Полный текст (405 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا عَارِفًا بِذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَرْبَابُ الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ، فَجَوَّزَهُ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَالْأَصَحُّ: جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا وَصَفْنَاهُ قَاطِعًا بِأَنَّهُ أَدَّى مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي بَلَغَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَالسَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا نَرَاهُ جَارِيًا - وَلَا أَجْرَاهُ النَّاسُ فِيمَا نَعْلَمُ - فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ بُطُونُ الْكُتُبِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ لَفْظَ شَيْءٍ مِنْ كِتَابٍ مُصَنَّفٍ، وَيُثْبِتَ بَدَلَهُ فِيهِ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى رَخَّصَ فِيهَا مَنْ رَخَّصَ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ، وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا مِنَ الْحَرَجِ وَالنَّصَبِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بُطُونُ الْأَوْرَاقِ، وَالْكُتُبِ، وَلِأَنَّهُ إِنْ مَلَكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ، فَلَيْسَ يَمْلِكُ تَغْيِيرَ تَصْنِيفِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 212
السَّادِسُ: يَنْبَغِي لِمَنْ رَوَى حَدِيثًا بِالْمَعْنَى أَنْ يُتْبِعَهُ بِأَنْ يَقُولَ: " أَوْ كَمَا قَالَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا "، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ. رُوِيَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَنَسٍ ﵃.
قَالَ الْخَطِيبُ: " وَالصَّحَابَةُ أَرْبَابُ اللِّسَانِ، وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِلَّا تَخَوُّفًا مِنَ الزَّلَلِ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ عَلَى الْمَعْنَى مِنَ الْخَطَرِ ".
قُلْتُ: وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْقَارِئِ فِيمَا يَقْرَؤُهُ لَفْظَةٌ، فَقَرَأَهَا عَلَى وَجْهٍ يَشُكُّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَوْ كَمَا قَالَ " فَهَذَا حَسَنٌ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي مِثْلِهِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْ كَمَا قَالَ " يَتَضَمَّنُ إِجَازَةً مِنَ الرَّاوِي وَإِذْنًا فِي رِوَايَةِ صَوَابِهَا عَنْهُ إِذَا بَانَ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ إِفْرَادُ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ، لِمَا بَيَّنَّاهُ قَرِيبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: هَلْ يَجُوزُ اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَرِوَايَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ مِنَ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ تَجْوِيزِهِ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ
стр. 213
وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَقَدْ رُوِّينَا ... عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: " انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ، وَلَا تَزِدْ فِيهِ ... ".
وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنَ الْعَالِمِ الْعَارِفِ إِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ مَتَمِيِّزًا عَمَّا نَقَلَهُ، غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْتَلُّ الْبَيَانُ، وَلَا تَخْتَلِفُ الدَّلَالَةُ فِيمَا نَقَلَهُ بِتَرْكِ مَا تَرَكَهُ، فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ وَالَّذِي تَرَكَهُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - بِمَنْزِلَةِ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ فِي أَمْرَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
ثُمَّ هَذَا إِذَا كَانَ رَفِيعَ الْمَنْزِلَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ تُهْمَةٌ، نَقَلَهُ أَوَّلًا تَمَامًا، ثُمَّ نَقَلَهُ نَاقِصًا، أَوَنَقَلَهُ أَوَّلًا نَاقِصًا، ثُمَّ نَقَلَهُ تَامًّا.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ: أَنَّ مَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلَى التَّمَامِ، وَخَافَ إِنْ رَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى النُّقْصَانِ أَنْ يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ زَادَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ، أَوْ أَنَّهُ نَسِيَ فِي الثَّانِي بَاقِيَ الْحَدِيثِ لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ، وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَ هَذِهِ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ الْفَقِيهُ: أَنَّ مَنْ رَوَى بَعْضَ الْخَبَرِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ تَمَامَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ زَادَ فِي حَدِيثِهِ، كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ الزِّيَادَةِ وَكِتْمَانِهَا.
قُلْتُ: مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ غَيْرَ تَامٍّ، إِذَا كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ تَمَامِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا رَوَاهُ
стр. 214
أَوَّلًا نَاقِصًا أَخْرَجَ بَاقِيَهُ عَنْ حَيِّزِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَدَارَ: بَيْنَ أَنْ لَا يَرْوِيَهُ أَصْلًا فَيُضَيِّعَهُ رَأْسًا، وَبَيْنَ أَنْ يَرْوِيَهُ مُتَّهَمًا فِيهِ فَيُضَيِّعَ ثَمَرَتَهُ لِسُقُوطِ الْحُجَّةِ فِيهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْمُصَنِّفِ مَتْنَ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَتَفْرِيقُهُ فِي الْأَبْوَابِ، فَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ، وَمِنَ الْمَنْعِ أَبْعَدُ، وَقَدْ فَعَلَهُ مَالِكٌ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ كَرَاهِيَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنُ: يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ لَا يَرْوِيَ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ، أَوْ مُصَحِّفٍ. رُوِّينَا عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ: " جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الْأَصْلِ مُعْرَبَةً ".
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي الْفُرَاوِيُّ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو جَدِّي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: أَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَحَقَّ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ مَا
стр. 215
يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ شَيْنِ اللَّحْنِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَمَعَرَّتِهِمَا.
رُوِّينَا ... عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: " مَنْ طَلَبِ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُبْصِرِ الْعَرَبِيَّةَ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ ... "، أَوْ كَمَا قَالَ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: " مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَعْرِفُ النَّحْوَ مَثَلُ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ لَا شَعِيرَ فِيهَا ... ".
وَأَمَّا التَّصْحِيفُ: فَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنْهُ الْأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالضَّبْطُ، فَإِنَّ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَخْذُهُ وَتَعَلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ، كَانَ مِنْ شَأْنِهِ التَّحْرِيفُ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَالتَّصْحِيفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعُ: إِذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ لَحْنٌ، أَوْ تَحْرِيفٌ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَلَى الْخَطَأِ كَمَا سَمِعَهُ، وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ. وَهَذَا غُلُوٌّ فِي مَذْهَبِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَي.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى تَغْيِيرَهُ، وَإِصْلَاحَهُ، وَرِوَايَتَهُ عَلَى الصَّوَابِ، رُوِّينَا ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ وَالْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ. وَالْقَوْلُ بِهِ فِي اللَّحْنِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْنَى
стр. 216
وَأَمْثَالِهِ لَازِمٌ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَأَمَّا إِصْلَاحُ ذَلِكَ وَتَغْيِيرُهُ فِي كِتَابِهِ وَأَصْلِهِ، فَالصَّوَابُ تَرْكُهُ، وَتَقْرِيرُ مَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مَعَ التَّضْبِيبِ عَلَيْهِ، وَبَيَانِ الصَّوَابِ خَارِجًا فِي الْحَاشِيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَنْفَى لِلْمَفْسَدَةِ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ، وَكَأَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ، أَوْ لِسَانِهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: " لَفْظَةٌ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ غَيَّرْتُهَا بِرَأْيِي، فَفُعِلَ بِي هَذَا ".
