطنيهم الأشياء الحلوة التي يودون سماعها -وهذه سماها حزقيال: عرافة ملقة٣- وأن يؤكدوا لهم بحكم وظيفتهم أن كل شيء في الحديقة جميل، وأن يبشروهم بالسلام، بينما كانت الدولة في الواقع على وشك الانهيار الأخلاقي والسياسي٤.

стр. 13

ولقد خلف لنا أحد المؤرخين العبرين قصة قصيرة ممتازة في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر الملوك الأول -حيث تقرأ فيها كما أراد كاتبها، أن يبين لنا- الاختلاف البعيد بين أنبياء البلاط الملكي الطفيليين، وبين أنبياء الله الحقيقيين. وفي الصقة نجد أن ميخا بن يملة تهو البطل الحقيقي أمام صدقيا نذل السلام. فقد حدث أن استدعى صدقيا ومساعديه الأربعمائة نبي، للتوثيق على القرار النهائي لآخاب ملك إسرائيل -مستخدمهم- ويهوشافاط ملك يهوذا للقيام بحملة عسكرية ضد السوريين. ولقد عملت الترتيبات التي تجعل ألاعيبهم تتفق ومرامى آخب: "كان ملك إسرائيل "آخاب" ويهوشافاط ملك يهوذا جالسين كل واحد على كرسيه لابسين ثيابهما في ساحة عند مدخل باب السامرة وجميع الأنبياء يتنبئون أمامهما، وعمل صدقيا بن كنعنة لنفسه قرني حديد وقال: هكذا قال الرب، بهذه تنطح الأراميين حتى يفنوا. وتنبأ جميع الأنبياء هكذا قائلين: اصعد إلى راموت جلعاد وأفلح فيدفعها الرب ليد الملك". "الملوك الأول ٢٢: ١٠-١٢". ولم يكن يهوشافاط بالرجل الذي تقنعه هذه النبوءة رغم تأكيدات صدقيا، لذلك طلب أن يستفتى النبي ميخا -وبعد أن قوبل هذا الطلب بغضاضة، فإننا نقرأ الآتي: "وأما الرسول الذي ذهب ليدعو ميخا فكلمه قائلًا: هو ذا كلام جميع الأنبياء بفم واحد خير للملك، فليكن كلامك مثل كلام واحد منهم وتكلم بخير. فقال ميخا: حي هو الرب، إن ما يقوله لي الرب به أتكلم". "الملوك الأول ٢٢: ١٣-١٤". كذلك يظهر الفرق بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء المحترفين في القصة السوفسطائية التي ذكرت عن بلعام في سفر العدد.

стр. 14

فلقد استأجر بالاق -ملك موآب- عراف الوثنيين "بلعام" ليلعن شعب إسرائيل، وبعد ثلاث محاولات فاشلة نجد بلعام يتحول إلى نبي حقيقي: "فأجاب بلعام وقال لعبيد بالاق: ولو أعطاني بالاق ملء بيته فضة وذهبًا لا أقدر أن أتجاوز قول الرب إلهي لأعمل صغيرًا أو كبيرًا" "العدد ٢٢: ١٨". ولا شك في أن كتبة القصص في أسفار العهد القديم قد كتبوها وهم على علم بمقدار الانحطاط الذي تردى إليه أنبياء إسرائيل المحترفون. وعلى سبيل المثال نجد أنه في زمن ميخا، قد عاش أنبياء لم يبيعوا فقط تنبؤاتهم السعيدة لهؤلاء الذين دفعوا لهم الثمن -بل إنهم قد أعلنوا الحرب كذلك على أولئك الذين قبضوا أيديهم عنهم١. كذلك فإن حزقيال يذكرنا بنبية كانت تمارس السحر والعرافة من أجل "حفنة شعير ولأجل فتات من الخبز" "حزقيال ١٣: ١٩". ومن المعلوم أن النبي المحترف كان له الحق في قبض أجرة نظر خدماته، وتنبؤاته في إسرائيل٢. وبناء على ما سبق فإننا نستطيع أن نميز بالتقريب بين الأنواع المختلفة لأنبياء العهد القديم، وذلك بملاحظة ما إذا كانت خدماتهم منتظمة، أم أنهم كانوا يتكلمون بما وعاه وجدانهم، وتبعًا لنبضة الوحي التي تلقوها. ويشمل النوع الأول كل الأنبياء الذين جعلوا مقر قيادتهم في البلاط الملكي وهم الأنبياء المحترفون. وأما النوع الثاني فإنه يختص بالأنبياء الحقيقيين الذين رغم صلاتهم الوثيقة بالملوك المتتابعين فإنهم بقوا دائمًا مستقلين غير مرتبطين بسلطة أو حزب"٣.