وَكَثِيرًا مَا نَرَى مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأً - وَرُبَّمَا غَيَّرُوهُ - صَوَابًا ذَا وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ خَفِيَ، وَاسْتُغْرِبَ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَتَشَعُّبِهَا.
وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: " كَانَ إِذَا مَرَّ بِأَبِي لَحْنٌ فَاحِشٌ غَيَّرَهُ، وَإِذَا كَانَ لَحْنًا سَهْلًا تَرَكَهُ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ الشَّيْخُ ".
وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَشَياخِنَا: عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ عِيَاضٍ بِمَا مَعْنَاهُ، وَاخْتِصَارُهُ: " أَنَّ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأَشْيَاخِ أَنْ يَنْقُلُوا الرِّوَايَةَ كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُغَيِّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى فِي أَحْرُفٍ
стр. 217
مِنَ الْقُرْآنِ، اسْتَمَرَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا فِي الْكُتُبِ عَلَى خِلَافِ التِّلَاوَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي الشَّوَاذِّ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَ " الْمُوَطَّأِ "، وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُمْ يُنَبِّهُونَ عَلَى خَطَئِهَا عِنْدَ السَّمَاعِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَفِي حَوَاشِي الْكُتُبِ، مَعَ تَقْرِيرِهِمْ مَا فِي الْأُصُولِ عَلَى مَا بَلَغَهُمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَسَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْكُتُبِ، وَإِصْلَاحِهَا، مِنْهُمْ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنَانِيُّ الْوَقَشِيُّ، فَإِنَّهُ - لِكَثْرَةِ مُطَالَعَتِهِ وَافْتِتَانِهِ، وَثُقُوبِ فَهْمِهِ، وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ - جَسَرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ كَثِيرًا، وَغَلِطَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ.
فَالْأَوْلَى سَدُّ بَابِ التَّغْيِيرِ، وَالْإِصْلَاحِ، لِئَلَّا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ، وَهُوَ أَسْلَمُ مَعَ التَّبْيِينِ، فَيَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ السَّمَاعِ كَمَا وَقَعَ، ثُمَّ يَذْكُرُ وَجْهَ صَوَابِهِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَهُ، أَوَّلًا عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ قَالَ: " وَقَعَ عِنْدَ شَيْخِنَا، أَوْ فِي رِوَايَتِنَا، أَوْ مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ". وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، كَيْلَا يَتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ.
وَأَصْلَحُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِصْلَاحِ أَنْ يَكُونَ مَا يُصْلَحُ بِهِ الْفَاسِدُ قَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ، فَإِنْ ذَاكَرَهُ آمِنٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّلًا
стр. 218
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْعَاشِرُ: إِذَا كَانَ الْإِصْلَاحُ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ قَدْ سَقَطَ:
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُغَايَرَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَذَلِكَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " أَرَأَيْتَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ يُزَادُ فِيهِ الْوَاوُ وَالْأَلِفُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا ".
وَإِنْ كَانَ الْإِصْلَاحُ بِالزِّيَادَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى مُغَايِرٍ لِمَا وَقَعَ فِي الْأَصَلِ تَأَكَّدَ فِيهِ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ يَذْكُرُ مَا فِي الْأَصْلِ مَقْرُونًا بِالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا سَقَطَ، لِيَسْلَمَ مِنْ مَعَرَّةِ الْخَطَأِ، وَمِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى شَيْخِهِ مَا لَمْ يَقُلْ.
حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ: " عَنْ بُحَيْنَةَ "، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: إِنَّمَا هُوَ " ابْنُ بُحَيْنَةَ "، وَلَكِنَّهُ قَالَ " بُحَيْنَةَ ".
وَإِذَا كَانَ مِنْ دُونِ مَوْضِعِ الْكَلَامِ السَّاقِطِ مَعْلُومًا أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَنْ بَعْدَهُ، فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُلْحَقَ السَّاقِطُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعَ كَلِمَةِ (يَعْنِي) كَمَا فَعَلَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ، إِذْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ
стр. 219
عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ ".
قَالَ الْخَطِيبُ: " كَانَ فِي أَصْلِ ابْنِ مَهْدِيٍّ " عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ "، فَأَلْحَقْنَا فِيهِ ذِكْرَ عَائِشَةَ إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَحَامِلِيَّ كَذَلِكَ رَوَاهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ كِتَابِ شَيْخِنَا أَبِي عُمَرَ، وَقُلْنَا فِيهِ: " تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَمْ يَقُلْ لَنَا ذَلِكَ، وَهَكَذَا رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا يَفْعَلُ فِي مِثْلِ هَذَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ قَالَ: ... سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: إِنَّا لَنَسْتَعِينُ فِي الْحَدِيثِ بِـ " يَعْنِي "
قُلْتُ: وَهَذَا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ رَوَاهُ لَهُ عَلَى الْخَطَأِ. فَأَمَّا إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ لَا مِنْ شَيْخِهِ، فَيَتَّجِهُ هَاهُنَا إِصْلَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِهِ مَعًا.
ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي (حَجَّاجٌ، عَنْ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) يَجُوزُ لِي أَنْ أُصْلِحَهُ (ابْنَ جُرَيْجٍ)؟ فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ "، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
стр. 220
وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا إِذَا دَرَسَ مِنْ كِتَابِهِ بَعْضُ الْإِسْنَادِ، أَوِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، إِذَا عَرَفَ صِحَّتَهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّاقِطُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِيمَا رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْهُ، قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ: " وَلَوْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي حَالِ الرِّوَايَةِ كَانَ أَوْلَى ".
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي اسْتِثْبَاتِ الْحَافِظِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِنْهُمْ عَاصِمٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُبَيِّنُ مَا ثَبَّتَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَقُولُ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَثَبَّتَنِي فُلَانٌ " كَمَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: " أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، وَثَبَّتَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ".
وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ كَلِمَةً مِنْ غَرِيبِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهَا، وَيَرْوِيَهَا عَلَى مَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ. رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمَا ﵃، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الرَّاوِي عَنِ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَبَيْنَ رِوَايَتِهِمَا تَفَاوُتٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي
стр. 221
الْإِسْنَادِ، ثُمَّ يَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، وَيَقُولُ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ، أَوْ وَهَذَا لَفْظُ فُلَانٍ، قَالَ، أَوْ قَالَا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ "، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ.
وَلِمُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَعَ هَذَا فِي ذَلِكَ عِبَارَةٌ أُخْرَى حَسَنَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ". فَإِعَادَتُهُ ثَانِيًا ذِكْرَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً إِشْعَارٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لَهُ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَخُصَّ لَفْظَ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ، بَلْ أَخَذَ مِنْ لَفْظِ هَذَا، وَمِنْ لَفْظِ ذَاكَ، وَقَالَ " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ " فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.
وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - صَاحِبِ السُّنَنِ -: " حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَبُو تَوْبَةَ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ " مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا فِي كِتَابِهِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ لِمُسَدَّدٍ، وَيُوَافِقُهُ أَبُو تَوْبَةَ فِي الْمَعْنَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ لَفْظَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، بَلْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَنْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَقْرُبُ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبَانٌ ".
وَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ جَمَاعَةِ رُوَاةٍ قَدِ اتَّفَقُوا فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ
стр. 222
لَفْظَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا عِيبَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.