стр. 15

* مظاهر النبوة ووسائل التنبؤ في إسرائيل: "من الواضح أن الأنبياء الذين عملوا كمستشارين محترفين للسلطات الحاكمة لا بد وأنهم قد كانوا على دراية ببعض الوسائل التي قد تمكنهم من اكتشاف مشيئة الله، وهي وسائل شديدة الشبه بوسائل الكهنة الوثنيين في أرض كنعان. وربما كان من بعض هذه الوسائل، قراءة الطالع وإلقاء القرعة، وخير مثال لذلك ما كان من أمر شاول حين استخدم الأوريم، والثميم، للحصول على كلمة الله: "وقال شاول للرب إله إسرائيل: لماذا لم تجب عبدك اليوم؟ إذا كان الذنب فيَّ أو في يوناثان ابني، يارب إله إسرائيل، أعط أوريم، ولكن إذا كان الذنب في شعبك إسرائيل، أعط ثميم، فأخذ يوناثان وشاول، أما الشعب فخرجوا". إن أحدًا لا يعلم بالضبط ما هو الأوريم والثميم ولكن من المحتمل أنه كان حجارة مرقمة استخدمت للقرعة. إن كثيرًا من الاتصالات الروحية المزيفة تفتننا حتى في هذه الأيام، تمامًا كما فعل أنبياء إسرائيل المحترفين الذين تفننوا في خداع معاصريهم في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد. ويسوق أشعياء تعليقًا مرًا على الأنبياء الذين: "ضلوا بالخمر وتاهوا بالمسكر. الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر، ابتلعتهما الخمر، تاها من المسكر، ضلا في الرؤيا، قلقا في القضاء" "أشعياء ٢٨: ٧". فقد كانت الخمر والمسكر إحدى الوسائل الممكنة لتلقي الإلهام. كذلك عملت الموسيقى كعنصر إثارة استخدم في تملك الروح للنبي١. ويعطي شاول هنا المثل الحي، فقد قال له صموئيل "النبي": "عند

стр. 16

مجيئك إلى هناك إلى المدينة أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبئون فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر" "صموئيل الأول ١٠: ٥-٦". من العجيب حقًا أن النبوة يمكن اعتبارها مرادفًا لنوع من اختلاف العقل أو الجنون". "قد جعلك الرب كاهصا عوضًا عن يهوياداع الكاهن لتكونوا وكلاء في بيت الرب لكل رجل مجنون ومتنبئ" "أرميا ٢٩: ٢٦"١. ومن المعلوم أنه كان في إسرائيل أنبياء لم يختلف سلوكهم في شيء عما كان يفعله أنبياء البعل من الهذيان والهوس حيث: "صرخوا بصوت عال وتقطعوا حسب عادتهم بالسيوف والرماح حتى سال منهم الدم. ولما جاز الظهر وتنبئوا إلى حين إصعاد التقدمة ولم يكن صوت ولا مجيب ولا مصغ" "الملوك الأول ١٨: ٢٨-٢٩". لكن شيئًا من ذلك لم يحدث للأنبياء الحقيقيين الذين لم يستخدموا أية وسائل مصطنعة للإثارة، ولتهيئة أنفسهم لتلقي الإلهام. ولقد كانوا قبل السبي البابلي يتجنبون استخدام ألفاظ مثل: روح الله، واستخدموا بدلًا من ذلك ألفاظًا أقل غموضًا مثل: يد الله"٢. ولا يملك الإنسان نفسه من الدهشة والاستغراب حين يجد الأسفار المقدسة تعرض لنا أنبياء الله الحقيقيين، وقد امتزجت تصرفاتهم بالخبل والجنون واقترنت أعمالهم بالكثير مما هو شاذ وقبيح، ونجدهم قد فعلوا ذلك عندما غشيتهم حالة الوحي، وجاءتهم كلمة الله فاستجابوا لها، وقاموا بإخراجها مثلًا حيًا للناس.

стр. 17

فها هو شاول لا يتنبأ إلا بعد أن يتجرد من ملابسه ويتعرى بين الناس كعادة غيره من الأنبياء. وكأن العري هو إحدى وسائل استجلاب النبوة وقرين من قرائن حلول روح الله. "فذهب "شاول" إلى هناك إلى نايوت في الرامة فكان عليه أيضًا روح الله فكان يذهب ويتنبأ حتى جاء إلى نايوت في الرامة، فخلع هو أيضًا ثيابه وتنبأ هو أيضًا أمام صموئيل وانطرح عريانًا ذلك النهار كله وكل الليل". "صموئيل الأول ١٩: ٢٤". وبالمثل سار أشعياء عريانًا بين الرجال والنساء، والأطفال بعورته الغليظة لمدة ثلاثة أعوام استجابة للوحي -كما يدعون: "في ذلك الوقت تكلم الرب عن يد أشعياء بن آموص قائلًا: اذهب وحل المسح عن حقويك واخلع حذاءك عن رجليك، ففعل هكذا ومشى معرى وحافيًا. فقال الرب: كما مشى عبدي أشعياء معرى وحافيًا ثلاث سنين آية وأعجوبة. "أشعياء ٢٠: ٢-٤". وقد كان الوحي إلى حزقيال أن يأكل من عجين الشعير لمدة ٣٩٠ يومًا وقد نجسه ببراز الإنسان، فيكون ذلك آية لبني إسرائيل: "وخذ أنت لنفسك قمحًا وشعيرًا وفولًا وعدسًا ودخنًا وكرسنة وضعها في وعاء واحد واصنعها لنفسك خبزًا كعدد الأيام التي تتكئ فيها على جنبك ثلاث مائة يوم وتسعين يومًا تأكله.. وتأكل كعكًا من الشعير. على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم. وقال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم. فقلت: آه يا سيد الرب ... ها نفسي لم تتنجس ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولا دخل فمي لحم نجس. فقال: انظر. قد جعلت لك خثى البقرة بدل خرء الإنسان". "حزقيال ٤: ٩-١٥".

стр. 18

وما أمر هوشع بأقل عجبًا مما رأينا، فلقد كان أول حالات النبوة التي مارسها تحمل في طياتها إليه أمرًا إلهيًا بمعاشرة امرأة زانية تفرخ له أولاد زنى -هكذا يدعون: "أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت تاركة الرب. فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحبلت وولدت له ابنًا ... ثم حبلت أيضًا وولدت بنتًا" "هوشع ١: ٢-٦". واستمر هوشع يتردى في طريق الزانيات حيث كانت نبؤته التالية تفرض عليه عشق امرأة متزوجة برجل يحبها، لكنها تخونه وتزني بآخرين حتى يأتي هوشع ويخطفها من تحت رجلها: "وقال الرب لي: اذهب أيضًا أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة آخرى" "هوشع ٣: ١". وبهذه التصرفات نجد هوشع قد هدم شريعة موسى وخالف أحكامها التي تفرض على الكاهن أن: "يأخذ بامرأة عذراء. أما الأرملة والمطلقة والمدنسة والزانية فمن هؤلاء لا يأخذ بل يتخذ عذراء من قومه امرأة. ولا يدنس زرعه بين شعبه". "لاويين ٢١: ١٣-١٥". فما بال هؤلاء الأنبياء قد التصقت بأسمائهم تلك الغلالات الحالكة، وأدخلت على تنبؤاتهم مثل هذه الألاعيب؟ إن هذا يؤكد لنا ما سبق أن توصل إليه هيتون من أن كتبة الأسفار قد جعلوا سلوك أنبياء بني إسرائيل -حتى من عرفوا باسم الأنبياء الكبار أو الأنبياء الحقيقيين- لم يختلف كثيرًا في بعض المواقف عن سلوك معاصريهم من الأنبياء المحترفين.

стр. 19

الأنبياء أحباب الله: يقول هيتون: "إن الصوت المنخفض الخفيف الذي سمعه إبليا -فوق جبل الوحي- يهيئ أذهاننا لفهم النبوة على أنها صداقة لله كما كان الحال مع موسى الذي تقول عنه الأسفار: "ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" "خروج ٣٣: ١١". إن إحدى أساسيات العقيدة التي نجدها في العهد القديم هي أن الأنبياء قد سمح لهم بشرف الانتساب إلى مجمع الله السماوي١ ومن أجل ذلك كانوا قادرين على سماع كلمته وإعلان ما يدور في ذلك المجمع المقدس: "إن السيد الرب لا يصنع أمرًا إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء". "عاموس ٣: ٧". لكن صداقة الأنبياء لله كانت تكلفهم الشيء الكثير. لدينا البرهان -إذا كان هناك حاجة إلى برهان- على أن الأنبياء الكبار لم يكونوا فقط مجرد أدوات بين يدي الله، بل كانوا كذلك خدامًا في بيته، ولقد كانت لهم عواطفهم وشخصياتهم التي لم تتحلل بانصهارها في الوحي على أي صورة من صور الاتحاد الصوفي الغامض، وكان لهم تفكيرهم الخاص، لكنه تفكير يخدم أغراض الوحي. وتظهر هذه النبضة بجلاء في حالة أرميا الذي انتظر مدة عشرة أيام حتى جاءته كلمة الله"٢.

стр. 20

فقد استشار الشعب أرميا أن يخبرهم عن الطريق الذي يسيرون فيه، "فقال لهم أرميا النبي: قد سمعت. هأنذا أصلي إلى الرب إلهكم كقولكم ويكون أن كل الكلام الذي يجيبكم الرب أخبركم به ... وكان بعد عشرة أيام أن كلمة الرب صارت إلى أرميا" ... "أرميا ٤٢: ٤، ٧". ملامح مشتركة بين الأنبياء: يقول هيتون: "إن رجال الله حينما حملوا الرسالة إلى البشر فإنهم بقوا بشرًا كما كانوا، ولهذا أمكنهم أن يبلغوا البشرية في قوة وعزم وحي الله الذي نزل إليهم. وإذا أردنا الحديث عن القوة الجبرية التي تلقى بها الأنبياء وحي الله، فيجب أن نعلم أنها كانت أقوى نوع من الجبرية وأعظمه، وأنها قامت على أساس علم اختص به الله النبي الذي قام بتبليغه بأمانة. إن رجال الله لم يولدوا لمهنة، ولم يمروا خلال فترة للتلمذة، ولم تكن هناك نقابة للأنبياء، ينتسبون إليها، كذلك فإنهم لم يتلقوا دراسة خاصة في التعاليم اللاهوتية تؤهلهم لذلك. لقد انتهوا كما بدءوا رجالًا بسطاء، أنقياء، وكان عاموس مثل اليشع، كلاهما جاءته كلمة الله وهو يعمل في الحقل: "عاموس ٧: ١٥"١. إن بساطة هذا القول تعطيه الصدق والثقة فيه.