وَإِذَا سَمِعَ كِتَابًا مُصَنَّفًا مِنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَابَلَ نُسْخَتَهُ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَهُمْ فِي الْإِسْنَادِ، وَيَقُولَ: " وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ " كَمَا سَبَقَ، فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بِنَصِّهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ بِلَفْظِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِكَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ حَتَّى يُخْبِرَ عَنْهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ مَنْ نَسَبَ اللَّفْظَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُوَافَقَتِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي نَسَبٍ مَنْ فَوْقَ شَيْخِهِ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ مُدْرِجًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ مُمَيَّزٍ، فَإِنْ أَتَى بِفَصْلٍ جَازَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: (هُوَ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ) أَوْ (يَعْنِي: ابْنَ فُلَانٍ)، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ (اللُّقَطِ) لَهُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: إِذَا حَدَّثَكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَلَمْ يَنْسِبْهُ، فَأَحْبَبْتَ أَنْ تَنْسِبَهُ، فَقُلْ: (حَدَّثَنَا فُلَانٌ، أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، حَدَّثَهُ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ ذَكَرَ نَسَبَ شَيْخِهِ، أَوْ صِفَتَهُ، فِي أَوَّلِ كِتَابٍ
стр. 223
أَوْ جُزْءٍ عِنْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ، وَاقْتَصَرَ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ الشَّيْخِ، أَوْ بَعْضِ نَسَبِهِ، مِثَالُهُ: أَنْ أَرْوِيَ جُزْءًا عَنِ الْفُرَاوِيِّ، وَأَقُولَ فِي أَوَّلِهِ: " أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ "، وَأَقُولُ فِي بَاقِي أَحَادِيثِهِ: " أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ "، فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنِّي أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي الْأَحَادِيثَ الَّتِي بَعْدَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مُتَفَرِّقَةً، وَيَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا: " أَنَا فُلَانٌ، قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ: أَنَا فُلَانٌ) وَإِنْ لَمْ أَذْكُرْ لَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِي لَهُ أَوَّلًا؟ فَهَذَا قَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ ". وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ اسْمُ الرَّجُلِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ قَالَ " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ ".
وَرُوِيَ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ هَكَذَا رَأَى أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيَّ - نَزِيلَ نَيْسَابُورَ - يَفْعَلُ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الْمُجَوِّدِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَوَاهَا لَهُ قَالَ فِيهَا: " أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ: أَنَّ أَبَا يَعْلَى أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيَّ أَخْبَرَهُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي ِّ: أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ،
стр. 224
وَأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ: أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُحَمَّدَ بْنَ سُفْيَانَ الصَّفَّارَ أَخْبَرَهُمْ "، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهَا أَحَادِيثُ سَمِعَهَا قِرَاءَةً عَلَى شُيُوخِهِ فِي جُمْلَةِ نَسْخٍ، نَسَبُوا الَّذِينَ حَدَّثُوهُمْ بِهَا فِي أَوَّلِهَا، وَاقْتَصَرُوا فِي بَقِيَّتِهَا عَلَى ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ.
قَالَ: وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ "، ثُمَّ يَسُوقُ نَسَبَهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ.
قَالَ: " وَهَذَا الَّذِي أَسْتَحِبُّهُ ; لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا أُجِيزَ لَهُمْ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ: أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُمْ ".
قُلْتُ: جَمِيعُ هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ، وَأَوْلَاهَا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ)، ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: (إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ)، ثُمَّ أَنْ يَذْكُرَ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَذْفِ (قَالَ)، وَنَحْوِهِ، فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ خَطًّا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ لَفْظًا.
وَمِمَّا قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ)، فَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: (قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ)، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ)، فَهَذَا يَذْكُرُ فِيهِ (قَالَ)، فَيُقَالُ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قَالَ: ثَنَا فُلَانٌ)، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ خَطًّا هَكَذَا فِي بَعْضِ مَا رُوِّينَاهُ.
وَإِذَا تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ (قَالَ) كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ " حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ "، حَذَفُوا إِحْدَاهُمَا فِي الْخَطِّ، وَعَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهِمَا جَمِيعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 225
الرَّابِعَ عَشَرَ: النُّسَخُ الْمَشْهُورَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أَحَادِيثَ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، كَنُسْخَةِ " هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "، رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَنَحْوِهَا مِنَ النُّسَخِ، وَالْأَجْزَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ يُجَدِّدُ ذِكْرَ الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا، وَيُوجَدُ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ، وَذَلِكَ أَحْوَطُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِذِكْرِ الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهَا، أَوْ فِي أَوَّلِ كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ سَمَاعِهَا، وَيُدْرِجُ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ: " وَبِالْإِسْنَادِ "، أَوْ " وَبِهِ "، وَذَلِكَ هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ.
وَإِذَا أَرَادَ مَنْ كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَفْرِيقَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَرِوَايَةَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِهَا، جَازَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، فَالْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ فِي أَبْوَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ أَبَى إِفْرَادَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُدْرَجَةِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَرَآهُ تَدْلِيسًا. وَسَأَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيَّ الْفَقِيهَ الْأُصُولِيَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " لَا يَجُوزُ ".
وَعَلَى هَذَا مَنْ كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ، وَيَحْكِيَ
стр. 226
ذَلِكَ كَمَا جَرَى، كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي صَحِيفَةِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ. . . . الْحَدِيثَ ". وَهَكَذَا فَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: إِذَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَتْنِ عَلَى الْإِسْنَادِ، أَوْ ذِكْرَ الْمَتْنِ، وَبَعْضَ الْإِسْنَادِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِسْنَادَ عَقِيبَهُ عَلَى الِاتِّصَالِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا)، أَوْ يَقُولَ: (رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا)، ثُمَّ يَقُولُ: (أَخْبَرَنَا بِهِ فُلَانٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ) وَيَسُوقُ الْإِسْنَادَ حَتَّى يَتَّصِلَ بِمَا قَدَّمَهُ، فَهَذَا يَلْتَحِقُ بِمَا إِذَا قَدَّمَ الْإِسْنَادَ فِي كَوْنِهِ يَصِيرُ بِهِ مُسْنِدًا لِلْحَدِيثِ لَا مُرْسِلًا لَهُ.
فَلَوْ أَرَادَ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ هَكَذَا أَنْ يُقَدِّمَ الْإِسْنَادَ وَيُؤَخِّرَ الْمَتْنَ، وَيُلَفِّقَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ نَحْوُ الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ مَتْنِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى لَا تَجُوزُ، وَالْجَوَازَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ
стр. 227
الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى تَجُوزُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، أَوِ الْجُزْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَوَّلًا، فَهَذَا لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي إِفْرَادِ كُلِّ حَدِيثٍ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ رِوَايَتِهَا، لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ مُتَّصِلًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدًا، وَاحْتِيَاطًا، وَيَتَضَمَّنُ إِجَازَةً بَالِغَةً مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: إِذَا رَوَى الْمُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِإِسْنَادٍ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَقَالَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ " مِثْلَهُ " فَأَرَادَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِسْنَادِ الثَّانِي، وَيَسُوقَ لَفْظَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَقِيبَ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، فَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْحَافِظِ ﵀ قَالَ: " كَانَ شُعْبَةُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ ".