стр. 21

وبالمثل كان موسى يرعى غنم حميه عندما رأى الشجرة المشتعلة، وهي تماثل ما رآه أشعياء في الهيكل "أشعياء -الإصحاح ٦"١. لكن أغلب بني آدم بدلوا نعمة الله نقمة، ووضعوا أمام أنفسهم أحجارًا للعثرات وذلك حين استكبروا أن تبلغهم رسالة الله على أيدي أناس مثلهم من البشر، وتصوروا خطأ أن هداية الله للبشرية ما ينبغي أن يتصدر لها سوى مخلوقات علوية كالملائكة. حدث ذلك لنوح مع قومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ "المؤمنون: ٢٣-٢٥". وما كان جواب نوح إلا أن قال: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . "هود: ٣١". وحدث نفس الشيء لهود وصالح مع أقوامهم عاد وثمود: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ "فصلت ١٣-١٤". وبالمثل كان موقف المشركين من العرب مع محمد رسول الله.

стр. 22

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ "الفرقان: ٧". ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ "الفرقان: ٢١". ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ "الحجر: ٦-٧". ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ "الأنعام: ٨-٩". فتلك حكمة الله ورحمته بخلقه أن ينزل رسله من ملائكة السماء إلى رسله من البشر -وكأنهم ملائكته في الأرض- وهؤلاء تساعدهم بشريتهم على هداية بني جنسهم. ولو صفت نفوس جميع بني آدم، وطهرت سرائرهم من كل ما به من شوائب ومظالم، لصاروا كالملائكة إلا أنهم يعيشون على الأرض، ولنزلت عليهم حينئذ ملائكة الله رسلًا من السماء. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ "الإسراء ٩٤-٩٥". ويقول هيتون: "ونرى الشعور بالضعف، كما نلمح شيئًا من عدم الثقة بالنفس كأنها عوارض مشتركة للطبيعة البشرية، وذلك كرد فعل مباشر لعملية الاتصال بالله التي فوجئ بها الأنبياء، ونجد هذا في اعتراف أرميا حين جاءته الكلمة: "أه يا سيد الرب، إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد" "أرميًا ١: ٦". ونجده كذلك في قول موسى:

стр. 23

"استمع أيها السيد الرب، لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان" "خروج ٤: ١٠"١. وفي جميع هذه الحالات نجد أوامر الله إلى أنبيائه لا يمكن تنفيذها دون مدد من عنده. ولهذا كان يلحقها دائمًا وعد "الحق" بتأييدهم والأخذ بأيديهم. فكان القول إلى موسى: "فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتلكم به" "خروج ٤: ١٢"٢. وقد يكون الوعد بالتأييد الإلهي عن طريق لمسة رمزية كما حدث لأرميا: "ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي: قد جعلت كلامي في فمك" "أرميا: ١: ٩"٣. ولقد حدث نفس الشيء لأشعياء حين لمس الملاك شفتيه بالجمر الملتهب، وبالمثل مع حزقيال حين أكل الدرج "حزقيال ٣: ٢". وفي كل هذه الحوادث نجد إشارة واضحة إلى أن رسالة النبي لا بد أن تلقى معارضة شديدة. وبالرغم من ذلك فيجب إعلانها وما على الرسول إلا البلاغ: "وتتكلم معهم بكلامي إن سمعوا وإن امتنعوا" "حزقيال ٢: ٧"٤. وبعد أن يعتاد النبي على كلمة الله، ويخبر طرق الوحي، فإن كثيرًا من أقواله وأفعاله تتسم بالثقة الزائدة في النفس وفي العقيدة:

стр. 24

"فلقد عبر كل من أرميا وخادم الله -الذي تذكره الأسفار- عن ثقتهما المتناهية في أن نبوتهما قد اختصهما الله بها قبل مولدهما من بطني أمهاتهما. "كانت كلمة الرب إلي قائلًا: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب" "أرميا ١: ٤-٥". "اسمعي لي أيتها الجزائر واصغوا أيها الأمم من بعيد، الرب من البطن دعاني، من أحشاء أمي ذكر اسمي.. والآن قال الرب جابلى من البطن عبدًا له" "أشعياء ٤٩: ١-٥". وعلى كل حال فلقد كانت معرفة الأنبياء بالله عميقة الجذور، شخصية الخبرة والتجربة، بعيدة عن المقارنة بأي نوع من أنوع المعرفة حتى ولو كانت معرفة أهل التقي والورع"١. ومن هنا يتبين أن الشيء المتفق عليه في حقيقة أنبياء الله ورسله، هو تأكيد بشريتهم، من قبل أن تأتيهم كلمة الله ومن بعد ما جاءتهم. وهي بشرية كاملة بكل ما يلازمها من غرائز وخواص ونقاط ضعف ومواقع قوة -ثم تسمو بعد ذلك آفاقًا بعيدة فوق مستوى بشرية كل الناس. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ "الفرقان: ٢٠". ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ "الرعد: ٣٨". هذا ... وبعد أن قدمنا لموضوع الأنبياء في صورته العامة - ولأنبياء بني إسرائيل على وجه الخصوص- فإننا نستطيع الآن إلقاء نظرة خاطفة على بعض

стр. 25

ما تخبرنا به الكتب المقدسة من أنباء كوكبة من أكرم الأنبياء على الله وعلى الناس. وفي عملنا هذا لا نقوم به من وجهة نظر التاريخ أو السيرة الذاتية. فذاك شيء فوق الطاقة من حيث المكان والزمان. فلا هذا الحيز المحدود من الصفحات، ولا تلك الفترة الزمنية القصيرة التي اغتنمت لإخراج هذا الكتاب، تسمح بشيء من ذلك. ويعنينا الآن أن نذكر بديهية يتفق عليها المؤمنون بالله ورسالاته، هي أن أنبياء الله ورسله هم مثل عليا من البشر. جعلهم الله أهلًا للاقتداء ... ومن ثم وجب أن تكون صورتهم أمامنا دائمًا غاية في الحسن والصفاء. فإذا حدث وألقيت شبه حول سلوكهم أو التصق بقصهم شيء من المثالب كان من اللازم تمحيص هذا وذاك حتى نميز الخبيث من الطيب، ونستبين بذلك حقيقة الأنبياء والمرسلين.

стр. 26

الفصل الثاني: أنبياء القرون الأولى: نوح: هو أبو البشرية الثاني، الذي حمل في فلكه بذور الحياة فأنقذها بأمر الله من الطوفان. وتقول التوراة -أسفار موسى الخمسة التي تتصدر العهد القديم: "كان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك سامًا وحامًا ويافثًا. وحام هو أبو كنعان ... ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. وابتدء نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال: معلون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا له". "تكوين ٩: ١٨-٢٧". من الواضح أن هذه أول بذرة لما يعرف بـ "السامية" باعتبارها عرقًا جنسيًا يتعالى عن بقية البشر، ولو كانوا إخوة "أبناء أب واحد". وإذا كان علماء اليوم على إدراك تام بأن الحديث عن السامية لا يعني مدلولًا عرقيًا، وإنما يمكن أن يعطي مفهومًا لغويًا بمعنى أن الشعوب التي عاشت في منطقة الشرق الأوسط تكلمت لغات بينها أواصر قربى، وتعرف بمجموعة اللغات السامية، وهذه تنقسم إلى عدة أسر هي: أسرة اللغات الأكادية والبابلية والآشورية، وأسرة اللغات الكنعانية، وأسرة اللغات العربية، وأسرة اللغات الحبشية. وثمة تساؤل يلح عن الظلم الفادح الذي أصاب كنعان بسبب تصرف نسب إلى أبيه حام، إذ من الواضح أن كنعان بريء تمامًا من لكل خطية تورثه اللعنة

стр. 27

والعبودية أو حتى ما هو أقل منهما بمراحل كاللوم والتقريع، وإذا كان هناك من يدان فهو بلا شك شخص آخر غير كنعان وأبيه حام. ومن المحزن حقًا أن يكون قصص الكتاب المقدس مصدر إلهام للمبشرين بالتفرقة العنصرية وسندًا قويًا يحتجون به. فلقد أصدرت مجلة "لايف"١ عددًا خاصًا عن الكتاب المقدس، جاء فيه: "لا تزال حكومة جنوب إفريفيا تعتمد على ما جاء في سفر التكوين -الذي يصف أحد أبناء حام "وهو كنعان" بأنه عبد العبيد- لتبرير سيطرتها على السود وإذلالهم"٢. هذا.. وتذكر لنا التوراة أن قصة نوح أمام الله لم تزد عن أنه حدث أن "رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب ... فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم فها أنا مهلكهم اصنع لنفسك فلكًا" "تكوين ٦: ٥-١٤". لكن القرآن الكريم يعلمنا أن نوحًا كان نبيا يوحى إليه. ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ "النساء: ١٦٣".

стр. 28

وكان نوح رسولًا يدعو إلى التوحيد، ويحذر من أهوال اليوم الآخر: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ "الأعراف: ٥٩-٦٢". وكان نوح فطنًا كيسًا استخدم في دعوته كل لباقة وديبلوماسية تعين على ترويض ذوي الطبائع الجامدة والقلوب المتحجرة. وفي تقرير منه يبين خطته في مختلف مراحل الدعوة تقرأ قول الحق: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ "نوح: ٥-١٢". وقد رأى علية القوم أن استجابة المستضعفين لدعوة نوح تعتبر سببًا كافيا لصدهم عنها: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ "هود: ٢٧".