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجُوزُ ذَلِكَ، إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ ضَابِطٌ مُتَحَفِّظٌ يَذْهَبُ إِلَى تَمْيِيزِ الْأَلْفَاظِ وَعَدِّ الْحُرُوفِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا رَوَى مِثْلَ هَذَا يُورِدُ الْإِسْنَادَ، وَيَقُولُ: (مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلَهُ مَتْنُهُ كَذَا وَكَذَا)، ثُمَّ يَسُوقُهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ قَدْ قَالَ: (نَحْوَهُ). قَالَ: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ).
стр. 228
أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَاذِيُّ شَيْخُ الشُّيُوخِ بِهَا، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِهَا، قَالَ أَنَا وَالِدِي ﵀، قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حُبَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، قَالَ: قَالَ ثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: " فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ مِثْلَهُ " " لَا يُجْزِئُ ". قَالَ وَكِيعٌ: وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: " يُجْزِئُ ".
وَأَمَّا إِذَا قَالَ: (نَحْوَهُ)، فَهُوَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا إِذَا قَالَ: (مِثْلَهُ).
وَنُبِّئْنَا بِإِسْنَادٍ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: قَالَ سُفْيَان ُ: إِذَا قَالَ " نَحْوَهُ "، فَهُوَ حَدِيثٌ.
وَقَالَ شُعْبَةُ (نَحْوَهُ) شَكٌّ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ أَجَازَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ " مِثْلَهُ " وَلَمْ يُجِزْهُ فِي قَوْلِهِ: " نَحْوَهُ ".
قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يُجِزِ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى. فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ " مِثْلَهُ "، وَ " نَحْوَهُ ".
قُلْتُ: هَذَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ السِّجْزِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظَ يَقُولُ: " إِنَّ مِمَّا يَلْزَمُ الْحَدِيثِيَّ مِنَ
стр. 229
الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " مِثْلَهُ "، أَوْ يَقُولَ: " نَحْوَهُ "، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: " مِثْلَهُ " إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَيَحِلُّ أَنْ يَقُولَ: " نَحْوَهُ " إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ مَعَانِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَ عَشَرَ: إِذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ مَتْنِهِ إِلَّا طَرَفًا، ثُمَّ قَالَ: (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ)، أَوْ قَالَ: (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ) فَأَرَادَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ وَبِطُولِهِ، فَهَذَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ (مِثْلَهُ)، أَوْ (نَحْوَهُ). فَطَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ، بِأَنْ يَقْتَصَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولَ: (قَالَ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ)، ثُمَّ يَقُولَ: (وَالْحَدِيثُ بِطُولِهِ هُوَ كَذَا وَكَذَا)، وَيَسُوقَهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَسَأَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيَّ الْمُقَدَّمَ فِي الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " لَا يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ عَلَى التَّفْصِيلِ ".
وَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبَا بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيَّ الْحَافِظَ الْفَقِيهَ، عَمَّنْ قَرَأَ إِسْنَادَ حَدِيثٍ عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ قَالَ: " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِجَمِيعِ الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: إِذَا عَرَفَ الْمُحَدِّثُ، وَالْقَارِئُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ، فَأَرْجُو أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ، وَالْبَيَانُ أَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا كَانَ.
стр. 230
قُلْتُ: إِذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْإِجَازَةِ فِيمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ، لَكِنَّهَا إِجَازَةٌ أَكِيدَةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ، فَجَازَ لِهَذَا مَعَ كَوْنِ أَوَّلِهِ سَمَاعًا إِدْرَاجُ الْبَاقِي عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَادٍ لَهُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ (عَنِ النَّبِيِّ) إِلَى (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَإِنْ جَازَتِ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى فِي هَذَا مُخْتَلِفٌ.
وَثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ إِذَا كَانَ فِي الْكِتَابِ (النَّبِيُّ)، فَقَالَ الْمُحَدِّثُ: " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ضَرَبَ وَكَتَبَ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وَقَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ: " هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ اتِّبَاعَ الْمُحَدِّثِ فِي لَفْظِهِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُهُ التَّرْخِيصُ فِي ذَلِكَ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، فَيَجْعَلُ الْإِنْسَانُ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَفَّانُ، وَبَهْزٌ، فَجَعَلَا يُغَيِّرَانِ " النَّبِيَّ ﷺ " مِنْ " رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "، فَقَالَ لَهُمَا حَمَّادٌ: أَمَّا أَنْتُمَا فَلَا تَفْقَهَانِ أَبَدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 231
التَّاسِعَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى صِفَةٍ فِيهَا بَعْضُ الْوَهْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي حَالَةِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ فِي إِغْفَالِهَا نَوْعًا مِنَ التَّدْلِيسِ، وَفِيمَا مَضَى لَنَا أَمْثِلَةٌ لِذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا إِذَا حَدَّثَهُ الْمُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ، فَلْيَقُلْ: (حَدَّثَنَا فُلَانٌ مُذَاكَرَةً)، أَوْ (حَدَّثَنَاهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ)، فَقَدْ كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِ الْعُلَمَاءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ حُفَّاظِهِمْ يَمْنَعُونَ مِنْ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ فِي الْمُذَاكَرَةِ شَيْءٌ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَرُوِّينَاهُ عَنِ ابنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِ. وَذَلِكَ لِمَا قَدْ يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْمُسَاهَلَةِ، مَعَ أَنَّ الْحِفْظَ خَوَّانٌ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْحُفَّاظِ مِنْ رِوَايَةِ مَا يَحْفَظُونَهُ إِلَّا مِنْ كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ﵃ أَجْمَعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْعِشْرُونَ: إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَجْرُوحٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَأَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَلَا يُسْتَحْسَنُ إِسْقَاطُ الْمَجْرُوحِ مِنَ الْإِسْنَادِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الثِّقَةِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَنِ الْمَجْرُوحِ شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ الثِّقَةُ، قَالَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثُمَّ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ: " وَكَانَ
стр. 232
مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي مِثْلِ هَذَا رُبَّمَا أَسْقَطَ الْمَجْرُوحَ مِنَ الْإِسْنَادِ، وَيَذْكُرُ الثِّقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: " وَآخَرُ " كِنَايَةً عَنِ الْمَجْرُوحِ، قَالَ: " وَهَذَا الْقَوْلُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ".
قُلْتُ: وَهَكَذَا يَنْبَغِي إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَنْ لَا يُسْقِطَ أَحَدَهُمَا مِنْهُ، لِتَطَرُّقِ مِثْلِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْذُورُ الْإِسْقَاطِ فِيهِ أَقَلَّ، ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ امْتِنَاعَ تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اتِّفَاقُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاحْتِمَالِ نَادِرٌ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْإِدْرَاجِ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُهُ كَمَا سَبَقَ فِي نَوْعِ الْمُدْرَجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: إِذَا سَمِعَ بَعْضَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ، وَبَعْضَهُ مِنْ شَيْخٍ آخَرَ، فَخَلَطَهُ، وَلَمْ يُمَيِّزْهُ، وَعَزَى الْحَدِيثَ جُمْلَةً إِلَيْهِمَا، مُبَيِّنًا أَنَّ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْضَهُ، وَعَنِ الْآخَرِ بَعْضَهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، كَمَا فَعَلَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، حَيْثُ رَوَاهُ، عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَقَالَ: " وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، قَالُوا: قَالَتْ:. . . . الْحَدِيثَ ".