стр. 29

لقد كان الشرك وتعدد الآلهة سائدًا في عهد نوح وكانت له كهنة ومرتزقة ودجالون، فقام هؤلاء يصرفون الناس عن دعوته: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ "نوح: ٢١-٢٢". وحين بغلت دعوة نوح غايتها واستنفذت كل وسائل الإقناع، لم يبق لقومه خيار فيما ينتظرهم من عقاب: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ "هود: ٣٦-٣٧". إن هذا يتفق وعدل الله في خلقه، ألا يهلك نفسًا لم يأتها نذير: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ "القصص: ٥٩". لقد عاش نوح يجاهد في سبيل الله مئات السنين، إلا أن حصيلة ذلك كله كانت عددًا ضئيلًا من المؤمنين: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ "هود: ٤٠". ولقد استحق بجهاده الشاق وصبره الجميل ما أسبغ عليه من كرامة ونعماء، ويكفي أن يقول الله فيه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ "الصافات: ٧٥-٨١". ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ "الإسراء: ٣". هكذا نرى نوحًا في القرآن العظيم: نبي عظيم ورسول ذو دعوة واسعة. من أجل ذلك كان إمامًا يقتدي به الأنبياء والمرسلون علاوة على من دونهم من الناس، وكان أول أولي العزم الذين قيل في شأنهم لخاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ "الأحقاف: ٣٥".

стр. 30

إبراهيم: هو النبي الكريم أبو الأنبياء، وأول حلقة في سلسلة النبوة الإبراهيمية الطاهرة، طار ذكره في العالمين وصار يمثل الميراث المشترك بين أبنائه في عقيدة التوحيد من يهود ومسيحيين ومسلمين. ويأتي أول ذكر لإبراهيم في التوراة عند الحديث عن مولده وإخوة له من أبيه تارح الذي بدأ إنجابهم على الكبر وعمره آنذاك سبعون عامًا. لقد كان تارح يعيش مع قبيلته في موطنهم الأصلي بمدينة أور بالعراق القديم -وإذا به يقرر فجأة الذهاب إلى أرض كنعان "فلسطين" فيرتحل إليها عبر طريق طويل مارًا بحران- مدينة القوافل -التي تقع حاليًا بتركيا قرب الحدود السورية، وهناك يموت تارح. وفي حران تلقى إبراهيم أمرًا إلهيًا بالذهاب إلى أرض كنعان "وكان إبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران. فأخذ إبرام ساراى امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكها في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان" "تكوين ١٢: ٥". لقد صمتت التوراة عن حياة إبراهيم السابقة وجهاده، فلم يبدأ ظهوره على مسرح الأحداث فيها إلا بعد أن شاخ وبلغ من العمر خمسا وسبعين عامًا. ثم جاء القرآن الكريم يقص علينا سيرة إبراهيم منذ اشتد عوده، ويركز على جهاده الذي بدأه مبكرًا. فلقد نشأ إبراهيم في بيئة وثنية لم تتفق عقائدها وتقاليدها مع فطرته السليمة ولذلك بدأ يتفكر في خلق السموات والأرض، وكان أن هداه الله إلى الدين الحق، فبدأ رسالته بالدعوة إلى التوحيد وهو لا يزال فتى في مطلع شبابه، وفي هذا يقول الحق:

стр. 31

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ "الأنبياء ٥١-٧١". لقد كان السبب الرئيسي الذي من أجله ذهب إبراهيم من العراق إلى فلسطين، هو الهجرة من أرض الوثنية والقهر إلى أرض تحفظ عليه دينه ونفسه. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ "العنكبوت: ٢٦".

стр. 32

وبعد أن استقر إبراهيم بفلسطين "قالت سارى لإبرام هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة، ادخل على جاريتي.. فأخذت ساراى.. هاجر المصرية من بعد عشر سنين لإقامة إبرام في أرض كنعان وأعطتها لإبرام.. زوجة له، فدخل على هاجر فحبلت. فولدت هاجر لإبرام ابنًا.. إسماعيل. كان إبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل" "تكوين ١٦". وتتفق الكتب المقدسة على أن إبراهيم تعرض بعد ذلك لامتحان إلهي صعب، هم فيه أن يذبح ابنه وحيده الذي زرق به على الكبر استجابة لوحي تعرض له، لكن رحمة الله تداركت الوالد الشيخ الفاني وابنه الوليد الصابر "فناداه ملاك الرب من السماء.... فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئًا، لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني" "تكوين ٢٢: ١١-١٢". ولقد بينا في موضع سابق١ بما لا يدع مجالًا للشك أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق على عكس ما تقول به المصادر الإسرائيلية. ثم كان عهد الله لإبراهيم لما قارب عمره مائة عام.. إذ "لما كان إبراهم ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لإبرام وقال له: أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملًا، فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا. "نادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجلعه أمة عظيمة. وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس ... وأخذت له أمه زوجة من مصر" "تكوين ٢١: ١٧-٢١".