ثُمَّ إِنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ إِلَّا وَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الْإِبْهَامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْرُوحًا لَمْ يَجُزْ
стр. 233
الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ بَعْدَ اخْتِلَاطِ ذَلِكَ أَنْ يُسْقِطَ ذِكْرَ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ، وَيَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنِ الْآخَرِ وَحْدَهُ، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُهُمَا جَمِيعًا مَقْرُونًا بِالْإِفْصَاحِ بِأَنَّ بَعْضَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَبَعْضَهُ عَنِ الْآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
مَعْرِفَةُ آدَابِ الْمُحَدِّثِ
وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْهَا اقْتَضَتْهُ الْأَنْوَاعُ الَّتِي قَبْلَهُ.
عِلْمُ الْحَدِيثِ عِلْمٌ شَرِيفٌ، يُنَاسِبُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ، وَيُنَافِرُ مَسَاوِيَ الْأَخْلَاقِ، وَمَشَايِنَ الشِّيَمِ، وَهُوَ مِنْ عُلُومِ الْآخِرَةِ لَا مِنْ عُلُومِ الدُّنْيَا. فَمَنْ أَرَادَ التَّصَدِّيَ لِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، أَوْ لِإِفَادَةِ شَيْءٍ مِنْ عُلُومِهِ، فَلْيُقَدِّمْ تَصْحِيحَ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصَهَا، وَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَأَدْنَاسِهَا، وَلْيَحْذَرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرِّيَاسَةِ، وَرُعُونَاتِهَا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السِّنِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدِّي لِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَالِانْتِصَابُ لِرِوَايَتِهِ، وَالَّذِي نَقُولُهُ: إِنَّهُ مَتَى احْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدِّي لِرِوَايَتِهِ، وَنَشْرِهِ، فِي أَيِّ سِنٍّ كَانَ، وَرُوِّينَا عَنِ الْقَاضِي الْفَاضِلِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: " الَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ طَرِيقِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ
стр. 234
النَّاقِلُ حَسُنَ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ هو: أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْخَمْسِينَ ; لِأَنَّهَا انْتِهَاءُ الْكُهُولَةِ وَفِيهَا مُجْتَمَعُ الْأَشُدِّ، قَالَ سُحَيْمُ بْنُ وَثِيلٍ:
أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... وَنجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّئُونِ.
قَالَ: " وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يُحَدِّثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ ; لِأَنَّهَا حَدُّ الِاسْتِوَاءِ وَمُنْتَهَى الْكَمَالِ، نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ تَتَنَاهَى عَزِيمَةُ الْإِنْسَانِ وَقُوَّتُهُ، وَيَتَوَفَّرُ عَقْلُهُ، وَيَجُودُ رَأْيُهُ ".
وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ خَلَّادٍ، وَقَالَ: كَمْ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى هَذَا السَّنِّ، وَمَاتَ قَبْلَهُ، وَقَدْ نَشَرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَالْعِلْمِ مَا لَا يُحْصَى هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُكْمِلِ الْأَرْبَعِينَ.
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمْ يَبْلُغِ الْخَمْسِينَ. وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ جَلَسَ لِلنَّاسِ ابْنَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ، وَشُيُوخُهُ أَحْيَاءٌ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ أُخِذَ عَنْهُ الْعِلْمُ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ، وَانْتَصَبَ لِذَلِكَ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَلَّادٍ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ: فِيمَنْ يَتَصَدَّى لِلتَّحْدِيثِ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ بَرَاعَةٍ فِي الْعِلْمِ
стр. 235
تَعَجَّلَتْ لَهُ قَبْلَ السِّنِّ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَهَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ عِيَاضٌ مِمَّنْ حَدَّثَ قَبْلَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِبَرَاعَةٍ مِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ تَقَدَّمَتْ، ظَهَرَ لَهُمْ مَعَهَا الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِمْ، فَحَدَّثُوا قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُمْ سُئِلُوا ذَلِكَ إِمَّا بِصَرِيحِ السُّؤَالِ، وَإِمَّا بِقَرِينَةِ الْحَالِ.
وَأَمَّا السِّنُّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الْمُحَدِّثُ انْبَغَى لَهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ التَّحْدِيثِ فَهُوَ السِّنُّ الَّذِي يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهِ مِنَ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يَخْلِطَ، وَيَرْوِيَ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَالنَّاسُ فِي بُلُوغِ هَذِهِ السِّنِّ يَتَفَاوَتُونَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، وَهَكَذَا إِذَا عَمِيَ، وَخَافَ أَنْ يُدْخَلَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلْيُمْسِكْ عَنِ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُمْسِكَ فِي الثَمَانِينَ، لِأَنَّهُ حَدُّ الْهَرَمِ، فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ ثَابِتًا، وَرَأْيُهُ مُجْتَمِعًا، يَعْرِفُ حَدِيثَهُ، وَيَقُومُ بِهِ، وَتَحَرَّى أَنْ يُحَدِّثَ احْتِسَابًا رَجَوْتُ لَهُ خَيْرًا.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ الثَمَانِينَ ضَعُفَ حَالُهُ فِي الْغَالِبِ، وَخِيفَ عَلَيْهِ الِاخْتِلَالُ، وَالْإِخْلَالُ، أَوْ أَنْ لَا يُفْطَنَ لَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُخَلِّطَ، كَمَا اتَّفَقَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.
стр. 236
وَقَدْ حَدَّثَ خَلْقٌ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ هَذَا السِّنِّ، فَسَاعَدَهُمُ التَّوْفِيقُ، وَصَحِبَتْهُمُ السَّلَامَةُ، مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، فِي عَدَدٍ جَمٍّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ. وَفِيهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ حَدَّثُوا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ، مِنْهُمُ: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْهُجَيْمِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ.
[وَ] كَانَ إِبْرَاهِيمُ، وَالشَّعْبِيُّ إِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَتَكَلَّمْ إِبْرَاهِيمُ بِشَيْءٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَكِرَهَ الرِّوَايَةَ بِبَلَدٍ فِيهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، لِسِنِّهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
رُوِّينَا ... عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، قَالَ: " إِذَا حَدَّثْتُ فِي بَلَدٍ فِيهِ مِثْلُ أَبِي مُسْهِرٍ فَيَجِبُ لِلِحْيَتِي أَنْ تُحْلَقَ " ... . وَعَنْهُ أَيْضًا: " إِنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِالْبَلْدَةِ - وَفِيهَا مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّحْدِيثِ مِنْهُ - فَهُوَ أَحْمَقُ ".
وَيَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ - إِذَا الْتُمِسَ مِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، فِي بَلَدِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، بِإِسْنَادٍ أَعْلَى مِنْ إِسْنَادِهِ، أَوْ أَرْجَحَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - أَنْ يُعْلِمَ الطَّالِبَ بِهِ، وَيُرْشِدَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ.
وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ تَحْدِيثِ أَحَدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحِ النِّيَّةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ حُصُولُ النِّيَّةِ مِنْ بَعْدُ.
رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ
стр. 237
عَزَّ وَجَلَّ ".
وَلْيَكُنْ حَرِيصًا عَلَى نَشْرِهِ مُبْتَغِيًا جَزِيلَ أَجْرِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ ﵃ مَنْ يَتَأَلَّفُ النَّاسُ عَلَى حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
وَلْيَقْتَدِ بِمَالِكٍ ﵁ فِيمَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفُرَاوِيُّ بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْمَعَالِي الْفَارِسِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: " ... كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ تَوَضَّأَ، وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّحَ لِحْيَتَهُ، وَتَمَكَّنَ فِي جُلُوسِهِ بِوَقَارٍ وَهَيْبَةٍ، وَحَدَّثَ ". فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: " أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أُحَدِّثَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا " ... .
وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ هُوَ قَائِمٌ، أَوْ يَسْتَعْجِلُ، وَقَالَ: " ... أُحِبُّ أَنْ أَتَفَهَّمَ مَا أُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... - ".
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ، وَيَتَبَخَّرُ وَيَتَطَيَّبُ، فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ فِي مَجْلِسِهِ زَبَرَهُ وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) فَمَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَأَنَّمَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 238
وَرُوِّينَا - أَوْ بَلَغَنَا - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهِ أَنَّهُ قَالَ: " الْقَارِئُ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِأَحَدٍ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ".
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ أَهْلِ مَجْلِسِهِ مَا وَرَدَ ... عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْقَوْمَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا " ... ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرْدًا يَمْنَعُ السَّامِعَ مِنْ إِدْرَاكِ بَعْضِهِ، وَلْيَفْتَتِحْ مَجْلِسَهُ، وَلْيَخْتَتِمْهُ بِذِكْرٍ، وَدُعَاءٍ يَلِيقُ بِالْحَالِ، وَمِنْ أَبْلَغِ مَا يَفْتَتِحُهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَكْمَلَ الْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ، عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ، وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ، نِهَايَةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُونَ ".
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحَدِّثِ الْعَارِفِ عَقْدُ مَجْلِسٍ لِإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الرَّاوِينَ، وَالسَّمَاعُ فِيهِ مِنْ أَحْسَنِ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ، وَأَقْوَاهَا، وَلْيَتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًا يُبَلِّغُ عَنْهُ إِذَا كَثُرَ الْجَمْعُ، فَذَلِكَ دَأْبُ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَصَدِّينَ لِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ: مَالِكٌ، وَشُعْبَةُ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو عَاصِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْلَامِ السَّالِفِينَ.
стр. 239
وَلْيَكُنْ مُسْتَمْلِيهِ مُحَصِّلًا مُتَيَقِّظًا، كَيْلَا يَقَعَ فِي مِثْلِ مَا رُوِّينَا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ، فَقَالَ: " حَدَّثَنَا بِهِ عِدَّةٌ "، فَصَاحَ بِهِ مُسْتَمْلِيهِ: " يَا أَبَا خَالِدٍ، عِدَّةُ ابْنُ مَنْ؟ "، فَقَالَ لَهُ: " عِدَّةُ ابْنُ فَقَدْتُكَ ".
وَلْيَسْتَمْلِ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ كُرْسِيٍّ، أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ اسْتَمْلَى قَائِمًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ لَفْظَ الْمُحَدِّثِ، فَيُؤَدِّيَهُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالْفَائِدَةُ فِي اسْتِمْلَاءِ الْمُسْتَمْلِي تَوَصُّلُ مَنْ يَسْمَعُ لَفْظَ الْمُمْلِي عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ إِلَى تَفَهُّمِهِ، وَتَحَقُّقِهِ بِإِبْلَاغِ الْمُسْتَمْلِي.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ إِلَّا لَفْظَ الْمُسْتَمْلِي، فَلَيْسَ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ جَوَازَ رِوَايَتِهِ لِذَلِكَ عَنِ الْمُمْلِي مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْحَالِ فِيهِ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ قَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ.
وَيُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ الْمَجْلِسِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ لِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَإِذَا فَرَغَ اسْتَنْصَتَ الْمُسْتَمْلِي أَهْلَ الْمَجْلِسِ إِنْ كَانَ فِيهِ لَغَطٌ، ثُمَّ يُبَسْمِلُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ ﵎، وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَتَحَرَّى الْأَبْلَغَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَيَقُولُ: مَنْ ذَكَرْتَ
стр. 240
أَوْ مَا ذَكَرْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ، أَوْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
وَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ قَالَ: " ﵁ ".
وَيَحْسُنُ بِالْمُحَدِّثِ الثَّنَاءُ عَلَى شَيْخِهِ فِي حَالَةِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِمَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ، فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْعُلَمَاءِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: " حَدَّثَنِي الْبَحْرُ "، وَعَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ قَالَ: " حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ".
وَأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فَلَا يَغْفُلَنَّ عَنْهُ.
وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ لَقَبٍ، كَغُنْدَرٍ لَقَبِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ صَاحِبِ شُعْبَةَ، وَلُوَيْنٍ لَقَبِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيِّ، أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى أُمٍّ عُرِفَ بِهَا، كَيَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ، وَمُنْيَةُ أُمُّهُ، وَقِيلَ: جَدَّتُهُ أُمُّ أَبِيهِ، أَوْ وَصْفٍ بِصِفَةِ نَقْصٍ فِي جَسَدِهِ عُرِفَ بِهَا، كَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، إِلَّا مَا يَكْرَهُهُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَهِيَ أُمُّهُ،
стр. 241
وَقِيلَ: أُمُّ أُمِّهِ، رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ "، فَنَهَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ: " قُلْ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أُمِّهِ "، فَقَالَ: " قَدْ قَبِلْنَا مِنْكَ يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ ".
وَقَدِ اسْتُحِبَّ لِلْمُمْلِي أَنْ يَجْمَعَ فِي إِمْلَائِهِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِهِ، مُقَدِّمًا لِلْأَعْلَى إِسْنَادًا، أَوِ الْأَوْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَيُمْلِيَ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ مِنْهُمْ حَدِيثًا وَاحِدًا وَيَخْتَارُ مَا عَلَا سَنَدُهُ وَقَصُرَ مَتْنُهُ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُ، وَأَلْيَقُ، وَيَنْتَقِيَ مَا يُمْلِيهِ وَيَتَحَرَّى الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ، وَيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ، وَعُلُوٍّ، وَفَضِيلَةٍ، وَيَتَجَنَّبُ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ عُقُولُ الْحَاضِرِينَ، وَمَا يُخْشَى فِيهِ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَيْهِمْ فِي فَهْمِهِ.
وَكَانَ مِنْ عَادَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ خَتْمُ الْإِمْلَاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِكَايَاتِ، وَالنَّوَادِرِ، وَالْإِنْشَادَاتِ بِأَسَانِيدِهَا، وَذَلِكَ حَسَنٌ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
وَإِذَا قَصَّرَ الْمُحَدِّثُ عَنْ تَخْرِيجِ مَا يُمْلِيهِ، فَاسْتَعَانَ بِبَعْضِ حُفَّاظِ وَقْتِهِ، فخَرَّجَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: " كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ".