стр. 33

"هؤلاء هم بنو إسماعيل ... اثنا عشر رئيسًا حسب قبائلهم. وهذه سنو حياة إسماعيل مائة وثلاثين سنة، وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو آشور". "تكوين ٢٥: ١٦-١٨". ويذكر التلمود أن إبراهيم كان دائم التردد على ابنه إسماعيل في موطنه البعيد بالصحراء. فقد زاره مرة وكانت له زوجة قابلت حماها بجفاء فطقلها إسماعيل؟ ولما زاره أبوه إبراهيم مرة أخرى بعد ثلاث سنوات كانت زوجته الثانية كريمة مع أبيه، فسر بها إسماعيل واصطحبها لزيارة ولاده بفسلطين١. لقد كان لإبراهيم في الجزيرة العربية نشاط روحي عظيم، بدأه مبكرًا حين ارتحل إليها بابنه إسماعيل وأمه هاجر. وأنزلهما مهبط الأمن والسكينة. هناك دعا الله لأهله بالخير واستودعهم من لا تضيع عنده وديعة، ثم تركهم ورحل إلى حين. وكان دعاء إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وما إن اشتد ساعد إسماعيل حتى كان له مع أبيه عمل خالد لا تزال تذكره الملايين الحاشدة من البشر عبر عشرات القرون. فنحن نعلم ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] . ثم ما لبث أن تعرض هذ البيت العتيق لعاديات الزمن وبغي الأهل والخلطاء، فتصدع البناء وتدنس المكان بما صنعته يد الإنسان من إفك وأضاليل. ثم كانت رحمة الله بالإنسانية حين تجدد البيت بناء وشعائر على يد إبراهيم وابنه إسماعيل وفي هذا يقول الحق:

стр. 34

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦-٢٧] . ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٣١] . هذا هو إبراهيم، الأب الروحي للمؤمنين بالله من اليهود والمسيحيين والمسلمين وكلهم يرجو السلامة في دينه ونفسه كما سلم وكمل إبراهيم أمام الله "القدير" رب العالمين، فدين إبراهيم هو الدين الحق، على هذا يتفق أصحاب هذه العقائد وكفى به جوهرًا يجتمعون عليه رغم ما هم فيه بعد ذلك من خلاف عجيب. فلقد كان أول وحي لموسى: "أنا إله أبيك إله إبراهيم ... هكذا تقول لبني إسرائيل إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم" "خروج ٣: ٦، ١٥". وفي محاورة بين المسيح واليهود كان قوله لهم عن إبراهيم ذي الدين الحق: "أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب.. فلما سمع الجمع بهتوا من تعليمه" "متى ٢٢: ٣١-٣٣".

стр. 35

و"قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبرهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم". ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم. أنتم تعملون أعمال أبيكم.. أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالًا للناس من البدء". "يوحنا ٨: ٣٩-٤٤". وأخيرًا، بعد أن طال الأمد على قلوب قست ونست حقيقة دين إبراهيم، جاء محمد ليجدد البناء ويدعو إلى الله على بصيرة، فيقيم بالحق دين إبراهيم. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] . ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] .

стр. 36

الفصل الثالث: أنبياء بني إسرائيل: موسى: يمكن تلخيص قصة موسى منذ مولده حتى رسالته بما تقوله أسفار العهد الجديد. "تهذب موسى بكل حكمة المصريين، وكان مقتدرًا في الأقوال والأعمال ... وصار غريبًا في أرض مديان حيث ولد ابنين.. وظهر له ملاك العرب في برية جبل سيناء، لهيب نار عليقة. فلما رأى موسى ذلك تعجب من المنظر، وفيما هو يتقدم ليتطلع صار إليه صوت الرب: أنا إله آبائك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب.... فهلم الآن أرسلك إلى مصر" "أعمال الرسل ٧: ٢٣-٣٤". ثم نعود الآن إلى التوراة لنعلم منها أنه: "كان موسى ابن ثمانين سنة وهارون ابن ثلاثة وثمانين سنة حين كلما فرعون" "خروج ١٧: ٧". وفي أول وحي لموسى، بعد أن علمه الله الكثير مما يقول ويفعل، وأراه آيات وأعاجيب، كان عاقبة ذلك أن "قال موسى للرب: استمع أيها السيد، لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك بل أنا ثقيل اللسان. فقال له الرب: من صنع للإنسان فما، أو من يصنع أخرس أو أصم أو أعمى. أما هو أنا الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به. فقال: استمع أيها السيد. أرسل بيد من ترسل. فحمي غضب الرب على موسى، وقال: أليس هارون اللاوى أخاك. أنا أعلم أنه هو يتكلم وأيضًا ها هو خارج لاستقبالك.. فتكلمه وتضع الكلمات في فمه، وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما ماذا تصنعان". "خروج ٤: ١٠-١٥".

стр. 37

لكن القرآن يبرئ موسى عن كل قول غليظ أن يعرضه في مثل تلك الساعات الخالجات لشيء من غضب الله، ويبين أن حديث الوحي الأول لموسى كان كله رحمة ولطفًا من الله، أظهر فيه موسى من التهذيب والخشوع والإدراك ما يتفق ووقار النبوة لشيخ في الثمانين من عمره. لقد قال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٢٥-٣٦] . لقد كان موسى واعيا أن ما يطلبه في هذا المشهد الخالد من خير يعينه على تبليغ رسالته لا بد وأن يناله، لأنه يطلب من أكرم الأكرمين. وكان حريا أن يجاب إلى طلبه وزيادة، فلقد تعهد له الله بالنصر النهائي إذ قال له: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥] وبعد جهد جهيد ومحن وأزمات استطاع موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ويقودهم عبر سيناء قاصدًا أرض فلسطين. وفي سيناء تلقى موسى التوراة. "ولما رأى الشعب "الإسرائيلي" أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه.

стр. 38

فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وآتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكا. فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. فلما نظر هارون بنى مذبحًا أمامه، ونادى هارون وقال: غدًا عيد للرب. فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة.. وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب. فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر. صنعوا لهم عجلًا مسبوكًا وسجدوا له. وقال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة. فالآن اتركني ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم. فتضرع موسى أمام الرب إلهه.. فندم الرب عن الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه. فانصرف موسى ونزل من الجبل. ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعمًا وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل. وقال موسى لهارون: ماذا صنع بك هذا الشعب حتى جلبت عليه خطية عظيمة؟ فقال هارون: لا يحم غضب سيدي. أنت تعرف الشعب أنه في شر. فقال لي: اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. فقلت لهم: من له ذهب فلينزعه ويعطني فطرحته في النار فخرج هذا العجل" "خروج ٣٢: ١-٢٥". لقد سجلت التوراة على هارون أنه شارك الشعب الإسرائيلي كفره إذ صنع بيده العجل الذي عبدوه ونصب نفسه كاهنًا له فبنى له مذبحًا وجعل له في الغد عيدًا. ومعاذ الله أن يكون هارون النبي كذلك ...

стр. 39

فلقد تكفل القرآن ببراءة هارون من هذا الجرم الشنيع الذي لا يمكن الاعتذار عنه. فقرر أن الذي صنع العجل إنما هو شخص آخر غير هارون، كما سجل رفض هارون لتلك الفكرة الخبيثة وتنديده بها -وذلك في قول الحق: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ "طه: ٨٦-٩١". وتنسب التوراة إلى موسى وهارون عدم إيمانهما بالله، بل وتسجل عليهما الخيانة التي كان ثمنها أن حرمت عليهما أرض فلسطين. فلقد كان آخر وحي تلقاه موسى يقول على لسان الرب: "اصعد إلى جبل عباريم. الذي قبالة أريحا وانظر إلى أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ومت في الجبل الذي تصعد إليه وانضم إلى قومك كما مات هارون أخوك في جبل هود وضم إلى قومه، لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين إذا لم تقدساني في وسط بني إسرائيل، فإنك تنظر الأرض من قبالته ولكنك لا تدخل إلى هنا" "تثنية ٣٢: ٤٩-٥٢".

стр. 40

لقد كان ما حدث في برية صين أن الشعب الإسرائيلي تذمر على الرب وسخط على عملية إخراجه من أرض مصر ولم يكن لموسى وهارون دخل في ذلك ولا يمكن أن يكون وفي هذا تقول التوراة:" "أتى بنو إسرائيل الجماعة كلها إلى برية صين.. ولم يكن ماء للجماعة، فاجتمعوا على موسى وهارون. وخاصم الشعب موسى وكلموه قائلين: ليتنا فنينا فناء إخوتنا أمام الرب. لمذا أتيتما بجماعة الرب إلى هذه البرية لكي نموت فيها نحن ومواشينا؟ ليس هو مكان زرع وتين وكرم ورمان ولا فيه ماء للشرب. فأتى موسى وهارون من أمام الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع وسقطا على وجهيهما. فتراءى لهما مجد الرب. وكلم الرب موسى قائلًا: خذ العصا واجمع الجماعة أنت وهارون أخوك وكلما الصخرة أمام أعينهم أن تعطي ماءها. فأخذ موسى العصا من أمام الرب كما أمره وجمع موسى وهارون الجمهور أمام لصخرة فقال لهم: اسمعوا أيها المردة، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟ ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين فخرج ماء غزير، فشربت الجماعة ومواشيها. فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها. هذا ماء مريبة حيث خاصم بنو إسرائيل الرب فتقدس فيهم. وكلم الرب موسى وهارون في جبل هور.. قائلا: يضم هارون إلى قومه لأنه لا يدخل الأرض التي أعطيت لبني إسرائيل لأنكم عصيتم قولي عند ماء مريبة. فمات هارون على رأس الجبل "العدد: ٢٠".
следующие страницы →