وَإِذَا نَجِزَ الْإِمْلَاءُ فَلَا غِنَى عَنْ مُقَابَلَتِهِ، وَإِتْقَانِهِ وَإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْهُ بِزَيْغِ الْقَلَمِ، وَطُغْيَانِهِ.
стр. 242
هَذِهِ عُيُونٌ مِنْ آدَابِ الْمُحَدِّثِ، اجْتَزَأْنَا بِهَا مُعْرِضِينَ عَنِ التَّطْوِيلِ بِمَا لَيْسَ مِنْ مُهِمَّاتِهَا، أَوْ هُوَ ظَاهِرٌ لَيْسَ مِنْ مُسْتَبْهِمَاتِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَالْمُعِينُ، وَهُوَ أَعْلَمُ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ
مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ
وَقَدِ انْدَرَجَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي ضِمْنِ مَا تَقَدَّمَ.
فَأَوَّلُ مَا عَلَيْهِ تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ، وَالْحَذَرُ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَهُ وُصْلَةً إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
رُوِّينَا ... عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُكِرَ بِهِ " ... .
وَرُوِّينَا ... عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵁ قَالَ: " مَا أَعْلَمُ عَمَلًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِ ... ". وَرُوِّينَا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ﵁.
وَمِنْ أَقْرَبِ الْوُجُوهِ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ فِيهِ مَا رُوِّينَا ... عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُجَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدَانَ، وَكَانَا عَبْدَيْنِ صَالِحَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: " بِأَيِّ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ؟ " فَقَالَ: " أَلَسْتُمْ
стр. 243
تَرْوُونَ أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ؟ " قَالَ: " نَعَمْ "، قَالَ: " فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسُ الصَّالِحِينَ " ... .
وَلْيَسْأَلِ اللَّهَ ﵎ التَّيْسِيرَ، وَالتَّأْيِيدَ، وَالتَّوْفِيقَ، وَالتَّسْدِيدَ، وَلْيَأْخُذْ نَفْسَهُ بِالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ، وَالْآدَابِ الْمَرْضِيَّةِ، فَقَدْ رُوِّينَا ... عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، قَالَ: " مَنْ طَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ طَلَبَ أَعْلَى أُمُورِ الدِّينِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ " ... .
وَفِي السِّنِّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَبِكِتْبَتِهِ اخْتِلَافٌ، سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ.
وَإِذَا أَخَذَ فِيهِ فَلْيُشَمِّرْ عَنْ سَاقِ جُهْدِهِ، وَاجْتِهَادِهِ، وَيَبْدَأْ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَسْنَدِ شُيُوخِ مِصْرِهِ، وَمِنَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ، أَوِ الشُّهْرَةُ، أَوِ الشَّرَفُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَمَاعِ الْعَوَالِي وَالْمُهِمَّاتِ الَّتِي بِبَلَدِهِ فَلْيَرْحَلْ إِلَى غَيْرِهِ.
رُوِّينَا ... عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ لَا تُؤْنِسُ مِنْهُمْ رُشْدًا: حَارِسُ الدَّرْبِ، وَمُنَادِي الْقَاضِي، وَابْنُ الْمُحَدِّثِ، وَرَجُلٌ يَكْتُبُ فِي بَلَدِهِ وَلَا يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ " ... .
وَرُوِّينَا ... عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " أَيَرْحَلُ
стр. 244
الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الْعُلُوِّ؟ " فَقَالَ: " بَلَى، وَاللَّهِ شَدِيدًا، لَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يَبْلُغُهُمَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ ﵁، فَلَا يُقْنِعُهُمَا حَتَّى يَخْرُجَا إِلَى عُمَرَ ﵁ فَيَسْمَعَانِهِ مِنْهُ " ... ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ " ... .
وَلَا يَحْمِلَنَّهُ الْحِرْصُ، وَالشَّرَهُ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي السَّمَاعِ، وَالتَّحَمُّلِ، وَالْإِخْلَالِ بِمَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
وَلْيَسْتَعْمِلْ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَدِيثِ، عَلَى مَا رُوِّينَا ... عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي ﵁، وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: " يَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ، أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ، اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ " ... .
وَرُوِّينَا ... عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِي ِّ ﵁، قَالَ: " إِذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعْمَلْ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ " ... .
وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: " إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَاعْمَلْ بِهِ " ... .
وَلْيُعَظِّمْ شَيْخَهُ، وَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ، فَذَلِكَ مِنْ إِجْلَالِ الْحَدِيثِ، وَالْعِلْمِ، وَلَا يُثْقِلْ عَلَيْهِ، وَلَا يُطَوِّلْ بِحَيْثُ يُضْجِرُهُ، فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَى
стр. 245
فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْرَمَ الِانْتِفَاعَ، وَقَدْ رُوِّينَا ... عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ " ... ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
وَمَنْ ظَفِرَ مِنَ الطَّلَبَةِ بِسَمَاعِ شَيْخٍ فَكَتَمَهُ غَيْرَهُ، لِيَنْفَرِدَ بِهِ عَنْهُمْ، كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ، وَذَلِكَ مِنَ اللُّؤْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ الْوُضَعَاءِ، وَمِنْ أَوَّلِ فَائِدَةِ طَلَبِ الْحَدِيثِ الْإِفَادَةُ، رُوِّينَا ... عَنْ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " مِنْ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِفَادَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا " ... .
وَرُوِّينَا ... عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي جَمَاعَةٍ: " انْسَخْ مِنْ كِتَابِهِمْ مَا قَدْ قَرَأْتُ، فَقَالُ: إِنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَنِي، قَالَ: إِذًا وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُونَ، قَدْ رَأَيْنَا أَقْوَامًا مَنَعُوا هَذَا السَّمَاعَ، فَوَاللَّهِ مَا أَفْلَحُوا، وَلَا أَنْجَحُوا " ... .
قُلْتُ: وَقَدْ رَأَيْنَا نَحْنُ أَقْوَامًا مَنَعُوا السَّمَاعَ فَمَا أَفْلَحُوا، وَلَا أَنْجَحُوا، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ، أَوِ الْكِبْرُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّلَبِ. وَقَدْ رُوِّينَا ... عَنْ مُجَاهِدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ " ... ، وَرُوِّينَا ... عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: " مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ " ... .
وَلَا يَأْنَفْ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ عَمَّنْ دُونَهُ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْهُ. رُوِّينَا ... عَنْ
стр. 246
وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَكْتُبَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ " ... ، وَلَيْسَ بِمُوَفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ، لِمُجَرَّدِ اسْمِ الْكَثْرَةِ وَصِيتِهَا.
وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ ... قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ: " إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ " ... .
وَلْيَكْتُبْ، وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عَلَى التَّمَامِ، وَلَا يَنْتَخِبُ. فَقَدْ ... قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵁: " مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالَمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ " ... . وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُنْتَخَبُ عَلَى عَالَمٍ إِلَّا بِذَنْبٍ "، وَرُوِّينَا - أَوْ بَلَغَنَا - ... عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: " سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ النَّدَامَةُ " ... .
فَإِنْ ضَاقَتْ بِهِ الْحَالُ عَنِ الِاسْتِيعَابِ، وَأُحْوِجَ إِلَى الِانْتِقَاءِ، وَالِانْتِخَابِ، تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ أَهْلًا مُمَيِّزًا، عَارِفًا بِمَا يَصْلُحُ لِلِانْتِقَاءِ، وَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا عَنْ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِبَعْضِ الْحُفَّاظِ لِيَنْتَخِبَ لَهُ. وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مُتَصَدِّينَ لِلِانْتِقَاءِ عَلَى الشُّيُوخِ، وَالطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِانْتِخَابِهِمْ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أُرْمَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ، فِي آخَرِينَ.
стр. 247
وَكَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِرَسْمِ الْحَافِظِ عَلَامَةً فِي أَصْلِ الشَّيْخِ عَلَى مَا يَنْتَخِبُهُ، فَكَانَ النُّعَيْمِيُّ أَبُو الْحَسَنِ يُعَلِّمُ بِصَادٍ مَمْدُودَةٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِطَاءٍ مَمْدُودَةٍ، وَأَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ بِصُورَةِ هَمْزَتَيْنِ، وَكُلُّهُمْ يُعَلِّمُ بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى مِنَ الْوَرَقَةِ، وَعَلَّمَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُسْرَى بِخَطٍّ عَرِيضٍ بِالْحُمْرَةِ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ الْحَافِظُ يُعَلِّمُ بِخَطٍّ صَغِيرٍ بِالْحُمْرَةِ عَلَى أَوَّلِ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ، وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ وَلِكُلٍّ الْخِيَارُ.
ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ، وَفَهْمِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ، وَبِغَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ صَارَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ الْمَنْقُوصِينَ، الْمُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ.
قُلْتُ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ ﵀ لَفْظًا - بِمَدِينَةِ مَرْوَ، قَالَ: أَنْشَدَنَا وَالِدِي - لَفْظًا، أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الْأَدِيبُ الْفَاضِلُ فَارِسُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِنَفْسِهِ:
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي ... ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ
كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا الْعِنَا ... يَةِ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ
وَارْوِ الْقَلِيلَ وَرَاعِهِ ... فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ
стр. 248
وَلْيُقَدِّمِ الْعِنَايَةَ بِالصَّحِيحَيْنِ، ثُمَّ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ، ضَبْطًا لِمُشْكِلِهَا، وَفَهْمًا لِخَفِيِّ مَعَانِيهَا، وَلَا يُخْدَعَنَّ عَنْ كِتَابِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ لِلْبَيْهَقِيِّ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ مِثْلَهُ فِي بَابِهِ.
ثُمَّ بِسَائِرِ مَا تَمَسُّ حَاجَةُ صَاحِبِ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِدِ كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَمِنْ كُتُبِ الْجَوَامِعَ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا، وَمُوَطَّأُ مَالِكٍ هُوَ الْمُقَدَّمُ مِنْهَا.
وَمِنْ كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ أَجْوَدِهَا كِتَابُ الْعِلَلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكِتَابُ الْعِلَلِ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ.
وَمِنْ كُتُبِ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَتَوَارِيخِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمِنْ أَفْضَلِهَا (تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ الْكَبِيرُ) وَ (كِتَابُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ.
وَمِنْ كُتُبِ الضَّبْطِ لِمُشِكِلِ الْأَسْمَاءِ، وَمِنْ أَكْمَلِهَا " كِتَابُ الْإِكَمالِ " لِأَبِي نَاصِرِ بْنِ مَاكُولَا.
وَلْيَكُنْ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ اسْمٌ مُشْكِلٌ، أَوْ كَلِمَةٌ مِنْ حَدِيثٍ مُشْكِلَةٌ، بَحَثَ عَنْهَا، وَأَوْدَعَهَا قَلْبَهُ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ فِي يُسْرٍ.
وَلْيَكُنْ تَحَفُّظُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا مَعَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، فَذَلِكَ أَحْرَى بِأَنْ يُمَتَّعَ بِمَحْفُوظِهِ.
وَمِمَّنْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ: شُعْبَةُ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَمَعْمَرٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: ... سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: " مَنْ
стр. 249
طَلَبَ الْعِلْمَ جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ حَدِيثًا، وَحَدِيثَيْنِ " ... .
وَلْيَكُنِ الْإِتْقَانُ مِنْ شَأْنِهِ، فَقَدَ ... قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: " الْحِفْظُ الْإِتْقَانُ " ... .
ثُمَّ إِنَّ الْمُذَاكَرَةَ بِمَا يَتَحَفَّظُهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِمْتَاعِ بِهِ، رُوِّينَا ... عَنْ عَلْقَمَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ: " تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ ذِكْرُهُ " ... . ... وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ، فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَلَوْ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ " ... .
وَلْيَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ، وَالتَّأْلِيفِ، وَالتَّصْنِيفِ إِذَا اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، وَتَأَهَّلَ لَهُ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ - يُثَبِّتُ الْحِفْظَ، وَيُذَكِّي الْقَلْبَ، وَيَشْحَذُ الطَّبْعَ، وَيُجِيدُ الْبَيَانَ، وَيَكْشِفُ الْمُلْتَبِسَ، وَيُكْسِبُ جَمِيلَ الذِّكْرِ، وَيُخَلِّدُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَلَّ مَا يَمْهَرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضهِ، وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَحَدَّثَ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: " رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، خَرِّجْ، وَصَنِّفْ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، هَذَا أَنَا تَرَانِي قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ " ... .
стр. 250
وَلِلْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفِهِ طَرِيقَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: التَّصْنِيفُ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَهُوَ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَحْكَامِ الْفِقْهِ، وَغَيْرِهَا، وَتَنْوِيعُهُ أَنْوَاعًا وَجَمْعُ مَا وَرَدَ فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَكُلِّ نَوْعٍ فِي بَابٍ فَبَابٍ.
وَالثَّانِيَةُ: تَصْنِيفُهُ عَلَى الْمَسَانِيدِ، وَجَمْعُ حَدِيثِ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَحْدَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ، وَلِمَنِ اخْتَارَ ذَلِكَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي أَسْمَائِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ عَلَى الْقَبَائِلِ، فَيَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ نَسَبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ عَلَى سَوَابِقِ الصَّحَابَةِ، فَيَبْدَأُ بِالْعَشَرَةِ، ثُمَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ بِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ بِمَنْ أَسْلَمَ، وَهَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَيَخْتِمُ بِأَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ كَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَنُظَرَائِهِ، ثُمَّ بِالنِّسَاءِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَالْأَوَّلُ أَسْهَلُ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ غَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي تَصْنِيفِهِ تَصْنِيفَهُ مُعَلَّلًا، بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ طَرَفَهُ، وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ، كَمَا فَعَلَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ.
وَمِمَّا يَعْتَنُونَ بِهِ فِي التَّأْلِيفِ جَمْعُ الشُّيُوخِ، أَيْ: جَمْعُ حَدِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ. ... قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ
следующие страницы →